النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ سورة البقرة : الآية ١٩٦ يأتي بيانُها(١) - وأن يكون من أهل الآفاق، وقَدِم مكةً، ففرغَ منها، ثم أقام حلالاً بمكة إلى أن أنشأ الحجّ منها في عامه ذلك قبل رجوعه إلى بلده، أو قبل خروجه إلى ميقات أهلِ ناحيتِه، فإذا فعل ذلك كان متمتِّعاً، وعليه ما أوجبَ الله على المتمتّع، وذلك ما استيسر من الهَذي؛ يذبحُه ويعطيه للمساكين(٢) بمنّى أو بمكة، فإن لم يجد، صامَ ثلاثةَ أيام، وسبعةً إذا رجع إلى بلده - على ما يأتي(٣) - وليس له صيامُ يوم النحر بإجماع من المسلمين، واختُلف في صيام أيام التَّشريق على ما يأتي(٤). فهذا إجماعٌ من أهل العلم قديماً وحديثاً في المُتْعة(٥). ورابطُها ثمانيةُ شروط: الأوَّل: أن يَجمع بين الحجِّ والعُمْرة. الثاني: في سَفَرٍ واحد. الثالث: في عامٍ واحد. الرابع: في أشهر الحج. الخامس: تقديمُ العمرة. السادس: ألا يَمْزُجَها، بل يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة. السابع: أن تكون العمرةُ والحجُّ عن شخصٍ واحد. الثامن: أن يكون من غير أهل مكة (٦). وتأمَّلْ هذه الشروطَ فيما وصفنا من حكم المتمتّع (٧) تَجِدْها. والوجه الثاني من وجوه التمتّعِ بالعمرة إلى الحجِّ: القِران، وهو أن يجمع بينهما في إحرام واحد، فيُهِلَّ بهما جميعاً في أشهر الحجِّ أو غيرها، يقول: لَبّيْكَ بحَجَّةٍ وعُمرة معاً، فإذا قَدِمَ مكة طاف لحجته وعمرته طوافاً واحداً، وسعى سعياً واحداً، عند مَن رأى ذلك(٨)، وهم مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما، وإسحاقُ وأبو ثور، وهو مذهبُ عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعطاء بن أبي رباح والحسنٍ ومجاهدٍ وطاوس(٩)؛ لحديث عائشةَ رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله وَّ (١) عند قوله تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [١٩٧] ص ٣١٩ من هذا الجزء. (٢) في (د): المساكين. (٣) في تتمة هذه الآية وهو قوله تعالى: ﴿فَ لَمْ يَهِدْ فَضِيَامُ ثَلَةٍ أَيٍَّ فِي ◌َجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمُ﴾ (٤) عند قوله تعالى: ﴿فَ لَّمْ يَهِدْ فَصِيَامُ ثَةٍ أَيَّمٍ فِي ◌َحْ وَسَبَةِ إذَا رَبَعْتُمْ﴾. (٥) التمهید ٣٤٢/٨-٣٤٤. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٦/١. (٧) في (م): التمتع. (٨) التمهيد ٣٥٤/٨. (٩) التمهيد ٢٣٠/٨-٢٣١. ٣٠٢ سورة البقرة : الآية ١٩٦ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة، الحديث. وفيه: وأمَّا الذين جمعوا بين الحجّ والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً. أخرجه البخاري(١). وقال ◌َّهِ لعائشةَ يوم النَّفْر ولم تكن طافت بالبيت، وحاضت: ((يَسَعُكِ طَوافُكِ لحَجِّكٍ وعُمرتِك)) في رواية: (يُجْزِئُ عنكِ طوافُك بالصّفا والمَرْوَة عن حَجِّكِ وعُمْرتك)). أخرجه مسلم(٢). أو طاف طوافين وسعى سعيين، عند من رأى ذلك، وهو أبو حنيفة وأصحابه والثوريُّ والأوزاعيُّ والحسن بن صالح وابن أبي لَيْلَى، ورُوِيَ عن عليٍّ وابن مسعود، وبه قال الشعبيُّ وجابر بن زيد (٣). واحتجُّوا بأحاديثَ عن عليٍّ عليه السلام أنه جمع بين الحجّ والعمرة، فطاف لهما طوافين، وسَعَى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله وَ ﴿ فعل. أخرجهما الدّارَقُطْنيُّ في سُننه وضَعَّفها كلَّها (٤). وإنما جُعل القِران مِن باب التمتع؛ لأن القارن يتمتَّع بترك النَّصَب في السفر إلى العُمرة مَرَّةً وإلى الحجِّ أخرى، ويتمتَّع بجمعهما، ولم يُحرم لكلِّ(٥) واحدة من ميقاته، وضَمَّ الحجَّ إلى العمرة؛ فدخل تحت قول الله عز وجل: ﴿فَنَ تَمَنَعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَجِّ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدَيَّ﴾. وهذا وجهٌ من التمتع لا خلاف بين العلماء في جوازه. وأهلُ المدينة لا يجيزون الجمع بين العُمْرة والحجِّ إلا بسياق الهَدْي، وهو عندهم بَدَنةٌ لا يجوز دونها . وممَّا يدلُّ على أن القِران تمتُّعٌ قولُ ابن عمر: إنما جُعل القِران لأهل الآفاق، وتلا قولَ الله جلَّ وعزَّ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ أَنْ يَكُنَّ أَهْلُمُ حَاضِى الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾، فمَن كان مِن حاضري المسجد الحرام وتمتَّع أو قَرَن، لم يكن عليه دَمُ قِرانٍ ولا تمتعٍ. [ومن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وقرن أو تمتع، فعليه دم]. قال مالك: وما (١) صحيح البخاري (١٥٥٦)، وهو عند أحمد (٢٥٤٤١)، ومسلم (١٢١١): (١١١)، وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢٣١/٨. وقد سلف برواية أخرى عن عائشة ص ٢٩٥ من هذا الجزء. (٢) صحيح مسلم (١٢١١): (١٣٢) (١٣٣)، والرواية الأولى عند أحمد (٢٤٩٣٢). وقد سلف برواية أخرى عن عائشة ص ٢٩٥ من هذا الجزء. (٣) التمهيد ٢٣٣/٨. (٤) سنن الدار قطني ٢٦٣/٢-٢٦٤. (٥) في (د) و(ز): بكل. ٣٠٣ سورة البقرة : الآية ١٩٦ سمعتُ أن مَكِّيَّا قَرَن، فإن فَعَلَ لم يكن عليه هَدْيٌ ولا صيامٍ؛ وعلى قول مالكٍ جمهور الفقهاء في ذلك. وقال عبد الملك بن الماجِشُون: إذا قَرَن المكيُّ الحجَّ مع العمرة، كان عليه دَمُ القِران، من أجل أن الله إنما أسقط عن أهل مكة الدَّم والصيامَ في التمتع [لا في القِران](١). والوجهُ الثالث من التمتُّع: هو الذي توعّد عليه عمر بن الخطاب وقال: مُتعتان كانتا