النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة البقرة : الآية ٢٠٢
أعمالهم، وتذكيرُه إيَّهم بما قد نَسُوه؛ بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا
فَيُنَبِّئُهُمِ بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَنَهُ اللَّهُ وَنَسُوءُ﴾ [المجادلة: ٦]. وقيل: معنى الآية: سريعٌ
بمجيء يومِ الحساب؛ فالمقصدُ بالآية الإنذارُ بيوم القيامة.
قلتُ: والكلُّ مُحتمِلٌ، فيأخذُ العبدُ لنفسِه في تخفيف الحسابِ عنه بالأعمال
الصَّالحة؛ وإنَّما يَخِفُّ الحسابُ في الآخرة على مَنْ حاسبَ نفسَه في الدُّنيا.
الثالثة: قال ابنُ عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿أُوْلَبِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا
كَسَبُواْ﴾: هو الرجلُ يأخذُ مالاً يحجُّ به عن غيره، فيكونُ له ثواب. ورُويَ عنه في
هذه الآية أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، ماتَ أبي ولم يحجَّ؛ أفأحجُ عنه؟ فقال
النَّبِيُّ ◌َِّ: ((لو كانَ على أبيك دَينٌ فقضيته، أمَا كانَ ذلك يَجزِي؟)). قالَ: نعم.
قال: ((فَدَيْنُ الله أحقُّ أنْ يُقْضَى)). قال: فهل لي من أجر؟ فأنزلَ الله تعالى:
﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ﴾(١) يعني مَنْ حجَّ عن مَيِّت كانَ الأجرُ بينَه وبينَ
الميِّت.
قال أبو عبد الله محمد بنُ خُوَيْز مَنداد في أحكامه: قولُ ابن عباس نحوُ قول
مالك؛ لأنَّ تحصيلَ مذهب مالك أنَّ المحجوجَ عنه يحصلُ له ثوابُ النَّفقة،
والحجةُ للحاجّ؛ فكأنَّه يكونُ له ثوابُ بدنِه وأعمالِه، وللمحجوج عنه ثوابُ ماله
وإنفاقِهِ، ولهذا قُلْنا: لا يختلفُ في هذا حكمُ من حجَّ عن نفسه حَجَّةَ الإسلام أو لم
يحجَّ؛ لأنَّ الأعمالَ التي تدخلُها النيابة لا يختلفُ حكمُ المستَنابِ فيها بينَ أنْ
يكونَ قد أدَّى عن نفسه أو لم يؤدِّ، اعتباراً بأعمال الدِّين والدُّنيا. ألا ترى أنَّ الَّذي
عليه زكاةٌ أو كفارةٌ أو غيرُ ذلك يجوزُ أنْ يُؤدِّيَ عن غيره وإنْ لم يُؤدِّ عن نفسه،
وكذلك من لم يراعِ مصالحَه في الدُّنيا يصحُّ أنْ ينوبَ عن غيره في مثلها، فتتمُّ لغيره
وإنْ لم تَتِمَّ لنفسه؛ ويُزوّجَ غيرَه وإنْ لم يزوِّج نفسَه(٢).
(١) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ٢١٦/١ ولم نقف عند غيره من أنَّ هذه القصة سبب في نزول الآية.
وأخرج الخبر دون ذكر سبب نزول الآية الإمام أحمد في مسنده (١٨١٢) من حديث ابن عباس رضي الله
عنهما بنحوه، وأخرجه أيضاً (١٨١٨) من حديث الفضل بن عباس، والسائل فيه امرأة من خثعم.
(٢) قال ابن عبد البر في التمهيد ١٣٦/٩: قال مالك: يجوز أن يحج عن الميت من لم يحج قط، ولكن
الاختيار أن يحج عن نفسه أولاً .

٣٦٢
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِىّ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَثَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ
عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخََّ فَلَآ إِثْمَ عَلَيَّةٍ لِمَنِ أَنَّقَىَّ وَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ
تُشَرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَةِ﴾ فيه ستُّ مسائل:
الأولى: قال الكوفيون: الألف والتاء في ((مَعْدوداتٍ)) لأقلِّ العدد، وقال
البصريون: هما القليل والكثير(١)، بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِ اٌلْغُرُفَتِ ءَإِنُونَ﴾
[سبأ: ٣٧] والغُرفات كثيرة.
ولا خلاف بين العلماء أنَّ الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيامُ مِنِّى، وهي
أيام التشريق، وأنَّ هذه الثلاثة الأسماء واقعةٌ عليها، وهي أيام رَمْي الجِمار، وهي
واقعةٌ على الثلاثة الأيام التي يتعجَّل الحاجُ منها في يومين بعد يوم النَّحر، فقِفْ
على ذلك(٢).
وقال الثعلبي: وقال إبراهيم: الأيام المعدودات أيامُ العشر، والأيام
المعلومات أيامُ النَّحر(٣)، وكذا حكى مكيٍّ والمهدويُّ أنَّ الأيامَ المعدوداتِ هي
أيامُ العشر(٤)، ولا يصحُّ لما ذكرناه من الإجماع، على ما نقله أبو عمر بنُ عبد البَرِّ
وغيره(٥).
قال ابن عطية (٦): وهذا إما أن يكونَ من تصحيف النَّسَخَّة، وإما أن يريدَ العشر
الذي بعد النَّحر، وفي ذلك بُعدٌ.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٨/١.
(٢) التمهيد ٢٣٣/٢١.
(٣) أخرج الطبري ٥٥١/٣- ٥٥٢ عن إبراهيم - وهو النخعي - قال: الأيام المعدوادت: أيام التشريق. اهـ.
وقوله: الأيام المعلومات، يعني الأيام المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَّاءِ
تَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨].
(٤) المحرر الوجيز ٢٧٧/١ .
(٥) التمهيد ٢٣٣/٢١.
(٦) المحرر الوجيز ٢٧٧/١.

