النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
سورة البقرة : الآية ٢٠٤
بوصل الألف تخفيفاً (١)، والعرب قد تستعمله. قال الشاعر:
إن لم أُقاتِل فالْبِسوني بُرْقُعا(٢)
ثم أمر الله تعالی بالتقوى، وذگَّر بالحشر والوقوف.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا
فِي قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ
٢٠٤
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُّكَ قَوْلُ﴾ لما ذَكَرَ الَّذين قصُرت ممَّتُهم
على الدنيا في قوله: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِىِ الدُّنْيَا﴾، والمؤمنين
الذين سألوا خيرَ الدَّارين، ذكَرَ المنافقين؛ لأنَّهم أظهروا الإيمانَ وأَسرُّوا الكفرَ.
قال السُّدِّيُّ وغيرُه من المفسِّرين: نزلت في الأَخْنس بن شَرِيق، واسمه أُبيّ،
والأخنسُ لقبٌ لُقِّبَ به؛ لأنَّه خَس يومَ بدر بثلاث مئة رجل من حلفائه من بني
زُهْرةَ عن قتال رسول الله وَّةِ، على ما يأتي في ((آل عمران)» بيانُه، وكان رجلاً حُلوَ
القول والمَنْظَر، فجاء بعد ذلك إلى النَّبِيِ وَّهِ، فأظهرَ الإِسلامَ، وقال: اللهُ يعلمُ أنّي
صادقٌ، ثم هربَ بعدَ ذلك، فمَرَّ بزرع لقوم من المسلمين وبحُمُر، فأحرقَ الزرعَ،
وعَقرَ الحُمُر.
٥ حَّازٍ مَّتَّكِ يِنِيمٍ﴾
قال المهدويُّ: وفيه نزلت ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ كَلَّافٍ مَّهِينٍ
[القلم: ١٠- ١١] و﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَقِ لُّمَزَوْ﴾ [الهمزة: ١].
قال ابن عطية(٣): ما ثبتَ قطُ أنَّ الأخنسَ أسلم. وقال ابن عباس: نزلت في قوم
من المنافقين تكلّموا في الذين قُتلوا في غزوة الرَّجِيعِ: عاصم بن ثابت، وخُبَيب،
(١) المحتسب ٢٢٠/١، والمحرر الوجيز ٢٧٨/١.
(٢) لم نقف على قائله، وذكره أبو علي الفارسي في الحجة ٢١١/٣، ٣٠٧، ٦/ ٣٤٠، وابن جني في
المحتسب ١٢٠/١، وفي الخصائص ١٥١/٣، وأورد معه الفارسي في الموضع الأخير بيتاً آخر وهو:
وفَتّحاتٍ في اليدين أربعا
(٣) المحرر الوجيز ٢٧٩/١.

٣٨٢
سورة البقرة : الآية ٢٠٤
وغيرهم، وقالوا: وَيْحَ هؤلاء القوم، لا هُمْ قَعدوا في بيوتهم، ولا هم أدَّوْا رسالةً
صاحبِهم؛ فنزلت هذه الآيةُ في صفات المنافقين، ثم ذكرَ المستشهدين في غزوة
الرَّجِيع في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبِغَاءَ مَرْضَاتِ الَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
وقال قتادةُ ومجاهدٌ وجماعة من العلماء: نزلت في كلِّ مُبْطنٍ كفرًا أو نفاقًا أو
كذبًا أو إضرارًا، وهو يُظهر بلسانه خلافَ ذلك، فهي عامَّة، وهي تُشبهُ ما وردَ في
الترمذيِّ أنَّ في بعض كُتب الله تعالى: إن من عباد الله قومًا ألسنتُهم أحلى من
العسل، وقلوبُهم أمرُّ من الصَّبر، يَلبَسون للنَّاس جلود الضأن من اللِّين، يشترون
الدُّنيا بالدِّين، يقول الله تعالى: أبي يَغترُون؟ وعليَّ يَجترؤون؟ فَبي حلفتُ لَأُتيحنَّ
لهم(١) فتنةً تدعُ الحليمَ منهم حيران(٢).
ومعنى ((وَيُشْهِدُ اللهَ)) أي: يقول: اللهُ يعلمُ أني أقولُ حقًّا.
وقرأ ابن مُحيصن: ((ويَشْهَدُ اللهُ على ما في قَلْبِه)) بفتح الياء والهاء في ((يَشْهَدُ)،
((الله) بالرفع(٣)، والمعنى: يعجبُك قولُه، والله يعلمُ منه خلافَ ما قال. دليلُه قولُه:
﴿وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
وقراءة ابنِ عباس: ((واللهُ يَشْهَدُ على ما في قَلْبِه)). وقراءةُ الجماعة أبلغُ في
الذَّم؛ لأنه قوَّى على نفسه التزامَ الكلام الحسن، ثم ظهر من باطنه خلافُه. وقرأَ
أَبَيِّ وابنُ مسعود: ((ويَسْتَشْهِدُ اللهَ على ما في قَلْبِه))(٤) وهي حُجةٌ لقراءة الجماعة.
الثانية: قال علماؤنا: وفي هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط فيما يتعلَّق بأمور
الدِّين والدنيا، واستبراءٍ أحوال الشهود والقُضاة، وأنَّ الحاكمَ لا يعملُ على ظاهر
أحوال النَّاس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم حتى يبحثَ عن باطنهم؛ لأنَّ الله تعالى
(١) في (د) و(ز): لأسلطن عليهم، وهي نسخة في هامش (خ).
(٢) المحرر الوجيز ٢٧٩/١، وأخرجه الترمذي (٢٤٠٤) بنحوه من حديث أبي هريرة، و(٢٤٠٥) من
حديث ابن عمر، وذكره المصنف ٣٥/١ من حديث أبي الدرداء. وهو حديث ضعيف كما ذكرنا ثمَّة.
(٣) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢ -١٣ وزاد نسبتها للحسن. ووقع عنده: ((ويَشْهَدوا)).
(٤) انظر المحرر الوجيز ٢٧٩/١، وذكر القراءة ابن خالويه ص١٣ ووقع عنده: ((ويستشهدوا))،
والزمخشري في الكشاف ٣٥٢/١.

٣٨٣
سورة البقرة : الآية ٢٠٤
بَيَّنَ أحوالَ النَّاسِ، وأنَّ منهم مَنْ يُظهر قولاً (١) جميلاً وهو يَنوي قبيحًا(٢).
فإن قيل: هذا يعارضُه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((أُمِرْتُ أنْ أقاتلَ النَّاسَ حتى
يقولوا: لا إلهَ إلَّ اللهُ)(٣) الحديث، وقولُه: ((فأقضِي له على نَحوِ ما أسمَع))(٤).
فالجوابُ أنَّ هذا كان في صَدْرِ الإِسلام، حيثُ كان إسلامُهم سلامتَهم، وأمَّا
وقد عمَّ الفسادُ فلا، قالَه ابنُ العربي(٥) .
قلتُ: والصَّحيحُ أنَّ الظاهرَ يُعمل عليه حتى يتبيَّن خلافُه؛ لقول عمرَ بنِ
الخطّابِ رضيَ اللهُ عنه في صحيح البخاري: أيها الناس، إنَّ الوَحْيَ قد انقطعَ،
وإنَّما نأخذُكُم الآنَ بما ظهرَ لنا من أعمالكم، فمن أظهرَ لنا خيراً أَمِنَّاهُ وقرَّبناه،
وليسَ لنا من سريرته شيءٌ، اللهُ يحاسبُه في سريرته، ومن أظهرَ لنا سوءًا لم نأمنه(٦)
ولم نصدِّقه، وإِنْ قالَ إنَّ سريرته حسنة(٧).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ الألدُّ: الشديدُ الخصومة، وهو رجل
أَلَدُّ، وامرأة لَذَّاء، وهم أهلُ لَدَدٍ. وقد لَدِدْتَ - بكسر الدَّال - تَلَدُّ - بالفتح - لَدَداً،
أي: صِرْتَ أَلَّد. وَلَدَدْتُه - بفتح الدَّال - أَلُدُّه - بضمِّها - إذا جادلتَه فغلبتَه. والأَلدُّ
مشتقٍّ من الَّلَدِيدَيْن، وهما صَفْحتا العُنُق، أي: في أيِّ جانب أَخَذَ من الخصومة
غَلبَ(٨). قال الشاعر:
وألذَّ ذي حَنَقِ عليَّ كأنَّما تَغْلِي عَداوةٌ صَدْرِهِ في مِرْجَلٍ (٩)
(١) في (خ): قوله.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٣/١ .
(٣) قطعه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه أحمد (٦٧) والبخاري (٦٩٢٤) ومسلم (٢٠).
(٤) قطعة من حديث أم سلمة رضي الله عنها، أخرجه أحمد (٢٦٤٩١) والبخاري (٦٩٦٧) ومسلم (١٧١٣).
(٥) أحكام القرآن ١٤٣/١ -١٤٤.
(٦) في (م): نؤمنه.
(٧) صحيح البخاري (٢٦٤١). قوله: أَمِنَّاه؛ قيَّده الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٥/ ٢٥٢ بهمزة بغیر مدّ،
ومیم مكسورة، ونون مشددة، من الأمن، وقال: أي: صيَّرناه عندنا أميناً.
(٨) ينظر معاني القرآن للزجَّاج ٢٧٧/١ .
(٩) قائله ربيعة بن مقروم الضبيّ، والبيت في شرح ديوان الحماسة المرزوقي ٦٤/١، وهو على تقدير
(ُبَّ)) في أوله؛ كما قال شارحه.

