النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ سورة البقرة : الآيتان ٢١٧، ٢١٨ التميميُّ عمرَ بنَ الحضرميِّ فقتله، وأسروا عثمانَ بن عبد الله والحكم بنَ کیْسان، وأَقْلَتَ نوفلُ بن عبد الله. ثم قدموا بالعِير والأسيرَيْن، وقال لهم عبد الله بن جحش: اعزلوا مما غَنِمْنا الخُمُسَ لرسول الله وََّ، ففعلوا، فكان أوَّلَ خُمُسٍ في الإسلام، ثم نزل القرآن: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فأقرَّ الله ورسولُه فعلَ عبدِ الله بن جحش، ورضيَه وسنَّه للأمة إلى يوم القيامة، وهي أوَّلُ غَنِيمةٍ غُنِمَتْ في الإسلام، وأوَّلُ أسيرَيْن(١)، وعمرو بنُ الحضرميِّ أوَّلُ قتيل. وأنكر رسول الله وَ﴿ قتلَ ابنِ الحضرميِّ في الشهر الحرام، فسُقط في أيدي القوم، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَمِ قِتَالٍ فِيَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾. وقَبِلَ رسول الله وَّهِ الفِداءَ في الأسيرَيْن، فأما عثمانُ بن عبد الله فمات بمكة كافراً، وأما الحگم بنُ گیْسان فأسلم، وأقام مع رسول الله ێے حتى استُشهد ببئر مَعُونة، ورجع سعدٌ وعتبةُ إلى المدينة سالِمَيْن. وقيل: إن انطلاق سعد بن أبي وَقَّاص وعُتْبةَ في طلب بعيرهما كان عن إذْنٍ من عبد الله بن جحش، وإن عمرو بن الحَضْرَميّ وأصحابَه لما رأوا أصحابَ رسول الله ﴿ هابوهم، فقال عبد الله بنُ جحش: إن القوم قد فَزِعوا منكم، فاخْلِقُوا رأسَ رجلٍ منكم فليتعرَّضْ لهم، فإذا رأَوه محلوقًا أمِنوا وقالوا: قومٌ عُمَّارٌ، لا بأس عليكم، وتشاوروا في قتالهم، الحديث(٢). وتفاءلت اليهود وقالوا: واقدٌ؛ وَقَدتِ الحربُ، وعمرٌو؛ عَمَرتِ الحربُ، والحضرميُّ؛ حَضَرتِ الحربُ. (١) في (خ) و(ظ) و(م): أمير، وفي (د) و(ز): أسير، والمثبت من الدرر ص٩٩، وانظر سيرة ابن هشام ٦٠٣/١. (٢) رواه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ١/ ٦٠١-٦٠٥، وأخرجه من طريق ابن إسحاق الطبري في تفسيره ٦٥٠/٣-٦٥٣، وفي تاريخه ٤١٠/٢-٤١٣، والبيهقي في دلائل النبوة ١٨/٣-٢٠، وانظر العجاب ٥٣٩/١-٥٤٢. ٤٢٢ سورة البقرة : الآيتان ٢١٧، ٢١٨ وبعث أهلُ مكة في فداء أسيرَيْهم، فقال: ((لا نُفْدِيهما (١) حتى يَقْدَم سعدٌ وعتبة، وإن لم يَقْدَما قتلناهما بهما)) فلما قَدِما فاداهما، فأما الحَكّم فأسلم، وأقام بالمدينة حتى قُتل يوم بئر مَعُونَة شهيداً، وأما عثمان فرجع إلى مكة، فمات بها كافراً، وأما نوفل فضرب بطنَ فرسه يوم الأحزاب ليدخلَ الخَنْدق على المسلمين؛ فوقع في الخندق مع فرسه، فتحظّما جميعاً، فقتله الله تعالى، وطلب المشركون جِيفتَه بالثَّمن، فقال رسول الله وَّهِ: ((خذوه، فإنه خبيثُ الجِيفة خبيثُ الدِّيَة)) فهذا سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَمِ﴾(٢). وذكر ابنُ إسحاق(٣) أن قَتْلَ عمرو بنِ الحضرميّ كان في آخر يوم من رجب؛ على ما تقدّم. وذكر الطبريُّ(٤) عن السُّدّيِّ وغيره أن ذلك كان في آخر يومٍ من جُمادى الآخرة، والأوَّلُ أشهر. على أن ابن عباس قد ورد عنه أن ذلك كان في أوَّل ليلةٍ من رجب، والمسلمون يظنُّونها من جُمادى. قال ابن عطيَّة(٥): وذكر الصاحبُ بنُ عَبَّاد(٦) في رسالته المعروفة بالأسديّة أن عبد الله بن جحش سُمِّيَ أميرَ المؤمنين في ذلك الوقت لكونه مؤمَّراً على جماعةٍ من المؤمنين. الثانية: واختلف العلماء في نسخ هذه الآية، فالجمهور على نسخها، وأن قتال المشركين في الأشهر الحُرُم مباحٌ(٧). واختلفوا في ناسخها، فقال الزهريُّ: نسخها ﴿وَقَئِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَنَّةٌ﴾ [التوبة: ٣٦]. وقيل: نَسَخها غَزْوُ النبيِّ وَّه تَقِيفًا في الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر (١) في النسخ الخطية: نفدهم، والمثبت من (م). (٢) تفسير البغوي ١/ ١٩٠. وأخرج قوله بذلفي: ((خذوه ... )) الإمام أحمد في مسنده (٢٢٣٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنه. (٣) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٦٠٣ . (٤) في تفسيره ٣/ ٦٥٥، وتاريخه ٤١٤/٢. (٥) في المحرر الوجيز ٢٨٩/١ وعنه نقل المصنف قول ابن إسحاق والطبري وابن عباس. (٦) إسماعيل بن عبّاد بن عيسى الطالقاني، أبو القاسم، الأديب الكاتب، وزير الملك مؤيّد الدولة بن بويه، صحب الوزير أبا الفضل بن العميد، فشُهر بالصاحب، مات سنة (٣٨٥هـ). سير أعلام النبلاء ٥١١/١٦. (٧) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٣٥/١. ٤٢٣ سورة البقرة : الآيتان ٢١٧، ٢١٨ إلى أَوْطَاس(١) في الشهر الحرام. وقيل: نَسَخَها بيعةُ الرِّضوان على القتال في ذي القَعدة، وهذا ضعيف، فإن النبيَّ ◌َّ لما بلغه قتلُ عثمان بمكة، وأنهم عازمون على حربه، بايع حينئذٍ المسلمين على دَفْعهم، لا على الابتداء بقتالهم(٢). وذكر البيهقيُّ(٣) عن عُروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أَثَرِ قصة الحضرميِّ: فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ النَّهْرِ الْحَرَمِ فِتَالٍ فِيَةٍ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ الآية، قال: فحدَّثهم الله في كتابه أن القتالَ في الشهر الحرام حرامٌ كما كان، وأن الذي يستحلُّون من المؤمنين هو أكبرُ من ذلك مِن صدِّهم عن سبيل الله حين يسجُنونهم ويعذِّبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله بَّر، وكفرِهم بالله، وصدِّهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحجّ والعُمْرةِ والصلاة فيه، وإخراجِهم أهلَ المسجد الحرام وهم سُكَّانُه من المسلمين، وفتنتهم إياهم عن الدِّين، فبلغنا أن النبيَّ وَّهِ عَقَل ابنَ الحَضْرَميِّ، وحرَّم الشهر الحرامَ كما كان يحرِّمُه، حتى أنزل الله عز وجل: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ﴾﴾. وكان عطاء يقول: الآية مُحْكمة، ولا يجوز القتال في الأشهر الحُرُم، ويحلف على ذلك؛ لأن الآيات التي وردت بعدها عامةٌ في الأزمنة، وهذا خاصٌّ، والعام لا ينسخُ الخاصَّ باتفاق(٤). وروى أبو الزُّبير عن جابر قال: كان رسول الله ◌َّه لا يُقاتِل في الشهر الحرام إلا أن يُغْزَى - أو يُغْزَوْا(٥) -. (١) أبو عامر: هو الأشعري، أخو أبي موسى رضي الله عنهما، بعثه رسول الله ◌َّ﴿ في آثار من توجّه قِبَل أوطاس - وهو وادٍ في ديار هوازن - في غزوة حُنين، انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٤٥٤، ومعجم البلدان ٢٨١/١. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٧/١. (٣) في دلائل النبوة ٣/ ١٧ -١٨. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١٤٧، وأخرجه الطبري ٦٦٣/٣، وضعّفه ابن عطية ٢٩٠/١. (٥) في (د): أو يغزوه، وفي (ز): يغزا، وليست في (م)، والمثبت من (خ) و(ظ). وأخرج الحديث أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٣٨٩) و(٣٩٠)، وأحمد (١٤٥٨٣)، والجصاص في أحكام القرآن ٣٢١/١، والطبري ٦٤٨/٣-٦٤٩ . ٤٢٤ سورة البقرة : الآيتان ٢١٧، ٢١٨ الثالثة: قوله تعالى: ﴿قِتَالٍ فِيَةٍ﴾ ((قتال)) بدلٌ عند سيبويه(١) بدل اشتمال، لأن السؤال اشتمل على الشهر وعلى القتال، أي: يسألك الكفارُ تَعجُّبًا من هتك حُرْمة الشهر، فسؤالُهم عن الشهر إنما كان لأجل القتال فيه. قال الزجاج(٢): المعنى: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام. وقال القُتَبيُّ(٣): يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل يجوز؟ فأبدل قتالاً من الشهر، وأنشد سيبويه(٤): فما كان قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحدٍ ولكنَّه بُنيانُ قومٍ تَهِدَّمَا وقرأ عكرمة: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قَتْلٍ فيه قُلْ قتلٌ» بغير ألف فيهما. وقيل: المعنى: يسألونك عن الشهر الحرام وعن قتالٍ فيه، وهكذا قرأ ابنُ مسعود، فيكون مخفوضاً بعن على التَّكرير، قاله الكسائيّ(٥). وقال الفرَّاء(٦): هو مَخفوضٌ على نيَّة ((عن)). وقال أبو عبيدة(٧): هو مخفوضٌ على الجوار. قال النخَّاس(٨): لا يجوز أن يُعربَ الشيءُ على الجوار في كتاب الله، ولا في شيء من الكلام، وإنما الجِوارُ غَلطٌ، وإنما وقع في شيءٍ شاذٌ، وهو قولهم: ((هذا جُخْرُ ضَبِّ خَرِبٍ))، والدليلُ على أنه غلطٌ قولُ العربِ في الَّنية: هذان جُحرا ضَبِّ خَرِبان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء، ولا يجوز أن يُحملَ شيءٌ من كتاب الله على (١) ينظر الكتاب ١٥١/١. (٢) في معاني القرآن ٢٨٩/١. (٣) في غريب القرآن ص٨٢، ونقله عنه المصنف وما قبله بواسطة تفسير أبي الليث ٢٠١/١. (٤) الكتاب ١٥٦/١، ونسبه لعَبْدَة بن الطّبيب، والبيت له في رثاء قيس بن عاصم المنقري في حماسة أبي تمام ص٧٩٢ (بشرح المرزوقي)، والأغاني ٢٦/٢١. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٧/١، وذكر قراءة عكرمة ابنُ خالويه في القراءات الشاذة ص١٣، والزمخشري ٣٥٧/١، وذكر قراءة ابن مسعود الفراء ١/ ١٤١، والطبري ٦٤٨/٣، والزمخشري ٣٥٧/١. (٦) في معاني القرآن ١/ ١٤١. (٧) في مجاز القرآن ٧٢/١. (٨) إعراب القرآن ٣٠٧/١، وعنه نقل المصنف كلام الفراء وأبي عبيدة. ٤٢٥ سورة البقرة : الآيتان ٢١٧، ٢١٨ هذا، ولا يكون إلا بأفصح اللُّغات وأصحّها . قال ابن عطية (١): وقال أبو عُبيدة: هو خَفضٌ على الجوار، وقولُه هذا خطأ . قال النحاس(٢): ولا يجوز إضمارُ عن، والقولُ فيه أنه بدل. وقرأ الأعرج: ((يَسْأَلُونكَ عَنِ الشَّهْرِ الحرام قتالٌ فيه)) بالرفع(٣). قال النحاس(٤): وهو غامضٌ في العربية، والمعنى فيه: يسألونك عن الشهر الحرام، أجائزٌ قتالٌ فيه؟ فقوله: ((يسألونك)) يدلُّ على الاستفهام، كما قال امرؤُ القيس: كلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّل(٥) أَصاحِ تَری بَرْقًا أُرِيكَ وَمِيضَه والمعنى: أترى برقًا، فحذف ألفَ الاستفهام؛ لأن الألف التي في ((أصاح)) تدلُّ عليها وإن كانت حرفَ النداء(٦)، كما قال الشاعر: تَروُحُ مِن الحَيِّ أم تَبْتَكِرْ (٧) والمعنى: أتروح، فحذف الألف؛ لأن (أم)) تدلُّ عليها(٨). الرابعة: قولُه تعالى: ﴿قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ابتداءٌ وخبر، أي: مُستَنكَر؛ لأن تحريمَ القتال في الشهر الحرام كان ثابتاً يومئذ، إذ كان الابتداءُ من المسلمين. والشهرُ في الآية اسمُ جنس، وكانت العربُ قد جعل الله لها الشهرَ الحرام قِواماً تعتدلُ عنده، فكانت لا تسفك دمًا، ولا تُغِيرُ في الأشهر الحُرُم، وهي: (١) في المحرر الوجيز ٢٩٠/١. (٢) في إعراب القرآن ٣٠٧/١. (٣) ذكر هذه القراءة دون نسبة النحاسُ والعكبريّ في إملاء ما منّ به الرحمن ٤٣٥/١، وأبو حيان ١٤٥/٢. (٤) إعراب القرآن ٣٠٨/١. (٥) البيت من معلّقته، وهو في ديوانه ص٢٤، وكتاب سيبويه ٢/ ٢٥٢. قوله: كلمع اليدّيْن؛ شبّه انتشار البرق وتشعُّبَه بحركة اليدين وتقليبهما، والحَبيُّ: ما عرض لك وارتفع من السحاب، والمكلَّل: الذي في جوانب السماء كالإكليل. قاله الأصمعيّ. (٦) في (د) و(م): نداء. (٧) وتمامه: وماذا عليك بأن تنتظِرْ، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص١٥٤، وقد سلف ٢٨٣/١. (٨) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٨/١. ٤٢٦ سورة البقرة : الآيتان ٢١٧، ٢١٨ رجب، وذو القَعْدة، وذو الحِجَّة، والمحرَّم(١)، ثلاث سَرْد، وواحد فَرْد. وسيأتي لهذا مزيدُ بيان في ((المائدة)) (٢) إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ابتداءٌ ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ عطفٌ على ((صدّ)) ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عطفٌ على سبيل الله ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ عطف على صدّ، وخبرُ الابتداء: ﴿أَكْبُرُ عِندَ اللَّّ﴾ أي: أعظمُ إثماً من القتال في الشهر الحرام (٣)، قاله المبرِّد وغيرُه(٤). وهو الصحيح؛ لطول منع الناس عن الكعبة أن يُطاف بها . ﴿وَكُفْرَّ بِهِ﴾ أي: بالله، وقيل: ﴿وَكُفْرَّ بِهِ﴾ أي: بالحجِّ والمسجدِ الحرام(٥)، ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ﴾ أي: أعظمُ عقوبةً عند الله من القتال في الشهر الحرام. وقال الفرَّاء (٦): ((صدِّ) عطفٌ على ((كبير))، ((والمسجد)) عطفٌ على الهاء في (به))، فيكون الكلام نسقًا متَّصلاً غير منقطع. قال ابن عطية(٧): وذلك خطأ، لأن المعنى يسوقُ إلى أن قوله: ((وكفر به)) أي: بالله، عطفٌ أيضاً على ((كبير))، ويجيءُ من ذلك أن إخراجَ أهلِ المسجد منه أكبرُ من الكفر عند الله، وهذا بيِّنٌ فسادُه(٨). ومعنى الآيةِ على قول الجمهور: إنكم يا كفار قريش تَستعظِمون علينا القتالَ في (١) المحرر الوجيز ٢٩٠/١. (٢) في تفسير الآية الثانية منها. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٨/١. (٤) انظر مجمع البيان ٢/ ١٩٧ . (٥) تفسير أبي الليث ١/ ٢٠١. (٦) في معاني القرآن ١/ ١٤١. (٧) في المحرر الوجيز ٢٩٠/١. (٨) قال أبو حيان في البحر ١٤٩/٢ بعد ذكر كلام ابن عطية: وليس كما ذكر، ولا يتعين ما قاله من أن ((وكفر به)) عطفٌ على ((كبير))، إذ يحتمل أن يكون الكلام قد تمّ عند قوله: ((وصد عن سبيل الله))، ويكون قد أخبر عن القتال في الشهر الحرام بخبرين؛ أحدهما أنه كبير، والثاني أنه صد عن سبيل الله، ثم ابتدأ فقال: والكفر بالله وبالمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله من القتال الذي هو کبیر، وهو صد عن سبيل الله، وهذا معنى سائغ حسن ... وانظر تتمة كلامه. ٤٢٧ سورة البقرة : الآيتان ٢١٧، ٢١٨ الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم من الصدِّ عن سبيل الله لمَن أراد الإسلامَ، ومِن كُفركُم بالله، وإخراجِكم أهلَ المسجد منه، كما فعلتُم برسول الله وَّرِ وأصحابِهِ أكبرُ جُزْماً عند الله(١). وقال عبد الله بن جحش رضي الله عنه : وأعظمُ منه لو يَرَى الرُّشدَ راشِدُ تَعُدُّون قَتْلًا في الحرام عظيمةٌ وكُفرٌ به واللهُ راءٍ وشاهدُ صُدُودُكُمُ عمَّا يقولُ محمدٌ لئلا يُرَى لله في البيت ساجدُ وإخراجُكم من مسجد الله أهلَه وأرجفَ بالإسلام باغٍ وحاسدُ فإنّا وإنْ عيَّرتُمونا بقَتْله بنَخْلَةَ لمَّا أوْقَدَ الحَربَ واقِدُ سَقَيْنَا من ابنِ الحَضْرَميِّ رماحَنا دَمًا وابنُ عبد الله عثمانُ بيننا يُنازعه غُلٌّ من القِدِّ عائِدُ(٢) وقال الزهريُّ ومجاهد وغيرُهما: قوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ منسوخٌ بقوله: ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، وبقوله: ﴿فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. وقال عطاء: لم يُنسخ، ولا يَنبغي القتالُ في الأشهر الحرم، وقد تقدَّم(٣). السادسة: قوله تعالى: ﴿وَأَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلُّ﴾ قال مجاهد وغيره: الفتنةُ هنا الكفرُ، أي: كفرُكم أكبرُ من قتلنا أولئك. وقال الجمهور: معنى الفتنة هنا: فتنتُهُم المسلمين عن دينهم حتى يَهلِكُوا، أي: إن ذلك أشدُّ اجتراماً من قتلكم في الشهر الحرام(٤). السابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾ ابتداءُ خبرٍ من الله تعالى، وتحذيرٌ منه للمؤمنين من شرِّ الكَفَرة(٥). قال مجاهد: يعني كفار قريش(٦). و((يردُّوكم)) نصب (١) المحرر الوجيز ٢٩٠/١. (٢) رواها ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٦٠٥/١-٦٠٦. (٣) المحرر الوجيز ٢٩٠/١، وتقدم في المسألة الثانية. (٤) المحرر الوجيز ٢٩٠/١، وأخرج الطبري ٦٥٩/٣ و٦٦٠ الأثر عن مجاهد والشعبي وقتادة. (٥) المحرر الوجيز ٢٩١/١. (٦) أخرجه الطبري ٦٦٥/٣ . ٤٢٨ سورة البقرة : الآيتان ٢١٧، ٢١٨ بحتى، لأنها غايةٌ مجرَّدة(١). الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ﴾ أي: يرجع عن الإسلام إلى الكفر. ﴿فَأُؤْلَكَ حَبِطَتْ﴾ أي: بَطلت وفَسدت، ومنه الحبَطَ؛ وهو فسادٌ يَلحَقُ المواشي في بطونها من كثرة أَكلها الكلاَ، فتنتفخُ أجوافُها، وربما تموت من ذلك(٢) فالآيةُ تهديدٌ للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام. التاسعة: واختلف العلماء في المرتدّ هل يُستتاب أم لا؟ وهل يَحبَطُ عملُه بنفس الرِّدَّة أم لا، إلا على الموافاة على الكفر؟ وهل يُورث أم لا؟ فهذه ثلاث مسائل: الأولى: قالت طائفةٌ: يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل(٣)، وقال بعضهم: ساعةً واحدة. وقال آخرون: يُستتاب شهراً. وقال آخرون: يُستتاب ثلاثاً، على ما رُوي عن عمرَ وعثمان، وهو قول مالك رواه عنه ابنُ القاسم. وقال الحسن: يُستتاب مئةً مرَّةً (٤)، وقد رُويَ عنه أنهُ يقتلُ دون استتابة، وبه قال الشافعيُّ في أحد قولَيه، وهو أحدُ قولَي طاوس وعُبيدٍ بن عُمير(٥). وذكر سُخنون أن عبد العزيز بنَ أبي سَلَمة الماجِشُون كان يقول: يُقتل المرتدُّ ولا يُستَتاب، واحتجَّ بحديث معاذ وأبي موسى (٦)، وفيه: أن النبيَّ ◌َّ لما بعثَ أبا موسى إلى اليمن أَتبعه معاذ بن جبل، فلما قَدِم عليه قال: انزل، وألقى إليه وِسادة، وإذا رجلٌ عنده مُوثَق، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديًّا فأسلم، ثم راجعَ دينَه دينَ السَّوء فتهوَّد. قال: لا أجلسُ حتى يُقتلَ، قضاءُ الله ورسوله، فقال: اجلس. قال: لا أجلسُ حتى يُقتلَ، قضاءُ الله ورسولِه - ثلاث مرات - فأمرَ بهِ فقُتل، خرَّجَه مسلم وغيره(٧). (١) المحرر الوجيز ٢٩١/١. (٢) انظر الصحاح (حبط). (٣) المحرر الوجيز ٢٩١/١. (٤) الاستذكار ١٣٩/٢٢-١٤٠ و١٤٥-١٤٦، والتمهيد ٣٠٦/٥-٣٠٩ و٣١١. (٥) المحرر الوجيز ٢٩١/١. (٦) الاستذكار ١٤٥/٢٢، والتمهيد ٣١١/٥. (٧) صحيح مسلم (١٧٣٣): (١٥) كتاب الإمارة ص١٤٥٦، وصحيح البخاري (٦٩٢٣)، وهو في مسند أحمد (١٩٦٦٦). ٤٢٩ سورة البقرة : الآيتان ٢١٧، ٢١٨ وذكر أبو يوسف عن أبي حنيفة أن المرتدَّ يُعرض عليه الإِسلامُ، فإن أسلم وإلا قُتل مكانه، إلا أن يَطلبَ أن يُؤْجَّل، فإن طلب ذلك أُجِّل ثلاثةَ أيام، والمشهورُ عنه وعن أصحابه أن المرتدَّ لا يُقتل حتى يُستتاب. والزنديقُ عندهم والمرتدُّ سواء. وقال مالك: وتُقُتل الزنادقةُ ولا يُستتابون(١). وقد مضى هذا أوَّلَ ((البقرة))(٢). واختلفوا فيمن خرج من كفر إلى كفر، فقال مالك وجمهور الفقهاء: لا يُتعرَّضُ(٣) له، لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الابتداء لأُقرَّ عليه. وحكى ابنُ عبد الحكم عن الشافعيِّ أنه يُقتل؛ لقوله وَلّ: ((من بدَّل دينه فاقتلوه)»(٤) ولم يخصَّ مسلماً من كافر. وقال مالك: معنى الحديث: مَن خرجَ من الإسلام إلى الكفر، وأما مَن خرج من كفر إلى كفر فلم يُعنَ بهذا الحديث(٥)، وهو قولُ جماعةٍ من الفقهاء. والمشهورُ عن الشافعيِّ ما ذكره المُزَنِيُّ والربيع أن المبدِّلَ لدينه من أهل الذمة يُلحِقُه الإمام بأرض الحرب، ويُخرجُه من بلده، ويستحلُّ مالَه مع أموال الحربيِّين إن غلبَ على الدار؛ لأنه إنما جعل له الذِّمَّةَ على الدِّين الذي كان عليه في حين عَقْد العهد(٦). واختلفوا في المرتدَّة: فقال مالك والأوزاعيُّ والشافعيُّ والليثُ بن سعد: تُقتَل كما يُقتَل المرتدُّ سواء، وحجَّتُهم ظاهرُ الحديث: ((من بدَّل دينه فاقتلوه)). و((مَن)) تَصلُح للذَّكَر والأُنثى. وقال الثوريُّ وأبو حنيفة وأصحابُه: لا تُقتل المرتدَّة، وهو قولُ ابنِ شُبْرُمة، وإليه ذهب ابنُ عُلَيَّة، وهو قولُ عطاء والحسن. واحتجُوا بأن ابن عباس روى عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((من بدَّل دينَه فاقتلوه)) ثم إن ابن عباس لم يَقتُل المرتدَّة، ومَن روى حديثاً كان أعلمَ بتأويلِه، ورُوِيَ عن عليّ مثلُه(٧). ونَهى ◌َِّ عن (١) الاستذكار ١٤٦/٢٢-١٤٧، والتمهيد ٣١٠/٥-٣١١. (٢) ٣٠٣/١. (٣) في (خ) و(ز) و(ظ): يُعرض. (٤) أخرجه أحمد (١٨٧١)، والبخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٥) انظر الموطأ ٧٣٦/٢. (٦) التمهيد ٣١١/٥-٣١٢، والاستذكار ١٣٨/٢٢-١٣٩. (٧) أخرجه الدارقطني في سننه ٣/ ٢٠٠ من طريق خلاس بن عمرو، عن علي رضي الله عنه قال: المرتدّة تُستأنى ولا تُقتل. قال الدارقطني: خِلاس عن علي لا يحتج به لضعفه. ٤٣٠ سورة البقرة : الآيتان ٢١٧، ٢١٨ قتل النساء والصبيان، واحتجَّ الأَوَّلون بقوله وَّهِ: ((لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفرٍ بعد إيمان ... ))(١) فعمَّ كلَّ مَن كفر بعد إيمانه، وهو أصحُ(٢) . العاشرة: قال الشافعيُّ: إن مَن ارتدَّ ثم عاد إلى الإسلام لم يَحبَط عملُه ولا حَجُّه الذي فَرِغْ منه، بل إن مات على الرَِّّة فحينئذ تَحبط أعمالُه. وقال مالك: تَحبط بنفْسِ الرِّدَّة، ويَظهر الخلافُ في المسلم إذا حجَّ، ثم ارتدَّ، ثم أسلم، فقال مالك: يلزمُه الحجُّ؛ لأن الأوَّل قد حَبِطَ بالرِّدَّة. وقال الشافعيُّ: لا إعادةَ عليه؛ لأن عملَه باقٍ. واستظهر علماؤنا بقوله تعالى: ﴿لَبِنَّ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. قالوا: وهو خطابٌ للنبيِّ وَّهِ والمرادُ أمتُه؛ لأنه عليه السلام يستحيل منه الرِّدَّةُ شرعاً. وقال أصحابُ الشافعيّ: بل هو خطاب للنبيِّ وَ﴾(٣) على طريق التَّغليظِ على الأمة، وبيانُ أن النبيَّ وَ﴿ على شرف منزلته لو أشرك لَحَبِطَ عملُه، فكيف أنتم؟! لكنه لا يُشرك لفضل مرتبتِهِ (٤)، كما قال: ﴿يَنِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ تُبِِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] وذلك لشرف منزلَتِهِنَّ، وإلا فلا يُتَصوَّر إِيانُ [فاحشةٍ] منهنَّ، صيانةً لزوجهنَّ المُكَرَّمِ المُعَّم. ابنُ العربي(٥) . وقال علماؤنا: إنما ذكر الله الموافاةَ شرطاً هاهنا لأنه علَّق عليها الخلود في النار جزاءً، فمَن وافَى على الكفر خلَّده الله في النار بهذه الآية، ومَن أشرك حَبِطَ عملُه بالآية الأخرى، فهما آيتان مفيدتان لمعنِّين وحُكْمَين متغايرَيْن، وما خوطب به عليه السلام فهو لأمته حتى يَثبتَ اختصاصُه، وما ورد في أزواجه فإنما قيل ذلك فيهنَّ ليُبيِّنَ أنه لو تُصوّر لكان هَتْكان؛ أحدهما: لحُرْمة