٣٦٣
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
الثانية: أمَرَ الله سبحانه وتعالى عبادَه بذِكْره في الأيام المعدودات، وهي الثلاثة
التي بعد يوم النَّحر، وليس يومُ النَّحر منها، لإجماع الناس أنه لا يَنْفِرُ أحدٌ يوم
القَرِّ، وهو ثاني يوم النَّحر، ولو كان يوم النَّحر في المعدودات، لَساغَ أن يَنْفِرَ مَنْ
شاء متعجِّلاً يومَ القَرِّ(١)؛ لأنه قد أخذَ يومين من المعدودات.
خرَّج الدار قطنيُّ والترمذيُّ وغيرُهما عن عبد الرحمن بن يَعْمَرَ الدِّيلي أنَّ ناساً
من أهل نجدٍ أتَوْا رسولَ اللهِ وَّهِ وهو بعرفةً، فسألوه، فأمَر منادياً فنادى: ((الحجّ
عرفةُ، فمَنْ جاء ليلةَ جَمْعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدرَك، أيامُ مِنَّى ثلاثةٌ، فمَنْ تَعَجَّل
في يومين فلا إثمَ عليه، وَمَنْ تأخّر فلا إثمَ عليه))(٢)، أي: مَنْ تعجَّل من الحاجّ في
يومين من أيام منّى، صار مُقامه بمنّى ثلاثةَ أيامٍ بيوم النَّحر، ويصير جميعُ رميه بتسعٍ
وأربعين حصاةً، ويسقط عنه رميُ يومِ الثالث، ومَنْ لم ينفِر منها إلا في آخر اليوم
الثالث، حصل له بمنّى مُقامُ أربعة أيامٍ من أجل يوم النَّحر، واستوفى العددّ في
الرمي، على ما يأتي بيانه.
ومن الدليل على أن أيام منّى ثلاثة - مع ما ذكرناه - قول العَرْجِيِّ:
ما نَلتقي إلَّا ثلاثَ منّى حتى يُفرِّقَ بيننا النَّفْرُ(٣)
فأيام الرمي معدوداتٌ، وأيام النَّحر معلوماتٌ. وروى نافعٌ عن ابن عمرَ أنَّ
الأيام المعدوداتِ والأيام المعلوماتِ يجمعها أربعةُ أيامٍ: يومُ النَّحر وثلاثةُ أيامٍ
بعده(٤).
فيوم النَّحر معلومٌ غيرُ معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليومُ الرابع
معدودٌ لا معلومٌ، وهذا مذهب مالك وغيرِه (٥).
(١) في (د) و(م): النفر (في الموضعين) وهو خطأ، قال في الصحاح (قرر): يوم القَرّ: اليوم الذي بعد يوم
النحر؛ لأن الناس يَقِرُّون في منازلهم.
(٢) سنن الدار قطني ٢٤٠/٢-٢٤١، وسنن الترمذي (٨٨٩)، وهو في مسند أحمد (١٨٧٧٤)، وسلف
مختصراً ص ٣٢٠ و ٣٤٨ من هذا الجزء.
(٣) انظر التمهيد ٢٣٣/٢١-٢٣٤، وبيت العرجي في ديوانه ص٤٣ .
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٤٨٩/٨ .
(٥) عقد الجواهر الثمينة ٤٦١/١.

٣٦٤
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
وإنما كان كذلك؛ لأنَّ الأول ليس من الأيام التي تختصُّ بمنّى في قوله سبحانه
وتعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَاءٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ ولا من التي عيَّنَ النبيُّ وَلّه بقوله:
((أيام منّى ثلاثةٌ)) فكان معلوماً، لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَيَذْكُرُواْ اُسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامِ
مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ يَهِيمَةِ الْأَنْعَرِّ﴾ [الحج: ٢٨]، ولا خلاف أنَّ المراد به
النَّحرُ، وكان النَّحر في اليوم الأول - وهو يوم الأضحى - والثاني والثالث، ولم
يكن في الرابع نحرٌ بإجماعٍ من علمائنا، فكان الرابع غيرَ مرادٍ في قوله تعالى:
((معلومات))، لأنه لا يُنحر فيه وكان مما يُرمى فيه، فصار معدوداً لأجل الرمي، غيرَ
معلوم لعدم النَّحر فيه.
قال ابن العربي (١): والحقيقة فيه أنَّ يوم النَّحر معدودٌ بالرمي معلومٌ بالذبح،
لكنه عند علمائنا ليس مراداً في قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيْ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾.
وقال أبو حنيفة والشافعيُّ: الأيام المعلومات العشرُ من أول(٢) ذي الحجّة،
وآخرها يومُ النَّحر، لم يختلف قولهما في ذلك، ورَويا ذلك عن ابن عباس (٣).
وروى الطحاويُّ عن أبي يوسفَ أنَّ الأيامَ المعلوماتِ أيامُ النَّحر، قال أبو
يوسف: رُوي ذلك عن عمر وعليٍّ، وإليه أذهب؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ
اللّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَّهُم مِّنْ بَهِيمَةِ اَلْأَنْعَمِّ﴾ [الحج: ٢٨].
وحكى الكَرْخِيُّ عن محمد بنِ الحسن أنَّ الأيامَ المعلوماتِ أيامُ النَّحر الثلاثةُ:
يوم الأضحی ویومان بعده.
قال الكِيَا الطبريُّ(٤): فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا فرق بين المعلومات
والمعدودات، لأنَّ المعدوداتِ المذكورةَ في القرآن أيام التشريق بلا خلاف، ولا
يشكُّ أحدٌ أنَّ المعدوداتِ لا تتناول أيامَ العشر، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ
فِي يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وليس في العشر حكمٌ يتعلق بيومين دون الثالث، وقد
(١) في أحكام القرآن ١/ ١٤١-١٤٢ بنحوه، وما قبله منه.
(٢) بعدها في (م): يوم من.
(٣) أخرجه ابنُ أبي حاتم ٢٤٨٩/٨ .
(٤) في أحكام القرآن ١٢١/١، وما قبله منه.

٣٦٥
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
رُوِيَ عن ابن عباسٍ: أنَّ المعلوماتِ العشرُ، والمعدوداتِ أيامُ التشريق(١)، وهو
قول الجمهور.
قلت: وقال ابن زيد: الأيام المعلومات: عشرُ ذي الحجَّة وأيامُ التشريق. وفيه
بُعْدٌ، لما ذكرناه، وظاهر الآية يدفعُه، وجَعْلُ الله الذِّكْرَ في الأيام المعدودات
والمعلومات يدلُّ على خلاف قوله، فلا معنى للاشتغال به(٢).
الثالثة: ولا خلاف أنَّ المخاطَب بهذا الذِّكْرِ هو الحاجُ، خُوطِبَ بالتكبير عند
رَمْىِ الجِمار، وعلى ما رُزِق من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات، وعند أَذْبار
الصَّلوات دون تلبية، وهل يدخل غيرُ الحاجّ في هذا أم لا؟ فالذي عليه فقهاء
الأمصار والمشاهيرُ من الصحابة والتابعين على أنَّ المراد بالتكبير كلُّ أحدٍ،
وخصوصاً في أوقات الصَّلوات، فيكبِّر عند انقضاء كلِّ صلاة - كان المصلِّي وحدّه
أو في جماعة - تكبيراً ظاهراً في هذه الأيام، اقتداءً بالسلف رضي الله عنهم (٣).
وفي ((المختصر)) (٤): ولا يكبر النساء دُبُرَ الصَّلوات. والأول أشهر، لأنه يلزمها
حكمُ الإحرام كالرجل، قاله في ((المدونة))(٥).
الرابعة: ومَنْ نَسِيّ التكبير بإثر صلاةٍ كَبَّر إن كان قريباً، وإن تباعدَ فلا شيءً
عليه، قاله ابن الجَلَّاب.
وقال مالك في ((المختصر)): يكبِّر ما دام في مجلسه، فإذا قام من مجلسه فلا
شيء عليه. وفي ((المدوَّنة)) من قول مالك: إن نَسِيّ الإِمام التكبيرَ، فإن كان قريباً
قعد فكبَّر، وإن تباعدَ فلا شيء عليه، وإن ذهبَ ولم يكبِّر والقومُ جلوسٌ
فليُكبِّروا(٦).
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٧٧٠).
(٢) انظر المحرر الوجيز ٢٧٧/١، وأخرج أثر ابن زيد الطبريُّ ٥٥٣/٣.
(٣) انظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١٤٢.
(٤) لعله مختصر المدونة لابن أبي زيد القيرواني، ذكره في ترتيب المدارك ٤/ ٤٩٤، وللمدونة مختصرات
أخرى منها: مختصر البرادعي، ومختصر ابن عبد الحكم المصري، ومختصر ابن أبي زمنين.
(٥) ١٧١/١-١٧٢.
(٦) المصدر السابق.