على عهد رسول الله وَ ﴿ أنا أَنهى عنهما وأعاقبُ عليهما: مُتعةُ النّساء ومُتعةٌ الحج(٢). وقد تنازع العلماء في جواز هذا بعدُ هَلُمّ جرًّا، وذلك أن يُحرِمَ الرجل بالحجِّ، حتى إذا دخل مكة فسخ حجَّه في عمرة، ثم حلَّ وأقام حلالاً حتى يُهِلَّ بالحجِ یوم التَّروِيَّة. فهذا هو الوجهُ الذي تواردت به الآثار(٣) عن النبيِّ وَّ فيه أنه أَمر أصحابه في حجَّته مَن لم يكن معه هَذْيٌ ولم يَسُقْه وقد كان أحرم بالحجِّ أن يجعلها عمرة. وقد أجمع العلماء على تصحيح الآثار بذلك عنه وَ لخير، ولم يدفعوا شيئاً منها، إلَّا أنهم اختلفوا في القول بها والعملِ لعللٍ؛ فجمهورُهم على ترك العمل بها؛ لأنها عندهم خصوصٌ خَصَّ بها رسولُ اللهِ وَّر أصحابَه في حَجَّته تلك(٤). قال أبو ذرّ: كانت المتعة لنا في الحج خاصة. أخرجه مسلم. وفي رواية عنه أنه قال: لا تصلُح المتعتان إلَّا لنا خاصَّةً، يعني متعةً النساء ومتعة الحج(٥). والعلةُ في الخصوصية ووجهُ الفائدة فيها ما قاله ابن عباس رضي الله عنه قال: كانوا يَرَون أن العمرة في أشهُرِ الحجِّ من أَفْجَر الفجور في الأرض، ويجعلون (١) التمهيد ٣٥٤/٨-٣٥٥، وما بین حاصرتين منه. (٢) التمهيد ٣٥٥/٨، والخبر أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٤٦/٢، وابن عبد البر في التمهيد ١١٣/١٠ من حديث عبد الله بن عمر عن عمر. وأخرج أحمد (١٤٤٧٩)، ومسلم (١٢٤٩) عن جابر رضي الله عنه - واللفظ لأحمد - قال: متعتان كانتا على عهد النبي وَه، فنهانا عنهما عمر، فانتهينا. (٣) في التمهيد ٣٥٥/٨: تواترت الآثار. (٤) التمهيد ٣٥٦/٨. (٥) صحيح مسلم (١٢٢٤). ٣٠٤ سورة البقرة : الآية ١٩٦ المُحَرّمَ صَفَراً، ويقولون: إذا بَرأَ الدَّبَرِ، وعَفَا الأَثَر، وانسلخ صَفَر، حَلَّت العمرةُ لمن اعتمر. فَقدِم النبيُّ وَلَّ وأصحابُه صبيحةَ رابعةٍ مُهِلِّين بالحجِّ، فأمرهم أن يجعلوها عُمرةً؛ فتعاظَمَ ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله، أيُّ الحِلِّ؟ قال: ((الحِلُّ كلُّه)). أخرجه مسلم(١). وفي المسند الصحيح لأبي حاتم (٢) عن ابن عباس قال: والله ما أَعْمَرَ رسول الله وَ﴿ عائشةَ في ذي الحجة إلَّا ليقتطع (٣) بذلك أمرَ أهل الشرك؛ فإن هذا الحيَّ من قريش ومَن دان دينَّهم كانوا يقولون: إذا عَفَا الوَبَر (٤)، وبَرَأَ الذَّبَر، وانسلخ صَفَر، حَلَّتِ العُمْرةُ لمن اعتمر. فقد كانوا يحرِّمون العُمرة حتى ينسلخ ذو الحجة؛ فما أعمر رسول الله وَّلقول عائشةً إلا لينقض ذلك من قولهم. ففي هذا دليلٌ على أن رسول الله ◌َ﴿ إنما فسخ الحجَّ في العمرة ليريّهم أن العمرة في أشهر الحجِّ لا بأسَ بها. وكان ذلك له ولمن معه خاصَّةً؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قد أمر بإتمام الحجّ والعمرة كلَّ مَن دخل فيها أمرًا مطلقًا، ولا يجب أن يخالَف ظاهرُ كتاب الله إلَّا إلى ما لا إشكالَ فيه من كتابٍ ناسخِ أو سُنَّةٍ مبيّنة. واحتجُّوا بما ذكرناه عن أبي ذَرّ، وبحدیث الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلنا: يا رسول الله، فَسْخُ الحجِّ لنا خاصَّةٌ، أم للناس عامَّةً؟ قال: ((بل لنا خاصَّة))(٥). وعلى هذا جماعةُ فقهاء الحجاز والعراق والشام، إلَّا شيءٌ يُروى عن (١) صحيح مسلم (١٢٤٠): (١٩٨)، وهو عند أحمد (٢٢٧٤)، والبخاري (١٥٦٤). وجاء في حاشية المسند: وقوله: كانوا يرون، قال السندي: أي أهل الجاهلية. صفراً، أي: ليُحِلُّوه كما حكى الله تعالى عنهم: ﴿يُِلُونَهُ عَامًا وَيُحَرِيمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: ٣٧] الذَّبَر بفتحتين: الجروح التي تكون في ظهر البعير، أي: إذا زال عنها الجروح التي حصلت بسبب سفر الحج عليها. وقوله: وعفا الأثر، قال النووي في شرحه لصحيح مسلم ٢٢٥/٨: أي درس وامَّحى، والمراد أثر الإبل وغيرها في سيرها، عفا أثرها لطول مرور الأيام، هذا هو المشهور، وقال الخطابي: المراد أثر الدَّبَر. وهذه الألفاظ تُقرأ كلَّها ساكنةَ الآخِرِ ويُؤْقَف عليها لأن مرادهم السَّجع. (٢) هو ابن حبان، والحديث في صحيحه برقم (٣٧٦٥). (٣) في (م): ليقطع. (٤) في (د) و(ز): الأثر. (٥) أخرجه أحمد (١٥٨٥٣)، وأبو داود (١٨٠٨)، والنسائي في المجتبى ١٧٩/٥، وابن ماجه (٢٩٨٤)، = ٣٠٥ سورة البقرة : الآية ١٩٦ ابن عباس والحسن والسُّدِّي، وبه قال أحمد بن حنبل. قال أحمد: لا أردُّ تلك الآثارَ الواردة المتواترة الصِّحاحَ في فسخ الحجّ في العمرة بحديث الحارث بن بلال عن أبيه ويقول أبي ذرّ. قال: ولم يُجمعوا على ما قال أبو ذرّ، ولو أجمعوا كان حُجَّةً، قال: وقد خالف ابنُ عباسٍ أبا ذرِّ ولم يجعله خصوصاً (١). واحتج أحمد بالحديث الصحيح، حديثٍ جابرٍ الطويلِ في الحج، وفيه: أن النبيَّ نَّ قال: ((لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ، لم أَسُقِ الهَذيّ وجعلتُها عمرة)) فقام سُرَاقةُ بن مالك بن جُعْشُم فقال: يا رسول الله، ألِعامِنا هذا أم لأبَدٍ؟ فشبَّك رسول الله ◌ِله أصابعَه واحدةً في الأخرى وقال: ((دخلتِ العُمْرة في الحج - مرتین - لا، بل لأبَدٍ أبَدٍ)) لفظُ مسلم (٢). وإلى هذا - والله أعلم - مال البخاريُّ حيث ترجم «بابُ مَن لَبَّى بالحجّ وسَمَّاه)) وساق حديثَ جابر بن عبد الله: قدِمْنا مع رسول الله وَّهِ ونحن نقول: لَبَيْك بالحجِّ؛ فأمَرَنا رسول الله: ﴿ فجعلناها عُمرة(٣). وقال قوم: إنَّ أَمْرَ النبيِّ وَّه بالإحلال كان على وجهٍ آخر. وذكر مجاهدٌ ذلك الوجه، وهو أن أصحاب رسول الله وَ﴿ ما كانوا فرضوا الحجَّ أوَّلاً، بل أَمَرهم أن يُهِلُّوا مطلقاً وينتظروا ما يؤمرون به؛ وكذلك أَهَلَّ عليٍّ باليمن. وكذلك كان إحرامُ النبيِّ ◌َّ، ويدلُّ عليه قوله عليه السلام: ((لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سُقْتُ الْهَدْيّ وجعلتُها عمرة)) فكأنه خرج ينتظر ما يُؤمر به، ويأمر أصحابه بذلك، والدارقطني ٢٤١/٢، وابن عبد البر في التمهيد ٣٥٧/٨. قال المنذري في تهذيب السنن ٣٣١/٢: = قال الدارقطني: تفرد به ربيعة بن عبد الرحمن عن الحارث عن أبيه، وتفرد به عبد العزيز الدراوردي عنه. قال المنذري: والحارث هو ابن بلال بن الحارث وهو شبه المجهول. وقال أحمد في مسائل ابنه عبد الله ٢/ ٦٩٤: لا نعرف هذا الرجل، ولم يروه عنه إلا الدراوردي. قلنا: وبلال بن الحارث أبو عبد الرحمن المزني من أصحاب النبي و له، أقطعه النبي وَّلتر العقيق، وكان صاحب لواء مزينة يوم الفتح، توفي سنة (٦٠هـ). الإصابة ٢٧٣/١ . (١) التمهيد ٣٥٨/٨. (٢) صحيح مسلم (١٢١٨)، وقد تقدم ص ٢٩٧ من هذا الجزء. وينظر التمهيد ٣٥٩/٨. (٣) كتاب الحج، باب ٣٧، حديث (١٥٧٠)، وهو عند أحمد (١٤٨٣٣)، ومسلم (١٢١٧): (١٤٦). ٣٠٦ سورة البقرة : الآية ١٩٦ ويدلُّ على ذلك قولُه عليه الصلاة والسلام: ((أتاني آتٍ مِن ربِّي في هذا الوادي المباركِ وقال: قل: حَجَّةٌ في عمرة))(١). والوجه الرابع من المتعة: مُتْعَةُ الْمُخْصَر وَمَن صُدَّ عن البيت؛ ذكر يعقوب بن شيبة قال: حدَّثنا أبو سلمة التَّبُوذَكيّ، حدَّثنا وُهَيْب، حدَّثنا إسحاق بن سُوَيْد قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يخطب يقول: أيها الناس، إنه والله ليس التمتعُ بالعُمْرة إلى الحجِّ كما تصنعون، ولكن التمتع أن يخرج الرجل حاجًّا، فيحبسَه عدوٌّ، أو أَمْرٌ يُعذَر به، حتى تذهب أيام الحجِّ، فيأتيَ البيت، فيطوف ويَسعَى بين الصَّفا والمَرْوَة، ثم يتمتَّعَ بِحِلِّهِ إلى العام المستَقْبَل، ثم يحجَّ ويُهدِي(٢). وقد مضى القول في حكم الْمُخْصَر وما للعلماء في ذلك مبيَّاً، والحمد لله. فكان من مذهبه أن المُخْصَر لا يَحِلُّ، ولكنه يبقى على إحرامه حتى يُذبح عنه الهَديُ يوم النحر، ثم يَخْلِق، ويبقى على إحرامه حتى يقدم مكة، فيتحلَّل من حَجِّه بعملٍ عُمرة. والذي ذكره ابن الزبير خلافُ عموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَنْيِّ﴾ بعد قوله: ﴿وَأَنِقُواْ الْمَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهَ﴾ ولم يَفْصِل في حكم الإِحصار بين الحجّ والعُمْرة، والنبيُّ وَلَهِ وأصحابُه حين أُحصروا بالحديبية حَلُّوا وحلَّ، وأمرهم بالإحلال(٣). واختلف العلماء أيضاً لم سُمِّيَ المتمتع متمثِّعاً؛ فقال ابن القاسم: لأنه تمتَّع بكلِّ ما لا يجوز للمُخْرِم فعلُه من وقت حِلُه في العمرة إلى وقت إنشائه الحجّ. وقال غيره: سُمِّيَ متمتعًا لأنه تمتَّع بإسقاط أحد السفرين، وذلك أن حقَّ العمرة أن تُقصد بسفر، وحقّ الحجِّ كذلك؛ فلما تمتّع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هدياً؛ كالقارِن الذي يجمع بين الحجّ والعمرة في سفر واحد(٤). (١) أحكام القرآن للكيا الطبري ١/ ١٠٣، والحديث تقدم ص ٢٩٨ من هذا الجزء. (٢) التمهيد ٣٥٩/٨، وخبر عبد الله بن الزبير أخرجه الطبري ٤١٢/٣، وسلف ذكر صورة المتمتع عند ابن الزبير ص ٢٩٥ من هذا الجزء. (٣) أحكام القرآن للكيا ١/ ١٠١. (٤) المحرر الوجيز ٢٦٨/١-٢٦٩. ٣٠٧ سورة البقرة : الآية ١٩٦ والوجهُ الأوّل أعمّ، فإنه يتمتع بكلِ ما يجوز للحلَال أن يفعله، وسقط عنه السفر لحَجِّه من بلده، وسقط عنه الإحرامُ من ميقاته في الحج. وهذا هو الوجهُ الذي كرهه عمر وابن مسعود، وقالا، أو قال أحدهما: يأتي أحدكم مِنّی وذَكَرُه يَقْطر مَنِيًّا؟!(١). وقد أجمع المسلمون على جواز هذا. وقد قال جماعة من العلماء: إنما كرهه عمر لأنه أحبّ أن يُزار البيت في العام مرتين: مرةً للحجِّ، ومرةً للعمرة(٢). ورأى الإفراد أفضل؛ فكان يأمر به ويميل إليه ويَنهى عن غيره استحباباً؛ ولذلك قال: افصِلوا بين حَجِّكم وعمرتكم، فإنه أتمُّ لحجِّ أحدكم ولعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحجّ(٣). الخامسة: اختلف العلماء فيمن اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده ومنزله، ثم حجَّ من عامه؛ فقال الجمهور من العلماء: ليس بمتمتّع، ولا هَذْيَ عليه ولا صيام. وقال الحسن البصريُّ: هو متمتِّع وإن رجع إلى أهله، حَجَّ أو لم يحجَّ. قال: لأنه كان يقال: عمرة في أشهر الحج مُتْعة؛ رواه هُشيم عن يونس عن الحسن. وقد رُوي عن يونس عن الحسن: ليس عليه هَديٌّ. والصحيح القول الأول. هكذا ذكر أبو عمر(٤): حَجَّ أو لم يحجّ، ولم يذكره ابن المنذر. قال ابن المنذر: وحُجَّته ظاهرُ الكتاب قولُه عز وجل: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى أَلَمْ﴾ ولم يَسْتَثْنِ: راجعاً إلى أهله وغيرَ راجع، ولو كان لله جلَّ ثناؤه في ذلك مرادٌ لبيَّنه في كتابه، أو على لسان رسوله الچ . وقد رُوي عن سعيد بن المسيِّب مثلُ قول الحسن. قال أبو عمر(٥): وقد رُوي عن الحسن أيضاً في هذا الباب قولٌ لم يتابَع عليه (١) ورد هذا القول في حديث جابر عند أحمد (١٤٢٧٩)، والبخاري (٢٥٠٤، ٢٥٠٦)، ومسلم (١٢١٦)، وفي حديث ابن عمر عند أحمد (٤٨٢٢)، وليسَ فيهما تعيين القائل. ولفظ حديث ابن عمر: قالوا: يا رسول الله أيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيًّا؟! (٢) في (م): مرة في الحج، ومرة في العمرة، وسلف هذا المعنى ص ٢٩٧، في المسألة الثالثة. (٣) التمهيد ٣٥٣/٨، وخبر عمر أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٣٤٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٤٧. (٤) التمهيد ٣٤٥/٨. (٥) المصدر السابق. ٣٠٨ سورة البقرة : الآية ١٩٦ أيضاً، ولا ذهب إليه أحدٌ من أهل العلم، وذلك أنه قال: مَن اعتمر بعد يوم النَّحر فهي مُتعة. وقد رُوي عن طاوسٍ قولان هما أشدُّ شذوذًا ممَّا ذكرنا عن الحسن، أحدهما: أن من اعتمر في غير أشهر الحج، ثم أقام حتى الحج (١)، ثم حجَّ من عامه، أنه متمثِّع. هذا لم يقل به أحد من العلماء غيرُه، ولا ذهب إليه أحدٌ من فقهاء الأمصار. وذلك - والله أعلم - أن شهور الحج أحقُّ بالحج من العمرة؛ لأن العمرة جائزة في السنة كلِّها، والحج إنما موضعه شهورٌ معلومة؛ فإذا جعل أحد العمرة في أشهر الحج [ولم يأت في ذلك العام بحج] فقد جعلها في موضعٍ كان الحجّ أولى به، إلّا أن الله تعالى قد رخّص في كتابه وعلى لسان رسوله وَّر في عمل العمرة في أشهر الحج للمتمتّع وللقارن ولمن شاء أن يُفردها، رحمةً منه، وجعل فيه ما استيسر من الهدي. والوجهُ الآخَر قاله في المكِّيِّ: إذا تمتّع من مصرٍ من الأمصار فعليه الهَدْي، وهذا لم يُعَرَّج عليه؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُمُ حَاضِى الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ . والتمتّع الجائز عند جماعة العلماء ما أوضحنا (٢) بالشرائط التي ذكرنا(٣)، وبالله توفيقنا(٤) السادسة: أجمع العلماء على أن رجلاً من غير أهل(٥) مكة لو قدم مكة معتمراً في أشهر الحج، عازماً على الإقامة بها، ثم أنشأ الحج من عامه فحجَّ، أنه متمتّع، عليه ما على المتمتّع. وأجمعوا في المكيِّ يجيءُ من وراء الميقات مُخْرِماً بعمرة، ثم يُنشئ الحج من مكة وأهلُه بمكة ولم يسكن سواها، أنه لا دَمَ عليه، وكذلك إذا سكن (١) في (د) و(م): ثم أقام حتى دخل وقت الحج. (٢) في (م): أوضحناه. (٣) في (م): ذكرناها، وتقدمت الشروط في الصفحة ٣٠١. (٤) التمهيد ٣٤٧/٨، وما سلف بين حاصرتين منه، وينظر الاستذكار ٢٢١/١١. (٥) لفظة: أهل، من (م) وهو الموافق لما في التمهيد ٣٥٠/٨، والكلام منه. ٣٠٩ سورة البقرة : الآية ١٩٦ غيرها وسكنها، وكان له فيها أهلٌ وفي غيرها. وأجمعوا على أنه إن انتقل من مكة بأهله، ثم قَدِمَها في أشهر الحج معتمِراً، فأقام بها حتى حجَّ من عامه، أنه متمتّع. السابعة: واتَّفق مالك والشافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابُهم والثوريُّ وأبو ثور، على أن المتمتّع يطوف لعمرته بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، وعليه بعدُ أيضًا طوافٌ آخرُ لحجِّه، وسَعْيٌّ بين الصفا والمروة. ورُوي عن عطاء وطاوس أنه يكفيه سَعْيٌ واحد بين الصفا والمروة؛ والأوَّل المشهور، وهو الذي عليه الجمهور(١)، وأمَّا طوافُ القارِن فقد تقدّم(٢). الثامنة: واختلفوا فيمن أنشأ عُمرةً في غير أشهر الحج ثم عمل لها في أشهر الحج؛ فقال مالك: عمرتُه في الشهر الذي حلَّ فيه، يريد إن كان حلَّ منها في غير أشهر الحج فليس بمتمتِّع، وإن كان حلَّ منها في أشهر الحج فهو متمتِّع إن حَجَّ من عامه. وقال الشافعيُّ: إذا طاف بالبيت في الأشهر الحُرُم (٣) للعمرة فهو متمتِّع إن حجّ من عامه، وذلك أن العمرة إنما تكمل بالطواف بالبيت، وإنما يُنظر إلى إكمالها (٤)، وهو قول الحسن البصري والحكم بن عُتَيْبة(٥) وابن شُبْرُمة وسفيان الثوريّ. وقال قتادةُ وأحمدُ وإسحاق: عمرتُه للشهر الذي أهلَّ فيه، ورُويّ معنى ذلك عن جابر بن عبد الله. وقال طاوس: عمرتُه للشهر الذي يدخل فيه الحَرَم. وقال أصحاب الرأي: إن طاف لها ثلاثة أشواطٍ في رمضان، وأربعة أشواط في شوَّال فحجَّ من عامه، أنه متمتّع. وإن طاف في رمضان أربعة أشواط، وفي شوَّال ثلاثةَ أشواط لم يكن متمتعًا . وقال أبو ثور: إذا دخل في العمرة في غير أشهر الحج، فسواءٌ طاف(٦) لها في (١) التمهيد ٣٥١/٨. (٢) ص ٣٠١-٣٠٣ من هذا الجزء. (٣) في (خ) و(ظ): أشهر الحرم، وفي التمهيد ٣٤٨/٨ والاستذكار ٢٢٢/١١: أشهر الحج. (٤) في (خ) و(ظ) و(م): كمالها. والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق لما في التمهيد ٣٤٨/٨. (٥) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): عيينة، والمثبت من (خ)، وهو الصواب. (٦) في (م): أطاف. ٣١٠ سورة البقرة : الآية ١٩٦ رمضان أو في شؤَال، لا يكون بهذه العمرة متمتعاً. وهو معنى قولٍ أحمد وإسحاق: عمرتُه للشهر الذي أهلَّ فيه(١). التاسعة: أجمع أهل العلم على أن لمن أَهلَّ بعمرة في أشهر الحج أن يُدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطّافَ بالبيت، ويكونُ قارِناً بذلك، يلزمه ما يلزم القارن الذي أنشأ الحجّ والعمرة معاً. واختلفوا في إدخال الحج على العمرة بعد أن افتتح الطواف، فقال مالك: يلزمه ذلك ويصير قارِناً ما لم يُتِمَّ طوافَه؛ ورُويَ مثلُه عن أبي حنيفة، والمشهورُ عنه أنه لا يجوز إلا قبل الأخذ في الطواف، وقد قيل: له أن يُدخل الحج على العمرة ما لم يركع ركعتي الطواف. وكلُّ ذلك قولُ مالكٍ وأصحابه. فإذا طاف المعتمر شوطاً واحدًا لعمرته، ثم أحرم بالحج، صار قارِنًا، وسقط عنه باقي عمرته، ولزمه دَمُ القِران. وكذلك مَن أحرم بالحج في أضعاف طوافه أو بعد فراغه منه قبل ركوعه. وقال بعضهم: له أن يُدخل الحجّ على العمرة ما