النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
سورة البقرة : الآية ٢١٢
والمراد بالآية: كم جاءهم في أمر محمد رَله من آية مُعَرِّفةٍ به دالَّةٍ عليه(١).
قال مجاهد والحسن وغيرهما: يعني: الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام
من فَلْقِ البحر، والظّلَل من الغمام، والعصا، واليد وغير ذلك(٢). وأمر الله تعالى
نيَّه ◌َهه بسؤالهم على جهةِ التَّقريع لهم والتَّوبيخِ.
قوله تعالى: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا بَتَّهُ﴾ لفظُ عامّ لجميع العامة، وإن
كان المشارُ إليه بني إسرائيل؛ لكونهم بدَّلوا ما في كتُبهم، وجَحدوا أمرَ محمد دَلِّ،
فاللفظُ مُنسحِبٌ على كلِّ مبدِّلٍ نعمةً الله تعالى. وقال الطبريُّ(٣): النِّعمةُ هنا
الإِسلام. وهذا قريبٌ من الأوَّل. ويَدخل في اللفظ أيضًا كفَّارُ قريش؛ فإنَّ بَعْثَ
محمدٍ بَّ فيهم نعمةٌ عليهم، فبدَّلوا قَبولَها والشكرَ عليها كُفراً.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ خبرٌ يتضمَّنُ الوعيدَ. والعِقابُ: مأخوذٌ من
العَقِب، كأنَّ المُعاقَبَ يُمشَى بالمجازاة له في آثار عَقِبه، ومنه عُقْبَةُ الرَّاكب، وَعُقْبَة
القِدْرِ (٤)، فالعقابُ والعُقوبة يكونان بعَقِب الذَّنْب، وقد عاقبَه بذَنْبه.
قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ
أَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١)﴾
قوله تعالى: ﴿زُيِنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ على ما لم يُسمَّ فاعلُه. والمراد
رؤساء قريش.
وقرأ مجاهد وحُميد بن قيس على بناء الفاعل(٥). قال النحاس(٦): وهي قراءةٌ
(١) المحرر الوجيز ٢٨٤/١.
(٢) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٢/ ١٨١ عنهما، وأخرجه الطبري ٦١٦/٣ عن الربيع، وابن أبي حاتم
٣٧٤/٢ عن أبي العالية وقتادة.
(٣) في تفسيره ٦١٧/٣، ونقله المصنف مع ما قبله بواسطة المحرر الوجيز ٢٨٤/١.
(٤) المحرر الوجيز ٢٨٤/١. وزاد في (ظ) بعد ذلك ما نصه: في الصحاح: والعقبة أيضاً شيءٌ من المَرَق،
يردُّه مستعير القدر إذا ردَّها .
(٥) ذكر قراءتهما ابن عطية في المحرر ٢٨٤/١، وذكر قراءة مجاهد الفراء في معاني القرآن ١٣١/١، وابن
خالويه في شواذ القراءات ص١٣، حميد بن قيس هو: أبو صفوان المكي الأعرج، وثّقه أبو داود،
وهو قليل الحديث، ولم يكن بمكة أحدٌ أقرأً منه ومن ابن كثير، توفي سنة (١٣٠هـ). معرفة القراء
الكبار للذهبي ٢١٩/١.
(٦) في إعراب القرآن ٣٠٣/١ وما قبله منه.
:

٤٠٢
سورة البقرة : الآية ٢١٢
شاذّة؛ لأنه لم يتقدَّم للفاعل ذِكرٌ.
وقرأ ابنُ أبي عَبْلَة: ((زُيِّنت)) بإظهار العلامة، وجاز ذلك لكون التأنيث غير
حقيقيٍّ، والمزيِّنُ هو خالقُها ومخترعُها وخالقُ الكفرِ، ويُزيِّنُها أيضاً الشيطانُ
بوسوسته وإغوائِهِ، وخصَّ الذين كفروا بالذكر لقَبولهم التزيينَ جُملةً، وإقبالِهم على
الدنيا، وإعراضِهم عن الآخرة بسببها، وقد جعل الله ما على الأرض زينةً لها ليَبلُوَ
الخلقَ أيُّهم أحسنُ عملاً، فالمؤمنون الذين هم على سَنَن الشَّرعِ لم تفتنْهم الزينةُ،
والكفارُ تملَّكَتْهم؛ لأنهم لا يعتقدون غيرَها. وقد قال أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله
عنه حين قُدِم عليه بالمال: اللَّهمَّ إنا لا نستطيع إلا أن نفرحَ بما زيَّنتَ لنا(١).
قوله تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ إشَارةٌ إلى كفَّارٍ قريش، فإنهم كانوا
يُعظّمون حالَهم من الدنيا، ويَغتبطون بها، ويسخرون من أتباع محمد ێ .
قال ابن جُريج: في طلَبِهم الآخرة (٢). وقيل: لفقرِهم وإقلالهم؛ كبلال
وصُهيب وابنٍ مسعود وغيرِهم، رضي الله عنهم. فنَّه سبحانه على خَفْضٍ منزلتهم
القبيح فِعلهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ أَنَّقَوْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ﴾ (٣).
ورَوى عليّ أن النبيَّ نَّهِ قال: ((مَن استذَلَّ مؤمناً أو مؤمنةً، أو حَقَره لفقره وقِلَّةِ
ذات يده، شهَّره الله يومَ القيامة، ثم فَضَحه، ومَن بَهت مؤمناً أو مؤمنةً، أو قال فيه
ما ليس فيه، أقامه الله تعالى على تَلِّ من نارٍ يوم القيامة؛ حتى يخرج مما قال فيه،
وإنَّ عِظَمَ المؤمن أعظمُ عند الله وأكرمُ عليه من مَلَكِ مُقَرَّبٍ، وليس شيءٌ أحبَّ
إلى الله من مؤمن تائب أو مؤمنةٍ تائبة، وإن الرجل المؤمنَ يُعرَفُ في السماء كما
يَعرف الرجلُ أهلَه وولدَه»(٤).
(١) المحرر الوجيز ٢٨٤/١.
(٢) أخرجه الطبري ٦١٩/٣.
(٣) المحرر الوجيز ٢٨٤/١.
(٤) ذكره ابن عراق الكناني في تنزيه الشريعة ٣١٦/٢ ونسبه لابن لال، وذكر أن فيه داود بن سليمان
الغازي؛ قال فيه الذهبي في ميزان الاعتدال ٨/٢: كذَّبه ابن معين، ولم يعرفه أبو حاتم، وهو شيخ
كذاب.