٣٦٦
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
الخامسة: واختلف العلماء في طرفي مدَّة التكبير، فقال عمر بنُ الخطاب
وعلي بنُ أبي طالب وابنُ عباس: يُكبِّر من صلاة الصبح يوم عرفةً إلى العصر من
آخر أيام التشريق.
وقال ابنُ مسعود وأبو حنيفةً: يُكبِّر من غداة عرفةَ إلى صلاة العصر من يوم
النَّحر، وخالفاه(١) صاحباه فقالا بالقول الأول، قول عمرَ وعليٍّ وابن عباس
رضي الله عنهم، فاتفقوا في الابتداء دون الانتهاء.
وقال مالك: يكبِّر من صلاة الظهر يومَ النَّحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام
التشريق، وبه قال الشافعيُّ، وهو قولُ ابنِ عمرَ وابن عباسٍ أيضاً(٢).
وقال زيد بنُ ثابت: يُكبِّر من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق(٣) .
قال ابنُ العربي(٤): فأما مَنْ قال: يكبِّر يومَ عرفةَ ويقطع العصرَ من يوم النحر
فقد خرج عن الظاهر، لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ وأيامها ثلاثةٌ،
وقد قال هؤلاء: يُكبِّر في يومين، فتركوا الظاهرَ لغير(٥) دليل، وأما مَنْ قال يومَ
عرفةَ وأيامَ التشريق، فقال: إنه قال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ﴾، فِذِكْرُ
((عرفات)) داخلٌ في ذِكْرِ الأيام، هذا كان يصحُّ لو كان قال: يُكبِّر من المغرب يومَ
عرفةً؛ لأنَّ وقتَ الإفاضة حينئذٍ، فأما قبلُ فلا يقتضيه ظاهرُ اللفظ، ويلزمه أن يكونَ
من يوم التروية عند الحلول پِمنّی.
السادسة: واختلفوا في لفظ التَّكبير، فمشهور مذهب مالك أنه يكبِّر إثْرَ كلِّ
صلاة ثلاثَ تكبيرات، رواه زياد بنُ زياد عن مالك. وفي المذهب رواية: يقال بعد
التكبيرات الثلاث: لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد (٦).
(١) كذا، وهي لغة.
(٢) ينظر المحرر الوجيز ٢٧٧/١، والأوسط لابن المنذر ٣٠٠/٤-٣٠١.
(٣) النكت والعيون ٢٦٤/١، وأخرج أثره ابن أبي شيبة ١٦٦/٢.
(٤) في أحكام القرآن ١٤٢/١.
(٥) في النسخ: بغير، والمثبت من (م).
(٦) ينظر المحرر الوجيز ٢٧٨/١، والمدونة ١/ ١٧٢.

٣٦٧
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
وفي ((المختصر)) عن مالك: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر
الله أكبر، ولله الحمد(١).
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فيه إحدى وعشرونَ مسألةً:
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ التعجيلُ أبداً لا يكون هنا إلا في آخر
النهار، وكذلك اليوم الثالث، لأنَّ الرمي في تلك الأيام إنما وقتُه بعد الزوال.
وأجمعوا على أنَّ يوم النَّحر لا يُرمَى فيه غيرُ جمرة العقبة، لأنَّ رسول الله وَه
لم يَرمِ يومَ النَّحر من الجمرات غيرَها، ووقتُها من طلوع الشمس إلى الزوال.
وكذلك أجمعوا أنَّ وقت رمي الجمرات في أيام التَّشريق بعد الزوال إلى
الغروب.
واختلفوا فيمَنْ رمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر، أو بعدَ طلوع الفجر قبل
طلوع الشمس، فقال مالك وأبو حنيفةً وأحمد وإسحاقُ: جائزٌ رميُها بعد الفجر قبل
طلوع الشمس.
وقال مالك: لم يبلُغْنا أنَّ رسول الله وَلَه رخّص لأحدٍ يرمي(٢) قبل أن يطلع
الفجر، ولا يجوز رميُها قبل الفجر، فإن رماها قبل الفجر أعادها. وكذلك قال أبو
حنيفة وأصحابُه: لا يجوز رميها، وبه قال أحمد وإسحاق.
ورخّصت طائفةٌ في الرمي قبل طلوع الفجر، رُوِيَ عن أسماءَ بنتِ أبي بكر أنها
كانت ترمي بالليل وتقول: إنَّا كَّا نصنعُ هذا على عهد رسول الله وَّهِ. أخرجه أبو
داود(٣).
ورُوِيَ هذا القول عن عطاء وابنٍ أبي مُلَيكةَ وعكرمةَ بنِ خالد، وبه قال
الشافعيُّ؛ إذا كان الرميُّ بعد نصف الليل.
وقالت طائفة: لا يرمي حتى تطلُعَ الشمس، قاله مجاهدٌ والنَّخَعي والثوريُّ.
(١) انظر عقد الجواهر الثمينة ٢٤٣/١-٢٤٤.
(٢) في (خ) و(ز) و(م): برمي، والمثبت موافق للاستذكار.
(٣) سنن أبي داود (١٩٤٣)، وأخرجه أيضاً النسائي في المجتبى ٢٦٦/٥-٢٦٧.

٣٦٨
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
وقال أبو ثور: إن رماها قبل طلوع الشمس فإن اختلفوا فيه لم يَجزه، وإن
أجمعوا أو كانت فيه سُنّة أجزأه. قال أبو عمر (١): أما قول الثوري ومَنْ تابعه
فحجَّتُه أنَّ رسول اللهِ وَ ﴿ رمى الجمرةَ بعد طلوع الشمس وقال: ((خُذوا عنِّي
مَناسِگگُم))(٢).
وقال ابن المنذر: السُّنة ألَّا تُرمى إلا بعد طلوع الشمس، ولا يجزئ الرميُّ قبل
طلوع الفجر، فإن رمى أعاد، إذ فاعلُه مخالفٌ لِما سنَّه الرسول وَّهِ الأُمَّته، ومَنْ
رماها بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، فلا إعادةً عليه، إذ لا أعلم أحداً قال:
لا يجزئه (٣).
الثانية(٤): روى مَعمر قال: أخبرني هشام بنُ عروةً، عن أبيه قال: أُمَر
رسولُ اللهِ وَ﴿ أَمَّ سلمةَ أن تُصبحَ بمكّةَ يومَ النحر، وكان يومَها (٥).
قال أبو عمر: اختُلِف على هشام في هذا الحديث، فرَوَته طائفةٌ عن هشام،
عن أبيه مرسلاً كما رواه مَعمر، ورواه آخرون عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ
رضي الله عنها أنَّ رسول الله وَلّهِ أَمَر أمَّ سلمةً بذلك مسنداً (٦)، ورواه آخرون عن
هشام، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أبي سلمةَ، عن أمِّ سلمةَ مسنداً أيضاً(٧)، وكلهم
ثقات.
وهو يدلُّ على أنها رمت الجمرةَ بمنّى قبل الفجر؛ لأنَّ رسول اللهِ وَّ أَمَرها أن
(١) انظر الاستذكار ٥٩/١٣-٦١، والتمهيد ٢٦٧/٧ -٢٧٠، وما قبله منه.
(٢) أخرجه أحمد (١٤٤١٩) ومسلم (١٢٩٧) من حديث جابر رضي الله عنه، وسلف ١/ ٦٧ .
(٣) انظر التمهيد ٧/ ٢٧٠، والمجموع ١٤١/٨.
(٤) في النسخ الخطية: قلت، والمثبت من (م).
(٥) لم نقف عليه من طريق معمر، وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٥٢١) و(٣٥٢٢) من طريق
حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، بنحوه مرسلاً كذلك.
(٦) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٥٢٣) من طريق الدراوردي، و(٣٥٢٤) من طريق يعقوب بن
عبد الرحمن، كلاهما عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها .
(٧) أخرجه أحمد (٢٦٤٩٢) عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة رضي الله
عنها. وانظر تفصيل الطرق فيه ثمة.

