النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
سورة البقرة : الآية ١٩٨
قال أبو عمر(١): هذا حديث غريبٌ من حديث مالك، وليس محفوظاً عنه إلا
من هذا الوجه، وأبو عبد الغني لا أعرفه، وأهلُ العلم مازالوا يُسامحون أنفسَهم في
رواية(٢) الرغائبٍ والفضائلِ عن كلِّ أحد، وإنما كانوا يتشدَّدون في أحاديث
الأحكام.
العاشرة: استحبَّ أهلُ العلم صومَ يومٍ عرفةً إلا بعرفة(٣) .
روى الأئمة واللفظ للترمذيٌّ(٤) عن ابن عباس أنَّ النبيَّ وَّ أَفطر بعرفة،
وأرسلت إليه أمُّ الفضلِ بلبن، فشرب. قال: حديث حسنٌ صحيح، وقد رُوي عن
ابن عمر قال: حَججتُ مع النبيِّ ◌َّهِ، فلم يصمْه - يعني يومَ عرفة - ومع أبي بكر
فلم يصمْه، ومع عمر فلم يصمْه؛ والعملُ على هذا عند أكثرِ أهلِ العلم، يَستحبون
الإفطارَ بعرفة ليتقوَّى به الرجلُ على الدُّعاء، وقد صام بعض أهلِ العلم يومَ عرفةَ
بعرفة. وأَسنَدَ عنِ ابن عمر مثلَ الحديثِ الأوَّل، وزاد في آخره: ومع عثمان فلم
يصمْه، وأنا لا أصومُه، ولا آمرُ به ولا أنهى عنه، حديث حسن(٥). وذكره ابن
المنذر. وقال عطاء في صوم يوم عرفة: أصوم في الشّتاء، ولا أصومُ في الصَّيف.
وقال يحيى الأنصاريُّ: يجب الفطرُ يومَ عرفة. وكان عثمان بنُ أبي العاصي وابنُ
الزبير وعائشة يصومون يوم عرفة (٦). قال ابن المنذر: الفطر يومَ عرفة بعرفاتٍ أحبُّ
إليَّ، اتَّباعاً لرسول الله بِّهَ، والصومُ بغير عرفةً أحبُّ إليَّ؛ لقول رسول الله وَّه وقد
سُئل عن صوم يومٍ عرفَة، فقال: ((يُكفِّرِ السَّنةَ الماضية والباقية))(٧).
وقد روينا عن عطاء أنه قال: من أفطر يومَ عرفة ليتقوَّى على الدُّعاء، فإنَّ له
مِثْلَ أجرِ الصائم.
(١) التمهيد ١٢٦/١.
(٢) في (م): روايات.
(٣) انظر الاستذكار ٢٣١/١٢-٢٣٤، والتمهيد ١٥٨/٢١-١٥٩.
(٤) سنن الترمذي (٧٥٠)، وهو عند أحمد (٢٩٤٦) بنحوه.
(٥) سنن الترمذي (٧٥١)، وهو عند أحمد (٥٢٤٠).
(٦) انظر التمهيد ١٥٨/٢١، والاستذكار ٢٣٥/١٢، والمغني ٤٤٤/٤، والمجموع ٤٣٩/٦.
(٧) أخرجه أحمد (٢٢٥١٧)، ومسلم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.

٣٤٢
سورة البقرة : الآية ١٩٨
الحادية عشرة: قوله تعالى (١): ﴿فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَّارِ﴾ أي:
اذكروه بالدُّعاء والتَّلبية عند المشعر الحرام. ويسمَّى جَمْعًا؛ لأنه يجمع ثَمَّ المغرب
والعشاء، قاله قتادة(٢). وقيل: لا جتماع آدم فيه مع حوَّاء، وازدَلَف إليها، أي: دنا
منها، وبه سُمِّيت المزدلفة. ويجوز أنْ يقالَ: سُمِّيت بفعل أهلِها؛ لأنهم يزدلفون
إلى الله، أي: يتقرَّبون بالوقوف فيها. وسُمِّيَ مَشْعَرًا من الشِّعار، وهو العلامة؛ لأنه
مَعْلَمٌ للحجِّ والصلاةِ والمبيت به، والدعاءُ عندَه من شعائر الحج(٣). ووُصِف
بالحرام لحُرْمته.
الثانية عشرة: ثبت أنَّ رسولَ الله وَ له صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعاً.
وأجمع أهلُ العلم - لا اختلافَ بينهم - أنَّ السُّنة أنْ يَجْمعَ الحاجُ بجَمْع بين
المغرب والعشاء. واختلفوا فيمن صَلَّاها قبل أنْ يأتيَ جَمْعًا، فقال مالك: مَنْ
وقفَ مع الإِمام، ودَفع بدفعه، فلا يصلِّي حتى يأتيَ المزدلفة، فيجمعَ بينهما (٤)،
واستدلَّ على ذلك بقوله بَّهِ لأسامةَ بنِ زيد: ((الصلاةُ أمامَك))(٥).
قال ابن حبيب: من صلَّى قبل أنْ يأتيَ المزدلفةَ دون عذر يعيدُ متى ما علمَ بمنزلة
من قد صلى قبلَ الزَّوال؛ لقوله عليه السلام: ((الصلاة أمامك)). وبه قال أبو حنيفة.
وقال أشهب: لا إعادةَ عليه، إلا أنْ يُصلَِّهما قبلَ مغيب الشَّفَقِ، فيعيدَ العشاء
وحدَها، وبه قال الشافعي، وهو الذي نصره القاضي أبو الحسن(٦)، واحتجَّ له بأنَّ
هاتين صلاتان سُنَّ الجمعُ بينهما، فلم يكن ذلك شرطًا في صحتهما، وإنما كان على
معنى الاستحباب، كالجمع بين الظهر والعصر بعرفة(٧). واختار ابن المنذر هذا
القول، وحكاه عن عطاء بن أبي رباح، وعروةً بنِ الزبير، والقاسم بنِ محمد،
(١) في (م): في قوله تعالى.
(٢) أخرجه الطبري ١٧٨/٤ بنحوه.
(٣) انظر تفسير أبي الليث ١٩٤/١، والبغوي ١٧٤/١، والنكت والعيون ٢٦١/١، وتفسير الرازي ١٩٥/٥.
(٤) في (م): بينها .
(٥) أخرجه أحمد (٢١٧٤٢)، والبخاري (١٣٩)، ومسلم (١٢٨٠).
(٦) هو علي بن عمر بن القصار، البغدادي، شيخ المالكية، له كتاب في مسائل الخلاف كبير، كان أصولياً
نظاراً، ولي قضاء بغداد. توفي سنة (٣٩٧هـ). السير ١٠٧/١٧.
(٧) المنتقى ٣٩/٣، وانظر النوادر والزيادات ٣٩٧/٢، والتمهيد ٢٧٠/٩.

