النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
تقتضي وقوعَ واحدة.
والجواب عن الأحاديث ما ذكره الطَّحَاويُّ أن سعيد بن جبير ومجاهداً وعطاء
وعمرو بن دينار ومالك بن الحارث(١) ومحمد بن إياس بن البُكَيْر والنعمان بن أبي
عياش رَوَوْا عن ابن عباس فيمن طلَّق امرأته ثلاثاً، أنه قد عصَى ربَّه، وبانت منه
امرأتُه، ولا ينكحها إلا بعد زوج. وفيما(٢) رواه هؤلاء الأئمةُ عن ابن عباس ممَّا
يوافق الجماعة ما يدلُّ على وَهْنٍ رواية طاوس وغيره، وما كان ابن عباس ليخالف
الصحابة إلى رأي نفسه(٣).
قال ابن عبد البر(٤): ورواية طاوس وَهْمٌ وغلط، لم يعرِّج عليها أحد من فقهاء
الأمصار بالحجاز والشام والعراق والمشرق والمغرب، وقد قيل: إن أبا الصهباء
لا يُعرف في موالي ابن عباس(٥) .
قال القاضي أبو الوليد الباجيُّ(٦): وعندي أن الرواية عن ابن طاوس بذلك
صحيحة، فقد رَوى عنه الأئمة: مَعْمَرٌ وابن جريجِ وغيرهُما (٧)؛ وابن طاوس إمام.
والحديث الذي يشيرون إليه هو ما رواه ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس قال:
= الذهبي في التجريد ص ٣٦٠: وهذا لا يصح، والمعروف أن صاحب القصة ركانة. اهـ. وسيتكلم
المصنف على الحديث فيما يأتي.
وركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف المطلبي، كان من مسلمة الفتح، سكن المدينة
وبقي إلى خلافة عثمان، وقيل توفي سنة (٤١هـ). التهذيب ٦١١/١. وانظر الإصابة ٦/ ٣٤٠.
(١) في النسخ: الحويرث، وهو خطأ، والمثبت من المصادر. انظر المدونة ٤٢١/٢، ومصنف ابن أبي
شيبة ١١/٥، وشرح معاني الآثار ٥٧/٣، وسنن البيهقي ٣٣٧/٧. ومالك بن الحارث السلمي الرَّقي،
ويقال الكوفي، توفي سنة (٩٤هـ). التهذيب ٤ / ١٠ .
(٢) في النسخ: وما، والمثبت من (م).
(٣) ينظر شرح معاني الآثار ٥٧/٣، ومختصر اختلاف العلماء ٤٦٢/٢، وسنن البيهقي ٣٣٧/٧-٣٣٨،
والاستذكار ١٥/١٧ .
(٤) الاستذكار ١٧ / ١٥ .
(٥) قال الحافظ ابن حجر في التهذيب ٢١٩/٢: صهيب أبو الصهباء البكري البصري، ويقال: المدني،
مولى ابن عباس.
(٦) المنتقى ٤/٤.
(٧) روايتا معمر وابن جريج أخرجهما مسلم (١٤٧٢): (١٥) و(١٦).

٦٢
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
كان الطلاقُ على عهد رسول الله صل وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب
طلاقَ الثلاثِ واحدةً، فقال عمر رضي الله عنه: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ
كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم(١).
ومعنى الحديث أنهم كانوا يوقِعون طلقةً واحدة بدل إيقاعِ الناسِ الآن ثلاثَ
تطليقات؛ ويدلُّ على صحة هذا التأويل أن عمر قال: إن الناس قد استعجلوا في
أمر كانت لهم فيه أناة؛ فأنكر عليهم أن أَحْدَثوا في الطلاق استعجالَ أمر كانت لهم
فيه أناة. فلو كان حالهم ذلك في أوَّل الإسلام في زمن النبيِّ نَّه ما قاله، ولا عاب
عليهم أنَّهم استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناة. ويدلُّ على صحة هذا التأويل ما
رُوي عن ابن عباسٍ من غير طريقٍ أنه أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها
مجتمعة، فإن كان هذا معنى حديثٍ ابن طاوس، فهو الذي قلناه، وإن حُمل حديث
ابن طاوس(٢) على ما يَتَأوَّل فيه مَن لا يُعْبأ بقوله، فقد رجع ابن عباس إلى قول
الجماعة، وانعقد به الإجماع، ودليلُنا من جهة القياس أن هذا طلاقٌ أوقعه مَن
يملكه، فوجب أن يُلزمَه، أصل ذلك إذا أوقعه مفرَداً(٣) .
قلت: ما تأوَّله الباجيُّ هو الذي ذكر معناه الكيا الطبريُ(٤) عن علماء الحديث:
أي أنهم كانوا يطلّقون طلقة واحدة هذا الذي يطلِّقون ثلاثاً، أي: ما كانوا يطلِّقون
في كلِّ قرء طلقة؛ وإنما كانوا يطلِّقون في جميع العِدَّة واحدةً إلى أن تَبِين وتنقضيَ
العدَّة.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: معناه أن الناس كانوا يقتصرون على
طلقة واحدة(٥)، ثم أكثروا أيام عمر من إيقاع الثلاث. قال القاضي: وهذا هو
(١) هو حديث مسلم المذكور في التعليق السابق، وقال البيهقي ٣٣٧/٧: هذا الحديث أحدُ ما اختلف فيه
البخاري ومسلم، فأخرجه مسلم وتركه البخاري، وأظنه إنما تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن
عباس.
(٢) في النسخ: ابن عباس، والمثبت من المنتقى.
(٣) في المنتقى: مفرقاً.
(٤) أحكام القرآن ١/ ١٧١.
(٥) في (خ) و(ظ): على الواحدة.

٦٣
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
الأشبهُ بقول الراوي: إن الناس في أيام عمر استعجلوا الثلاث فعجّل عليهم،
معناه: ألزمهم حُكْمَها .
وأمَّا حديث ابنِ عمر فإن الدارقطنيّ(١) روى عن أحمد بنِ صبيح، عن طريف بن
ناصح، عن معاويةً بن عمار الدُّهنِيِّ، عن أبي الزبير قال: سألتُ ابن عمر عن رجل
طلَّق امرأته ثلاثاً وهي حائض؛ فقال لي: أتعرفُ ابن عمر؟ قلت: نعم، قال:
طلّقتُ امرأتي ثلاثاً على عهد رسول الله وَله [وهي حائض]، فردَّها رسول الله وَله
إلى السُّنة.
فقال الدار قطنيُّ: كلُّهم من الشّيعة؛ والمحفوظُ أن ابن عمر طلَّق امرأته واحدةً
في الحيض. قال عبيد الله(٢): وكان تطليقُه إياها في الحيض واحدةً، غيرَ أنه خالف
السُّنة. وكذلك قال صالح بن كَيْسان وموسى بنُ عقبة وإسماعيل بن أمية وليث بن
سعد وابن أبي ذئب وابن جُرَيْجٍ وجابرٌ وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع: أن
ابن عمر طلَّق تطليقةٌ واحدة. وكذا قال الزهريُّ عن سالم عن أبيه، ويونسُ بن جبير
والشعبيُّ والحسن.
وأما حديث رُكّانةَ فقيل: إنه حديث مضطربٌ منقطع، لا يستند من وجه يُحتَجُّ
به؛ رواه أبو داود(٣) من حديث ابن جريج، عن بعض بني أبي رافع - وليس فيهم من
يُحتجُّ به - عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال فيه: إن عبد يزيد طلَّق امرأته ثلاثاً (٤)؛
فقال له رسول الله وَلجر: ((أرجعها)). وقد رواه أيضاً من طرقٍ عن نافع بن عجير(٥):
(١) سنن الدار قطني ٧/٤، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٢) هو عبيد الله بن عمر العمري، وقد ذكر الدارقطني هذا القول لعبيد الله إثر تخريجه لحديث ابن عمر من
رواية عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وهذه الرواية أخرجها مسلم (١٤٧١): (٢)، وأحمد (٥١٦٤)،
وقد تقدم بعض ألفاظه ص ٤٠ من هذا الجزء.
(٣) سنن أبي داود (٢١٩٦). وفيه: طلَّق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أمَّ ركانة ... وسلف الكلام عليه
ص ٦٠-٦١ من هذا الجزء.
(٤) في (د) و(م): وقال فيه إن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثاً، وفي (ز): وقال فيه عبد يزيد بن ركانة
أنه طلق امرأته ثلاثاً. والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في سنن أبي داود.
(٥) سنن أبي داود (٢٢٠٦) و(٢٢٠٧) و(٢٢٠٨).
ونافع بن عجير هو ابن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف القرشي، ابن أخي ركانة. الإصابة ١٠/ ١٣٢.

