النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة البقرة : الآية ٢٣٦
والصوابُ عندي قولُ مَن قال: مَعْقِل بن سِنان، لا مَعْقِل بن يَسار؛ لأنّ
مَعْقِلَ بن يَسار رجلٌ من مُزينة، وهذا الحديث إنما جاء في امرأة من أَشْجَع لا من
مُزَينة، وكذلك رواه داود عن الشعبي عن علقمةً، وفيه: فقال ناسٌ من أشجع(١).
ومَعْقِل بن سِنان قُتِلَ يومَ الحرَّة، وفي يوم الحرَّة يقول الشاعر:
ألا تِلْكُمُ الأنصارُ تَبْكِي سَرَائها
وأَشْجَعُ تَبكي مَعْقِلَ بنَ سِنانٍ(٢)
الخامسة: قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَشُّوهُنَّ﴾ ((ما)) بمعنى الذي، أي: إن طلَّقتم
النساء اللاتي لم تمسُّوهن. و((تمسوهنّ)) قُرِئ بفتح التاء من الثلاثي، وهي قراءة
نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر. وقرأ حمزة والكسائيّ: ((تُماسُّوهَّ))
من المُفاعلة(٣)؛ لأن الوطء تَمَّ بهما؛ وقد يَرِد في باب المُفاعلة فاعَلَ بمعنى فَعَل؛
نحو: طارَقتُ النَّعلَ، وعاقبتُ اللِّصَّ. والقراءة الأُولى تقتضي معنى المُفاعلة في
هذا الباب بالمعنى المفهوم من المسّ؛ ورجَّحها أبو علي؛ لأن أفعالَ هذا المعنى
جاءت ثلاثيةً على هذا الوزن، جاء: نَكّح، وسَفَد، وقَرَع، وَقَط(٤)، وضَرَب
الفحلُ؛ والقراءتان حسنتان(٥).
و((أو)) في ((أَوْ تَفْرِضُوا)) قيل: هي(٦) بمعنى الواو؛ أي: ما لم تمسُّوهنَّ ولم
تفرضوا لهنّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَبَآءَهَا بَأَسُنَا بَيَنْتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾
[الأعراف: ٤] أي: وهم قائلون. وقولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾
[الصافات: ١٤٧] أي: ويَزيدون. وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]
(١) أخرجه النسائي ٦/ ١٢٢، والبيهقي ٢٤٥/٧. داود: هو ابن أبي هند.
قال البيهقي: هذا الاختلاف في تسمية من روى قصة بروع بنت واشق عن النبي ﴿ ﴿ لا يُوهن الحديث،
فإن جميع هذه الروايات أسانيدها صحاح، وفي بعضها ما دلّ على أن جماعة من أشجع شهدوا بذلك،
فكأن بعض الرواة سمّى منهم واحداً، وبعضهم سمّى اثنين، وبعضهم أطلق ولم يُسمّ، ومثله لا يرد
الحديث، ولولا ثقة من رواه عن النبي ﴿ لما كان لفرح عبد الله بن مسعود بروايته معنى، والله أعلم.
(٢) أورده ابن عبد البر في الاستيعاب ١٠/ ١٧٠ في ترجمة معقل بن سنان.
(٣) انظر السبعة ص١٨٣-١٨٤، والتيسير ص ٨١.
(٤) في (م): دفط، وكلاهما بمعنى: سفد. القاموس المحيط (دفط).
(٥) انظر المحرر الوجيز ٣١٨/١، والحجة القراء السبعة ٣٣٦/٢-٣٣٨.
(٦) في (د) و(ز) و(م): هو.

١٦٢
سورة البقرة : الآية ٢٣٦
أي: وكفوراً. وقوله: ﴿وَإِن كُم مَّضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءُ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾
[النساء: ٤٣] معناه: وجاء أحدٌ منكم من الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون. وقولِه:
﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ تُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظَرَّ﴾ [الأنعام: ١٤٦] وما كان مثله.
ويعتضد هذا بأنه تعالى عطفَ عليها بعد ذلك المفروض لها، فقال: ﴿وَإِن
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. فلو كان الأوَّل لِبيان طلاق
المفروض لها قبلَ المَسيس لما كرَّره(١).
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ معناه: أعطوهنَّ شيئاً يكون مَتَاعاً لهن.
وحَمَله ابنُ عمر وعلي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جُبير وأبو
قِلابة والزهري وقتادة والضَّحاك بن مُزَاحِم على الوجوب. وحمله أبو عُبيد
ومالك بن أنس وأصحابه والقاضي شُرَيْح وغيرهم على النَّذْب(٢).
تمسَّك أهلُ القول الأوَّل بمقتضى الأمر. وتمسَّك أهلُ القول الثاني بقوله
تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ و﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ولو كانت واجبةً لأطلقها على الخَلْق
أجمعين. والقول الأوَّل أولى؛ لأنَّ عُمومات الأمر بالإمتاع في قوله: ((مَتِّعُوهُنَّ))،
وإضافة الإمتاع إليهنّ بلام التمليك في قوله: ﴿وَلْمُطَلَّقَتِ مَتٌَ﴾ [البقرة: ٢٤١] أظهرُ
في الوجوب منه في النَّذْب. وقوله: ((عَلَى المُتَّقِينَ)) تأكيدٌ لإيجابها؛ لأن كلَّ واحد
يجب عليه أن يَتّقيّ الله في الإشراك به ومعاصيه، وقد قال تعالى في القرآن:
﴿هُدًى لِلْنَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢](٣).
السابعة: واختلفوا في الضمير المتصل بقوله: ((ومَتِّعُوهُنَّ))(٤) مَن المرادُ به مِن
النساء؟ فقال ابنُ عباس وابن عمر وجابر بن زيد والحسن والشافعي وأحمد وعطاء
وإسحاق وأصحاب الرأي: المُتْعَة واجبةٌ للمطلَّقة قبل البِناء والفرض، ومندوبةٌ في
(١) انظر أحكام القرآن للجصاص ٤٢٧/١-٤٢٨، وأحكام القرآن لابن العربي ٢١٦/١، وقد استشهد ابن
العربي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُم ،ائِمًا أَو گغُرًا﴾ على أن ((أو)) تبقى على بابها، وتكون بمعنى التفصيل
والتقسیم والبیان، ولا ترجع إلى معنى الواو.
(٢) المحرر الوجيز ٣١٨/١.
(٣) انظر أحكام القرآن للجصاص ٤٢٩/١، وأحكام القرآن لابن العربي ٢١٧/١-٢١٨.
(٤) في النسخ: فمتعوهن، والمثبت من (م).