٤٠٣
سورة البقرة : الآية ٢١٢
ثم قيل: معنى ﴿ وَاُلَّذِينَ أَتَّقَوْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَّمَةُ﴾ أي: في الدَّرجة؛ لأنهم في
الجنة، والكفَّارُ في النار.
ويحتمل أن يُراد بالفوق المكانُ، من حيث إن الجنةَ في السماء، والنارَ في
أسفل السافلين.
ويحتمل أن يكون التفضيلُ على ما يتضمَّنُه زَعْمُ الكفار، فإنهم يقولون: وإن
كان مَعادٌ فلنا فيه الحظّ أكثرُ مما لكم، ومنه حديثُ خَبَّاب مع العاص بن وائل(١)،
قال خبَّاب: كان لي على العاص بن وائل دَيْنٌ، فأتيتُه أتقاضاه، فقال لي: لن(٢)
أَقِضِيَك حتى تكفُرَ بمحمَّد، قال: فقلتُ له: لن(٣) أكفُرَ به حتى تموتَ ثم تُبعثَ،
قال: وإني لمبعوثٌ مِن بعد الموت؟! فسوف أَقضيك إذا رجعتُ إلى مالٍ وولد.
الحديث، وسيأتي بتمامه إن شاء الله تعالى(٤).
ويقال: سَخِرتُ منه وسَخِرتُ به، وضحِكتُ منه وضَحِكت به، وهزِئتُ منه
وبه، كلُّ ذلك يقال، حكاه الأخفش. والاسمُ السُّخرِيَةُ والسُّخْرِيُّ والسِّخْرِيُّ،
وقرئ بهما قولُه تعالى: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنًا﴾ [الزخرف: ٣٢]، ﴿فَأَخَذْ تُهُمْ
سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: ١١٠]. ورجلٌ سُخْرٌ: يُسْخَر منه، وسُخَرة - بفتح الخاء - يَسْخَر
من الناس، وفلانٌ سُخْرةٌ: يُتَسَخَّرُ في العمل، يقال: خادمَه سُخْرةً، وسَخَّره
تسخيراً: كلَّفه عملاً بلا أجرة(٥) .
قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَّرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال الضخَّاك: يعني من غير تَّبِعةٍ
في الآخرة(٦). وقيل: هو إشارةٌ إلى هؤلاء المستضعَفين، أي: يرزقُهم علوّ
المنزلة؛ فالآية تنبية على عظيم النعمة عليهم، وجعل رزقهم بغير حساب من حيث
(١) المحرر الوجيز ٢٨٥/١.
(٢) في (د) و(ز): فقال: لا.
(٣) في (م): إني لن.
(٤) أخرجه أحمد (٢١٠٦٨)، والبخاري (٢٠٩١)، ومسلم (٢٧٩٥)، وسيرد في تفسير الآية (٧٧) من
سورة مريم.
(٥) الصحاح (سخر)، وعنه نقل المصنف قول الأخفش، وتفصيلُ القراءتين يُذكر في موضعهما.
(٦) ذكره البغوي ١٨٥/١ .

٤٠٤
سورة البقرة : الآية ٢١٣
هو دائمٌ لا يتناهى، فهو لا يَنْعدُّ (١). وقيل: إن قوله: ((بِغَيْرِ حِسَابٍ)) صِفةٌ لرزق الله
تعالى كيف تَصَرَّفَ؛ إذ هو جلَّت قدرتُه لا يُنفِقُ بعَدٍّ، ففضلُه كلُّه بغير حساب،
والذي بحساب ما كان على عملٍ قدَّمه العبدُ؛ قال الله تعالى: ﴿جَزَآءُ مِّن رَّيْكَ عَطَّةً
حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦]، والله أعلم. ويحتمل أن يكون المعنى بغير احتسابٍ من
المرزوقين، كما قال: ﴿وَيَرْزُقَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ﴾ [الطلاق: ٣].
قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ
مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَمَا أَخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ
أُوْتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَا بَيْنَهُمَّ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أَخْتَلَفُواْ
فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيم
قوله تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ أي: على دينٍ واحد.
قال أبيُّ بن كعب وابنُ زيد: المرادُ بالناس بنو آدم حين أخرجهم الله نَسَمًا من
ظهر آدم، فأقرُّوا له بالوحدانيَّة.
وقال مجاهد: الناسُ: آدمُ وحدَه(٢). وسُمِّي الواحدُ بلفظ الجمع؛ لأنه أصلُ
النَّسْلِ.
وقيل: آدم وحوَّاء. وقال ابن عباس وقَتادة: المراد بالناس القرونُ التي كانت بين
آدَمَ ونوح، وهي عشرة، كانوا على الحقِّ حتى اختلفوا؛ فبعث الله نوحاً فمَنْ بعده(٣).
وقال ابنُ أبي خَيْئَمة: منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى أن بعثَ محمداً وَله
خمسةُ آلاف سنة وثمان مئة سنة، وقيل: أكثرُ من ذلك، وكان بينه وبين نوح ألفُ
سنة ومئتا سنة. وعاش آدمُ تسعَ مئةٍ وستين سنة (٤)، وكان الناسُ في زمانه أهلَ مِلَّةٍ
واحدة، متمسِّكين بالدِّين، تُصافِحُهم الملائكة، وداموا على ذلك إلى أن رُفع
إدريسُ عليه السلام، فاختلفوا. وهذا فيه نظر؛ لأن إدريس بعد نوح على الصحيح.
(١) في (د): لا يبعد، وفي المحرر الوجيز ٢٨٥/١ (والكلام منه): لا يَنْفّد.
(٢) تفسير مجاهد: ١٠٤.
(٣) المحرر الوجيز ٢٨٥/١-٢٨٦، وأخرج الأقوال السابقة الطبري ٣/ ٦٢١-٦٢٤ .
(٤) ينظر المنتظم لابن الجوزي ١٤٥/١-١٤٦، ومرآة الزمان لسبطه ٥٨٦/١-٥٨٧.

٤٠٥
سورة البقرة : الآية ٢١٣
وقال قومٌ منهم الكلبيُّ والواقديُّ: المرادُ نوحٌ ومَن في سفينته(١)، وكانوا
مسلمين، ثم بعد وفاة نوح اختلفوا(٢).
وقال ابن عباس أيضاً: كانوا أمةً واحدةً على الكفر. يريد في مُدَّة نوح حين
بعثه الله(٣).
وعنه أيضاً: كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمةً واحدة، كلهم كفار،
ووُلِد إبراهيم في جاهلية، فبعث الله تعالى إبراهيم وغيرَه من النبيِّين(٤).
فـ ((كان)) على هذه الأقوال على بابها من المُضِيِّ المنقضي، وكلُّ مَنْ قَدَّر
الناسَ في الآية مؤمنين قدَّر في الكلام: فاختلفوا فبعث(٥)، ودلَّ على هذا
الحذف(٦): ﴿وَمَا أَخْتَلَفَ فِيهِ إلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أي: كان الناس على دين الحق
فاختلفوا، فبعث الله النبيين؛ مبشِّرين مَن أطاع، ومنذِرين مَن عصى(٧). وكلُّ مَنْ
قدَّرهم كفَّاراً كانت بعثةُ النبيين إليهم.
ويحتمل أن تكون ((كان)» للثبوت، والمرادُ الإخبارُ عن الناس الذين هم الجنسُ
كلُّه أنهم أمةٌ واحدة في خُلوّهم عن الشرائع، وجَهلِهم بالحقائق، لولا مَنُّ الله
عليهم، وتفضُّلُه بالرسل إليهم. فلا تَخْتَصُّ ((كان)) على هذا التأويل بالمضيِّ فقط،
بل معناها(٨) معنى قوله: ﴿وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾(٩) [النساء: ٩٦].
و((أمَّةٌ)) مأخوذة من قولهم: أَمَمتُ كذا، أي: قَصَدْتُه، فمعنى ((أمَّة)): مَقصِدُهم
واحد، ويقال للواحد: أُمَّة، أي: مَقصِدُه غيرُ مقصد الناس؛ ومنه قولُ النبي ◌ِّل
(١) في (م): السفينة.
(٢) تفسير البغوي ١٨٦/١، ومجمع البيان للطبرسي ١٨٦/٢.
(٣) المحرر الوجيز ٢٨٦/١.
(٤) تفسير البغوي ١٨٦/١.
(٥) المحرر الوجيز ٢٨٦/١.
(٦) في النسخ: الحديث، وهو خطأ، والمثبت من (م).
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٣/١.
(٨) في (م): معناه.
(٩) المحرر الوجيز ٢٨٦/١.

