النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة البقرة : الآية ٢٣١
عددَ الطلاق، ولا كانت لِعوض ولا لضرر بالزوج فكانت رجعية؛ أصلُه طلاق
المُولِي(١).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِعْرُوفٍ﴾ يعني فطلقوهنَّ، وقد تقدَّم. ﴿وَلَا
تُشِكُهُنَّ ضِرَارًا لِعْنَدُوَّأْ﴾ روى مالك عن ثور بنِ زيد الدِّيلي: أنَّ الرجلَ كان يطلِّق
امرأته، ثم يراجعُها ولا حاجةً له بها، ولا يريدُ إمساكَها؛ كيما يطوِّل بذلك العدّةً
عليها، وليُضارَّها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُهُنَّ ضِرَارًا لِعْنَدُوَّأْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ
ظَ نَفْسَهُ﴾، يعظهم الله به(٢) .
وقال الزجاج(٣): ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَةٌ﴾ يعني عرَّضَ نفسَه للعذاب؛ لأنَّ إتيانَ ما
نهى الله عنه تعرّضٌ لعذاب الله.
وهذا الخبرُ موافقٌ للخبر الذي نزل بترك ما كان عليه أهلُ الجاهلية من الطلاق
والارتجاع حسْبَ ما تقدَّم بيانه عند قوله تعالى ﴿الطَّلَقُّ مَرَّتَانٍ﴾ [الآية: ٢٢٩].
فأفادنا هذان الخبران أنَّ نزولَ الآيتين المذكورتين كان في معنى واحدٍ متقاربٍ،
وذلك حبسُ الرجلِ المرأةَ ومراجعتُه لها قاصداً إلى الإضرار بها، وهذا ظاهر.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوْاْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ معناه لا تأخذوا
أحكامَ الله تعالى في طريق الهزل(٤) فإنها جِدٌّ كلُّها، فمن هزل(٥) فيها لزمته. قال
أبو الدرداء(٦): كان الرجل يُطلِّق في الجاهلية، ويقول: إنما طلَّقتُ وأنا لاعبٌّ،
وكان يعتِق وينكح، ويقول: كنت لاعباً؛ فنزلت هذه الآية، فقال عليه الصلاة
والسلام: ((من طلّق أو حرَّر، أو نكح أو أنكح، فزعم أنه لاعب، فهو جِدٌ)). رواه
(١) انظر الإشراف ١٤٤/٤، ومختصر اختلاف العلماء ٣٦٦/٢، والاستذكار ١٦٨/١٨-١٦٩.
(٢) موطأ مالك ٥٨٨/٢، وثور بن زيد الديلي المدني مولى بني الدِّيل بن بكر، ثقة، مات سنة (٣٥هـ).
تقريب التهذيب ص٧٤.
(٣) في معاني القرآن ٣١٠/١.
(٤) في (د) و(ز) و(خ): الهزء، والمثبت من (ظ)، ولم يرد قوله: ((في طريق)) في (ز).
(٥) في (د): هزأ.
(٦) أورده الكيا الطبري في أحكام القرآن ١٨٤/١، والواحدي في الوسيط ٣٣٨/١، والرازي في تفسيره
١١٨/٦.
:

١٠٢
سورة البقرة : الآية ٢٣١
مَعْمَر قال: حدَّثنا عيسى بنُ يونس، عن عمرو، عن الحسن، عن أبي الدرداء فذكره
بمعناه(١).
وفي موطأ مالكٍ(٢) أنه بلغه أنَّ رجلاً قال لابن عباس: إنِّي طلقت امرأتي مئةً
مرة، فماذا ترى عليَّ؟ فقال ابن عباس: طُلِّقت منك بثلاث، وسبعٌ وتسعون اتخذت
بها آياتِ الله هزواً.
وخرَّج الدار قطنِيُّ من حديث إسماعيل بن أمية القرشيِّ، عن عليٍّ قال: سمع
النبيُّ ◌َِّهِ رجلاً طلق البتةَ، فغضب، وقال: ((تتخذون آياتِ الله هزواً - أو
دِينَ الله هزوًا - ولعبًا، من طلَّق البتةَ ألزمناه ثلاثًا، لا تحلُّ له حتى تنكحَ زوجًا
غيره)). إسماعيل بنُ أمية هذا کوفِيٍّ ضعيفُ الحديث(٣).
ورُوي عن عائشة: أنَّ الرجل كان يطلق امرأته، ثم يقول: والله لا أورِّثك
ولا أدعكِ. قالت: وكيف ذاك؟ قال: إذا كِدتٍ تقضين عدَّتك راجعتُك، فنزلت:
﴿وَلَا نَتَّخِذُوَاْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُواْ﴾(٤).
قال علماؤنا: والأقوال كلُّها داخلةٌ في معنى الآية؛ لأنه يقال لمن سخر من
آيات الله: اتخذَها هزوًا. ويقال ذلك لمن كفر بها، ويقال ذلك لمن طرحها، ولم
يأخذ بها، وعمل بغيرها؛ فعلى هذا تدخلُ هذه الأقوالُ في الآية. وآيات الله:
دلائلُه وأمره ونهيه(٥) .
الخامسة: ولا خلافَ بين العلماء أنَّ من طلَّق هازلاً أنَّ الطلاقَ يلزمُه،
واختلفوا في غيره على ما يأتي بيانه في ((براءة)) إن شاء الله تعالى(٦).
(١) رواه ابن مردويه كما في تفسير ابن كثير من طريق عمرو - وهو ابن عُبيد - عن الحسن عن أبي الدرداء
موقوفاً، وعمرو هذا كان يكذب على الحسن كما في المجروحين لابن حبان ٢/ ٧٠. وأخرجه ابن أبي
شيبة ١٠٦/٥ من طريق عيسى بن يونس عن عمرو عن الحسن مرسلاً.
(٢) ٥٥٠/٢ .
(٣) سنن الدار قطني ٢٠/٤، وضعف إسناده الحافظ في الدراية ٢/ ١٠٢ .
(٤) أخرجه الترمذي (١١٩٢)، والحاكم ٢/ ٢٨٠، والبيهقي ٣٣٣/٧ بنحوه، وسلف ص ٥٥ من هذا الجزء.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٢١١/١-٢١٢.
(٦) عند تفسير الآية ٦٥ منها .

