النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧ الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَ أَيْمَنِكُمْ﴾ الأيمان جمعُ يمين، واليمينُ: الحَلِفُ، وأصلُه أنَّ العربَ كانت إذا تحالفت أو تعاقدتْ أَخذَ الرجلُ یمینَ صاحِبِه بیمینه، ثم كَثُر ذلك حتى سُمَِّ الحَلِفُ والعَهْدُ نفسُه يميناً(١). وقيل: يمين، فَعيلٌ من اليُمْن، وهو البركة، سمَّاها الله تعالى بذلك؛ لأنها تحفَظُ الحقوق. ويمين تُذكَّر وتُؤَنَّث، وتجمع: أَیْمان وأُيْمُن، قال زهير: فتُجْمَعُ أَيْمُنَّ مِنَّا ومنكم (٢) الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِّ كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ مثلُ قولِه: ﴿وَلَكِن يُؤَلِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ [المائدة: ٨٩]. وهناك يأتي الكلامُ فيه مستوفى، إن شاء الله تعالى. وقال زيد بن أسلم: قوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِّ كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ هو في الرجل يقول: هو مشرٌ إِنْ فَعل(٣)، أي: هذا لغوٌ(٤)، إلا أنْ يَعقِدَ الإشراكَ بقلبه ويَكْسِبَه. و﴿غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ صفتان لائقتان بما ذُكر من طرح المؤاخذة؛ إذ هو بابُ رفقٍ وتَوْسِعَة. قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن تَّسَآَبِهِمْ تَرَبُُّ أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ فيه أربع وعشرون مسألة: الأولى: قولُه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ ((يُؤْلُونَ)) معناه: يَحلِفُون، والمصدر إِيْلَاءٌ وأَلِيَّةٌ وأَلْوَةٌ وإِلْوَة. وقرأ أُبيُّ وابنُ عباس: ((للذين يُقسِمون))(٥). ومعلوم أنَّ (یُقسمون)) تفسیرُ ((یؤلون)). (١) المحرر الوجيز ٣٠١/١. (٢) ديوان زهير ص٧٨، وتمامه: بِمُقْسَمَةٍ تمورُ بها الدِّماءُ. قوله بمُقْسَمَة: موضع الحَلِف عند الأصنام. قاله ثعلب في شرحه. (٣) أخرجه الطبري ٤/ ٤٠ بنحوه. (٤) في (د) و(ز) و(م): اللغو، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٣٠٢/١ والكلام منه. (٥) المحرر الوجيز ٣٠٢/١، وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٣، وابن المنذر في الإشراف ٢٢٦/٤، والزمخشري في الكشاف ٣٦٣/١. ٢٢ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧ وقُرئ(١): ((للذين آلَوْا)) يقال: آلَى يُؤْلِي إِيلَاءً، وتألَّى تألّاً، وائتلى ائتلاءً، أي: حلف(٢)، ومنه ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وقال الشاعر: فآليثُ لا أنفكُّ أخْدُو قصيدةً تكونُ وإيّاها بها مثلاً بعدِي(٣) وقال آخر (٤): وإنْ سبَقَتْ منه الأَلِيَّةُ بَرَّتٍ قليلُ الألَايَا حافظٌ لِيَمِينِهِ وقال ابن دُرَيْد: ألِيَّةً باليَعْمَلاتِ يَرْتَمِي بها النَّجاءُ بين أجْوَازِ الْفَلَا(٥) قال عبد الله بنُ عباس: كان إيلاءُ الجاهليةِ السنةَ والسنتين وأكثرَ من ذلك، يقصِدون بذلك أذى(٦) المرأةِ عند المَساءة، فوقَّتَ لهم أربعةَ أشهر، فمن آلى أقَلَّ(٧) من ذلك؛ فليس بإيلاء حُكمِيّ(٨). قلت: وقد آلى النَّبِيُّوَ﴿ وطَلَّقَ، وسببُ إيلائه سؤالُ نسائه إياه من النَّفقة ما ليس عنده، كذا في صحيح مسلم(٩). وقيل: لأنَّ زينبَ ردَّت عليه هديَّتَه، (١) في النسخ: وقرأ، والمثبت من (م). (٢) انظر تفسير الرازي ٨٥/٦، وذكر هذه القراءة الزمخشري في الكشاف ٣٦٣/١، ونسبها هو والرازي لابن مسعود رضي الله عنه، وذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٣ قراءة ابن مسعود: اللائي أُلُوا. (٣) قائله أبو ذُؤيب الهُذلي، وهو في ديوان الهذليين ١/ ١٥٩، وفيه: فأقسمتُ بدل: فآليتُ، و: أدَعْكَ بدل: تكونُ. (٤) هو كُثير، وسلف البيت ص ١٣ من هذا الجزء. (٥) شرح مقصورة ابن دريد للتبريزي ص ٨٢، وقال في شرحه: قوله: أَلِيَّةً باليعملات، أي: قَسَماً باليَعْمَلات، وانتصابها على المصدر، فكأنه قال: أولي أَلِيَّة، واليَعْمَلات جمع يَعْمَلَة، وهي الناقة التي يُحمل عليها. وقوله: يرتمي بها النَّجاء، وهو السرعة، والأجواز جمع جَوْز، وهو الوسط، والفلا جمع فلاة، وكتابتها بالألف؛ لأنك تقول في الجمع: فَلَوات. (٦) في (م): إيذاء. (٧) في (م) بأقل. (٨) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٧/١، وقول ابن عباس أخرجه سعيد بن منصور (١٨٨٤)، والبيهقي ٣٨١/٧. (٩) برقم (١٤٧٨) من حديث جابر رضي الله عنه، وهو عند أحمد (١٤٥١٥). ٢٣ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧ فَغَضِبَ وَ﴿، فآلى منهنَّ، ذكره ابن ماجه(١). الثانية: ويَلزَمُ الإِيلاءُ كلَّ مَنْ يلزمُه الطلاق، فالحرُّ والعبدُ والسَّكْران يلزمُه الإِيلَاءُ، وكذلك السَّفيهُ والمولى عليه إذا كان بالغاً غيرَ مجنون، وكذلك الخَصِيُّ إذا لم يكن مَجْبوباً، والشيخُ إذا كان فيه بقيةُ رَمَقٍ ونَشاطٍ(٢). واختلف قولُ الشافعيّ في المجبوب إذا آلى، ففي قول: لا إيلاءَ له، وفي قول: يصحُّ إيلاؤه [ويَفِيُ باللسان]. والأوَّلُ أصحُ وأقربُ إلى الكتاب والسُّنَّة، فإنَّ الفَيْءَ هو الذي يُسقِطُ اليمينَ؛ والفَيْءُ بالقول لا يُسقِطُها؛ فإذا بقيت اليمين المانعةُ من الحِنث بقي حكم الإِيلاء(٣). وإيلاءُ الأخْرَس بما يُفهَم عنه من كتابةٍ أو إشارة مفهومةٍ لازمٌ له، وكذلك الأعجميُّ إذا آلى من نسائه(٤). الثالثة: واختلف العلماء فيما يقع به الإيلاء من اليمين، فقال قوم: لا