٣٤٣
سورة البقرة : الآية ١٩٨
وسعيد بن جبير، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، ويعقوب. وحكى عن الشَّافعي أنه
قال: لا يصلِّي حتى يأتيَ المزدلفة، فإنْ أدركه نصفُ الليل قبلَ أنْ يأتي المزدلفة
صلاهما(١).
الثالثة عشرة: ومن أسرَع فأتى المزدلفةَ قبل مغيبِ الشَّفقِ، فقد قال ابن حبيب:
لا صلاة لمن عَجَّل إلى المزدلفة قبلَ مغيبِ الشَّفق، لا لإمام ولا غيره حتی یغیب
الشفق؛ لقوله عليه السلام: ((الصلاةُ أمامك)»(٢)، ثم صلَّاها بالمزدلفة بعد مغیبٍ
الشَّفق. ومن جهة المعنى أنَّ وقتَ هذه الصلاة بعد مغيبِ الشَّفق؛ فلا يجوزُ أنْ
يُؤْتَّى بها قبلَه، ولو كان لها وقتٌ قبل مغيبِ الشَّفق لما أُخّرت عنه.
الرابعة عشرة: وأما من أتى عرفةَ بعدَ دفع الإمام، أو كان له عذرٌ ممن وقف
مع الإمام، فقد قال ابن المؤَّاز: من وقف بعد الإِمام فليصلِّ كلَّ صلاةٍ لوقتها .
وقال مالك فيمن كان له عذرٌ يمنعه أنْ يكونَ مع الإمام: إنه يصلي إذا غاب الشَّفق
الصلاتين يَجمعُ بينهما. وقال ابن القاسم فيمن وقف بعد الإمام: إنْ رجا أنْ يأتيَ
المزدلفةَ ثُلُثَ اللَّيلِ، فليؤخّر الصَّلاةَ حتى يأتيّ المزدلفة، وإلا صلَّى كلَّ صلاةٍ
لوقتها. فجعل ابنُ المؤَّاز تأخيرَ الصَّلاة إلى المزدلفة لمن وقف مع الإمام دونَ
غيره، وراعى مالك الوقتَ دونَ المكان، واعتبر ابن القاسم الوقتَ المختارَ الصَّلاة
والمكان، فإذا خاف فواتَ الوقتِ المختارِ بطل اعتبارُ المكان، وكان مراعاةُ وقتِها
المختار أوْلى(٣).
الخامسة عشرة: اختلف العلماء في هيئة الصَّلاة بالمزدلفة على وجهين:
أحدهما: الأذان والإقامة. والآخر: هل يكون جمعُهما متصلاً لا يفصل بينهما
بعمل، أو يجوزُ العمل بينهما وحظُ الرِّحال ونحوُ ذلك.
فأما الأذان والإقامة: فثبت أنَّ رسولَ الله وَلّهِ صلَّى المغرب والعشاءَ بالمزدلفة
(١) انظر المغني ٢٨١/٥، والمجموع ١٢٦/٨، ١٣٥.
(٢) سلف في المسألة قبلها .
(٣) المنتقى ٣٩/٣، وانظر النوادر والزيادات ٣٩٧/٢-٣٩٨.

٣٤٤
سورة البقرة : الآية ١٩٨
بأذان واحدٍ وإقامتين. أخرجه الصحيح من حديث جابرٍ الطويل(١)، وبه قال
أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وابنُ المنذر. وقال مالك: يصليهما بأذانين وإقامتين،
وكذلك الظهر والعصر بعرفة، إلا أنَّ ذلك في أوَّل وقتِ الظهر بإجماع(٢). قال أبو
عمر (٣): لا أعلم فيما قاله مالك حديثًا مرفوعاً إلى النَّبِيِّ وَل بوجه من الوجوه،
ولكنه رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطاب(٤)، وزاد ابنُ المنذر ابنَ مسعود(٥). ومن الحجة
لمالك في هذا الباب من جهة النَّظرِ أنَّ رسولَ اللهِ وَّهُ سنَّ في الصَّلاتين بمزدلفةً
وعرفَة أنَّ الوقتَ لهما جميعاً وقتٌ واحد، وإذا كان وقتُهما واحداً، وكانت كلُّ
صلاةٍ تُصلَّى في وقتها، لم تكن واحدةٌ منهما أولى بالأذان والإقامة من الأخرى؛
لأنَّ ليس واحدةٌ منهما تُقْضى، وإنما هي صلاةٌ تُصلَّى في وقتها، وكلُّ صلاة صُلِّيت
في وقتها سُنَّتُها أنْ يؤذَّن لها وتقامَ في الجماعة، وهذا بيِّن، والله أعلم.
وقال آخرون: أما الأولى منهما فتُصلَّى بأذان وإقامة، وأما الثانية فتُصلَّى بلا
أذان ولا إقامة. قالوا: وإنما أَمر عمرُ بالتأذين الثاني؛ لأنَّ النَّاس كانوا (٦) قد
تفرَّقوا لعَشائهم، فأذَّن ليجمعَهم. قالوا: وكذلك نقولُ إذا تفرَّق النَّاس عن الإِمام
لِعَشاءٍ أو غيره، أَمر المؤذِّنين فأذّنوا ليجمعَهم، وإذا أذَّن أقام. قالوا: فهذا معنى ما
رُوِيّ عن عمر، وذكروا حديث عبد الرحمن بنٍ يزيدَ؛ قال: كان ابن مسعود يجعلُ
العَشاء بالمزدلفة بين الصلاتين، وفي طريق أخرى: وصلَّى كلَّ صلاةٍ بأذان وإقامة،
ذكره عبد الرزاق(٧) .
وقال آخرون: تُصلَّى الصلاتان جميعاً بالمزدلفة بإقامة، ولا أذانَ في شيءٍ
منهما؛ رُوي عن ابنِ عمر وبه قال الثوري. وذكر عبد الرزاق، وعبدُ الملك بنُّ
(١) صحيح مسلم (١٢١٨)، وسلف ص ٣٠٥ من هذا الجزء.
(٢) انظر التمهيد ٩/ ٢٦٠، والمغني ٢٨٠/٥.
(٣) التمهيد ٩/ ٢٦٠-٢٧٢، وانظر الاستذكار ١٥٠ و١٦١.
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢١١ .
(٥) أخرجه أحمد (٣٩٦٩)، والبخاري (١٦٧٥).
(٦) قوله: كانوا، ليس في (م).
(٧) لم نقف عليه عنده، وقد سلف ذكره، وعبد الرحمن بن يزيد هو أبو بكر النخعي الفقيه، أخو الأسود بن
يزيد، مات بعد الثمانين، وقد شاخ. السير ٧٨/٤.

٣٤٥
سورة البقرة : الآية ١٩٨
الصباح، عن الثوريِّ، عن سلمةَ بنِ كُهَيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال:
جمع رسول الله وَّهِ بينَ المغرب والعِشاء بجَمْع، صلى المغرب ثلاثاً والعشاءَ
ركعتين بإقامة واحدة(١).
وقال آخرون: تُصلَّى الصلاتان جميعًا بين المغرب والعشاء بجَمْعٍ بأذان واحدٍ
وإقامة واحدة. وذهبوا في ذلك إلى ما رواه هُشيم، عن يونس بن عُبيد، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه جمع بين المغرب والعشاء بجَمْع بأذان واحدٍ
وإقامة واحدة، لم يجعل بينهما شيئاً(٢). ورُوِيَ مثلُ هذا مرفوعاً من حديث
خزيمةَ بنِ ثابت، وليس بالقويٌّ(٣). وحكى الجُوزْجانيُّ(٤) عن محمد بنِ الحسن،
عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة أنهما تُصلَّيان بأذان واحدٍ وإقامتين، يُؤْذَّن للمغرب،
ويقامُ العِشاء فقط. وإلى هذا ذهب الطحاويُّ؛ لحديث جابر، وهو القول الأوَّل،
وعليه المعوّل.
وقال آخرون: تصلَّى بإقامتين دون أذانٍ لواحدة منهما. وممن قال ذلك
الشافعيُّ وأصحابه وإسحاقُ وأحمد بن حنبل في أحد قوليه، وهو قولُ سالم بنِ
عبد الله والقاسم بن محمد، واحتجُّوا بما ذكره عبد الرزاق(٥)، عن معمر، عن ابن
شهاب، عن سالم، عن ابن عمر أنَّ النبيَّ ◌َّي لما جاء المزدلفةَ جمع بين المغرب
والعشاء، صلَّى المغرب ثلاثًا والعشاءَ ركعتين بإقامة لكلِّ واحدةٍ منهما ولم يُصلِّ
بينهما شيئاً .
قال أبو عمر (٦): والآثار عن ابن عمر في هذا القولِ مِن أَثبتِ ما رُوي عنه في
(١) لم نقف عليه عند عبد الرزاق، وأخرجه أحمد (٤٨٩٤)، ومسلم (١٢٨٨) (٢٩٠).
(٢) أخرجه أبو يعلى (٥٦٤٩) من طريق سعيد بن جبير به، بنحوه.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٣٧١٤)، والخطيب في تاريخ بغداد ٥٦/١٤. قال الهيثمي في مجمع
الزوائد ١٥٩/٢ : فيه قيس بنُ الربيع، وثقه شعبة والثوري، وضئَّفه الناس.
(٤) أبو سليمان موسى بن سليمان الحنفي صاحب أبي يوسف ومحمد، عُرض عليه القضاء فامتنع، صنف
السير الصغير، والرهن، وكتاب الصلاة. السير ١٠/ ١٩٤ .
(٥) لم نقف عليه عند عبد الرزاق، وأخرجه البخاري (١٦٧٣) من طريق ابن شهاب به.
(٦) في التمهيد ٢٦٨/٩ .