٣٨٤
سورة البقرة : الآية ٢٠٥
وقال آخر:
إنَّ تَحتَ الثُّرابِ عَزْماً وحَزْماً وخَصبمًا ألذَّ ذا مِغْلاقٍ(١)
و((الخِصام)) في الآية مصدرُ خاصمَ؛ قاله الخليلُ. وقيل: جمعُ خَصْم؛ قالَه
الزجاج(٢)، کگلب وكلاب، وصعب وصِعاب، وضخم وضِخام.
والمعنى: أشَدُّ المخاصمين خُصومَةٌ، أي: هو ذو جِدال؛ إذا كلَّمك وراجَعك
رأيتَ لكلامِه طَلاوَةً، وباطنُه باطل.
وهذا يدلُّ على أنَّ الجِدال لا يجوزُ إلَّا بما ظاهرُه وباطُه سواءٌ.
وفي صحيح مسلم(٣) عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَله: (إنّ
أَبْغضَ الرِّجالِ إلى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ)).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِ الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ
١٢٠٥
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِ اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ قيل: ((تولَّى)) و((سعى))
مِن فِعْلِ القلب، فيَجيءُ ((تولَّى)) بمعنى ضلَّ وغضِبَ، وأَنِفَ في نفسه، و((سعی))
أي: سَعى بحيلته وإرادته الدوائرَ على الإسلام وأهله. عن ابن جُرَيْج وغيره.
وقيل: هما فعل شخص(٤)، فيجيءُ ((تولَّى)) بمعنى: أدبرَ وذهبَ عنك يا محمد.
و((سعى)) أي: بقدميه، فقطعَ الطَّريقَ وأفسدَها؛ عن ابن عباس وغيرِهِ. وكلا السَّعيين
فساد(٥). يقالُ: سعى الرَّجلُ يَسْعَى سعيًا، أي: عَدا، وكذلك إذا عَمِلَ وكسَبَ.
(١) قائله مُهَلھل، کما في الكامل ٥٦/١، وروايته فيه:
إنَّ تحت الأحجار حَزْماً وجوداً
وخصيماً ألدَّ ذا مِغْلاق
قال المبرِّد: ويروى: مغْلاق، يعني أنه يغلق الحجة على الخصم، ومن قال: ذا مِعْلاق، فإنما يريد أنه
إذا عَلِقَ خصماً لم يتخلّص منه.
(٢) انظر معاني القرآن له ٢٧٧/١.
(٣) برقم (٢٦٦٨)، وأخرجه أحمد أيضاً (٢٤٢٧٨) والبخاري (٢٤٥٧).
(٤) في (خ) و(م): الشخص.
(٥) المحرر الوجيز ١/ ٢٨٠، وأخرج الطبري ٣/ ٥٨٠ قول ابن عباس، وقول ابن جريج ٥٨١/٣.

٣٨٥
سورة البقرة : الآية ٢٠٥
وفلانٌ يَسعى على عِياله، أي: يعملُ في نفعهم.
قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ﴾ عطفٌ على ((لِيُفسِدَ)). وفي قراءة أُبَيّ: ((وَلِيُهْلِكَ)).
وقرأ الحسنُ وقَتادةُ: ((ويُهلِكُ)) بالرفع، وفي رفعه أقوالٌ: يكونُ معطوفاً على
((يُعجِبُكَ)). وقال أبو حاتم: هو معطوفٌ على ((سعى))؛ لأنَّ معناه يَسعى ويُهلِكُ،
وقال أبو إسحاق: وهو يُهلِكُ. ورُويَ عن ابن كثير: «ویَهلِكُ» بفتح الياء وضمّ
الكاف، ((الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ)) مرفوعانِ بَيَهلِكُ(١)؛ وهي قراءةُ الحسنِ وابنِ أبي إسحاقَ
وأبي حَيْوَةً وابنٍ مُحيصن، ورواه عبدُ الوارث عن أبي عمرو (٢).
وقرأ قوم: ((ويَهلَكُ)) بفتح الياء واللام، ورفع الحرث(٣)، وهي(٤) لغة؛ هَلَكَ
يَهْلَكُ؛ مثل: رَكْنَ يَرَكَنُ، وأَبَى يَأْبَى؛ وسَلَى يَسْلَى، وقَلَى يَقْلَى، وشِبهه(٥).
والمعنيُّ في الآية: الأخْنسُ في إحراقه الزرع وقتلِهِ الحُمُرَ، قَالَه الطَّريُّ(٦).
قال غيرُه: ولكنَّها صارت عامةً لجميع النَّاس، فمن عمل مثلَ عملهِ استوجبَ
تلك اللَّعنةَ والعُقوبة. قال بعض الحكماء(٧): إنَّ مَنْ يقتلُ حماراً أو يحرِقُ كُذْساً(٨)
استوجبَ المَلامةَ، ولَحِقَه الشَّيْنُ إلى يوم القيامة (٩).
وقال مجاهد: المرادُ أنَّ الظالمَ يفسدُ في الأرض، فيُمسكُ الله المطرَ، فيُهلِكُ
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/١، ونقل ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٢٨٠ أن المهدوي حكى عن
ابن كثير: ويُهلكُ، بضم الياء والكاف، والحرث، بالنصب. اهـ. وما ذكروه من الرواية عن ابن كثير
هي غير المتواترة عنه، وأما القراءة المتواترة عنه، فهي كقراءة الجماعة.
(٢) المحرر الوجيز ٢٨٠/١، والرواية المذكورة عن أبي عمرو هي غير المتواترة عنه، وأما المتواترة عنه،
فهي كقراءة الجماعة. ونسب ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٣ ((يُهلكُ)) بالرفع، للحسن،
و ((يَهلِكَ)) بفتح الياء والكاف، لأبي حيوة، ويَهلكُ الحرثُ والنسلُ، بالرفع، لابن محيصن.
(٣) نسبها ابن جني في المحتسب ١٢١/١ للحسن وابن أبي إسحاق وابن محيصن.
(٤) لفظ: ((وهي)) ليس في (م).
(٥) انظر المحرر الوجيز ٢٨٠/١.
(٦) في تفسيره ٢٢٩/٤-٢٣٠.
(٧) في (ز) و(م): العلماء، والمثبت من (خ) و(د) و(ظ)، وهو الموافق لما في تفسير أبي الليث ١٩٦/١.
(٨) في القاموس: الكُدس، بالضم: الحبُّ المحصود المجموع.
(٩) تفسير أبي الليث ١٩٦/١.