٤٠٦
سورة البقرة : الآية ٢١٣
في قُسِّ بن ساعدة: ((يُحشَر يوم القيامة أمّةً وَحْدَه))(١)، وكذلك قال في زيد بن
عمرو بن نُفيل(٢). والأُمَّة: القامة، كأنها مَقصِدُ سائر البدن، والإمَّة - بالكسر -
النِّعمَةُ؛ لأن الناس يَقصِدون قَصْدَها. وقيل: إمام؛ لأن الناس يَقصِدون قَصْدَ ما
يفعل، عن النحاس(٣).
وقرأ أُبيُّ بن كعب: ((كان البشرُ أمةً واحدة))، وقرأ ابن مسعود: ((كان الناس أمةً
واحدةً فاختلفوا فبعث))(٤).
قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اَللَّهُ النَّبِيْنَ﴾ وجملتُهم مئةُ ألفٍ(٥) وأربعةٌ وعشرون
ألفاً، والرسلُ منهم ثلاثُ مئة وثلاثةَ عشر، والمذكورون في القرآن باسم العلم ثمانية
وعشرون(٦).
وأوَّلُ الرُّسل آدم، على ما جاء في حديث أبي ذَر، أخرجه الآجريُّ وأبو حاتم
البُستيُّ(٧)، وقيل: نوح، لحديث الشفاعة؛ فإن الناس يقولون له: أنت أوَّلَّ
الرسل(٨)، وقيل: إدريس، وسيأتي بيان هذا في ((الأعراف))(٩) إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ نصبٌ على الحال.
(١) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة ١٢٧/١-١٢٩، والبيهقي في دلائل النبوة ١٠٥/٢-١١٣ من حديث
ابن عباس رضي الله عنهما .
(٢) سلف ٢/ ٣٩٧.
(٣) معاني القرآن له ١/ ١٦٠.
(٤) المحرر الوجيز ٢٨٦/١، وذكر قراءة ابن مسعود: الطبري ٦٢١/٣، والزمخشري ٣٥٥/١، والفخر
الرازي ٦/ ١٢، وذكر قراءة أبيّ: الماوردي ١/ ٢٧١ .
(٥) لفظة: ((ألف))، ليست في (م).
(٦) في (م): بالاسم العلم ثمانية عشر، والكلام في تفسير البغوي ١٨٦/١ .
(٧) صحيح ابن حبان (٣٦١) وإسناده ضعيف جداً، وانظر ميزان الاعتدال ٧٣/١ و٣٧٨/٤. وأخرجه
الإمام أحمد (٢١٥٥٢) من وجه آخر ضعيف جداً كذلك. ولم نقف عليه عند الآجري فيما لدينا من
مصادر. وقد سلف طرف منه ٣٩٥/١.
(٨) أخرجه أحمد (٩٦٢٣)، والبخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه،
وأحمد (١٢١٥٣)، والبخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣) من حديث أنس رضي الله عنه.
(٩) في تفسير الآية (٥٩) منها.

٤٠٧
سورة البقرة : الآية ٢١٣
﴿وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ﴾ اسمُ جنسٍ بمعنى الكُتُب. وقال الطبريُّ(١): الألفُ
واللام في الكتاب للعهد، والمراد التوراةُ.
و﴿لِيَحْكُمْ﴾ مسندٌ إلى الكتاب في قول الجمهور، وهو نصبٌ بإضمار أن، أي:
لأن يَحْكُمَ، وهو مجاز مثل ﴿هَذَا كِتَبُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩](٢).
وقيل: أي: لَيَحكُمَ كلُّ نبِيٍّ بكتابه(٣)، وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكّم الكتابُ.
وقراءةُ عاصم الجَحْدَريِّ: ليُحكّم بين الناس، على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، وهي
قراءةٌ شاذة؛ لأنه قد تقدَّم ذكرُ الكتاب (٤).
وقيل: المعنى: ليَحكُمَ الله(٥).
والضمير في ((فيه)) عائدٌ على ((ما)) من قوله: ((فيما))، والضمير في ((فيه)) الثانية
يحتمل أن يعودَ على الكتاب(٦)، أي: وما اختلف في الكِتابِ إِلا الذِين أُوتوه،
موضعُ ((الذين)) رفع بفعلهم(٧). و«أُوتُوه)) بمعنى أُعطُوه.
وقيل: يعود على المُنزَّل عليه، وهو محمدٌ وَّر؛ قاله الزجاج(٨). أي: وما
اختلف في النبيِّ وَّه إلا الذين أُعطُوا علمَه.
﴿بَغْيَأْ بَيْنَهُمْ﴾ نصبٌ على المفعول له، أي: لم يختلفوا إلا للبَغْي، وقد تقدَّم
معناه(٩). وفي هذا تنبيهٌ على السَّفَه(١٠) في فعلهم، والقُبحِ الذي واقعوه.
(١) في تفسيره ٦٢٧/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز ٢٨٦/١.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٣/١.
(٣) تفسير البغوي ١٨٦/١.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٣/١، وذكر قراءة عاصم الجحدري أيضاً ابنُ عطية في المحرر ٢٨٦/١.
وقد قرأ بها أبو جعفر من العشرة كما في النشر ٢/ ٢٢٧ .
(٥) مجمع البيان ٢/ ١٨٧ .
(٦) المحرر الوجيز ٢٨٦/١.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٣/١.
(٨) في معاني القرآن له ٢٨٤/١.
(٩) ٢٥١/٢.
(١٠) في المحرر الوجيز ٢٨٦/١: الشنعة.

