النص المفهرس
صفحات 1-20
◌َمِ القُرآن الخَامِعُ لَهُـ وَاَلُبَيِّنُ لَمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ القُرْقَانِ تَأليفُ أَبِ عَبَدِالَّهِ مُحَ قَدِيْنِ أَحْمَد بْنِ أَبِي بَكِالقُرْطِيِّ ( ت ٦٧١ هـ ) تَحْقِيْق الدكتور عبد اللّه بن عبدالمحسن التركيّ شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الْجُزْء محمّد رضوان عرقسوسی الجُزُ الرَّابْع مؤسسة الرسالة -3 - الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ القُرآنِ وَالْمُبَيِّنُ لَمْ تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآي آلْقُرْقَانِ 1 جميع الحقوق محفوظة لِلنّاشِرْ الطَّيْعَةُ الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦مـ موسى ـالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا- بناية المسكن، بيروت-لبنان للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩ -٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠ Al-Resalah PUBLISHERS BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box: 117460 Email: Resalah@Cyberia.net.Ib بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمْ وَأَثَّقُواْ اَللَّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُمْ مُّلَقُوهُ وَبَشِرِ الْمُؤْمِنِينَ فیه ستُّ مسائل : الأولى: قولُه تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ روى الأئمة(١) - واللفظُ لمسلم - عن جابر بن عبد الله قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجلُ امرأتَه من دُبُرِها في قُبُلِها كان الولدُ أحولَ، فنزلت الآية: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرَّتَكُمْ أَ شِئْتُمْ﴾. زاد في ے روايةٍ عن الزُّهريِّ: إن شاء مُجَبِّيةً، وإن شاء غيرَ مُجَبِّية، غير أنَّ ذلك في صِمَامٍ واحد(٢). ويُروى: في سمام واحد، بالسين، قاله الترمذيّ(٣). وروى البخاريُ(٤) عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلّم حتى يَفرغَ منه، فأخذتُ عليه يوماً(٥)، فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكانٍ قال: أتدري(٦) فيم أنزلت؟ قلتُ: لا، قال: نَزلت في كذا وكذا، ثم مضى. وعن عبد الصمد قال: حدَّثني أبي قال: حدَّثني أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: ﴿فَأَتُوا حَرْتَكُمْ أَّ شِئْتُمْ﴾ قال: يأتيها في .. قال الحُميديُّ: يعني الفرج(٧). (١) صحيح البخاري (٤٥٢٨)، وصحيح مسلم (١٤٣٥): (١١٧). (٢) صحيح مسلم (١٤٣٥): (١١٩). قوله: مُجَبِّية: أي: منكبة على وجهها، تشبيهاً بهيئة السجود. النهاية ٢٣٨/١. (٣) سنن الترمذي (٢٩٧٩). (٤) صحيح البخاري (٤٥٢٦). (٥) قوله: فأخذت عليه يوماً، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ١٨٩/٨: أي: أمسكت المصحف وهو يقرأ عن ظهر قلب. (٦) في (خ): تدري. (٧) صحيح البخاري (٤٥٢٧). قال الحافظ ابن حجر في الفتح ١٨٩/٨: قوله: يأتيها في، هكذا وقع في= ٦ سورة البقرة : الآية ٢٢٣ وروى أبو داود عن ابن عباسٍ قال: إن ابن عمر - والله يغفر له - وَهِم، إنما كان هذا الحيُّ من الأنصار، وهُم أهل وثنٍ، مع هذا الحيٍّ من يهود، وهم أهل كتاب. وکانوا یرون لهم فضلاً علیھم في العلم، فکانوا یقتدون بکثیر من فِعْلِهم، وكان من أمر أهل الكتاب ألَّ يأتوا النساء إلَّا على حرف، وذلك أسترُ ما تكون المرأة، فكان هذا الحيُّ من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحيُّ من قريش يَشْرَحون النساءَ شرْحاً منكراً؛ ويتلذَّذون منهنَّ مُقْبِلاتٍ ومُذْبِراتٍ ومستلقياتٍ، فلما قَدِمِ المهاجرون المدينة تزوَّج رجل منهم امرأةً من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نُؤْتَى على حرفٍ، فاضْنع ذلك، وإلّا فاجتنبني، حتى شَرِيَ أمرُهما؟ فبلغ ذلك النبيَّ وَّهِ، فأنزل الله عز وجل: ﴿فَأَتُوا حرَّتَكُمْ أَّ شِئْتُمْ﴾، أي: مُقْبِلاتٍ ومُذْبِراتٍ ومُسْتَلْقياتٍ، يعني بذلك موضعَ الولد (١). وروى الترمذيُّ عن ابن عباس قال: جاء عمر إلى رسول الله ﴾ فقال: يا رسول الله، هَلَكْتُ! قال: ((وما أَهْلَكَك؟)) (٢) قال: حوَّلتُ رَحْلي الليلةَ، قال: فلم يَرُدَّ عليه رسول الله وَله شيئاً؛ قال: فأُوحيّ إلى رسول الله وَّل هذه الآية: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَتُواْ حَرْتَكُمْ أَ شِئْتٌ﴾ ((أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ واتَّقِ الدُّبُرَ والحَيْضَةَ)). قال: هذا حديث (٣) حسن صحيح(٣). وروى