٣٤٦
سورة البقرة : الآية ١٩٨
هذا الباب، ولكنها محتمِلةٌ للتأويل، وحديثُ جابرٍ لم يُختلف عليه(١) فيه، فهو
أولى؛ ولا مدخلَ في هذه المسألة للنظر، وإنما فيها الاتباع.
السادسة عشرة: وأما الفصل بين الصلاتين بعملٍ غيرِ الصلاة، فثبت عن
أسامةَ بن زِيد أنَّ النبيَّ وَّر لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت
الصلاةُ فصلى المغرب، ثم أناخ كلُّ إنسان بعيرَه في منزله، ثم أقيمت الصلاة
فصلاها، ولم يُصلِّ بينهما شيئاً. في رواية: ولم يَحُلُّوا(٢) حتى أقام العِشاء الآخرةَ،
فصلى ثم حَلُّوا (٣). وقد ذكرنا آنفًا(٤) عن ابن مسعود أنه كان يَجعلُ العَشاء بينَ
الصلاتين، ففي هذا جوازُ الفصلِ بين الصَّلاتين بجَمْع.
وقد سئل مالك فيمن أتى المزدلفة: أيبدأ بالصَّلاة أو يؤخرُ حتى يحظّ عن
راحلته؟ فقال: أما الرَّحْل(٥) الخفيف فلا بأسَ أنْ يبدأَ به قبل الصلاة، وأما
المحاملُ والزَّوامل فلا أرى ذلك(٦)، وليبدأُ بالصلاتين، ثم يحظُّ راحلته(٧). وقال
أشهب في كتبه: له حظُ رَحْله قبل الصلاة، وحظُّه له بعد أنْ يُصليَ المغرب أحبُّ
إليَّ ما لم يُضطرَّ إلى ذلك؛ لِمَا بدابَته من الثِّقل، أو لغير ذلك من العذر(٨).
وأما التنفلُ بين الصلاتين، فقال ابن المنذر: ولا أعلمهم يختلفون أنَّ من السُّنة
ألا يتطوَّع بينهما الجامعُ بين الصلاتين، وفي حديث أسامة: ولم يُصَلِّ بينهما
شيئاً(٩).
السابعة عشرة: وأما المبيت بالمزدلفة فليس رُكْنًا في الحج عند الجمهور.
(١) قوله: عليه، ليس في (م).
(٢) بضم الحاء، يعني أنهم لم يَحُلُّوا رحالهم. المفهم ٣٩١/٣.
(٣) صحيح مسلم (١٢٨٠): (٢٧٦) و(٢٧٨)، وسلف ذكره في المسألة الثانية عشرة.
(٤) في المسألة قبلها .
(٥) في النسخ: الرجل، وهو خطأ.
(٦) في النسخ: فلا أدري، والمثبت من المنتقى ٣٩/٣، والبيان والتحصيل ٣١/٤.
(٧) في (م) يحط عن راحلته.
(٨) المنتقى ٣٩/٣، وانظر النوادر والزيادات ٣٩٨/٢.
(٩) انظر المغني ٢٨١/٥، وحديث أسامة تكرر ذكره.

٣٤٧
سورة البقرة : الآية ١٩٨
واختلفوا فيما يجب على منْ لم يبِتْ بالمزدلفة ليلةَ النَّحر، ولم يقف بجَمْع، فقال
مالك: مَن لم يبت بها فعليه دمٌّ، ومن قام بها أكثرَ ليلهِ فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ المبيتَ
بها ليلةَ النحر سُنَّةٌ مؤكدة عند مالك وأصحابه، لا فرضٌ، ونحوه قولُ عطاء
والزهريِّ وقتادةً وسفيانَ الثَّوريِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي(١) ثور وأصحابِ الرأي فيمن
لم يبت.
وقال الشافعيُّ: إنْ خرج منها بعد نصفِ الليل فلا شيءَ عليه، وإنْ خرج قبل
نصفِ الليل فلم يعُدْ إلى المزدلفة افتدى، والفِذْية شاة.
وقال علقمة (٢) والشَّعبيُّ والنخعيُّ والحسن البصري: الوقوف بالمزدلفة فرضٌ،
ومن فاته جَمْع ولم يقفْ فقد فاته الحجّ، ويجعلُ إحرامَه عُمرة. ورُوِيَ ذلك عن ابن
الزبير، وهو قولُ الأوزاعيِّ. ورُوِيَ عن الثوريِّ مثلُ ذلك، والأصحُ عنه أنَّ الوقوفَ
بها سُنّةٌ مؤكدة. وقال حمَّاد بنُ أبي سليمان: من فاتته الإفاضة من جَمْع فقد فاته
الحج، وليتحلَّلْ بعمرة، ثم ليحُجَّ قابلاً. واحتجُوا بظاهر الكتاب والسُّنة، فأما
الكتاب فقولُ الله تعالى: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ
الْحَرَاءِ﴾، وأما السنة فقولُهُ وَّهِ: ((مَن أدرك جَمْعًا فوقف مع الناس حتى يُفيضَ،
فقد أدرك، ومَن لم يُدرك ذلك فلا حجَّ له)). ذكره ابن المنذر(٣). وروى
الدّارَ قُظْنِيُّ (٤) عن عُرْوةَ بنِ مُضَرِّس قال: أتيتُ النبيَّ ◌ِ ﴿ وهو بجَمْع، فقلت(٥): یا
رسول الله، هل لي مِن حجِّ؟ فقال: ((مَنْ صلَّى معنا هذه الصلاةَ، ثم وقف معنا
حتى نُفيضَ وقد أفاض قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تمَّ حُّه وقضى تَفَثَه)). قال
الشَّعبي: من لم يقف بجَمْع جعلها عُمرةً.
وأجاب مَن احتج للجمهور بأن قال: أما الآية فلا حُجَّةَ فيها على الوجوب في
الوقوف ولا المبيت، إذْ ليس ذلك مذكوراً فيها، وإنما فيها مجردُ الذكر. وكلٌّ قد
(١) في النسخ: أبو، وهو خطأ .
(٢) في (م): عكرمة، وهو خطأ .
(٣) انظر التمهيد ٢٧١/٩-٢٧٣، والاستذكار ٣٦/١٣-٣٩، والمغني ٢٨٤/٥.
(٤) تقدم في المسألة الثالثة.
(٥) في (م): فقلت له.