٤٠٨
سورة البقرة : الآية ٢١٣
و ((هَدَى)) معناه أَرشدَ، أي: فهدى الله أمةً محمد إلى الحقِّ؛ بأنْ بيَّنَ لهم ما
اختلف فيه من كان قبلهم.
وقالت طائفة: معنى الآية: أن الأُممَ كذَّبَ بعضُهم كتابَ بعض، فهدى الله
تعالى أمةً محمد ◌َله للتصديق بجميعها .
وقالت طائفة: إن الله هَدَى المؤمنين للحقِّ فيما اختلف فيه أهلُ الكتابَين من
قولهم: إن إبراهيم كان يهوديًّا أو نصرانيًّا. وقال ابن زيد وزيد بن أسْلم: مِن
قِبلَتِهم؛ فإن [قبلةً] اليهود إلى بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق. ومن يوم
الجمعة؛ فإن النبيَّ وَّ﴿ قال: «هذا اليومُ الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فلليهود
غَدٌ، وللنصارى بعد غدٍ))(١). ومِن صيامهم، ومن جميع ما اختلفوا فيه(٢).
وقال ابن زيد (٣): واختلفوا في عيسى؛ فجعلته اليهود لِفِرْية، وجعلته النصارى
رَبًّا، فهدى الله المؤمنين بأن جعلوه عبد الله (٤).
وقال الفرَّاء(٥): هو من المقلوب، واختاره الطبريُّ(٦)، قال: وتقديرُه:
فهدى الله الذين آمنوا للحقِّ لما (٧) اختلفوا فيه. قال ابن عطيَّة(٨): ودعاه إلى هذا
التقدير خوفُ أن يحتملَ اللفظُ أنهم اختلفوا في الحقِّ، فهدى الله المؤمنين لبعض
ما اختلفوا فيه. وعساه غير الحقّ في نفسه، نحا إلى هذا الطبريُّ في حکایته عن
الفرَّاء، وادِّعاءُ القَلْبِ على لفظ كتاب الله دون ضرورةٍ تدفع إلى ذلك عجزٌ وسوءُ
(١) أخرجه أحمد (٧٣١٠)، والبخاري (٨٧٦)، ومسلم (٨٥٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) المحرر الوجيز ٢٨٦/١-٢٨٧ وما بين حاصرتين منه، وأخرج قولَ ابنِ زيد الطبريُّ ٦٣١/٣، وقولَ
زید ابنُ أبي حاتم ٣٧٨/٢ .
(٣) في النسخ: أبو، والمثبت من (م).
(٤) في (م): عبداً لله، وقول ابن زيد في معاني القرآن للنحاس ١٦٣/١، وهو تتمة قوله السالف الذي
أخرجه الطبري.
(٥) في معاني القرآن ١/ ١٣١.
(٦) في تفسيره ٦٣٤/٣ .
(٧) في (ظ): مما.
(٨) المحرر الوجيز ٢٨٧/١ وعنه نقل المصنف كلام الفراء والطبري.

٤٠٩
سورة البقرة : الآية ٢١٤
نظر، وذلك أن الكلام يتخرَّجُ على وجهه ورَضْفه(١)؛ لأن قوله: ((فَهَدَى)) يقتضي
أنهم أصابوا الحقَّ، وتمَّ المعنى في قوله: ((فيه))، وتبيَّن بقوله: ((مِنَ الحقِّ)» جنسُ ما
وقع الخلافُ فيه، قال المهدوي: وقدّم لفظ الخلاف(٢) على لفظ الحقِّ اهتماماً، إذ
العنايةُ إنما هي بذكر الاختلاف. قال ابن عطية (٣): وليس هذا عندي بقويٌّ. وفي
قراءة عبد الله بن مسعود: ((لِما اختلفوا عنه من الحقِّ)) أي: عن الإسلام(٤).
و﴿ بِإِذْنِهِ﴾ قال الزجاج(٥): معناه بعلمه. قال النحاس(٦): وهذا غلطً،
والمعنى بأمره، وإذا أذِنتَ في الشيء فقد أَمرتَ به، أي: فهدى الله الذين آمنوا بأن
أمرَهم بما يجبُ أن يستعملوه.
وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرٍَّ مُسْتَقِيمٍ﴾ ردٌّ على المعتزلة في قولهم:
إن العبد يستبدُّ بهداية نفسه(٧) .
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن
قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرّءُ وَزُلِْلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَنَ نَصْرُ
اللَّهُ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ الآية. ((حسبتم)) معناه: ظننتُم.
قال قتادة والسُّدِّيُّ وأكثرُ المفسرين: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق، حین
أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدَّة، والحرِّ والبرد، وسُوء العيش، وأنواع
الشدائد، وكان كما قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ اَلْحَتَاجِرَ﴾ (٨) [الأحزاب: ١٠].
(١) في النسخ: ووصفه، والمثبت من المحرر الوجيز.
(٢) في (م): الاختلاف.
(٣) المحرر الوجيز ٢٨٧/١.
(٤) أخرج قراءة ابن مسعود الطبري ٦٢١/٣ .
(٥) في معاني القرآن ١/ ٢٨٥، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٨٧/١.
(٦) في إعراب القرآن ٣٠٤/١.
(٧) المحرر الوجيز ٢٨٧/١.
(٨) أخرج قوليهما الطبري ٣/ ٦٣٧ .

٤١٠
سورة البقرة : الآية ٢١٤
وقيل: نزلت في حرب أُحد(١)، نظيرُها في آل عمران ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ
اُلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ﴾ [١٤٢].
وقالت فرقة: نزلت الآية تسليةً للمهاجرين حين تركوا ديارَهم وأموالهم بأيدي
المشركين، وآثروا رضا الله ورسولِه، وأظهرتِ اليهودُ العداوةَ لرسول الله وَ لته،
وأسرَّ قومٌ من الأغنياء النفاقَ، فأنزل الله تعالى تطيباً لقلوبهم: ((أَمْ حَسِبْتُمْ))(٢).
و ((أم)) هنا منقطعة بمعنى ((بل))، وحكى بعضُ اللُّغويين أنها قد تجيءُ بمثابة ألفٍ
الاستفهام يُبتَدأُ (٣) بها. و((حَسِبتُم)) تطلبُ مفعولَين، فقال النحاةُ: ((أن تدخلوا)) تسدُّ
مسدَّ المفعولَين. وقيل: المفعولُ الثاني محذوفٌ [تقديره]: أحسبتُم دخولَكم الجنةَ
واقعًا (٤).
و(لمَّا)) بمعنى ((لم)). و((مَثَلُ)) معناه: شَبَه، أي: ولم تُمتَحنوا بمثل ما امتُحِنَ به
مَن كان قبلكم، فتصبروا كما صبروا. وحكى النَّضْرُ بن شُمَيل أن ((مَثَل))(٥) يكون
بمعنى: صفة، ويجوز أن يكون المعنى: ولمَّا يُصِبْكُم مِثلُ الذي أصاب الذين مَن
قبلکم، أي: من البلاء.
قال وَهْب: وُجِد فيما بين مكة والطائف سبعون (٦) نبيًّا موتى، كان سببُ موتهم
الجوعَ والقُمَّلَ، ونظيرُ هذه الآية ﴿الَّ ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَامَنَا وَهُمْ
لَا يُفْتَنُونَ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت] على ما يأتي، فاستدعاهم تعالى
إلى الصبر، ووعدهم على ذلك بالنصر فقال: ﴿أَلَّ إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ قَرِيبٌ﴾ .
والزَّلزَلَةُ: شدَّةُ التحريك، تكونُ في الأشخاص وفي الأحوال(٧)، يُقال:
(١) تفسير البغوي ١٧٨/١ .
(٢) تفسير البغوي ١/ ١٨٧ .
(٣) في (ظ) و(م): ليبتدأ، والمثبت من (د) و(ز).
(٤) المحرر الوجيز ٢٨٧/١ وما بین حاصرتین منه.
(٥) في النسخ: مثلاً، والمثبت من (م)، وهو موافق لما في معاني القرآن للنحاس ١٦٤/١، وعنه نقل
المصنف.
(٦) في النسخ: سبعين، والمثبت من (م).
(٧) المحرر الوجيز ٢٨٧/١.