١٦٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٦
حقّ غيرها. وقال مالك وأصحابه: المتعة مندوبٌ إليها في كلِّ مطلقة وإن دخل
بها، إلّا في التي لم يُدخل بها وقد فُرِض لها، فَحسْبُها ما فُرض لها ولا مُتْعة لها.
وقال أبو ثور: لها المُتْعَةُ ولكل مطلَّقة.
وأجمع أهلُ العلم على أن التي لم يُفرض لها ولم يُدخّل بها لا شيء لها غير
المتعة. قال الزُّهْري: يَقضي لها بها القاضي. وقال جمهور الناس: لا يقضي بها(١).
قلت: هذا الإجماع إنما هو في الحُرَّة، فأما الأمَة إذا طُلِّقتْ قبلَ الفرض
والمَسِيس، فالجمهور على أن لها المُتْعَة. وقال الأوزاعيّ والثوريّ: لا مُتعةً لها؛
لأنها تكون لسيدها، وهو لا يستحقُّ مالًا في مُقابلة تأذِي مملوكته بالطلاق. وأما
رَبْطُ مذهب مالك فقال ابن شعبان: المتعة بإزاء غمِّ الطلاق، ولذلك ليس للمخْتَلِعة
والمُبارِئة(٢) والمُلاعِنة متعةٌ قبل البناء ولا بعده؛ لأنها هي التي اختارت الطلاقَ.
وقال الترمذيّ(٣) وعطاء والنخعيّ: للمختلعة متعة. وقال أصحاب الرأي: للملاعِنة
متعة. قال ابن القاسم: ولا مُتعةَ في نكاح مفسوخ. قال ابن الموّاز: ولا فيما
يدخله الفَسْخُ بعد صحة العقد، مثل مِلك أحد الزوجين صاحبه. قال ابن القاسم:
وأصلُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْتُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فكان هذا الحكم مختصًا
بالطلاق دون الفسخ.
وروى ابنُ وهب عن مالك أن المُخيَّرةَ لها المتعةُ بخلاف الأَمَة تَعتِقِ تحت
العبد، فتختار هي نفسَها، فهذه لا متعةً لها. وأما الحرَّة؛ تُخَيَّر، أو تملك، أو
يتزوَّج عليها أَمَة، فتختار هي نفسَها في ذلك كلِّه، فلها المُتعة؛ لأنَّ الزوج سببُ
الفراق(٤).
الثامنة: قال مالك(٥): ليس للمتعة عندنا حدٍّ معروف في قليلها ولا كثيرها.
(١) في (م): لا يقضي بها لها، وهذه المسألة من المحرر الوجيز ٣١٩/١، وانظر الإشراف ٢٩٨/٤-٢٩٩.
(٢) المبارثة: من بارأ المرأة مُبارَأة، يعني: صالحها على الفراق. انظر اللسان (برأ).
(٣) كذا في النسخ والمحرر الوجيز ٣١٩/١ (والكلام منه): الترمذي، وفي الإشراف لابن المنذر ٤/ ٣٠٠:
الزهري، وهو الأشبه.
(٤) في (خ) و(ز) و(م): للفراق، وانظر المحرر الوجيز ٣١٩/١، والنوادر والزيادات ٢٨٩/٥.
(٥) في الموطأ ٢/ ٥٧٢.

١٦٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٦
وقد اختلف الناسُ في هذا، فقال ابن عمر: أدنى ما يُجزئ في المتعة ثلاثون درهماً
أو شبهها. وقال ابن عباس: أرفعُ المتعة خادم، ثم كسوة، ثم نفقة. عطاء:
أوسطُها الدِّرع والخِمار والمِلْحفة. أبو حنيفة: ذلك أدناها. وقال ابن مُحَيْريز(١):
على صاحب الديوان ثلاثةُ دنانير، وعلى العبد المتعة. وقال الحسن: يُمَتِّع كلٍّ
بقدره، هذا بخادم، وهذا بأثواب، وهذا بثوب، وهذا بنفقة. وكذلك يقول مالك بن
أنس، وهو مُقتضَى القرآن، فإن الله سبحانه لم يُقدِّرها ولا حدَّدها، وإنما قال:
﴿عَلَى الْوُمِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُفْتِرِ قَدَرُهُ﴾، ومَّع الحسن بن عليّ بعشرين ألفاً وزِقاقٍ من
عسل. ومتَّع شُريح بخمس مئة درهم(٢).
وقد قيل: إنَّ حالة المرأة مُعتَبَرةٌ أيضاً، قاله بعض الشافعية، قالوا: لو اعتبرنا
حالَ الرجل وحدّه لَزِم منه أنه لو تزوَّج امرأتين، إحداهما شريفة والأخرى دَنيَّة، ثم
طلَّقهما قبل المَسِيس ولم يُسمِّ لهما؛ أن يكونا متساويتين في المتعة، فيجب للدَّنية
ما يجب للشريفة، وهذا خلاف ما قال الله تعالى: ﴿مَتَمَأْ بِالْمَعْرُوفِّ﴾، ويلزم منه أن
المُوسِرَ العظيم اليسار إذا تزوَّج امرأةً دنيَّةً أن يكون مثلها؛ لأنه إذا طلقَّها قبل
الدخول والفَرْض لَزِمته المتعةُ على قدر حاله ومهرُ مثلها، فتكون المتعة على هذا
أضعافَ مهر مِثْلها، فتكون قد استحقَّتْ قبل الدخول أضعاف ما تستحقه بعد
الدخول من مهر المثل الذي فيه غاية الابتذال وهو الوطء(٣).
وقال أصحابُ الرأي وغيرهم: مُتْعَةُ التي تطلَّق قبلَ الدخول والفرض نصفُ
مهر مثلها لا غير؛ لأنّ مهرَ المثل مستَحَقٌّ بالعقد، والمتعة هي بعض مهر المثل،
فيجب لها كما يجب نصفُ المسمَّى إذا طلَّق قبل الدخول، وهذا يردُّه قوله تعالى:
﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُؤُ﴾، وهذا دليلٌ على رفض التحديد، والله بحقائق
(١) كذا في (خ) و(ز): ابن محيريز، وفي (د): ابن محرز، وفي (ظ): ابن محيرز، وفي المدونة ٣٣٤/٢،
والإشراف ٢٩٩/٤، والمحرر الوجيز ٣١٩/١: ابن حُجيرة. وابن حُجيرة: هو عبد الرحمن الخولاني
القاضي، لقي أبا هريرة وأبا سعيد الخدري، توفي سنة (٨٣هـ). انظر أخبار القضاة لوكيع ٢٢٥/٣.
(٢) ينظر المحرر الوجيز ٣١٩/١، والإشراف ٢٩٩/٤ -٣٠٠.
(٣) ينظر أحكام القرآن للكيا الهراسي ٢٠٥/١.

١٦٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٦
الأمور عليم (١). وقد ذكر الثعلبيّ حديثاً قال: نزلت ﴿لَّا ◌ُنَاحَ عَلَيْكُنْ إِن ◌َلَقْتُمُ
اُلْنِسَلّةَ﴾ الآية، في رجل من الأنصار تزوَّج امرأةً من بني حنيفة ولم يُسَمِّ لها مهراً،
ثم طلَّقها قبل أن يمسَّها، فنزلت الآية، فقال النبيُّ وَّهِ: ((متِّعْها ولو بقَلَنْسُوَتِك))(٢).
وروَى الدارقطنيّ عن سُويد بن غَفَلة قال: كانت عائشة الخَتْعَمية عند الحسن بن
علي بن أبي طالب، فلما أُصيب عليٍّ وبُويع الحسن بالخلافة قالت: لِتَهْتِكَ الخلافةُ
يا أمير المؤمنين، فقال: يُقتل عَليٍّ وتُظهرين الشَّماتة! اذهبي فأنت طالقٌ ثلاثاً.
قال: فَتَلفَّعتْ بسَاجِها(٣) وقعدتْ حتى انقضَتْ عدَّتها، فبعث إليها بعشرة آلافٍ
متعةً، وبقية ما بقي لها من صداقها. فقالت:
مَتاعٌ قليلٌ من حَبِيب مُفارِقٍ
فلما بلغَه قولُها بكى وقال: لولا أني سمعتُ جدِّي - أو حدثني أبي أنه سمع
جدِّي - يقول: ((أيُّما رجل طلَّق امرأته ثلاثاً مبهمة أو ثلاثاً عند الأَقراء، لم تحلَّ له
حتى تنكح زوجاً غيره)» لَراجَعْتُها.
وفي رواية: أخبره الرسولُ. فبكى وقال: لولا أني أَبَنْتُ الطلاق لها لَراجَعْتُها،
ولكنِّ سمعتُ رسول الله وَ﴿ يقول: ((أيّما رجل طلَّق امرأته ثلاثاً عند كل ظُهر
تطليقةً، أو عند رأس كلِّ شهر تطليقةً أو طلَّقها ثلاثاً جميعاً، لم تَحِلَّ له حتى تنكح
زوجاً غيره))(٤) .
التاسعة: مَن جَهِل المتعة حتى مضت أعوامٌ فليدفع ذلك إليها وإن تزوَّجتْ،
(١) انظر المحرر الوجيز ٣١٩/١.
(٢) أورده البغوي في تفسيره ٢١٧/١ .
(٣) في (د): بجلبابها، والساج: هو الطيلسان الأخضر، وقيل: هو الطيلسان المقوَّر ينسج كذلك. النهاية
٤٣٢/٢.
(٤) سنن الدار قطني ٣٠/٤-٣١. وفي إسناد الرواية الأولى عمرو بن أبي قيس الرازي الأزرق، صدوق له
أوهام، قال أبو داود: لا بأس به، في حديثه خطأ. انظر ميزان الاعتدال ٣/ ٢٨٥. وفي إسناد الرواية
الثانية عمرو بن شمر الجعفي الكوفي الشيعي، أبو عبد الله، قال يحيى: ليس بشيء، وقال
الجوزجاني: زائغ كذاب، وقال ابن حبان: رافضي يشتم الصحابة، ويروي الموضوعات عن الثقات.
انظر ميزان الاعتدال ٢٦٨/٣.