٣٦٩
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
تُصبحَ بمكَّة يومَ النحر، وهذا لا يكون إلا وقد رمت الجمرةَ بمنّى ليلاً قبل الفجر،
والله أعلم(١).
ورواه أبو داود قال: حدثنا هارون بنُ عبد الله قال: حدثنا ابنُ أبي فُدَيْك، عن
الضخَّاك بنِ عثمان، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها أنها
قالت: أرسل رسولُ اللهِ وَ﴿ بأمِّ سلمةً ليلةَ النَّحر، فرمت الجمرةَ قبل الفجر، ثمَّ
مضت فأفاضت، وكان ذلك اليومُ [اليومَ] الذي يكون رسول الله وَل عندها(٢). وإذا
ثبت فالرمي بالليل جائزٌ لمَنْ فعَلَه، والاختيارُ من طلوع الشمس إلى زوالها .
قال أبو عمر: وأجمعوا على أنَّ وقت الاختيار في رمي جمرة العقبة من طلوع
الشمس إلى زوالها، وأجمعوا أنَّه إن رماها قبل غروب الشمس من يوم النَّحر، فقد
أجزأ عنه ولا شيءَ عليه، إلا مالكاً فإنَّه قال: أستحبُّ له إن ترَك رميَ(٣) جمرةٍ
العقبة حتى أمسى أن يُهريقَ دماً يجيء به من الحِلِّ.
واختلفوا فيمَنْ لم يَرْمها حتى غابت الشمس، فرماها من الليل أو من الغد،
فقال مالك: عليه دٌ، واحتجَّ بأنَّ رسول الله وَّه وَقَّت لرمي الجمرة وقتاً، وهو يوم
النَّحر (٤)، فمَنْ رمى بعد غروب الشمس فقد رماها بعد خروج وقتها، ومَنْ فعَل شيئاً
في الحجّ بعد وقته فعليه دمٌ.
وقال الشافعيّ: لا دمَ عليه، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وبه قال أبو ثور؛
لأن النبيَّ وَ﴿ قال له السائل: يا رسولَ الله، رميتُ بعد ما أمسيتُ؟ فقال: ((لا
حرج))(٥).
وقال الدارقطني في العلل ٥/ الورقة ١٧٧ : إرساله أصح.
(١) الاستذكار ٥٥/١٣ -٥٧ .
(٢) سنن أبي داود (١٩٤٢)، وما بين حاصرتين منه.
(٣) ليست في (ظ) و(م).
(٤) أخرج أحمد (١٤٣٥٤) ومسلم (١٢٩٩) والترمذي (٨٩٤) والنسائي ٢٧٠/٥، وابن ماجه (٣٠٥٣) عن
جابر رضي الله عنه قال: رمی رسول الله ﴾ الجمرة الأولى يوم النحر ضحى، ورماها بعد ذلك عند
زوال الشمس.
(٥) أخرجه البخاري (١٧٢٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .

٣٧٠
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
قال مالك: مَنْ نَسِيَ رميَ الجِمار حتى يمسيَ، فَلْيَرمِ أيَّةَ ساعةٍ ذَكّر من ليل أو
نهار، كما يصلي أيَّةً ساعةٍ ذَكَر (١) .
ولا يرمي إلا ما فاته خاصةً، وإن كانت جمرةً واحدةً رماها، ثم يرمي ما رمى
بعدها من الجِمار، فإنَّ الترتيب في الجِمار واجبٌ، فلا يجوز أن يَشْرع في رمي
جمرةٍ حتى يُكمل رمي الجمرة الأولى كركعات الصلاة، هذا هو المشهور من
المذهب.
وقيل: ليس الترتيبُ بواجبٍ في صحة الرمي، بل إذا كان الرميُّ كلُّه في وقت
الأداء أجزاً.(٢).
الثالثة: فإذا مضت أيامُ الرمي فلا رميَ، فإِنْ ذَكَر بعدما يَصدُر وهو بمَّةً، أو
بعدما يخرج منها فعليه الهَذْيُ، وسواءٌ تَرك الجِمارَ كلَّها، أو جمرةً منها، أو حصاةً
من جمرةٍ حتى خرجت أيامُ مِنّی فعليه دمٌ.
وقال أبو حنيفةً: إن ترَك الجِمارَ كلَّها فعليه دٌّ، وإن ترَك جمرةً واحدةً كان
عليه بكلِّ حصاة من الجمرة إطعامُ مسكينٍ نصف صاعٍ، إلى أن يبلغ دماً، فيُطعم ما
شاء، إلا جمرة العقبة، فعليه دم.
وقال الأوزاعيُّ: يتصدَّق إن ترَك حصاةٌ.
وقال الثوريُّ: يُطعم في الحصاة والحصاتين والثلاث، فإن ترك أربعةً فصاعداً
فعليه دم.
وقال الليث: في الحصاة الواحدة دمٌّ، وهو أحد قولَي الشافعي، والقول الآخر
- وهو المشهور -: إنَّ في الحصاة الواحدة مدَّا من طعام، وفي حصاتين مدَّين،
وفي ثلاثٍ حصَياتٍ دمٌ (٣) .
الرابعة: ولا سبيل عند الجميع إلى رمي ما فاته من الجمار في أيام التشريق
(١) ينظر الاستذكار ٦٤/١٣-٦٥ و٢٢١.
(٢) المنتقى للباجي ٥٣/٣-٥٤.
(٣) ينظر الاستذكار ٢٢٣/١٣ والتمهيد ٢٥٤/١٧-٢٥٦.