٤١١
سورة البقرة : الآية ٢١٤
زَلْزَلَ الله الأرضَ زَلْزلَة وزلزالاً - بالكسر - فَتَزَلْزَلَت: إذا تحرَّكت واضطربت، فمعنى
((زُلزِلوا)): خُوِّفوا وحُرِّكوا. والزَّلزال - بالفتح - الاسمُ. والزَّلازِل: الشدائد(١).
وقال الزجاج(٢): أصلُ الزَّلزلة من زَلَّ الشيءُ عن مكانه، فإذا قلتَ: زَلْزَلتُه،
فمعناه: كرَّرْتَ زَلَلَه من مكانه. ومذهبُ سيبويه أن زَلزلَ رباعيٌّ، كدَخْرَجَ.
وقرأ نافع: ((حتى يَقُولُ)) بالرفع، والباقون بالنصب(٣) .
ومذهبُ سيبويه(٤) في ((حتى)) أن النصبَ فيما بعدها من جهتين، والرفعَ من
جهتين؛ تقول: سرتُ حتى أدخلَ المدينة - بالنصب - على أن السيرَ والدخولَ
جميعًا قد مضيا، أي: سرتُ إلى أن أدخلَها، وهذه غاية، وعليه قراءةُ من قرأ
بالنصب. والوجهُ الآخر في النصب في غير الآية: سرتُ حتى أدخلَها، أي: كي
أدخلَها .
والوجهان في الرفع: سرتُ حتى أدخلُها، أي: سرتُ فأدخلُها، وقد مضيا
جميعًا، أي: كنتُ سرتُ فدخلتُ. ولا تعمل حتى هاهنا بإضمار أن، لأن بعدها
جملة؛ كما قال الفرزدق :
فيّا عَجباً حتى كُليبٌ تَسُبُّنِي(٥)
قال النحاس(٦): فعلى هذا القراءةُ بالرفع أبينُ وأصحُّ معنى، أي: وزُلزلوا حتى
الرسولُ يقولُ، أي: حتى هذه حالُه؛ لأن القول إنما كان عن الزلزلة، غيرُ منقطعٍ
منها، والنصبُ على الغاية ليس فيه هذا المعنى.
والرسول هنا شَعْيا(٧) في قول مقاتل، وهو اليَسَع. وقال الكلبيُّ: هذا في كل
(١) الصحاح (زلل).
(٢) في معاني القرآن ٢٨٥/١.
(٣) المحرر الوجيز ٢٨٧/١-٢٨٨، وعنه نقل كلام سيبويه، وانظر السبعة ص١٨١، والتيسير ص٨٠.
(٤) الكتاب ١٦/٣-٢١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٠٥/١ وعنه نقل المصنف.
(٥) وتتمته: كأن أباها نَهْشَلُ أو مجاشِعُ، وهو في ديوانه ص٤١٩.
(٦) في إعراب القرآن ٣٠٥/١ والكلام الذي قبله منه.
(٧) في (د): شعيباً، وهو خطأ، وشعيا: هو ابن أميصا، نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل، بُعث بعد موسى. تاج
العروس (سعى، أشعى).

٤١٢
سورة البقرة : الآية ٢١٤
رسول بُعث إلى أمته وأُجهد في ذلك حتى قال: متى نصرُ الله؟
ورُوِيَ عن الضحاك قال: يعني محمداً وَل﴾(١)، وعليه يدل نزول الآية، والله أعلم.
والوجه الآخر [في الرفع] في غير الآية: سرتُ حتى أدخلُها، على أن يكونَ
السيرُ قد مضى والدخولُ الآن، وحكى سيبويه(٢): مَرِض حتى لا يَرجونَه، أي: هو
الآن لا يُرْجَى، ومثلُه: سرتُ حتى أدخلُها لا أُمنَعُ(٣).
وبالرفع قرأ مجاهد والأعرج وابنُ مُحَيْصِن وشيبة، وبالنصب قرأ الحسن وأبو
جعفر وابن أبي إسحاق وشِبْل وغيرهم.
قال مكيُّ(٤): وهو الاختيار؛ لأن جماعة القُرَّاء عليه.
وقرأ الأعمش: ((وزلزلوا ويقولُ الرسول)) بالواو بدل حتى. وفي مُصحف ابن
مسعود: ((وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول)). وأكثر المتأوّلين على أن الكلام إلى آخر الآية
من قول الرسول والمؤمنين(٥)، أي: بلغ الجَهدُ بهم حتى استَبْطَؤوا النصرَ، فقال الله
تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ فَرِيبٌ﴾(٦). ويكونُ ذلك من قول الرسول على طلب
استعجال النصر، لا على شكِّ وارتياب. والرسول اسمُ جنس.
وقالت طائفة: في الكلام تقديمٌ وتأخير، والتقدير: حتى يقولَ الذين آمنوا متى
نصرُ الله، فيقولَ الرسولُ: ألّا إن نصر الله قريب، فقدَّم الرسولَ في الرُّتبةِ لمكانته،
ثم قدَّم قولَ المؤمنين؛ لأنه المتقدِّمُ في الزمان. قال ابن عطية(٧): وهذا تحكُّمٌ،
وحملُ الكلام على وجهه غيرُ مُتعَذِّر. ويحتمل أن يكون: ((أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ))
إخباراً من الله تعالى مُؤتنفاً بعد تمام ذكر القول.
(١) تفسير أبي الليث ١/ ٢٠٠.
(٢) في الكتاب ١٨/٣ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٥/١ وما بين حاصرتين منه، وعنه نقل المصنف كلام سيبويه.
(٤) الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٢٩٠-٢٩١، والكلام الذي قبله منه. وقراءة أبي جعفر من
العشرة، ذكرها ابن الجزري في النشر ٢٢٧/٢.
(٥) المحرر الوجيز ٢٨٨/١، وذكر قراءة ابن مسعود الفراء ١٣٣/١.
(٦) الوسيط للواحدي ٣١٧/١.
(٧) المحرر الوجيز ٢٨٨/١، والكلام الذي قبله منه.

٤١٣
سورة البقرة : الآية ٢١٥
قوله تعالى: ﴿مَقَ نَصْرُ اَللَّهُ﴾ رُفع بالابتداء على قول سيبويه، وعلى قول أبي
العباس رُفع بفعله(١)، أي: متى يقعُ نصرُ الله. و((قريب)) خبر ((إنّ)). قال
النحاس(٢): ويجوز في غير القرآن: قريباً، أي: مكاناً قريباً. و((قريب)) لا تثنِّيه
العربُ، ولا تجمعُه، ولا تؤنّتُه في هذا المعنى؛ قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ
قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقال الشاعر(٣):
له الويلُ إن أمْسَى ولا أُمُّ هاشم
قريبٌ ولا بَسْبَاسةُ ابنةُ يَشْكُرَا
فإن قلت: فلانٌ قريبٌ لي؛ ثَّيتَ وجمعتَ فقلت: قريبون وأقرباء وقُرَباء.
قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌ قُلّ مَّا أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
وَالْتَ وَالْسَلَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِه عَلِيمٌ
فیہ أربعُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ﴾ إن خفَّفتَ الهمزةَ ألقيتَ حركتَها على
السين، ففتحتَها وحذفتَ الهمزةَ، فقلت: يَسَلُونك(٤).
ونزلت الآية في عمرو بن الجموح، وكان شيخاً كبيراً، فقال: يا رسول الله، إن
مالي كثيرٌ، فبماذا أتصدَّقُ، وعلى مَن أُنفقُ؟ فنزلت: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (٥).
الثانية: قوله تعالى: ﴿مَاذَا يُنفِقُونٌ﴾ ((ما)) في موضع رَفع بالابتداء، و((ذا))
الخبر، وهو بمعنى الذي، وحُذفت الهاءُ لطول الاسم، أي: ما الذي ينفقونه، وإن
شئت كانت ((ما)) في موضع نصب بـ ((ينفقون)) و((ذا)) مع ((ما)) بمنزلة شيءٍ واحد
(١) في (م): بفعل.
(٢) إعراب القرآن ١/ ٣٠٥-٣٠٦، وعنه نقل المصنف قول سيبويه وقول أبي العباس المبرّد.
(٣) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص٦٨، وإعراب القرآن للنحاس ٣٠٦/١، وعنه نقل المصنف.
(٤) إعراب القرآن ٣٠٦/١.
(٥) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٦٠، وفي الوسيط ٣١٨/١، والزمخشري ٣٥٦/١، وابن
الجوزي في زاد المسير ٢٣٣/١، والفخر الرازي ٢٤/٦ عن ابن عباس، ونقله الحافظ ابن حجر في
العجاب ٥٣٣/١ عن مقاتل، وذكره الطبرسي ١٩٢/٢، والبغوي ١٨٨/١، وأبو الليث ١/ ٢٠٠ دون
نسبة.