٣٤٨
سورة البقرة : الآية ١٩٨
أجمع أنه لو وقف بمزدلفةَ، ولم يذكر الله أنَّ حَجَّه تامٌ، فإذا لم يكن الذكر المأمورُ
به من صُلب الحج، فشهودُ الموطن أوْلى بألّا يكونَ كذلك(١). قال أبو عمر:
وكذلك أجمعوا أنَّ الشمسَ إذا طلعت يومَ النحر فقد فات وقتُ الوقوفِ بِجَمْع،
وأنَّ من أدرك الوقوفَ بها قبلَ طلوع الشمس فقد أدرك، ممن يقول إنَّ ذلك فرضٌ،
وممن(٢) يقول إنَّ ذلك سُنّةٌ. وأما حديث عروةَ بنِ مُضَرِّس فقد جاء في بعض طرقِه
بيانُ الوقوف بعرفةَ دون المبيت بالمزدلفة، ومثلُه حديثُ عبدِ الرحمن بنٍ يَعْمَر
الدِّيلي(٣) قال: شهدتُ رسولَ اللهِوَ لَه بعرفة، وأتاه ناس من أهل نجدٍ، فسألوه عن
الحج، فقال رسول الله وَله: ((الحجّ عرفة، مَنْ أدركها قبل أنْ يطلعَ الفجر من ليلة
جَمْع؛ فقد تَمَّ حجّه)). رواه النسائيُّ قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدَّثنا
وكيع قال: حدَّثنا سفيان - يعني الثوريّ - عن بُكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن
يعمر الدِّيلي قال: شهدت ... ؛ فذكره(٤). ورواه ابن عُيينة [عن الثوري]، عن
يُكير، عن عبد الرحمن بنٍ يَعمر الدِّيلي قال: شهدتُ رسولَ اللهِ وَلا يقول: ((الحجُّ
عرفات، فمن أدرك عرفةً قبل أنْ يطلعَ الفجر فقد أدرك، وأيامُ مِنَّى ثلاثة، فمن
تعجّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخّر فلا إثم عليه))(٥). وقولُه في حديث عروةً:
((مَن صلَّى صلاتَنا هذه)). فذكر الصلاةَ بالمزدلفة، فقد أجمع العلماء أنه لو باتَ
بها، ووقف ونام عن الصلاة، فلم يصلٌّ مع الإمام حتى فاتته، أنَّ حجَّه تامٌّ. فلما
كان حضور الصَّلاةِ مع الإمام ليس من صُلب الحجِّ، كان الوقوف بالموطن الذي
تكون فيه الصلاةُ أحرى أنْ يكونَ كذلك. قالوا: فلم يتحققْ بهذا الحديثِ ذلك
الفرضُ إلا بعرفةَ خاصة (٦).
(١) انظر التمهيد ٢٧٢/٩، ٢٧٦، والاستذكار ٣٩/١٣.
(٢) في (م): ومن.
(٣) هو أبو الأسود المكي، سكن الكوفة، ومات بخراسان. الإصابة ٣٢٨/٦.
(٤) سنن النسائي (المجتبى) ٢٥٦/٥، والكبرى (٣٩٩٧)، وسلف قطعة منه برواية أخرى ص ٣٢٠ من
هذا الجزء.
(٥) الاستذكار ٢٨/١٣، وسقط منه اسم سفيان الثوري، واستدركناه من سنن النسائي الكبرى (٣٩٩٨).
وأخرجه أيضاً من طريق سفيان بن عيينة عن الثوري، به، الترمذيُّ (٨٩٠). وانظر تحفة الأشراف ٢١٨/٧.
(٦) التمهيد ٢٧٦/٩.

٣٤٩
سورة البقرة : الآية ١٩٩
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنكُمْ﴾ كرَّر الأمر تأكيدًا، كما
تقول: ازْمِ ازْمٍ. وقيل: الأوَّل أمْرٌ بالذكر عند المَشْعَرِ الحرام. والثاني أمرٌ بالذكر
على حكم الإخلاص. وقيل: المراد بالثاني تعديدُ النِّعمة وأمرٌ بشكرها، ثم ذكَّرهم
بحال ضلالِهم؛ ليُظهِر قدرَ الإنعام، فقال: ﴿وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّالِينَ﴾.
والكاف في ((كما)) نعتٌ لمصدر محذوف، و((ما)) مصدريَّة أو كافّة. والمعنى:
اذكروه ذكرًا حسنًا كما هداكم هدايةً حسنة، واذكروه كما علَّمكم كيف تذکرونه،
لا تعدلوا عنه.
و((إنْ)) مخفّفةٌ من الثقيلة، يدلُّ على ذلك دخولُ اللام في الخبر، قاله
سيبويه (١). الفراء: نافيةٌ بمعنى ما، واللام بمعنى إلا(٢)، كما قال:
ثَكِلتَكَ أمُّك إنْ قَتلتَ لمُسلمًا حلَّت عليك عقوبةُ الرَّحمنِ(٣)
أو بمعنى قد، أي: قد كنتم، ثلاثة أقوال.
والضمير في ((قبله)) عائدٌ إلى الهدى. وقيل: إلى القرآن، أي: ما كنتم من قبل
إنزالِه إلا ضالِّين. وإن شئت على النبيِّ وَّ﴿، كناية عن غير مذكور، والأول أظهر،
والله أعلم(٤).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ زَّحِيمٌ ﴾
فیه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قيل: الخطاب
(١) الكتاب ١٣٨/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٢٧٥/١، وتفسير الزمخشري ٣٣٩/١.
(٣) البيت لعاتكة بنت زيد العدويّة، من أبيات رثَت بها زوجها الزبير بن العوام وقد قتله عمرو بن جرموز
المجاشعي غدراً، وهو في المقرب ١١٢/١، والمحتسب ٢٥٥/٢، والإنصاف ٦٤١/٢، والخزانة
٣٧٨/١٠، والرواية فيه عندهم: ((شلَّت يمينُك)) بدل: ((ثكلتك أمك))، و((المتعمد) بدل: ((الرحمن)).
(٤) ينظر مجمع البيان ٢/ ١٦٢.

٣٥٠
سورة البقرة : الآية ١٩٩
للحُمْس(١)، فإنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة،
وهي من الحَرَم، وكانوا يقولون: نحن قَطِين الله(٢)، فينبغي لنا أنْ نُعِّمَ الحَرَم،
ولا نُعظّم شيئاً من الحِلِّ، وكانوا مع معرفتهم وإقرارِهم أنَّ عرفةَ موقف إبراهيمَ عليه
السلام لا يخرجون من الحَرَم، ويقفون بجَمْع، ويُفيضون منه، ويقف الناس بعرفة؛
فقيل لهم: أفيضوا مع الجملة. و((ثم)) ليست في هذه الآية للترتيب، إنما هي لعطف
جملةِ كلامٍ هي منها منقطعة.
وقال الضحاك(٣): المخاطَب بالآية جملةُ الأمة، والمراد بـ((الناس)) إبراهيمُ
عليه السلام، كما قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وهو يريد
واحداً. ويحتمل على هذا أنْ يُؤمَروا بالإفاضة من عرفة، ويحتمل أنْ تكونَ إفاضةً
أخرى، وهي التي من المزدلفة، فتجيء ((ثم)) على هذا الاحتمالِ على بابها، وعلى
هذا الاحتمالِ عوَّل الطبريُّ(٤). والمعنى: أفيضوا من حيث أفاض إبراهيمُ من
مزدلفةَ جَمْع، أي: ثم أفيضوا إلى مِنَّى؛ لأنَّ الإفاضةَ من عرفاتٍ قبل الإفاضة من
جمْع.
قلت: ويكون في هذا حجةٌ لمن أوجب الوقوفَ بالمزدلفة؛ للأمر بالإفاضة
منها، والله أعلم.
والصحيح في تأويل هذه الآيةِ من القولين القولُ الأوَّل؛ رَوى الترمذيُّ(٥) عن
عائشة قالت: كانت قريش ومن كان على دينها - وهم الحُمْس - يقفون بالمزدلفة
يقولون: نحن قَطِين الله، وكان مَنْ سواهم يقفون بعرفة، فأنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ
أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. هذا حديثٌ حسن صحيح.
(١) الحُمْس هو لقب قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية، لتحمّسهم في دينهم أو لالتجائهم
بالحَمْساء، وهي الكعبة. القاموس (حمس). وسلف ذكرهم ص ٢٣٤ من هذا الجزء.
(٢) هو حديث الترمذي وسيذكره المصنف قريباً، قوله: قطين: جمع قاطن كالقُطّان، وفي الكلام مضاف
محذوف تقديره: نحن قطين بيتِ الله وحرمِه. النهاية (قطن).
(٣) أخرجه الطبري ٣/ ٥٣٠.
(٤) في تفسيره ٣/ ٥٣٠-٥٣١، والمحرر الوجيز ٢٧٥/١-٢٧٦ وعنه نقل المصنف.
(٥) في سننه (٨٨٤).