٣٨٦
سورة البقرة : الآية ٢٠٥
الحَرْثَ والنَّسْل(١). وقيل: الحرثُ النساءُ، والنَّسْلُ الأولادُ، وهذا لأن النفاقَ يؤدِّي
إلى تفريقِ الكلمةِ ووقوع القتال، وفيه هلاكُ الخلق؛ قال معناه الزَّجَّاج(٢).
والسَّعيُ في الأرض المشيُّ بسرعة، وهذه عبارةٌ عن إيقاع الفتنةِ والتضريب بينَ
النَّاس، والله أعلم.
وفي الحديث: ((إنَّ النَّاسَ إذا رَأَوُا الظَّالِمَ ولَمْ يأخُذوا على يَديه، أَوْشَكَ أن
يَعُمَّهُمُ اللهُ بعِقَابٍ مِنْ عِنْدِه))(٣). وسيأتي بيانُ هذا إنْ شاءَ اللهُ تَعالى(٤).
قوله تعالى: ﴿الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ﴾ الحَرْثُ في اللغة: الشَّقُّ، ومنه المِحْراث لِما
يُشَقُّ به الأرض. والحَرْثُ: كسبُ المال وجمعُه، وفي الحديث: ((احْرُتْ لدنياكَ
كأنك تعيشُ أبداً)). والحَرْثُ الزَّرعُ. والحُرَّاث الزُّرَّاعِ. وقد حَرَثَ واخْتَرَثَ؛ مثل:
زَرَعَ وازْدَرَعَ، ويقال: احْرُثِ القرآنَ، أي: ادْرُسْه. وحَرَثتُ النَّاقَةَ وأحرثتُها، أي:
سِرْتُ عليها حتَّى هُزِلَت، وحرثتُ النَّار: حرَّكتُها. والمِحراثُ: ما يُحرَّكُ به نارُ
التُّّور. عن الجوهري(٥).
والنَّسْلُ: ما خرجَ من كلِّ أنثى من ولَد، وأصلُه: الخروجُ والسُّقوطُ؛ ومنه: نَسَلَ
الشَّعَرُ، وريشُ الطائر، والمستقبل يَنْسِلُ؛ ومنه ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]،
كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾(٦) [الأنبياء: ٩٦]. وقال امرؤ القيس:
فَسُلِّي ثيابي من ثيابِكِ تَنْسُل(٧)
(١) أخرجه الطبري عنه ٥٨٣/٣ بنحوه.
(٢) معاني القرآن له ١/ ٢٧٧ .
(٣) أخرجه أحمد (٢٩) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
(٤) عند تفسير الآية (١٠٥) من سورة المائدة.
(٥) الصحاح (حرث) والحديث المذكور أخرجه الحارث (١٠٩٣) (بغية الباحث) بلفظ: ((احرز لدنياك)).
وأورده السيوطي بنحوه في الجامع الصغير ١٢/٢ برقم (١٢٠١) ورمز لضعفه، وقال المناوي في شرح
الجامع ١٢/٢: رواه الديلمي ورمز لضعفه؛ وذلك لأن فيه مجهولاً وضعيفاً، وهو موقوف على عبد
الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بلفظ: ((اعمل عمل امرئ ... )).
(٦) المحرر الوجيز ٢٨٠/١.
(٧) ديوانه ص١٣، وصدر البيت: وإنْ كنتِ قد ساءَتكِ منّي خَلیقةٌ. قال شارحه: أي إن كان في خلقي ما
لا ترتضينه، فاقطعي أمري من أمرك.

٣٨٧
سورة البقرة : الآية ٢٠٦
قلتُ: ودلَّت الآيةُ على الحرث وزراعةِ الأرض، وغرسِها بالأشجار حملًا على
الزَّرع، وطَلَبِ النَّسْل، وهو نَماءُ الحيوان، وبذلك يَتُّ قِوامُ الإنسان. وهو يردُّ على
مَن قال بترك الأسباب، وسيأتي بيانُه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى(١).
قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ قال العباسُ بنُ الفضل: الفسادُ هو
الخرابُ. وقال سعيد بنُ المسيِّب: قطعُ الدَّراهمِ من الفساد في الأرض(٢).
وقال عطاء: إنَّ رجلاً كانَ يُقال له عطاء بن منبِّه؛ أحرمَ في جُبَّة، فأمرَه
النبيُّ وَّهِ أَنْ يَنزِعَها. قالَ قَتادةُ: قلتُ لعطاء: إنا كنا نسمعُ أنْ يَشقَّها؛ فقال عطاء:
إنَّ اللهَ لا يحبُّ الفسادَ.
قلتُ: والآيةُ بعمومها تعمُّ كلَّ فسادٍ كان في أرض أو مال أو دِين، وهو
الصَّحيحُ إنْ شاء الله تعالى. قيل: معنى لا يحبُّ الفسادَ، أي: لا يحبُّه من أهل
الصَّلاح، أو لا يحبُّه دينًا(٣).
ويحتملُ أن يكونَ المعنى: لا يأمرُ به، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثٍّْ فَحَسْبُمُ جَهََّمٌ وَلَيْسَ
الْمِهَادُ
هذه صفةُ الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زَهْوًا، ویُکرہ للمؤمن أن يُوقعہ الحرجُ
في بعض هذا. وقال عبد الله: كفى بالمرءِ إثمًا أنْ يقولَ له أخوه: اتَّقِ الله، فيقول:
عليك بنفسك(٤)؛ مثلك يُوصيني؛ أنت تأمرني(٥)!
والعزَّةُ: القُوَّة والغَلَبةُ؛ مِنْ عَزَّه يَعُزُّه: إذا غلَبَه. ومنه: ﴿وَعَزَّنِ فِ
(١) في تفسير الآية (١٢٥) من سورة آل عمران.
(٢) أورده البغوي ١/ ١٨٠ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٨٠/١.
(٤) المحرر الوجيز ١/ ٢٨١، وأخرج البيهقي قول عبد الله بن مسعود في شعب الإيمان (٨٢٤٦) بلفظ: إن
من أكبر الذنب ...
(٥) قوله: أنت تأمرني، من (د)، وهامش (خ). ووقع في (ز): مثلك أنت تأمرني؟ وفي (ظ): مثلك أنت
يأمرني يوصيني.