٤١٤
سورة البقرة : الآية ٢١٥
ولا يحتاج إلى ضمير(١)، ومتى كانت اسماً مركّبًا فهي في موضع نصب، إلا ما
جاء في قول الشاعر:
وماذا عسى الواشونَ أن يتحدَّثوا سوى أن يقولوا إنني لكِ عاشقُ(٢)
فإنَّ ((عسى)) لا تعمل فيه، فـ ((ماذا)) في موضع رفع، وهو مركَّبٌ، إذ لا صلة
لـ ((ذا))(٣).
الثالثة: قيل: إن السائلين هم المؤمنون، والمعنى: يسألونك ما هي الوجوه
التي يُنفقون فيها، وأين يضعون ما لزم إنفاقُه.
قال السُّدِّيّ: نزلت هذه الآية قبلَ فرضِ الزكاة، ثم نسخَتْها الزكاةُ
المفروضَةُ(٤). قال ابن عطية(٥): ووَهِم المهدويُّ على السُّدّيِّ في هذا، فنسب إليه
أنه قال: إن الآية في الزكاة المفروضة، ثم نُسخ منها الوالدان.
وقال ابن جُريج وغيرُه: هي نَذْبٌ، والزكاةُ غير هذا الإنفاق، فعلى هذا لا نسخَ
فيها(٦)، وهي مبيّنة لمصارف صدقة التطوُّع، فواجبٌ على الرجل الغنيِّ أن ينفقَ
على أبوَيه المحتاجَين ما يصلحُهما في قدر حالهما من حاله، من طعام وكُسوة وغير
ذلك. قال مالك: ليس عليه أن يزوِّج أباه، وعليه أن يُنفِقَ على امرأة أبيه؛ كانت
أُمَّه أو أجنبيةً، وإنما قال مالك: ليس عليه أن يزوِّج أباه؛ لأنه رآه يستغني عن
التزويج غالباً، ولو احتاج حاجةٌ ماسَّةٌ لوجب أن يزوِّجه، لولا ذلك لم يوجب عليه
أن ينفق عليهما. فأما ما يتعلق بالعبادات من الأموال؛ فليس عليه أن يعطيَه ما يحجّ
به أو يغزو، وعليه أن يُخرج عنه صدقة الفطر، لأنها مُستحَقَّةٌ بالنفقة والإِسلام(٧).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٦/١، وانظر مشكل إعراب القرآن لمكي ١٢٧/١.
(٢) نُسب البيت لجميل بثينة، وهو في ديوانه ص١٤٣، ولمجنون ليلى، وهو في ديوانه ص٢٠٣، وانظر
خزانة الأدب ٦/ ١٥٠ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٨٨/١، والكلام الذي قبله منه.
(٤) أخرجه الطبري ٦٤١/٣-٦٤٢.
(٥) المحرر الوجيز ٢٨٨/١، والكلام الذي قبله منه.
(٦) المحرر الوجيز ٢٨٩/١، وأخرجه الطبري ٦٤٢/٣.
(٧) ينظر الكافي لابن عبد البر ٦٢٩/٢ .

٤١٥
سورة البقرة : الآية ٢١٦
الرابعة: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم﴾ ((ما)) في موضع نصبٍ بـ ((أنفقتم))، وكذا
((وما تنفِقوا))، وهو شرطٌ، والجواب: ((فللوالدَيْن))، وكذا ((وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ))
شرطٌ، وجوابُه ((فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ))(١)، وقد مضى القولُ في اليتيم والمسكين وابنٍ
السبيل(٢). ونظيرُ هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ﴾
[الروم: ٣٨].
وقرأ عليُّ بنُ أبي طالب: ((يفعلوا)) بالياء على ذكر الغائب، وظاهرُ الآية الخبرُ،
وهي تتضمَّنُ الوعدَ بالمجازاة (٣).
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُزْهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ
٠
خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىَ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُرْ لَا تَعْلَمُونَ
فيه ثلاثُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ﴾ معناه فُرض، وقد تقدَّم مثلُه (٤). وقرأ قوم:
(كُتِب عليكم القَتْلُ))(٥)، وقال الشاعر(٦):
كُتِبَ القَثْلُ والقتالُ علينا وعلى الغانيات جَرُّ الذُّيولِ
وهذا هو فرضُ الجهاد، بَيَّن سبحانه أن هذا ممَّ امتُحِنُوا به، وجُعِلَ وُضْلةً إلى
الجنة. والمراد بالقتال قتالُ الأعداء من الكفار، وهذا كان معلوماً لهم بقرائن
الأحوال، ولم يُؤذَن للنبيِّ وَ ﴿ في القتال مُدَّةَ إقامته بمكة، فلما هاجر أُذِن له في
قتال مَن يُقاتلُه من المشركين، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ خُلِمُواْ﴾
[الحج: ٣٩]، ثم أُذن له في قتال المشركين عامَّةً(٧).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٦/١.
(٢) ٢٢٩/٢ وص ٥٩ من هذا الجزء.
(٣) المحرر الوجيز ٢٨٩/١. ونسب ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٣ هذه القراءة للأصبغ بن نباتة.
(٤) ص ٦٤ من هذا الجزء.
(٥) المحرر الوجيز ٢٨٩/١، والقراءة المذكورة من الشواذ.
(٦) هو عمر بن أبي ربيعة، والبيت في ديوانه ص٤٩٨ .
(٧) تفسير الرازي ٦/ ٢٧.