٣٧١
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
حتى غابت الشمس من آخِرها، وذلك اليومُ الرابع من يوم النَّحر، وهو الثالثُ من
أيام التشريق، ولكن يُجزئه الدمُ أو الإطعامُ على حسب ما ذكرنا(١).
الخامسة: ولا تجوز البَيتُوتَةُ بمكّةَ وغيرها عن منّى لياليَ التشريق، فإنَّ ذلك غير
جائز عند الجميع إلا للرِّعاء ولمَنْ وَلِيَ السقايةَ من آل العباس.
قال مالك: مَنْ ترَك المبيتَ ليلةً من ليالي منّى من غير الرِّعاء وأهلِ السقاية
فعليه دمٌ. روى البخاريُّ عن ابن عمرَ أنَّ العباس استأذن النبيَّ وَ﴿ ليبيتَ بمَّةَ لياليَ
منّى من أجل سِقايته، فأذن له(٢) .
قال ابن عبد البر(٣): كان العباس ينظر في السِّقاية ويقومُ بأمرها، ويسقي
الحاجَّ شرابَها أيامَ الموسم، فلذلك أُرخِص له في المبيت عن منّى، كما أُرخص
الرِعاء الإِبل من أجل حاجتهم لرعي الإبل، وضرورتهم إلى الخروج بها نحو
المراعي التي تبعد عن منّى.
وسُمِّيت منّى ((منّى)) لِما يُمْنَى فيها من الدماء، أي: يُراق. وقال ابن عباس:
إنما سُميِّت منّى لأنَّ جبريل قال لآدم عليه السلام: تمَنَّ. قال: أتمنَّى الجنةَ،
فسُمِّيت منّى (٤).
قال: وإنما سمِّيت جَمْعًا لأنه اجتمع بها حواء وآدمُ عليهما السلام، والجَمْع
أيضاً هو المزدلفة، وهو المَشْعر الحرام، كما تقدم(٥) .
السادسة: وأجمع الفقهاء على أنَّ المبيت للحاجِ غيرِ الذين رُخّص لهم لياليَ
منّى بمنّى من شعائر الحجِّ ونُسكه، والنظر يوجب على كلِّ مسقطٍ لنُسكه دماً، قياساً
على سائر الحجِّ ونُسكِه.
وفي الموطأ(٦): مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر: لا يَبيتنَّ أحدٌ
(١) انظر التمهيد ٢٥٥/١٧ .
(٢) صحيح البخاري (١٧٤٥)، وهو في مسند أحمد (٤٧٣١)، وصحيح مسلم (١٣١٥).
(٣) في التمهيد ١٧/ ٢٦٠.
(٤) انظر أخبار مكة للأزرقي ١٨٠/٢ .
(٥) ص ٣٤٢ من هذا الجزء.
(٦) ٤٠٦/١، وما بين حاصرتين منه.

٣٧٢
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
من الحاجِّ [لياليَ منّى] من وراء العقبة.
والعقبةُ التي منعَ عمرُ أن يبيتَ أحدٌ وراءها هي العقبة التي عند الجمرة التي
يرميها الناس يوم النَّحر مما يلي مكةً. رواه ابنُ نافع عن مالك في المبسوط، قال:
وقال مالك: ومَنْ بات وراءها لياليَ منّى فعليه الفدية، وذلك أنه بات بغير منّى
لياليَ منّى، وهو مبيتٌ مشروعٌ في الحجّ، فلزِم الدمُ بتركه، کالمبيت بالمزدلفة،
ومعنى الفدية هنا عند مالك الهَذْيُ. قال مالك: هو هَذْيٌ يُساقُ من الحِلِّ إلى
الحرم(١) .
السابعة: رَوى مالكٌ(٢) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بنٍ حزم،
عن أبيه، أنَّ أبا البَدَّاحِ بنَ عاصم بن عديّ أخبره [عن أبيه] أنَّ رسول الله وَه
أَرخَص لرِعاء الإبل في البَيتُوتة عن منّى يرمون يوم النَّحر، ثم يرمون الغدَ، ومن بعد
الغد ليومين، ثم يرمون يومَ النَّفر.
قال أبو عمر (٣): لم يقل مالكٌ بمقتضى هذا الحديث، وكان يقول: يرمون يومَ
النَّحر - يعني جمرة العقبة - ثم لا يرمون من الغد، فإذا كان بعدَ الغد - وهو الثاني
من أيام التَّشريق، وهو اليوم الذي يَتعجّل فيه النَّفر مَنْ يريد التعجيلَ، أو مَنْ يجوز
له التعجيلُ - رمّوا ليومين(٤): لذلك اليوم ولليوم الذي قبله، لأنهم يقضون ما كان
عليهم، ولا يقضي أحدٌ عنده شيئاً إلا بعد أن يجبَ عليه، هذا معنى ما فسَّر به
مالكٌ هذا الحدیثَ في موطئه.
وغيره يقول: لا بأس بذلك كلِّه على ما في حديث مالك، لأنها أيامُ رمي
كلُّها، وإنما لم يجُزْ عند مالك للرِّعاء تقديمُ الرمي لأنَّ غيرَ الرِّعاء لا يجوزُ لهم أنّ
يرموا في أيام التشريق شيئاً من الجِمار قبل الزوال، فإنْ رمى قبل الزوال أعادها،
ليس لهم التقديمُ، وإنما رخّص لهم في اليوم الثاني إلى الثالث.
(١) المنتقى للباجي ٣/ ٤٥.
(٢) الموطأ ٤٠٨/١، وما بين حاصرتين منه، وهو في مسند أحمد (٢٣٧٧٥)، وانظر التمهيد ٢٥٢/١٧ .
(٣) في التمهيد ٢٥٨/١٧، وانظر المنتقى للباجي ٥١/٣.
(٤) في (خ) و(م): اليومين، والمثبت من (د) و(ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في التمهيد ٢٥٨/١٧.

٣٧٣
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
قال ابن عبد البر(١): الذي قاله مالكٌ في هذه المسألة موجودٌ في رواية ابن
جريج قال: أخبرني محمد بنُ أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، أنَّ
أبا البَدَّاحِ بنَ عاصم بن عدي (٢) أخبره [عن أبيه](٣) أن النبي وَلَوْ أَرخَصَ للرِّعاء أن
يتعاقبوا، فيرموا يومَ النَّحر، ثم يَدَعُوا يوماً وليلةً، ثم يرمون الغد.
قال علماؤنا: ويسقط رميُّ الجمرة الثالثة عمَّن تعجّل. قال ابن أبي زَمَنِين(٤):
يرميها يومَ النَّفر الأول حين يريد التعجيلَ.
قال ابن المؤَاز: يرمي المتعجِّلُ في يومين بإحدى وعشرين حصاةً، كلَّ جمرة
بسبع حصياتٍ، فيصير جميعُ رميه بتسع وأربعين حصاةً؛ لأنه قد رمى جمرة العقبة
يومَ النَّحر بسبع.
قال ابن المنذر(٥): ويسقط رميُّ اليوم الثالث.
الثامنة: روى مالك(٦)، عن يحيى بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح أنه سمعه
يذكر أنه أُرخِصَ للرِّعاء أن يرموا بالليل يقول: في الزمن الأول.
قال الباجي(٧): قوله: في الزمن الأول يقتضي إطلاقَه زمنَ النبي ◌ِّ؛ لأنه أولُ
زمنٍ هذه الشريعة، فعلى هذا هو مرسلٌ، ويحتمل أن يريد به أولَ زمن أدركه عطاءٌ،
فيكون موقوفاً مسنداً. والله أعلم.
قلت: هو مسندٌ من حديث عمرو بنٍ شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن
(١) في التمهيد ٢٥٨/١٧-٢٥٩.
(٢) أخرج رواية ابن جريج أحمد (٢٣٧٧٧) وهو عنده: عن أبي البدَّاح، عن عاصم بن عدي ...
(٣) قوله: عن أبيه، ثابت في رواية ابن جريج، كما عند أحمد (٢٣٧٧٧)، والطحاوي في شرح معاني
الآثار ٢٢٢/٢، والطبراني في الكبير ٤٥٥/١٧، والبيهقي في السنن الكبرى ١٥٠/٥-١٥١، وسقطت
من التمهيد ٢٥٨/١٧ .
(٤) محمد بن عبد الله بن عيسى المُرِّي، أبو عبد الله، شيخ قرطبة، صنف في الزهد والرقائق، واختصر
(المدونة)) وله ((منتخب الأحكام)) وكتاب ((الوثائق)) وغيرها، توفي سنة (٣٩٩هـ) السير ١٨٨/١٧-١٨٩.
(٥) كذا في النسخ، وفي المحرر الوجيز ٢٧٨/١ (والكلام منه): ابن المؤَّاز.
(٦) في الموطأ ٤٠٩/١.
(٧) في المنتقى ٥٢/٣.