٦٤
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
أن ركانة بن عبد يزيد طلَّق امرأته البثّة، فاستحلفه رسول الله وَله: ما أراد بها؟
فحلف ما أراد إلَّا واحدة؛ فردَّها إليه. فهذا اضطراب في الاسم والفعل؛ ولا يحتجُ
بشيء من مثل هذا(١).
قلت: قد أخرج هذا الحديث من طرقٍ الدار قطنيُّ في سننه(٢)؛ قال في بعضها:
حذَّثنا محمد بن يحيى بن مِرداس، حدَّثنا أبو داود السِّجِسْتانيُّ، حدَّثنا أحمد بن
عمرو بن السرح وأبو ثورٍ إبراهيمُ بن خالد الكلبيُّ وآخرون، قالوا: حدَّثنا محمد بن
إدريس الشافعيُّ، حدَّثني عمِّي محمد بنُ عليّ بن شافع، عن عبد الله بن عليّ بن
السائب، عن نافع بن عجير بن عبد يزيد: أن ركانةً(٣) بن عبد يزيد طلَّق امرأته
سُهَيْمة المُزَنَّة البتة؛ فأخبر النبيِ وَ﴿ بذلك؛ وقال(٤): والله ما أردتُ إلَّ واحدةً،
فقال رسول الله ﴿: ((والله ما أردتَ إلَّ واحدة؟)) فقال رُكانة: والله ما أردتُ بها
إلَّا واحدة. فردّها إليه رسول الله وَله، فطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب،
والثالثة في زمان عثمان. قال أبو داود(٥): هذا حديثٌ صحيح.
فالذي صحَّ من حديث ركانة أنه طلّق امرأته البتةَ لا ثلاثاً، وطلاقُ البتّةِ قد
اختلف فيه على ما يأتي بيانه، فسقط الاحتجاج والحمد لله(٦)، والله أعلم.
قال أبو عمر (٧): روايةُ الشافعيِّ لحديث ركانة عن عمِّه أتمّ، وقد زاد زيادةً.
(١) قال الترمذي إثر الحديث (١١٧٧): سألت محمداً (يعني البخاري) عن هذا الحديث فقال: فيه
اضطراب، ويروى عن عكرمة عن ابن عباس أن ركانة طلق امرأته ثلاثاً. وقال الخطابي في معالم
السنن ٢٣٦/٣: وكان أحمد يضعف طرق هذه الأحاديث كلها. وانظر فتح الباري ٩/ ٣٦٣، وزاد
المعاد ٢٤١/٥.
(٢) ٣٣/٤-٣٥.
(٣) وقع في النسخ الخطية وسنن الدارقطني: عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة أن ركانة، وقد تقدم
أن نافع بن عجیر هو ابن أخي ركانة كما ذكر الحافظ ابن حجر.
(٤) في (د) و(م): فقال.
(٥) سنن أبي داود إثر حديث (٢٢٠٨) وفيه قوله: وهذا أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثاً،
لأنهم أهل بيته وهم أعلم به، وابن جريج رواه عن بعض بني أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن عباس.
(٦) في (د) و(ز) و(ظ): فسقط الاحتجاج بغيره والحمد لله، وفي (م): فسقط الاحتجاج بغيره، والله أعلم.
(٧) الاستذكار ١٧/ ٢٧ .

٦٥
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
لا تردُّها الأصول، فوجب قبولُها لثقة ناقِليها، والشافعيُّ وعمُّه وجدُّه أهلُ بيت
ركانة، كلُّهم من بني المطلب(١) بن عبد مناف، وهم أعلم بالقصة التي عَرَضت لهم.
فصل: ذكر أحمد بن محمد بن مغيثٍ الظُّلَيْطليُّ(٢) هذه المسألة في وثائقه(٣)
فقال: الطلاقُ ينقسم على ضَرْبَيْن: طلاقٍ سُنَّةٍ، وطلاقٍ بِدعةٍ. فطلاق السنة هو
الواقع على الوجه الذي ندب الشرعُ إليه، وطلاقُ البدعة نَقِيضُه، وهو أن يطلِّقها في
حيض، أو نفاس، أو ثلاثاً في كلمة واحدة، فإن فعل لزمه الطلاق. ثم اختلف
أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلِّق: كم يلزمه من الطلاق؟ فقال عليّ بن أبي
طالب وابن مسعود: يلزمه طلقةٌ واحدة، وقاله ابن عباس.
وقال: قولُه ثلاثاً، لا معنَى له؛ لأنه لم يطلّق ثلاث مرَّات، وإنَّما يجوز قوله
في (ثلاث)) إذا كان مُخْبِراً عمَّا مضى فيقول: طلَّقتُ ثلاثاً، فيكون مخبراً عن ثلاثة
أفعال كانت منه في ثلاثة أوقات، كرجل قال: قرأتُ أمس سورةَ كذا ثلاثَ مرات،
فذلك يصحُّ، ولو قرأها مرةً واحدة فقال: قرأتُها ثلاث مراتٍ كان كاذباً. وكذلك لو
حلف بالله ثلاثاً يردِّد الحَلِفَ، كانت ثلاثةَ أيمان، وأما لو حلف فقال: أحلف بالله
ثلاثاً، لم يكن حَلَفَ إلا يميناً واحدة، والطلاقُ مثلُه. وقاله الزبير بن العوَّام
وعبد الرحمن بن عوف. ورَوَينا ذلك كلَّه عن ابن وضَّاح(٤)، وبه قال من شيوخ
(١) في (م): عبد المطلب.
(٢) أبو جعفر، كبير طليطلة وفقيهها، توفي سنة (٤٦٠ هـ). شجرة النور الزكية ص١١٨.
(٣) نقل ابن تيمية في الفتاوى ٨٣/٣٣ جزءاً كبيراً من كلام ابن مغيث الآتي، وذكر أن اسم الكتاب هو:
المقنع في أصول الوثائق وبيان ما في ذلك من الدقائق.
(٤) كذا نقل ابن مغيث عن ابن وضاح، وقد نقل أقوال هؤلاء الصحابة عن ابن مغيث ابن تيمية كما أشرنا،
ونقلها أيضاً الحافظ ابن حجر في الفتح ٩/ ٣٦٣، وقول ابن عباس في المسألة رواه عنه طاوس كما
تقدم ص ٥٤ من هذا الجزء، أما قول علي وابن مسعود فلم نقف عليه، والذي في المصادر عنهما أنهما
يقولان بإيقاع الثلاث ثلاثاً. انظر الموطأ ٢/ ٥٥٠، ومصنف عبد الرزاق ٣٩٤/٦-٣٩٥، ومصنف ابن
أبي شيبة ١٢/٥ و١٣ و١٤، وشرح معاني الآثار ٥٨/٣، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٩/٢،
والمحلى ١٧٢/١٠، والسنن الكبرى للبيهقي ٣٣٥/٧-٣٣٦ و٣٣٩-٣٤٠، والاستذكار ١٦/١٧.
وابن وضاح هو محمد بن وضاح بن بَزيع المرواني، أبو عبد الله، محدث الأندلس مع بقي، مولی
صاحب الأندلس عبد الرحمن بن معاوية الداخل، توفي سنة (٢٨٧هـ). السير ٤٤٥/٣ .