النَّسائيُّ(٤) عن أبي النَّضر(٥) أنه قال لنافع مولى ابن عمر: قد أُكثر عليك القولُ أنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى بأن يُؤتَى النساءُ في أدبارهنّ. قال نافع: لقد كَذَبوا عليَّ! ولكن سأخبرك كيف كان الأمر: إن ابن عمرَ عَرض عليّ(٦) = جميع النسخ، لم يذكر ما بعد الظرف وهو المجرور، ووقع في الجمع بين الصحيحين للحميدي: يأتيها في الفرج، وهو من عنده بحسب ما فهمه. وانظر تفصيل المسألة في الفتح ١٨٩/٨ - ١٩٢ . (١) سنن أبي داود (٢١٦٤). قوله: يشرحون، يقال: شرح الرجل جاريته إذا وطئها نائمة على قفاها. وقوله: شَرِيَ، أي: عِظُم وتفاقم ولجُوا فيه. النهاية ٤٥٦/٢، ٤٦٨. (٢) في (م): أهلك، وهو خطأ. (٣) سنن الترمذي (٢٩٨٠)، وفيه قوله: حديث حسن غريب، وهو عند أحمد (٢٧٠٣). (٤) السنن الكبرى (٨٩٢٩)، وما سيرد بين حاصرتين منه. وقال ابن كثير: هذا إسناد صحيح. (٥) سالم بن أبي أمية المدني، كاتب عمر بن عبيد التميمي ومولاه، توفي سنة (١٢٩ هـ) السير ٦/٦. (٦) قوله: عليَّ، ليس في سنن النسائي. ٧ سورة البقرة : الآية ٢٢٣ المصحفَ يوماً وأنا عنده حتى بلغ: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾؛ قال: [يا] نافع: هل تدري ما أمرُ هذه الآية؟ إنا كنا معشرَ قريش نُجَبِّي النساءَ، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار، أردنا منهنَّ [مثل] ما كنا نريد من نسائنا؛ فإذا هنَّ قد كَرِهْنَ ذلك وأَعْظَمْنَه، وكان نساء الأنصار إنما يؤتَيْنَ على جُنوبهنَّ، فأنزل الله سبحانه: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حرْفَكُمْ أَ شِئْهُمْ﴾ . الثانية: هذه الآية (١) نصٌّ في إباحة الحال والهيئات كلِّها إذا كان الوطءُ في موضع الحَرْث؛ أي: كيف شئتم، من خلفٍ ومن قُدَّام وباركةً ومستلقيةً ومضطجعةً؛ فأمَّا الإتيان في غير المَأْتَى فما كان مباحًا، ولا يُباح. وذِكْرُ الحرثِ يدلُّ على أن الإتيان في غيرِ المَأْتَى محرَّم(٢) ... و((حرث)) تشبيه؛ لأنَهنّ مُزْدَرَعُ الذُّرِّية، فلفظُ ((الحرث)) يعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصَّةً إذ هو المزدرع(٣). وأنشد ثعلب: إنما الأرحامُ أرْضُو نَ لنا مُخْـتَـرَثـاتْ وعلى الله النبات(٤) فعلينا الزرعَ فيها ففَرْجُ المرأة كالأرض، والنطفةُ كالبَذْر، والولد كالنبات، فالحرث بمعنى المحتّرَث. ووخَّد الحرث لأنه مصدر(٥)، كما يقال: رجلٌ صَوْمٌ، وقومٌ صَوْمٌ. الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَّ شِئْتُمْ﴾ معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمةِ الفتوى: مِن أيِّ وجهٍ شئتُم، مُقْبِلةً ومُذْبِرةً، كما ذكرنا آنفًا. و((أَنَّى)) تجيءُ سؤالاً وإخباراً عن أمرٍ له جهات، فهو أعمُّ في اللغة من ((كيف)) ومن ((أين)) ومن (متى)). هذا هو الاستعمال العربيُّ في ((أَنَّى)). وقد فسَّر الناس ((أنَّى)) في هذه الآية (١) في (خ) و(د) و(ظ) و(م): الأحاديث، والمثبت من (ز) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٢٩٩/١، والكلام منه. (٢) ينظر البيان والتحصيل ١٧٨/١٨، وزاد المسير ٢٥٢/١. (٣) المحرر الوجيز ٢٩٩/١. (٤) لم نقف عليهما، وذكرهما أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ١٧٠ . (٥) ينظر تفسير الرازي ٦/ ٧٥. ٠ ٨ سورة البقرة : الآية ٢٢٣ بهذه الألفاظ. وفسَّرها سيبويهِ بـ ((كيف)) و((من أين))، باجتماعهما. وذهبت فرقة ممن فسَّرها بـ ((أين)) إلى أن الوطء في الدُّبر مباح(١). وممن نُسب إليه هذا القول: سعيدُ بنُ المسيب، ونافع، وابنُ عمرَ، ومحمد بنُ كعبِ القُرَظِيُّ، وعبد الملك بنُ الماجِشون، وحُكي ذلك عن مالكٍ في كتاب له يسمَّى ((كتاب السرّ)). وحُذَّاق أصحاب مالكِ ومشايخُهم يُنكرون ذلك الكتاب، ومالكٌ أجلُّ من أن يكون له كتابُ سِرٌّ، ووقع هذا القول في العُثْبِيَّةِ(٢). وذكر ابن العربيّ(٣) أن ابنَ شعبان(٤) أَسندَ جوازَ هذا القولِ إلى زمرةٍ كبيرة من الصحابة والتابعين، وإلى مالكٍ من روايات كثيرة في كتاب «جماعُ النّسوان وأحكام القرآن». وقال الكِيَا الطبريُّ(٥): ورُوي عن محمد بن كعب القُرَظِيِّ أنه كان لا يرى بذلك بأسًا؛ ويتأوَّل فيه قول الله عزّ وجلّ: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ (٨٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَسِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦] وقال: فتقديرُه: تتركون مثلَ ذلك من أزواجكم، ولو لم يُبَحْ مثلُ ذلك من الأزواج لمَا صحَّ ذلك، وليس المباح من الموضع الآخَر مِثلًا له، حتى يقال: تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح. قال الكِيّا: وهذا فيه نظر، إذ معناه: وتذرون ما خلق لكم ربُّكم من أزواجكم ممَّا فيه تسكينُ شهوتكم؛ ولذَّةُ الوقاع حاصلة بهما جميعاً، فيجوز التوبيخ على هذا المعنى. وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُربَهُ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ مع قوله: ﴿فَأْتُوا حرّتَكُمْ﴾ ما يدلُّ على أن في المَأتَى اختصاصاً، وأنه مقصورٌ على موضع الولد. قلت: هذا هو الحقُّ في المسألة. وقد ذكر أبو عمر بنُ عبد البَرّ (٦) أن العلماء (١) المحرر الوجيز ٢٩٩/١. (٢) المفهم ٤ / ١٥٧، وينظر عقد الجواهر الثمينة ٨٨/١. (٣) أحكام القرآن له ١٧٣/١ -١٧٤ . (٤) هو محمد بن القاسم بن شعبان، المصري، شيخ المالكية، يعرف بابن القُرْطي، توفي سنة (٣٥٥هـ). السير ٧٨/١٦. (٥) أحكام القرآن له ١/ ١٤٢ . (٦) الاستذكار ١٠٠/١٦. . ٩ سورة البقرة : الآية ٢٢٣ لم يختلفوا في الرَّتْقاء التي لا يُوصل إلى وطئها أنه عيب تُردُّ منه (١)، إلا شيئاً جاء عن عمر بن عبد العزيز من وجهٍ ليس بالقويِّ أنه لا تردُّ الرتقاء ولا غيرُها، والفقهاء كلُّهم على خلاف ذلك؛ لأن المَسِيسَ هو المبتَغَى بالنكاح، وفي إجماعهم على (٢) هذا دليل على أن الدُّبُر ليس بموضع وَظْءٍ، ولو كان موضعاً للوَظْء ما رُدَّت مَن لا يُوصَل إلى وطئها في الفرج. وفي إجماعهم أيضاً على أن العقيم التي لا تلد لا تُرَدّ. والصحيح في هذه المسألة ما بيناه. وما نُسب إلى مالكٍ وأصحابِهِ من هذا باطلٌ وهم مُبَرَّؤون من ذلك؛ لأن إباحة الإتيان مختصَّةٌ بموضع الحرث؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَتُواْ رَكُمْ﴾، ولأن الحكمة في خلق الأزواج بتُّ النَّسل، فغيرُ موضع النسل لا يناله مِلْكُ النكاح، وهذا هو الحقّ. وقد قال أصحاب أبي حنيفة: إنه عندنا ولائطَ الذَّكَر (٣) سواءٌ في الحكم، ولأن القَذَر والأذَى في موضع النَّجْوِ(٤) أكثرُ من دم الحيض، فكان أشنعَ. وأما صِمَام البول فغيرُ صِمام الرَّحِم. قال ابن العربي في قَبَسِه(٥): قال لنا الشيخ الإمام فخر الإِسلام أبو بكر محمد بنُ أحمدَ بنِ الحسين(٦) فقيهُ الوقت وإمامُه: الفرجُ أشبهُ شيءٍ بخمسةٍ وثلاثين؛ وأخرج يده عاقداً بها. وقال: مسلكُ البول ما تحت الثلاثين، ومسلكُ الذَّكَر والحيض(٧) ما اشتملت عليه الخمسةُ. وقد حرَّمَ الله تعالى الفرجَ حالَ الحَيْض لأجل النجاسة العارضة، فأولى أن يحرُم الدّبُر بالنجاسة (٨) اللازمة. (١) في (م): به. (٢) قوله: على، ليس في (د) و(ز). (٣) في (د) و(ز): واللائط بالذكر. (٤) هو ما يخرج من البطن. (٥) القبس في شرح موطأ مالك بن أنس ١/ ١٧٢ . (٦) هو أبو بكر الشاشي، شيخ الشافعية، توفي سنة (٥٥٧هـ). السير ٣٩٣/١٩. (٧) في (م): والفرج. (٨) في (د) و(ز) و(م): لأجل النجاسة. والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ١٧٤/١، والكلام منه. ١٠ سورة البقرة : الآية ٢٢٣ وقال مالكٌ لابن وهبٍ وعليّ بنِ زياد؛ لمَّا أخبراه أن ناساً بمصر يتحدّثون عنه أنه يُجِيزُ ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل؛ فقال: كَذَبوا عليَّ، كذبوا عليَّ، كذبوا عليَّ! ثم قال: ألستُم قوماً عَرَباً؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾؟ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟!(١). وما استدلَّ به المخالف من أن قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَنَّ شِئٌْ﴾ شامل(٢) للمسالك بحكم عمومها، فلا حُجَّةَ فيها، إذ هي مخصَّصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحةٍ حِسانٍ وشهيرةٍ رواها عن رسول الله وَ﴿ اثنا عشر صحابيًّا بمُتُونٍ مختلفة، كلُّها متواردةٌ على تحريم وطءٍ(٣) النساء في الأدبار؛ ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنَّسَائِيُّ والترمذيُّ وغيرُهم. وقد جمعها أبو الفرج ابنُ الجوزيِّ بطُرقها في جزء سمَّاه ((تحريم المَحَلّ المكروه))(٤). ولشيخنا أبي العباس أيضاً في ذلك جزءٌ سمَّاه ((إظهارُ إذْبارٍ مَن أجاز الوطء في الأذبار))(٥) . قلت: وهذا هو الحقُّ المتَبع والصحيحُ في المسألة، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يُعرِّج في هذه النازلة على زَلَّة عالم بعد أن تَصِحَّ عنه. وقد حُذِّرنا من زَلَّةِ العالم. وقد رُوِيّ عن ابن عمر خلافُ هذا، وتكفيرُ مَنْ فعلَه؛ وهذا هو اللَّائق به رضي الله عنه (٦). وكذلك كذَّب نافعٌ مَن أَخبر عنه بذلك؛ كما ذكر النَّسائيُّ، وقد