٣٨٨
سورة البقرة : الآية ٢٠٦
اَلْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] وقيل: العِزَّةُ هنا الحَمِيَّة، ومنه قول الشاعر:
أَخَذَتْه عِزَّةٌ مِنْ جَهْلِهِ فَتَولَّى مُغْضَباً فِعْلَ الضَّجِرُ(١)
وقيل: العزَّةُ هنا المَنَعَةُ وشدَّةُ النَّفس، أي: اعتزَّ في نفسه وانتَخى، فأوقعتْه
تلك العزَّةُ في الإثم حين أخذتْه وألزمته إيّاه(٢).
وقال قتادة: المعنى إذا قيل له: مَهْلًا، ازداد إقداماً على المعصية (٣)،
والمعنى: حملته العزَّةُ على الإثم. وقيل: أخذته العزَّةُ بما يؤثمُه، أي: ارتكبَ
الكفرَ للعزَّة وحميَّةِ الجاهلية. ونظيره: ﴿َلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى عِزَِّ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢].
وقيل: الباء في ((بالإثم)) بمعنى اللام، أي: أخذته العزَّةُ والحَمِية عن قَبول
الوَعظ للإثم الذي في قَلْبه، وهو النِّفاقُ، ومنه قول عَنْترةَ يصِفُ عَرَقِ النَّاقة:
وكأَنَّ رُبَّا أو كُحَيْلًا مُعْقَدًا حَشَّ الوَقودُ به جوانبَ قُمْقُم (٤)
أي: حَشَّ الوَقودُ له.
وقيل: الباءُ بمعنى مع، أي: أخذَتْه العِزَّةُ مع الإثم؛ فمعنى الباء يختلفُ
بحسب التأويلات.
وذُكر أنَّ يهوديّاً كانت له حاجةٌ عندَ هارون الرَّشيد، فاختلفَ إلى بابه سنةً، فلم
يَقضِ حاجته، فوقفَ يومًا على الباب؛ فلمَّا خرجَ هارونُ سعى حتى وقفَ بينَ يَديه
وقال: اتقِ اللهَ يا أميرَ المؤمنين! فنزلَ هارونُ عن دابَّتِهِ وخرَّ ساجدًا، فلمَّا رفعَ رأسَه
أمرَ بحاجته فقُضيَت. فلمَّا رجعَ قيل له: يا أميرَ المؤمنين، نزلْتَ عن دابَّتك لقول
يهوديٍّ! قال: لا، ولكنْ تذكَّرتُ قولَ الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْمِزَّةُ
بِآلْإِثْرٍ فَحَسْبُهُ جَهََّمٌ وَلَيْسَ اَلْمِهَادُ ﴾﴾(٥).
(١) زاد المسير ٢٢٢/١.
(٢) المحرر الوجيز ٢٨١/١، ووقع في (خ) و(ظ): إباءً.
(٣) الوسيط للواحدي ٣١١/١.
(٤) ديوانه ص٢٢، والرُّبُّ، بالضم: سُلافة خُثارة كلِّ ثمر بعد اعتصارها. والكُحيل، كزُبير: القَطِرانُ؛
يُطلى به الإبل. القاموس: (ربب، كحل). والمُعْقَدُ: الذي أُوقد تحته النار حتى انعقد وغَلُظ. وحَشَّ
بمعنى احتشَّ، أي: أنَّقد. شرح القصائد السبع ص٣٣٢ لابن الأنباري.
(٥) تفسير أبي الليث ١٩٦/١ .

٣٨٩
سورة البقرة : الآية ٢٠٧
حسبُه، أي: كافيه مُعاقبةً وجزاءً؛ كما تقول للرَّجل: كفاكَ ما حلَّ بك! وأنتَ
تَستعِظِمُ وتُعظّمُ عليه ما حلَّ.
والمِهادُ جمعُ المَهد، وهو المَوْضِعُ المهيّأُ للنّوم، ومنه مَهْدُ الصَّبيّ، وسمَّى
جهنّم مهاداً لأنَّها مستقرُّ الكُفَّار. وقيل: لأنَّها بدلٌ لهم من المِهاد؛ كقوله:
﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، ونظيرُه من الكلام قولهم:
تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ(١).
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاَللَّهُ رَءُوفٌ
بِالْعِبَادِ
((ابتغاء)) نُصب على المفعول من أجله. ولمَّا ذكرَ صنيعَ المنافقين، ذكرَ بعدَه
صنيعَ المؤمنين.
قيل: نزلت في صهيب، فإنَّه أقبلَ مهاجراً إلى رسول الله وَّهِ، فاتَّبعه نفرٌ من
قريش، فنزلَ عن راحلته، وانْتَثَل(٢) ما في كِنانته، وأخذَ قوسَه، وقال: لقد علِمتُم
أنّي من أرماكُم، وايْمُ اللهِ، لا تَصِلُون إليَّ حتى أرميّ بما في كِنانتي، ثمَّ أضربَ
بسيفي ما بقيَ في يَدي منه شيءٌ، ثمَّ افعلوا ما شِئتم. فقالوا: لا نَتْرُكُك تذهبُ عنَّا
غنيًّا وقد جِئتَنا صُعْلوكًا، ولكنْ دُلَّنا على مالِكَ بمكّةً ونُخَلِّ عنك، وعاهدوه على
ذلك، ففعلَ، فلمَّا قَدِمَ على رسول الله وَل ◌َهُ نزِلَت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ
أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اَلَهُ﴾ الآية، فقالَ له رسولُ اللهِ وَّهِ: ((رَبِحَ البيعُ أبا يحيى))؛ وتلا
عليه الآية، أخرجَه رَزِين؛ وقاله سعيدُ بنُ المسيِّب رضيَ اللهُ عنهما (٣).
(١) المحرر الوجيز ٢٨١/١، وهذا عجز بيت، صدره: وخيلٍ قد دلَفْتُ لها بخيلٍ. ونسبه الشنتمري في
شرح شواهد الكتاب ص ٣٦٠ لعمرو بن معدي كرب. وقال: الشاهد فيه جعل الضرب تحية على
الاتساع، وإنما ذكر هذا تقوية لجواز البدل فيما لم يكن من جنس الأول. وهو في الخزانة ٩/ ٢٥٧.
(٢) نَثَلَ الكِنانَةَ يَنْثِلُها: استخرجَ نبلَها فنثرها. القاموس (نثل).
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢٢٨/٣، والحارث (٦٧٩) (بغية الباحث) وابن أبي حاتم (١٩٣٩)،
وأبو نعيم في الحلية ١/ ١٥١ عن سعيد بن المسيب.
وأخرج الطبري ٥٩١/٣ عن عكرمة أنها نزلت في صهيب وأبي ذرّ وجندب بن السَّكّن.

٣٩٠
سورة البقرة : الآية ٢٠٧
وقالَ المفسرون(١): أخذَ المشركونَ صُهيباً فعذَّبوه، فقال لهم صُهيب: إنِّي شيخٌ
كبير، لا يضرُّكم أمِنْكُم كنتُ أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتَذروني
وديني؟ ففعلوا ذلك، كانَ شرطَ عليهم راحِلةٌ ونفقةً؛ فخرج إلى المدينة فتلقَّاهُ أبو بكر
وعمرُ رضيَ الله عنهما ورجالٌ، فقال له أبو بكر: رَبحَ بَيْعُك أبا يحيى. فقال له
صُهيب: وبيعُك فلا يخسرُ، فما ذاك؟ فقال: أنزلَ الله فيك كذا؛ وقرأ عليه الآيةَ(٢).
وقالَ الحسنُ: أتدرونَ فيمن نزلت هذه الآية؟ نزلت في المسلم لَقِيَ الكافرَ
فقال له: قلْ لا إلهَ إلَّ الله، فإذا قلتَها عصمْتَ مَالَك ونفسَك، فأبى أنْ يقولَها،
فقال المسلم: والله لأَشْرِيَنَّ نفسي لله، فتقدَّمَ فقاتلَ حتى قُتل.
وقيل: نزلَت فيمَن أمرَ بالمعروف ونَهى عن المنكر، وعلى ذلك تأوَّلها عمرُ
وعليٍّ وابنُ عباس رضي الله عنهم، قال عليٍّ وابنُ عباس: اقتتلَ الرجلان، أي:
قال المغيِّر للمفسد: اتَّقِ اللهَ، فأبى المفسدُ وأخذَته العِزَّةُ بالإثم(٣)، فشَرَى المُغَيِّر
نفسَه من الله وقاتلَه فاقتتلا .
وقال أبو الخليل: سمع عمرُ بنُ الخطاب إنساناً يقرأُ هذه الآيةَ، فقال عمرُ:
إنَّا لله وإنّا إليه راجعون؛ قامَ رجل يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر فقُتل(٤).
وقيل: إنَّ عمرَ سمع ابنَ عباس يقول: اقتتلّ الرجلان عند قراءة القارئ هذه
الآيةَ، فسألَه عمَّا قال، ففسَّر له هذا التفسيرَ، فقال له عمرُ: للهِ تِلادُك يا ابنَ عباس!
وقيل: نزلت فيمَن يَقتحمُ القتالَ؛ حمَلَ هشامُ بن عامر على الصَّفِّ في
القُسْطَنْطِينِيّة فقاتلَ حتى قُتل، فقرأَ أبو هريرةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَآءَ
مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾(٥)؛ ومثلُه عن أبي أيوب.
(١) ثمة سقط في النسخة (خ)، من هذا الموضع إلى قوله: وشرد لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان
جمل، في المسألة الأولى من تفسير الآية (٢١٧) ص ٤٢٠.
(٢) تفسير أبي الليث ١٩٦/١، وتفسير البغوي ١/ ١٨٢، وأخرج الطبري ٣/ ٥٩٢ نحوه عن الربيع.
(٣) قوله: بالإثم، من (د) و(ز).
(٤) تفسير البغوي ١/ ١٨٢-١٨٣. وأخرج الطبري ٥٩٣/٣ -٥٩٤ خبر الحسن وعمر رضي الله عنهما، وأبو
الخليل: هو صالح بن أبي مريم الضبعي مولاهم، من رجال التهذيب.
(٥) أخرجه الطبري ٥٩٣/٣.