٣٥١
سورة البقرة : الآية ١٩٩
وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: الحُمْس هم الذين أنزل الله فيهم: ﴿ثُمَّ
أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قالت: كان الناس يُفيضون من عرفات، وكان
الحُمْسِ يُفيضون من المزدلفة، يقولون: لا نُفيضُ إلا من الحَرَم، فلما نزلت:
﴿أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ رجعوا إلى عرفات(١). وهذا نصُّ صريح،
ومثله كثيرٌ صحيح، فلا معوَّل على غيره من الأقوال. والله المستعان.
وقرأ سعيد بن جبير: ((الناسي))(٢)، وتأويلهُ آدم عليه السلام؛ لقوله تعالى:
﴿فَتَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمَا﴾ [طه: ١١٥]. ويجوز عند بعضِهم تخفيفُ الياء، فيقول:
الناسِ، كالقاضِ والهادِ. ابن عطية (٣): أما جوازه في العربية فذكره سيبويه (٤)، وأما
جوازه مقروءاً به فلا أحفظُه.
وأمر تعالى بالاستغفار؛ لأنها مواطنُه، ومَظانُّ القبول ومساقطُ الرَّحمة. وقالت
فرقة: المعنى: واستغفروا الله من فعلكم الذي كان مخالفاً لسُنّة إبراهيمَ في وقوفكم
بقُزَحَ من المزدلفة دون عرفة.
الثانية: روى أبو داود عن عليٍّ قال: فلما أصبح - يعني النبيَّ وَّهِ - وقفَ على
قُزَحَ فقال: ((هذا قُزَحُ، وهو الموقف، وجَمْعٌ كلُّها موقف، ونَحرْتُ هاهنا، ومِنّی
كلُّها مَنْحَر، فانْحَروا في رحالكم))(٥). فحُكُم الحَجِيج إذا دفعوا من عرفةً إلى
المزدلفة أنْ يَبِيتوا بها، ثم يُغلِّس(٦) بالصبح الإمامُ بالناس، ويقفون بالمشعر
الحرام. وقُزَحُ هو الجبل الذي يقف عليه الإمام، ولا يزالون يذكرون الله ويدعون
إلى قرب طلوعٍ الشمس، ثم يدفعون قبل الطلوع، على مخالفة العرب؛ فإنهم كانوا
يَدفعون بعد الطلوع، ويقولون: أشْرِقْ ثَبِيرُ، كيما نُغِير، أي: كيما نقربَ من
التحلُّل، فنتوصَّل إلى الإغارة.
(١) صحيح مسلم (١٢١٩)، وأخرجه أيضاً البخاري (٤٥٢٠).
(٢) انظر القراءات الشاذة ص ١٢، والمحتسب ١١٩/١.
(٣) المحرر الوجيز ٢٧٦/١، وما قبله منه.
(٤) الكتاب ١٨٣/٤.
(٥) سنن أبي داود (١٩٣٥)، وهو في مسند أحمد (٥٦٢) مطول.
(٦) قوله: يُغلِّس، من الغلس، وهو ظلمة آخرِ الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. النهاية (غلس).

٣٥٢
سورة البقرة : الآية ١٩٩
ورَوَى البخاريُّ عن عمرو بن ميمون قال: شهِدتُ عمرَ صلَّى بجَمْع الصبحَ، ثم
وقف، فقال: إنَّ المشركين كانوا لا يُفيضون حتى تطلعَ الشَّمس، ويقولون: أشْرِق
ثَبِيرُ، وأنَّ النبيَّ ◌َ﴿ خالفهم، فدفع قبل أنْ تطلعَ الشمس(١).
وروى ابن عيينة، عن ابن جُريج، عن محمد بن قيس بن مَخْرَمةً، عن ابن
طاوس، عن أبيه أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ كانوا يَدفعون من عرفةً قبل غروبِ الشَّمس،
وكانوا يدفعون من المزدلفة بعد طلوع الشمس، فأخَّر رسول الله وَل﴿ هذا، وعجَّل
هذا، أَخَّر الدفعَ من عرفة، وعجَّل الدفع من المزدلفة مخالفًا هَذْيَ المشركين(٢).
الثالثة: فإذا دَفعوا قبل الطلوع فحكْمُهم أنْ يَدفعوا على هيئة الدَّفع من عرفة،
وهو أنْ يسيرَ الإمام بالناس سيرَ العَثَق، فإذا وَجَد أحدُهم فُرجةً زاد في العَنَق شيئاً .
والعَنَقُ: مَشْيٌّ للدَّواب معروفٌ لا يُجهل. والنَّصُّ: فوق العَنَق، كالخَبَب أو فوق
ذلك.
وفي صحيح مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما وسُئل: كيف كان يسير
رسول الله وَل﴿ حين أفاض من عرفة؟قال: كان يسير العَنَق، فإذا وَجد فَجْوةً نَصَّ.
قال هشام: والنَّصُّ فوق العَنَّق، وقد تقدم(٣).
ويُستحب له أنْ يُحرِّك في بطن مُحَسِّر قدرَ رَمْيَّةٍ بحجر، فإنْ لم يفعلْ فلا حَرَج،
وهو مِن مِنّی.
روى الثوريُّ وغيره عن أبي الزبير، عن جابر قال: دفع رسول الله وَلاتر وعليه
السَّكِينةُ، وقال لهم: ((أوْضِعوا في وادي مُحَسِّر))، وقال لهم: ((خُذوا عنّي
مناسككم))(٤). فإذا أتَوْا مِنَّى، وذلك غُدوةَ يوم النَّحر، رمَوْا جمرة العقبة بها ضُحَّى
(١) صحيح البخاري (١٦٨٤)، وهو عند أحمد (٨٤). قوله: أَشرقْ ثبيرُ، أي: لتطلع عليك الشمس،
وثبير: جبل، يقال: أشرَقَ الرجل إذا دخل في وقت الشروق، وكان قولُ أهل الجاهلية: أشرِقْ ثبیرُ
كيما نُغير، أي ندفع ونفيض. أعلام الحديث للخطابي ٨٩٢/٢.
(٢) الاستذكار ٥٨/١٣-٥٩، والخبر أخرجه الشافعي في الأم ٢/ ١٨٠ من طريق ابن جريج به.
(٣) ص ٣٣٦ من هذا الجزء.
(٤) كذا نقل المصنف رحمه الله عن ابن عبد البر في الاستذكار ٦٩/١٣- ٧٢، ولم نقف على شطره الأول
من قوله ومتر، وأخرجه من فعله 8 أحمد (١٤٥٥٣)، وأبو داود (١٩٤٤)، والترمذي (٨٨٦)، وابن=