٦٦
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
قرطبةً ابن زِنباع(١) شيخ هدى، وأحمد بن بقيّ بن مخلد (٢)، ومحمد بن عبد السلام
الخُشَيُّ(٣) فقيه عصره (٤)، وأصبغ بن الحباب، وجماعةٌ سواهم(٥).
وكان من حُجَّة ابن عباس أن الله تعالى فرَّق في كتابه لفظَ الطلاق، فقال عزَّ
اسمه: ﴿اَلْطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ يريد أكثر الطلاق الذي يكون بعده الإمساك بالمعروف،
وهو الرجعة في العِدَّة. ومعنى(٦) قوله: ﴿أَوْ تَشْرِيٌ ◌ِإِحْسَانٍ﴾ يريد تركها بلا ارتجاع
حتى تنقضي عدَّتها، وفي ذلك إحسانٌ إليها إن وقع ندٌ بينهما؛ قال الله تعالى: ﴿لَا
تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] يريد الندمَ على الفُرقة، والرغبةَ في
الرجعة.
وموقع الثلاث غيرُ حسن(٧)؛ لأن فيه تركّ المندوحة التي وسَّع الله بها ونبَّه
عليها، فذِكْرُ اللهِ سبحانه الطلاقَ مفرَّقاً يدلُّ على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد، وقد
يخرَّج بقياسٍ من غير ما مسألةٍ من المدوَّنة ما يدلُّ على ذلك، من ذلك(٨) قولُ
الإنسان: مالي صدقةٌ في المساكين، أن الثلث يَجْزِيه من ذلك(٩). وفي الإشراف
(١) محمد بن عبد الرحمن بن كليب ابن زنباع، أبو عبد الله، روى عن محمد بن وضاح وغيره، توفي سنة
(٣٠٩هـ). تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي ٣١/٢.
(٢) في (خ) محمد بن بقي بن مَخْلَد، وفي باقي النسخ: محمد بن تقي بن مخلد، والمثبت من المصادر
وهو الصحيح. ويكنى أبا عمر، كبير علماء الأندلس، وقاضي قرطبة، سمع من أبيه خاصة، وكان
وقوراً حليماً كثير التلاوة ليلاً ونهاراً، توفي سنة (٣٢٤هـ). السير ٨٣/١٥.
(٣) في (د) و(ز) و(م): الحسني، وفي (ظ): الحسيني، والمثبت من (خ) وهو الصحيح، وهو محمد بن
عبد السلام بن ثعلبة بن زيد، أبو عبد الله، أدخل الأندلس كثيراً من حديث الأئمة وكثيراً من اللغة
والشعر الجاهلي رواية، توفي سنة (٢٨٦هـ). تاريخ علماء الأندلس ١٤/٢.
(٤) في (م): فريد وقته وفقيه عصره.
(٥) أصبع بن الحباب لم نقف على ترجمته، وقال ابن تيمية إثر هذا الكلام: وذكر هذا عن بضعة عشر فقيهاً
من فقهاء طليطلة المتعبِّدين على مذهب مالك بن أنس.
(٦) في (خ) و(ظ): وهي.
(٧) في (د): محسن.
(٨) في (ز): ما يدلّ على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد من ذلك ...
(٩) المدونة ٢ /٩٦ -٩٧.

٦٧
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
لابن المنذر(١): وكان سعيد بن جبير وطاوس وأبو الشعثاء وعطاء وعمرو بن دينار
يقولون: مَن طلَّق الپِکر ثلاثاً فهي واحدة.
قلت: وربما اعتلُّوا فقالوا: غيرُ المدخول بها لا عدَّة عليها، فإذا قال: أنتِ
طالق ثلاثاً، فقد بانت بنفس فراغه من قوله: أنت طالق، فيَرِدُ ((ثلاثاً)) عليها وهي
بائنٌ فلا يؤثِّر شيئاً. ولأن قوله: أنت طالق، مستقِلٌّ بنفسه، فوجب ألَّا تقف
البينونةُ(٢) في غير المدخولِ بها على ما يَرِدُ بعده، أصلُه إذا قال: أنت طالق.
السادسة: استدلَّ الشافعيُّ بقوله تعالى: ﴿أَوْ تَشْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقوله:
﴿وَسَرِجُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] على أن هذا اللفظ من صريح الطلاق. وقد اختلف
العلماء في هذا المعنى؛ فذهب القاضي أبو محمد (٣) إلى أن الصريح ما تضمَّن لفظً
الطلاق على أيٍّ وجه، مثل أن يقول: أنت طالق، أو أنت مطلَّقة، أو قد طلقتُكِ،
أو الطلاقُ له لازم، وما عدا ذلك من ألفاظ الطلاق مما يُستعمل فيه فهو كناية،
وبهذا قال أبو حنيفة. وقال القاضي أبو الحسن: صريح ألفاظ الطلاق كثيرة،
وبعضُها أبْيَنُ من بعضٍ: الطلاقُ والسَّراحُ والفِراقُ والحرامُ والخَلِيَّةِ والبَرِيَّة. وقال
الشافعيُّ: الصريح ثلاثة ألفاظ، وهو ما ورد به القرآن من لفظ الطلاق والسراح
والفراق(٤)؛ قال الله تعالى: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿أَوْ تَشْرِيحٌ
بِإِحْسَنٍ﴾ وقال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
قلت: وإذا تقرَّر هذا فالطلاق على ضَربين: صريح وكناية؛ فالصريحُ ما ذكرنا،
والكناية ما عداه. والفرق بينهما: أن الصريح لا يفتقر إلى نية؛ بل بمجرَّد اللفظ
يقع الطلاق، والكناية تفتقر إلى نية، والحجَّةُ لمن قال: إن الحرام والخلِيَّة والبَرِيَّة
من صريح الطلاق، كثرةُ استعمالها في الطلاق حتى عُرفت به، فصارت بَيِّةً واضحة
في إيقاع الطلاق، كالغائط الذي وُضِع للمطمئنِّ من الأرض، ثم استُعمل على وجه
(١) ٤ / ١٦٣.
(٢) في (خ) و(ظ): البينونة به.
(٣) المعونة ٨٤٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الباجي في المنتقى ٤/ ٦.
(٤) المنتقى ٦/٤، وينظر القبس ٧٢٨/٢.