١٦٦
نسـ
سورة البقرة : الآية ٢٣٦
وإلى ورثتها إنْ ماتَتْ، رواه ابن المؤَّاز عن ابن القاسم. وقال أصبغ: لا شيء عليه
إن ماتَتْ؛ لأنها تسليةٌ للزوجة عن الطلاق وقد فاتَ ذلك(١). ووجه الأوّل أنه حقٌّ
ثبتَ عليه، ينتقل(٢) عنها إلى ورثتها كسائر الحقوق، وهذا يُشعر بوجوبها في
المذهب، والله أعلم.
العاشرة: قوله تعالى: ﴿عَلَى أَلُمِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُؤُ﴾ دليلٌ على وجوب
المتعة.
وقرأ الجمهور: ((المُوسِع)) بسكون الواو وكسر السين، وهو الذي اتَّسعتْ
حالُه، يقال: فلان يُنفق على قدره، أي: على وُسْعهِ. وقرأ أبو حَيْوَة بفتح الواو
وشدِّ السين وفتحها(٣). وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي
بكر(٤): ((قَدْرُهُ)) بسكون الدال في الموضعين. وقرأ ابن عامر وحمزةٌ والكسائي
وعاصم في رواية حفص بفتح الدال فيهما(٥). قال أبو الحسن الأخفش وغيره: هما
بمعنّى، لغتان فصيحتان، وكذلك حكى أبو زيد (٦)، يقول: خُذْ قَدْرَ كذا وقَدَرَ كذا،
بمعنَى. ويقرأ في كتاب الله: ﴿فَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] وقَدْرِها(٧)، وقال
تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِهٍ﴾ [الأنعام: ٩١] ولو حرّكت الدال لكان جائزاً.
و((المُقْتِرِ)): المُقِلُّ القليل المال. و﴿مَتَعًا﴾ نصب على المصدر، أي: متعوهنّ
متاعاً ﴿ِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما عرف في الشرع من الاقتصاد (٨).
(١) انظر النوادر والزيادات ٢٨٩/٥.
(٢) في (م): وينتقل.
(٣) ذكرها أبو حيان في البحر ٢٣٣/٢ .
(٤) هو شعبة بن عياش بن سالم الأسدي، مولاهم، الكوفي، الحنّاط، المقرئ، الفقيه، راوي قراءة
عاصم بن أبي النجود، توفي سنة (١٩٣هـ). السير ٤٩٥/٨.
(٥) قراءة ابن عامر في رواية هشام بسكون الدال، وفي رواية ابن ذكوان بفتح الدال. انظر السبعة في
القراءات ص١٨٤، والتيسير ص ٨١.
(٦) انظر الحجة للقراء السبعة ٣٣٩/٢.
(٧) قراءة الجمهور: ((بقَدَرها)) بفتح الدال، وقرأ الحسن والأشهب العُقيلي بسكون الدال. وستأتي هذه
القراءة في تفسير سورة الرعد. انظر القراءات الشاذة ص ٦٦، والبحر المحيط ٣٨١/٥.
(٨) انظر هذه المسألة في المحرر الوجيز ٣١٩/١.

١٦٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٧
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: يَحِقّ ذلك عليهم حقّاً،
يقال: حققتُ عليه القضاء وأَحققتُ، أي: أوجبت، وفي هذا دليلٌ على وجوب
المتعة مع الأمر بها، فقوله: ((حقًّا)) تأكيدٌ للوجوب. ومعنى ((عَلى المُحْسِنِين)) و((عَلَى
المُتَّقِينَ)) أي: على المؤمنين، إذ ليس لأحد أن يقول: لستُ بمحسن ولا مُتَّقٍ،
والناس مأمورون بأن يكونوا جميعاً محسنين مُثَّقين، فيُحسنون بأداء
فرائض الله ويجتنبون معاصيّه حتى لا يدخلوا(١) النار، فواجبٌ على الخَلْقِ أجمعين
أن يكونوا محسنين متقين. و((حقًّا)) صِفةٌ لقوله: ((متاعاً)) أو نصبٌ على المصدر،
وذلك أدخلُ في التأكيد للأمر، والله أعلم (٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِيضَةً
فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ إِلَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوْ اَلَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ التِّكَاحِّ وَأَنْ تَعْفُّواْ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىّ وَلَا تَنسَواْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُّ
فيه ثمان مسائل :
الأولى: اختلف الناس في هذه الآية، فقالت فرقةٌ منها مالك وغيره: إنها
مُخْرِجَةٌ المطلّقةَ بعد الفرض مِن حُكم التَّمتُّع، إذْ يتناولها قوله تعالى: ((وَمَتِّعُوهُنَّ)).
وقال ابن المسيِّب: نَسخَتْ هذه الآيةُ الآيةَ التي في ((الأحزاب)) [الآية: ٤٩] لأن
تلك تضمَّنتْ تمتيعَ كلِّ من لم يُدخَلْ بها. وقال قتادة: نَسخَتْ هذه الآيةُ الآيةَ التي
قبلها(٣) .
قلت: قول سعيد وقتادة فيه نظر، إذْ شروط النسخ غير موجودة، والجمع
ممكنٌ.
وقال ابن القاسم في ((المدوّنة))(٤): كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى:
(١) في النسخ: لا يدخلون، والمثبت من (م).
(٢) انظر المحرر الوجيز ٣٢٠/١.
(٣) المحرر الوجيز ٣٢٠/١، وأخرج قول ابن المسيب الطبري ٢٩٦/٤-٢٩٧.
(٤) ٣٣٢/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٢٠/١، والكلام إلى آخر
المسألة منه .