الدِّين، والثاني: لحرمةٍ النبيِّي ◌َّهِ، ولكلِّ هَتْكِ حُرْمَةٍ عقابٌ، ويُنزَّلُ ذلك منزلةَ مَن عصى في الشهر الحرام، (١) سلف الحديث الأول ص ٢٣٨ من هذا الجزء، والثاني ٢٧٩/٢. (٢) التمهيد ٣١٢/٥-٣١٤. (٣) من قوله: والمراد أمته، إلى هذا الموضع ليس في (ز) و(ظ). (٤) من قوله: وبيان أن، إلى هذا الموضع ليس في (د). (٥) أحكام القرآن ١٤٧/١-١٤٨، والكلام منه من أول المسألة العاشرة. ٤٣١ سورة البقرة : الآيتان ٢١٧ ، ٢١٨ أو في البلد الحرام، أو المسجد الحرام، يُضاعَفُ عليه العذابُ بعدد ما هَتك من الحُرُمات(١). والله أعلم. : الحادية عشرة: وهي اختلافُ العلماء في ميراث المرتدِّ، فقال عليّ بن أبي طالب والحسن والشَّعبيُّ والحَكَم واللَّيثُ وأبو حنيفة وإسحاق بن رَاهَوَيْه: ميراثُ المرتدِّ لورثته من المسلمين. وقال مالك وربيعة وابنُ أبي لَيْلَى والشافعيُّ وأبو ثور: ميراثُه في بيت المال(٢). وقال ابنُ شُبْرُمَة وأبو يوسف ومحمد والأوزاعيُّ في إحدى الروايتين: ما اكتسبه المرتدُّ بعد الردّة فهو لورثته المسلمين. وقال أبو حنيفة: ما اكتسبه المرتدُّ في حال الردة فهو فَيْءٌ، وما كان مكتسباً في حالة الإسلام ثم ارتدّ، يرثه ورثتُه المسلمون، وأما ابن شُبْرُمَةَ وأبو يوسف ومحمد فلا يُفصِّلون بين الأمرَين، ومطلقُ قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا وِراثة بين أهل مِلَّتين))(٣) يدلُّ على بطلان قولهم(٤). وأجمعوا على أن ورثته من الكفار لا يرثونه، سوى عمر بن عبد العزيز فإنه قال: يرثونه(٥). الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ الآية. قال جُندُب بن عبد الله وعُروة بن الزبير وغيرهما: لمَّا قَتَل واقدُ بنُ عبد الله التميميُّ عمرَ بنَ الحضرميِّ في الشهر الحرام تَوقَّف رسولُ اللهِ وَِّ عن أخذ خُمُسه الذي وُفِّق في فرضِه له عبدُ الله بن جحش وفي الأسيرين، فعَّفَ المسلمون عبدَ الله بن جحش وأصحابَه، حتى شَقَّ ذلك عليهم، فتلافاهم الله عزَّ وجلَّ بهذه الآية في الشهر الحرام، وفرَّج عنهم، وأخبر أن لهم ثوابَ مَن هاجر وغزا، فالإشارةُ إليهم في قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا))، ثم هي باقيةٌ في كلِّ مَن فعل ما ذكره الله عز وجل(٦). (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٨/١. (٢) المحرر الوجيز ٢٩١/١. (٣) سلف تخريجه ٣٤٦/٢. (٤) انظر المفهم ٤ /٥٦٨، والمحلى ٣٠٥/٩-٣٠٦. (٥) المحرر الوجيز ٢٩١/١. (٦) المحرر الوجيز ٢٩١/١. ٤٣٢ سورة البقرة : الآيتان ٢١٧ ، ٢١٨ وقيل: إن لم يكونوا أصابوا وِزْراً فليس لهم أجرٌ، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ إلى آخر الآية (١). والهِجرةُ معناها: الانتقالُ من موضع إلى موضع، وقصدُ تركِ الأوَّل إيثاراً للثاني. والهَجْرُ ضدُّ الوَصْلِ. وقد هَجَرَه هَجْراً وهِجْرانًا، والاسمُ الهِجْرةُ. والمُهاجَرة من أرضٍٍ إلى أرضٍ: تركُ الأولى للثانية. والتَّهاجُر: التَّقاطُعُ(٢). ومَنْ قال: المُهاجَرة الانتقالُ من البادية إلى الحاضرة فقد أَوهمَ؛ بسبب أن ذلك كان الأغلبَ في العَرب، وليس أهلُ مكة مهاجِرين على قوله(٣). ((وجاهد)» مُفاعلةٌ مِن جَهَد: إذا استخرج الجَهْد، مُجاهدَةً وجِهاداً. والاجتهادُ والتَّجاهُدُ: بَذل الوُسْعِ والمَجهودِ. والجهاد (بالفتح): الأرض الصُّلبة(٤). ((ويرجون)) معناه: يَطمعون ويَستقرِبون. وإنما قال: ((يرجون)) وقد مدحهم؛ لأنه لا يعلم أحدٌ في هذه الدنيا أنه صائرٌ إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كلَّ مَبلَغ؛ لأمرين: أحدهما: لا يَدري بما يُختم له. والثاني: لئلّا يَتَّكِلَ على عمله. والرَّجاء تَنَعُم(٥)، والرجاءُ أبدًا معه خوفٌ ولا بُدَّ، كما أن الخوفَ معه رجاء(٦). والرَّجاءُ من الأَمَلِ ممدودٌ، يُقال: رَجَوتُ فلانًا رَجْوَاً وَرَجَاءً ورَجَاوَةً، يُقال: ما أتيتُك إِلا رَجَاوَةً الخيرِ، وتَرَجَّيتُه وارْتَجيتُه ورَجَّيتُه؛ كلُّه بمعنَى رَجَوته، قال بِشرٌّ (٧) يخاطب بنتَه: فَرَجِّي الخيرَ وانتظري إيابي إذا ما القارِظُ العَنَزِيُّ آبا (١) أخرجه الطبري ٦٦٨/٣ من حديث جندب بن عبد الله، وهو من تمام حديثه السالف في المسألة الأولى. (٢) الصحاح (هجر). (٣) المحرر الوجيز ٢٩١/١. (٤) الصحاح (جهد)، والمحرر الوجيز ٢٩١/١. (٥) في (م): ینعم. (٦) المحرر الوجيز ٢٩٢/١، وانظر معاني القرآن للنحاس ١/ ١٧٠. (٧) هو بشر بن أبي خازم، والبيت في ديوانه ص٧٤، وانظر جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري ١/ ١٢٣. ٤٣٣ سورة البقرة : الآية ٢١٩ وما لي في فُلانٍ رَجِيَّةٌ، أي: ما أرجو. وقد يكون الرَّجْوُ والرَّجاءُ بمعنى الخوف، قال الله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرَّجُونَ لِلَّهِ وَقَارَا﴾ [نوح: ١٣]، أي: لا تخافون عظمةَ الله، قال أبو ذُؤَيب: وخالفَهَا في بَيت نُوبٍ عَوامِلٍ(١) إذا لسعَتْهُ النَّحِلُ لم يَرْجُ لَسْعَها أي: لم يخفْ ولم يُبالِ. والرَّجا مقصورٌ: ناحيةُ البئرِ وحافَتاها، وكلُّ ناحيةٍ رَجًا(٢). والعَوَامُّ من الناس يخطؤون في قولهم: يا عظيمَ الرَّجَا، فَيَقْصُرون ولا يَمدُّون. قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِنٌْ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَّا وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا ◌ِنْمُ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَّا﴾. فيه