١٠٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٢
وخرّج أبو داود عن أبي هريرة أنَّ رسول الله وَ لّه قال: ((ثلاث جِدُّهن جِدٍّ،
وهزلُهن جِدٍّ: النكاحُ، والطلاق، والرَّجعة))(١).
ورُوي عن عليّ بن أبي طالب وابنٍ مسعود وأبي الدَّرداء كلهم قالوا: ثلاثٌ
لا لعبَ فيهنَّ، واللاعبُ فيهنَّ جادٌّ: النكاحُ والطلاق والعتاق(٢).
وقيل: المعنى: لا تتركوا أوامرَ الله، فتكونوا مقصِّرين لاعبين. ويدخل في هذه
الآية الاستغفارُ من الذنب قولاً مع الإصرار فعلاً، وكذا كلُّ ما كان في هذا المعنى
فاعلمه .
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، أي: بالإسلام وبيانٍ
الأحكام. ﴿وَاَلْحِكْمَةِ﴾: هي السنةُ المبيِّنة على لسان رسولِ اللهِ وَ﴿ مرادَ اللهِ فيما
لم ينصَّ عليه في الكتاب(٣). ﴿يَعِظُكُم بِدٍ﴾، أي: يخوّفكم. ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ
اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ تقدَّم (٤).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ
إِذَا تَرَضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِلْمَعْرُوفِّ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِلَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرُ
ذَلِكُمْ أَنْكَى لَكُنْ وَظْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ
فيه أربعُ مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ رُوي أنَّ مَعْقِل بن يَسار كانت أختُه تحت
أبي البدَّاح(٥) فطلَّقها وتركها حتى انقضت عدّتها، ثم ندم فخطبها، فرضيت وأبى
أخوها أنْ يزوِّجَها، وقال: وجهِي من وجهكِ حرامٌ إِنْ تزوَّجتِه. فنزلت الآية. قال
مقاتل: فدعا رسول الله وسل﴿ معقِلاً، فقال: ((إنْ كنت مؤمناً فلا تمنع أختك عن أبي
(١) سنن أبي داود ٢١٩٤، وأخرجه أيضاً الترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩).
(٢) أخرج هذه الأقوال عبد الرزاق في المصنف (١٠٢٤٤)، (١٠٢٤٥)، (١٠٢٤٧).
(٣) المحرر الوجيز ٣١٠/١.
(٤) ٢٤٨/١-٢٤٩.
(٥) في النسخ: أبي الدحداح، (في الموضعين) تبع فيه المصنف أبا الليث السمر قندي في التفسير ٢١٠/١،
والمثبت من أسد الغابة ٥٠/٧، والإصابة ٣٢/١١ و٤٥، وفتح الباري ١٨٦/٩ .

١٠٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٢
البدَّاح))، فقال: آمنت بالله، وزوَّجتُها (١) منه(٢).
وروى البخاريُّ(٣) عن الحسن أنَّ أختَ معقل بن يسار طلقها زوجُها [فتركها]
حتى انقضت عدّتُها، فخطبها فأبى معقِلٌ، فنزلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ .
وأخرجه أيضًا الدار قطنيّ (٤) عن الحسن قال: حدَّثني معقِل بنُ يسار قال: كانت
لي أختٌ، فخُطِبت إليَّ، وكنتُ أمنعها الناس، فأتى ابنُ عم لي، فخطبها فأنكحتها
إياه، فاصطحبا ما شاء الله، ثم طلَّقها طلاقًا رجعيًّا، ثم تركها حتى انقضت عِدَّتُها،
فخطبها مع الخُطّاب، فقلت: منعتُها الناس، وزوَّجتُك إياها، ثم طلقتها طلاقاً له
رجعةٌ، ثم تركتها حتى انقضت عدَّتُها فلما خطبت إليَّ أتيتني تخطبها مع الخطاب!
لا أُزوّجَك أبدًا! فأنزل الله، أو قال: أنزلت: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءُ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَاَ
تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ فكفَّرت عن يميني وأنكحتها إياه. في رواية
للبخاريّ(٥): فحمِيَ معقلٌ من ذلك أَنَفاً، وقال: خَلَّى عنها وهو يقدرُ عليها، ثم
يخطبها! فأنزل الله الآية، فدعاه رسول الله وَل﴿، فقرأ عليه الآية، فترك الحمِيَّة،
وانقاد لأمر الله تعالى.
وقيل: هو معقل بنُ سنان بالنون. قال النحاس(٦): رواه الشافعيُّ في كتبه عن
معقل بنٍ يَسار أو سنان(٧). وقال الطحاويُّ: هو معقل بنُ سنان.
الثانية: إذا ثبت هذا ففي الآية دليلٌ على أنه لا يجوزُ النكاح بغير وَلِيٍّ؛ لأنَّ
أختَ معقل كانت ثيِّاً، ولو كان الأمرُ إليها دون وَلِيِّها لزوَّجت نفسَها، ولم تحتجْ
إلى وليِّها معقل؛ فالخِطاب إذًا في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ للأولياء، وأنَّ
الأمرَ إليهم في التزويج مع رضاهنَّ.
(١) في (م): وزوَّجها.
(٢) انظر تفسير أبي الليث ١/ ٢١٠، وأبو البداح هو ابن عاصم الأنصاري الصحابي. الإصابة ٣٢/١١.
(٣) رقم (٤٥٢٩) وما بین حاصرتين منه.
(٤) في سننه ٢٢٣/٣.
(٥) رقم (٥٣٣١).
(٦) في معاني القرآن ١/ ٢١٢.
(٧) رواه الشافعي في الأم ١٢٨/٥ وفيه: معقل بن يسار.

١٠٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٢
وقد قيل: إنَّ الخطاب في ذلك للأزواج، وذلك بأنْ يكونَ الارتجاع مضارّةً
عضلاً عن نكاح الغير بتطويل العدَّة عليها(١). واحتج بها أصحاب أبي حنيفةً على
أنْ تُزُوِّج المرأةُ نفسَها؛ قالوا: لأنَّ الله تعالى أضاف ذلك إليها كما قال: ﴿فَلَا تَحِلُ
لَهُ مِنْ بَعْدُ حَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَةُ﴾، ولم يَذكر الولِيَّ(٢). وقد تقدَّم القولُ في هذه
المسألةِ مستوفّى(٣). والأوَّل أصحُّ لما ذكرناه من سبب النزول. والله أعلم.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ بلوغُ الأجلِ في هذا الموضع: تناهيه؛
لأنَّ ابتداءَ النكاح إنما يُتصوَّرُ بعد انقضاءِ العدَّة. و﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ معناه تحبسوهنَّ.
وحكى الخليل: دَجَاجٌ مُعضِلٌ: قد احتبس بيضها(٤).
وقيل: العَضْلِ التضييق والمنع، وهو راجعٌ إلى معنى الحبس، يقال: أردتُ
أمرًا فعضلتَني عنه، أي: منعتني عنه وضيَّقتَ عليَّ. وأَعضَل الأمرُ: إذا ضاقت
عليك فيه الحِيل، ومنه قولهم: إنه لَعُضْلَةٌ من العُضل إذا كان لا يقدرُ على وجه
الحيلةِ فيه .
وقال الأزهريُّ: أصلُ العَضْل من قولهم: عَضَلت الناقةُ إذا نشِب ولدُها، فلم يسهُلْ
خروجُه، وعضَلَت الدجاجة: نشِب بيضُها. وفي حديث معاوية(٥): مُعْضِلة ولا أبا
حسن، أي: مسألةٌ صعبة ضيِّقةُ المخارج. وقال طاوس: لقد وردت عُضَلُ أقضيةٍ ما قام
بها إلا ابنُ عباس. وكلُّ مُشكِلٍ عند العرب مُعضِل، ومنه قولُ الشافعيّ(٦):
كشفتُ حقائقَها بالنظرْ
إذا المعْضِلاتُ تَصدَّينني
ويقال: أعضل الأمر إذا اشتدّ. وداءٌ عُضال، أي: شديدٌ عَسِيرُ(٧) البُرْءِ أعيًا
(١) انظر المحرر الوجيز ٣٠٩/١.
(٢) انظر أحكام القرآن للجصاص ١/ ٤٠٠، وأحكام القرآن للكيا الطبري ١٨٤/١-١٨٥ .
(٣) ص ٨٨ من هذا الجزء.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٢١٣/١.
(٥) رواه الخطابي في غريب الحديث ١٩٩/٢، وأورده ابن الأثير في النهاية ٢٥٤/٣، وابن منظور في
اللسان (عضل).
(٦) طبقات الشافعية للسبكي ٣٠٠/١.
(٧) في (م): عسر.