١٦٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٧
﴿وَلْمُطَلَّقَتِ مَتٌَ بِالْمَعْرُوفِّ﴾ ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة ((الأحزاب))،
فاستثنى الله تعالى المفروضَ لها قبل الدخول بها بهذه الآية، وأثبتَ للمفروض لها
نصفَ ما فُرِض فقط.
وقال فريق من العلماء منهم أبو ثور: المتعة لكلِّ مطلقة عموماً(١)، وهذه الآيةُ
إنما بيَّنتْ أن المفروض لها تأخذ نصفَ ما فُرض لها، ولم يَعْنٍ بالآية إسقاطَ
متعتها، بل لها المتعة ونصفُ المفروض.
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾ أي: فالواجب نصفُ ما فرضتم، أي:
من المهر، فالنصف للزوج والنصف للمرأة بإجماع.
والنصف: الجزء من اثنين، فيقال: نَصَفَ الماءُ القَدَح أي: بلغَ نِصْفَه. ونَصَف
الإزارُ السَّاقَ، وكلُّ شيءٍ بلغ نصفَ غيره فقد نَصَفَه.
وقرأ الجمهور: ((فَنِصْفُ)) بالرفع، وقرأت فرقة: ((فَنِصْفَ)) بنصب الفاء،
المعنى: فادفعوا نِصْفَ. وقرأ عليّ بن أبي طالب وزيد بن ثابت: ((فَنُصْفُ)) بضم
النون في جميع القرآن، وهي لُغَةٌ. وكذلك رَوى الأصمعيُّ قراءةً عن أبي عمرو بن
العلاء(٢). يقال: نِصف ونُصف ونَصيف، لُغاتٌ ثلاث في النّصف، وفي الحديث:
(لو أنَّ أحدكم أنفقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذهباً، ما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه))(٣) أي: نصفه.
والنَّصيف أيضاً: القِناع.
الثالثة: إذا أصدَقها ثم طلَّقها قبل الدخول، ونما الصَّداق في يدها، فقال مالك:
كل عَرَض أصدَقها أو عبدٍ؛ فنماؤهما لهما جميعاً ونقصانه بينهما، وتَوَاه (٤) عليهما
جميعاً، ليس على المرأة منه شيء. فإنْ أصدَقها عَيْناً ذهباً أو وَرِقاً، فاشترتْ به عبدًا
(١) سلف ص ١٦٢ من هذا الجزء.
(٢) المحرر الوجيز ١/ ٣٢٠، وقراءة علي وزيد رضي الله عنهما أوردها ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص١٥، ورواية الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أوردها أبو حيان في البحر ٢٣٥/٢.
(٣) أخرجه أحمد (١١٠٧٩)، والبخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه، إلا أنه وقع عند مسلم عن أبي هريرة، وهو وهم، نبّه عليه الحافظ المزي في تحفة
الأشراف ٣٤٣/٣، والحافظ ابن حجر في الفتح ٣٥/٧.
(٤) تواه: أي: هلاكه. انظر مختار الصحاح (توي).

١٦٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٧
أو داراً، أو اشترت به منه أو من غيره طِيباً أو شِوَاراً (١)، أو غير ذلك مما لها التصرفُ
فيه لجهازها وصلاح شأنها في بقائها معه، فذلك كلُّه بمنزلة ما لو أصدَقها إِيَّاه،
ونماؤه ونقصانه بينهما. وإنْ طلَّقها قبل الدخول لم يكن لها إلا نصفُه، وليس عليها
أن تغرمَ له نصفَ ما قَبَضتْه منه. وإن اشترتْ شيئاً(٢) تختصُّ به، فعليها أن تغرمَ له
نصفَ صَداقها الذي قَبَضتْ منه، وكذلك لو اشترت من غيره عبداً أو داراً بالألف
الذي أصدقَها، ثم طلَّقها قبل الدخول، رَجَعَ عليها بنصف الألف(٣).
الرابعة: لا خِلاف أن مَن دخَل بزوجته ثم مات عنها وقد سمَّى لها؛ أن لها
ذلك المسمَّى كاملاً والميراث، وعليها العدّة.
واختلفوا في الرجل يخلو بالمرأة ولم يُجامعها حتى فارقها، فقال الكوفيون
ومالك: عليه جميعُ المهر، وعليها العِدّة، لخبر ابن مسعود قال: قضَى الخلفاء
الراشدون فيمن أغلقَ باباً أو أرخى سِتراً أنَّ لها الميراثَ وعليها العِدّة(٤)، ورُوي
مرفوعاً خرَّجه الدارقُظْني(٥)، وسيأتي في ((النساء)). والشافعيّ لا يُوجب مهراً.
كاملاً، ولا عِدّةً إذا لم يكن دخولٌ، لظاهر القرآن. قال شُريح: لم أسمعِ اللهَ
سبحانه وتعالى ذكّر في كتابه باباً ولا سِتراً، إذا زعم أنه لم يمسَّها فلها نصفُ
الصَّداق، وهو مذهب ابن عباس(٦).
(١) الشّوار: متاع البيت. مختار الصحاح (شور).
(٢) في (م): وإن اشترت به أو منه شيئاً.
(٣) انظر المدونة ٢/ ٢٣٠، ومختصر اختلاف العلماء ٢٧٥/٢ .
(٤) لم نقف عليه من قول ابن مسعود رضي الله عنه، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٧٥) والبيهقي في
السنن الكبرى ٧/ ٢٥٥ من قول زرارة بن أوفى. قال البيهقي: هذا مرسل، زرارة لم يدركھم.
وقد رُوي عن ابن مسعود في هذه المسألة خلاف هذا، وأنه قال: لها نصف الصداق. أخرجه البيهقي
في السنن الكبرى ٢٥٥/٧، وأورده ابن عبد البر في الاستذكار ١٣٣/١٦. قال البيهقي: وفيه انقطاع
بين الشعبي وابن مسعود. وانظر الإشراف ٤/ ٦٤ .
(٥) في سننه ٢٠٧/٣ من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، ولفظه: ((من كشف خمار امرأة ونظر
إليها، فقد وجب الصداق، دخل بها أو لم يدخل)) وسيأتي في تفسير الآية (٢١) من سورة النساء، كما
ذکر المصنف.
(٦) انظر الاستذكار ١٣٣/١٦، وأخرج قول ابن عباس عبدُ الرزاق في مصنفه (١٠٨٨٢)، والبيهقي في السنن =

١٧٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٧
وسيأتي ما لعلمائنا في هذا في سورة (النساء)» إن شاء الله تعالى عند قوله
تعالى: ﴿وَقَّدٌ أَفْضَ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [الآية: ٢١].
الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْقُوَأْ الَّذِى بَِدِهِ، عُقْدَةُ التِّكَاحِ﴾
الآية.
((إلَّا أَنْ يَعْفُونَ)) استثناء منقطع؛ لأنّ عفوهنَّ عن النصف لیس من جنس
أَخْذهنّ. و((يعفون)) معناه: يَتركْن ويَصْفَحْن، ووزنه يَفْعُلْنَ. والمعنى: إلا أن یترکن
النِّصفَ الذي وجبَ لهنّ عند الزوج(١)، ولم تسقط النون مع ((أنْ))؛ لأنَّ جمعَ
المؤنث في المضارع على حالة واحدة في الرفع والنصب والجزم(٢)، فهي ضميرٌ
وليست بعلامة إعراب، فلذلك لم تسقط، ولأنه لو سقطت النون لَاشتبه بالمذكَّر.
والعافياتُ في هذه الآية كلُّ امرأة تملك أمرَ نفسها، فأَذِنَ الله سبحانه وتعالى
لهنّ في إسقاطه بعد وجوبه، إذْ جَعَلَه خالصَ حقِّهنّ، فَيتصرفْنَ فيه بالإمضاء
والإسقاط كيف شِئْنَ، إذا مَلَكْنَ أمرَ أنفسهنّ، وكُنَّ بالغاتِ عاقلاتٍ راشداتٍ.
وقال ابن عباس وجماعة من الفقهاء والتابعين: ويجوز عفو البِكر التي لا وَلِيَّ
لها، وحكاه سُحنون في ((المدوّنة)) عن غير ابن القاسم بعد أَنْ ذكّر لابن القاسم أنَّ
وضعَها نصفَ الصَّداق لا يجوز. وأما التي في حِجْر أبٍ أو وصيّ؛ فلا يجوز
وضعها لنصف صداقها قولاً واحداً، ولا خِلاف فيه فيما أعلم (٣).
السادسة: قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْقُوَأْ الَّذِى بِيَدِهِ﴾ معطوفٌ على الأوّل مبنيٌّ، وهذا
معربٌ. وقرأ الحسن: ((أو يَعفو)) ساكنة الواو، كأنه استثقل الفتحةً في الواو(٤).
= الكبرى ٧/ ٢٥٤، وضعَّفه ابن المنذر في الإشراف ٦٤/٤، وابن حجر في تلخيص الحبير ١٩٣/٣.
وأخرج قولَ شُريح عبدُ الرزاق (١٠٨٨٧)، والبيهقي ٧/ ٢٥٥ بنحوه.
(١) المحرر الوجيز ٣٢٠/١.
(٢) انظر معاني القرآن للزجاج ٣١٩/١.
(٣) المحرر الوجيز ٣٢٠/١، وانظر المدونة ١٦٠/٢.
(٤) انظر المحرر الوجيز ٣٢١/١، وقراءة الحسن أوردها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٥، وابن
جني في المحتسب ١/ ١٢٥.