٣٥٣
سورة البقرة : الآية ١٩٩
رُكباناً إِنْ قَدَروا، ولا يستحبُّ الركوبُ في غيرها من الجمار، ويرمونها بسبع
حَصَيات، كلُّ حصاةٍ منها مثل حَصَى الخَذْف(١) - على ما يأتي بيانه(٢) - فإذا رمَوْها
حلَّ لهم كلُّ ما حَرُم عليهم من اللباس والتَّفَث كلِّه، إلا النساءَ والطَّيبَ والصَّيد عند
مالك وإسحاقَ في رواية أبي داود الخفَّفِ عنه. وقال عمر بن الخطاب وابنُ عمر:
يَحلُّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءَ والطّب. ومن تطيّب عند مالك بعد الرَّمي وقبل
الإفاضة لم يَرَ عليه فِديْة؛ لما جاء في ذلك. ومن صاد عندَه بعد أنْ رمى جمرة
العقبة وقبلَ أنْ يُفيضَ كان عليه الجزاء. وقال الشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور:
يحلُّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءَ، ورُوِيَ عن ابن عباس(٣).
الرابعة: ويَقطع الحاجُ التَّلْبِيَةَ بأوَّل حصاةٍ يرميها من جمرة العقبة، وعلى هذا
أكثرُ أهلِ العلم بالمدينة وغيرِها، وهو جائز مباحٌ عند مالك، والمشهور عنه قطعُها
عند زوالِ الشَّمس من يوم عرفة، على ما ذكر في موّه عن عليٍّ، وقال: هو الأمر
عندنا(٤)
قلت: والأصلُ في هذه الجملة من السُّنة ما رواه مسلمٌ عن الفضل بنِ عِبَّاس -
وكان ردِيفَ رسول الله وَ﴿ - أنه قال في عشيَّةٍ عرفةَ وغداةً جَمْعٍ للناس حين
دَفع(٥): ((عليكم بالسكينة)) وهو كافٍّ ناقتَه، حتى دخل مُحَسِّرًا - وهو مِن مِنّى -
ماجه (٣٠٢٣)، ولفظه عند أحمد: دفعّ رسولُ اللهِوَله وعليه السكينةُ، وأوْضَعَ في في وادي مُحَسِّر،
=
فأراهم مثل حصى الخَذْف، وأمرهم بالسكينة، وقال: ((لِتَأْخُذْ أمَّتي مَنْسَكُها، فإني لا أدري لعلي لا
ألقاهم بعد عامهم هذا». قوله: أوضع، أي: أسرعٌ وأجْرَى ناقتَه. قاله السندي كما في حاشية المسند.
وقد وردّ نحو هذا اللفظ في حديث جابر الطويل عند مسلم (١٢١٨)، فقد جاء فيه: حتى أتى بَظْنَ
مُحسِّر، فحرَّك قليلاً ... والشطر الثاني من الحديث، وهو قوله ﴿: ((خُذُوا عني مناسككم)) تكرر
مراراً، وأول موضع سلف فيه ٦٧/١ .
(١) الخذف: هو رميك حصاة أو نواة، تأخذها بين سبابتيك وترمي بها، وحصى الخذف، أي: صغار
الحصى. النهاية (خذف).
(٢) في المسألة التالية.
(٣) انظر الاستذكار ٢٢٧/١٣-٢٣٠، والمحلى ١٣٩/٧-١٤٠، والمغني ٣٠٨/٥-٣١٠.
(٤) الموطأ ٣٣٨/١، وانظر عقد الجواهر الثمينة ٣٩٦/١، ٣٩٧.
(٥) في (م): دفعوا.
:

٣٥٤
سورة البقرة : الآية ٢٠٠
قال: ((عليكم بحصى الخَذْفِ الذي يُرْمَى به الجمرة))، وقال: ولم يَزِلْ رسول الله وَهـ
يُلَبِّي حتى رمى جمرة العقبة. في رواية: والنبيُّ ﴿ ﴿ يُشير بيده كما يَخْذِف
الإنسان(١).
وفي البخاريِّ عن عبد الله أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى؛ جعلَ البيت عن يساره
ومِنَّى عن يمينه، ورمى بسبع وقال: هكذا رمى الذي أُنزلتْ عليه سورةُ البقرة ◌َ﴾(٢).
وروى الدارقطنيُّ عن عائشة قالت: قال رسول الله وَلجر: ((إذا رميتُم وحلقتُم
وذبحتُم، فقد حلَّ لكم كلُّ شيءٍ إلا النِّساء، وحلَّ لكم الثياب والطّيب))(٣).
وفي البخاريِّ عن عائشةَ قالت: طَيَّيتُ رسولَ الله ◌َلا﴿ بيديّ هاتين، حین أَحرم،
ولحلّه حين أَحلَّ قبل أنْ يطوفَ. وبسطتْ يدَيْها(٤). وهذا هو التحلُّل الأصغر عند
العلماء. والتحلُّل الأكبر: طواف الإفاضة، وهو الذي يُحِلُّ النساءَ وجميعَ
محظوراتِ الإحرام، وسيأتي ذكره في سورة الحجّ إنْ شاء الله تعالى(٥).
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمِ نَّنَاسِكَكُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِِّكُمْ ◌َبَآءَكُمْ أَوْ
أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاثِنَا فِىِ الذُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى
اُلْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ قال مجاهد: المناسِكُ:
(١) صحيح مسلم (١٢٨٢): (٢٦٨)، وهو عند أحمد (١٧٩٤)، قوله: جمع، أي: مزدلفة، وتكرر ذكرها.
وقوله: كافٍّ ناقتَه: من الكفّ، بمعنى المنع، أي: يمنع ناقته من الإسراع، وحصى الخذف: صغار
الحصى. حاشية السندي على المسند، والفضل بن العباس: هو ابن عم رسول الله وَلير، كان أكبرَ
إخوته، شهد مع النبي وَله حُنينًا، وثبت معه يومئذ، وشهد معه حجة الوداع، زوَّجه النبي ◌َآپر وأمهره،
مات في خلافة أبي بكر. الإصابة ١٠٢/٨ .
(٢) صحيح البخاري (١٧٤٨)، وأخرجه أيضاً أحمد (٣٩٤١)، ومسلم (١٢٩٦): (٣٠٩).
(٣) سنن الدارقطني ٢٧٦/٢، وهو عند أحمد (٢٥١٠٣).
(٤) صحيح البخاري (١٧٥٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٤١١١)، ومسلم (١١٨٩).
(٥) في تفسير الآية (٢٩) منها .

٣٥٥
سورة البقرة : الآية ٢٠٠
الذَّبائحُ وهِراقةُ الدِّماء. وقيل: هي شعائرُ الحجّ؛ لقوله عليه السلام: ((خُذُوا عَنِّي
مَناسِكَكُمْ)). المعنى: فإذا فعَلْتُم مَنْسَكاً من مناسك الحجِّ فاذكروا اللهَ وأَثنُوا عليه
بآلائهِ عندَكم(١) .
وأبو عمرو يُدغمُ الكافَ في الكاف، وكذلك: ﴿مَا سَلَكْهُ﴾ [المدثر: ٤٢]؛
لأنَّهما مِثْلان(٢) .
و(قَضيتُم)) هنا بمعنى: أدَّيْتُم وفَرَغْتم، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ﴾
[الجمعة: ١٠] أي: أُدِّيت(٣) الجمعةُ. وقد يعبّر بالقضاء عمَّا فُعل من العبادات
خارج وقتها المحدودِ لها .
الثانية: قولُه تعالى: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ◌َبَاءَكُمْ﴾ كانتْ عادةُ العربِ إذا
قضَتْ حجَّها تقفُ عندَ الجمرة؛ فتفاخرُ بالآباء، وتذكرُ أيامَ أسلافِها من بَسالةٍ
وكرم، وغيرِ ذلك(٤)؛ حتَّى إنَّ الواحدَ منهم لَيقولُ: اللَّهُمّ إنَّ أبِي كان عَظيمَ القُبَّة،
عظيمَ الجَفْنَة، كثيرَ المال، فأَعطِني مثلَ ما أعْطيتَه، فلا يذكرُ غيرَ أبيه(٥)، فنزلَت
الآيَةُ لِيُلزِمُوا أنفسَهم ذكرَ اللهِ أكثر من التزامِهم ذِكْرَ آبائِهم أيامَ الجاهليَّة. هذا قولُ
جمهورِ المفسِّرِينَ(٦).
وقال ابنُ عباس وعطاءٌ والضَّحاكُ والرَّبيعُ: معنى الآية: اذكروا اللهَ كذكرٍ
الأطفالِ آباءَهم وأمَّهاتِهم: أَبَهْ أُمَّه، أي: فاستغیثوا(٧) به والجؤوا إليه كما كنتم
تفعلون في حال صِغَرِكم بآبائكم. وقالت طائفة: معنى الآية: اذكروا الله وعظّمُوه،
وذُبُّوا عن حُرَمِه، وادفعوا مَنْ أرادَ الشِّركَ في دينهِ ومشاعرِه؛ كما تذكُرونَ آباءَكم
(١) ينظر المحرر الوجيز ٢٧٦/١، وقد تقدم الحديث ٥٨/١. وقول مجاهد أخرجه الطبري ٣/ ٥٣٥.
(٢) التيسير ص٢٠.
(٣) في (م): أديتُم.
(٤) المحرر الوجيز ٢٧٦/١.
(٥) أخرجه الطبري ٣/ ٥٤٠ عن السُّدِّيِّ.
(٦) المحرر الوجيز ٢٧٦/١.
(٧) في (ظ): فاستعينوا.