١٠٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
الأطبّاء. وعضل(١) فلانٌ أيِّمه، أي: منعَها، يَعْضُلها ويعضِلها - بالضم والكسر -
لغتان
٠
الرابعة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ﴾ ولم يقل: ((ذلكم))؛ لأنه محمولٌ
على معنى الجمع. ولو كان ((ذلكم)) لجاز، مثلُ: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَ لَكُنْ وَأَْهَرْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ،
أي: ما لكم فيه من الصلاح ﴿ وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ﴾ ذلك(٣).
قوله تعالى: ﴿وَالْوَرِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمّ الرَّضَاعَةُ
وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِلْعْرُوفِّ لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَاً لَا تُضَارَّ وَإِدَةٌ
بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ فَإِنْ أَرَدَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا
وَتَّكَاوُرٍ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَاً وَإِنْ أَرَدَتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُ إِذَا سَلَّمْتُم
مَّآ ءَيْتُم بِالْغَرُوفِّ وَلَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
فيه ثمان عشرة مسألة :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالْوَلِدَاتُ﴾ ابتداء. ﴿يُضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ في موضع الخبر.
﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ ظرف زمان(٤).
ولما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكرَ الولد؛ لأنَّ الزوجين قد يفترقان وثَمَّ
ولد؛ فالآية إذًا في المطلَّقاتِ اللَّاتي لهنَّ أولادٌ من أزواجهنَّ، قاله السدِّيّ
والضحاك(٥) وغيرُهما، أي: هنّ أحقُّ برضاع أولادِهنَّ من الأجنبيات؛ لأنهنَّ أخْنَى
وأرقُّ، وانتزاعُ الولدِ الصغير إضرارٌ به وبها، وهذا يدلُّ على أنَّ الولدَ وإن فُطِم
فالأمُّ أحقُّ بحضانته لفضل حُنوّها وشفقتِها؛ وإنما تكونُ أحقَّ بالحضانة إذا لم
تتزوَّج على ما يأتي.
(١) في النسخ: أعضل، والمثبت من (م)، وتهذيب اللغة ٤٧٤/١، ومجمل اللغة ٦٧٢/٣، والصحاح
(عضل).
(٢) انظر تهذيب اللغة ٤٧٤/١ -٤٧٦.
:
(٣) انظر معاني القرآن للنحاس ٢١٤/١، والوسيط ٣٤٠/١.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣١٦/١.
(٥) أورده عنهما ابن عطية في المحرر الوجيز ٣١١/١.

١٠٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
وعلى هذا يُشكِل قوله: ﴿وَعَلَى الْمُؤَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِلْعْرُوفِ﴾؛ لأنَّ المطلقةَ
لا تستحقُّ الكسوة إذا لم تكن رجعيةً، بل تستحق الأجرةَ إلا أنْ يُحمل على مكارم
الأخلاقِ، فيقال: الأولى ألَّ تنقص الأجرة عما يكفيها لقوتها وكسوتها.
وقيل: الآية عامّةٌ في المطلَّقات اللواتي لهنّ أولادٌ وفي الزوجات. والأظهر
أنها في الزوجات في حال بقاء النكاح؛ لأنهنَّ المستحِقاتُ للنفقة والكسوة،
والزوجة تستحقُّ النفقة والكسوةَ؛ أرضعت أو لم ترضع، والنفقة والكسوة مقابلة
التمكين، فإذا اشتغلت بالإرضاع لم يكمل التمكين، فقد يُتوهّم أنَّ النفقةَ تسقط،
فأزال ذلك الوهمَ بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَلُودِ لَّهُ﴾، أي: الزوج ﴿رِزْقُهُنَّ وَّكِسْوَتُنَّ﴾ في
حال الرَّضاع؛ لأنه اشتغالٌ في مصالح الزوج، فصارت كما لو سافرت لحاجة
الزوجِ بإذنه؛ فإنَّ النفقةَ لا تسقط (١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ خبرٌ معناه الأمر على الوجوب لبعض
الوالدات، وعلى جهة الندبٍ لبعضهنَّ على ما يأتي(٢). وقيل: هو خبرٌ عن
المشروعية كما تقدَّم.
الثالثة: واختلف الناس في الرَّضاع؛ هل هو حقٌّ للأمّ، أم هو (٣) حقٌّ عليها؟
واللفظ محتمل؛ لأنه لو أراد التصريحَ بكونه عليها لقال: وعلى الوالدات رَضاعُ
أولادهنَّ كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمُؤْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾، ولكن هو عليها في حال
الزوجية(٤)، وهو عُرفٌ يلزم إذ قد صار كالشرط، إلا أنْ تكونَ شريفة ذاتَ ترفهٍ،
فَعُرفها ألَّا ترضِعَ، وذلك كالشرط(٥). وعليها إنْ لم يقبل غيرَها(٦) واجبٌ، وهو عليها
(١) انظر تفسير الرازي ١٢٤/٦-١٢٥.
(٢) المحرر الوجيز ٣١٠/١.
(٣) في (م): أو هو.
(٤) في النسخ: في حق الزوجية، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي ٢٠٤/١،
والكلام منه.
(٥) المحرر الوجيز ٣١٠/١.
(٦) في (م): يقبل الولد غيرها.

١٠٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
إذا عدم [الأب] لاختصاصها به(١). فإن مات الأب ولا مالَ للصبيِّ فمذهبُ مالكٍ في
المدوّنة(٢) أنَّ الرضاعَ لازمٌ للأم بخلاف النفقة. وفي كتاب ابن الجَلَّاب(٣): رضاعه
في بيت المال. وقال عبد الوهّاب(٤): هو فقيرٌ من فقراء المسلمين.
وأما المطلقة طلاقَ بينونةٍ فلا رضاعَ عليها، والرضاعُ على الزوج إلا أنْ تشاء
هي؛ فهي أحقُّ بأجرة المثل، هذا مع يُسر الزوجِ، فإن كان مُعدِماً لم يلزمها الرضاع
إلا أنْ يكونَ المولود لا يقبل غيرَها، فتُجْبَر حينئذٍ على الإرضاع. وكلُّ من يلزمها
الإرضاع؛ فإنْ أصابها عذرٌ يمنعها منه، عاد الإرضاع على الأب.
ورُوي عن مالك أنَّ الأبَ إذا كان مُعدِماً ولا مالَ للصبيِّ أنَّ الرضاع على
الأمُّ؛ فإن لم يكن لها لبنٌ ولها مالٌ، فالإرضاعُ عليها في مالها(٥).
قال الشافعي: لا يلزم الرضاع إلا والداً أو جدّاً، وإنْ علا؛ وسيأتي ما للعلماء
في هذا عند قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾(٦). يقال: رَضِع يَرْضَع رَضاعة
ورَضاعاً، ورَضّع يَرْضِع رِضاعاً ورَضاعة - بكسر الراء في الأوّل وفتحها في الثاني -
واسم الفاعل راضعٌ فيهما. والرَّضاعة: اللؤم مفتوح الراءٍ لا غير(٧).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنٍ﴾، أي: سنتين، من حالَ الشيء إذا انقلب؛
فالحول منقلبٌ من الوقت الأوَّل إلى الثاني. وقيل: سُمِّي العام حولاً لاستحالة
الأمورِ فيه في الأغلب. ﴿كَامِلَيْنٍ﴾ قَيَّد بالكمال؛ لأنَّ القائلَ قد يقول: أقمت عند
فلانٍ حولين وهو يريد حولًا وبعضَ حولٍ آخر (٨)، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي
يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وإنما يتعجل في يوم وبعضٍ الثاني.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢٠٤/١، وما بین حاصرتین منه.
(٢) ٤١٦/٢.
(٣) التفريع ١١٢/٢ .
(٤) المعونة ٩٣٦/٢.
(٥) المحرر الوجيز ٣١٠/١-٣١١.
(٦) عند المسألة الخامسة عشرة.
(٧) انظر معاني القرآن للزجاج ٣١٢/١، وتهذيب اللغة ٤٧٣/١.
(٨) انظر النكت والعيون ٢٩٩/١، والمحرر الوجيز ٣١١/١.