١٧١
سورة البقرة : الآية ٢٣٧
واختلف الناس في المراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ التِّكَاحِ﴾
فروى الدارقطنيّ(١) عن جُبير بن مُطعِم أنه تزوَّج امرأةً من بني نصر(٢)، فطلَّقها قبل
أن يدخل بها، فأرسل إليها بالصَّداق كاملاً وقال: أنا أحقُّ بالعفو منها،
قال الله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ أَلَّذِى بِبَدِهِ، عُقْدَةُ التِّكَاعِ﴾ وأنا أحقُّ بالعفو
منها. وتأوَّل قوله تعالى: ﴿أَوْ يَمْقُوَأْ أَلَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ التِّكَاجُ﴾ يعني نفسه في كلِّ
حال قبل الطلاق وبعده، أي: عقدة نكاحه، فلما أدخلَ اللام حذفَ الهاء، كقوله:
﴿فَإِنَّ الَّْةَ هِىَ الْمَأْوَ﴾ [النازعات: ٤١] أي: مأواه. قال النابغة:
لهم شِيمَةٌ لم يُعْطِها اللهُ غيرَهم من الجُود والأَخْلَامُ غيرُ عَوَازِبٍ(٣)
أي: أحلامهم. وكذلك قوله: ﴿عُقْدَةُ التِّكَاجُ﴾ أي: عقدة نكاحه.
وروى الدارقطنيّ مرفوعاً من حديث قتيبة بن سعيد، حذَّثنا ابنُ لَهِيعة، عن
عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله وَّه: ((وليُّ عُقدة النكاح
الزوجُ))(٤). وأَسند هذا عن عليّ وابن عباس وسعيد بن المسيّب وشُريح. قال(٥):
وكذلك قال نافع بن جُبير ومحمد بن كعب وطاوس ومجاهد والشعبيّ وسعيد بن
جُبير، زادَ غيره: ومجاهد والثوريّ. واختاره أبو حنيفة، وهو الصحيح من قول
الشافعيّ(٦)، كلُّهم لا يرى سبيلاً للولِيّ على شيء من صداقها؛ للإجماع على أن
الوليَّ لو أبرأ الزوجَ من المهر قبل الطلاق لم يَجُزْ، فكذلك بعده. وأجمعوا على أن
الولي لا يملك أن يَهبَ شيئاً من مالها، والمهرُ مالها. وأجمعوا على أنّ من
(١) في سننه ٢٧٩/٣.
(٢) في (د): بني نضير. وبنو نصر: قبيلة من هوازن، ولد نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن. انظر الأنساب
٩٢/١٢.
(٣) ديوان النابغة الذبياني ص ١٢، وانظر تفسير الطبري ٣٣٥/٥.
وقوله: الأحلام: جمع حِلم، وهو الأناة والعقل. وقوله: عوازب: جمع عازب، يقال: أعزب عنه
چِلمه، وعزب عنه عزوباً، أي: ذهب. انظر اللسان (حلم) و(عزب).
(٤) سنن الدارقطني ٢٧٩/٣، وأورده البيهقي في السنن الكبرى ٢٥١/٧-٢٥٢، ثم قال: وهذا غير
محفوظ، وابن لهيعة غير مُحتَجَ به، والله أعلم.
(٥) يعني الدارقطني في سننه ٢٧٩/٣- ٢٨١، وأخرج هذه الأقوال الطبري ٣٢٤/٥-٣٣٢.
(٦) انظر أحكام القرآن لابن العربي ٢١٩/١.

١٧٢
سورة البقرة : الآية ٢٣٧
الأولياء من لا يجوز عفُوهم، وهم بنو العمِّ وبنو الإخوة، فكذلك الأب، والله
(١)
أعلم(١).
ومنهم من قال: هو الوَلِيّ، أسنده الدار قطني (٢) أيضاً عن ابن عباس قال: وهو
قول إبراهيم وعلقمة والحسن، زاد غيره: وعِكرمة وطاوس وعطاء وأبي الزّناد
وزيد بن أسلم وربيعة ومحمد بن كعب وابن شهاب والأسود بن يزيد والشعبي
وقتادة ومالك والشافعي في القديم. فيجوز للأب العفو عن نصف صداق ابنته البِكر
إذا ◌ُلِّقتْ، بلغت المحيضَ أم لم تَبْلُغه. قال عيسى بن دينار: ولا ترجع بشيء منه
على أبيها(٣).
والدليلُ على أنّ المرادَ الولي أن الله سبحانه وتعالى قال في أوّل الآية: ﴿وَإِن
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِيضَةٌ فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾ فذكّر الأزواج
وخاطبهم بهذا الخطاب، ثم قال: ﴿إِلَّ أَن يَعْفُونَ﴾ فذكّر النسوان، ﴿أَوْ يَعْفُوَأْ الَّذِى
بِيَدِهِ، عُقْدَةُ التِّكَاجْ﴾ فهو ثالث، فلا يرد إلى الزوج المتقدِّم إلا لو لم يكن لغيره
وجود، وقد وُجد، وهو الولي، فهو المراد. قال معناه مَكِّيٌّ (٤) وذكره ابنُ العربي(٥).
وأيضاً فإنّ الله تعالى قال: ﴿إِلَّ أَن يَعْفُونَ﴾ ومعلومٌ أنه ليس كلُّ امرأة
تعفو، فإن الصغيرة والمحجورَ عليها لا عفوَ لهما، فبيّن الله القسمين فقال: ﴿إِلَّ
أَن يَعْفُونَ﴾ أي: إنْ كنَّ لذلك أهلاً، ﴿أَوْ يَعْقُوَأْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ التِّكَاحُ﴾ وهو
الوَليّ؛ لأنَّ الأمر فيه إليه. وكذلك روى ابنُ وهب وأشهبُ وابن عبد الحكم وابن
القاسم عن مالك أنه الأبُ في ابنته البِكر والسيدُ في أمته.
وإنما يجوز عفو الوَلِيّ إذا كان من أهل السَّداد، ولا يجوز عفوه إذا كان
سفيهاً.
(١) ينظر المحرر الوجيز ٣٢١/١.
(٢) في سننه ٣/ ٢٨٠-٢٨١.
(٣) ينظر المنتقى ٢٨٧/٣-٢٨٨، وأحكام القرآن لابن العربي ٢١٩/١، وأخرج هذه الأقوال السابقة - عدا
قول عيسى بن دينار - الطبريُّ ٣١٧/٥-٣٢٣.
(٤) ينظر المحرر الوجيز ٣٢١/١.
(٥) في أحكام القرآن ٢٢١/١- ٢٢٢، والكلام الذي بعده منه.