٦٨
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
المجاز في إتيان قضاء الحاجة، فكان فيه أبْيَن وأظهر وأشهر منه فيما وُضع له،
وكذلك في مسألتنا مثله(١).
ثم إن عمر بن عبد العزيز قد قال: لو كان الطلاق ألفاً ما أبقت البتة منه شيئاً،
من(٢) قال: البتة، فقد رمى الغايةَ القُصْوَى. أخرجه مالك(٣).
وقد روى الدار قطنيُّ(٤) عن عليٍّ قال: الخَلِيَّةُ والبَرِيَّة والبثّة والبائن والحرام
ثلاث، لا تَحِلُّ لهم(٥) حتى تنكح زوجاً (٦).
وقد جاء عن النبيِّ وَّر أن البَّة ثلاث، من طريق فيه لِين، خرَّجه الدار قطني(٧).
وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿وَلَا نَتَّخِذُوّاْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُواْ﴾ إن شاء الله تعالى(٨).
السابعة: لم يختلف العلماء فيمن قال لامرأته: قد طلَّقتُكِ، أنه من صريح
الطلاق في المدخول بها وغيرِ المدخول بها، فمن قال لامرأته: أنت طالق، فهي
واحدةٌ، إلَّا أن ينويَ أكثر من ذلك. فإن نوى اثنتين أو ثلاثاً، لزمه ما نواه، فإن لم
يَنْوِ شيئاً، فهي واحدة يملك(٩) الرجعة. ولو قال: أنت طالق، وقال: أردتُ من
وَثَاق، لم يُقْبل قولُه ولزمه، إلا أن يكون هناك ما يدلُّ على صدقه. ومن قال: أنت
طالقٌ واحدةً، ولا رجعةً لي عليك. فقوله: ولا رجعة لي عليك، باطل، وله
الرجعةُ لقوله: واحدة؛ لأن الواحدة لا تكون ثلاثاً، فإن نوى بقوله: لا رجعة لي
عليك، ثلاثاً، فهي ثلاثٌ عند مالك(١٠).
(١) ينظر المنتقى ٦/٤.
(٢) في (م) و(د): فمن.
(٣) الموطأ ٢/ ٥٥٠.
(٤) في سننه ٣٢/٤.
(٥) في (د) و(ظ) و(م): له، وليست في (ز)، والمثبت من (خ) وهو الموافق لما في سنن الدار قطني.
(٦) في (د) و(ز) و(م): زوجاً غيره، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في سنن الدار قطني.
(٧) في سننه ٤/ ٢٠، من حديث عليٍّ رضي الله عنه، وقال عقبه: إسماعيل بن أبي أمية (وهو أحد رجال
الإسناد) ضعيف الحديث، وقال فيه في الحديث قبله: ضعيف، متروك الحديث.
(٨) ص ٩٢ من هذا الجزء.
(٩) في (م): تملك.
(١٠) الكافي ٥٧٤/٢، وقد وقع في (٥) و(م): لا رجعة لي عليك، بدون واو في الموضعين.

٦٩
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
واختلفوا فيمن قال لامرأته: قد فارقتُكِ، أو سرَّحتُك، أو أنتِ خليَّةٌ، أو بَرِيَّة،
أو بائن، أو حَبْلُكِ على غارِبك، أو أنتِ عليَّ حرام، أو الحقي بأهلك، أو قد
وهبتُكِ لأهلك، أو قد خلَّيْتُ سبيلك، أو لا سبيل لي عليك؛ فقال أبو حنيفة وأبو
يوسف: هو طلاق بائن، ورُوي عن ابن مسعود قال(١): إذا قال الرجل لا مرأته
اسْتَفْلِحِي(٢) بأمرك، أو أمرُكِ لكِ، أو الحقِي بأهلك، فقِلوها، فواحدةٌ بائنة(٣).
ورُوي عن مالكٍ فيمن قال لامرأته: قد فارقتُك، أو سرَّحتك، أنه من صريح
الطلاق، كقوله: أنت طالق. ورُوي عنه أنها(٤) كناية يُرجَع فيها إلى نية قائِلها،
ويُسأل ما أراد من العدد، مدخولاً بها كانت أو غيرَ مدخولٍ (٥) .
قال ابن المؤَّاز: وأصحُّ قوليه في التي لم يدخل بها أنها واحدة، إلّا أن ينويّ
أکثر، وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكم(٦).
وقال أبو يوسف: هي ثلاث، ومثله: خلعتُكِ، أو لا مِلْكَ لي عليك.
وأمَّا سائر الكنايات فهي ثلاثٌ عند مالكٍ في كلِّ مَن دخل بها، لا يُنَّى فيها
قائلُها، ويُنَّى في غير المدخول بها. فإن حلف وقال: أردت واحدةً، كان خاطباً
من الخُطَّاب؛ لأنه لا يخلِّي المرأةَ التي قد دخل بها زوجُها ولا يُبينها ولا يُبريها إلَّا
ثلاثُ تطليقات. والتي لم يدخل بها يخُلِّيها ويُبريها وتُبِينُها(٧) الواحدةُ.
وقد رُوي عن مالك وطائفةٍ من أصحابه، وهو قولُ جماعة من أهل المدينة: أنه
(١) في (ز) و(م): وقال.
(٢) في (د) و(ز) و(م): استقلي، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق للمصادر.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٧٦/٥، والطبراني في الكبير (٩٦٢٧)، والبيهقي ٧/ ٣٤٦- ٣٤٧، وعندهم: أو
وهبها لأهلها، بدل: الحقي بأهلك. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٣٧/٤: رواه الطبراني ورجاله
رجال الصحيح. وقوله: استفلحي بأمرك: أي فوزي بأمرك واستبدِّي به. النهاية ٤٦٩/٣ .
(٤) في (د) و(ز) و(م): أنه، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في الكافي ٢/ ٥٧٥، والكلام منه.
(٥) في (د) و(ز) و(م): أو غير مدخول بها، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في الكافي.
(٦) ينظر النوادر والزيادات ٥/ ١٥٢.
(٧) في (خ) و(ظ) و(م): ويبينها، والمثبت من (د) و(ز) وهو الموافق لما في المصادر. انظر الموطأ
٥٥٢/٢، والاستذكار ٤٩/١٧، والكافي ٥٧٦/٢، والمنتقى ١٤/٤.

٧٠
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
يُنوَّى في هذه الألفاظ كلِّها، ويلزمه من الطلاق ما نوى. وقد رُوي عنه في البتة
خاصةً من بين سائر الكنايات: أنه لا يُنَّى فيها، لا في المدخول بها، ولا في غير
المدخول بها (١).
وقال الثوريُّ وأبو حنيفة وأصحابه: له نيَّتُه في ذلك كلِّه، فإن نوى ثلاثاً فهي
ثلاث، وإن نوى واحدةً فهي واحدةٌ بائنة، وهي أحقُّ بنفسها. وإن نوی اثنتين فهي
واحدة. وقال زفر: إن نوی اثنتين فهي اثنتان.
وقال الشافعيُّ: هو في ذلك كلِّه غيرُ مطلِّقٍ حتى يقول: أردتُ بمخرج الكلام
مني طلاقاً، فيكون ما نوى. فإن نوى دون الثلاث كان رجعيًّا، ولو طلَّقها واحدة
بائنة كانت رجعية .
وقال إسحاق: كلُّ كلام يشبه الطلاق، فهو ما نوى من الطلاق. وقال أبو ثور:
هي تطليقة رجعيةٌ ولا يُسأل عن نيته(٢).
ورُوي عن ابن مسعود: أنه كان لا يرى طلاقاً بائناً إلا في خُلْع أو إيلاء(٣)،
وهو المحفوظ عنه؛ قاله أبو عبيد . .
وقد ترجم البخاريُّ: باب إذا قال فارقتُكِ أو سرَّحتُكِ، أو البرية أو الخلية، أو
ما عنى به الطلاق فهو على نيته(٤). وهذا منه إشارةٌ إلى قول الكوفيين والشافعيِّ
وإسحاق في قوله: أو ما عنى به من الطلاق. والحجةُ في ذلك: أن كلَّ كلمة
تحتمل أن تكون طلاقاً أو غير طلاق، فلا يجوز أن يَلْزَمَ بها الطلاقُ إلَّ أن يقول
المتكلم: إنه أراد بها الطلاق، فيلزمه ذلك بإقراره، ولا يجوز إبطال النكاح؛ لأنهم
قد أجمعوا على صحته بيقين.
قال أبو عمر(٥): واختلف قول مالك في معنى قولِ الرجل لا مرأته: اعتدِّي، أو
(١) الكافي ٢ / ٥٧٦.
(٢) ينظر الإشراف ١٦٧/٤ و١٦٩، والاستذكار ٣٥/١٧ -٣٦ و٤٩.
(٣) أخرجه الشافعي في الأم ٧/ ١٦١، وعبد الرزاق (١١٧٥٣).
(٤) فتح الباري ٣٦٩/٩.
(٥) الكافي ٥٧٦/٢، وينظر الاستذكار ٣٤/١٧.