يقع الإيلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من كان حالفاً فلْيَحْلِفْ بالله، أو لِيَصْمُتْ))(٥). وبه قال الشافعيُّ في الجدید. وقال ابن عباس: كلُّ يَمينٍ مَنعتْ جِماعاً فهي إيلاءٌ (٦)، وبه قال الشَّعبيُّ والنَّخَعيُّ ومالكٌ وأهلُ الحجاز وسفيان الثوريُّ وأهلُ العراق، والشافعيُّ في القول الآخر، وأبو ثور وأبو عبيد وابنُ المنذر(٧) والقاضي أبو بكر بنُ العربيِّ(٨). (١) برقم (٢٠٦٠)، وفي إسناده حارثة بن أبي الرِّجال؛ قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٤٤٦/١: ضعَّفه أحمد وابن معين، وقال النسائي: متروك، وقال البخاري: منكر الحديث، لم يعتدَّ به أحد. (٢) الكافي ٢/ ٥٩٧. (٣) أحكام القرآن للكيا ١/ ١٥٠، وما بين حاصرتين منه. (٤) الكافي لابن عبد البر ٢/ ٥٩٧ . (٥) أخرجه أحمد (٤٥٩٤)، والبخاري (٢٦٧٩)، ومسلم (١٦٤٦) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . (٦) أخرجه البيهقي ٧/ ٣٨١. (٧) الإشراف ص٢٢٦، والأقوال المذكورة منه. (٨) أحكام القرآن ١/ ١٧٧ -١٧٨. ٢٤ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧ قال ابن عبد البَرّ (١): وكلُّ يمين لا يَقدِرُ صاحبُها على جماع امرأتهِ من أجلها إلَّا بأنْ يحنَث، فهو بها مُولٍ؛ إذا كانت يمينُه على أكثرَ من أربعة أشهر، فكلُّ من حلف بالله أو بصفةٍ من صفاته، أو قال: أُقسم بالله، أو أَشهد بالله، أو عليَّ عهدُ الله وكَفَالتُه وميثاقُه وذِمَّتُه، فإنه يلزمُه الإيلاء. فإن قال: أُقسم أو أَعزِم، ولم يذكر: ((بالله))، فقيل: لا يدخلُ عليه الإيلاء، إلا أنْ يكونَ أرادَ: ((بالله))، ونواه(٢). ومن قال: إنه يمينٌ يدخل عليه، وسيأتي بيانه في ((المائدة)) إنْ شاء الله تعالى(٣). فإنْ حلف بالصيام ألَّ يَطأَ امرأتَه، فقال: إنْ وِئْتُك فعليَّ صيامُ شهرٍ أو سنةٍ، فهو مولٍ. وكذلك كلُّ ما يلزمُه من حجٍّ، أو طلاق، أو عتقٍ، أو صلاة، أو صدقة. والأصلُ في هذه الجملة عمومُ قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ ولم يُفرِّق، فإذا آلى بصدقة، أو عتقِ عبدٍ معيَّنٍ أو غير معيَّن، لزم الإيلاء(٤). الرابعة: فإنْ حلفَ بالله ألَّ يَطأَ، واستثنى فقال: إنْ شاء الله، فإنه يكونُ مُولياً، فإنْ وطئَها فلا كفارةً عليه في رواية ابنِ القاسم عن مالك. وقال ابن الماجشون في (المبسوط)): ليس بمولٍ، وهو أصحُّ؛ لأنَّ الاستثناء يحلُّ اليمينَ، ويجعَلُ الحالفَ كأنه لم يَخْلِف، وهو مذهبُ فقهاءِ الأمصار؛ لأنه بَيَّن بالاستثناء أنه غيرُ عازمٍ على الفعل. ووجهُ ما رواه ابن القاسم مبنيٌّ على أنَّ الاستثناءَ لا يحلُّ اليمين، ولكنه يؤثِّر في إسقاط الكفَّارة، على ما يأتي بيانه في ((المائدة)). فلما كانت يمينُه باقيةً منعقِدةً، لزمه حكمُ الإيلاء وإنْ لم تجبْ عليه كفارة(٥) . الخامسة فإنْ حلف بالنَّبيِّ أو الملائكة أو الكعبة ألَّا يطأها؛ أو قال: هو يهوديّ أو نصرانيٍّ أو زانٍ إنْ وطئها، فهذا ليس بمولٍ، قاله مالك وغيرُه. قال الباجي(٦): (١) الكافي ٢ / ٥٩٧-٥٩٨. (٢) المنتقى للباجي ٤/ ٢٧. (٣) عند تفسير الآية: (٨٩) منها . (٤) المنتقى ٢٧/٤، وأحكام القرآن لابن العربي ١٧٨/١. (٥) المنتقى ٢٩/٤. (٦) المنتقى ٢٩/٤. ٢٥ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧ ومعنى ذلك عندي أنه أورده على غير وجهِ القسم، وأما لو أورده على أنه مولٍ بما قاله من ذلك أو غيرِهِ، ففي ((المبسوط)) أنَّ ابنَ القاسم سُئل عن الرجل يقول لامرأته: لا مرحبًا، يريد بذلك الإيلاءَ يكونُ مولياً، قال: قال مالك: كلُّ كلام نوى به الطلاقَ فهو طلاق، وهذا والطلاقُ سواء. السادسة: واختلف العلماء في الإيلاء المذكورِ في القرآن، فقال ابن عباس: لا يكون مولياً حتى يحلفَ ألا يمسَّها أبداً. وقالت طائفة: إذا حلف ألَّ يقربَ امرأته يوماً أو أقلَّ أو أكثرَ، ثم لم يطأ أربعةً أشهر، بانت منه بالإيلاء، رُوي هذا عن ابن مسعود والنخعيِّ وابن أبي ليلى والحَكّم وحمادِ بنِ أبي سليمان وقتادةً، وبه قال إسحاق(١). قال ابن المنذر(٢): وأنكر هذا القولَ كثيرٌ من أهل العلم. وقال الجمهور: الإيلاء هو أنْ يحلِفَ ألَّا يطأ أكثرَ من أربعة أشهر، فإن حلف على أربعة أشهرٍ(٣) فما دونها، لا يكون مولياً، وكانت عندهم يميناً محضاً؛ لو وطئ في هذه المدَّةِ لم يكن عليه شيءٌ كسائر الأيمان، هذا قولُ مالكِ والشافعيِّ وأحمد وأبي ثور. وقال الثوريُّ والكوفيُّون: الإيلاءُ أنْ يحلفَ على أربعة أشهرٍ فصاعداً، وهو قولُ عطاء. قال الكوفيُّون: جعلَ الله التربُّصَ في الإيلاء أربعةً أشهرٍ كما جعل عدَّة الوفاةِ أربعة أشهر وعشراً، وفي العِدَّة ثلاثة قُروء، فلا تربُّصَ بعدُ. قالوا: فيجبُ بعدَ المدَّة سقوطُ الإِيلاء، ولا يسقُطُ إلا بالفَيْء، وهو الجماع في داخلِ المدَّة، والطلاقُ بعد انقضاء الأربعة الأشهر. واحتجَّ مالك والشافعيُّ، فقالا: جعل الله للمُولِي أربعةَ أشهر، فهي له بكمالها (١) انظر الاستذكار ١٠٤/١٥-١٠٥، والمحرر الوجيز ٣٠٣/١. (٢) في الإشراف ٢٢٦/٤. (٣) لفظة: أشهر، ليست في (م). ٢٦ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧ لا اعتراضَ لزوجته عليه فيها؛ كما أنَّ الدَّيْن المؤجَّلَ لا یستحقُّ صاحبُه المطالبةَ به إلا بعد تمام الأجل(١). ووجهُ قولِ إسحاقَ - في قليل الأمدِ يكونُ صاحبُه به مُولِياً إذا لم يطأ - القياسُ على من حلف على أكثرَ من أربعة أشهرٍ، فإنه يكونُ مولياً؛ لأنه قَصَدَ الإضرار