٣٧٤
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
النبي وَل*، خرَّجه الدار قطني(١) وغيره، وقد ذكرناه في ((المقتبس في شرح موطأ
مالك بن أنس)). وإنما أُبيح لهم الرميُّ بالليل؛ لأنه أرفقُ بهم وأحوطُ فيما يحاولونه
من رعي الإبل، لأنَّ الليل وقتٌ لا تَرعى فيه ولا تنتشر، فيرمون في ذلك
الوقت(٢).
وقد اختلفوا فيمَنْ فاته الرميُّ حتى غربت الشمس، فقال عطاء: لا رميَ بالليل
إلا لرِعاء الإبل، فأما التجَّارُ فلا.
ورُوي عن ابن عمرَ أنه قال: مَنْ فاته الرميُّ حتى تغيبَ الشمس، فلا يرمِ حتى
تطلعَ الشمس من الغد، وبه قال أحمد وإسحاقُ.
وقال مالكٌ: إذا تركه نهاراً، رماه ليلاً، وعليه دمٌّ في رواية ابن القاسم، ولم
يذكر في ((الموطأ)) أنَّ علیه دمًا .
وقال الشافعيُّ وأبو ثور ويعقوب ومحمد: إذا نسيَ الرميّ حتى أمسى، يرمي
ولا دَمَ عليه. وكان الحسن البصريُّ يُرخِّصُ في رمي الجمار ليلاً .
وقال أبو حنيفة: يرمي ولا شيءَ عليه، وإنْ لم يذكرها من الليل حتى يأتيَ
الغدُ، فعليه أن يرميها وعليه دمٌ.
وقال الثوريُّ: إذا أخَّر الرميّ إلى الليل ناسياً أو متعمداً، أَهرق دماً (٣).
قلت: أما مَنْ رمى من رِعاء الإبل أو أهل السِّقاية بالليل، فلا دمَ يجب،
للحديث، وإن كان من غيرهم فالنظرُ يوجب الدمَ لكنْ مع العمد، والله أعلم.
التاسعة: ثبت أنَّ رسول الله وَلَ﴿ رمى جمرة العقبة يوم النَّحر على راحلته(٤).
واستحب مالكٌ وغيره أن یکون الذي يرميها راكباً. وقد كان ابن عمر وابن الزبير
وسالمٌ يرمونها وهم مشاةٌ.
(١) في سننه ٢٧٦/٢ .
(٢) المنتقى للباجي ٥٢/٣.
(٣) انظر المغني ٣٧٨/٥.
(٤) أخرجه أحمد (١٥٠٤١)، ومسلم (١٢٩٧) من حديث جابر رضي الله عنه.

٣٧٥
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
ويرمي في كلِّ يوم من الثلاثة بإحدى وعشرين حصاةً، يكبِّر مع كل حصاةٍ،
ويكون وجهُه في حال رَمْيِهِ إلى الكعبة، ويرتِّبُ الجَمَرات، ويجمعهنَّ ولا يفرِّقهنَّ
ولا يُنكِّسهنَّ: يبدأ بالجمرة الأولى فيرميها بسبع حصياتٍ رمياً، ولا يضعها وضعاً،
كذلك قال مالك والشافعيُّ وأبو ثور وأصحابُ الرأي، فإنْ طرحها طرحاً، جازً عند
أصحاب الرأي. وقال ابنُ القاسم: لا تجزئُّ في الوجهين جميعاً. وهو الصحيح؛
لأنَّ النبيِ وَلّ كان يرميها .
ولا يرمي عندهم بحصاتين أو أكثرَ في مرة، فإنْ فعل عدَّها حصاةً واحدةً(١).
فإذا فرغ منها تقدَّم أمامها، فوقفَ طويلاً للدعاء بما تيسَّر، ثم يرمي الثانيةَ -
وهي الوسطى - وينصرفُ عنها ذاتَ الشمال في بطن المَسِيل، ويُطيل الوقوفَ عندها
للدعاء، ثم يرمي الثالثةَ بموضع جمرة العقبة بسبع حَصَياتٍ أيضاً، يرميها من
أسفلها ولا يقف عندها، ولو رماها من فوقها أجزأه، ويكبِّر في ذلك كلِّه مع كل
حصاةٍ يرميها(٢).
وسُنَّة الذِّكْر في رمي الجِمار التكبيرُ دون غيره من الذِّكْر. ويرميها ماشياً،
بخلاف جمرة يوم النَّحر(٣)، وهذا كلُّه توقيفٌ رفَعه النَّسائيُّ والدار قطنيُّ عن الزُّهريِّ
أنَّ رسول الله وَ﴿ كان إذا رمى الجمرةَ التي تلي المسجدَ - مسجدَ منّى - يرميها بسبع
حصياتٍ، يكبِّر كلَّما رمى بحصاة، ثم تقدَّم أمامها، فوقف مستقبل القبلة رافعاً يديه
يدعو، وكان يُطيل الوقوفَ، ثم يأتي الجمرةً الثانية، فيرميها بسبع حصياتٍ، یکبِّر
كلَّما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذاتَ اليسار مما يلي الوادي، فيقف مستقبل القبلة
رافعاً يديه ثم يدعو، ثم يأتي الجمرةً التي عند العقبة فيرميها بسبع حصياتٍ، يكبِّر
كلَّما رمى بحصاة، ثم ينصرف ولا يقف عندها .
قال الزُّهري: سمعت سالم بن عبد الله يحدِّث بهذا عن أبيه، عن النبي ◌َّ.
(١) ينظر المدونة ٤٢١/١-٤٢٣، وإكمال المعلم ٣٧٨/٤-٣٧٩، والمغني ٢٩٦/٥.
(٢) الاستذكار ٢٠٤/١٣.
(٣) ينظر المنتقى ٤٦/٣، ومختصر اختلاف العلماء ١٥٩/٢ .