١٠٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
وقولُه تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةُ﴾ دليلٌ على أنَّ إرضاعَ الحولين ليس
حتمًا، فإنه يجوز الفِطام قبلَ الحولين، ولكنه تحديدٌ لقطع التنازع بين الزوجين في
مدَّة الرّضاع، فلا يجب على الزوج إعطاءُ الأجرة لأكثرَ من حولين. وإن أراد الأب
الفَظْمَ قبلَ هذه المدّة، ولم ترض الأمّ، لم يكن له ذلك. والزيادة على الحولين أو
النقصانُ إنما يكون عند عدم الإضرار بالمولود وعند رضا الوالدين.
وقرأ مجاهد وابن مُحَيْصِن: ((لمن أراد أن تَتِمَّ الرضاعةُ))(١) بفتح التاء ورفع
((الرّضاعة)) على إسناد الفعل إليها(٢).
وقرأ أبو حَيْوَةٍ وابنُ أبي عَبْلَة والجارود بنُ أبي سَبْرَة بكسر الراء من
(الرِّضاعة))(٣) وهي لغةٌ، كالحَضارة والحِضارة. ورُوي عن مجاهد أنه قرأ:
((الرضعة)) على وزن الفعلة (٤).
ورُوي عن ابن عباس أنه قرأ ((أنْ يُكمل الرضاعة))(٥). النحاس(٦): لا يَعرف
البصريون ((الرَّضاعة)) إلَّا بفتح الراء، ولا ((الرِّضاع)) إلّا بكسر الراء، مثل القتال.
وحكى الكوفيون كسرَ الراء مع الهاء وفتحَها بغير هاء.
الخامسة: انتزع مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه وجماعةٌ من العلماء من هذه
الآية أنَّ الرَّضاعة المحرِّمةَ الجاريةَ مجرى النَّسب إنّما هي ما كان في الحولين؛ لأنه
بانقضاء الحَوْلين تمَّت الرضاعةُ، ولا رَضاعة بعد الحولين معتبرةً(٧). هذا قولُه في
موظّئه (٨)، وهي روايةٌ محمد بنِ عبد الحَكّم عنه، وهو قولُ عمرَ وابنِ عباس،
(١) في النسخ: يتم، وهو خطأ، والمثبت من (م).
(٢) انظر إعراب القرآن للنحاس ٣١٦/١، وفي القراءات الشاذة ص١٤ قراءةُ مجاهد: أن يتم، بالياء.
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٣١١/١، والقراءات الشاذة ص١٤، وإعراب القرآن للنحاس ٣١٦/١، وزاد
المسير ١٢٧/١، وتفسير الرازي ٦/ ١٢٧.
(٤) المحرر الوجيز ٣١١/١، وينظر القراءات الشاذة ص١٤.
(٥) المحرر الوجيز ٣١١/١، وينظر المصاحف لابن أبي داود ٣٠٨/١، وتفسير الرازي ١٢٧/٦. وفي
القراءات الشاذة ص ١٤ عن ابن عباس: أن تكملوا الرضاعة.
(٦) إعراب القرآن ٣١٦/١.
(٧) المحرر الوجيز ٣١١/١.
(٨) ٦٠٤/٢.

١١٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
ورُوي عن ابن مسعود، وبه قال الزهري وقتادةُ والشَّعبيُّ وسفيان الثوريُّ والأوزاعيُّ
والشَّافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو يُوسف ومحمد وأبو ثور.
ورَوى ابنُ عبد الحكم عنه(١) الحولين وزيادةَ أيامٍ يسيرة. عبدُ الملك: كالشهر
ونحوه.
ورَوى ابن القاسم عن مالك أنه قال: الرَّضاع الحولين والشهرين بعد الحولين،
وحكى عنه الوليد بنُ مسلم أنه قال: ما كان بعد الحولين من رَضاع بشهر أو شهرين
أو ثلاثةٍ فهو من الحولين، وما كان بعد ذلك فهو عبثٌ.
وحُكي عن النعمان أنه قال: وما كان بعدَ الحولين إلى ستة أشهر فهو رضاع(٢)؛
والصحيح الأوَّل لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُّ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾، وهذا يدلُّ
على أن لا حكمً لما ارتضع المولود بعد الحولين. وروى سفيان، عن عمرو بن
دينار، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((لا رضاعَ إلا ما كان في الحولين)).
قال الدار قطنيُّ: لم يسنده عن ابن عيينة غيرُ الهيثَم بنٍ جميل، وهو ثقةٌ حافظ(٣).
قلت: وهذا الخبرُ مع الآية والمعنى، يَنفي رضاعةً الكبير، وأنه لا حرمةً له.
وقد رُوي عن عائشةَ القولُ به. وبه يقول الليث بنُ سعد من بين العلماء. ورُوي عن
أبي موسى الأشعريِّ أنه كان يرى رضاعَ الكبير. ورُوي عنه الرجوعُ عنه (٤). وسيأتي
في سورة النساء مبيّناً إن شاء الله تعالى(٥).
السادسة: قال جمهور المفسرين: إنَّ هذين الحولين لكلِّ ولد. ورُوي عن ابن
عباس أنه قال(٦): هي في الولد يمكثُ في البطن ستةً أشهر، فإن مكث سبعةً أشهر
فرضاعه ثلاثةٌ وعشرون شهراً، فإن مكث ثمانية أشهرٍ فرضاعه اثنان وعشرون شهرًا،
(١) لفظة: عنه، من (م).
(٢) الإشراف ١١٢/٤، وانظر النوادر والزيادات ٧٥/٥، والاستذكار ٢٥٨/١٨، والتمهيد ٣٦٣/٨.
(٣) سنن الدارقطني ٤ / ١٧٤ .
(٤) ينظر الموطأ ٦٠٧/٢، والاستذكار ٢٧٣/١٨، والتمهيد ٢٥٧/٨.
(٥) عند تفسير الآية: ٢٣ منها .
(٦) أخرجه الطبري ٤/ ٢٠١.