٣٩١
سورة البقرة : الآية ٢٠٧
وقيل: نزلت في شهداء غَزْوة الرَّجِيع. وقال قتادة: هم المهاجرون
والأنصار(١). وقيل: نزلت في عليٍّ رضي اللهُ عنه حين تركّه النَّبيُّ وَلّ على فراشه
ليلةَ خرِجَ إلى الغار؛ على ما يأتي بيانُه في ((براءةً)) إنْ شاء الله تعالى(٢).
وقيل: الآيةُ عامَّةٌ، تتناولُ كلَّ مجاهد في سبيل الله، أو مُستشهدٍ في ذاته، أو
مُغيِّرٍ مُنكرٍ (٣). وقد تقدَّم حكمُ مَن حَمَلَ على الصفّ، ويأتي ذكرُ المغيِّر للمنكر
وشروطه وأحكامه في ((آل عمران)) إنْ شاء اللهُ تعالى(٤).
و(يَشري)) معناه يبيعُ؛ ومنه: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنْ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أي: باعوه،
وأصلُه الاستبدالُ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهُ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَلَم
بِأَنَ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. ومنه قول الشاعر:
شَرَوْا هذه الدُّنيا بجنَّاتِه الخُلْدِ(٥)
وإنْ كانَ ريبُ الدَّهر أمضاكَ في الأُلَى
وقال آخر:
وشَرِيتُ بُرْدًا ليتّني
البرد هنا اسم غلام. وقال آخر:
من بعد بُرْدٍ كنتُ هَامَةُ(٦)
يعطي بها ثمنا فيمنعها
ويقول صاحبها(٧) أَلَا تشري (٨)
وبيعُ النَّفْس هنا هو بَذلُها لأوامر الله تعالى. ((ابتغاءَ)) مفعول من أجله.
(١) زاد المسير ٢٢٤/١.
(٢) في تفسير الآية (٤٠) منها .
(٣) المحرر الوجيز ٢٨١/١.
(٤) في تفسير الآية (٢٢) منها .
(٥) لم نقف عليه.
(٦) قائله يزيد بن مفرغ الحميري، والبيت في ديوانه ص ١٤٤. والهامة: من طيور الليل، وكانت العرب
تزعم أن روح القتيل الذي لا يُدرَك ثاره تصير هامة تقول عند قبره: اسقوني اسقوني، فإن أُدرِك ثاره
طارت. مختار الصحاح: (هام).
(٧) في النسخ الخطية: صاحبه، والمثبت من (م).
(٨) في (د): نشري، وفي (ز): تشتري، وفي (م): فاشر، والمثبت من (ظ). ولم نقف عليه.

٣٩٢
سورة البقرة : الآية ٢٠٨
ووقفَ الكسائيِّ على ((مَرْضات)) بالتاء، والباقون بالهاء (١). قال أبو علي: وَقْفُ
الكسائيِّ بالتاء إما على لغة مَن يقول: طَلْحَتْ وعَلْقَمَتْ؛ ومنه قول الشاعر:
بل جَوْز تَيْهاءَ كظَهْرِ الحَجَفَتْ(٢)
وإما أنه لمَّا كان هذا المضافُ إليه في ضمن اللّفظة ولا بُدَّ، أثبتَ التَّاء كما
ثبتَتْ في الوصل ليُعلم أن المضاف إليه مُراد(٣) .
والمَرْضاة: الرضا؛ يقال: رَضِيَ يَرْضَى رِضًا ومَرْضاة.
وحكى قومٌ أنَّه يقالُ: شَرى بمعنى اشترى، ويحتاجُ إلى هذا مَنْ تأوَّلَ الآيةَ في
صُهيب؛ لأنَّه اشترى نفسَه بماله ولم يَبعها؛ اللَّهمَّ إلَّا أنْ يقال: إنَّ عَرْضَ صُهيبٍ
على قتالهم بيعٌ لنفسه من الله. فيستقيمُ اللَّفظ على معنى باع.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ادْخُلُواْ فِى اُلْسِلْمِ كَافَةٌ وَلَا تَتَّبِعُواْ
خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
لمَّا بَيَّنَ الله سبحانَه النَّاسَ إلى مُؤمن وكافر ومنافق قال(٤): كونوا على مِلَّة واحدة،
واجتمِعُوا على الإسلام واثبتُوا عليه. فالسِّلْمُ هنا بمعنى الإسلام؛ قاله مجاهد، ورواه
أبو مالك عن ابن عباس رضي الله عنهما(٥). ومنه قول الشاعر الكنديّ(٦):
(١) كذا وقع هنا، ووقع في المحرر الوجيز ٢٨٢/١ (وعنه نقل المصنف) بدل الكسائي: حمزة، وكذلك
قال أبو علي الفارسي في الحجة ٢/ ٣٠٠، وابن مجاهد في السبعة ص ١٨٠. لكن أبا عمرو الداني ذكر
في التيسير ص ٦٠ أن الكسائي وقف على ((مرضات)) - حيث وقعت - بالهاء، وغيره وقف بالتاء، اتباعاً
لخط المصحف، وفي المسألة تفصيل، فانظره ثمة.
(٢) الرجز لسؤر الذئب، وصدره: داراً لسَلْمى بَعْدَ حَوْلٍ قَدْ عَفَت. وأورده ابن جني في الخصائص ٣٠٤/١،
وفي المحتسب ٩٢/٢، والبغدادي في شرح شواهد شرح الشافية ص ١٩٨. وقال: جوزُ كلِّ شيءٍ:
وسَطُه. والتَّيهاء، بفتح التاء: المفازة التي يتيه فيها سالِكُها. الجحفة، بفتح الجيم والحاء والفاء: التُّرس،
أراد أنَّه توسط الصحراء التي لا أعلام فيها ليصِفَ نفسَه بالقوة والجلادَة. وفيه إجراء ((بل)) مُجرى (رُبَّ)).
(٣) انظر المحرر الوجيز ٢٨٢/١.
(٤) في (د) و(م): فقال.
(٥) تفسير الطبري ٥٩٥/٣-٥٩٦.
(٦) هو امرؤ القيس بن عابس، والبيت في المؤتلف والمختلف للآمدي ص٥.