٧١
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
قد خلَّيْتُكِ، أو حَبْلُكِ على غارِبك؛ فقال(١): لا ينوَّى فيها وهي ثلاث. وقال مرة:
ينوَّى فيها كلِّها، في المدخول بها وغير المدخول بها، وبه أقول.
قلت: ما ذهب إليه الجمهور، وما رُوي عن مالك أنه ينوَّى في هذه الألفاظ
ويُحكم عليه بذلك، هو الصحيح؛ لِمَا ذكرناه من الدليل، وللحديث(٢) الصحيح
الذي خرَّجه أبو داود وابن ماجه والدارقطنيُّ وغيرُهم عن يزيد بن ركانة(٣): أن
ركانة بن عبد يزيد(٤) طلَّق امرأته سُهَيْمةَ البَّة، فأخبر النبيَّ وَّ بذلك، فقال: ((آللهِ(٥)
ما أردتَ إلا واحدة))؟ فقال ركانة: والله ما أردتُ إلا واحدة، فردّها إليه رسول الله
وَ*، قال ابن ماجه: سمعتُ أبا الحسن الطنافِسيَّ يقول: ما أشرفَ هذا
الحديث(٦)!
وقال مالك في الرجل يقول لامرأته: أنت عليَّ كالميتة والدَّم ولحم الخنزير:
أراها البتّة وإن لم تكن له نيَّة، فلا تحِلُّ إلا بعد زوج. وفي قول الشافعيِّ: إن أراد
(١) في (م): فقال مرة.
(٢) في (خ) و(ظ): والحديث.
(٣) في قوله: يزيد بن رُكانة، نظر، فالحديث من رواية عبد الله بن علي بن يزيد بن رُكانة، عن أبيه،
عن جدِّه، أنه طلَّق امرأتَه ... سنن أبي داود (٢٢٠٨)، وسنن ابن ماجه (٢٠٥١)، وسنن الدار قطني
٣٤/٤، وأخرجه أيضاً أحمد (٩١/٢٤٠٠٩)، والترمذي (١١٧٧)، والعقيلي في الضعفاء ٢/ ٢٨٢.
فقوله: عن جدِّه، يعني جدَّ عليّ، وهو رُكانة، كما ذكر الحافظ ابن عساكر في ترتيب أسماء
الصحابة ص ١١٠، وقال الذهبي في الميزان ٤٦٣/٢: كأنه أراد بقوله: عن جدِّه، الجدَّ الأعلى،
وهو رُكانة. اهـ. ولم يجزم المِزِّيُّ بإيراد يزيد بن رُكانة في تهذيب الكمال، فأحاله على ترجمة
رُكانة، وإن كان قد رمز لرواية عليّ بن يزيد بن رُكانة، عنه بـ(د، ق). ولم يذكر الحافظ ابن حجر
يزيد بن رُكانة في تهذيبه ولا في تقريبه، مما يعني أنه ليس من رجال التهذيب، فليس هو من رجال
أبي داود، ولا رجال ابن ماجه، وليس من رجال هذا الحديث، والله أعلم.
ووقع عند الترمذي: عبد الله بن يزيد بن ركانة، سقط منه اسم ((علي)) نبَّه عليه المِزِّي في تهذيب الكمال
٢١ /١٧٤ .
(٤) في النسخ: أن ركانة بن يزيد، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في سنن الدار قطني.
(٥) في (د): والله.
(٦) قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال العقيلي: عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة
لا يتابع على حديثه، مضطرب الإسناد. وقال البخاري في التاريخ الكبير ٣٠١/٦: لم يصح حديثه.

٧٢
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
طلاقاً فهو طلاقٌ وما أراد من عدد الطلاق، وإن لم يُرد طلاقاً فليس بشيءٍ بعد أن
يحلف(١).
وقال أبو عمر(٢): أصلُ هذا الباب في كلِّ كناية عن الطلاق؛ ما رُويَ عن
النبيِّ بَّهِ أنه قال للَّتي تزوَّجها - حين قالت(٣): أعوذ بالله منك -: ((قد عُذْتِ بِمُعاذٍ،
الحقي بأهلك))(٤). فكان ذلك طلاقاً. وقال كعب بن مالك لامرأته حين أمره
رسول الله وَ﴿ باعتزالها: الحقي بأهلك(٥)، فلم يكن ذلك طلاقاً، فدلَّ على أن هذه
اللفظة مفتقرةٌ إلى النية، وأنها(٦) لا يُقضَى فيها إلَّا بما ينوِي اللَّافِظ بها، وكذلك
سائر الكنايات المحتملات للفراق وغيره. والله أعلم.
وأمَّا الألفاظُ التي ليست من ألفاظ الطلاق ولا يكنى بها عن الفراق، فأكثرُ
العلماء لا يُوقعون بشيء منها طلاقاً وإن قصده القائل. وقال مالك: كلُّ من أراد
الطلاق بأي لفظٍ كان لزمه الطلاقُ، حتى بقوله: كُلِي، واشربي، وقُومي، واقعدي،
ولم يتابع مالكاً على ذلك إلَّ أصحابُه.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا
حُدُودَ اَللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفَْدَتْ بِهُ تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ فَلَ
تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾.
فيه خمس عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِنَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ ((أَنْ)) في
(١) الإشراف ٤/ ١٧١ .
(٢) الاستذكار ١٧/ ٥١-٥٢ .
(٣) في (خ) و(ظ): فقالت له.
(٤) أخرجه أحمد (١٦٠٦١) و(٢٢٨٦٩)، والبخاري (٥٢٥٧) من حديث أبي أسيد وسهل بن سعد،
وأخرجه البخاري (٥٢٥٥) من حديث أبي أسيد وحده، وأخرجه البخاري أيضاً (٥٢٥٤) من حديث
عائشة، وأخرجه بنحوه مسلم (٢٠٠٧) من حديث سهل بن سعد.
(٥) أخرجه أحمد (١٥٧٨٩)، والبخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩)، وهو جزء من حديث كعب الطويل
في قصة المخلفين عن غزوة تبوك.
(٦) في الاستذكار: وإنما.