تسع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ﴾ السَّائلون هم المؤمنون، كما تقدَّم. والخمر مأخوذةٌ من خَمَر: إذا ستر، ومنه خِمارُ المرأة. وكلُّ شيءٍ غَطَّ شيئًا، فقد خَمّره، ومنه: ((خَمِّرُوا آنِيَتَكم))(٣)، فالخمر تَخْمُر العقلَ، أي: تُغطّيه وتستُره، ومن ذلك الشَّجر الملتفُّ، يقال له: الخَمَر - بفتح الميم - لأنه يُغَطّي ما تحته ويستره، يقال منه: أَخْمَرتِ الأرضُ: كثُر خَمَرُها، قال الشاعر: (١) شرح أشعار الهذليين ص ١٤٠، وتخريجه فيه ص١٣٨١، قوله: وخالفها: يريد جاء إلى عسلها من ورائها لما سرحت في المرعى، والنوب: النحل لا واحد له، وعوامل: أي: تعمل العَسَل، يقول: إذا لسعت النحلُ هذا المشتار لم يَخَفْ لسعَها، ولم يُبالِ بها، ولازمها في بيتها حتى قضى وَطرَه من مُعَسَّلِها. قاله البغدادي في خزانة الأدب ٤٩٩/٥ . (٢) الصحاح (رجا). (٣) قطعة من حديث جابر أخرجه أحمد (١٥١٦٧)، والبخاري (٣٣١٦)، ومسلم (٢٠١٢) بلفظ «خمِّرُوا الآنية)). ٤٣٤ سورة البقرة : الآية ٢١٩ ألَا يا زيدُ والضَّخَّاكُ سِيرًا فقد جاوزتُما خَمَرَ الطَّريقِ(١) أي: سِيرًا مُدِلِّين، فقد جاوزتُما الوَهْدةَ(٢) التي يستتر بها الذّئبُ وغيرُه. وقال العَجَّاج يصف جيشاً يمشي برايات وجيوشٍ غيرَ مُستخْفٍ : في لامعِ العِقْبان(٣) لا يمشِي الخَمَرْ يُوجِّه الأرضَ ويَسْتاقُ الشَّجَرْ(٤) ومنه قولهم: دخل في غُمار الناس وخُمارهم، أي: هو في مكان خافٍ. فلمَّا كانت الخمرُ تستُر العقلَ وتُغطّيه سُمِّيت بذلك(٥). وقيل: إنما سُمِّيت الخمرُ خمرًا؛ لأنها تُركت حتى أدركت، كما يقال: قد اختَمر العجين، أي: بلغ إدراكه. وخُمِر الرأي، أي: تُرك حتى يتبيَّن فيه الوجه. وقيل: إنما سُمِّيت الخمر خمرًا؛ لأنها تخالط العقل، من المخامرة، وهي المخالطة، ومنه قولهم: دخلت في خُمار الناس، أي: اختلطتُ بهم (٦). فالمعاني الثلاثةُ متقاربة، فالخمر تُركت وخُمِرت حتى أدركتْ، ثم خالطت العقلَ، ثم خَمرتْه، والأصلُ الستر. والخَمْر: ماءُ العنبِ الذي غَلَى أو طُبخ، وما خامَر العقلَ من غيره فهو في حُكمه؛ لأنَّ إجماع العلماء أنَّ القِمار كلَّه حرام. وإنما ذُكر المَيْسِر من بينه، فجعل كلُّه قياسًا على الميسر، والميسر إنما كان قِمارًا في الجُزُر خاصَّة، فكذلك كلُّ ما كان كالخمر، فهو بمنزلتها (٧). (١) لم نقف على قائله، وأورده الهروي في الأُزهيّة ص١٦٥ (وفيه: سَيْراً)، وابنُ فارس في مقاييس اللغة ٢١٦/٢، وابن يعيش في شرح المفصل ١٢٩/١، وقال: يروى برفع الضحاك ونصبه، ولولا أن موضعه [أي المنادى] نصب، لما جاز النصب في نعته وما عطف عليه. (٢) الوَهْدة: الأرض المنخفضة، والهُوَّةُ من الأرض. القاموس (وهد). (٣) في (خ) و(د) و(ظ): العقيان، (بالياء)، وجاء في هامش (ظ): العقيان: الخالص من الذهب ويقال: هو مما ينبت نباتاً، وليس مما يحصل من الحجارة. ووقعت هذه الزيادة في متن (خ). وانظر التعليق التالي. (٤) ديوان العجاج ص ٨١، قال الأصمعي في شرحه: اللامع: الجيشُ الذي تلمع راياته فيه، أي: في جيش لا مع العقبان، والواحدة: عُقاب، فيقول: هذا جيش تخفق راياته وتلمع، والخَمَر: ما واراك من شيء؛ يقول: لا يأتي مستتراً. (٥) المحرر الوجيز ٢٩٢/١. (٦) ينظر مقاييس اللغة ٢١٥/٢، وتفسير الطبري ٦٦٩/٣. (٧) المحرر الوجيز ٢٩٢/١. قوله: جُزُر، هو جمع جَزُور، وهو اسم للذكر والأنثى من الإبل. ٤٣٥ سورة البقرة : الآية ٢١٩ الثانية: والجمهور من الأمَّة على أنَّ ما أسكر كثيرُه من غير خمرِ العنب؛ فمحرَّمٌ قليله وكثيرُه، والحدُّ في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة والثَّوريُّ وابنُ أبي لَيْلَى وابن شُبْرُمَةَ وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيرُه من غير خمرِ العنب [فما لا يُسكر منه] فهو حلال، وإذا سَكِر منه أحدٌ دون أنْ يتعمَّد الوصولَ إلى حدٍّ السُّكر، فلا حدَّ عليه. وهذا ضعيفٌ يردُّه النظرُ والخبر(١)، على ما يأتي بيانه في ((المائدة والنحل)) إن شاء الله تعالى(٢). الثالثة: قال بعض المفسرين(٣): إنَّ الله تعالى لم يَدَعْ شيئاً من الكرامةِ والبِرِّ إلا أعطاه هذه الأمةً، ومن كرامته وإحسانِه أنه لم يُوجبْ عليهم الشرائعَ دفعةً واحدة، ولكنْ أوجب عليهم مرَّةً بعد مرَّة؛ فكذلك تحريمُ الخمر. وهذه الآية أوَّلُ ما نزل في أمر الخمر، ثم بعده: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، ثم قولُه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنْهُم مُّنْنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، ثم قولُه: ﴿إِنََّ الَّْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْكُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنْبُوهُ﴾ (٤) [المائدة: ٩٠] على ما يأتي بيانه في ((المائدة)). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَالْبَيِيرُ﴾ الميسر: قِمارُ العرب بالأزلام. قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجلَ على أهله ومالِهِ، فأيُّهما قَمَر صاحبه ذهب بماله وأهله، فنزلت الآية(٥). وقال مجاهد ومحمد بنُ سِيرِين والحسن وابنُ المسيّب وعطاء وقَتادةُ ومعاوية بن صالح وطاوس وعليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس أيضاً: كلُّ شيءٍ فيه (١) المحرر الوجيز ٢٩٢/١، وما بين حاصرتين منه. (٢) عند الآية: ٩٠ من المائدة، والآية: ٦٧ من النحل. (٣) تفسير أبي الليث ٢٠٣/١. (٤) كذا قال المصنف رحمه الله، ومثله ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٩٢/١-٢٩٣، ولم يذكر أحد من المفسرين (ومنهم أبو الليث الذي نقل عنه المصنف) أن آية: ﴿إِنَّاَ لْفَتُ وَالْمَيْسِرُ .. ﴾ نزلت بعد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ .. ﴾ والله أعلم. (٥) أخرجه الطبري ٣/ ٦٧٤ . ٤٣٦ سورة البقرة : الآية ٢١٩ قمارٌ من نَرْد وشَظْرَنْج؛ فهو المَيْسِر، حتى لعب الصِّبيان بالجَوْز والكِعاب(١)، إلا ما أُبيح من الرِّهان في الخيل والقُرْعةِ في إفراز الحقوق، على ما يأتي. وقال مالك: المَيْسِر مَيْسِران: مَيْسِر اللَّهو، وميسر القِمار، فمن مَيْسر اللَّهوِ النَّرْدُ والشَّطرنج، والملاهي كلُّها. وميسر القمار: ما يَتخاطَر النَّاس عليه. قال علي بنُ أبي طالب (٢): الشَّطرنج مَيْسِرُ العجم. وكلُّ ما قُومِر به فهو مَيسر عند مالكٍ وغيرِه من العلماء. وسيأتي في ((يونس)) زيادةُ بيانٍ لهذا البابِ إنْ شاء الله تعالى(٣). والمَيْسِرُ مأخوذٌ من اليَسَر، وهو وجوبُ الشَّيءِ لصاحبه، يقال: يَسَر لي كذا: إذا وجب، فهو يَيْسِر يَسَراً ومَيْسراً. والياسر: اللاعبُ بالقِداح، وقد يَسَر بَيْسِر، قال الشاعر: فأعِنْهُمُ وَايْسِرْ بما يَسَرُوا به وإِذا هُمُ تَزِلُوا بضَنْكِ فَانْزِلِ(٤) وقال الأزهريُّ(٥): الميسر: الجزورُ الذي كانوا يتقامرون عليه، سُمِّي ميسراً؛ لأنه يُجَزَّأ أجزاء، فكأنه موضعُ النَّجزئة، وكلُّ شيءٍ جَزَّأْتَه فقد يَسَرتَه. والياسِر: الجازر؛ لأنه يُجزِّئُ لحمَ الجَزُور. قال: وهذا الأصلُ في الیاسر، ثم يقال للضاربین بالقداح والمتقامِرین علی الجزور: یاسِرون؛ لأنهم جازرون إذْ کانوا سببًا لذلك. وفي الصِّحاح(٦): ويَسَر القومُ الجزورَ، أي: اجتزروها واقتسموا أعضاءها. قال سُخَیم بنُ وَثيل اليربوعيُّ : ألم تَيْأسُوا أَنِّي ابنُ فَارِسِ زَهْدَم(٧) أقولُ لهم بالشِّعْب إِذْ يَيْسِرُونني (١) انظر تفسير البغوي ٣٢٤/١، والمحرر الوجيز ٢٩٤/١. (٢) أورده ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٩٠. (٣) عند تفسير الآية (٣٢) منها. (٤) ورد البيت في الصحاح، واللسان (يسر) من غير نسبة. (٥) في تهذيب اللغة ١٣/ ٦٠. (٦) مادة (يسر). (٧) البيت في المعاني الكبير ١١٤٨/٢، وتأويل مشكل القرآن، كلاهما لابن قتيبة ص١٤٨، وتهذيب اللغة ٦٠/١٣، والمحرر الوجيز ٢٩٢/١، واللسان (يسر) و(زهدم). قوله: ألم تيأسوا، قال ابن قتيبة: أي := ٤٣٧ سورة البقرة : الآية ٢١٩ كان قد وقع عليه سِباءٌ، فضُرب عليه بالسِّهام. ويقال: يَسَر القومُ إذا قامروا. ورجل يَسَرٌ وياسِرٌ بمعنّى. والجمع أيسار، قال النابغة : أني أُتمِّمُ أَيْسارِي وأَمنحُهم مَثْنَى الأيادِي وأَكْسُو الجَفْنَةَ الأدَما(١) وقال طَرِفَة : وهُمُ أيْسارُ لقمانٍ إذا أَغْلَتِ الشَّْوَةُ أَبْدَاءَ الجُزُرْ(٢) وكان من تطوّع بنحرها ممدوحًا عندهم، قال الشاعر: وناجيةٍ نحرتُ لقوم صدقٍ وما ناديتُ أيْسارَ الجَزورِ(٣) الخامسة: رَوى مالك في الموظّأ(٤) عن داود بنِ الحُصين(٥) أنه سمع سعيد بنّ المسيِّب يقول: كان مِن مَيْسِر أهلِ الجاهلية بيعُ اللحم بالشاة والشاتين، وهذا محمولٌ عند مالكِ وجمهورٍ أصحابه في الجنس الواحد، حيوانه بلحمه، وهو عنده من باب المُزَابنة والغَرَر(٦) والقِمار؛ لأنه لا يُدرَى هل في الحيوان مثلُ اللحم الذي أعطى أو أقلُّ أو أكثر، وبيعُ اللحم باللحم لا يجوز متفاضلاً، فكان بيعُ الحيوان = ألم تعلموا. اهـ. وبهذا اللفظ وقع في اللسان. وقال ابن منظور: قوله: يَبْسِرونني، أي: يُجزِّئونني ويقتسمونني. وقال: زهدم اسم فرس، وفارسه يقال له: فارس زهدم؛ قال ابن برّي: زهدم اسم لفرس سحیم بن وثیل، وفيه يقول ابنه جابر ... وذكر البيت. (١) ديوان النابغة ص١٠٢، قال ابن قتيبة في المعاني الكبير ١١٥٨/٣: يقول: إنْ نقصَ أيسارُ الجزور - وهم المتقامرون - أخذت ما بقي فتممتهم، والأدم جمع أديم (وهو الطعام). (٢) ديوان طرفة ص٥٩. قوله: الشتوة، أي: الشتاء. قال ابن قتيبة في المعاني الكبير ١١٥٢/٢: يعني إذا شَرُف الأيسار، وعظُم أمرهم قيل: هم أيسار لقمان، يعنون لقمان بنَ عاد، أبداء الجزور: أشرف أعضائها . (٣) البيت في الأمالي ١٨/١، وسمط اللآلي ٨٦/١، وروايته فيهما: وراحلةٍ نحرتُ لِشَرْب صدقٍ. قوله: ناجية: أي: الناقة السريعة. (٤) ٢/ ٦٥٥. (٥) في (م): حُصين. (٦) قوله: المزابنة، أي: بيعُ الرطب في رؤوس النخل بالتمر. والغَرَر: هو ما كان له ظاهر يغرُّ المشتري، وباطن مجهول. النهاية (زين) (غرر). ٤٣٨ سورة البقرة : الآية ٢١٩ باللحم كبيع اللحم المُغيَّب في جلده [بلحم] إذا كان من جنس واحد، والجنسُ الواحد عنده الإبلُ والبقر والغنم والظّباء والؤُعُول وسائر الوحوش. وذواتُ الأربع المأكولاتُ كلُّها عنده جنسٌ واحد، لا يجوز بيعُ شيءٍ من حيوانِ هذا الصِّنفِ والجنسِ كلِّه بشيءٍ من لحمه(١) بوجه من الوجوه؛ لأنه عنده من باب المُزَابنة، كبيع الزبيبٍ بالعنب، والزيتونِ بالزيت، والشِّيرَج بالسِّمْسِم، ونحوِ ذلك. والطير عنده كلُّه جنسٌ واحد، وكذلك الحيتان من سمك وغيره. ورُوي عنه أنَّ الجراد وحده صِنفٌ. وقال الشافعيُّ وأصحابه واللَّيث بن سعد: لا يجوز بيعُ اللحم بالحيوان على حالٍ من الأحوال، من جنس واحدٍ كان أم من جنسين مختلفين، على عموم الحديث. ورُوي عن ابن عباس أنَّ جَزورًا نُحرت على عهد أبي بكر الصِّدِّيق، فقُسمت على عشرة أجزاء، فقال رجل: أعطوني جزءًا منها بشاةٍ، فقال أبو بكر: لا يصلُح هذا(٢). قال الشافعيُّ: ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفًا من الصحابة . قال أبو عمر (٣): قد رُويّ عن ابن عباس أنه أجاز بيع الشاة باللحم(٤)، وليس بالقويِّ. وذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بنٍ المسيّب أنه كَرِهِ أنْ يُباع حيٍّ بميِّت، يعني الشَّاةَ المذبوحةَ بالقائمة، قال سفيان: ونحن لا نرى به بأسًا (٥). قال المُزنيّ: إنْ لم يصحَّ الحديثُ في بيع الحيوان باللحم؛ فالقياس أنه جائز، وإنْ صحَّ بطل القياس واتّبع الأثر. قال أبو عمر(٦): وللكوفيين في أنه جائزٌ بيعُ اللحم بالحيوان حججٌ كثيرة من جهة القياسِ والاعتبار، إلا أنه إذا صحَّ الأثرُ، بطلَ القياس والنظر. (١) في (م): بشيء واحد من لحمه. (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٤١٦٥)، والبيهقي ٢٩٧/٥. (٣) الاستذكار ١١٠/٢٠-١١١، وما قبله وما بين حاصرتين منه ص١٠٦ و١٠٩ . (٤) أخرجه عبد الرزاق (١٤١٦٤). (٥) مصنف عبد الرزاق (١٤١٦٣). (٦) الاستذكار ١١١/٢٠. ٤٣٩ سورة البقرة : الآية ٢١٩ وروى مالك(١) عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيّب أنَّ رسول الله وَچ نهى عن بيع الحيوانِ باللحم. قال أبو عمر (٢): ولا أعلمه يتَّصلُ عن النبيِّ وَّهِ من وجهٍ ثابت، وأحسنُ أسانيدِهِ مرسَلُ سعيدٍ بنِ المسيّب على ما ذكره مالك في موطئه، وإليه ذهب الشافعيّ، وأصلُه أنه لا يقبلُ المراسيلَ إلا أنه زعم أنه افتقد مراسيل سعيد، فوجدها أو أكثرَها صحاحاً. فكْرِهَ بيعَ أنواع الحيوان بأنواع اللحوم على ظاهر الحديث وعمومِه؛ لأنه لم يأت أثر يَخُصُّه ولا إجماع. ولا يجوز عنده أنْ يُخَصَّ النَّصُّ بالقياس. والحيوان عنده اسمٌ لكلِّ ما يعيش في البرِّ والماء وإن اختلفت أجناسه، كالطعام الذي هو اسمٌ لكلِّ مأكولٍ أو مشروب، فاعلم. السادسة: قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا﴾ يعني الخمرَ والميسر ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ إثمُ الخمر ما يصدرُ عن الشارب من المخاصمة والمشاتمةِ وقولِ الفُحش والزُّور، وزوالِ العقل الذي يعرف به ما يجبُ لخالقه، وتعطيلِ الصَّلوات والتعوُّقِ عن ذكر الله، إلى غير ذلك(٣) . رَوَى النَّسائيُّ عن عثمان رضي الله عنه قال: اجتنبوا الخمرَ؛ فإنها أُمُّ الخبائث، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تَعبَّد، فعلِقته امرأة غَويَّة، فأرسلَتْ إليه جاريتَها، فقالت له: إنَّا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها، فطفِقت كلَّما دخل باباً أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وَضيئةٍ عندها غلامٌ وبَاطِيَةُ خمر، فقالت: إني واللهِ ما دعوتك للشهادة، ولكنْ دعوتُك لتقعَ عليَّ، أو تشربَ من هذه الخمر كأساً، أو تقتلَ هذا الغلام. قال: فاسقيني من هذه الخمرِ كأساً، فسقته كأساً. قال: زيدوني، فلم يَرِمْ حتى وقع عليها، وقتلَ النفس. فاجتنبوا الخمر، فإنها واللهِ لا يجتمع الإيمان وإدمانُ الخمر؛ إلا لَيوشِكُ أنْ يُخرجَ أحدُهما صاحبَه(٤)، وذكره أبو عمر في الاستيعاب(٥). (١) في الموطأ ٦٥٥/٢ . (٢) في الاستذكار ١٠٥/٢٠ و١١٠. (٣) انظر تفسير الواحدي ١/ ٥٥ . (٤) النسائي في المجتبى ٣١٥/٨، وفي الكبرى (٥١٥٦)، قال السندي في حاشيته على المجتبى: قوله: لم يَرِم - بفتح الياء وكسر الراء - من رام .. يريم، أي: فلم يبرح ولم يترك كذلك. (٥) لم تقف عليه فيه. ٤٤٠ سورة البقرة : الآية ٢١٩ ورُوي أنَّ الأعشى لما توجَّه إلى المدينة ليُسلم، فلقيه بعض المشركين في الطريق، فقالوا له: أين تذهب؟ فأخبرهم بأنه يريدُ محمدًا وَله، فقالوا: لا تصِلْ إليه، فإنه يأمرُك بالصلاة، فقال: إنَّ خدمةَ الربِّ واجبة، فقالوا: إنه يأمرك بإعطاء المالِ إلى الفقراء، فقال: اصطناع المعروفِ واجبٌ، فقيل له: إنه ينهى عن الزِّنى، فقال: هو فحش وقبيح في العقل، وقد صِرتُ شيخًا، فلا أحتاج إليه، فقيل له: إنه ينهى عن شرب الخمر، فقال: أمَّا هذا فإني لا أصبر عليه! فرجع، وقال: أشربُ الخمر سنةً، ثم أَرجع إليه، فلم يصلْ إلى منزله حتى سقط عن البعير، فانكسرت عنقه، فمات(١). وكان قيس بنُ عاصم المِنْقَريُّ شرًّاباً لها في الجاهلية، ثم حرَّمها على نفسه، وكان سببُ ذلك أنه غمز عُكْنَةَ ابنِه وهو سكران، وسبَّ أبويه، ورأى القمر، فتكلّم بشيء، وأعطى الخمَّار كثيراً من ماله؛ فلما أفاق أُخبر بذلك، فحرَّمها على نفسه، وفيها يقول: خِصالٌ تُفِسد الرجلَ الحليما رأيتُ الخمرَ صالحةً وفيها ولا أشفَى بها أبدًا سقيما فلا والله أشربُها صحيحاً ولا أدعو لها أبدًا نديما ولا أُعطي بها ثمنًا حياتي وتجنيهم بها الأمرَ العظيما(٢) فإنَّ الخمر تفضَح شاربيها قال أبو عمر (٣): وروى ابنُ الأعرابيّ عن المفضَّل الضَّبِّيِّ أنَّ هذه الأبياتِ لأبي مِحْجَن الثَّقفيّ قالها في تَرْكه الخمر، وهو القائل رضي الله عنه: تُرَوِّي عظامِي بعد موتي عُروقُها إذا مِتُّ فادِفِنِّي إلى جَنْب گَرْمةٍ أخافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقُها(٤) ولا تَدْفِئَنِّي بالفَلاة فإنَّني (١) تفسير أبي الليث ٢٠٣/١، وانظر الأغاني ١٢٥/٩-١٢٦. (٢) انظر الأغاني ٨٤/١٤، والاستيعاب بهامش الإصابة ١٢٧/١٢، وقوله: عُكْنة: ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمناً. القاموس (عكن). (٣) في الاستيعاب بهامش الإصابة ١٢٧/١٢ -١٣٢. (٤) أورد البيتين ابن قتيبة في الشعر والشعراء ٤٢٤/١، والهروي في الأزهيّة ص٦٧، وأبو الفرج في=