٣٧٦
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
قال: وكان ابنُ عمر يفعله. لفظُ الدار قطنيّ(١).
العاشرة: وحكم الجِمار أن تكون طاهرةً غيرَ نجسة، ولا ممَّا رُميَ به، فإن
رَمی بما قد رُميَ به، لم يَجزه عند مالك(٢)، وقد قال عنه ابنُ القاسم: إن كان ذلك
في حصاة واحدة أجزأه، ونَزَلَتْ بابن القاسم فأفتاه بهذا(٣).
الحادية عشرة: واستحبَّ أهلُ العلم أخذَها من المُزْدَلِفة، لا من خَصَى
المسجد (٤)، فإن أخذ زيادةً على ما يحتاج، وبقي ذلك بيده بعد الرَّمي دفَنه ولم
یطرحه، قاله أحمد بن حنبل وغیرُه(٥) .
الثانية عشرة: ولا تُغْسَل عند الجمهور خلافاً لطاوس(٦)، وقد رُوي أنه لو لم
يغسل الجمارَ النَّجسةَ، أو رَمى بما قد رُمي به أنه أساء وأجزأ عنه(٧).
قال ابن المنذر: يُكره أن يرميّ بما قد رُميّ به، ويُجزئ إن رَمَى به، إذ لا أعلمُ أحداً
أوجب على مَن فعل ذلك الإعادةَ، ولا نعلم في شيء من الأخبار التي جاءت عن
النبيِّ وَّ أنه غسل الحصى، ولا أمر بغسله، وقد روينا عن طاوس أنه كان يغسلُه(٨).
الثالثة عشرة: ولا يجزئ في الجِمار المَدَرُ، ولا شيءٌ غير الحجر، وهو قولُ
الشافعيِّ وأحمدَ وإسحاق. وقال أصحاب الرأي: يجوز بالطين اليابس، وكذلك
كلّ شيءٍ رماها من الأرض فهو يجزئ. وقال الثوري: مَن رمى بالخَزَف والمَدَر لم
(١) سنن الدارقطني ٢٧٥/٢، وسنن النسائي ٢٧٦/٥، والحديث أخرجه البخاري بتمامه (١٧٥٣).
(٢) نقل ابن القاسم في المدوّنة ١/ ٤٢٢ عن مالك فيمن نفد حصاه فأخذ ما بقي عليه من حصى الجمرة مما قد
رمي به فرمى بها أنه قال: يجزئه، قال: وقال مالك: ولا ينبغي أن يرمي بحصى الجمار؛ لأنه قد رمي به.
(٣) المدونة ٤٢٢/١، وفيه قول ابن القاسم لسحنون: ونزلتْ بي فسألتُ مالكاً عنها، فقال لي مثل ما قلت
لك.
(٤) الكافي ١/ ٣٧٧.
(٥) انظر الفروع لابن مفلح ٣/ ٥٢٠، والإنصاف للمرداوي ٢٥٣/٩، وقال النووي في المجموع ١٩٢/٨ :
قال أصحابنا: لا أصل له، ولا يعرف فيه أثر.
(٦) نقل النووي في المجموع ١٣١/٨ عن الشافعي قوله: لا أكره غسل الجمار، بل لم أزل أعمله وأحبه،
وانظر المغني ٢٩١/٥.
(٧) الكافي ١/ ٣٧٧، وانظر المغني ٢٩١/٥، والمجموع ١٣١/٨ و١٣٧.
(٨) نقله عن ابن المنذر النووي في المجموع ١٥٠/٨ و١٣٧ -١٣٨.

٣٧٧
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
يُعِد الرَّميَ. قال ابن المنذر: لا يجزئ الرميُّ إلا بالحصى، لأن النبيَّ وَّه قال:
((عليكم بحصى الخَذْف))(١). وبالحصى رمى رسول الله الـ
الرابعة عشرة: واختُلف في قدر الحصى، فقال الشافعيُّ: يكون أصغرَ من
الأَنْملة طولاً وعرضاً. وقال أبو ثور وأصحاب الرأي: بمثل حصى الخذْف، وروینا
عن ابن عمر أنه كان يرمي الجمرةَ بمثلٍ بَعْر الغَنَم، ولا معنى لقول مالك: أكبرُ من
ذلك أحبُّ إليَّ؛ لأن النبيَّ وَه سنَّ الرَّمَيَّ بمثل حصى الخَذْف، ويجوز أن يرميَ بما
وقع عليه اسم حصاة، واتباع السنة أفضل(٢)، قاله ابن المنذر.
قلت: وهو الصحيح الذي لا يجوز خلافُه لمن اهتدى واقتدى. روى النَّسائيُّ
عن ابن عباس قال: قال لي رسول الله وَرِ غَداةَ العَقَبة وهو على راحلته: ((هاتٍ
الْقُطْ لِي)) فلقَظْتُ له حَصَياتٍ هنَّ حَصَى الخَذْف، فلما وضعتُهُنَّ في يده قال:
((بأمثال هؤلاء، وإيَّاكم والغلوَّ في الدِّين، فإنما أهلك مَن كان قبلكم الغلوُّ في
الدِّين))(٣). فدلَّ قوله: ((وإياكم والغلوَّ في الدِّين)) على كراهة الرمي بالجِمار الكبار،
وأن ذلك من الغلوِّ، والله أعلم.
الخامسة عشرة: ومَن بقيَ في يده حصاة لا يدرِي من أيِّ الجمار هي جعلها
من الأولى، ورمى بعدها الوُسطى والآخرة، فإن طال استأنف جميعًا(٤).
السادسة عشرة: قال مالك والشافعيُّ وعبد الملك وأبو ثور وأصحاب الرأي
فيمن قدم جمرة على جمرة: لا يُجزئه إلَّا أن يرميّ على الولاء. وقال الحسن
وعطاء وبعض الناس: يُجزئه. واحتجَّ بعض الناس بقول النبيِّ وَلِهِ: ((من قدَّم نُسكاً
بين يدي نُسكِ فلا حرج)»(٥) وقال: لا يكون هذا بأكثر من رجل اجتمعت عليه
صلوات أو صيام فقضى بعضاً قبل بعض. والأولُ أحوط، والله أعلم.
(١) أخرجه أحمد (١٧٩٤)، ومسلم (١٢٨٣) من حديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما، وسلف
ص ٣٥٣ من هذا الجزء.
(٢) انظر المفهم ٤٠١/٣، والاستذكار ٢٠٦/١٣، والمجموع ١٤٤/٨.
(٣) سنن النسائي ٢٦٨/٥، وهو في مسند أحمد (٣٢٤٨).
(٤) الكافي ٣٧٨/١ .
(٥) أخرجه البيهقي ١٤٤/٥ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وينظر المغني ٣٢٩/٥، ومختصر
اختلاف العلماء ١٦١/٢.

٣٧٨
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
السابعة عشرة: واختلفوا في رمي المريض والرمي عنه، فقال مالك: يُرْمَى عن
المريض والصبيّ اللذَينِ لا يُطيقان الرمي، ويتحرَّى المريضُ حين رَمْيِهم، فيكبّر
سبع تكبيرات لكل جمرة، وعليه الهَذْي، وإذا صَحَّ المريض في أيام الرَّمي رمَى عن
نفسه، وعليه مع ذلك دمٌ عند مالك(١). وقال الحسن والشافعي وأحمد وإسحاق
وأصحاب الرأي: يُرْمَى عن المريض، ولم يذكروا هَذْيًا. ولا خلافَ في الصبيّ
الذي لا يقدر على الرمي أنه يُرْمَى عنه، وكان ابن عمر يفعل ذلك(٢).
الثامنة عشرة: روى الدَّارَقُظْنيُّ عن أبي سعيد الخُذريِّ قال: قلنا: يا رسول الله،
هذه الجمار التي يُرْمَى (٣) بها كلَّ عام فنحسبُ أنها تنقص، فقال: ((إنه ما تُقُبِّل منها
رُفع، ولولا ذلك لرأيتَها أمثالَ الجبال»(٤).
التاسعة عشرة: قال ابن المنذر(٥): وأجمع أهل العلم على أن لمن أراد
الخروج من الحاجِّ من مِنَّى شاخِصاً إلى بلده خارجاً عن الحرم غيرَ مقيم بمكة في
النفر الأول أن يَنْفِرَ بعد زوال الشمس إذا رمى في اليوم الذي يلي يومَ النَّفْر قبل أن
يمسي؛ لأن الله جل ذكره قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فلينفِر من
أراد النفر مادام في شيء من النهار. وقد روينا عن النَّخَعيِّ والحسن أنهما قالا: مَن
أدركه العصر وهو بمنّى من اليوم الثاني من أيام التَّشْريق لم ينفِر حتى الغد (٦). قال
ابن المنذر: وقد يُحتمل أن يكونا قالا ذلك استحباباً، والقول الأول به نقول(٧)،
لظاهر الكتاب والسنة.
(١) الموطأ ٤٠٨/١ .
(٢) ينظر الاستذكار ٢١٢/١٣-٢١٣، وخبر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة ٢٤٦/٤ (نشرة العمروي).
(٣) في (د) و(ز): نرمي.
(٤) سنن الدارقطني ٣٠٠/٢، وأخرجه أيضاً الحاكم ٤٧٦/١، والبيهقي ١٢٨/٥. وفي إسناده يزيد بن
سنان، قال البيهقي: ليس بالقوي في الحديث، وقال الذهبي: ضعفوه، وأخرجه البيهقي ١٢٨/٨
موقوفاً على أبي سعيد، وقد روي في هذا المعنى آثار عن ابن عباس وابن عمر، وانظر الدراية ٢/ ٢٥ -
٢٦، ونصب الراية ٧٨/٣.
(٥) الإجماع لابن المنذر ص٥٣-٥٤ .
(٦) أخرجه عن النخعي والحسن ابنُ أبي شيبة ٩٦/٤-٩٧ (نشرة العمروي) وانظر المجموع ٢٢٨/٨.
(٧) ينظر الإقناع لابن المنذر ٢٢٩/١، والمغني ٣٣٢/٥.