٤١٦
سورة البقرة : الآية ٢١٦
واختلفوا مَن المرادُ بهذه الآية، فقيل: أصحابُ النبيِّ وَله خاصة، فكان القتالُ
مع النبيِّ نَّهِ فَرْضَ عَيْن عليهم، فلما استقرَّ الشرعُ صارَ على الكفاية، قاله عطاء
والأوزاعيُّ (١). قال ابنُ جُرَيْج: قلت لعطاء: أواجبٌ الغزوُ على الناس في هذه
الآية؟ فقال: لا، إنما كُتب على أولئك (٢).
وقال الجمهور من الأمة: أوَّلُ فَرْضِه إنما كان على الكفاية دون تعيين(٣)، غير
أن النبيَّ ◌َّ﴿ كان إذا استَنْفَرهم تعيَّنَ عليهم النَّغيرُ لوجوب طاعته.
وقال سعيد بنُ المسّيب: إن الجهاد فرضٌ على كل مسلم في عينه أبداً، حكاه
الماورديُ(٤).
قال ابن عطية(٥): والذي استمرَّ عليه الإجماعُ أن الجهاد على أمّة(٦) محمدٍ وَلَّه
فرضُ كفاية، فإذا قام به مَن قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزلَ العدوُّ
بساحة الإِسلام، فهو حينئذ فرضُ عين، وسيأتي هذا مبيّناً في سورة براءة إن شاء الله
تعالى(٧) .
وذكر المهدوِيُّ وغيرُه عن الثوريِّ أنه قال: الجهادُ تطوٌُّ. قال ابن عطية (٨):
وهذه العبارة عندي إنما هي على سؤال سائل وقد قيم بالجهاد، فقيل له: ذلك
تطوُّع.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كُزَّةٌ لَّكُمْ﴾ ابتداءٌ وخبر، وهو كرةٌ في الطّباع.
قال ابنُ عَرَفةِ: الكُرْهُ المشقَّةُ، والكَرْهُ - بالفتح - ما أُكرهتَ عليه، هذا هو
(١) أخرج أثر الأوزاعي الطبري ٣/ ٦٤٤، وذكر أثر عطاء الواحدي في الوسيط ٣١٩/١، وأوردهما ابن
العربي في أحكام القرآن ١٤٦/١ .
(٢) أخرجه الطبري ٣/ ٦٤٤ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٨٩/١.
(٤) في النكت والعيون ١/ ٢٧٣ .
(٥) المحرر الوجيز ٢٨٩/١.
(٦) في (م): على كل أمة.
(٧) في تفسير الآية (٤١) منها.
(٨) المحرر الوجيز ٢٨٩/١ وعنه نقل المصنف كلام المهدوي السالف.

٤١٧
سورة البقرة : الآية ٢١٦
الاختيار، ويجوزُ الضمُّ في معنى الفتح، فيكونان لغتين (١)، يقال: كرِهتُ الشيءَ
كَرْهاً وكُرْهاً وكراهةً وكراهيةً، وأكرهتُه عليه إكراهاً.
وإنما كان الجهادُ كُرْهاً؛ لأن فيه إخراجَ المال، ومفارقةً الوطن والأهل،
والتعرُّضَ بالجسد للشِّجاج والجراح، وقطعِ الأطراف، وذهاب النفس، فكانت
كراهيتُهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرضَ الله تعالی.
وقال عِكرمةُ في هذه الآية: إنهم كَرِهوه، ثم أحبُّوه وقالوا: سمعنا وأطعنا(٢)،
وهذا لأن امتثالَ الأمر يتضمَّنُ مشقَّةً، لكن إذا عُرف الثوابُ هان في جنبه مُقاساةٌ
المشقّات.
قلت: ومثالُه في الدنيا إزالةُ ما يُؤلم الإنسانَ ويَخاف منه؛ كقطعِ عُضوٍ، وقلع
ضِرسٍ، وفصدٍ، وحِجامةٍ ابتغاءَ العافية ودوام الصحة، ولا نعيمَ أفضلُ من الحياة
الدائمة في دار الخُلد، والكرامةِ في مقعد صدق.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا﴾ قيل: ((عسى)) بمعنى قد، قاله
الأصَمُّ(٣). وقيل: هي واجبة. و((عسى)) من الله واجبةٌ في جميع القرآن إلا قوله
تعالى: ﴿عَسَى رَبُُّ إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ﴾ [التحريم: ٥].
وقال أبو عبيدة: ((عسى)) من الله إيجابٌ(٤)، والمعنى: عسى أن تكرهوا ما في
الجهاد من المشقّة وهو خيرٌ لكم في أنكم تَغلبون وتَظهرون(٥)، وتَغْنَمون وتُوجّرون،
ومن مات مات شهيداً، وعسى أن تحبُّوا الدَّعَةَ وترك القتال وهو شرٌّ لكم في أنكم
تُغْلَبون وتُذلُّون ويذهب أمرُكم.
قلت: وهذا صحيحٌ لا غبارَ عليه، كما اتَّفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد،
(١) في النسخ: لغتان، والمثبت من (م).
(٢) تفسير البغوي ١٨٨/١.
(٣) انظر النكت والعيون ٢٧٣/١ .
(٤) الصحاح (عسى)، وعنه نقل المصنف كلام أبي عبيدة.
(٥) في (د) و(ز) و(م): وتظفرون، والمثبت من (ظ)، وهو موافق لما في المحرر الوجيز ٢٨٩/١، وعنه
نقل المصنف.

٤١٨
سورة البقرة : الآيتان ٢١٧، ٢١٨
وجَبُنُوا عن القتال، وأكثروا من الفِرار، فاستولى العدوُّ على البلاد، وأيُّ بلاد؟! وأَسَر
وقتَل، وسبَى واسترقَّ، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ذلك بما قدَّمَتْه(١) أيدينا وكَسبَتْهُ.
وقال الحسنُ في معنى الآية: لا تَكرهوا المُلِمَّاتِ الواقعة، فلَرُبَّ أمرٍ تكرهُه؛
فيه نجاتُك، ولَرُبَّ أمرٍ تحبُّ؛ فيه عَطَبُك، وأنشد أبو سعيد الضَّرير(٢):
جرَّ أمراً تَرتَّضِيهِ
رُبَّ أمرٍ تَتَّقِيهِ
وبَدَا المكروهُ فيه(٣)
خَفِيَ المحبوبُ منه
قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيَةٍ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرًا بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُ عِندَ اللَّهَّ وَاَلْفِتْنَةُ
أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِّ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَّكُمْ حَى يَرُدُوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُواْ وَمَنْ
يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِىِ الدُّنْيَا
إِنَّ الَّذِينَ ءَمَنُواْ وَالَّذِينَ
وَالْآَخِرَةُ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
٢١V
هَاجَرُواْ وَجَلَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اَللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
فيه اثنتا عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ﴾ تقدَّم القولُ فيه(٤). وروى جريرُ بن عبد
الحميد ومحمد بن فُضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن
عباس قال: ما رأيت قوماً خيراً من أصحاب محمدٍ وَلّر، ما سألوه إلا عن ثلاثَ
عشرةَ مسألة، كلُّهنَّ في القرآن: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ
(١) في (م): قدمت.
(٢) هو أحمد بن خالد البغدادي، اللغوي، الفاضل، لقي ابن الأعرابي وأبا عمرو الشيباني، وحفظ عن
الأعراب نكتاً كثيرة. إنباه الرواة ١/ ٤١ .
(٣) أوردهما البيهقي في شعب الإيمان (١٠١٠٤) من إنشاد أبي عمرو بن نُجيد، وروايتهما:
جرّ أمراً نرتجيه
ربَّ أمر نتقيه
خفي المكروه منه
(٤) ص ٤١٤ من هذا الجزء.
وبدا المحبوب فيه