٣٩٣
سورة البقرة : الآية ٢٠٨
دعوتُ عَشيرَتي للسِّلْم لمَّا رأَيتُهُمُ تَوَلَّوْا مُذْبِرِينا
أي: إلى الإسلام، لمَّا ارتدَّتْ كِنْدة بعدَ وفاةِ النَّبِي وَلِّ مع الأشعث بن قيس
الكِنْديِّ، ولأن المؤمنين لم يُؤمروا قطُ بالدخول في المسالمة التي هي الصُّلح،
وإنَّما قيل للنَّبِيِّ وَِّ أنْ يجنَحَ للسِّلْم إذا جَنحوا له، وأمَّا أن يَبتدِئَ بها فلا؛ قاله
الطَّبريّ(١). وقيل: أمرَ من آمن بأفواههم أن يدخلوا فيه بقلوبهم. وقال طاوس
ومجاهد: ادخلوا في أمر الدين. سفيان الثوريّ: في أنواع البرّ كلِّها .
وقرئ: ((السِّلْم)) بكسر السين(٢). قال الكسائي: السِّلْم والسَّلْم بمعنَى واحد،
وكذا هو عندَ أكثرِ البصريين، وهما جميعًا يقعان للإِسلام والمُسَالَمة.
وفرَّق أبو عمرو بنُ العلاء بينَهما، فقرأها هنا: ((ادخلوا في السِّلم)) وقال: هو
الإسلام. وقرأ التي في ((الأنفال)) والتي في سورة ((محمد)) وَلفي ((السَّلْم)) بفتح السين،
وقال: هي بالفتحِ: المسالمةُ. وأنكر المبردُ هذه التَّفرقةَ.
وقال عاصم الجَحْدَري: السِّلْم الإسلام، والسَّلْم الصلح، والسَّلَم الاستسلام.
وأنكر محمدُ بنُ يزيدَ هذه التفريقاتِ وقال: اللُّغةُ لا تُؤخذُ هكذا، وإنما تؤخذُ
بالسماع لا بالقياس، ويحتاج من فرَّقَ إلى دليل. وقد حكى البصريون: بنو فلان
سِلْمٌ وسَلْمٌ وسَلَمٌ، بمعنَى واحد(٣). قال الجوهريّ(٤): والسِّلْم الصلح، يُفتح
ويُكسر، ويذكَّر ويؤنَّثُ، وأصلُه من الاستسلام والانقياد، ولذلك قيل للصلح:
سَلْم. قال زهير (٥) :
وقد قُلتُما إنْ نُدرِكِ السِّلْمَ واسعاً بمالٍ ومعروفٍ من الأمرِ نَسْلَمِ
ورجّح الطبريُّ حملَ اللَّفظة على معنى الإِسلام بما تقدَّم.
(١) في تفسيره ٥٩٨/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٢٨٢.
(٢) هي قراءة أبي عمرو البصري، وابن عامر الشامي، وعاصم، وحمزة. وقرأ نافع وابن كثير والكسائي
بفتحها . انظر السبعة ص ١٨٠، والتيسير ص ٨٠.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٠/١.
(٤) الصحاح (سلم).
(٥) ديوانه ص١٦.

٣٩٤
سورة البقرة : الآية ٢٠٨
وقال حُذيفة بن اليمان في هذه الآية: الإسلام ثمانيةُ أسهم؛ الصلاةُ سهم،
والزكاةُ سهم، والصَّومُ سهم، والحجُّ سهم، والعُمرةُ سهم، والجهادُ سهم، والأمرُ
بالمعروف سهم، والنَّهيُ عن المنكر سهمٌ؛ وقد خابَ مَنْ لا سهمَ له في
الإسلام(١) .
وقال ابنُ عباس: نزلت الآيةُ في أهل الكتاب، والمعنى: يا أيها الَّذين آمنوا
بموسى وعيسى، ادخلوا في الإِسلام بمحمد بَلهو كافةً(٢).
وفي صحيح مسلم (٣) عن أبي هريرةَ عن رسول اللّهِوَِّ قال: ((والذي نَفْسُ
محمدٍ بيدِه، لا يَسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمَّةِ يهوديٌّ ولا نَصْرانيٍّ ثمَّ [يموتُ وآ لم
يؤمنُ بالَّذي أُرسلْتُ به إلَّا كانَ مِنْ أَصحابِ النَّارِ)).
وكَافَّةً: معناه جميعاً، فهو نصب على الحال من ((السِّلْم))، أو من ضمير
المؤمنين، وهو مشتقٌّ من قولهم: كففت، أي: منعت، أي: لا يمتنع منكم أحدٌ من
الدخول في الإِسلام. والكفُّ المنعُ، ومنه كُفَّة القميص - بالضم - لأنَّها تمنع الثَّوبَ
من الانتشار، ومنه كِفَّة الميزان - بالكسر - التي تجمع الموزون وتمنعُه أن ينتشر،
ومنه كَفُّ الإِنسان الذي يجمعُ منافعَه ومضارَّه؛ وكلُّ مستدير كِفَّة، وكلُّ مستطيل
كُفَّة. ورجل مكفوفُ البَصر، أي: مُنعَ عن النظر (٤)، فالجماعة تُسمَّى كافَّة
لا متناعهم عن التَّفرُّق.
﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ﴾ نَهْيٌ. ﴿خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ﴾ مفعولٌ، وقد تقدَّمَ.
وقال مقاتل(٥): استأذنَ عبدُ الله بنُ سَلَام وأصحابه بأنْ يقَرؤوا التَّوراةَ في
الصَّلاة، وأنْ يَعملوا ببعضٍ ما في الثَّوراة، فنزلت: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتٍ
(١) أخرجه البزار (٣٣٧)، وأخرجه أيضاً (٣٣٦) مرفوعاً، وفي إسناده يزيد بن عطاء اليشكري، وهو لین
الحديث، قال البزار: لا نعلم أسنده إلا يزيد بن عطاء.
(٢) المحرر الوجيز ٢٨٢/١.
(٣) رقم (١٥٣) وما بين حاصرتين منه، وهو في مسند أحمد (٨٢٠٣).
(٤) انظر معاني القرآن للزجاج ص ٢٧٩/١.
(٥) تفسير أبي الليث ١/ ١٩٧ .

٣٩٥
سورة البقرة : الآية ٢٠٩
الشَّيْطَانِ﴾ فإِنَّ اتباعَ السُّنَّةِ أولى - بعدَ ما بُعثَ محمدٌ نَّهِـــ من خطواتِ الشَّيطان.
وقيل: أي(١): لا تَسلُكُوا الطَّريقَ الذي يَدعوكُم إليه الشَّيطان، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ
عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ظاهرُ العَداوة، وقد تقدَّمَ(٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِنِ زَلَلْتُمْ مِنُ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَتُ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيدُ
﴿فَإِنِ زَلَلْتُم﴾ أي: تنخَّيتم عن طريق الاستقامة. وأصلُ الزَّلَل في القَدَم، ثم
يستعمل في الاعتقادات والآراء وغيرِ ذلك؛ يقال: زَلَّ يَزِلُّ زَلَّا وزَلَلاً وزُلُولًا، أي:
دَحَضَتْ قَدَمُه. وقرأ أبو السَّمَّال العَدَويُّ: ((زَلِلْتم)) بكسر اللام(٣)، وهما لغتان،
وأصل الحرف من الزَّلَق، والمعنى: ضَلَلْتُم وعُجْتم (٤) عن الحقِّ.
﴿مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَتُ﴾ أي: المعجزاتُ وآياتُ القرآن، إن كانَ
الخطابُ للمؤمنين، فإنْ كانَ الخطابُ لأهل الكتابين فالبيناتُ ما ورَدَ في شرْعِهم
من الإعلام بمحمد ◌َل# والتعريف به.
وفي الآية دليلٌ على أنَّ عقوبةَ العالِم بالذنب أعظمُ من عقوبة الجاهل به، ومن
لم تَبلغْه دعوةُ الإسلام لا يكونُ كافراً بترك الشَّرائع.
وحكى النَّقَّاش أنَّ كعبَ الأحبار لمَّا أسلمَ كان يتعلَّمُ القرآنَ، فأقرأه الذي كانَ
يعلِّمُه: ((فاعلموا أنَّ الله غفورٌ رحيم)) فقال كعب: إنِّي لأستنكر أنْ يكونَ هكذا،
ومرَّ بهما رجلٌ، فقال كعب: كيف تَقرأُ هذه الآيةَ؟ فقال الرجلُ: ﴿فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
عَزِيزٌ حَكِيمُ﴾ فقال كعب: هكذا ينبغي(٥).
و﴿عَزِيزٌ﴾ لا يمتنعُ عليه ما يريده. ﴿حَكِيمُ﴾ فيما يفعله.
(١) لفظة: أي، من (ظ).
(٢) ص ١٣ من هذا الجزء.
(٣) المحتسب ١٢٢/١، والقراءات الشاذة ص ١٣.
(٤) من عاج يَعُوجُ عَوْجاً: انصرف.
(٥) المحرر الوجيز ٢٨٢/١.