١٧٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٧
فإن قيل: لا نُسلِّم أنه الوليُّ، بل هو الزوج، وهذا الاسمُ أولى به؛ لأنه أملك
للعقد من الولي على ما تقدّم.
فالجواب: أنا لا نُسلِّم أن الزوج أملك للعقد(١) من الأب في ابنته البِكر، بل
أبُ البكر يملكه خاصَّة دون الزوج؛ لأنّ المعقود عليه هو بُضْع البِكر، ولا يملك
الزوجُ أن يعقِدَ على ذلك، بل الأب يملكه(٢).
وقد أجاز شُريح عفوَ الأخ عن نصف المهر؛ وكذلك قال عكرمة: يجوز عفو
الذي عَقَد عُقْدة النكاح بينهما، كان عمَّا أو أباً أو أخاً، وإنْ كَرِهت(٣).
وقرأ أبو نَهيك والشعبيّ: ((أو يعفو)) بإسكان الواو على التشبيه بالألف(٤)،
ومثله قول الشاعر(٥):
فما سوَّدتْني عامرٌ عن وِرَاثة أبى الله أن أَسْمُو بأمّ ولا أبٍ
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ابتداءٌ وخبر، والأصل:
تعفُؤُوا، أسكنت الواو الأولى لِثقل حركتها، ثم حُذفت لالتقاء الساكنين(٦)، وهو
خِطاب للرجال والنساء في قول ابن عباس(٧) فغلَّب الذكور، واللام بمعنى إلى،.
أي: أقرب إلى التقوى.
وقرأ الجمهور: ((تعفو)) بالتاء باثنتين من فوق. وقرأ أبو نَهِيك والشعبي: ((وأن
يعفو» بالياء، وذلك راجعٌ إلى الذي بيده عقدةُ النكاح(٨).
(١) في النسخ الخطية: بالعقد، والمثبت من (م).
(٢) المنتقى ٢٨٧/٣.
(٣) انظر المحرر الوجيز ٣٢٠/١-٣٢١.
(٤) كذا نسب المصنف رحمه الله هذه القراءة لأبي نَهيك والشعبي، والصواب أنها للحسن، وقد سلفت
قريباً، وقراءة أبي نهيك والشعبي هي: ((وأن يعفو أقرب)) بالياء. وسيذكرها المصنف في المسألة
التالية. انظر القراءات الشاذة ص١٣، والمحتسب ١٢٥/١، والمحرر الوجيز ٣٢١/١.
(٥) هو عامر بن الُّفَيل، والبيت في ديوانه ص٢٨.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٠/١.
(٧) أخرجه الطبري ٣٣٧/٥.
(٨) المحرر الوجيز ٣٢١/١-٣٢٢.
.

١٧٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
قلت: ولم يقرأ: ((وأن تعفون)) بالتاء فيكون للنساء.
وقرأ الجمهور: ﴿وَلَا تَنسَوأُ اَلْفَضّلَ﴾ بضم الواو، وكَسَرها يحيى بن يَعْمَر.
وقرأ عليّ ومجاهد وأبو حَيْوَة وابن أبي عَبْلة: ((ولا تناسوا الفضل)) وهي قراءة
مُتَمكِّنة المعنى؛ لأنه موضع تَنَاسِ لا نسيان إلا على التشبيه. قال مجاهد: الفَضْل
إتمامُ الرجل الصَّداق كلَّه، أو ترك المرأة النصف الذي لها(١).
الثامنة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيِّ﴾ خبرٌ في ضِمنه الوعد للمحسن
والحِرمان لغير المُحسن(٢)، أي: لا يخفى عليه عفوكم واستقضاؤكم.
قوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَاتِ وَالضَّلَوةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ
فيه ثمان مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ﴾ خطاب لجميع الأمة، والآية أمر بالمحافظة
على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها .
والمحافظةُ هي المداومة على الشيء والمواظبةُ عليه. والوُسْطَى تأنيث
الأوْسَط. ووَسَطُ الشيء خَيْرُه وأعْدَلُه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً
وَسَطَّا﴾ وقد تقدَّم(٣). وقال أعرابيٍّ يمدح النبيَّ ◌َ ا}1:
يا أوْسَطَ الناس ◌ُظُرًّا في مَفاخرهم وأكرمَ الناسِ أُمَّا بَرَّةَ وأبا (٤)
ووَسَطَ فلانٌ القومَ يَسِطُهم: أي: صار في وسطهم.
وأفرد الصلاةَ الوسطى بالذكر وقد دخلت قبلُ في عموم الصلوات تشريفاً لها،
(١) المحرر الوجيز ٣٢٢/١ عدا قراءة يحيى بن يعمر، وقد أوردها أبو حيان في البحر ٢٣٨/٢، وذكرها
الزمخشري في الكشاف ٣٧٥/١ دون نسبة. وانظر المحتسب ٥٤/١. وقراءة علي أوردها ابن خالويه في
القراءات الشاذة ص١٥، وابن جني في المحتسب ١٢٧/١، ونسبها أيضاً لأبي رجاء وجُؤَيَّة بن عائذ.
وقول مجاهد أخرجه الطبري ٣٣٩/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٣٢٢/١.
(٣) ٤٣٣/٢.
(٤) لم نقف على قائله، وذكره أبو حيان في البحر ٢/ ٢٤٠.

١٧٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ التَّيْنَ مِثَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحِ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقولِه:
﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَقْلُ وَرَُّانٌ﴾(١) [الرحمن: ٦٨].
وقرأ أبو جعفر الرؤاسيُّ(٢): ((وَالصَّلَاةَ الوُسْطَى)) بالنصب على الإغراء، أي:
والْزموا الصلاةَ الوُسْطَى، وكذلك قرأ الحلوانيُّ(٣). وقرأ قَالُونُ عن نافع:
((الوصطى)) بالصاد(٤) لمجاورة الظَّاء لها؛ لأنهما من حَيِّزٍ واحد، وهما لغتان
كالصراط ونحوه.
الثانية: واختلف الناس في تعيين الصلاة الوسطى على عشرة أقوال:
الأوَّل: أنها الظهر؛ لأنها وسط النهار، على الصحيح من القولين أن النهار
أوَّلُه من طلوع الفجر كما تقدَّم(٥)، وإنما بدأنا بالظهر لأنها أوَّل صلاة صُلِّيت في
الإسلام. وممن قال: إنها الوسطى: زيد بنُ ثابت، وأبو سعيد الخدريُّ،
وعبد الله بن عمر وعائشةُ رضي الله عنهم(٦).
وممَّا يدل على أنها وسطى ما قالته عائشة وحفصة حين أمْلَتَا: ((حَافِظُوا عَلَى
الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وصلاة العصر)) بالواو(٧). ورُوي أنها كانت أشقَّ
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢٢٤/١، والمحرر الوجيز ٣٢٢/١.
(٢) في النسخ: الواسطي، وهو خطأ، والتصويب من إعراب القرآن للنحاس ٣٢٠/١، والمحرر الوجيز
٣٢٢/١، وهو محمد بن الحسن بن أبي سارة، الكوفي النحوي، روى الحروف عن أبي عمرو، وله
اختيار في القراءة يُروى عنه، واختيار في الحروف، روى عنه الكسائي والفراء وغيرهم. طبقات القراء
١٦٦/٢. وأما أبو جعفر الواسطي، فمتأخر عنه، وهو عبد الله بن أحمد بن جعفر الضرير المقرئ،
طبقات القراء ٤٠٦/١.
(٣) أحمد بن يزيد ابن ازداد أبو الحسن، وقد ذكر هذه القراءة أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٥
ونسبها الرؤاسي، ونسبها الزمخشري ٣٧٦/١ لعائشة رضي الله عنها، ووجَّهها على أنها نصب على
المدح والاختصاص.
(٤) تفسير الكشاف ٣٧٦/١. وقراءة نافع المتواترة عنه هي قراءة الجماعة: ((الوسطى)) بالسين.
(٥) ٤٩٢/٢.
(٦) ينظر التمهيد ٢٨٥/٤-٢٨٦، والمحرر الوجيز ٣٢٢/١، وينظر تخريج الآثار المذكورة في مصنف عبد
الرزاق ٠٥٧٧/٦-٥٧٨، وتفسير الطبري ٣٥٩/٥-٣٦٣. وأخرجه عن زيد بن ثابت أيضاً أحمد
(٢١٥٩٠).
(٧) المحرر الوجيز ٣٢٢/١، وأخرجه عن عائشة أحمد (٢٤٤٤٨)، ومسلم (٦٢٩)، ومالك في الموطأ=