تقدَّم(٧). وأنكر ذلك مالكٌ واستعظمه، وكذَّب مَن نَسب ذلك إليه. وروى الدارِمِيُّ أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يَسارٍ أبي الحُبَاب قال: قلتُ (١) في (خ): النبت. والكلام من المفهم ١٥٨/٤. وذكر ابن شاس في عقد الجواهر الثمينة ٨٣/٢-٨٤ ثلاث روايات عن مالك في نفي هذا الأمر، ثم قال: فهذا مالك قد صرح بكذب الناقل عنه في ثلاث روایات، فکیف تحل نسبته إليه بعد ذلك؟! (٢) في النسخ الخطية: شاملة، والمثبت من (م). (٣) في (د) و(ز) و(م): إتيان، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في المفهم ١٥٨/٤، والكلام منه. (٤) المفهم ٤/ ١٥٨. وسيذكر المصنف طرفاً من الأحاديث التي أشار إليها . (٥) أشار أبو العباس في المفهم ١٥٧/٤ إلى هذا الجزء. (٦) المحرر الوجيز ٢٩٩/١- ٣٠٠. وسيأتي لاحقاً حديث ابن عمر الذي أشار إليه المصنف. (٧) في المسألة الأولى. ١١ سورة البقرة : الآية ٢٢٣ لابن عمر: ما تقول في الجواري حين أحمِّض بهنَّ؟ قال: وما التَّخميضُ؟ فذكرتُ له الدُّبْرُ؛ فقال: هل يفعلُ ذلك أحدٌ من المسلمين(١)! وأسند عن خزيمةً بن ثابت: سمعتُ رسول اللهِ وَله يقول: ((أيُّها الناسُ، إن الله لا يستحي من الحقِّ، لا تأتوا النساء في أعجازهنّ))(٢). ومثلُه عن عليّ بن طَلْق(٣). وأَسند عن أبي هريرة عن النبيِّ ◌َّه قال: ((مَنْ أتى امرأةً في دُبُرِها، لم ينظر الله تعالى إليه يومَ القيامة»(٤). ورَوى أبو داود الطَّيالِسيُّ في مسنده عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي و * قال: ((تلك اللوطيَّةُ الصُّغرى))(٥) يعني إتيان المرأة في دبرها . ورُوي عن طاوس أنه قال: كان بدءُ عملٍ قوم لوطِ إتيانَ النساء في أدبارهنّ. قال ابن المنذر: وإذا ثبت الشيءُ عن رسول اللهِ وَ﴿ اسْتُغني به عمَّا سواه (٦). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُ﴾ أي: قدّموا ما ينفعكم غدًا، فحذف المفعول، وقد صُرِّح به في قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّعُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ (١) سنن الدارمي (١١٤٣)، قال ابن کثیر: وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحریم ذلك، فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل مردود إلى هذا المحكم. (٢) سنن الدارمي (١١٤٤)، وهو عند أحمد (٢١٨٥٠)، وصححه ابن الملقن في خلاصة البدر المنير ٢٠٠/٢، وقال: صححه الشافعي. وانظر مسند الشافعي ٢٩/٢. (٣) سنن الدارمي (١١٤١) و(١١٤٢)، وأخرجه أيضاً الترمذي (١١٦٤) و(١١٦٦)، وقال: حديث حسن. قال ابن كثير في التفسير: ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل [٦٥٥]، والصحيح أنه علي بن طلق. (٤) سنن الدارمي (١١٤٠)، وهو عند أحمد (٧٦٨٤). (٥) مسند الطيالسي (٢٢٦٦)، وهو عند أحمد (٦٧٠٦). وأخرجه ابن أبي شيبة ٢٥٢/٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤٦/٣ عن عبد الله بن عمرو موقوفاً، قال ابن كثير، وهذا أصحّ. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/ ١٨١: والمحفوظ عن عبد الله بن عمرو من قوله. وقال البخاري في التاريخ الصغير ٢٧٣/٢: والمرفوع لا يصح. اهـ. وانظر زيادة على ذلك: حديث ابن عباس (٢٤١٤) و(٢٧٠٣) وحديث أم سلمة (٢٦٦٠١) في المسند، وسنن أبي داود ٦١٧/٢ -٦٢٠، و٢٢٦/٣ وسنن الترمذي ٤٦٨/٣-٤٦٩، وسنن النسائي الكبرى ١٨٩/٨-٢٠٣، وزاد المعاد ٢٣٥/٤-٢٤٢. (٦) الإشراف لابن المنذر ٤ / ١٥٧. ١٢ سورة البقرة : الآية ٢٢٣ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]، فالمعنى: قَدِّمُوا لأنفسكم الطاعةَ والعملَ الصالحَ. وقيل: ابتغاء الولد والنَّسل؛ لأن الولد خيرُ الدنيا والآخرة، فقد يكون شفيعًا وجُنَّة. وقيل: هو التزوُّج بالعفائف؛ ليكون الولد صالحاً طاهراً. وقيل: هو تقديمُ الأفراط (١)، كما قال النبيُّ ◌َّرِ: ((مَن قَدَّم ثلاثةً من الولد لم يبلغوا الحِنْثَ، لم تَمَسَّه النارُ إلَّا تَحِلَّةَ القَسَم))(٢) الحديث. وسيأتي في ((مريم)) إن شاء الله تعالى(٣). وقال ابن عباس وعطاء: أي: قَدِّمُوا ذِكْرَ الله عند الجماع، كما قال عليه السلام: (لو أنَّ أحدَهم(٤) إذا أتى امرأتَه قال: بسم الله، اللهم جَنّبنا الشيطانَ، وجَنِّبِ الشيطانَ ما رزقتنا، فإنه إنْ يُقَدَّرْ بينهما ولدٌ، لم يَضُرَّه شيطانٌ أبداً)). أخرجه مسلم (٥) . ۔ الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ تحذير ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُم مَُّقُوهُ﴾ خبر يقتضي المبالغةَ في التحذير، أي: فهو مُجازيكم على البِرِّ والإثم(٦). وروى ابنُ عُيَينة عن عمرو بن دينار قال: سمعتُ سعيد بنَ جُبير عن ابن عباس قال: سمعتُ رسول الله وَلّ وهو يخطب يقول: ((إنكم ملاقو الله حُفاةً عُراةً مُشاةً غُزْلًا)) ثم تلا (١) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): تقدم الأقراط، والمثبت من (خ) وهو الموافق لما في تفسير البغوي ٢٠٠/١، والكلام منه. والأفراط جمع فَرَط: وهو الذي يموت ولم يبلغ الحُلُم من الأولاد. معجم متن اللغة (فرط). (٢) أخرجه أحمد (٧٢٦٥)، والبخاري (١٢٥١) (٦٦٥٦)، ومسلم (٢٦٣٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وزاد البخاري إثر الرواية الأولى: قال أبو عبد الله: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. قال أبو عبيد في غريب الحديث ١٧/٢: قوله: ((تحلّة القسم)) يعني قول الله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمُ إلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَيْكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ﴾﴾ فلا يَرِدُها إلا بقدر ما يَبَرُّ الله به قَسَمَه. (٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ الآية (٧١). (٤) في (د) و(ز) و(م): أحدكم، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق للمطبوع من صحيح مسلم. (٥) صحيح مسلم (١٤٣٤) من حديث ابن عباس، وقد تقدم ١/ ١٥١، وينظر تفسير البغوي ١٩٩/١ - ٢٠٠، والمحرر الوجيز ١/ ٣٠٠، وزاد المسير ٢٥٣/١، وأخرج القول الأخير الطبري ٤١٧/٤ عن عطاء عن ابن عباس. (٦) المحرر الوجيز ٣٠٠/١. ١٣ سورة البقرة : الآية ٢٢٤ رسول الله ◌َّ: ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَقُوهُ﴾. أخرجه مسلم بمعناه(١). السادسة: قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تأنيسٌ لفاعل البِرِّ ومبتغِي سنن الهدى(٢) . قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ لِأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسُِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾WW فیہ أربعُ مسائل: الأولى: قال العلماء: لمَّا أمرَ الله تعالى بالإنفاق وصحبةِ الأيتام والنساءِ بجميلٍ المعاشرة قال: لا تمتنعوا عن شيءٍ من المكارم تعلُّلاً بأنَّا حلفنا ألَّ نفعل كذا. قال معناه ابن عباس والنَّخَعِيُّ ومجاهدٌ والربيع وغيرهم. قال سعيد بن جبير: هو الرجلُ يَحلِفُ ألَّا يَبَرَّ ولا يَصِلَ ولا يُصلِحَ بين الناس، فيقال له: بِرَّ، فيقول: قد حلفتُ(٣). وقال بعض المتأولين: المعنى: ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتُم البِرَّ والتقوى والإصلاح، فلا يُحتاج إلى تقدير (لا)) بعد ((أن))(٤). وقيل: المعنى لا تَسِتكثروا من اليمين بالله، فإنه أَهْيَبُ للقلوب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَحْفَظُوَاْ أَيْمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. وذَمَّ مَن كثَّر اليمين، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ كَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]، والعربُ تَمتدِحُ بقلة الأَيْمان، حتى قال قائلهم: وإِنْ صَدَرَتْ مِنه الأَلِيَّةُ بَرَّتِ(٥) قليلُ الأَلَايا حافِظٌ ليمينهِ وعلى هذا ((أنْ تَبَرُّوا)) معناه: أقِلُّوا الأَيْمانَ لِمَا فيه من البِرِّ والتقوى، فإنَّ الإكثارَ يكونُ معه الحِنْثُ وقلَّةُ رَغِي لحقِّ الله تعالى(٦)، وهذا تأويلٌ حسن. (١) صحيح مسلم (٢٨٦٠): (٥٧)، وهو عند أحمد (١٩١٣)، والبخاري (٦٥٢٤). (٢) المحرر الوجيز ٣٠٠/١. (٣) تفسير الطبري ٦/٤-١٠ . (٤) المحرر الوجيز ٣٠٠/١. (٥) البيت لكثيّر، وهو في ديوانه ص ٨٥، وفيه: فإن سَبَقَتْ، بدل: وإن صدرت. قوله: الأَلِيَّة، أي: اليمين، وجمعها: ألايا. مختار الصحاح. (٦) المحرر الوجيز ٣٠٠/١. ١٤ سورة البقرة : الآية ٢٢٤ مالك بن أنس: بلغني أنه الحَلِفُ بالله في كلِّ شيءٍ. وقيل: المعنى: لا تجعلوا اليمينَ مبتَذَلَةً في كلِّ حقٌّ وباطل(١). وقال الزَّجَّاج وغيره: معنى الآيةِ أنْ يكونَ الرجلُ إذا طُلب منه فعلُ خيرٍ اعتلَّ بالله، فقال: عليَّ يمين، وهو لم يحلف(٢). القُتَّبيُّ(٣): المعنى: إذا حلفتُم على ألَّا تَصِلُوا أرحامكم ولا تتصدَّقوا ولا تُصْلِحُوا، وعلى أشباه ذلك من أبواب البِرِّ، فكَفِّرُوا اليمين. قلت: وهذا حَسَنٌ لِمَا بيَّنَّه، وهو الذي يدلُّ عليه سببُ النُّزول، على ما نبيِّنُه في المسألة بعد هذا . الثانية: قيل: نزلت بسبب الصِّدِّيق؛ إذْ حَلَفَ الَّ يُنفقَ على مِسْطَحِ حين تكلّم