لم يُكمل السعي بين الصَّفا والمروة. قال أبو عمر (٢): وهذا كلُّه شذوذٌ عند أهل العلم. وقال أشهبُ: إذا طاف لعمرته شوطًا واحدًا لم يلزمه الإحرام به ولم يكن قارناً، ومضى على عمرته حتى يُتِمَّها ثم يُحرِم بالحج؛ وهذا قول الشافعيِّ وعطاءٍ ، وبه قال أبو ثور(٣). العاشرة: واختلفوا في إدخال العمرة على الحجّ؛ فقال مالك وأبو ثور وإسحاق: لا تُدخل العمرة على الحجِّ، ومن أضاف العمرة إلى الحجِّ فليست العمرة بشيء؛ قاله مالك، وهو أحد قولي الشافعيّ، وهو المشهورُ عنه بمصر. وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعيُّ في القديم: يصير قارِناً، ويكون عليه ما على القارن ما لم يَطْف لحجَّته شوطًا واحدًا، فإن طاف لم يلزمه؛ لأنه قد عمل في الحج. قال ابن المنذر: وبقول مالكٍ أقول في هذا المسألة(٤). (١) ينظر التمهيد ٣٤٧/٨-٣٤٨، والاستذكار ٢٢١/١١-٢٢٢، والمغني ٣٥٣/٥. (٢) التمهيد ٢١٦/١٥. (٣) ينظر التمهيد ٢١٥/١٥-٢١٧، والمغني ٣٦٩/٥ و٣٧١. (٤) ينظر التمهيد ٢١٧/١٥-٢١٨، والمغني ٣٧١/٥. ٣١١ سورة البقرة : الآية ١٩٦ الحادية عشرة: قال مالك: مَن أهدى هَذْياً للعمرة وهو متمتِّع لم يَجْزِه ذلك، وعليه هَذْيٌ آخرُ لمُتْعته؛ لأنه إنما يصير متمتعاً إذا أنشأ الحج بعد أن حلَّ من عمرته، وحينئذٍ يجب عليه الهدي. وقال أبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق: لا يَنحر هَذْيَه إلى(١) يوم النحر. وقال أحمد: إن قَدِمَ المتمتِّع قبل العشر طاف وسَعَى ونَحَر هَذْيَه، وإن قَدِمَ في العشر لم ينحر إلَّا يوم النحر، وقاله عطاء. وقال الشافعيُّ: يَحِلُّ من عمرته إذا طاف وسعَى، ساق هَذْياً أو لم يَسُقْه(٢). الثانية عشرة: واختلف مالك والشافعيُّ في المتمتِّع يموت؛ فقال الشافعيُّ: إذا أحرم بالحج وجب عليه دَمُ المتعة إذا كان واجداً لذلك؛ حكاه الزَّعْفَرانيُّ(٣) عنه. ورَوى ابن وهب عن مالكٍ أنه سُئل عن المتمثِّع يموت بعد ما يُحرِمُ بالحج بعرفةً أو غيرها، أترى عليه هَذْياً؟ قال: مَن مات مِن أولئك قبل أن يرميّ جمرة العَقَّبة فلا أرى عليه هَذْياً، ومن رمى الجمرة ثم مات فعليه الهَذي. قيل له: مِن رأس المال، أو من الثلث؟ قال: بل من رأس المال (٤). الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْخَدَيَّ﴾ قد تقدّم الكلام فيه(٥). قوله تعالى: ﴿فَ لَمْ يَهِدْ فَضِيَامُ ثَثَةِ أَيَّمٍ فِي ◌َّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمُّ بِّكَ عَشَرَةٌ كَامِلَّةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُمُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَتَّقُوا اللَّهَ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ﴾. فيه عَشْرُ مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿فَنَ لَّمْ يَهِدٌ﴾ يعني الْهَذْيَ، إمَّا لعدم المال، أو لعدم الحيوان، صام ثلاثة أيام في الحجّ وسبعةً إذا رجع إلى بلده. والثلاثةُ الأيام في الحج آخِرُها يومُ عرفة؛ هذا قول طاوس، ورُوي عن الشَّغْبيِّ وعطاء ومجاهد (١) في (م): إلا. (٢) التمهيد ٣٥١/٨-٣٥٢. (٣) الحسن بن محمد بن الصَّبَّاح، أبو علي، وانتسابه إلى الزعفرانية، وهي قرية من قرى سواد بغداد، قرأ على الشافعي كتابه القديم، وكان مقدماً في الفقه والحديث، توفي سنة (٢٦٠هـ). السير ٢٦٢/١٢، والأنساب ٦/ ٢٨٠. (٤) التمهيد ٣٤٨/٨. (٥) في الصفحة ٢٨٢ من هذا الجزء. ٣١٢ سورة البقرة : الآية ١٩٦ والحسن البصريِّ والنَّخَعِيِّ وسعيد بن جُبير وعلقمةَ وعمرو بن دينار وأصحاب الرأي(١)؛ حكاه ابن المنذر. وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة: يصومُها في إحرامه بالعُمرة؛ لأنه أحد إحرامي التمتع(٢)؛ فجاز صومُ الأيام فيه كإحرامه بالحج(٣). وقال أبو حنيفة أيضاً وأصحابه: يصوم قبل يوم التَّروِيّة يوماً، ويومَ التروية، ويومَ عرفة(٤). وقال ابن عباس ومالك بن أنس: له أن يصومَها منذ يُحرِمِ بالحجِّ إلى يوم النحر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَثَةٍ أَيَّامٍ فِي لَيْ﴾ فإذا صامها في العمرة فقد أتاه(٥) قبل وقته فلم يَجْزِهِ. وقال الشافعيُّ وأحمد بن حنبل: يصومُهنَّ ما بين أن يُهِلَّ بالحج إلى يوم عرفة؛ وهو قولُ ابنِ عمر وعائشة، ورُوي هذا عن مالك، وهو مقتَضَى قوله في مَوَّئه؛ ليكون يومَ عرفةَ مفطراً، فذلك أَتْبَعُ للسُّنة، وأقوى على العبادة، وسيأتي(٦). وعن أحمد أيضاً: جائزٌ أن يصوم الثلاثة قبل أن يُحرم. وقال الثوريُّ والأوزاعيُّ: يصومهنَّ من أوَّل أيام العشر، وبه قال عطاء(٧). وقال عُروةُ: يصومُها ما دام بمكة في أيام مِنّى؛ وقاله أيضاً مالك وجماعةٌ من أهل المدينة(٨). وأيامُ مِنّى هي أيام التشريق الثلاثةُ التي تلي يومَ النحر. روى مالك في الموطأ عن عائشة أمِّ المؤمنين أنها كانت تقول: الصيامُ لمن تمتَّع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هَذْياً ما بين أن يُهِلَّ بالحج إلى يوم عرفة، فإن لم يَصُمْ، صامَ أيام مِنّى(٩). (١) ينظر المغني ٣٦٠/٥-٣٦١، وأخرج هذه الأخبار الطبري ٣/ ٤٢٠-٤٢٤ . (٢) في (د) و(ظ): المتمتع. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٠/١. (٤) ينظر بدائع الصنائع للكاساني ١٨١/٣، وأخرج الطبري هذا القول ٤١٩/٣-٤٢١ عن علي وابن عمر وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير والحكم. (٥) في (د) و(ز): أتى به. (٦) ص ٣٤١ من هذا الجزء. (٧) ينظر المغني ٣٦١/٥، وأحكام القرآن لابن العربي ١٣٠/١، والمحرر الوجيز ٢٧٠/١. (٨) ينظر التمهيد ٣٥٠/٨. (٩) الموطأ ٤٢٦/١، وأخرجه بنحوه البخاري (١٩٩٩)، أخرجاه عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم. ٣١٣ سورة البقرة : الآية ١٩٦ وهذا اللفظُ يقتضي صحةً الصوم من وقت يُحرمُ بالحجّ المتمتِّعُ إلى يوم عرفة، وأن ذلك مَبْدَأْ، إما لأنه وقت الأداء وما بعد ذلك من أيام مِنّى وقتُ القضاء، على ما يقوله أصحاب الشافعيّ، وإمَّا لأن في تقديم الصيام قبل يوم النحر إبراءً للذّمَّة، وذلك مأمورٌ به. والأظهرُ من المذهب أنها على وجه الأداء؛ وإن كان الصوم قبلها أفضل، كوقت الصلاة الذي فيه سَعَةٌ للأداء؛ وإن كان أوَّله أفضلَ من آخره(١). وهذا هو الصحيحُ، وأنها أداءٌ لا قضاء، فإن قوله: ((فِي الحَجِّ))(٢) يَحتمل أن يريد موضعَ الحج، ويَحتمل أن يريد أيام الحج؛ فإن كان المرادُ أيامَ الحج؛ فهذا القولُ صحيح؛ لأن آخر أيام الحج يومُ النحر، ويَحتملُ أن يكون آخِرُ أيام الحج أيامَ الرمي؛ لأن الرمي عَمَلٌ مِن عمل الحج خالصاً؛ وإن لم يكن من أركانه. وإن كان المرادُ موضعَ الحج، صامه ما دام بمكة في أيام مِنَّى؛ كما قال عروة، ويَقْوَى جدًّا. وقد قال قوم: له أن يؤخِّرها ابتداءً إلى أيام التشريق؛ لأنه لا يجب عليه الصيامُ إلَّا بألّا يجدَ الهَذْيَ يومَ النحر. فإن قيل وهي: الثانية: فقد ذهب جماعة من أهل المدينة، والشافعيُّ في الجديد، وعليه أكثر أصحابه: إلى أنه لا يجوز صومُ أيام التشريق لنهي رسول الله وَليل عن صيام أيام مِنَّى(٣)؛ قيل له: إن ثبت النهيُّ؛ فهو عامٌّ يخصّص منه المتمتّع بما ثبت في البخاري أن عائشة كانت تصومها(٤). وعن ابن عمر وعائشة قالا: لم يُرخّص في أيام التَّشريقِ أن يُصَمْنَ إلَّا لمن لم يجد الْهَدْي(٥). وقال الدَّارَقُظْنِيُّ: إسناده صحيح، (١) المنتقى ٣/ ٨٣. (٢) في النسخ: في أيام الحج، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ١٣٠/١ والكلام منه. (٣) أخرج أحمد (٢٠٧٢٢)، ومسلم (١١٤١) عن نبيشة الهذلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: (أيامُ التَّشريق أيامُ أكلٍ وشُرْب)). وأخرج مالك في الموطأ ٣٧٦/١، وأبو داود (٢٤١٨)، والحاكم ٤٣٥/١، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه دخل على أبيه عمرو بن العاص فوجده يأكل، قال: فدعاني، قال: فقلتُ له: إني صائم، فقال: هذه الأيامُ التي نهانا رسول الله وَله عن صيامهن، وأمرنا بفطرهن. قال مالك: وهي أيام التشريق. وانظر التمهيد ١٢/ ١٥٢ . (٤) صحيح البخاري (١٩٩٦)، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ١٣٠/١-١٣١. (٥) صحيح البخاري (١٩٩٧، ١٩٩٨). ٣١٤ سورة البقرة : الآية ١٩٦ ورواه مرفوعاً عن ابن عمر وعائشةً من طرقٍ ثلاثةٍ ضعَّفها(١). وإنما رُخِّص في صومها؛ لأنه لم يبق من أيامه إلَّ بمقدارها، وبذلك يتحقَّق وجوبُ الصوم لعدم الهَدْي. قال ابن المنذر: وقد رَوَيْنا عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا فاته الصومُ صام بعد أيام التشريق؛ وقاله الحسن وعطاء. قال ابن المنذر: وكذلك نقول(٢). وقالت طائفة: إذا فاتَّه الصومُ في العشر لم يَجْزِه إلَّا الهَذي. رُوي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد، وحكاه أبو عمر عن أبي حنيفة وأصحابه عنه(٣)؛ فتأمَّلْه. الثالثة: أجمع العلماءُ على أنَّ الصوم لا سبيلَ للمتمتّع إليه إذا كان يَجد الهَدْيَ، واختلفوا فيه إذا كان غيرَ واجدٍ للهَدْي، فصامَ، ثم وَجَدَ الهَذْيَ قبل إكمال صومه؛ فذكر ابن وهب عن مالك قال: إذا دخل في الصوم، ثم وجد هَذْياً، فأَحَبُّ إليَّ أن يُهدِيَ، فإن لم يفعل أجزأه الصيام. وقال الشافعيُّ: يمضي في صومه وهو فرضُه، وكذلك قال أبو ثور، وهو قولُ الحسن وقتادة، واختاره ابن المنذر. وقال أبو حنيفة: إذا أيسرَ في اليوم الثالث من صومه، بطل الصوم، ووجب عليه الهَدْي، وإن صام ثلاثةَ أيام في الحج ثم أَيْسَر، كان له أن يصوم السبعة الأيامِ لا يرجع إلى الهَدْي؛ وبه قال الثوريُّ وابن أبي نَجيح وحماد(٤). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ﴾ قراءةُ الجمهور بالخفض على العطف. وقرأ زيد بن عليٍّ: ((وسبعةً)) بالنصب، على معنى: وصوموا سبعةً(٥). الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَمْتُمْ﴾ يعني إلى بلادكم؛ قاله ابن عمر وقتادةٌ والربيع ومجاهدٌ وعطاء، وقاله مالك في كتاب محمد، وبه قال الشافعيّ. قال قتادة والربيع: هذه رُخصة من الله تعالى، فلا يجب على أحدٍ صومُ السبعة إلَّا إذا وصل (١) سنن الدار قطني ١٨٦/٢. (٢) ينظر المغني ٣٦٤/٥. وخبر علي رضي الله عنه أخرجه الطبري ٤٢٤/٣ . (٣) التمهيد ٨/ ٣٥٠، وينظر ١٢٨/١٢. (٤) ينظر التمهيد ٣٤٩/٨، والمغني ٣٦٦/٥. (٥) المحرر الوجيز ١/ ٢٧٠، وقراءة النصب ذكرها أيضاً الزمخشري ٣٤٤/١ ونسبها إلى ابن أبي عبلة. ٣١٥ سورة البقرة : الآية ١٩٦ وطنَه، إلا أن يتشدَّد أحد، كما يفعل مَن يصوم في السفر في رمضان. وقال أحمد وإسحاق: يَجْزِيه الصوم في الطريق؛ ورُوي عن مجاهد وعطاء(١). قال مجاهد: إن شاء صامها في الطريق، إنما هي رخصة، وكذلك قال عكرمةُ والحسن. والتقديرُ عند بعض أهل اللغة: إذا رجعتُم من الحج، أي: إذا رجعتُم إلى ما كنتم عليه قبل الإحرام من الحِلِّ(٢). وقال مالك في الكتاب: إذا رجع من مِنّى فلا بأسَ أن يصوم، قال ابن العربي(٣): إن كان تخفيفاً ورُخصةً فيجوز تقديم الرُّخَص وتركُ(٤) الرفق