باليمين، وهذا المعنى موجودٌ في المدَّة القصيرة. السابعة: واختلفوا أنَّ مَنْ حلفَ ألَّا يطأَ امرأته أكثرَ من أربعة أشهر، فانقضت الأربعةُ الأشهر ولم تطالبه امرأتُه، ولا رَفَعَتْه إلى السلطان ليوقفَه، لم يلزمه شيءٌ عند مالك وأصحابِه وأكثرِ أهلِ المدينة. ومن علمائنا من يقول: يلزمُه بانقضاء الأربعةِ الأشهر طلقةٌ رجعية. ومنهم ومِن غيرهم من يقول: يلزمُه طلقةٌ بائنةٌ بانقضاء الأربعةِ الأشهر. والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابُه، وذلك أنَّ المولِيَ لا يلزمُه طلاقٌ حتى يُوقفّه(٢) السلطان بمطالبة زوجتهٍ له ليفيَ، فيُراجعَ امرأتَه بالوطء، ويكفِّرَ يمينَه أو يُطَلِّق، ولا يتركه حتى يفيءَ أو يُطلِّق. والفَيْءُ: الجماعُ فيمن يُمكِنُ مجامعتُها(٣). قال سليمان بنُ يسار: كان تسعةً عَشَرَ رجلاً (٤) من أصحاب النبيِّي وَ ﴿ يوقفون في الإيلاء، قال مالك(٥): وذلك الأمرُ عندنا، وبه قال الليث والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور، واختاره ابن المنذر(٦). الثامنة: وأجّلُ المُولِي من يومَ حلَفَ، لا من يومِ تُخاصمُه امرأتُه، وترفَعُه إلى الحاكم، فإن خاصَمَتْه ولم ترضَ بامتناعه من الوطء، ضربَ له السلطان أجلَ أربعةٍ (١) الاستذكار ١٠٥/١٧-١٠٧. (٢) في النسخ: يقفه، والمثبت من (م)، وهو الموافق للكافي ٥٩٩/٢. (٣) الكافي ٥٩٨/٢ -٥٩٩. (٤) في (د) و(ز) و(م): تسعة رجال، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لمصادر التخريج. (٥) في الموطأ ٢/ ٥٥٦ . (٦) في الإشراف ٤/ ٢٣٠-٢٣١، وانظر الاستذكار ٨٧/١٧، وقول سليمان بن يسار أخرجه الشافعي في الأم ٥/ ٢٤٧، وسعيد بن منصور في السنن (١٩١٥)، وابن أبي شيبة ١٣٢/٥، والبيهقي ٣٧٦/٧، ولفظه عند أكثرهم: أدركت بضعة عشر ... ٢٧ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧ أشهرٍ من يومَ حلف، فإنْ وطئَ، فقد فاء إلى حقِّ الزوجة، وكفَّرَ عن يمينه، وإنْ لم يفئُ طلَّقَ عليه طلقةً رجعيَّةٍ (١). قال مالك: فإنْ راجع لا تصحُّ رجعتُه حتى يطأ في العِدَّة. قال الأبهرِيُّ: وذلك أنَّ الطَّلاقَ إنما وقع لدفع الضرر، فمتى لم يطأُ فالضررُ باقٍ، فلا معنى للرَّجْعة إلا أنْ يكونَ له عذرٌ يمنعُه من الوَظْء، فتصحُ رجعتُه؛ لأنَّ الضررَ قد زال، وامتناعُه من الوطء ليس من أجل الضرر، وإنما هو من أجل العذر(٢). التاسعة: واختلف العلماء في الإيلاء في غير حالِ الغضب، فقال ابن عباس: لا إيلاءَ إلا بغضب، ورُوِيَ عن عليٍّ بنِ أبي طالب رضي الله عنه في المشهور عنه (٣)، وقاله الليث والشَّعبيُّ والحسن وعطاء، كلَّهم يقولون: الإِيلاءُ لا يكون إلا على وجه مغاضبةٍ ومُشارَّة وحَرَج (٤) ومناكدةٍ ألَّ يجامعها في فرجها إضراراً بها، وسواء كان في ضمن ذلك إصلاحُ ولد أم لم یکن، فإن لم یکن عن غضپٍ فليس بإيلاء. وقال ابنُ سيرين: سواء كانت اليمينُ في غضب أو غيرِ غضب هو إيلاء، وقاله ابن مسعود والثوريُّ ومالك وأهلُ العراق والشافعيُّ وأصحابُه وأحمد، إلا أنَّ مالكاً قال: ما لم يُرِدْ إصلاحَ ولد (٥). قال ابن المنذر(٦): وهذا أصحُّ؛ لأنهم لما أجمعوا أنَّ الظُّهارَ والطلاقَ وسائرَ الأَيمان سواءٌ في حال الغضبِ والرِّضا، كان الإيلاء كذلك. قلت: ويدلُّ عليه عمومُ القرآن، وتخصيصُ حالةِ الغضب يحتاجُ إلى دليل، ولا يُؤخذ من وجهٍ يلزم. والله أعلم. العاشرة: قال علماؤنا: ومن امتنعَ من وَظْء امرأته بغير يمينٍ حلَفَها إضراراً بها (١) الكافي ٥٩٩/٢. (٢) انظر المدونة ١٠٣/٣، والاستذكار ٨٧/١٧، والمنتقى ٣٤/٤. (٣) أخرجهما الطبريُّ ٤٥/٤-٤٦. (٤) في (د) و(ز) و(م): وحرجة. (٥) المحرر الوجيز ٣٠٢/١. (٦) في الإشراف ٤/ ٢٢٧. ٢٨ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧ أُمِر بوطئها، فإنْ أبى وأقام على امتناعه مُضرَّا بها، فُرِّقَ بينه وبينها من غير ضرب أجل. وقد قيل: يضربُ أجلُ الإيلاء. وقد قيل: لا يدخلُ على الرجل الإِيلاءُ في هجرته من زوجته وإنْ أقامَ سنينَ لا يغشاها، ولكنه يُوعظ ويؤمرُ بتقوى الله تعالى في ألَّا يمسكها ضِراراً(١). الحادية عشرة: واختلفوا فيمن حلفَ ألَّ يطأ امرأته حتى تَفِطِمَ ولدَها؛ لئلا يُغِيلَ ولدَها (٢) ولم يُرد إضراراً بها، حتى ينقضي أمدُ الرَّضاع، لم يكن لزوجته عند مالكٍ مطالبتُه(٣)؛ لقصد إصلاح الولد. قال مالك(٤): وقد بلغني أنَّ عليَّ بنَ أبي طالب سُئل عن ذلك، فلم يره إيلاءً. وبه قال الشافعيُّ في أحد قولَيه، والقولُ الآخر يكونُ مُولِياً، ولا اعتبارَ برضاع الولد، وبه قال أبو حنيفة(٥). الثانية عشرة: وذهب مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُهم والأوزاعيُّ وأحمد بن حنبل إلى أنه لا يكون مُولِيًا مَنْ حلَفَ ألَّا يطأ زوجته في هذا البيتِ أو في هذه الدارٍ؛ لأنه يجدُ السَّبيلَ إلى وطئها في غير ذلك المكان. قال ابن أبي ليلى وإسحاق: إنْ تركها أربعةَ أشهرٍ بانت بالإيلاء، ألا ترى أنه يُوقَفُ عندَ الأشهرِ الأربعة(٦)، فإنْ حلف ألَّا يطأها في مِصره أو بلدهٍ، فهو مولٍ عند مالك، وهذا إنما يكونُ في سفرٍ يتكلَّفُ المؤونةَ والكُلْفةَ دون جثّته أو مَزْرعتِه القريبة. الثالثةَ عشرة: قوله تعالى: ﴿مِن نِسَآَيِهِمْ﴾ يدخلُ فيه الحرائر والذِّمِّياتُ والإِماءُ إذا تَزَوَّجْن. والعبدُ يلزمُه الإيلاءُ من زوجته؛ قال الشافعيُّ وأحمدُ وأبو ثور: إيلاؤه (١) الكافي ٢/ ٦٠٢، وانظر المنتقى ٣٦/٤. (٢) في المعاجم: أغال الرجلُ ولدَه وأغْيَلَه: إذا