٣٩٦
سورة البقرة : الآية ٢١٠
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَبِكَةُ
وَقُضِىَ الْأَمْرَّ وَإِلَى اَللَّهِ تُرَجَعُ الْأُمُورُ ◌َا
﴾
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ يعني التارِكينَ الدخولَ في السِّلْم، و((هل)) يُراد به هنا الجَحْد،
أي: ما يَنظرون(١) إِلَّ أن يأتِيَهُم اللهُ في ◌ُلَلٍ من الغمام والملائكةُ(٢)
نَظَرْتُه وانتَظَرْتُه بمعنّى. والنَّظرُ: الانتظار.
وقرأ قَتَادة وأبو جعفر يزيدُ بن القعقاع والضَّخَّاك: ((في ظِلالٍ من الغمام))(٣).
وقرأ أبو جعفر: ((والملائكةِ)) بالخفضِ، عطفاً على الغمام، وتقديره: مع
الملائكة، تقول العربُ: أقبلَ الأميرُ في العسكر، أي: مع العسكر (٤).
(ظُلَلٍ)) جمعُ ظُلَّةٍ في التكسير، كظُلْمة وظُلَم، وفي التسليم: ظُلُلات، وأنشد سيبويه:
إذا الوَحْشُ ضَمَّ الوحشَ في ظُلُلاتها
سَواقِطُ من حَرِّ وقد كان أظهَرَا(٥)
وظُلَّات وظِلَال، جمع ظِلِّ في الكثير، والقليل: أَظْلَال، ويجوز أن يكون
ظِلَال جمع ظُلَّة، مثل قوله: قُلَّة وقِلَال، كما قال الشاعر:
ممزوجةً بماء القِلالِ(٦)
(١) في (د) و(م): ينتظرون، والمثبت من (ز) و(ظ).
(٢) تفسير أبي الليث ١٩٨/١.
(٣) القراءات الشاذة ص١٣، والمحتسب ١/ ١٢٢، وإعراب القرآن للنحاس ٣٠١/١، والمحرر الوجيز
٢٨٣/١. أبو جعفر من العشرة، والقراءة المشهورة عنه كقراءة الجماعة.
(٤) تفسير البغوي ١٨٤/١، وذكر قراءة أبي جعفر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٣، والنحاس
٣٠١/١، وابن عطية ٢٨٣/١، وقراءته هذه من العشرة. انظر النشر لابن الجزري ٢٢٧/٢.
(٥) الكتاب ٦٣/١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٠١/١ وعنه نقل المصنف، والبيت للنابغة الجعدي، وهو
في ديوانه ص٧٤ .
قوله: تُلُلاتها، الُلَّةُ: ما يُستظلُّ به. وأظهر: صار في وقت الظهيرة، وهو منتصف النهار، وحينئذ
يشتد الحرُّ، وقد وصف الشاعر سيرَه في الهاجرة إذا استكنَّ الوحشُ من حرِّ الشمس واحتدامِها ولحق
بكُنُسِه (يعني ما يستتر به في الشجر). تحصيل عين الذهب ص٨٧.
(٦) قطعة من بيت للأعشى، ولفظه:
غِنْطِ ممزوجة بماءٍ زُلال
وكأن الخمر العتيق من الإشـ
وهو في ديوانه ص ٥٥، وإعراب القرآن للنحاس ٣٠١/١، وعنه نقل المصنف.

٣٩٧
سورة البقرة : الآية ٢١٠
قال الأخفش سعيد(١): و((الملائكة)) بالخفض بمعنى: وفي الملائكة، قال:
والرفعُ أجود؛ كما قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَكَةُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ﴿وَجَآءَ
رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّا صَفَّا﴾ [الفجر: ٢٢].
قال الفرّاء(٢): وفي قراءة عبد الله: ((هل يَنْظُرُونَ إلَّا أن يأتِيَهم اللهُ والملائكةُ في
ظُلَلٍ مِنَ الغمام)»(٣).
قال قتادة: الملائكة، يعني تأتيهم لقبضٍ أرواحهم، ويقال: يومَ القيامة(٤)، وهو
أظهر.
قال أبو العالية والربيع: تأتيهم الملائكةُ في ظُلَلٍ من الغمام، ويأتيهم الله فيما
شاء(٥)
وقال الزَّجاج(٦): التقدير: في ظلَلٍ من الغمام ومن الملائكة.
وقيل: ليس الكلامُ على ظاهرِه في حقِّه سبحانه، وإنما المعنى يأتيهم أمرُ الله
وحُكمه.
وقيل: أي: بما وَعدهم من الحساب والعذاب في ظُلَّل، مثل: ﴿فَأَنَهُمُ اللَّهُ مِنْ
حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ [الحشر: ٢]، أي: بخذلانه إياهم، هذا قولُ الزّجَّاج(٧)، والأوَّلُ
قولُ الأخفش سعيد(٨). وقد يحتمل أن يكونَ معنى الإتيان راجعاً إلى الجزاء،
فسمَّى الجزاءَ إتياناً، كما سمَّى التخويفَ والتعذيبَ في قصة نُمروذ إتياناً، فقال:
﴿فَتَى اللَّهُ بُنْيَئِنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]، وقال
(١) معاني القرآن له ٣٦٤/١، وإعراب القرآن ٣٠١/١ وعنه نقل المصنف.
(٢) في معاني القرآن له ١٢٤/١، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٣٠٢/١.
(٣) نسبها الطبري في تفسيره ٣/ ٦٠٥ إلى أُبيّ بن كعب.
(٤) تفسير أبي الليث ١٩٨/١، وأخرجه الطبري ٦٠٨/٣ وردّه في ٦١٣/٣.
(٥) أخرجهما الطبري ٦٠٥/٣ و٦٠٩.
(٦) معاني القرآن له ٢٨١/١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٠٢/١ وعنه نقل المصنف.
(٧) معاني القرآن له ١/ ٢٨٠.
(٨) معاني القرآن له ١/ ٣٦٥.

٣٩٨
سورة البقرة : الآية ٢١٠
في قصة بني(١) النَّضِير: ﴿فَأَنَّهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِمُ الرُّعَبَّ﴾،
وقال: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنْيَنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧].
وإنما احتمل الإتيانُ هذه المعاني لأنَّ أصلَ الإتيانِ عند أهل اللغة هو القصدُ
إلى الشيء، فمعنى الآية: هل ينظرون إلا أن يُظهِرَ الله تعالى فِعلاً من الأفعال مع
خلقٍ من خلقه يقصدُ إلى مجازاتهم، ويَقضي في أمرهم ما هو قاضٍ، وكما أنه
سبحانه أحدثَ فعلاً سمَّاه نُزولاً واستواءً؛ كذلك يُحدِثُ فعلاً يُسمِّيه إتيانًا، وأفعالُه
بلا آلةٍ ولا عِلَّة، سبحانه.
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: هذا من المكتوم الذي لا يُفسَّر(٢). وقد
سكت بعضُهم عن تأويلها، وتأوَّلَها بعضُهم كما ذكرنا .
وقيل: ((في(٣)) بمعنى الباء، أي: يأتيهم بظُلَل، ومنه الحديث: ((يأتيهم الله في
صورة)) (٤) أي: بصورة امتحانًا لهم.
ولا يجوز أن يُحمل هذا وما أشبهه مما جاء في القرآن والخبرِ على وجه
الانتقالِ والحركةِ والزَّوال؛ لأن ذلك من صفات الأجرام والأجسام، تعالى الله
الكبيرُ المتعالِ ذو الجلال والإكرام عن مماثلة الأجسام عُلُوًّا كبيراً (٥).
والغمام: السحابُ الرقيقُ الأبيض، سُمِّيَ بذلك لأنه يَغُمُّ، أي: يَستُر، كما
(٦)
تقدَّم(٦).
وقرأ معاذ بن جبل: ((وقَضَاءُ الأمرِ)). وقرأ يحيى بن يَعْمَر: ((وقُضِي الأمورُ))
بالجمع (٧). والجمهور: ((وقُضِي الْأَمْرُ)) فالمعنى: وقعَ الجزاءُ، وعُذِّب أهل العصيان.
(١) لفظة: بني، من (د).
(٢) تفسير أبي الليث ١٩٨/١ .
(٣) في النسخ: الفاء، والصواب ما أثبتناه، وانظر تفسير الرازي ٢٣٦/٥.
(٤) قطعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في رؤية الله عز وجل يوم القيامة، أخرجه أحمد (٧٧١٧)،
والبخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢).
(٥) الذي عليه السلف رضي الله عنهم إثبات صفة الإتيان لله عزَّ وجلَّ على ما يليق بجلاله؛ من غير
تحريف، أو تكييف، أو تشبيه، أو تمثيل، أو تأويل.
(٦) تفسير البغوي ١/ ١٨٤، وسلف ٢/ ١١٧.
(٧) المحرر الوجيز ٢٨٤/١، وذكر قراءة معاذ ابنُ خالويه في القراءات الشاذة ص١٣، والزمخشري في
الكشاف ٣٥٣/١، والرازي في تفسيره ٢٣٨/٥. قال أبو حيان ١٢٥/٢: قال الزمخشري: على=