٣٧٩
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
الموفية عشرين: واختلفوا في أهل مكة هل يَنفِرون النفر الأول، فروينا عن
عمر بن الخطاب رضيَ الله عنه أنه قال: مَن شاء من الناس كلِّهم أن ينفِروا(١) في
النَّفر الأول، إلَّا آل خُزيمة، فلا ينفرون إلَّا في النفر الآخِر(٢).
وكان أحمد بن حَنْبل يقول: لا يعجبني لمن نفر النفر الأول أن يقيم بمكة،
وقال: أهل مكة أخفُّ، وجعل أحمدُ وإسحاق معنى قولٍ عمر بن الخطاب: إلَّا آل
خزيمة، أي إنهم أهل حَرَم.
وكان مالك يقول في أهل مكة: مَنْ كان له عذرٌ فله أن يتعجَّلَ في يومين، فإنْ
أراد التخفيفَ عن نفسه مما هو فيه من أمر الحج فلا. فرأى التعجيلَ لمن بَعُدَ قُظْره.
وقالت طائفة: الآية على العموم، والرخصة لجميع الناس، أهلِ مكةً وغيرِهم،
أراد الخارجُ عن مِنّى المُقامَ بمكة أو الشخوصَ إلى بلده. وقال عطاء: هي للناس
عامة. قال ابن المنذر: وهو يشبه مذهب الشافعي، وبه نقول(٣).
وقال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والنخعيُّ: مَنْ نفر في اليوم
الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج، ومن تأخّر إلى الثالث فلا حرج، فمعنى
الآية: كلُّ ذلك مباح، وعبّر عنه بهذا التقسيم اهتماماً وتأكيداً، إذ كان من العرب
من يذُّ المتعجِّل وبالعكس، فنزلت الآية رافعة للجُنَاح في كل ذلك.
وقال علي بن أبي طالب وابنُ عباس وابن مسعود وإبراهيم النخّعيُّ أيضاً: معنى
[الآية]: مَن تعجّل فقد غفر له، ومن تأخّر فقد غفر له (٤)، واحتجُوا بقوله وَّهِ: (مَن
حجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، خرجَ من خطاياه كيومَ وَلَدتهُ أمُّه))(٥). فقوله:
﴿فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ نفيٌ عامٌّ، وتبرئة مطلقَة.
(١) في (ز): ينفر.
(٢) أخرجه السعيد بن منصور في سننه (التفسير) (٣٦٠).
(٣) ينظر الإقناع ٢٢٩/١، والمغني ٣٣١/٥-٣٣٢، والبيان والتحصيل ٤٦٨/٣، وأثر عطاء أخرجه
الطبري ٥٥٩/٣ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٧٨/١ وما بين حاصرتين منه، والآثار المذكورة أخرجها الطبري ٥٥٧/٣ -٥٦٣.
(٥) المحرر الوجيز ٢٧٨/١، ورجحه الطبري ٥٦٥/٣-٥٦٧. والحديث أخرجه أحمد (١٠٢٧٤)، والبخاري
(١٨٢٠) ومسلم (١٣٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد تقدم ص ٣٢٤ من هذا الجزء.

٣٨٠
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
وقال مجاهد أيضاً: معنى الآية: من تعجّل أو تأخّر فلا إثم عليه إلى العام
المقبل. وأُسند في هذا القول أثرٌ.
وقال أبو العالية في الآية: لا إثمَّ عليه لمن اتَّقى بقيةَ عمره، والحاجُ مغفور له
البتّة، أي: ذهب إثمه كلُّه إن انَّقى الله فيما بقي من عمره (١). وقال أبو صالح
وغيره: معنى الآية: لا إثمَّ عليه لمن اتَّقى قتل الصيد، وما يجب عليه تجنُّبه في
الحج. وقال أيضاً: لمن اتَّقى في حجِّه، فأتى به تامًا حتى كان مبروراً (٢).
الحادية والعشرون: ((مَنْ)) في قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ رفع بالابتداء، والخبرُ:
﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. ويجوز في غير القرآن: فلا إثم عليهم، لأن معنى ((مَنْ))
جماعة، كما قال جل وعز: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢]، وكذا ﴿وَمَنْ
تَأَخَّ فَلَّ إِثْمَ عَّةٍ﴾(٣) .
واللامُ من قوله: ﴿لِمَنِ أَثَّقَىَّ﴾ متعلِّقةٌ بالغفران، التقدير: المغفرةُ لمن اتَّقى،
وهذا على تفسير ابن مسعود وعليّ. قال قَتَادة: ذُكر لنا أن ابن مسعود قال: إنما
جُعلت المغفرة لمن اتَّقى بعد انصرافه من الحج عن جميع المعاصي(٤).
وقال الأخفش(٥): التقدير: ذلك لمن اتقى. وقال بعضهم: ((لمن اتقى)) يعني
قتل الصيد في الإحرام وفي الحَرَم. وقيل: التقدير: الإِباحةُ لمن اتقى، روي هذا
عن ابن عمر. وقيل: السلامةُ لمن اتقى. وقيل: هي متعلِّقة بالذِّكْر الذي في قوله
تعالى: ((وَاذْكُرُوا)) أي: الذكرُ لمن اتقى(٦). وقرأ سالم بن عبد الله: ((فَلَا اثْمَ عَلَيْهِ))
(١) المحرر الوجيز ٢٧٨/١، وأخرج الآثار المذكورة الطبري ٥٦٣/٣.
(٢) المحرر الوجيز ٢٧٨/١، وأخرج الطبري ٥٦٥/٣ القول الأول عن محمد بن أبي صالح.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٨/١.
(٤) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/١، والمحرر الوجيز ٢٧٨/١، وخبر علي أخرجه الطبري ٥٦٢/٣،
وخبر ابن مسعود أخرجه الطبري ٥٦٥/٣ ولفظه: من اتقى الله في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه.
وأخرجه بنحو هذا ابن أبي حاتم (١٩٠٧).
(٥) معاني القرآن له ٣٥٩/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٩٩/١.
(٦) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٩٩/١، والمحرر الوجيز ٢٧٨/١. وخبر ابن عمر أخرجه الطبري
٥٥٩/٣ ولفظه: حلَّ النَّفْر في يومين لمن اتقى.