غَشِيَ أمَّه وهي تُرْضِعُه، وأغالت المرأة ولدَها وأغْيَلَتْه: أرضعتْه وهي حامل، وسقَتْه لبنَ الغَيْل، وفي مختار الصحاح: يقال: أضرَّت الغِيلةُ بولد فلان: إذا أُتيت أمُّه وهي تُرضعه. ووقع في (د) و(ز) و(م): يمغل، من المَغْل، وهو اللبن الذي تُرضعه الأم ولدّها وهي حامل. (٣) الكافي ٦٠٣/٢. ووقع في (خ) و(م): مطالبة. (٤) في الموطأ ٥٥٨/٢. (٥) المنتقى ٣٦/٤، وانظر الإشراف ٢٣٥/٤، والاستذكار ١٠٥/١٧-١٠٨. (٦) الإشراف ٢٣٢/٤. ٢٩ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧ مثلُ إيلاءِ الحرِّ، وحجَّتُهم ظاهرُ قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَآَبِهِمْ﴾، فكان ذلك لجميع الأزواج. قال ابن المنذر(١): وبه أقول، وقال مالك والزُّهريُّ وعطاء بن أبي رباح وإسحاق: أجلُه شهران. وقال الحسن والنَّخَعيُّ: إيلاؤه من زوجته الأمةِ شهران، ومن الحرَّة أربعةُ أشهر، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشَّعبيُّ: إيلاء الأمةِ نصفُ إيلاءِ الحرَّة. الرابعة عشرة: قال مالك وأصحابُه وأبو حنيفةً وأصحابُه والأوزاعيُّ والنَّخَعيُّ وغيرُهم: المدخولُ بها وغيرُ المدخول بها سواءٌ في لزوم الإيلاءِ فيهما. وقال الزُّهريُّ وعطاء والثوريُّ: لا إيلاءً إلا بعدَ الدخول. قال مالك: ولا إيلاءَ من صغيرةٍ لم تبلُغْ، فإن آلى منها فبلَغتْ، لزم الإيلاءُ من يوم بلوغِها(٢). الخامسة عشرة: وأما الذِّمِّيُّ؛ فلا يصحُّ إيلاؤه، كما لا يصحُّ ظِهارُه ولا طلاقُه، وذلك أنَّ نكاحَ أهلِ الشِّرْك ليس عندنا بنكاح صحيح، وإنما لهم شُبهةُ يدٍ، ولأنهم لا يُكلَّفون الشرائعَ فتلزمَهم كفاراتُ الأيمان، فلو ترافعوا إلينا في حكمِ الإيلاء لم يَنْبَغِ لحاكمنا أنْ يحكم بينهم، ويذهبون إلى حكامهم، فإنْ جرى ذلك مَجرَى التَّظالم بينهم؛ حَكم بحكم الإسلام؛ كما لو ترك المسلمُ وطء زوجته ضِراراً من غير يمين(٣). السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿َرَبُُّ أَزْبَعَةٍ أَشْهُرٍ﴾ التربُّص: التأنِّي والتأخّر، مقلوبُ التصبُّر؛ قال الشاعر: تَرَبَّصْ بھا رَيْبَ المَنونِ لعلّها تُطَلَّقُ يوماً أو يموتُ حَلِيلُها(٤) وأما فائدةُ توقيتِ الأربعة الأشهرِ فيما ذكر ابن عباس عن أهل الجاهلية كما (١) في الإشراف ٢٣٢/٤، والأقوال المذكور منه. (٢) المحرر الوجيز ٣٠٣/١، وانظر الإشراف ٢٣١/٤-٢٣٢. (٣) انظر المدونة ١٠٥/٣، ومختصر اختلاف العلماء ٤٧٨/٢. (٤) البيت لِفرَّاص بن عتبة الأزدي، وهو في جمهرة اللغة ٢٥٩/١، ومعجم الشعراء للمرزياني ص ١٩٢، ومجمع البيان ٢٢٢/٢. ٣٠ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧ تقدَّم(١)، فمنعَ الله من ذلك، وجعلَ للزوج مدَّةً أربعة أشهرٍ في تأديب المرأةِ بالهجر، لقوله تعالى: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] وقد آلى النبيُّ وَّهِ من أزواجه شهراً تأديباً لهنَّ(٢). وقد قيل: الأربعةُ الأشهر هي التي لا تستطيع ذاتُ الزوجِ أنْ تصبرَ عنه أكثرَ منها. وقد رُوي أنَّ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوفُ ليلةً بالمدينة، فسمع امرأةً تُنشِد: وأرَّقَنِي أنْ لا حَبِيبَ أُلَاعِبُهْ ألا طالَ هذا اللَّيْلُ واسْوَدَّ جانبُهْ لَزُغْزِعَ من هذا السَّرِيرِ جَوانِبُهْ فوالله لولا اللهُ لا شيءَ غيرُهُ وإكرامَ بَعْلي أنْ تُنالَ مَراكِبُهْ مخافةً ربِّي والحَيّاءُ يكفِّنِي فلما كان من الغد، استدعى عمرُ تلك(٣) المرأة، فقال لها: أين زوجُكِ؟ قالت: بعثتَ به إلى العراق! فاستدعى نساءً، فسألهنَّ عن المرأة: كم مقدارُ ما تصبِرُ عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويَقِلُّ صبرُها في ثلاثة أشهر، وينفَدُ صبرُها في أربعة أشهر، فجعل عمرُ مدَّةً غَزْوِ الرَّجلِ أربعةَ أشهر، فإذا مضت أربعةُ أشهر استردًّ الغازين، ووجَّهَ بقوم آخرين، وهذا - والله أعلمُ - يقوِّي اختصاصَ مدَّةِ الإيلاء بأربعة أشهر (٤). السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَإِن فَاءُو﴾ معناه: رجعوا، ومنه: ﴿حَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللَّوْ﴾ [الحجرات: ٩]، ومنه قيل للظُّل بعدَ الزوال: فَيْءٌ؛ لأنه رجعَ من(٥) جانب المشرق إلى جانب المغرب، يقال: فاء يَفِيُ فَيْئَةً وقُيُوءاً. وإنه لسريعُ الفَيْئة، يعني الرجوع، قال(٦): (١) عند المسألة الأولى. (٢) سلف ص ٢٢ من هذا الجزء. (٣) في (د) و(ز) و(م): بتلك. (٤) المنتقى ٣١/٤، وأخرج القصة بنحوها مع الأبيات سعيد بن منصور في سننه (٢٤٦٣)، وعبد الرزاق (١٢٥٩٣)، والبيهقي ٩/ ٢٩، وعندهم أن عمر سأل حفصة. وانظر التلخيص الحبير ٢١٩/٣-٢٢٠. (٥) في النسخ؛ عن، والمثبت من (م). (٦) هو سُحيم، والبيت في ديوانه ص١٩، وحماسة ابن الشجري ٥٤٦/١ . ٣١ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧ ففاءَتْ ولم تَقْضِ الذي أَقْبَلَتْ له ومِنْ حاجةِ الإنْسانِ ما ليس قاضِيا الثامنة عشرة: قال ابن المنذر(١): أجمع كلُّ من يُحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ الفَيْءَ الجماعُ لمن لا عذرَ له؛ فإنْ كان له عذرُ مرضٍ أو سجنٍ أو شِبهِ ذلك؛ فإنَّ ارتجاعَه صحيحٌ، وهي امرأتُه، فإذا زال العذرُ بقدومه من سفره أو إفاقتِه من مرضه، أو انطلاقه من سجنه، فأبى الوَطْءَ، فُرِّقَ بينهما إنْ كانت المدَّةُ قد انقضت، قاله مالك في المدونة(٢) والمبسوط. وقال عبد الملك: وتكونُ بائناً منه يومَ انقضت المدَّة، فإن صدق عذره بالفيئة إذا أمكنَتْه، حكم بصدقه فيما مضى؛ فإنْ أكْذَبَ ما ادَّعاه من الفيئة بالامتناع حين القدرة عليها، حمل أمره على الكذب فيها واللَّدَد(٣)، وأُمْضيت الأحكامُ على ما كانت تجب في ذلك الوقت. وقالت طائفة: إذا شهدت بيِّنةٌ بفَيْئته في حال(٤) العذر أجزأه، قاله الحسن وعكرمة والنخعيُّ، وبه قال الأوزاعيُّ. وقال النَّخَعيُّ أيضاً: يصحُّ الفيءُ بالقول والإشهادِ فقط، ويسقُط حكمُ الإيلاء، أرأيتَ إن لم ينتشرْ للوطء؟ قال ابن عطية(٥): ويرجع هذا القولُ إنْ لم يطأ إلى باب الضرر. وقال أحمد بن حنبل: إذا كان له عذرٌ يفِيءُ بقلبه، وبه قال أبو قلابة. وقال أبو حنيفة: إنْ لم يقدر على الجِماع، فيقول: قد فِئْتُ إليها. قال الْكِيا الطبريُّ(٦): أبو حنيفة يقولُ فيمن آلَى وهو مريضٌ وبينه وبينها مدَّةُ أربعة أشهر، وهي رَتْقاء أو صغيرةٌ أو هو مجبوب: إنه إذا فَاءَ إليها بلسانه، ومضتٍ المدَّة والعذرُ قائمٌ، فذلك فَيْءٌ صحيح، والشافعيُّ يخالفُه على أحد مذهبيه. (١) في الإشراف ٢٢٩/٤. (٢) ٣٠٣/٣ (٣) أي: الخصومة الشديدة. انظر مختار الصحاح. (٤) في (خ)، و(ظ): إذا أشهد على فيئه بقلبه في حال، والذي في الإشراف ٢٢٩/٤، والكلام منه: إذا أشهد علی فیته في حال. (٥) المحرر الوجیز ٣٠٣/١، وما قبله منه. (٦) في أحكام القرآن ١٤٩/١. ٣٢ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧ وقالت طائفة: لا يكون الفيءُ إلا بالجماع في حال العذرِ وغيره؛ كذلك قال سعيد بنُ جبير، قال: وكذلك إنْ كان في سفر أو سجن(١). التاسعة عشرة: أوجب مالك والشافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابُهم وجمهورُ العلماء الكفارةَ على المُولي إذا فَاءَ بجماع امرأته. وقال الحسن: لا كفارةَ عليه، وبه قال النَّخَعِيُّ؛ قال النَّخَعيُّ: كانوا يقولون: إذا فاء لا كفارةَ عليه(٢). وقال إسحاق: قال بعض أهلِ التأويل في قوله تعالى: ﴿فَإِن فَآءُو﴾ يعني لليمين التي(٣) حَنِثوا فيها، وهو مذهبٌ في الأَيْمَان لبعض التابعين فيمن حلفَ على بِرٍّ أو تقوى، أو بابٍ من الخير ألَّ يفعلَه، فإنه يفعلُه ولا كفارةَ عليه، والحجَّة له قولُه تعالى: ﴿فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ولم يذكر كفَّارةً؛ وأيضاً فإنَّ هذا يتركبُ على أنَّ لغوَ اليمين ما خُلِفَ على معصية، وتركُ وطءِ الزَّوجة معصية (٤). قلت: وقد يُستدَلُّ لهذا القولِ من السُّنة بحديث عمرو بنٍ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه عن النبيِّ وَ﴿ِ قال: ((مَنْ حَلَفَ على يمينٍ، فرأى غيرَها خيراً منها، فليترُكُها، فإنَّ تركَها كفارتُها)). خرَّجه ابنُ ماجه في سننه(٥). وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ في آية الأيمانِ إن شاء الله تعالى(٦). وحجَّةُ الجمهور قولُه عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ حَلَفَ على يمين، فرأى غيرَها خيرًا منها، فليأت الذي هو خيرٌ، وليكفِّرْ عن يمينه)) (٧) . الموفية عشرين: إذا كَفَّرَ عن يمينه سقَط عنه الإِيلاءُ. قاله علماؤنا. وفي ذلك دليلٌ على تقديم الكفَّارة على الحِنْث في المذهب، وذلك إجماعٌ في مسألة الإيلاء، (١) الإشراف ٢٢٩/٤-٢٣٠، وعنده أن قائلَ ذلك سعيد بن المسيب، ونسبه ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٠٣/١ لهما، وكذلك رواه عنهما الطبري ٤/ ٥٣-٥٤ . (٢) الإشراف ٤/ ٢٣٠. (٣) في (خ) و(ز) و(ظ): الذي. (٤) المحرر الوجيز ٣٠٣/١. (٥) برقم (٢١١١)، وقد سلف ذكره ص ١٩ من هذا الجزء. (٦) عند تفسير الآية: (٨٩) من سورة المائدة. (٧) أخرجه أحمد (٨٧٣٤)، ومسلم (١٦٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ٣٣ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧ ودليلٌ على أبي حنيفةً في مسألة الأيمان؛ إذْ لا يَرَى جوازَ تقديم الكفارة على الحِنْث. قاله ابنُ العربي(١). الحادية والعشرون: قلت: بهذه الآية احتجَّ(٢) محمد بنُ الحسن على امتناع جوازِ الكفَّارةِ قبلَ الحِنْث، فقال: لمَّا حَكم الله تعالى للمُولِي بأحدِ الحُكمین من فَيْءٍ أو عزيمةِ الطلاق؛ فلو جاز تقديمُ الكفارة على الحِنْثِ لَبَطَلَ الإيلاء بغير فَيْءٍ أو (٣) عزيمةِ طلاق(٤)، لأنه إنْ حَنِثَ لا يلزمُه بالحِنْث شيءٌ، ومتى لم يلزم الحالفَ(٥) بالحنث شيءٌ(٦) لم يكن مُولِياً، وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذَكر الله، وذلك خلافُ الكتاب(٧). الثانية والعشرون: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَبُواْ الَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِعُ عَلِيمٌ﴾ . العزيمة: تتميمُ العَقْدِ على الشَّيءٍ، يقال: عَزَمَ عليه، يَعْزِمِ عُزْماً - بالضّم - وعَزيمةٌ، وعَزِيماً، وعَزَماناً، واعْتَزَمَ اعْتزاماً، وعزمتُ عليك لتَفَعلنَّ، أي: أقسمتُ عليك. قال شَمِر: العزيمةُ والعزمُ ما عَقَدْتَ عليه نفسَك من أمرٍ أنك فاعلُه(٨). والطلاق من: طَلَقتِ المرأةُ تطلُقُ - على وزن نصر ينصُر - طلاقاً، فهي طالق وطالقةٌ أيضاً. قال الأعشى: أيا جارتا بِيني فإنكِ طالِقَهْ(٩) ويجوزُ طَلُقَت - بضم اللام - مثل عَظُم يَعْظُمُ، وأنكره الأخفش. والطلاق حلُّ عُقْدَةٍ (١٠) النكاح، وأصلُه الانطلاق، والمطلّقات المخلَّيات، (١) في أحكام القرآن ١/ ١٨٢. (٢) في (م): استدل. (٣) في (خ) و(ظ): ولا . (٤) في (م): الطلاق. (٥) في (د) و(ز) و(م): الحانث، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لأحكام