١٧٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
الصلوات(١) على المسلمين؛ لأنها كانت تجيء في الهاجرة وهم قد نَفَّهَتْهُم(٢)
أعمالهم في أموالهم.
ورَوى أبو داود(٣) عن زيد قال: كان رسول الله ** يصلّي الظهر بالهاجرة،
ولم تكن تُصلَّى صلاةٌ أشدَّ على أصحاب رسول الله وَّه منها، فنزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى
الصََّلَوَتِ وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَ﴾ وقال: إنَّ قبلها صلاتين وبعدها صلاتين.
وروى مالك في موّئه، وأبو داودَ الطَّيالسيُّ في مسنده(٤)، عن زيد بن ثابت
قال: الصلاةُ الوسطى صلاة الظهر، زاد الطيالسيُّ: وكان رسول اللهِ وَله يصلِّيها
بالھچیر.
الثاني: أنها العصر؛ لأنه قبلها صلاتا نهارٍ وبعدها صلاتا ليلٍ(٥).
قال النحاس(٦): وأجود من هذا الاحتجاج أن يكون إنما قيل لها وُسْطَى؛
لأنها بين صلاتين: إحداهما أولُ ما فُرض، والأخرى الثانية ممَّا فُرض.
وممن قال إنها وُسطى: عليّ بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة
وأبو سعيد الخدريُ(٧)، وهو اختيار أبي حنيفة وأصحابه، وقاله الشافعيُّ وأكثر أهل
م
١٣٨/١، وعن حفصة أخرجه مالك ١٣٩/١، وعبد الرزاق (٢٢٠٢)، والطبري ٣٦٣/٥-٣٦٦. قال
النحاس في إعراب القرآن ٣٢١/١: وهذا لا يوجب أن تكون الوسطى خلاف العصر كما أن قوله عز
وجل: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَعْلُ وَكَانٌ ﴾﴾ أن يكون النخل والرمان خلاف الفاكهة.
(١) قوله: الصلوات، من (د)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٣٢٢/١.
(٢) في (د): نسفتهم، وفي (خ) و(ظ) نقهتهم. ونَفَّهه: أتعبه حتى انقطع. اللسان (نفه).
(٣) في سننه (٤١١)، وهو عند أحمد (٢١٥٩٥).
(٤) موطأ مالك ١٣٩/١، ومسند الطيالسي (٦٢٨).
(٥) في (م): لأن قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي ليل. والمثبت من النسخ الخطية، وهو موافق لما في
المحرر الوجيز ٣٢٢/١، والكلام منه.
(٦) في إعراب القرآن ٣٢١/١.
(٧) المحرر الوجيز ٣٢٢/١، وينظر الاستذكار ٤٢٨/٥-٤٢٩، وأخرجه عن علي رضي الله عنه البخاري
(٦٣٩٦)، وأخرج الآثار المذكورة وغيرها الطبري ٣٤٢/٥-٣٥٩، قال الشيخ أحمد شاكر في حاشية
تفسير الطبري ١٦٨/٥: روى أبو جعفر هنا في تفسير الصلاة الوسطى ١١٣ خبراً بين مرفوع وموقوف
وأثر، على اختلاف الروايات في ذلك، بعضها صحيح وبعضها ضعيف، مما لم نجده مستوعباً وافياً
في غير هذا الموضع من الدواوين.

١٧٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
الأثر، وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب (١)، واختاره ابن العربيٍّ في قَبَسِه(٢)، وابنُ
عطيةً في تفسيره(٣) وقال: وعلى هذا القول جمهورُ الناس(٤) وبه أقول.
واحتجوا بالأحاديث الواردة في هذا(٥) الباب؛ خرَّجها مسلم وغيره(٦)،
وأَنَصُها حديثُ ابن مسعود قال: قال رسول الله وَّ: ((الصلاةُ الوُسْطَى صلاةٌ
العصر» خرَّجه الترمذيُّ وقال: حديثٌ حسن صحيح(٧).
وقد أتينا زيادةً على هذا في ((المقتبس(٨) في شرح موطأ مالك بن أنس).
الثالث: أنها المغرب؛ قاله قبيصة بن ذؤيب(٩) في جماعة. والحجَّة لهم أنها
متوسّطةٌ في عدد الركعات؛ ليست بأقلِّها ولا أكثرها، ولا تُقْصَر في السفر، وأن
رسول الله آلے لم يؤخّرها عن وقتها ولم يعجّلها، وبعدها صلاتا جَهْرٍ وقبلها صلاتا
*(١٠)
سِر
(١) التمهيد ٢٨٩/٤.
(٢) كذا ذكر المصنف، وذكره أيضاً عن ابن العربي ابنُ حجر في الفتح ١٩٦/٨، وأبو حيان في البحر
٢/ ٢٤٠، والذي اختاره ابن العربي في قبسه ١/ ٣٢٠ أنها صلاة الصبح، فقد قال بعد أن ذكر ما قيل
في الصلاة الوسطى: فقوي بهذا كله أنها صلاة الصبح حسب ما ذهب إليه مالك. وإن كان في
العارضة وأحكام القرآن قد اختار أنها مخفية، فقال في العارضة ٢٩٥/١: والصحيح أنها مخفية ...
زيادة في فضلها، وقال في أحكام القرآن ٢٢٦/١: وأما من قال إنها مخفية فلتعارض الأدلة وعدم
الترجيح، وهذا هو الصحيح.
(٣) المحرر الوجيز ٣٢٢/١.
(٤) في (خ) و(ز) و(م): الجمهور من الناس، وفي (ظ): جمهور من الناس، والمثبت من (د) وهو الموافق
لما في المحرر الوجيز.
(٥) قوله: هذا، من (م) وليس في باقي النسخ.
(٦) صحيح مسلم ٤٣٦/١-٤٣٨، وينظر التعليق على الحديث (٣٧١٦) في مسند أحمد. قال ابن عطية في
المحرر ٣٢٣/١: وتواتر الحديث عن النبي ولو أنه قال يوم الأحزاب: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى،
صلاةٍ العصر)).
(٧) سنن الترمذي (١٨١).
(٨) في (م): القبس. وهو خطأ، وقد ذكر المصنف كتابه هذا في أكثر من موضع، أولها ١/ ٢٦٧.
(٩) في (د) و(ز) و(م): قبيصة بن أبي ذؤيب، وهو خطأ.
(١٠) النكت والعيون ٣٠٩/١، والمحرر الوجيز ٣٢٣/١. وخبر قبيصة أخرجه الطبري ٣٦٧/٥، وقال
الشيخ أحمد شاكر في تعليقه عليه ٢١٤/٥: هذا إسناد منهار، لا شيء !... وهذا الخبر نقله السيوطي=