١١١
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
فإن مكث تسعة أشهرٍ فرضاعه أحدٌ وعشرون شهراً؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلْهُ
تَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. وعلى هذا تتداخلُ مدّةُ الحملِ ومدَّةُ الرّضاع، ويأخذُ
الواحد من الآخر.
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ﴾، أي: وعلى الأب. ويجوز في
العربية: وعلى المولود لهم؛ كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكٌ﴾ [يونس: ٤٢]؛
لأنَّ المعنى وعلى الذي وُلد له، و((الذي)) يُعبَّر به عن الواحد والجمع كما تقدَّم.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿رِزْقُهُنَّ وَّكِسْوَتُهُنَّ﴾ الرزق في هذا الحكمِ الطعامُ الكافي،
وفي هذا دليلٌ على وجوب نفقةِ الولد على الوالد(١) لضعفه وعجزه.
وسماه الله سبحانه للأمِّ؛ لأنَّ الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرّضاع كما قال: ﴿وَإِن
كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]؛ لأن الغذاء لا يصل إلا بسببها.
وأجمعَ العلماء على أنَّ على المرء نفقةَ ولده الأطفالِ الذين لا مالَ لهم (٢).
وقال ◌َّهِ لهند بنتِ عتبةَ وقد قالت له: إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ، وإنه لا يُعطيني
من النفقة ما يكفيني ويكفي بَنِيَّ إلّا ما أخذتُ من ماله بغير علمه، فهل عليَّ في
ذلك جناح؟ فقال: ((خذِي ما يكفيك وولدكِ بالمعروف))(٣).
والكسوة: اللباس. وقوله: ((بالمعروف))، أي: بالمتعارف في عرف الشرعٍ من
غير تفريطٍ ولا إفراط .
ثم بيَّن تعالى أنَّ الإنفاقَ على قَدَر غِنَى الزوج ومَنْصِبها من غير تقدير مُدِّ
ولا غيرِه بقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَاَ﴾ (٤) على ما يأتي بيانه في الطلاق
إنْ شاء الله تعالى(٥). وقيل: المعنى: أي لا تُكلَّف المرأةُ الصبرَ على التقتير في
الأجرة، ولا يكلفُ الزوجُ ما هو إسرافٌ، بل يراعى القصد.
(١) في (خ) و(ظ): الوالد على الولد، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي
٢٠٣/١، والكلام منه.
(٢) الإشراف ١٤٨/٤ .
(٣) سلف ذكره ٢٤٩/٣ .
(٤) المحرر الوجيز ٣١١/١.
(٥) عند تفسير الآية (٧) منها .

١١٢
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
التاسعة: في هذه الآية دليلٌ لمالكٍ على أنَّ الحضانةَ للأم؛ فهي في الغلام إلى
البلوغ، وفي الجارية إلى النكاح، وذلك حقٌّ لها، وبه قال أبو حنيفة. وقال
الشافعيّ: إذا بلغ الولد ثمان سنين - وهو سنُّ التمييز - خُيِّر بين أبويْه، فإنه(١) في
تلك الحالة تتحرَّك همتُه لتَعلُّم القرآنِ والأدبِ، ووظائفِ العبادات، وذلك يستوي فيه
الغلام والجارية (٢).
ورَوى النسائيّ(٣) وغيره عن أبي هريرة أنَّ امرأةً جاءت إلى النبيِّ وَّ فقالت له:
زوجي يريد أن يذهبَ بابني، فقال له النبيّ وَله: «هذا أبوك وهذه أمُّك، فخذ أيَّهما
شئت)) فأخذ بيد أمِّه.
وفي كتاب أبي داود عن أبي هريرة قال: جاءت امرأة إلى رسول الله وص لته وأنا
قاعدٌ عندَه، فقالت: يا رسول الله، إنَّ زوجي يريد أنْ يذهبَ بابني، وقد سقاني من
بئر أبي عِنْبَة، وقد نفعني، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((اسْتَهِما عليه)) فقال زوجها: من يحاقِّي
في ولدي! فقال النبيُّ وَلّ: ((هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أحدهما شئت)) فأخذ
بيد أمّه فانطلقت به(٤) .
ودليلنا ما رواه أبو داود عن الأوزاعيِّ قال: حدَّثني عمرو بنُ شعيب، عن أبيه،
عن جدِّه عبد الله بنِ عمرو أنَّ امرأةً جاءت إلى النَّبِيِّ وَّر، فقالت: يا رسول الله،
إنَّ ابني هذا كان بطني له وِعاءً، وثديي له سِقاءً، وحِجري له حِواءً، وإنَّ أباه طلَّقني
وأراد أنْ ينتزعَه مِنِّي؛ فقال لها رسول الله وَّهِ: ((أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي))(٥).
قال ابن المنذر(٦): أجمع كلُّ من يُحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ الزوجين
إذا افترقا ولهما ولد أنَّ الأمَّ أحقُّ به ما لم تَنكِح.
(١) في النسخ: فإن، والمثبت من (م).
(٢) انظر الإشراف ١٥١/١-١٥٢، وتحفة الفقهاء ٢/ ٢٣٠، وأحكام القرآن لابن العربي ٢٠٦/١.
(٣) في المجتبى ١٨٥/٦-١٨٦. وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٢٣٥١) بنحوه.
(٤) سنن أبي داود (٢٢٧٧)، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (٥٦٦٠). وقوله: بئر أبي عِنّبة: بئر معروفةٌ
بالمدينة عندها عَرَض رسول اللهوَل﴿ أصحابَه لما سار إلى بدر. النهاية (عنب).
(٥) سنن أبي داود (٢٢٧٦)، وهو في مسند أحمد (٦٧٠٧).
(٦) في الإشراف ٤/ ١٥١ .

١١٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
وكذا قال أبو عمر: لا أعلم خلافاً بين السلف من العلماء في المرأة المطلقة
إذا لم تتزوّج أنها أحقُّ بولدها من أبيه ما دام طفلاً صغيراً لا يميز شيئاً؛ إذا كان
عندها في حرز وكفاية، ولم يثبت فيها فسق ولا تبرج(١).
ثم اختلفوا بعد ذلك في تخییره إذا ميَّز وعقل بین أبيه وأمه وفیمن هو أولی به،
قال ابن المنذر: وثبت أنَّ النبيَّ وَ ل﴿ قضى في ابنة حمزةَ للخالة من غير تخيير(٢).
روى أبو داود عن عليّ قال: خرج زيد بن حارثة إلى مكة، فقدِم بابنة حمزة، فقال
جعفر: أنا آخذُها، أنا أحقُّ بها، ابنةُ عمي، وخالتُها عندي، والخالةُ أمّ. فقال
عليّ: أنا أحقُّ بها، ابنةُ عمي وعندي ابنةُ رسول الله بِّه، وهي أحقُّ بها. وقال
زيد: أنا أحقُّ بها، أنا خرجتُ إليها، وسافرتُ وقدمت بها. فخرج النبيُّ نَّرِ. فذكر
حديثًا قال: ((وأما الجارية فأقضِي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أمّ))(٣).
العاشرة: قال ابن المنذر(٤): وقد أجمع كلُّ من يُحفظ عنه من أهل العلم على
أن لا حقَّ للأمّ في الولد إذا تزوَّجت.
قلت: كذا قال في كتاب الإِشراف له. وذكر القاضي عبد الوهّاب في شرح
الرسالة له عن الحسن أنه لا يسقط حقُّها من الحضانة بالتزوُّج.
وأجمع مالك والشافعيُّ والنعمان وأبو ثور على أنَّ الجدّةَ أمَّ الأمّ أحقُّ بحضانة
الولد.
واختلفوا إذا لم يكن لها أمِّ وكانت لها(٥) جدة هي أمُّ الأبِ، فقال مالك: أمّ
الأبِ أحقُّ إذا لم يكن للصبيِّ خالة. وقال ابن القاسم: قال مالك وبلغني ذلك عنه
أنه قال: الخالة أولى من الجدة أمِّ الأب. وفي قول الشافعيِّ والنعمان: أمُّ الأب
أحقُّ من الخالة. وقد قيل: إنَّ الأبَ أولى بابنه من الجدَّة أمِّ الأب(٦).
(١) انظر الكافي ٦٢٤/٢.
(٢) انظر أحكام القرآن لابن العربي ٢٠٦/١.
(٣) سنن أبي داود (٢٢٧٨)، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (٨٥٢٦) بنحوه.
(٤) في الإشراف ٤/ ١٥١ .
(٥) في (م): وكان لها، وفي الإشراف: وكانت لهم.
(٦) الإشراف ٤/ ١٥٢-١٥٣.