القرآن للكيا ١/ ١٥١. (٦) في النسخ: شيئاً، وهو خطأ . (٧) أحكام القرآن للكيا ١٥١/١، وانظر أحكام القرآن للجصاص ٣٦٣/١-٣٦٤. (٨) انظر تهذيب اللغة ٢/ ١٥٢-١٥٣، والصحاح (عزم). (٩) ديوان الأعشى ص٣١٣، وعجزه: كذاكِ أمورُ الناسِ غادٍ وطارقَهْ (١٠) في النسخ: عقد، والمثبت من (م). ٣٤ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٦، ٢٢٧ والطلاق: الشَّخلية، يقال: نعجةٌ طالق، وناقةٌ طالق، أي: مهملة قد تُركت في المرعى، لا قَيْدَ عليها ولا راعي، وبعير طُلُق، بضم الطاء واللام: غير مقيَّد، والجمع أطلاق، وحُبس فلانٌ في السجن ظُلُقاً، أي: بغير قيد، والطالقُ من الإبل: التي يتركها الراعي لنفسه لا يحتلبُها على الماء، يقال: استطلق الراعي ناقةً لنفسه(١). فسميت المرأة المخلَّى سبيلُها بما سُميِّت به النعجةُ أو الناقة المهمَلُ(٢) أمرُها. وقيل: إنه مأخوذٌ من طَلَق الفرس، وهو ذهابُه شوطًا لا يُمنع، فسميت المرأة المخلَّةُ طالقاً، لا تمنع من نفسها بعد أن كانت ممنوعة. الثالثة والعشرون: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ﴾ دليلٌ على أنها لا تُطلَّقُ بمضيِّ مدَّة أربعة أشهر، كما قال مالك، ما لم يقعْ إنشاءُ تطليقٍ بعد المدَّة، وأيضاً فإنه قال: ((سميع))، وسميعٌ يقتضي مسموعاً بعد المضيّ. وقال أبو حنيفة: ((سميع)) الإيلائه، ((عليم)) بعزمه الذي دلَّ عليه مُضيُّ أربعةِ أشهر(٣). ورَوى سهيل بنُ أبي صالح عن أبيه قال: سألتُ اثنَيْ عشر رجلاً من أصحاب رسول الله وَّه عن الرجل يُولِي من امرأته، فكلَّهم يقول: ليس عليه شيءٌ حتى تمضيَ أربعةُ أشهر، فيوقَفَ، فإن فاءَ، وإلا طلَّق(٤). قال القاضي ابن العربيّ(٥): وتحقيقُ الأمر أنَّ تقديرَ الآيةِ عندنا: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن تِسَآَيْهِمْ تَرَبُُّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو﴾ بعد انقضائها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّقَ فَإِنَّ اللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾. وتقديرها عندهم: ﴿لِلَذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآَيِهِمْ تَرَبُّسُ أَزْبَعَةٍ أَشْهٌُ فَإِن فَآءُو﴾ فيها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُواْ الَّلَقَ﴾ بترك الفيئةِ فيها، يريدُ مدَّةً التربُّصِ فيها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾. ابن العربيّ: وهذا احتمالٌ متساوٍ، ولأجل تَساويهِ توقّفت الصحابة فيه. (١) الصحاح (طلق). (٢) في (د) و(ز) و(ظ): المهمول، وفي (خ): المهمولة، والمثبت من (م). (٣) انظر أحكام القرآن للجصاص ٣٦٢/١، وتفسير البغوي ٢٠٣/١. (٤) علقه البخاري إثر حديث (٥٢٩١)، ووصله الطبري ٨١/٤، والدارقطني ٦١/٤، والبيهقي ٧/ ٣٧٧. (٥) أحكام القرآن ١/ ١٨١. ٣٥ سورة البقرة : الآية ٢٢٨ قلت: وإذا تساوى الاحتمالُ كان قولُ الكوفيين أقوى، قياساً على المعتدَّة بالشهور والأَقْراء، إذْ كلُّ ذلك أجلٌ ضربه الله تعالى، فبانقضائه انقطعت العصمةُ، وأُبِينَت من غير خلاف، ولم يكن لزوجها سبيلٌ عليها إلا بإذنها، فكذلك الإيلاءُ، حتى لو نسيَ الفيءَ وانقضت المدّة، لوقع الطلاق، والله أعلم. الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ﴾ دليل على أن الأَمَةَ بِمِلْك اليمين لا يكون فيها إيلاء، إذ لا يقع عليها طلاق، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَئَةَ قُرُوٍَ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَزْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَوِّنَ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِىِ عَلَيْهِنَّ ◌ِْرُوفِّ وَلِلِّجَالِ عَلَيِنَّ دَرَجَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٨ قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَجْ﴾ فيه خمسُ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ﴾ لمَّا ذكرَ اللهُ تعالى الإِيلاءَ وأنَّ الطلاقَ قد يقع فيه بَيَّن تعالى حُكمَ المرأة بعدَ التَّطليق. وفي كتاب أبي داودَ والنَّسائي(١) عن ابن عباس قال في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ فُرُوَةٍ﴾ الآية، وذلك أنَّ الرجلَ كان إذا طلَّقَ امرأته فهو أحَقُّ بها وإنْ طلَّقَها ثلاثاً، فنُسِخَ ذلك وقال: ﴿اَلَّلْقُ مَرَّتَانٍ﴾ الآية. والمطلّقاتُ لفظُ عموم، والمرادُ به الخصوصُ في المدخول بِهنَّ، وخرجت المطلّقةُ قبل البِنَاءِ بآية الأحزاب: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا﴾ [٤٩] على ما يأتي، وكذلك الحاملُ بقوله: ﴿وَأُؤَتُ الْأَعْمَالِ أَجَّلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: ٤]. والمقصودُ من الأقراء الاستبراءُ، بخلاف عِدَّةِ الوفاة التي هي عبادةٌ. وجعلَ الله عِدَّةَ الصغيرةِ التي لم تَحِض والكبيرةِ التي قد يَئست الشهورَ على ما يأتي. وقال قومٌ: إنَّ العمومَ في المطلَّقاتِ يتناولُ هؤلاءِ ثمَّ نُسِخْنَ، وهو ضعيف، وإنَّما الآيةُ فيمن تحيضُ خاصَّةً، وهو عُرفُ النِّساء، وعليه مُعظمُهُنَّ(٢). (١) سنن أبي داود (٢١٩٥)، وسنن النسائي ٢١٢/٦. (٢) المحرر الوجيز ٣٠٤/١. ٣٦ سورة البقرة : الآية ٢٢٨ الثانية: قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ التَّربُّصُ: الانتظارُ، على ما قدَّمناه. وهذا خبر، والمراد