١٧٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
ورُوي من حديث عائشة رضي الله عنها، عن النبي وَ ﴿ قال: ((إنَّ أفضلَ
الصَّلَواتِ عند الله صلاةُ المغرب؛ لم يَحُّها عن مسافرٍ ولا مُقیم، فتحَ الله بها
صلاة الليل، وختم بها صلاةَ النهار، فمن صلَّى المغرب وصلَّى بعدها ركعتين؛
بنَى الله له قصراً في الجنة، ومَن صلَّى بعدَها أربعَ ركعاتٍ غَفَرَ الله له ذنوبَ عشرين
سنةً، أو قال: أربعين سنة))(١).
الرابع: صلاة العشاء الآخرة؛ لأنها بين صلاتين لا تقصران، وتجيءُ في وقت
نومٍ ويُستحبُّ تأخيرها، وذلك شاقٌّ، فوقع التأكيد في المحافظة عليها (٢).
الخامس: أنها الصبح؛ لأن قبلها صلاتي ليل يُجهَر فيهما، وبعدها صلاتي
نهار يُسرُّ فيهما (٣)، ولأن وقتها يدخل والناس نيام، والقيام إِليها شاقٌّ في زمن البرد
لشدَّة البرد، وفي زمن الصيف لقِصَر الليل.
وممن قال إنها وسطى: عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن عباس؛ أخرجه الموطأ
بلاغاً (٤)، وأخرجه الترمذيُّ عن ابن عمر وابن عباس تعليقًا(٥)، ورُويّ عن جابر بن
عبد الله(٦). وهو قول مالك وأصحابِهِ، وإليه مَّيْل الشافعيِّ فيما ذَكّر عنه القُشيريُّ(٧).
= ٣٠٥/١ ولم ينسبه لغير الطبري. قلنا: قال السيوطي بعد أن أورد الخبر: وأخرج ابن أبي حاتم بسند
حسن عن ابن عباس قال: صلاة الوسطى المغرب. وهو في تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٧٥).
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٦٤٤٥) مختصراً، وليس فيه: ومن صلى بعدها أربع
رکعات ... ، وفي إسناده عبد الله بن محمد بن یحیی بن عروة بن الزبير؛ قال ابن حبان: يروي
الموضوعات عن الثقات، وقال أبو حاتم الرازي: متروك. ميزان الاعتدال ٤٨٦/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٣٢٣/١.
(٣) المحرر الوجيز ٣٢٢/١.
(٤) ١٣٩/١، قال أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار ٤٢٤/٥: وهذا صحيح عن ابن عباس من وجوه
صحاح ثابتة عنه، وغير صحيح عن علي. وانظر التمهيد ٢٨٧/٤-٢٨٨، والاستذكار ٤٢٤/٥-٤٢٧.
(٥) سنن الترمذي إثر حديث (١٨٢)، وسيذكره المصنف لاحقاً، وانظر الروايات عن ابن عباس في تفسير
الطبري ٣٦٧/٥-٣٦٩، وشرح معاني الآثار ١/ ١٧٠. وعن ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٠٦،
والبيهقي ١/ ٤٦٢، وينظر التمهيد ٢٨٤/٤، وقال ابن عبد البَرّ في الاستذكار ٤٢٧/٥: وقد اختلف
عن ابن عمر في هذا.
(٦) أخرجه الطبري ٥/ ٣٧٠.
(٧) الموطأ ١٣٩/١، والتمهيد ٢٨٤/٤، وأحكام القرآن للكيا الطبري ٢١٤/١.

١٧٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
والصحيح عن عليٍّ أنها العصر، رُوي(١) عنه ذلك من وجه معروف صحيح(٢).
وقد استدل مَن قال: إنها الصبح، بقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِنِينَ﴾ يعني
فيها، ولا صلاة مكتوبة فيها قنوتٌ إلا الصبح(٣)؛ قال أبو رَجَاء: صلَّى بنا ابن
عباس صلاة الغداة بالبصرة، فقنتَ فيها قبل الركوع ورفع يديه، فلما فرغ قال: هذه
الصلاة الوسطى التي أمرنا الله تعالى أن نقوم فيها قانتين (٤). وقال أنس: قَنَتَ
النبيُّ ◌َلّر في صلاة الصبح بعد الركوع(٥).
وسيأتي حكم القُنُوت وما للعلماء فيه في ((آل عمران)) عند قوله تعالى: ﴿لَيْسَ
لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ [الآية: ١٢٨].
السادس: صلاة الجمعة؛ لأنها خُصَّت بالجمع لها والخطبةِ فيها، وجُعِلَت
عيداً؛ ذكره ابن حبيب ومكّي(٦). وروى مسلم(٧) عن عبد الله أن النبيَّ ◌َّه قال لقوم
يتخلَّفون عن الجمعة: ((لقد هممتُ أن آمُرَ رجلاً يصلِّي بالناس، ثم أحرِّقَ على
رجال يتخلَّفون عن الجمعة بیوتهم».
السابع: أنها الصبحُ والعصر معاً. قاله الشيخ أبو بكر الأبهرِيُّ، واحتجَّ بقول
رسول الله والقهر: ((يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكة بالنهار)) الحديث، رواه أبو
هريرة (٨).
(١) في (د) و(ز) و(م): وروي.
(٢) التمهيد ٢٨٧/٤ -٢٩٠، وقد تقدم تخريج إحدى الروايات عنه من صحيح البخاري (٦٣٩٦) في القول
الثاني من هذه المسألة.
(٣) تفسير الطبري ٥/ ٣٧١.
(٤) أخرجه الطبري ٣٦٨/٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٧٠، وأبو رجاء هو العطاردي
عمران بن ملحان.
(٥) أخرجه بهذا اللفظ أبو يعلى (٤٢٨٦)، وأخرجه بنحوه أحمد (١٢١١٧)، والبخاري (١٠٠١)، ومسلم
(٦٧٧)، (٢٩٨).
(٦) المحرر الوجيز ٣٢٣/١.
(٧) صحيح مسلم (٦٥٢)، وهو عند أحمد (٣٨١٦).
(٨) أخرجه أحمد (٧٤٩١)، والبخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢).

١٨٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
وروى جرير بن عبد الله قال: كنا جلوساً عند رسول الله وَله، إذا نظر إلى القمر
ليلة البدر، فقال: ((أما إنَّكم سترَوْن ربَّكم كما تَرَوْن هذا القمر، لا تضامون في
رؤيته، فإن استطعتُم ألَّا تُغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)) (١) يعني
العصر والفجر، ثم قرأ جرير: ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ مُلُوجِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِباً﴾.
وروى عُمارة بن رُوَيْبة قال سمعتُ رسول الله ﴿ يقول: ((لن يَلِجَ النارَ أحدٌ
صلَّى قبلَ طلوع الشمس وقبل غروبها)) يعني الفجر والعصر(٢).
وعنه أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((مَن صلَّى البَرْدَيْن دخل الجنة))(٣) كلُّه ثابتٌ في
صحيح مسلم وغيره. وسُمِّيتا البَرْدَيْن لأنهما يُفعلان في وقت (٤) البرد.
الثامن: أنها العتمةُ والصبح؛ قال أبو الدرداء رضي الله عنه في مرضه الذي
مات فيه: اسمعوا وبلِّغوا مَن خلفكم: حافِظوا على هاتين الصلاتين - يعني في
جماعةٍ - العِشاءِ والصبح، ولو تعلمون ما فيهما لأَتّيتُموهما ولو حَبْوًا على مَرافِقِكُم
ورُكَبِكم(٥). وقاله عمر وعثمان(٦).
ورَوى الأئمة عن رسول الله وَلفل أنه قال: ((ولو يعلمون ما في العَتّمة والصبح
لأتَوهما ولو حَبْوًا - وقال - إنهما أشدُّ الصلاة على المنافقين))(٧) وجعل لمصَلِّي
الصبح في جماعة قيام ليلة، والعَتَمةِ نصفَ ليلة؛ ذكره مالك موقوفاً على عثمان(٨)،
(١) في (د) و(ز) و(م): وصلاة قبل غروبها، والحديث أخرجه أحمد (١٩١٩٠)، والبخاري (٥٥٤)،
ومسلم (٦٣٣). قوله: تضامون، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٣/٢: بضمِّ أوله مخفَّفاً: أي
لا يحصل لكم ضيم حينئذ، وروي بفتح أوله والتشديد: من الضم؛ والمرادُ نفي الازدحام.
(٢) أخرجه أحمد (١٧٢٢٠)، ومسلم (٦٣٤).
(٣) أخرجه أحمد (١٦٧٣٠)، والبخاري (٥٧٤)، ومسلم (٦٣٥).
(٤) في (خ) و(ز) و(ظ) و(م): وقتي، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في المفهم ٢/ ٢٦٢، والكلام منه.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٣٣٢.
(٦) في (م): قاله عمر وعثمان، وقد أخرجه عنهما ابن أبي شيبة ٣٣٣/١.
(٧) أخرجه أحمد (٩٤٨٦)، والبخاري (٦٥٧)، ومسلم (٦٥١): (٢٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه.
(٨) الموطأ ١٣٢/١.