٧٣
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
موضع رفع بـ ((يَحِلُ))(١). والآية خطابٌ للأزواج، نُهوا أن يأخذوا من أزواجهم
شيئاً على وجه المُضَارَّة؛ وهذا هو الخُلع الذي لا يصحُ إلَّا بألّا ينفرد الرجل
بالضرر؛ وخصَّ بالذِّكْر ما آتَى الأزواجُ نساءَهم؛ لأن العُرْف من(٢) الناس أن يطلب
الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها صَدَاقاً وجهازاً(٣)؛ فلذلك خُصَّ
بالذِّكر (٤).
وقد قيل: إن قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ﴾ فصلٌ معترِضٌ بين قوله تعالى: ﴿الطّلَقُّ مَرَّتَانٍ﴾
وبين قوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ (٥) .
الثانية: والجمهور على أن أَخذَ الفِدية على الطلاق جائز، وأجمعوا على
تحظير أَخْذِ ما لَها إلا أن يكون النُّشُوزُ وفسادُ العِشْرة من قِبَلِها(٦). وحكى ابن
المنذر (٧) عن النعمان أنه قال: إذا جاء الظلم والنشوز من قِبَلِه فخالعته(٨)، فهو
جائزٌ ماضٍ، وهو آثم، لا يحلُّ(٩) له ما صنع، ولا يُجبر على ردِّ ما أخذ(١٠).
قال ابن المنذر: وهذا من قوله خلافُ ظاهر كتاب الله، وخلافُ الخبر الثابت
عن النبيِّي ◌َّهُ(١١)، وخلافُ ما أجمع عليه عوامٌ(١٢) أهل العلم من ذلك، ولا أحسبُ
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣١٤/١.
(٢) في (م): بین.
(٣) في (خ) و(ز) و(ظ): وحباء.
(٤) المحرر الوجيز ٣٠٦/١.
(٥) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٦٠/٢، والتمهيد ٣٧٣/٢٣.
(٦) المحرر الوجيز ٣٠٧/١.
(٧) الإشراف ٢١٥/٤-٢١٦، والمحرر الوجيز ٣٠٧/١.
(٨) في النسخ: وخالعته، والمثبت من الإشراف والمحرر الوجيز.
(٩) في (٥) و(ز) و(ظ): ثم لا يحل، وفي (خ): ولا يحل، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في الإشراف
والمحرر الوجيز.
(١٠) في (م): أخذه، وانظر مختصر اختلاف العلماء ٢/ ٤٦٤، وبدائع الصنائع ٣٢٣/٤.
(١١) يشير إلى حديث ثابت بن قيس رضي الله عنه مع زوجته وسيذكره المصنف قريباً. ويشير بقوله: وهذا
خلاف ظاهر كتاب الله، إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِنَّآَ مَا تَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ .
(١٢) في (٥) و(ز) و(م): عامة، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في الإشراف.

٧٤
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
أن لو قيل لأحد: اجهد نفسك في طلب الخطأ، ما وَجَدَ أمراً أعظمَ من أن ينطق
الكتاب بتحريم شيء، ثم يقابله مُقَابِلٌ بالخلاف نصًّا؛ فيقول: بل يجوز ذلك،
ولا يُجبر على ردِّ ما أخذ.
قال أبو الحسن بن بَطَّال: ورَوَى ابن القاسم عن مالك مثله(١). وهذا القولُ
خلافُ ظاهِر كتاب الله تعالى، وخلافُ حديثٍ امرأة ثابت؛ وسيأتي(٢).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ حرَّم الله تعالى [على
الزوج] في هذه الآية أن(٣) يأخذ إلَّ بعد الخوف ألَّ يقيما حدود الله، وأَّد التحريم
بالوعيد لمن تعدَّى الحدّ.
والمعنى: أن يظنَّ كلُّ واحد منهما بنفسه ألَّا يقيمَ حقَّ النكاح لصاحبه حسب ما
يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها، فلا حرجَ على المرأة أن تفتديّ، ولا حرج على
الزوج أن يأخذ(٤).
والخطابُ للزوجين، والضميرُ في ((أن يخافا)) لهما، و((ألا يقيما)) مفعولٌ به.
و((خِفْتُ)) يتعدَّى إلى مفعول واحد. ثم قيل: هذا الخوفُ هو بمعنى العلم، أي: أن
يعلما ألَّا يقيما حدودَ الله، وهو من الخوف الحقيقيِّ، وهو الإشفاق من وقوع
المكروه، وهو قريبٌ من معنى الظن(٥). ثم قيل: ((إلا أن يخافا)) استثناءٌ منقطع،
أي: لكن إن كان منهن نشوزٌ فلا جناحَ عليكم في أخذ الفدية.
وقرأ حمزة: ((إلا أن يُخافا)) بضمِّ الياء على ما لم يسمَّ فاعلُه(٦)، والفاعل
محذوفٌ وهو الولاة والحكام، واختاره أبو عبيد؛ قال: لقوله عز وجل: ﴿فَإِنْ
(١) لم نقف على هذا القول لمالك، وقد نقل ابن أبي زيد في النوادر والزيادات ٢٥٥/٥ عن ابن القاسم
خلاف هذا القول. وانظر المدونة ٣٣٥/٢، والاستذكار ١٧٩/١٧ - ١٨٠.
(٢) في المسألة الرابعة.
(٣) في النسخ: ألَّا، والمثبت من المحرر الوجيز ٣٠٧/١، والإشراف ٢١٥/٤، والكلام منهما، وما بين
حاصرتين منهما .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١٩٤.
(٥) ينظر الحجة للفارسي ٣٢٨/٢، وتفسير الرازي ٦/ ١٠٧.
(٦) السبعة ص ١٨٣، والتيسير ص ٨٠.

٧٥
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
◌ِفْتُمْ﴾ قال: فجعل الخوف لغير الزوجين، ولو أراد الزوجين لقال: فإن خافا. وفي
هذا حجةٌ لمن جعل الخُلع إلى السلطان(١).
قلت: وهو قولُ سعيد بن جبير والحسن وابن سِيرِين. وقال شعبة: قلتُ
لقتادة: عمَّن أخذ الحسنُ الخُلع إلى السلطان؟ قال: عن زياد(٢)، وكان والياً لعمرَ
وعليٍّ.
قال النحاس(٣): وهذا معروفٌ عن زياد، ولا معنَى لهذا القول؛ لأن الرجل إذا
خالع امرأته فإنما هو على ما يتراضيان به، ولا يُجبره السلطان على ذلك؛ ولا معنى
لقول مَن قال: هذا إلى السلطان.
وقد أَنكر(٤) اختيار أبي عبيد وردّ: وما علمتُ في اختياره شيئاً أبعدَ من هذا
الحرف؛ لأنه لا يُوجبه الإعرابُ ولا اللفظُ ولا المعنى.
أما الإعراب: فإن عبد الله بن مسعود قرأ: ((إلّا أن يخافوا))(٥) فهذا في العربية
إذا رُدَّ إلى ما لم يسمَّ فاعلُه قيل: إلا أن يُخاف.
وأما اللفظ: فإن كان على لفظ ((يُخافا)) وجب أن يقال: فإن خيف، وإن كان
على لفظ ((فإن خفتم)) وجب أن يقال: إلا أن تخافوا.
وأما المعنى فإنه يَبْعُد أن يقال: لا يحلُّ لكم أن تأخذوا ممَّا آتيتموهن شيئاً إلَّا
أن يخاف غيركم، ولم يقل جلَّ وعز: فلا (٦) جناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية؛
(١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣١٤/١.
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢/ ٥٢، وقول الحسن وابن سيرين أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ
(٢٢٣)، (٢٢٤)، وأخرج الطبري قول سعيد بن جبير ١٤١/٤، أما خبر شعبة عن قتادة فأخرجه ابن
سعد في الطبقات ١٥٩/٧. قال الحافظ في الفتح ٩/ ٣٩٧: وزياد ليس أهلاً أن يُقتدى به.
(٣) في الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٢.
(٤) النحاس في إعراب القرآن ٣١٤/١.
(٥) في (خ) و(ظ): يخافا، وفي (ز) وهامش (خ): تخافا، وفي (د): يخافا يخافوا، وفي (م): تخافا
تخافوا، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٣١٤/١، وذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٠٧/١،
وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٤ وقيدها بالتاء ونسبها لابن عباس وللحجاج. ونقل أبو
حيان في البحر المحيط ٢/ ١٩٧ عن ابن مسعود القراءتين بالتاء والياء.
(٦) في النسخ: ولا، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس.