في عائشةَ رضيَ الله عنها، كما في حديث الإفك - وسيأتي بيانُه في (النّور))(٤) - عن ابن جُریج(٥). وقيل: نزلت في الصِّدِّيق أيضاً حين حلفَ ألَّا يأكلَ مع الأضياف(٦). وقيل: نزلت في عبدِ الله بنِ رَوَاحةَ حين حلفَ ألَّا يكلِّم بشير بنَ النعمان، وكان ختنَه على أخته(٧)، والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى: ﴿عُرْضَةٌ لِأَيْمَنِكُمْ﴾، أي: نَصْباً؛ عن الجوهريّ(٨). (١) مجمع البيان ٢١٩/٢ . (٢) معاني القرآن للزجاج ٢٩٩/١، والمحرر الوجيز ٣٠٠/١، وعنه نقل المصنف. (٣) تفسير غريب القرآن ٨٥/١. (٤) عند تفسير الآية (٢٢) منها . (٥) تفسير البغوي ١/ ٢٠٠، والمحرر الوجيز ٣٠١/١، وحديث الإفك أخرجه أحمد (٢٥٦٢٣)، والبخاري (٤٧٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠) من حديث عائشة رضي الله عنها، ومِسْطح هو ابنُ أُثاثة، اسمه عوف، ومِسْطح لقبُه، كان أبو بكر رضي الله عنه يصونه لقرابته، مات في خلافة عثمان رضي الله عنه سنة (٣٤هـ). الإصابة ٩/ ١٨٢- ١٨٣. (٦) خبر الصديق رضي الله عنه مع أضيافه ورد في صحيح البخاري (٦١٤٠)، ومسلم (٢٠٥٧)، دون ذكر سبب نزول الآية. (٧) المحرر الوجيز ٣٠١/١، وتفسير أبي الليث ٢٠٦/١، وأسباب النزول للواحدي الآية: ٢٢٤. (٨) الصحاح (عرض). ١٥ سورة البقرة : الآية ٢٢٤ وفلان عُرْضةُ ذاك، أو عُرْضةٌ لذاك(١)، أي: مُقْرِنٌ له، قَوِيٌّ عليه. والعُرْضَة: الهِمَّة. قال: هم الأنصارُ عُرْضَتُها اللِّقَاءُ(٢) وفلانٌ عُرْضَةٌ للناس: لا يزالون يقعون فيه. وجعلتُ فلاناً عُرْضةٌ لكذا، أي: نصبتُه له، وقيل: العُرْضَةُ من الشِّدَّة والقوّة، ومنه قولُهم للمرأة: عُرْضَةٌ للنكاح، إذا صَلَحَتْ له، وقَوِيَتْ عليه، ولفلانٍ عُرْضَةٌ: أي: قوَّةٌ على السَّفر والحرب(٣)، قال كعب بنُ زهير: عُرْضَتُها طامِسُ الأعلام مجهولٌ(٥) من كلِّ نَضَّاحَةٍ (٤) الذِّفْرَى إذا عَرِقَتْ وقال عبد الله بنُ الزَّبِير(٦): لِلَهْوِي وهذي عُرْضَةٌ لارْتِحَالنا فَهْذِي لأيامِ الحروبِ وهذهِ أي: عُدَّة. وقال آخر: فلا تَجْعَلَنِّي عُرْضَةً لِلَّوَائِم(٧) وقال أوس بنُ حَجَر : وأذْمَاءَ مثلِ الفحلِ يوماً عرضتُها لِرَحْلِي وفيها هِزَّةٌ (٨) وتقاذُفُ(٩) (١) في النسخ: أي عُرْضة لذلك، والمثبت من الصحاح، والكلام منه. (٢) قائله حسان، وصدر البيت: وقال الله قد يسَّرتُ جُندًا. وهو في ديوانه ص٩. (٣) تفسير الطبري ٤/ ١١ . (٤) في (م): نضاخة، ولم تُجَوَّد اللفظة في النسخ، والمثبت من المصادر، (٥) ديوان كعب بن زهير ص٩، قاله يصف نُوقاً، وقوله: نضَّاحة: أي: شديدة النَّضْح، وهو العَرَق. انظر الصحاح (نضح)، والذّفْرَى: هو الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن. الصحاح (ذفر). وطامس: من الطموس، وهو الدروس والامِّحاء. الصحاح (طمس) (٦) بفتح الزاي، الأسدي، كوفي، له نظم بديع، توفي زمن الحجاج. السير ٣٨٣/٣. وورد البيت في الدر المصون ٤٥٩/٢، واللباب ٤/ ٨٧. (٧) قال صاحب شرح شواهد الكشاف ص ٥١٧: قيل البيت لأبي تمام، وهو في الكشاف ١/ ٣٦٢، ومجمع البيان ٢١٩/٢، واللباب ٨٨/٤. وصدره: دعوني أَنُخْ وجْداً كنَوْح الحمائمِ. وفي الكشاف واللباب: فلا تجعلوني، وفي المجمع: فلا تجعليني. (٨) في (ز): قوة. (٩) ديوان أوس بن حَجَر ص٦٤ وفيه: جرأة، بدل: هزّة. قوله: أدماء، - وهو صفة لناقة - من الأدمة،= ١٦ سورة البقرة : الآية ٢٢٥ والمعنى: لا تجعلوا اليمينَ بالله قوَّةٌ لأنفسكم، وعُدَّةً في الامتناع من البِرّ. الرابعة: قوله تعالى: ﴿أَن تَبَرُوَأْ وَتَتَّقُواْ﴾ مبتدأ، وخبرهُ محذوف، أي: البِرُّ والتقوى، والإصلاح أولى وأمثلُ، مثل ﴿طَاعَةٌ وَقَّوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١]. عن الزَّجاج والنحاس(١) . وقيل: محلُّه النصب، أي: لا تمنعُكم اليمينُ بالله عزَّ وجل البِرَّ والتقوى والإصلاحَ. عن الزجَّاج أيضاً(٢). وقيل: مفعولٌ من أجله(٣). وقيل: معناه ألَّا تَبَرُّوا؛ فحذَف ((لا))، كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: لئلا تضلوا، قاله الطبريُّ والنَّحاس(٤). ووجهٌ رابع من وجوه النَّصب: كراهةَ أنْ تَبَرُّوا، ثم حُذفت، ذكره النحاس ي(٥) والمهدوِيُّ(٥). وقيل: هو في موضع خفض على قول الخليلِ والكسائي، التقدير: في أنْ تَبَرُّوا، فأُضمِرت ((في)) وخُفضت بها(٦). و﴿َسَمِيعُ﴾، أي: لأقوال العباد. ﴿عَلِيمٌ﴾ بنِيَّاتهم(٧). قوله تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَّا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاَللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ فيه أربع مسائل : وهي في الإبل: لون مشرب بياضًا أو سوادًا، القاموس (أدم). = (١) معاني القرآن للزجاج ١/ ٣٠٠، وإعراب القرآن للنحاس ٣١١/١. (٢) معاني القرآن ٢٩٨/١. (٣) المحرر الوجيز ٣٠٠/١. (٤) تفسير الطبري ١١/٤-١٢، وإعراب القرآن للنحاس ٣١١/١-٣١٢. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣١١/١، والمحرر الوجيز ٣٠٠/١. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢١٢/١-٢١٣، وانظر معاني القرآن للزجاج ٢٩٨/١-٢٩٩، ومشكل إعراب القرآن ص ١٣٠ . (٧) المحرر الوجيز ٣٠٠/١. ١٧ سورة البقرة : الآية ٢٢٥ الأولى: قوله تعالى: ﴿بِلَّغْوِ﴾ اللَّغو: مصدر لغا يلغُو ويَلْغَى لَغْواً، ولَغِيَ يَلْغَى لَغاً: إذا أتى بما لا يُحتاج إليه في الكلام، أو بما لا خيرَ فيه، أو بما يُلغَى إثمُه(١)، وفي الحديث: ((إذا قلتَ لصاحبك والإمامُ يخطب يومَ الجمعة: أَنْصِتْ، فقد لَغَوْتَ))(٢). ولغةُ أبي هريرة: ((فقد لَغَيْتَ)) وقال الشاعر(٣): ورَبِّ أسرابٍ حَجِيجِ كُظَّم عن اللَّغَا وَرَفَتِ التَّكْلُّم وقال آخر (٤): ولستَ بمأخوذٍ بلَغْوٍ تقولُه إذا لم تَعَمَّدْ عاقداتِ العزائم الثانية: واختلفَ العلماء في اليمين التي هي لَغْوٌ، فقال ابنُ عباس: هو قولُ الرجلِ في دَرْج كلامه واستعجالِه في المحاورة: لا والله، وبلى والله؛ دون قصدٍ لليمين(٥) . قال المروزِيُّ: لغوُ اليمينِ التي اتفق العلماء على أنها لغوٌ هو قولُ الرجل: لا والله، وبلى والله؛ في حديثه وكلامِه غيرَ معتقِدٍ لليمين ولا مريدها . وروى ابنُ وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، أنَّ عروة حدَّثه أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ وَ ﴿ قالت: أَيْمان اللَّغو ما كانت في المِرَاء والهَزْلِ والمُزاحةِ والحديثِ الذي لا ينعقدُ عليه القلب(٦). وفي البخاريِّ(٧) عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزل قوله تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ﴾ في قول الرجل: لا والله، وبلى والله. وقيل: اللغو ما يَحلفُ به على الَّنِّ، فيكونُ بخلافه، قاله مالك؛ حكاه ابنُ (١) إعراب القرآن للنحاس ٣١٢/١. (٢) أخرجه أحمد (٧٦٨٦)، والبخاري (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٣) هو العجاج، والرجز معطوف على ما قبله، وسلف ١٨٨/٣. (٤) هو الفرزدق، والبيت في ديوانه ص٨٥١. (٥) أخرجه الطبري ١٤/٤ بنحوه. (٦) أخرجه الطبري ٣١/٤. (٧) رقم (٤٦١٣). ١٨ سورة البقرة : الآية ٢٢٥ القاسم عنه، وقال به جماعةٌ من السلف(١). قال أبو هريرة: إذا حلفَ الرجل على الشَّيء لا يظنُّ إلا أنه إياه، فإذا ليس هو، فهو اللَّغو، وليس فيه كفارة، ونحوُه عن ابن عباس(٢). ورُوي أنَّ قوماً تراجعوا القولَ عند رسول الله وَ ﴿ وهم يرمون بحضرته؛ فحلف أحدُهم: لقد أصبتُ وأخطأتَ يا فلان، فإذا الأمرُ بخلاف ذلك، فقال الرجل: حَنِثَ يا رسول الله، فقال النبيُّ وَّهِ: ((أَيْمانُ الرُّماة لغوٌ لا حِنْثَ فيها ولا كفَّارة))(٣). وفي الموطأ(٤) قال مالك: أحسنُ ما سمعتُ في ذلك(٥) أنَّ اللَّغوَ حَلِفُ الإنسانِ على الشّيءٍ يَستيقنُ أنه كذلك، ثم يوجدُ بخلافه، فلا كفَّارةَ فيه. والذي يحلِفُ على الشّيءٍ وهو يعلم أنه فيه آثمُ كاذبُ لِيُرضِيَ به أحداً، أو يعتذرَ لمخلوقٍ، أو يقتَطعَ به مالاً، فهذا أعظمُ من(٦) أنْ يكونَ فيه كفارةٌ؛ وإنما الكفارةُ على من حلف ألا يفعل الشيءَ المباحَ له فِعلُه ثم يفعلُه، أو أنْ يفعلَه، ثم لا يفعلُه، مثل: إن حلَفَ أَلَّا يبيعَ ثوبَه بعشرة دراهم، ثم يبيعُه بمثلٍ ذلك، أو حلفَ ليضربنَّ غلامه، ثم لا يضربه. ورُوي عن ابن عباس - إنْ صحَّ عنه - قال: لَغْوُ اليمين أنْ تحلفَ وأنت غضبان، وقاله طاوس(٧). وروى ابنُ عباس أنَّ رسول اللهِوَ ﴿ قال: ((لا يمينَ فِي غَضَب))(٨). وقال سعيد بن جبير: هو تحريمُ الحلال؛ فيقول: مالي عليَّ حرامٌ إنْ فعلت كذا، أو الحلال عليَّ حرام، وقاله مكحول الدِّمشقيُّ، ومالك أيضاً، إلا في الزوجة، فإنه ألزَمَ فيها التحريمَ؛ إلا أنْ يُخرجَها الحالفُ بقلبه. (١) التمهيد ٢٤٨/٢١-٢٥١. (٢) تفسير الطبري ٤/ ٢٠ . (٣) أخرج الطبري ٣١/٤ عن الحسن مرسلاً، قال ابن كثير في تفسيره: هذا إسناد حسن عن الحسن. (٤) موطأ مالك ٢/ ٤٧٧ . (٥) في (م): هذا. (٦) لفظة: ((من)) من (م). (٧) التمهيد ٢٤٩/٢١، والاستذكار ٦٤/١٥، وأخرج أثر ابن عباس وطاوس الطبري ٢٦/٤. (٨) وقعت في (د) و(م) زيادة: أخرجه مسلم، وهو خطأ، فإن مسلماً لم يخرجه، وأخرجه الطبري ٢٦/٤، والطبراني