فيها إلى العزيمة إجماعاً، وإن كان ذلك توقيتاً فليس فيه نصٍّ، ولا ظاهر أنه أراد البلاد، وأنها المراد في الأغلب(٥). قلت: بل فيه ظاهر يقرُبُ إلى النَّص، يبيِّنه ما رواه مسلم(٦) عن ابن عمر قال: تمتّع رسول الله وَّه في حَجَّة الوداع بالعمرة إلى الحج وأَهْدَى، فساقَ معه الهَدْيَ من ذي الحُلَيْفَة، وبدأ رسول الله وَّهِ، فأهَلَّ بالعمرة، ثم أَهَلَّ بالحج، وتمتَّع الناس مع رسول الله وَطير بالعمرة إلى الحج، فكان مِن الناس مَن أَهْدَى(٧) فساق الهَدْيَ، ومنهم مَن لم يُهد، فلمَّا قَدِم رسول الله بَّهِ مَّةَ قال للناس: ((مَن كان منكم أهدى، فإنه لا يَحِلُّ(٨) من شيءٍ حَرُمَ منه حتى يقضيَ حَجَّه، ومن لم يكن منكم أهدى، فلْيَطْف بالبيت وبالصفا والمَرْوَة، ولْيُقَصِّرْ ولْيَحْلِل، ثم لْيُهِلَّ بالحج ولْيُهدِ، فمَن لم يَجِدْ هَذْياً فلْيَصُم ثلاثةَ أيام في الحج وسبعةً إذا رجع إلى أهله)) الحديث. وهذا كالنصِّ في أنه لا يجوز صوُ السبعة الأيام إلا في أهله وبلده، والله أعلم. (١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١٣١/١، والمحرر الوجيز ٢٧٠/١، والمغني ٣٦٢/٥. (٢) معاني القرآن للنحاس ١٢٦/١. (٣) أحكام القرآن ١٣١/١، وقول مالك فيه. (٤) في النسخ: وبدل، والمثبت من أحكام القرآن. (٥) بعدها في أحكام القرآن: والأظهر فيه أنه الحج. (٦) صحيح مسلم (١٢٢٧)، وهو عند أحمد (٦٢٤٧)، والبخاري (١٦٩١)، وتقدم ص ٣٠٠ من هذا الجزء. (٧) في (خ) و(د) و(ظ): أهل، والمثبت من (ز)، وهو الموافق لما في صحيح مسلم. (٨) في النسخ: فلا يحل، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في صحيح مسلم. ٣١٦ سورة البقرة : الآية ١٩٦ وكذا قال البخاريُّ(١) في حديث ابن عباس: ((ثم أَمَرَنا عَشِيَّة التّروِيَة أن نُهِلَّ بالحج، فإذا فَرَغْنا من المناسك جئنا، فطُفْنا بالبيت وبالصَّفا والمَرْوَة، فقد تمَّ حَجُّنا وعلينا الهَدْيُ، كما قال الله تعالى: ﴿فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْحَدِيَّ فَ لَّْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَقَةِ أَيٍَّ فِي اَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمُّ﴾ إِلَى أَمْصَارِكُمْ)). الحديثَ، وسيأتي(٢). قال النحاس: وكأنَّ هذا إجماع (٣). السادسة: قوله تعالى: ﴿يَلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلٌ﴾ يقال: كمَلَ يَكْمُل، مثلُ نصَر ينصُر. وكمُلَ يَكْمُل، مِثلُ عَظُم يعظُم. وكَمِل يَكْمَل؛ مِثلُ حَمِد يحمَد؛ ثلاثُ لغات(٤). واختلفوا في معنى قوله: ﴿يَلْكَ عَثَرَةٌ﴾ وقد عُلم أنها عشرة، فقال الزجاج(٥): لمَّا جاز أن يَتوهّم متَوَهِّم التَّخييرَ بين ثلاثة أيام في الحج وسبعةٍ (٦) إذا رجع بدلاً منها؛ لأنه لم يقل: وسبعةٍ أخرى؛ أُزيل ذلك بالجملة من قوله: ((تلك عَشَرٌ)) ثم قال: ((كاملةٌ)). وقال الحسن: ((كاملة)) في الثواب كمن أَهْدَى. وقيل: ((كاملة)) في البدل عن الهَذْي؛ يعني: العشرة كلَّها بدلٌ عن الهدي. وقيل: ((كاملة)) في الثواب كمن لم يتمتّع. وقيل: لفظُها لفظُ الإخبار ومعناها الأمر، أي: أكملوها، فذلك فرضُها. وقال المبرِّد: ((عشرة)) دلالةٌ على انقضاء العدد؛ لئلا يَتَوَهَّم متوَهِّم أنه قد بقي منه شيءٌ بعد ذكر السبعة. وقيل: هو توكيد؛ كما تقول: كتبتُ بيدي(٧). ومنه قولُ الشاعر: (١) صحيح البخاري (١٥٧٢). (٢) في المسألة السابعة، وسيذكره بتمامه. (٣) في (د) و(م): وكان هذا إجماعاً، والمثبت من باقي النسخ، وهو المناسب لعبارة النحاس في معاني القرآن ١٢٦/١: وهذا كأنه إجماع، ونسب هذا القول لعطاء. (٤) ينظر تهذيب اللغة ٢٦٥/١٠، والصحاح (كمل). قال الجوهري: والكسر أَرْدَؤُها. (٥) معاني القرآن له ٢٦٩/١، ونقلها المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٧٠/١، ولم ينسبه ابن عطية. (٦) في (خ) و(ز) و(ظ) و(م): أو سبعة، والمثبت من (د) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز. (٧) ينظر معاني القرآن للنحاس ١٢٧/١، والمحرر الوجيز ٢٧٠/١، وزاد المسير ٢٠٧/١-٢٠٨. ٣١٧ سورة البقرة : الآية ١٩٦ ثلاثٌ واثنتان فهنَّ خمسٌ وسادسةٌ تميل إلى شِمامِي (١) فقولُه: ((خمس)) تأكيد. ومثلُه قولُ الآخَر: وسِتُّ حين يُدْرِكُني العِشاءُ ثلاثٌ بالغداة فذاك حَسْبي وشُرْبُ المرء فوق الرِّيِّ داءُ(٢) فذلك تسعةٌ في اليوم رِيِّي وقوله: ((كاملة)) تأكيدٌ آخَر، فيه زيادةُ توصيةٍ بصيامها، وألا ينقص من عددها، كما تقول لمن تأمرُه بأمرٍ ذي بال: اللهَ اللهَ لا تقصِّر. السابعة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُمُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْخَرَاءِ﴾ أي: إنما يجب دَمُ التمتُّع على (٣) الغريب الذي ليس من حاضري المسجد الحرام. خرَّج البخاريُّ(٤) عن ابن عباس: أنه سئل عن متعة الحج، فقال: أَهَلَّ المهاجرون والأنصار وأزواجُ النبيِّ وَّ فِي حَجَّة الوداع وأهْلَلْنا، فلمَّا قَدِمْنا مكة قال رسول الله وَله: (اجعلوا إِهْلالَكم بالحج عُمرةً إلا مَن قَلَّد الهَذْي)) طُفنا(٥) بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: ((مَنْ قَلَّد الهَدْيَ فإنه لا يَحلُّ حتى يبلغَ الهَذْيُ(٦) مَحِلَّه)) ثم أَمَرَنا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَة أن نُهِلَّ بالحجّ، فإذا فرغنا من المناسك جئنا(٧)، فطُفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقد تمَّ حجّنا