٧٦
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
فيكون الخُلع إلى السلطان. قال الطحاويُّ(١): وقد صحَّ عن عمر وعثمان وابن عمر
جوازُه دون السلطان؛ وكما جاز الطلاق والنكاح دون السلطان فكذلك الخُلع؛
وهو قول الجمهور من العلماء(٢).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيَ﴾ أي: على أن لا يقيما ﴿حُدُودَ اَللَّهِ﴾
أي: فيما(٣) يجب عليهما من حُسن الصحبة وجميل العِشْرة. والمخاطبةُ للحكام
والمتوسطين لمثل هذا الأمر وإن لم يكن حاكماً .
وتركُ إقامة حدود الله هو استخفافُ المرأة بحقِّ زوجها، وسوءُ طاعتها إياه؛
قاله ابن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء.
وقال الحسن بن أبي الحسن وقومٌ معه: إذا قالت المرأة: لا أطيع لك أمراً،
ولا أغتسل لك من جنابة، ولا أَبَرُّ لك قَسَماً، حلَّ الخُلع.
وقال الشعبيُّ: ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾: ألَّا يطيعا الله؛ وذلك أن المغاضَبَةَ تدعو
إلى ترك الطاعة.
وقال عطاء بن أبي رباح: يُحلُّ الخُلعَ والأخذَ أن تقول المرأة لزوجها: إني
لأكرهكَ(٤) ولا أحبُّكَ، ونحوُ هذا.
﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَقْتَدَتْ بِهِمْ﴾ روى البخاريُّ(٥) من حديث أيوب، عن
عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس أتتِ النبيَّ ◌َ* فقالت: يا
رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتِب(٦) عليه في خُلُق ولا دِين، ولكن لا أُطيقه،
(١) مختصر اختلاف العلماء ٤٦٦/٢، وروى البخاري قبل الحديث (٥٢٧٣) الخبرين عن عمر وعثمان في
جواز الخُلع دون السلطان معلقين مختصرين، وأخرجهما عبد الرزاق (١١٨١٠)، (١١٨١١)، وأبو
عبيد في الناسخ والمنسوخ (٢٢٦)، (٢٢٧)، (٢٢٨)، وانظر فتح الباري ٩/ ٣٩٧.
(٢) قول الطحاوي هذا ذكره النحاس في إعراب القرآن ٣١٤/١ بتمامه، ولم ينسبه للطحاوي.
(٣) في (د) و(ز): مما.
(٤) في (د) و(ز) و(م): أكرهك، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٣٠٧/١،
والكلام منه، والأخبار المذكورة أخرجها الطبري ٤/ ١٤٠-١٤٩.
(٥) صحيح البخاري (٥٢٧٥).
(٦) في (د): ما أعيب، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٩٩/٩: ما أعتب عليه، بضم المثناة من فوق، =

٧٧
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
فقال رسول الله وَله: ((أَتردِّين عليه حديقَتَهُ؟)) قالت: نعم.
وأخرجه ابن ماجه، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن جميلة بنتَ
سَلُول(١) أتت النبيَّ وَّهِ فقالت: والله ما أعيبُ(٢) على ثابتٍ في دِينٍ ولا خُلُق،
ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقُه بغضاً! فقال لها النبيُّ ◌َّهِ: ((أتردِّين عليه
حديقَتَه؟)) قالت: نعم. فأمره رسول الله وَّي أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد(٣).
فيقال: إنها كانت تبغضُه أشدَّ البغض، وكان يحبُّها أشدَّ الحبّ، ففرَّق
رسول الله وَلي بينهما بطريق الخُلع، فكان أولَ خُلع في الإسلام؛ روى عكرمة، عن
ابن عباس قال: أولُ مَن خالَعَ في الإِسلام أختُ عبد الله بن أبيّ، أتت النبيَّ ◌َّلـ
فقالت: يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأسُه أبداً؛ إني رفعتُ جانب الخِباء فرأيتُه
أقبل في عدَّةٍ، إذا(٤) هو أشدُّهم سواداً، وأقصرُهم قامة، وأقبحُهم وجهاً! فقال:
((أتردِّين عليه حديقَتَه؟)) قالت: نعم، وإن شاء زِدْتُه؛ ففرَّق بينهما(٥).
وهذا الحديث أصل في الخُلع، وعليه جمهورُ الفقهاء(٦)؛ قال مالك: لم أَزَلْ
أسمعُ ذلك من أهل العلم، وهو الأمرُ المجتمع عليه عندنا، أن(٧) الرجل إذا لم
= ويجوز كسرها من العتاب ... والعتاب هو الخطاب بالإدلال، وفي رواية بكسر العين بعدها تحتانية
ساکنة من العيب، وهي ألیق بالمراد.
(١) اختلف في اسمها اختلافاً كثيراً تبعاً لروايات هذا الحديث، وقد فصل ابن حجر ذلك في الفتح
٣٩٨/٩-٣٩٩، وترجم لها في الإصابة ١٢/ ١٧٥ باسم جميلة بنت أبي بن سلول أخت عبد الله بن
أبي، ثم ذكر في الإصابة أيضاً ١٧٩/١٢ -١٨٠ جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول ونقل عن ابن
سعد أنها أخت عبد الله بن عبد الله لأبويه، وكانت زوجة حنظلة بن الراهب غسيل الملائكة، ثم
تزوجها ثابت بن قيس. ثم ذكر ابن حجر قول من قال إنهما واحدة، ورده بقوله: الصواب أنهما
اثنتان، وأن ثابت بن قيس تزوج عمتها فاختلعت منه، ثم تزوج هذه ففارقها.
(٢) في (خ): أعتب، وفي (ز): أعبت. وسلف الكلام عليه قبل تعليق.
(٣) سنن ابن ماجه (٢٠٥٦)، وصححه الحافظ ابن حجر في الدراية ٢/ ٧٥، وقال: أصله في البخاري
بدون الزيادة.
(٤) في (د) و(م): إذ.
(٥) تفسير الطبري ١٣٧/٤ -١٣٨، وقد صححه الشيخ محمود شاكر رحمه الله، وانظر كلامه عليه ٤/ ٥٥٣ .
(٦) ينظر الاستذكار ١٧/ ١٧٥ .
(٧) في (د) و(ز) و(م): وهو أن.

٧٨
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
يُضرَّ بالمرأة ولم يُسئ إليها، ولم تُؤْتَ من قِبَلِه، وأحبَّت فراقه، فإنه يَحلُّ له أن
يأخذ منها كلَّ ما افتدت به، كما فعل النبيُّ ◌َّ في امرأة ثابت بن قيس، وإن كان
النشوزُ من قِبَلِه بأن يضيِّق عليها ويضرَّها، رَدَّ عليها ما أخذ منها(١).
وقال عقبة بن أبي الصَّهْباء: سألتُ بكر بن عبد الله المزنيَّ عن الرجل؛ تريد
امرأتُه أن تُخالعه، فقال: لا يحلُّ له أن يأخذ منها شيئاً، قلت: فأين قول اللهِ عزّ
وجلَّ في كتابه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَقَْدَتْ بِهُ﴾؟ قال:
نُسخت، قلت: فأين جُعلت؟ قال: في سورة (النساء)): ﴿وَإِنْ أَرَدَّتُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْج
مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَثَهُنَّ قِنْطَارًا فَلَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْقَاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَنَا وَإِثْمًا
◌ُبِينًا﴾(٢) [٢٠]. قال النحاس(٣): هذا قولٌ شاذٌ، خارجٌ عن الإجماع لشذوذه،
وليس(٤) إحدى الآيتين دافعةً للأخرى فيقعَ النسخ؛ لأن قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الآية؛
ليس بمُزالٍ(٥) بتلك الآية؛ لأنهما إذا خافا هذا لم يدخل الزوج في ﴿وَإِنْ أَرَدَثُمُ
اسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ زَوْج﴾ لأن هذا للرجال خاصةً.
وقال الطبريُّ: الآيةُ مُحْكَمَة، ولا معنَى لقول بكر إن أرادت هي العطاءَ، فقد
جوَّز النبيُّ وَّ لثابتٍ أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها(٦) كما تقدم (٧).
الخامسة: تمسّك بهذه الآية مَن رأى اختصاص الخُلع بحالة الشِّقاق والضَّرر،
وأنه شرط في الخُلع، وعَضَد هذا بما رواه أبو داود(٨) عن عائشة: أن حبيبة بنتَ
(١) ينظر المدونة ٢/ ٣٤٠، والاستذكار ١٧٩/١٧ .
(٢) أخرجه الطبري ١٦١/٤-١٦٢، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص٨٨.
(٣) في الناسخ والمنسوخ ٥١/٢ .
(٤) في (م): وليست.
(٥) في (د) و(م): ليست بمزالة.
(٦) ينظر تفسير الطبري ١٦٢/٤-١٦٣. وينظر أيضاً في رد قول بكر بن عبد الله المزني أحكام القرآن
للجصاص ٣٩٢/١، والمحلى ٢٣٦/١٠، والاستذكار ١٧٦/١٧، والمحرر الوجيز ٣٠٨/١، ونواسخ
القرآن لابن الجوزي ص٨٨.
(٧) قوله: كما تقدم، من (م) وقد تقدم الحديث آنفاً.
(٨) سنن أبي داود (٢٢٢٨)، وأخرجه أيضاً الطبري ١٣٨/٤، والبيهقي ٣١٥/٧.