في الأوسط (٢٠٥٠)، وضعَّف إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١١/ ٥٦٥. ١٩ سورة البقرة : الآية ٢٢٥ وقيل: هو يمينُ المعصية، قاله سعيد بن المسيب، وأبو بكر بنُ عبد الرحمن وعروةُ وعبد الله ابنا الزُّبير، كالذي يُقسم لَيَشربَنَّ الخمرَ، أو ليقطعنَّ الرَّحِم، فِرُّه تركُ ذلك الفعلِ، ولا كفارةَ عليه(١)، وحجتُهم حديثُ عمرو بنٍ شعيب، عن أبيه، عن جِدِّه، أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((مَنْ حَلَفَ على يمينٍ، فرأى غيرَها خيراً منها فليتركُها، فإنَّ تركَها كفارتُها)) أخرجه ابن ماجه في سننه(٢)، وسيأتي في ((المائدة)) أيضاً (٣). وقال زيد بن أسلم(٤): لغو اليمين دعاءُ الرَّجلِ على نفسه: أَعمى الله بصرَه، أَذْهَبَ الله مالَه، هو يهوديٌّ، هو مشرك، هو لِغَيَّةٍ (٥) إن فعلَ كذا. مجاهد: هما الرجلان يتبايعان، فيقولُ أحدُهما: والله لا أبيعُك بكذا، ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا. النخعيُّ: هو الرجل يحلفُ ألَّ يفعلَ الشَّيءَ، ثم يَنْسَى، فيفعلُه. وقال ابن عباس أيضاً والضَّحَّاك: لَغْوُ(٦) اليمينِ هي المكَفَّرة، أي: إذا كُفِّرت اليمينُ، سقطَتْ وصارت لغواً، ولا يُؤاخِذُ الله بتكفيرها والرُّجوعِ إلى الذي هو خير. وحكى ابنُ عبد البَرّ قولاً: أنَّ اللَّغْوَ أَيْمانُ المُكْرَه(٧). قال ابن العربيّ(٨): أما اليمينُ مع النسيان؛ فلا شكَّ في إلغائها؛ لأنها جاءت على خلاف قصدِه، فهي لَغْوٌ مَخْضِّ. قلت: ويمين المُكْرَه بمثابتها. وسيأتي حكم مَنْ حلفَ مُكْرهاً في ((النحل)) إنْ (٩) شاء الله تعالى" (١) المحرر الوجيز ٣٠١/١، وأخرج هذه الأقوال الطبري ٢٨/٤. (٢) رقم (٢١١١)، وهو عند أحمد (٦٧٣٦). (٣) عند تفسير الآية (٨٩) منها. (٤) في (خ) و(ظ) زيادة: وابنه. (٥) في (٥) و(ز): عليه لعنة الله، بدل: هو لِغَيَّة. قال في اللسان (غوى): هو لِغَيَّة ولِغِيَّة، أي: لِزَنْيَة، وهو نقيض قولك: لِرَشْدَة. قال اللِّحياني: الكسر في غِيَّة قليل. (٦) في (م): إنَّ لغو. (٧) المحرر الوجيز ٣٠١/١. ولم نقف على قول ابن عبد البر الذي حكاه عنه ابن عطية. وأخرج هذه الأقوال الطبري ٤/ ٣٣. (٨) في أحكام القرآن ٢/ ٦٣٥. (٩) عند تفسير الآية (١٠٦) منها. ٢٠ سورة البقرة : الآية ٢٢٥ قال ابن العربيّ(١): وأمَّا من قال: إنه يمينُ المعصيةِ؛ فباطل؛ لأنَّ الحالف على تركِ المعصيةِ تنعقدُ يمينُه عبادةً، والحالف على فعل المعصيةِ تنعقدُ يمينُه معصيةً، ويقال له: لا تفعلْ، وكَفِّرْ، فإنْ أقدَم على الفعل أثِمَ في إقدامه، وبَرَّ في يمينه(٢). وأما من قال: إنَّه دعاءُ الإنسانِ على نفسه: إنْ لم يكن كذا، فينزلُ به كذا، فهو قولٌ لَغْو، في طريق الكفارة، ولكنه مُنْعَقدٌ في القَصْد، مكروه، وربما يُؤْاخَذُ به؛ لأنَّ النبيَّ وَّهِ قال: ((لا يَدْعُوَنَّ أحدُكم على نفسه، فربما صادفَ ساعةً لا يَسألُ اللهَ أحدٌ فيها شيئاً إلا أعطاه إياه))(٣). وأما من قال: إنه يمينُ الغضب، فإنه يردُّه حَلِفُ النَّبِيِّ وَّرِ غاضباً ألَّ يحملَ الأشعريين، وحملَهم وكفَّرَ عن يمينه. وسيأتي في ((براءة))(٤). قال ابن العربيّ(٥): وأما من قال: إنه اليمينُ المكفَّرةُ، فلا متعلَّق له يُحكى. وضَعَّفه ابن عطية أيضاً، وقال(٦): قد رفع الله عزَّ وجلَّ المؤاخذةَ بالإطلاق في اللَّغو، فحقيقتُها لا إثمَ فيه ولا كفَّارة، والمؤاخذةُ في الأيمان هي بعقوبة الآخرةِ في اليمين الغَمُوسِ المَصْبُورة (٧)، وفيما ترَكَ تكفيرَه مما فيه كفارة، وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة، فيضعفُ القولُ بأنها اليمينُ المكفَّرة، لأنَّ المؤاخذةَ قد وقعت فيها، وتخصيصُ المؤاخذةِ بأنها في الآخرة فقط تَحَكُم. (١) أحكام القرآن ٦٣٦/٢. (٢) في (د) و(م): قسمه، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ)، وهو الموافق لأحكام القرآن. (٣) أخرجه أحمد (٢٦٥٤٣)، ومسلم (٩٢٠) من حديث أم سلمة بنحوه، وأخرجه أيضاً مسلم (٣٠٠٩) من حديث جابر بنحوه. (٤) عند تفسير الآية: (٩٢) منها . (٥) أحكام القرآن ٢/ ٦٣٥. (٦) المحرر الوجيز ٣٠٢/١. (٧) اليمين الغموس هي اليمين الكاذبة الفاجرة، كالتي يقتطع بها الحالفُ مالَ غيره، سميت غموساً؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار، وفعول للمبالغة. النهاية (غمس). واليمين المصبورة هي التي ألزم بها الحالف وحُبس عليها، وقيل لها: مصبورة - وإن كان صاحبُها في الحقيقة هو المصبور - لأنه إنما صُبِرَ من أجلها، فوُصفت بالصبر وأُضيفت إليه مجازاً. النهاية (صبر).