٣٥٦
سورة البقرة : الآية ٢٠٠
بالخير إذا غُضَّ أحدٌ منهم، وتَحمُونَ جوانبَهم وتَذُبُّون عنهم(١).
وقال أبو الجوزاء لابن عبَّاس: إنَّ الرجلَ اليومَ لا يَذكُر أباه، فما معنى الآية؟
قال: ليس كذلك، ولَكِنْ أنْ تغضبَ للهِ تَعالى إذا عُصِيَ أشدَّ من غضِكَ لوالديكَ إذا
شُتِمَا(٢).
والکافُ من قوله: «گذِگرِگُم» في موضع نصب؛ أي: ذِكْرًا گذکرِكُم. ﴿أَوْ
أَشَدَ﴾ قال الزَّجاج (٣): ((أو أشدَّ) في موضع خفض عطفًا على ((ذكركم))، المعنى:
أو كأشدَّ ذكرًا، ولم ينصرف لأنه «أفعل)» صفة، ويجوز أن يكون في موضع نصب،
بمعنى: أو اذكروه أشدَّ. و((ذِكْرًا)) نصب على البيان(٤).
قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَائِنَا فِى الذُّنْيَا﴾ ((مَنْ)) في موضعٍ
رفعٍ بالابتداء، وإنْ شئتَ بالصفة. ﴿يَقُولُ رَبََّآ ءَاتِنَا فِىِ الذُّنْيَا﴾ صلةُ ((مَنْ))(٥)،
والمرادُ المشركون: قال أبو وائل والسُّدِّيّ وابن زيد: كانت عادة (٦) العرب في
الجاهلية أن (٧) تدعوَ في مصالح الدنيا فقط، فكانوا يسألونَ الإبلَ والغنَم والظّفَرَ
بالعدوِّ، ولا يطلبونَ الآخِرةَ، إذْ كانوا لا يعرفونها، ولا يؤمنون بها، فنُهوا عن ذلك
الدُّعاءِ المخصوصِ بأمر الدُّنيا، وجاءَ النَّهيُ في صيغة الخبر عنهم(٨).
ويجوزُ أنْ يتناولَ هذا الوعيدُ المؤمنَ أيضاً إذا قَصَرَ دعواتِه في الدُّنيا؛ وعلى
هذا فـ ((مالَه في الآخرة مِنْ خَلاق)) أي: كخَلاقِ الذي يَسألُ الآخرةَ. والخَلاقُ:
النَّصيبُ. و((مِنْ)) زائدةٌ، وقد تقدَّم.
(١) المحرر الوجيز ٢٧٦/١. وأخرج هذه الأخبار السالفة الطبريُ ٥٣٥/٣-٥٣٩.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٨٦٩).
(٣) معاني القرآن له ١/ ٢٧٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١/ ٢٩٧.
(٤) أي: على التَّمييز، كما عند الزجاج.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٧/١.
(٦) لفظة: عادة، ليست في (م).
(٧) لفظة: أن، من (خ) و(ظ).
(٨) انظر المحرر الوجيز ٢٧٦/١.

٣٥٧
سورة البقرة : الآية ٢٠١
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَن يَقُولُ رَبَّثَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِي الْآَخِرَةِ
حَسَنَّةُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قولُه تعالى: ﴿وَمِنْهُم﴾ أي: من النَّاس، وهم المسلمون يطلبون
خيري(١) الدنيا والآخرة. واختُلفَ في تأويل الحَسَنتَين على أقوال عديدة؛ فرُويَ
عن عليٍّ بن أبي طالب رضيَ الله عنه أنَّ الحسنةَ في الدُّنيا المرأةُ الحسناء، وفي
الآخرة الحُورُ العِينُ(٢). ((وقنا عذابَ النَّار)): المرأةُ السُّوء.
قلتُ: وهذا فيه بُعْد، ولا يصحُّ عن عليّ، لأنَّ النَّارَ حقيقةٌ في النار المحرِقَة،
وعبارةُ المرأةِ عن النَّار تجوُّزٌ.
وقال قتادةُ: حسنةُ الدُّنيا العافيةُ في الصحة وكَفافُ المال. وقال الحسن:
حسنةُ الدُّنيا العلمُ والعبادةُ. وقيلَ غيرُ هذا.
والَّذي عليه أكثرُ أهلِ العلم أنَّ المرادَ بالحَسَنَتَيْنِ نِعَمُ الدُّنيا والآخرة. وهذا هو
الصحيحُ؛ لأنَّ(٣) اللَّفظَ يَقتضي هذا كلّه، فإنَّ ((حسنةً)) نكرةٌ في سياق الدُّعاء، فهو
مُحتملٌ لكلِّ حَسَنةٍ من الحسناتِ على البدل، وحسنةُ الآخرة: الجنةُ بإجماع(٤).
وقيل: لم يُرِد حسنةً واحدة، بل أرادَ: أعطنا في الدنيا عطيَّةً حسنةً، فحذفَ الاسم.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أصلُ ((قِنَا)): إِوْقِنا، حُذفت الواوُ كما
حُذفت في يفِي ويَشِي؛ لأنَّها بينَ ياءٍ وكسرة، مثلُ: يَعِد؛ هذا قولُ البَصْرِينَ. وقال
الكوفيون: حُذفت فرقاً بينَ اللَّزم والمتعدِّي. قالَ محمدُ بنُ يزيد: هذا خطأ؛ لأنَّ
العربَ تقولُ: وَرِمَ یَرِمُ، فيحذفون الواو(٥).
(١) في (م): خير.
(٢) تفسير البغوي ١/ ١٧٧، وفيه: المرأة الصالحة بدل: المرأة الحسناء، وذكره ابن عطية في المحرر
الوجيز ٢٧٦/١، ولم ينسبه.
(٣) في (م): فإن.
(٤) انظر المحرر الوجيز٢٧٦/١، والنكت والعيون ٢٦٣/١، وأخرج قول قتادة والحسن الطبريُّ ٥٤٤/٣، ٥٤٥.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٧/١.