٣٩٩
سورة البقرة : الآية ٢١١
وقرأ ابنُ عامر وحمزة والكسائيُّ: ((تَرجِعُ الأمورُ)) على بناء الفعل للفاعل، وهو
الأصل، دليله: ﴿أَّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]، ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾
[المائدة: ٤٨]. وقرأ الباقون: ((تُرْجَعُ)) على بنائه للمفعول (١)، وهي أيضاً قراءةٌ
حسنة، دليلُه ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ [التوبة: ٩٤]، ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٦٢]، ﴿وَلَيِن
رُدِدتُّ إِلَى رٍَ﴾ [الكهف: ٣٦]، والقراءتان حسَنتان بمعنّى، والأصل الأُولى، وبناؤه
للمفعول تَوسُّعٌ وفَرْعٌ، والأمور كلُّها راجعةٌ إلى الله قبلُ وبعدُ، وإنما نَّه بذكر ذلك
في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا(٢).
قوله تعالى: ﴿َسَلْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ كَمْ ءَاتَيْنَهُم مِّنْ ءَايَقِ بَيْنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ
بَعْدِ مَا جَآءَتَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ أَلْمِقَابِ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿سَلّ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ كَمْ ءَاتَّيْنَهُم مِّنْ ءَايَقِ بَيِنَةٍ﴾ ((سَلْ)) من السؤال:
بتخفيف الهمزة، فلما تحرَّكت السينُ لم تَحتج(٣) إلى ألف الوصل(٤).
وقيل: إن للعرب في سقوط ألف الوصل في ((سَلْ)) وثبوتها في ((واسْأَلْ))
و جھین :
أحدهما: حذفُها في أحدهما(٥) وثبوتُها في الأخرى، وجاء القرآنُ بهما، فاتُبعَ
خطُ المصحفِ في إثباته للهمزة وإسقاطها .
والوجه الثاني: أنه يَختلفُ إثباتُها وإسقاطُها باختلاف الكلام المستعمل فيه،
فتحذف الهمزةُ في الكلام المبتدأ، مثلُ قوله: ﴿سَلْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾، وقوله: ﴿سَلْهُمْ
أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠]، وتُثْبَتُ(٦) في العطف، مثلُ قوله: ﴿وَسْتَلِ اَلْقَرْيَةَ﴾
= المصدر المرفوع عطفاً على الملائكة، وقال غيره: بالمدِّ والخفض عطفاً على الملائكة، وقيل: ويكون
((في)) على هذا بمعنى الباء، أي: بُلَلٍ من الغمام وبالملائكة وبقضاء الأمر.
(١) السبعة ص ١٨١، والتيسير ص ٨٠.
(٢) المحرر الوجيز ٢٨٤/١، والكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي ٢٨٦/١.
(٣) في (م): يحتج.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٢/١.
(٥) في (م): إحداهما.
(٦) في (ظ) و(م): وثبت، والمثبت من (د) و(ز).

٤٠٠
سورة البقرة : الآية ٢١١
[يوسف: ٨٢]، ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾﴾ [النساء: ٣٢]. قاله عليُّ بنُ عيسى(١).
وقرأ أبو عمرو في رواية عباس(٢) عنه: (إِسأل)) على الأصل. وقرأ قوم:
(إِسَلْ)) على نقل الحركة إلى السين، وإبقاء ألفِ الوصل، على لغة من قال:
الَأَحْمَر(٣).
و(كَمْ)) في موضع نصبٍ، لأنها مفعولٌ ثانٍ لآتيناهم(٤)، وقيل: بفعلٍ مُضمَر،
تقديره: كم آتينا آتيناهم. ولا يجوز أن يتقدَّمها الفعلُ؛ لأن لها صدرَ الكلام. ((مِن
آيَةٍ» في موضع نصبٍ على التمييز على التقدير الأوَّل، وعلى الثاني مفعول ثانٍ
لآتيناهم، ويجوز أن تكون [كم] في موضع رفعٍ بالابتداء، والخبر في ((آتيناهم))،
ويصيرُ فيه عائد على (كم)، تقديره: كم آتيناهموه(٥)، ولم يُعرب. وهي اسمٌ؛ لأنها
بمنزلة الحروف لمَّا وقع فيه معنى الاستفهام، وإذا فرَّقت بین ((كم)) وبین الا سم،
كان الاختيارُ أن تأتيَ بمِن كما في هذه الآية، فإن حذفتَها نصبتَ في الاستفهام
والخبر، ويجوز الخفضُ في الخبر، كما قال الشاعر:
كم بِجودٍ مُقْرِفٍ نالَ العُلَا
وكرِيمِ بُخْلُه قد وَضَعَهْ(٦)
(١) أبو الحسن الرُّمَّاني، النحوي، المعتزلي، له نحو من مئة مصنف، توفي سنة (٣٨٤هـ). السير ٥٣٣/١٦.
(٢) في (د): ابن عياش، وفي (ز) و(م): ابن عباس، وكلاهما خطأ، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما
في المحرر الوجيز ٢٨٤/١، وعنه نقل المصنف. وعباس: هو ابنُ الفضل، قاضي الموصل، أبو
الفضل الأنصاري الواقفي، قرأ القرآن وجوده على أبي عمرو بن العلاء، وبرع في معرفة الأداء، وإنما
لم يشتهر لأنه لم يجلس للإقراء، توفي سنة (١٨٦هـ). معرفة القراء الكبار للذهبي ٣٣٧/١.
(٣) وقع رسم الكلمة في النسخ الخطية والمحرر الوجيز ٢٨٤/١ كلفظها: الّحْمَر، والمثبت من (م).
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٢/١.
(٥) المحرر الوجيز ٢٨٤/١، وما بين حاصرتين منه. وقال أبو حيان في البحر ٢/ ١٢٧: هذا لا يجوز عند
البصريين إلا في الشعر أو في شاذّ من القرآن، كقراءة من قرأ: أفحكمُ الجاهلية يبغون، برفع
الحكم ... وانظر تتمة كلامه.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٢/١، والبيت في الكتاب ١٦٧/٢ دون نسبة، وقد اختلف في نسبته إلى
أنس بن زُنيم أو عبد الله بن كُریز أو أبي الأسود الدؤلي، انظر خزانة الأدب ٦/ ٤٧١. قوله: مقرف؛
هو النَّذْلُ اللئيمُ الأب، يقول: قد يرتفع الوضيع بجوده، ويتَّضع الرفيعُ الكريمُ الأب بیخله، ويجوز في
(مقرف)) الرفع والنصب والجر ... قاله الشنتمري في تحصيل عين الذهب ص٣٠٢.