١١٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
قال أبو عمر (١): وهذا عندي إذا لم يكن له زوجة أجنبية، ثم الأخت بعد
الأب، ثم العمة، وهذا إذا كان كلُّ واحدٍ من هؤلاء مأموناً على الولد، وكان عنده
في حِرز وكفاية، فإذا لم يكن كذلك لم يكن له حقٌّ في الحضانة، وإنما ينظر في
ذلك إلى من يَحوطُ الصبيَّ ومن يُحسِن إليه في حفظه ويُعَلِّمهُ الخير. وهذا على قول
من قال: إنَّ الحضانةَ حقُّ الولد، وقد رُوي ذلك عن مالك، وقال به طائفة من
أصحابه، ولذلك (٢) لا يَرون حضانةً لفاجرة، ولا لضعيفةٍ عاجزةٍ عن القيام بحقِّ
الصبيِّ لمرض أو زَمانة.
وذكر ابن حبيب عن مطرِّف وابن الماجشون عن مالك أنَّ الحضانة للأمّ، ثم
الجدَّة للأم، ثم الخالةِ، ثم الجدّةِ للأب، ثم أختِ الصبيِّ، ثم عمَّةِ الصبيّ، ثم ابنة
أخي الصبي، ثم الأب. والجدَّةُ للأب أولى من الأخت، والأختُ أولى من العمَّة،
والعمةُ أولى ممن بعدَها، وأولى من جميع الرجالِ الأولياء. وليس لابنة الخالةِ
ولا لابنةِ العمة ولا لبنات أخواتِ الصَّبيِّ من حضانته شيءٌ. فإذا كان الحاضن
لا يُخاف منه على الطفل تضييعٌ ولا دخول(٣) فسادٍ؛ كان حاضنًا له أبدًا حتى يبلغَ
الحُلُم. وقد قيل: حتى يَثْغَر(٤)، وحتى تتزوَّج الجارية، إلا أنْ يريدَ الأب نقلةَ سفرٍ
وإيطانٍ، فيكون حينئذ أحقَّ بولده من أمّه وغيرِها إنْ لم تُرد الانتقال. وإن أراد
الخروجَ لتجارةٍ لم يكن له ذلك. وكذلك أولياءُ الصبيِّ الذين يَلُون مالَه(٥) إذا انتقلوا
للاستيطان. وليس للأمِّ أنْ تنقلَ ولدَها عن موضع سكنى الأبِ إلا فيما يقرب نحو
المسافةِ التي لا تُقصّر فيها الصلاة. ولو شَرط عليها في حين انتقاله عن بلدها أنه
لا يترك ولدَه عندها إلا أنْ تلتزم نفقتَه ومؤونته سنينَ معلومة، فإن التزمت ذلك،
لزمها، فإن ماتت لم تُتْبع بذلك ورثتُها في تركتها. وقد قيل: ذلك دَيْنٌ يؤخذُ من
(١) في الكافي ٢/ ٦٢٥ .
(٢) في (م): وكذلك.
(٣) في (م): أو دخول.
(٤) قوله: يثغر من الإثغار، وهو سقوط سن الصبي. النهاية (ثغر).
(٥) في (د) و(ز) و(م): يكون مآله، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق للكافي ٢/ ٦٢٥.

١١٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
تركتها، والأوّل أصحُّ إن شاء الله تعالى؛ كما لو مات الولد أو كما لو صالحها
على نفقة الحمل والرضاعِ فأسقطت، لم تتبع بشيءٍ من ذلك(١).
الحادية عشرة: إذا تزوَّجت الأمُّ لم يُنزعْ منها ولدُها حتَّى يدخلَ بها زوجها عند
مالك. وقال الشافعيُّ: إذا نكحت فقد انقطع حقّها. فإنْ طلقَّها لم يكن لها الرجوع
فيه عند مالك في الأشهر عندَنا من مذهبه. وقد ذكر القاضي إسماعيل وذكره ابنُ
خُوَيزٍ منداد أيضًا عن مالك أنه اختلف قولُه في ذلك، فقال مرة: يُردُّ إليها. وقال
مرة: لا يُردُّ(٢).
قال ابن المنذر(٣): فإذا خرجت الأم عن البلد الذي به ولدها، ثم رجعت إليه،
فهي أحقُّ بولدها في قول الشافعيِّ وأبي ثور وأصحاب الرأي. وكذلك لو تزوَّجت،
ثم طُلِّقت أو توفي عنها زوجها رجعت في حقٌّها من الولد.
قلت: وكذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهّاب(٤): فإن طلَّقها الزوج أو
مات عنها، کان لها أخذُه لزوال العذرِ الذي جاز له تركه.
الثانية عشرة: فإن تركت المرأةُ حضانةَ ولدِها، ولم تُرِد أخذَه، وهي فارغةٌ غيرُ
مشغولة بزوجٍ، ثم أرادت بعد ذلك أخذَه نُظِر لها؛ فإن كان تركُها له من عذر كان
لها أخذُه، وإنْ كانت تركته رفضاً له ومقتًا لم يكن لها بعد ذلك أخذُه(٥).
الثالثة عشرة: واختلفوا في الزوجين يفترقان بطلاقٍ والزوجةُ ذِّية، فقالت
طائفة: لا فرقَ بين الذِّمّية والمسلمةِ وهي أحقُّ بولدِها. هذا قولُ أبي ثور وأصحاب
الرأي وابن القاسم صاحبٍ مالك.
قال ابن المنذر(٦): وقد روينا حديثاً مرفوعاً موافقاً لهذا القول، وفي إسناده
(١) الكافي ٢/ ٦٢٥ -٦٢٦.
(٢) الكافي ٦٢٦/٢.
(٣) في الإشراف ٤/ ١٥٢ .
(٤) في المعونة ٢/ ٩٤١.
(٥) الكافي ٦٢٦/٢.
(٦) في الإشراف ١٥٤/٤، وما قبله منه، والحديث الذي سيشير إليه ابن المنذر أخرجه أحمد (٢٣٧٥٧)،
وأبو داود (٢٢٤٤)، والنسائي في الكبرى (٦٣٥٢)، من حديث رافع بن سنان رضي الله عنه.

١١٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
مقال. وفيه قولٌ ثانٍ أنَّ الولدَ مع المسلم منهما، هذا قولُ مالكٍ وسوّار وعبد الله بنِ
الحسن، وحكي ذلك عن الشافعيّ.
وكذلك اختلفوا في الزوجين يفترقان، أحدهما حرٍّ، والآخر مملوك، فقالت
طائفة: الحرُّ أولى، هذا قولُ عطاءٍ والثوريِّ والشافعيِّ وأصحاب الرأي. وقال
مالك في الأب إذا كان حرًّا وله ولدٌ حر والأمُّ مملوكة: إنَّ الأمَّ أحقُّ به، إلا أنْ
تباع فتنتقلَ، فيكونُ الأب أحقَّ به.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِْ﴾ المعنى:
لا تأبى الأمُّ أنْ ترضعَه إضِراراً بأبيه أو تطلبَ أكثرَ من أجر مثلِها، ولا يحلُّ للأب أنْ
يمنعَ الأمَّ من ذلك مع رغبتها في الإرضاع، هذا قولُ جمهورِ المفسرين(١).
وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي: ((تُضارَّ) بفتح الراء المشدَّدة(٢)، وموضعُه
جزمٌ على النهي، وأصلُه: لا تضارِزْ، على الأصل، فأدغمت الراء الأولى في
الثانية، وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين، وهكذا يُفعل في المضاعَف إذا كان قبله
فتحٌ أو ألِف؛ تقول: عضَّ يا رجلٌ، وضارَّ فلانًا يا رجل (٣). أي: لا يُنزعُ الولدُ
منهما إذا رضيت بالإِرضاع وألِفَها الصبيُّ.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبان عن عاصم وجماعةٌ: ((تُضارُ)) بالرفع(٤) عطفاً
على قوله: ﴿تُكَلَّفُ نَفْسُ﴾، وهو خبرٌ، والمراد به الأمر. ورَوى يونس عن الحسن
قال: يقول: لا تُضارُّ زوجَها، تقول: لا أرضعه، ولا يضارُّها فينزعَه منها وهي
تقول: أنا أرضعه(٥) .
ويحتمل أنْ يكونَ الأصل: ((تضارِرُ))، بكسر الراء الأولى، ورواها أبان عن
عاصم(٦)، وهي لغةُ أهلِ الحجاز. فـ((والدةٌ)) فاعلُه.
(١) انظر تفسير البغوي ١/ ٢١٢، وتفسير الرازي ١٢٩/١.
(٢) وهي قراءة ابن عامر أيضاً. السبعة ص١٨٣، والتسيير ص٨١.
(٣) انظر معاني القرآن للزجاج ٣١٣/١، والوسيط ٣٤١/١.
(٤) انظر إعراب القرآن للنحاس ٣١٦/١، والسبعة ص ١٨٣، والتيسير ص٨١.
(٥) أخرجه الطبري ٢١٦/٤ بنحوه.
(٦) انظر إعراب القرآن ٣١٧/١، ومعاني القرآن ٢٢٣/١ كلاهما للنحاس، وتفسير الرازي ١٢٩/٦.

١١٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
ويحتمل أنْ يكونَ ((تُضَارَرُ))، فـ((والدة)) مفعول ما لم يسمَّ فاعله. ورُوي عن
عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ: ((لا تُضَارَر)» براءين الأولى مفتوحة(١).
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: (تُضَارْ)) بإسكان الراء وتخفيفِها. وكذلك ((لا
يُضَارْ كَاتبٌ))(٢) وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ المثلين إذا اجتمعا وهما أصليان لم يجزْ حذفُ
أحدِهما للتخفيف؛ فإما الإدغامُ، وإما الإظهار. ورُوي عنه الإسكانُ
والتَّشديد(٣). ورُوي عن ابن عباس والحسن: ((لا تضارِر)) بكسر الراء
الأولى(٤).
الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ﴾ هو معطوفٌ على قوله:
﴿وَعَلَى الْمَلُودِ﴾ .
واختلفوا في تأويل قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ﴾ فقال قتادةُ والسدّيُّ
والحسن وعمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو وارثُ الصبيِّ أنْ(٥) لو مات؛ قال
بعضهم: وارتُه من الرجال خاصةً يلزمُه الإرضاع، كما كان يلزم أبا الصبيِّ لو كان
حيًّا، وقاله مجاهد وعطاء. وقال قتادة وغيره: هو وارتُ الصبيٍّ من كان من
الرجال والنساء، ويلزمهم إرضاعُه على قَدْر مواريثهِم منه(٦)، وبه قال أحمد
وإسحاق.
وقال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بنُ إسحاقَ في كتاب ((معاني القرآن)) له:
فأما أبو حنيفة فإنه قال: تجب نفقةُ الصغیرِ ورضاعُه على كلِّ ذِي رچِم مخرم،
مثلُ أن یکون رجلٌ له ابنُ أختٍ صغیرٌ محتاج وابنُ عم صغیرٌ محتاج وهو وارثه،
فإنَّ النفقةَ تجب على الخال لابن أخته الذي لا يرثه، وتسقط عن ابن العم لابن
(١) المحرر الوجيز ٣١٢/١، وانظر القراءات الشاذة ص١٤.
(٢) هي من العشرة، انظر النشر ٢٢٧/١-٢٢٨.
(٣) المحرر الوجيز ٣١٢/١، والمحتسب ١٥٢/١.
(٤) المحرر الوجيز ٣١٢/١، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٣١٧/١، والقراءات الشاذة ص ١٤.
(٥) في (د): إذ.
(٦) المحرر الوجيز ٣١٢/١، وأخرج هذه الأقوال الطبري ٢٢١/٤-٢٣١.

١١٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
عمِّه الوارث. قال أبو إسحاق: فقالوا قولاً ليس في كتاب الله ولا نعلم أحداً
قاله.
وحَكى الطبريُّ(١) عن أبي حنيفةً وصاحبيْه أنهم قالوا: الوارث الذي يلزمه
الإرضاع هو وارثه إذا كان ذا رحِم مَحْرمٍ منه، فإنْ كان ابنَ عمٍّ وغيرَه ليس بذي
رچم مخرم، فلا يلزمه شيء.
وقيل: المراد عصبةُ الأبِ؛ عليهم النفقةُ والكِسوة. قال الضحاك: إن مات أبو
الصبيِّ وللصبيِّ مالٌ أُخذ رضاعُه من المال، وإن لم يكن له مالٌ أُخذ من العصبة،
وإن لم يكن للعصبة مالٌ أجبرت الأمُّ على إرضاعه.
وقال قبيصة بنُ ذؤيب والضحاك وبشير بنُ النضر(٢) قاضي عمر بن عبد العزيز:
الوارث هو الصبيُّ نفسُه؛ وتأوَّلوا قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ المولودِ، مثل ما على
المولود له، أي: عليه في ماله إذا ورِث أباه إرضاعُ نفسِه.
وقال سفيان: الوارثُ هنا هو الباقي من والدَي المولود بعد وفاة الآخرِ منهما،
فإن مات الأب فعلى الأم كفايةُ الطفلِ إذا لم يكن له مال، ويشاركُها العاصبُ في
إرضاع المولودٍ على قَدْر حَظّه من الميراث(٣).
وقال ابن خويز منداد: ولو كان اليتيم فقيراً لا مال له، وجب على الإمام القيامُ به
من بيت المال، فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على المسلمين، الأخصّ به فالأخصّ،
والأمُّ أخصُ به فيجب عليها إرضاعُه والقيامُ به، ولا تَرجع عليه ولا على أحد.
والرضاع واجبٌ والنفقةُ استحباب، ووجهُ الاستحبابِ قولُه تعالى: ﴿وَلْوَالِدَتُ يُرْضِعْنَ
أَوْلَدَ هُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ وواجبٌ على الأزواج القيامُ بهنَّ، فإذا تعذر استيفاءُ الحقِّ لهنَّ
بموت الزوجِ أو إعسارِهِ، لم يسقط الحقُّ عنهنَّ، ألا ترى أنَّ العِدَّة واجبةٌ عليهنَّ
والنفقة والسكنى على أزواجهنَّ، وإذا تعذرت النفقة لهن لم تسقط العدَّة عنهنَّ.
(١) في تفسيره ٢٢٦/٤.
(٢) وقع في النسخ الخطية، والمحرر الوجيز ٣١٢/١، والكلام منه: بشير بن نصر، وهو خطأ، والمثبت
من أخبار القضاة لوكيع ٢٢٤/٣ و٣٢٥، والإكمال لابن ماكولا ٣٨٢/١.
(٣) المحرر الوجيز ٣١٢/١، وأخرج هذه الأقوال الطبري ٢٢٤/٥-٢٢٧.