٤١٩
سورة البقرة : الآيتان ٢١٧، ٢١٨
اَلْحَرَامِ﴾، ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَلَى﴾، ما كانوا يسألون إلا عمَّا ينفعُهم (١). قال ابنُ
عبد البر(٢): ليس في الحديث من الثلاثَ عشرةَ مسألةً إلا ثلاثٌ.
وروى أبو السَّوَّار(٣) عن جُنْدَب بن عبد الله أن النبيَّ وَّ بعث رهطاً، وبعث
عليهم أبا عُبيدة بنَ الحارث - أو عُبيدة بن الحارث - فلما ذهب لينطلقَ، بكى صَبابةً
إلى رسول الله وَّ*، فبعث عبدَ الله بنَ جَحْش، وكتب له كتاباً، وأمره ألَّا يقرأَ
الكتابَ حتى يَبلُغَ مكان كذا وكذا، وقال: ((لا تُكرهنَّ أصحابَك على المسير)»، فلمَّا
بلغ المكانَ، قرأ الكتاب، فاسترجعَ وقال: سمعًا وطاعةً لله ولرسوله، قال: فرجع
رجلان، ومضى بقيّتُهم، فلقُوا ابنَ الحَضْرَمِيِّ، فقتلوه، ولم يَدروا أن ذلك اليوم من
رجب، فقال المشركون: قَتلتُم في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ
الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية (٤).
ورُوي أن سببَ نزولها أن رجلين من بني كِلاب لقيا عمرو بنَ أُميَّةِ الضَّمْريّ(٥)
وهو لا يعلم أنهما كانا عند النبيِّ نََّ، وذلك في أوَّل يومٍ من رجب فقتلَهما،
فقالت قريش: قتلهما في الشهر الحرام، فنزلت الآية(٦).
والقولُ بأن نزولَها في قصة عبد الله بن جحش أكثرُ وأشهرُ، وأن النبيَّ ◌َّ بعثه
مع تسعةِ رَهْطٍ - وقيل ثمانية - في جمادى الآخرة، قبل بَدْر بشهرين، وقيل في رجب.
(١) جامع بيان العلم لابن عبد البر ص٤٢٧-٤٢٨، وأخرجه الدارمي (١٢٧)، والطبراني في الكبير
(١٢٢٨٨) من طريق محمد بن فضيل وحده، عن عطاء، به.
(٢) في جامع بيان العلم ص٤٢٨.
(٣) في النسخ: أبو اليسار، وهو خطأ، والمثبت من مصادر التخريج، وأبو السوار: هو حسان بن حريث
على الراجح، ثقة، قاله الحافظ ابن حجر في العُجاب ١/ ٥٣٧-٥٣٨.
(٤) أخرجه أبو يعلى (١٥٣٤)، والطبري في تفسيره ٦٥٥/٣ - ٦٥٦، وفي تاريخه ٢/ ٤١٥، وابن أبي حاتم
٣٨٤/٢، والطبراني في الكبير (١٦٧٠)، والبيهقي في السنن الكبرى ١١/٩-١٢. قال الحافظ ابن
حجر في العُجاب ٥٣٩/١: وهذا سنده حسن، وقد علَّق البخاري طرفاً منه في كتاب العلم [باب ما
يذكر من المناولة] من صحيحه، وصحح إسناده السيوطي في الدر المنثور ٢٥٠/١.
(٥) أول مشاهده يوم بئر معونة، بعثه النبي وله إلى النجاشي في زواج أمّ حبيبة، وكان من رجال العرب
جرأة ونجدة، عاش إلى خلافة معاوية، ومات بالمدينة. الإصابة ٨٥/٧.
(٦) المحرر الوجيز ٢٨٩/١.

٤٢٠
سورة البقرة : الآيتان ٢١٧، ٢١٨
قال أبو عُمر في كتاب ((الدُّرَر))(١) له: ولمَّا رجع رسول الله وَليل من طلب كُرْز بن
جابر - وتُعرف تلك الخَرْجُ بیدر الأولى - أقام بالمدينة بقيّة جُمادى الآخرة ورجباً،
وبعث في رجب عبد الله بن جحش بن رِئاب الأسديَّ ومعه ثمانيةُ رجال من
المهاجرين، وهم: أبو حذيفة بنُ عُتبة، وعُكَّاشةُ بنُ مِحْصَن، وعُثْبةُ بن غَزْوان،
وسُهيلُ بن بَيْضاء الفِهريُّ، وسعدُ بن أبي وَقَّاص، وعامرُ بن ربيعة، وواقدُ بن
عبد الله التميميُّ، وخالدُ بن ◌ُگیر الليثيُّ.
وكتب لعبد الله بن جحش كتاباً، وأمره ألَّ ينظرَ فيه حتى يسيرَ يومين، ثم ينظرَ
فيه، ولا يَسْتَكْرِه أحداً من أصحابه، وكان أميرَهم، ففعل عبد الله بن جحش ما أمره
به، فلما فتح الكتاب وقرأه وجد فيه: ((إذا نظرتَ في كتابي هذا؛ فامضٍ حتى تنزلَ
نَخْلةَ بين مكةَ والطَّائف، فتَرصَّدْ بها قريشًا، وتَعلَّمْ لنا من أخبارهم)). فلما قرأ
الكتابَ قال: سمعًا وطاعةٌ، ثم أخبر أصحابَه بذلك، وبأنه لا يَستكرِهُ أحداً منهم،
وأنه ناهضٌ لوجهه بمن أطاعه، وأنه إن لم يُطعْه أحدٌ مضى وَخْدَه، فمن أحبَّ
الشهادةَ فَلْيَنْهَضْ، ومَن كره الموت فليرجِعْ. فقالوا: كلَّنا نرغبُ فيما ترغب فيه،
وما منَّا أحدٌ إلا وهو سامعٌ مطيعٌ لرسول اللهِ وَّلـ
ونهضوا معه، فسلك على الحجاز، وشَرَد لسعد(٢) بن أبي وقَّاص وعُتْبةً بن
غَزْوان جملٌ كانا يَعتقِبانه، فتخلَّفا في طلبه، ونَفَذ عبد الله بن جحش مع سائرهم
لوَجهه حتى نزلَ بنخلة، فمرَّت بهم عِيرٌ لقريش تحمل زبيباً وتجارةً، فيها عمرو بنُ
الحضرميِّ - واسم الحضرميِّ عبدُ الله بن عَبَّاد، من الصَّدَف، والصَّدَف بطنٌ من
حَضرَمَوت - وعثمانُ بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفلُ بن عبد الله بن المغيرة
المخزوميَّان، والحكمُ بن كَيْسان مولى بني المغيرة، فتشاور المسلمون وقالوا: نحن
في آخر يومٍ من رجب الشهر الحرام، فإنْ نحن قاتلناهم هتكنا حُرمةَ الشهر الحرام،
وإن تركناهم الليلة دخلوا الحَرَم. ثم اتفقوا على لقائهم، فرمى واقدُ بن عبد الله
(١) واسمه بتمامه: الدرر في اختصار المغازي والسير، والنص فيه ص ٩٧ -٩٩ .
(٢) هنا ينتهي الخرم في النسخة (خ) المشار إليه في ص ٣٩٠.