٧٩
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
سهل(١) كانت عند ثابت بن قيس بن شَمَّاس، فضربها فكسر نُغْضَها(٢)؛ فأتت
رسول الله وَلقر بعد الصبح، فاشتكت إليه، فدعا النبيُّ وَل﴿ ثابتاً، فقال: ((خُذْ بعضَ
مالها وفارِقْها)). قال: ويَصْلُح ذلك يا رسول الله؟ قال: ((نعم)). قال: فإني أَصْدَقْتُها
حديقتين وهما بيدها(٣)؛ فقال النبيُّ وَلّل: ((خُذْهُما وفارِقْها)) فأخذهما وفارقها.
والذي عليه الجمهورُ من الفقهاء أنه يجوز الخُلع من غير اشتكاءٍ ضررٍ (٤)، كما
دلَّ عليه حديث البخاريّ(٥) وغيره. وأمَّا الآيةُ فلا حُجَّةَ فيها؛ لأن الله عز وجل لم
يذكرها على جهة الشرط، وإنَّما ذكرها لأنه الغالب من أحوال الخُلع، فخرج القول
على الغالب؛ والذي يقطع العذرَ ويوجب العلم قوله تعالى: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ
مِنْهُ نَفْسًا فَكُوهُ هَنِّيْئًا فَِّيَا﴾(٦).
السادسة: لمّا قال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَقْتَدَتْ بِهُ﴾ دلَّ على جواز
الخُلع بأكثرَ مما أعطاها. وقد اختلف العلماء في هذا؛ فقال مالك والشافعيُّ وأبو
حنيفة وأصحابهم وأبو ثور: يجوز أن تفتدي منه بما تراضيا عليه، كان أقلَّ مما
أعطاها أو أكثر منه. وروي هذا عن عثمان بن عفان وابنٍ عمر وقَبِيصةَ والنَّخَعي.
واحتجَّ قبيصةُ بقوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهُ﴾(٧). وقال مالك: ليس من
مكارم الأخلاق، ولم أَرَ أحداً من أهل العلم يكره ذلك(٨).
(١) ابن ثعلبة الأنصارية من بني النجار، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة ١٢/ ١٩٢: وجائز أن تكون هي
وجميلة بنت أبي سلول اختلعتا من ثابت جميعاً.
(٢) في النسخ: بعضها، وهو خطأ، وانظر حاشية تفسير الطبري (طبعة الشيخ محمود شاكر) في التعليق
على الحديث ٤/ ٥٥٥. والنُّغْض: غرضوف الكتف. القاموس (نغض).
(٣) في النسخ: ومع ما بيدها، والمثبت من سنن أبي داود وتفسير الطبري.
(٤) المنتقى ٦١/٤.
(٥) صحيح البخاري (٥٢٧٥)، وقد تقدم في المسألة السابقة.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٤/١ .
(٧) الإشراف ٢١٧/٤، وينظر الاستذكار ١٧٨/١٧، والآثار عن عثمان وابن عمر وقبيصة والنخعي
أخرجها الطبري ١٥٨/٤-١٦١.
وقَبِيصَةُ بن ذُؤَنْب أبو سعيد الخزاعي المدني ثم الدمشقي، الوزير، الفقيه، ولد عام الفتح، وتوفي سنة
(٨٦هـ) السير ٤/ ٢٨٢.
(٨) ينظر النوادر والزيادات ٢٥٤/٥ .

٨٠
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
وروى الدار قطنيُّ عن أبي سعيدِ الخُذْرِيِّ أنه قال: كانت أختي تحت رجل من
الأنصار تزوَّجها على حديقة، فكان(١) بينهما كلام، فارتفعا إلى رسول الله وَل
فقال: ((تردِّين عليه حديقته ويطلِّقك؟)) قالت: نعم، وأَزيدُه. قال: ((رُدِّي عليه
حديقته وزيديه))(٢). وفي حديث ابن عباسٍ ((وإن شاء زدتُه))(٣) ولم ينكر.
وقالت طائفة: لا يأخذ منها أكثر ممَّا أعطاها؛ كذلك قال طاوس وعطاء
والأوزاعيُّ؛ قال الأوزاعيُّ: كان القضاةُ لا يُجيزون أن يأخذ إلَّا ما ساق إليها. وبه
قال أحمدُ وإسحاق(٤).
واحتجُّوا بما رواه ابن جُرَيْج: أخبرني أبو الزبير أن ثابت بن قيس بن شَمَّاس
كانت عنده زينب بنتُ عبد الله بن أبيّ بن سَلُول، وكان أَصْدَقَها حديقة، فكرهته،
فقال النبيُّ ◌َلي: (أما الزيادة فلا، ولكن حديقته))، فقالت: نعم. فأخذها له وخلَّى
سبيلها، فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال: قد قبلتُ قضاء رسولِ الله وَّهِ. سمعه أبو
الزبير من غير واحد؛ أخرجه الدار قطنيُّ(٥).
ورَوَى عن عطاء مرسلاً؛ أن النبيَّ وَّ ه قال: ((لا يأخذْ من المختلعة أكثرَ ممَّا
أعطاها))(٦).
السابعة: الخُلع عند مالكٍ رضي الله عنه على ثمرةٍ لم يَبْدُ صلاحُها، وعلى
(١) في (ز): وكان.
(٢) سنن الدارقطني ٣/ ٢٥٤، وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف (١٦٩٠)، وهو
من طريق عطية العوفي عن الحسن بن عمارة عن أبي سعيد رضي الله عنه. قال ابن الجوزي: هذا إسناد
لا یصح؛ أما عطية فقد ضعفه الثوري وهشیم وأحمد ویحیی، وقال ابن حبان: لا يحل کتب حديثه إلا
على التعجب. وأما الحسن بن عمارة فقال شعبة: هو كذاب يحدث بأحاديث قد وضعها، وقال
يحيى: يكذب، وقال أحمد والرازي والنسائي والفلاس ومسلم بن الحجاج والدار قطني: هو متروك،
وقال زكريا الساجي: أجمعوا على ترك حديثه.
(٣) تفسير الطبري ١٣٧/٤ -١٣٨، وقد تقدم في المسألة الرابعة.
(٤) الإشراف ٢١٧/٤، وينظر الاستذكار ١٧٨/١٧ .
(٥) في سننه ٢٥٥/٣، قال الحافظ في الفتح ٣٩٨/٩: وسنده قوي مع إرساله. وصحح إسناده ابن
الجوزي في التحقيق ٢٨٨/٢ .
(٦) سنن الدارقطني ٣/ ٢٥٥، وأخرجه أبو داود في المراسيل (٢٣٧).