١١٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
وحكى(١) عبد الرحمن بنُ القاسم في الأسديَّة(٢) عن مالك بن أنس رحمه الله أنه
قال: لا يلزم الرجلَ نفقةُ أخ ولا ذِي قرابة ولا ذِي رحِم منه. قال: وقولُ الله عز
وجل: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ﴾ هو منسوخ.
قال النحاس(٣): هذا لفظُ مالك، ولم يبيِّنْ ما الناسخُ لها ولا عبد الرحمن بنُ
القاسم، ولا علمت أنَّ أحدًا من أصحابهم بيَّن ذلك، والذي يُشبه أنْ يكون الناسخ
لها عندَه - والله أعلم - أنه لمَّا أوجب الله تعالى للمتوقَّى عنها زوجُها من مال
المتوفَّى نفقةَ حولٍ والسُّكنَى، ثم نسخ ذلك ورفعه؛ نسخ ذلك أيضاً عن الوارث.
قلت: فعلى هذا تكون النفقةُ على الصبيِّ نفسِه من ماله، لا يكون على الوارث
منها شيءٌ على ما يأتي.
قال ابن العربي: قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال ابن القاسم عن مالك:
هي منسوخة، وهذا كلامٌ تشْمَئُّ منه قلوبُ الغافلين، وتحارُ(٤) فيه ألبابُ الشاذِّين،
والأمر فيه قريب! وذلك أنَّ العلماء المتقدِّمين من الفقهاء والمفسرين كانوا يُسمُّون
التخصيصَ نسخاً؛ لأنه رفعٌ لبعض ما يتناوله العمومُ مسامَحةً، وجرى ذلك في
ألسنتهم حتى أَشكل ذلك على مَن بعدَهم، وتحقيقُ القولِ فيه: أنَّ قولَه تعالى:
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ﴾ إشارةٌ إلى ما تقدّم، فمن الناس من ردّه إلى جميعه من
إيجاب النفقةِ وتحريم الإضرار، منهم أبو حنيفة من الفقهاء، ومن السلف قتادةٌ
والحسنُ، ويُسند إلى عمر، وقالت طائفة من العلماء: إنَّ معنى قولهِ تعالى: ﴿وَعَلَى
الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ﴾ لا يرجع إلى جميع ما تقدَّم، وإنَّما يَرجع إلى تحريم الإضرار،
والمعنى: وعلى الوارث من تحريم الإضرارِ بالأمِّ(٥) ما على الأب، وهذا هو
(١) في (م): وروى.
(٢) هي لأسد بن الفرات تتضمن أسئلةً وجهها إلى عبد الرحمن بن القاسم تلميذ مالك فأجابه إلى ما طلب،
فسميت تلك الكتب بالأسدية، انظر ترتيب المدارك ١/ ٤٦٩ .
(٣) في الناسخ والمنسوخ ٦٣/٢ و٦٧، وانظر الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ١٨٠، والمحرر الوجيز
٣١٢/١.
(٤) في (م): وتحتار.
(٥) في النسخ: الإضرار مع الأم، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي ٢٠٥/١.

١٢٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
الأصلُ، فمن ادَّعى أنه يرجع العطفُ فيه إلى جميع ما تقدَّم فعليه الدليل(١).
قلت: قوله: وهذا هو الأصل، يريد في رجوع الضميرِ إلى أقرب مذكور، وهو
صحيح، إذْ لو أراد الجميعَ الذي هو الإرضاع والإِنفاقُ وعدمُ الضرر، لقال: وعلى
الوارث مثلُ هؤلاء؛ فدل على أنه معطوفٌ على المنع من المُضارَّة، وعلى ذلك
تأوَّله كافَّة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهّاب(٢)، وهو أنَّ المرادَ به أنَّ
الوالدةَ لا تضارّ ولدَها في أنَّ الأب إذا بَذَل لها أجرةَ المثلِ ألَّ ترضعَه، ﴿وَلَا مَوْلُودٌ
لَُّ بِوَلَدِهِ"﴾ في أنَّ الأمَّ إذا بذلت أنْ ترضعَه بأجرة المثلِ كان لها ذلك؛ لأنَّ الأمَّ
أرفقُ وأحنُّ عليه، ولبنُها خيرٌ له من لبن الأجنبية.
قال ابن عطية(٣): وقال مالك رحمه الله وجميعُ أصحابه والشعبيُّ أيضًا
والزُّهريُّ والضَّحاك وجماعةٌ من العلماء: المراد بقوله: ﴿مِثْلُ ذَلِكٌ ﴾ ألَّا يُضَارّ(٤)؛
وأما الرزقُ والكسوة فلا يجب شيءٌ منه، ورَوى ابن القاسم عن مالك أنَّ الآية
تضمنت أنَّ الرزقَ والكسوةَ على الوارث، ثم نُسخ ذلك بالإجماع من الأمّة في ألَّ
يضارَّ الوارث، والخلاف هل عليه رزقٌ وكسوة أم لا؟
وقرأ يحيى بنُ يعمر: ((وعلى الْوَرَثَةِ)) بالجمع(٥)، وذلك يقتضي العموم، فإن
استدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يقبل الله صدقةً وذو رحِم محتاج)»(٦) قيل
لهم: الرحم عمومٌ في كلِّ ذي رحِم، مَحْرَمًا كان أو غيرَ محرم، ولا خلافَ أنَّ
صرف الصدقةِ إلى ذي الرَّحم أولى لقوله عليه الصلاة والسلام: ((اجعلها في
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢٠٥/١، وأخرج هذه الآثار الطبري ٥٧/٥-٥٨.
(٢) انظر المعونة ٩٣٦/٢.
(٣) في المحرر الوجيز ٣١٢/١.
(٤) في (ز) و(ظ) و(م): تضار، والمثبت من (د) و(خ)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ٣١٢/١.
(٥) المحرر الوجيز ٣١٢/١.
(٦) قطعة من حديث أبي هريرة أخرجه الطبراني بنحوه في الأوسط (٨٨٢٣)، قال الهيثميُّ في مجمع
الزوائد ١١٧/٣: فيه عبد الله بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بالمتروك، ويقية
رجاله ثقات.