٣٥٨
سورة البقرة : الآية ٢٠١
والمرادُ بالآية الدُّعاءُ في ألَّ يكونَ المرءُ ممن يدخلُها بمعاصيه وتُخرجُه
الشَّفاعةُ. ويَحتملُ أن يكونَ دعاءً مؤكِّدًا لطلب دخولِ الجنَّة؛ لتكونَ الرَّغبةُ في معنى
النَّجاةِ والفوز من الطَّرفين، كما قال أحدُ الصَّحابةِ للنَّبِيِّ وَِّ: أنا إنَّما أقولُ في
دُعائي: اللَّهمَّ أدْخِلْني الجنَّةَ، وعافِني من النَّار، ولا أدري ما دَنْدَنَتُكَ ولا دَنْدَنَةُ
معاذ. فقال له رسولُ الله ◌َِله: ((حَوْلَها نُدَنْدِنُ))(١) خرَّجه أبو داود في سننه وابنُ
ماجه أيضاً(٢).
الثالثة: هذه الآيةُ من جوامع الدُّعاءِ التي عمَّت الدنيا والآخرة؛ قيل لأنس:
ادعُ الله لنا، فقالَ: اللَّهُمَّ آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذابَ النَّار.
قالوا: زِدْنا. قال: ما تريدون؟! قد سألتُ الدُّنيا والآخرةَ(٣) !.
وفي الصحيحين(٤) عن أنس رضي الله عنه قال: كانَ أكثرُ دعوةٍ يدعو بها
النَّبِيُّ وَه يقول: ((اللَّهُمَّ آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنا عذابَ النَّارِ)).
قال: فكانَ أنسٌ إذا أرادَ أنْ يدعوَ بدعوة دعا بها، فإذا أراد أنْ يدعوَ بدُعاء دَعا
بها فيه .
وفي حديث عمرَ أنَّه كانَ يطوفُ بالبيت وهو يقول: ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حسنةً
وفي الآخرة حسنةً وقنا عذابَ النَّار. ما لَه هِجِّيرَى غيرَها؛ ذكره أبو عبيد(٥).
وقال ابنُ جُريج: بلغني أنَّه كانَ يأمرُ(٦) أنْ يكونَ أكثرُ(٧) دعاء المسلم في
الموقف هذه الآية: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةُ وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ﴾. وقال ابنُ عباس رضي الله عنه: إنَّ عندَ الرُّكْن مَلَكاً قائماً مُنذُ خلقَ اللهُ
السماوات والأرضَ يقولُ: آمين، فقولوا: رَبَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة
(١) المحرر الوجيز ٢٧٧/١.
(٢) سنن أبي داود (٧٩٢) وسنن ابن ماجه (٩١٠)، وهو في مسند أحمد (١٥٨٩٨).
(٣) أخرجه ابن حبان (٩٣٨)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٣٣) بنحوه.
(٤) أخرجه البخاري (٤٥٢٢) ومسلم (٢٦٩٠) من حديث أنس رضي الله عنه واللفظ لمسلم.
(٥) غريب الحديث ٣١٨/٣ وقال: هجيراه: كلامُه ودأبه وشأنه.
(٦) في (ظ) و(خ): يؤمر.
(٧) لفظة أكثر، ليست في (ز).

٣٥٩
سورة البقرة : الآية ٢٠٢
حسنةً وقِنا عذابَ النَّار(١).
وسُئل عطاءُ بنُ أبي رَبَاح عن الرُّكْن اليمانيِّ وهو يطوفُ بالبيت، فقال عطاء:
حذَّثني أبو هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ نَّهِ قالَ: ((وُكِّلَ به سبعونَ مَلَكًا، فمَنْ قال:
اللَّهُمَّ إنِّي أسألُك العفوَ والعافيةَ في الدُّنيا والآخرة، ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حسنةً وفي
الآخرة حسنةً وقنا عذاب النَّار، قالوا: آمين)) الحديث. خرَّجه ابنُ ماجه في
السُّنن(٢)، وسيأتي بكماله مُسنَدًا في ((الحجِ)) إنْ شاءَ الله تعالى.
قولُه تعالى: ﴿أُوْلَبِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْلِسَابِ
٢٠٢
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ﴾ هذا يرجعُ إلى الفريق
الثاني، فريقِ الإسلام، أي: لَهم ثوابُ الحِجِّ، أو ثوابُ الدُّعاء، فإنَّ دعاءَ المُؤمن
عبادةٌ .
وقيل: يرجِعُ ((أولئك)) إلى الفريقين؛ فللمؤمن ثوابُ عملِه ودعائه، وللكافر
عقابُ شِرْكه وقَصْرٍ نظَرِه على الدُّنيا، وهو مِثْلُ قوله تعالى: ﴿ وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مِّمَا
عَيِدُواْ﴾.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ مِن سَرُعَ يَسْرُعُ - مثلُ عَظُمَ يَعُْمُ -
سِرَعاً وسُرْعةً، فهو سريع .
((الحساب)): مصدرٌ كالمحاسبة؛ وقد يُسَمَّى المحسوبُ: حِساباً. والحسابُ:
العَدُّ؛ يقالُ: حَسَبَ يَحسُبُ حِسَاباً وحِسَابةً وحُسْباناً وحِسْباناً وحَسْبًا، أي: عَدَّ.
وأنشدَ ابنُ الأعرابي:
يا جُمْلُ أسقاكِ بلا حِسابَهْ سُقْيَا مَليكٍ حَسَنِ الرِّبَابة
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٦٨/١٠، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠٤٦).
(٢) رقم (٢٩٥٧)، وهو من رواية إسماعيل بن عياش، عن حميد بن أبي سويد، عن عطاء بن أبي رباح،
به، وحمید بن أبي سويد منكر الحديث كما ذكر ابن عدي في ((الكامل» ٢ / ٦٩٠، وذكر أن أحادیثه عن
عطاء غير محفوظة، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: مجهول.

٣٦٠
سورة البقرة : الآية ٢٠٢
فَتَلْتِني بالدَّلِّ والخِلَابَهُ(١)
والحَسَب: ما عُدَّ من مَفاخر المرء. ويقالُ: حَسَبُهُ دِينُه. ويقال: مالُه، ومنه
الحديثُ: ((الحَسَبُ المالُ، والكرمُ الثَّقوى» رواهُ سَمُرَةُ بنُ جُنْدٍ رضي الله عنه،
أخرجه ابنُ ماجه، وهو في الشِّهاب أيضاً(٢). والرجلُ حَسيبٌ، وقد حَسُبَ حَسابةً،
بالضَّم؛ مثلُ: خَطُبَ خَطابةٌ.
والمعنى في الآية: أنَّ الله سبحانَه سريعُ الحساب، لا يحتاجُ إلى عدِّ ولا إلى
عَقْد ولا إلى إعمال فكرٍ كما يفعلُه الحُسَّابُ؛ ولهذا قال وقولُه الحقُّ: ﴿وَكَفَى بِنَا
حَسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال رسولُ اللهِوَّهِ: ((اللَّهُمَّ مُنَزِّلَ الكتاب، سريعَ
الحسابِ))(٣) الحديث. فالله جلَّ وعزَّ عالمٌ بما للعبادِ وعليهم، فلا يحتاجُ إلى تَذكُّر
وتَأمُّل، إذْ قد علمَ ما للمحاسَب وعليه؛ لأنَّ الفائدةَ في الحساب علمُ حقيقته.
وقيل: سريعُ المجازاة للعباد بأعمالهم. وقيل: المعنى لا يَشْغَلُه شأنٌ عن
شأن، فيحاسبُهم في حالة واحدة، كما قال وقوله الحق: ﴿مَا خَلْفُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا
كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].
قال الحسن: حسابُه أسرعُ من لَمح البصر، وفي الخبر: ((إنَّ اللهَ يحاسبُ في
قَدْر حَلْبٍ شاةٍ))(٤). وقيل: هو أنه إذا حاسبَ واحداً فقد حاسبَ جميعَ الخَلْق.
وقيل لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: كيفَ يحاسبُ اللهُ العبادَ في يوم؟ قال:
كما يرزقُهم في يوم(٥). ومعنى الحساب: تعريفُ اللهِ عبادَه مقاديرَ الجزاءٍ على
(١) انظر الصحاح. وأورد الرجز أيضاً ابن منظور في لسان العرب (حسب) وصوَّب إنشاده: يا جُمْلُ
أسقيت، ونسبه لمنظور بن مَرْئد الأسدي، وقال: يجوز في ((حَسَن)) الرفع والنصب والجر، والرِّبابة،
بالكسر: القيام على الشيء بإصلاحه وترتيبه. وقوله ((بالدَّلِ))؛ دَلُّ المرأة: تَدَلَّلُها على زوجها؛ تُريه
جَراءَةً عليه في تَغَنُّجِ. القاموس.
(٢) سنن ابن ماجه (٤٢١٩) ومسند الشهاب للقضاعي (٢١)، وهو في مسند أحمد (٢٠١٠٢).
(٣) أخرجه أحمد (١٩١٠٧) والبخاري (٢٩٣٣) ومسلم (١٧٤٢) من حديث عبد الله بن أبي أوفى
رضي الله عنه.
(٤) لم نقف عليه.
(٥) المحرر الوجيز ٢٧٧/١ .