الأمر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلْوَِّدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، و((جمع رجلٌ عليه ثيابَه))(١)، وحسبُك درهمٌ، أي: اكتفِ بدرهم؛ هذا قولُ أهل اللسان من غير خلافٍ بينَهم فيما ذكرَ ابنُ الشَّجريّ(٢). ابنُّ العربيّ(٣): وهذا باطل، وإنَّما هو خبرٌ عن حكم الشَّرع؛ فإن وُجِدت مطلّقةٌ لا تتربَّصُ فليس من الشرع، ولا يلزمُ من ذلك وقوعُ خبر الله تعالى على خلاف مُخبرِهِ. وقيل: معناه ليتربَّصْنَ، فحذف اللَّام. الثالثة: قرأ جمهورُ النَّاس: ((قُرُوءٍ)) على وزن فُعول، اللَّامُ همزة، ويُروى عن نافع: ((قُرُوِّ) بكسر الواو وشدِّها من غير همزٍ(٤)، وقرأَ الحسنُ: ((قَرْوٍ))(٥) بفتح القاف وسكون الراء والتنوين (٦). وقُروء جمعُ أقْرُؤْ وأقْرَاء، والواحد قَرْءٌ بضمِّ القاف، قاله الأصمعيُّ، وقال أبو زيد: «قَرء)) بفتح القاف. وكلاهما قال: أقْرَأَتِ المرأةُ: إذا حاضَتْ؛ فهي مُقْرِئ، وأقْرَأْت: طَهُرت. وقال الأخفش(٧): أقْرَأْت المرأة إذا صارت صاحبةً حيض؛ فإذا حاضَت قُلت: (١) هو من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري (٣٦٥)، وابن حبان (٢٢٩٨). قال الحافظ في الفتح ١/ ٤٧٥: أورده بصيغة الخبر ومراده الأمر. قال ابن بطال: يعني ليجمع وليصلّ. وقال ابن المنير: الصحيح أنه كلام في معنى الشرط، كأنه قال: إن جمع رجل عليه ثيابه فحسن، ثم فَصَّل الجمع بصور على معنى البدلية. وسيذكره المصنف في المسألة الثالثة من تفسير الآية (٣١) من سورة الأعراف. (٢) الأمالي ١/ ٣٩٢. (٣) أحكام القرآن ١٨٦/١ . (٤) قرأ بها من السبعة حمزة وهشام وقفاً، وأما قراءة نافع المشهورة عنه فكقراءة الجماعة. انظر التيسير ص ٣٨. (٥) في (خ) و(د) و(م): قرء، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٣٠٤/١، وعنه نقل المصنف، وانظر البحر المحيط ١٨٦/٢. (٦) يعني تنوين الواو الخفيفة بعد الراء. (٧) في معاني القرآن ٣٧٠/١. ٠ ٣٧ سورة البقرة : الآية ٢٢٨ قَرَأَتْ، بلا ألف؛ يقال: قَرأتٍ (١) المرأةُ حيضةً أو حيضتين. والقَرْءُ: انقضاء(٢) الحيض. وقال بعضُهم: ما بين الحيضتين. وأقرَأَتْ حاجتُك: دَنَتْ، عن الجوهريّ(٣). وقال أبو عمرو بن العلاء: من العرب من يُسمِّي الحيضَ قَرْءًا، ومنهم من يُسمِّي الظُّهرَ قَرْءًا، ومنهم من يجمعُهما جميعاً؛ فيسمِّي الظُّهرَ مع الحيض قَرءًا، ذكره النحاس (٤). الرابعة: واختلف العلماء في الأَقْراء، فقال أهل الكوفة: هي الحِيَض، وهو قولُ عمرَ وعليٍّ وابنٍ مسعود وأبي موسى ومجاهدٍ وقتادةً والضَّحاكِ وعكرمةَ والسُّدّيّ. وقال أهلُ الحجاز: هي الأطهارُ، وهو قولُ عائشةً وابن عمرَ وزيد بن ثابت والزُّهريِّ وأبانَ بنِ عثمانَ والشافعيِّ. فَمَنْ جعلَ القَرءَ اسماً للحيض سمَّاهُ بذلك؛ لاجتماع الدَّم في الرَّحِم، ومَنْ جعلَه اسماً للظُهر فلاجتماعه في البَدن(٥)، والذي يحققُ لك هذا الأصلَ في القَرْء الوقْتُ؛ يقال: هبّت الرِّيح لقَرئِها وقارئها أي: لوقتِها، قال الشاعر: · إذا هَبَّتْ لقارئِها الرِّياحُ(٦) كَرِهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَني شُلَيلٍ فقيل للحيض: وقتٌ، وللظُهر وقتٌ؛ لأنَّهما يرجعانِ لوقت معلوم، وقال الأعشى في الأطهار: أفي كلِّ عام أنتَ جَاشِمُ غَزْوةٍ تَشُدُّ لأقصاها عزيمَ عَزَائكا (١) في النسخ: أقرأت، وهو خطأ، والمثبت من معاني القرآن والصحاح (قرأ)، وتهذيب اللغة ٩/ ٢٧٤. (٢) في (د) و(م): انقطاع. (٣) في الصحاح (قرأ) وعنه نقل المصنف كلام الأخفش السالف. (٤) في معاني القرآن ١٩٦/١ . (٥) تفسير الماوردي ١/ ٢٩٠-٢٩١، وأخرج الآثار الطبري ٤/ ٨٧ -١٠٠ . (٦) قائله: مالك بن الحارث، والبيت في ديوان الهذليين ٨١/٣، وأورده الطبري ١٠١/٤ بلفظ شنئت. وقال الشيخ محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري ٥١١/٤: العقر: اسم مكان. كرهه لأنه قوتل فيه. وشُليل: جد جرير بن عبد الله البجلي. ٣٨ سورة البقرة : الآية ٢٢٨ . لِما ضاعَ فيها مِنْ قُرُوء نِسائكا(١) مورِّثةٍ عزَّا وفي الحَيِّ رِفْعَةٌ وقال آخر في الحيض : له قُرُوءٌ كقُرُوء الحائِض (٢) يا رُبَّ ذي ضِغْنٍ عليَّ فارِضٍ يعني أنه طعنَه، فكانَ له دمٌ كدَمِ الحائض. وقال قوم: هو مأخوذٌ من قَرْءِ الماءِ في الحوض، وهو جمعُه، ومنه القرآن لاجتماع المعاني، ويقال: لاجتماع حروفِه، ويقال: ما قرأتِ الناقةُ سَلّى قَطْ، أي: لم تجمع في جوفها، وقال عمرو بن كلثوم: ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْمَاءً بِكرٍ هِجَانِ اللونِ لم تَقْرَأْ جنِينا(٣) فكأنَّ الرَّحِمَ يجمعُ الدَّم وقتَ الحَيْض، والجِسْمُ يجمعُه وقتَ الظّهر(٤). قال أبو عمر بن عبد البرّ(٥): قول مَنْ قال: إنَّ القُرْءَ مأخوذٌ من قولهم: قَرَيْتُ الماءَ في الحوضٍ؛ ليس بشيء، لأنَّ القُرْءَ مهموزٌ، وهذا غيرُ مهموز. قلتُ: هذا صحيحٌ بنقل أهلِ اللَّغة: الجوهريِّ وغيرِهِ. واسم ذلك الماء قِرّى بكسر القاف مقصور (٦). وقيل: القُرْءُ، الخروجُ إمَّا من ظُهر إلى خَيْض، أو من حيض إلى ظُهرٍ(٧)؛ وعلى هذا قال الشافعيُّ في قولٍ: القُرءُ الانتقالُ من الظُّهْرِ إلى الحيض. ولا يرى الخروجَ من الحيض إلى الظهر قُرًا. وكان يَلزمُ بحكم الاشتقاق أنْ يكونَ قُرءاً، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُوٌّ﴾، أي: ثلاثةً (١) ديوان الأعشى ص١٤١ ورواية صدر البيت الثاني فيه: مورثة مالاً وفي الحمد رفعة. قوله: جاشم: من جَشَم يَجشِم من باب: فَهِم، أي: تكلفه على مشقة. مختار الصحاح: (جشم). (٢) الرجز للعجاج وقد سلف ٢/ ١٨٢. (٣) البيت من معلقته، وهو في شرح القصائد التسع المشهورات للنحاس ٦٢١/٢، قال النحاس: العيطل: الطويلة العنق. الأدماء: البيضاء. لم تقرأ جنيناً: لم تضم في رحمها جنيناً. (٤) المحرر الوجيز ٣٠٤/١، والنكت والعيون ٢٩١/١. (٥) في الاستذكار ٢٩/١٨ . (٦) الصحاح (قرأ)، وانظر تهذيب اللغة ٢٦٩/٩، ومجمل اللغة ٧٥٠/٣. (٧) مجمل اللغة ٣/ ٧٥٠. ٣٩ سورة البقرة : الآية ٢٢٨ أدوارٍ، أو ثلاثةَ انتقالاتٍ، والمطلّقةُ متَّصفةٌ بحالتين فقط، فتارةً تنتقلُ من طُهر إلى حَيض، وتارةً من حَيض إلى ظُهر، فيستقيمُ معنى الكلام في دلالتِه (١) على الظّهرِ والحَيضِ جميعاً، فيصيرُ الاسمُ مُشترَكاً. أو يُقال: إذا ثبتَ أنَّ القُرءَ الانتقالُ، فخروجُها من حيض إلى طُهْرٍ (٢) غيرُ مُرادٍ بالآية أصلاً، ولذلك لم يكنِ الطَّلاقُ في الحَيض طلاقاً سُنِّيّاً مأموراً به، وهو الظَّلاقُ للعِدَّة؛ فإنَّ الطَّلاقَ للعِدَّة ما كانَ في الظُّهر، وذلك يدلُّ على كون القُرءِ مأخوذاً من الانتقال. فإذا كانَ الطّلاقُ في الظُهر سُنِّياً، فتقديرُ الكلام: فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ انتقالات، فأوَّلُها الانتقالُ من الظُّهر الَّذي وقعَ فيه الطَّلاقُ والذي هو الانتقالُ من خَيض إلى ظُهر لم يُجعَل قُرْءًا؛ لأنَّ اللغةَ لا تدلُّ عليه، ولكنْ عرَفنا بدليل آخر أنَّ اللهَ تعالى لم يُرد الانتقالَ من حيضٍ إلى طُهر، فإذا خرجَ أحدُهما عن أن يكونَ مُراداً، بقيَ الآخرُ - وهو الانتقالُ من الظهر إلى الحيض - مُراداً، فعلى هذا عِدَّتُها ثلاثةُ انتقالات: أوَّلُها الظهر، وعلى هذا يمكنُ استيفاءُ ثَلاثةِ أقْرَاء كاملة، إذا كانَ الطَّلاقُ في حالة الظّهرِ، ولا يكون ذلك حملاً على المجاز بوجهٍ ما. قال الكِيا الطبريّ(٣): وهذا نظرٌ دقيقٌ في غاية الاتِّجاه لمذهب الشافعيِّ، ويمكنُ أنْ يُذكرَ (٤) في ذلك شيءٍ(٥) لا يَبعُدُ فهمُه من دقائق حِكَم الشَّريعةِ، وهو أنَّ الانتقالَ من الظهر إلى الحيض إنَّما جُعل قُرءاً لدلالَتهِ على براءة الرَّحِم، فإنَّ الحاملَ لا تَحيضُ في الغالب؛ فحيضُها(٦) علمٌ [على] براءة رَحِمها، والانتقالُ من حيضٍ إلى طهر بخلافِه، فإنَّ الحائضَ يجوز أن تَحبَلَ في أعقاب حَيضِها، وإذا (١) في النسخ: ودلالته، والمثبت من أحكام القرآن للكيا ١/ ١٥٥ وعنه نقل المصنف. (٢) في (د) و(ز) و(م): من طهر إلى حيض، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لأحكام القرآن للكيا، وللجصاص ٣٦٧/١. (٣) في أحكام القرآن ١٥٦/١ وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) في (خ) و(ز) و(م): نذكر، والمثبت من (د) و(ظ). (٥) في (خ) و(م): سراً، وفي (د) و(ظ): سرّ، والمثبت من أحكام القرآن للكيا ١٥٦/١. (٦) في (ز): فمحيضها، وفي (م): فبحيضها، والمثبت من (خ) و(د) و(ظ). ٤٠ سورة البقرة : الآية ٢٢٨ تمَادى أمَدُ الحملِ وقَوِيَ الولدُ انقطعَ دمُها، ولذلك تَمتدحُ العرب بحملٍ نسائهم في حالة الظُّهر، وقد مدحَت عائشةُ رسولَ الله وَله بقول الشاعر: وفسادٍ مُرْضِعَةٍ ودَاءٍ مُغْيِلٍ ومُبرَّأَ مِن كلِّ غُبَّرِ حَيْضةٍ يعني أنَّ أمَّه لم تَحمِل به في بقيَّةِ حَيضها(١). فهذا ما للعلماء وأهل اللِّسان في تأويل القُرْء. وقالوا: قرأَتِ المرأةُ قُرْءاً: إذا حاضَت أو طَهُرت، وقرأَت أيضاً: إذا حملَت. واتفقوا على أنَّ القُرءَ الوقتُ، فإذا قلت: والمطلَّقاتُ يتربَّصْنَ بأنفُسِهِنَّ ثلاثةَ أوقاتٍ، صارت الآيةُ مفسَّرةً في العدد محتملةً في المعدود، فوجبَ طلبُ البيانِ للمعدود من غيرِها(٢)، فدليلُنا قولُ الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِمِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ولا خلافَ أنه يُؤْمَرُ بالطَّلاق وقتَ الظُّهر، فَيَجِبُ أنْ يكونَ هو المعتبرَ في العِدَّةِ، فإنَّه قال: ((فطلِّقوهُنَّ [لعدَّتهن]) يَعني وقتاً تَعتُّ به، ثم قال تعالى: ﴿وَأَحْصُواْ أَلْمِدَّةِ﴾ [الطلاق: ١]، يريدُ ما تعتدُّ به المطلّقةُ، وهو الظُهر الذي تُطلَّقُ فيه؛ وقالَ وَل﴿ لعمر: ((مُرْهُ فَلْيُراجِعْها، ثم ليمسِكُها حتى تَظْهُرَ، ثم تحيضَ، ثمَّ تَطْهُرَ، فتلك العِدَّةُ التي أمرَ اللهُ أنْ تُطَلَّقَ لها النِّساءُ))(٣). أخرجه مسلمٌ وغيرُه(٤). وهو نَصِّ في أنَّ زمنَ الظُّهر هو الذي يُسمَّى عِدَّةً، وهو الذي تُطلَّقُ فيه النِّساء. ولا خلافَ أنَّ من طلَّق في حال الحيض لم تَعتدَّ بذلك الحيض، ومن طلَّقَ في حال الظهر فإنَّها تَعتَدُّ عندَ الجمهور بذلك الظُّهر، فكان ذلك أولى(٥) . (١) أحكام القرآن للكيا ١٥٦/١-١٥٧، والبيت لأبي كبير الهذلي، وهو في شرح أشعار الهذليين للسكري ص١٠٧٣، والغُبَّر: البقية، وقوله: وفساد مرضعة: يقول: لم تحمِل عليه فتسقيه الغَّيْلَ، وليس به داء شديد قد أعضل. قاله السكري. وأخرج مدح عائشة رضي الله عنها للنبي # بقول أبي كبير (ضمن قصة) أبو نعيم في حلية الأولياء ٤٥/٢-٤٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٤٢٢/٧، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٢٥٢/١٣ - ٢٥٣، والمزي في تهذيب الكمال ٣١٩/٢٨-٣٢٠. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٤/١. (٣) المنتقى للباجي ٤/ ٩٥ وما بين حاصرتين منه. (٤) صحيح مسلم (١٤٧١)، وأخرجه أيضاً مالك ٥٧٦/٢، وأحمد (٥٢٩٩)، والبخاري (٥٢٥١). (٥) المنتقى للباجي ٤ / ٩٥.