وعلينا الهديُ، كما قال الله تعالى: ﴿فَ أَسْتَيْسَرٌ مِنَ الْحَدِيِّ فَ لَّمْ يَدْ فَصِيَامُ ثَثَةٍ أَيََّمٍ فِي لَلْيَّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى أمصاركم، الشاةُ تَجْزِي، فجمعوا نُسُكَّيْن في عام، بين الحج والعمرة، فإن الله أنزله (١) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٢/ ٨٣٥، وطبقات فحول الشعراء ٤٥/١ برواية: إلى الشمام، قال ابن سلَّام: الشِّمام: المُشَامَّة، وفي الصحاح (شمم): تشممت الشيء: شممتُه في مهلة، والمشامَّة مفاعلة منه. (٢) نسبهما أبو حيان في البحر المحيط ٧٩/٢، والسمين الحلبي في الدر ٢/ ٣٢٠، للأعشى ولم نقف عليهما في ديوانه. (٣) في (م): عن. (٤) برقم (١٥٧٢)، وسلف قطعة منه في المسألة الخامسة. (٥) في صحيح البخاري: فطفنا . (٦) قوله: الهدي، ليس في النسخ، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في المطبوع من صحيح البخاري. (٧) لفظة ((جئنا))، ليست في (خ). ٣١٨ سورة البقرة : الآية ١٩٦ في كتابه وسُنَّة نبيِّهِ وَّه وأباحه للناس غيرَ أهلِ مكة، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُمُ حَاضِرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَّمِ﴾ وأشهرُ الحجِّ التي ذَكَر الله عزَّ وجلَّ: شوَّال وذو القَعْدَة وذو الحَجَّة؛ فمَن تمثَّع في هذه الأشهر فعليه دَمٌ أو صوم، والرَّفَث: الجماع، والفسوق: المعاصي، والجدال: المِراء. الثامنة: اللامُ في قوله ((لِمَنْ)) بمعنى على، أي: وجوبُ الدم على مَن لم يكن من أهل مكة، كقوله عليه السلام: ((اشترطي لهم الولاء))(١)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أي: فعليها . و ((ذلك)) إِشارةٌ إلى التمتّع والقِران للغريب عند أبي حنيفة وأصحابه؛ لا مُتْعَةً ولا قِران لحاضري المسجد الحرام عندهم. ومَن فعل ذلك كان عليه دَمُ جنايةٍ لا يأكل منه؛ لأنه ليس بدمٍ تمثُّع. وقال الشافعيُّ: لهم تمتّعُ وقِران(٢). والإشارةُ ترجع إلى الهَذْي والصيام، فلا هديَ ولا صيامَ عليهم. وفرَّق عبد الملك بن الماجِشون بين التمتُّع والقِران، فأوجبَ الدم في القِران، وأسقطه في التمتع، على ما تقدَّم عنه(٣) . التاسعة: واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام بعد الإجماع على أن أهل مكةً وما اتَّصل بها من حاضريه. وقال الطبري(٤): بعد الإجماع على أهل الحرم؛ قال ابن عطية: وليس كما قال، فقال بعض العلماء: من كان يجب عليه الجمعةُ فهو حَضَرِيّ(٥)، ومَن كان أبعدَ مِن ذلك فهو بَدَوِيّ؛ فجعَل اللفظة من الحضارة والبداوة. وقال مالكٌ وأصحابه: هم أهلُ مكة وما اتصل بها خاصة. وعند أبي حنيفة (١) أخرجه بهذا اللفظ البخاري (٢٥٦٣) من حديث عائشة رضي الله عنها في قصة شراء بريرة من أهلها وعتقها . (٢) في (د) و(ز) و(م): لهم دم تمتع وقران، والمثبت من (خ) و(ظ)، وينظر أحكام القرآن للكيا الطبري ١٩٩/١. (٣) ص ٣٠٣ من هذا الجزء. (٤) تفسير الطبري ٤٣٨/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٧١/١، والكلام منه. (٥) في المحرر الوجيز: من كان حيث تجب عليه الجمعة بمكة فهو حضري. ٣١٩ سورة البقرة : الآية ١٩٧ وأصحابِه: هم أهلُ المواقيت ومَن وراءها من كل ناحية؛ فمن كان من أهل المواقيت، أو من أهل ما وراءها، فهم(١) من حاضري المسجد الحرام. وقال الشافعيُّ وأصحابه: هم مَن لا يلزمه تقصير الصلاة من موضعه إلى مكة، وذلك أقربُ المواقيت. وعلى هذه الأقوال مذاهبُ السلف في تأويل الآية. العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي: فيما فرضه عليكم. وقيل: هو أَمْرٌ بالتقوى على العموم، وتحذيرٌ من شدَّة عقابه. قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتُّ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الَّهُ وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَ ١٩٧ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ فيه أربعَ عشرةَ مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿اَلْحَُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ﴾ لمَّا ذَكر الحجّ والعمرة سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَنِعُواْ الْحَجَّ وَالْعُهْرَةَ لِلَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٦] بيَّن اختلافَهما في الوقت، فجميع السَّنة وقتٌ للإحرام بالعمرة ووقتُ العمرة، وأمَّا الحجُّ فيقعُ في السَّنة مَرَّةً، فلا یکون في غير هذه الأشهر. و﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَتٌ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ، وفي الكلام حذفٌ تقديره: أشهرُ الحجِّ أشهرٌ، أو: وقتُ الحجِّ أشهرٌ، أو: وقتُ عمل الحجِّ أشهرٌ. وقيل: التقدير: الحجّ في أشهر، ويلزمُه مع سقوط حرف الجرِّ نصبُ الأشهر، ولم يقرأ أحدٌ بنصبها(٢)، إلا أنه يجوز في الكلام النصبُ على أنه ظرف. قال الفرَّاء: الأشهَر رَفْعٌ، لأن معناه: وقت الحجِّ أشهرٌ معلومات، قال الفرَّاء: وسمعت الكسائيَّ يقول: إنما الصيف شهران، وإنما الطَّيْلسانُ ثلاثة أشهر. أراد: وقتُ الصيف، ووقتُ لباس الطَيْلسان، فحذف(٣). (١) في النسخ: فهو، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في التمهيد ٣٤٣/٨، والكلام منه. (٢) المحرر الوجيز ٢٧١/١. (٣) انظر معاني القرآن للفراء ١١٩/١. ٣٢٠ سورة البقرة : الآية ١٩٧ الثانية: واختُلف في الأشهر المعلومات، فقال ابنُ مسعود وابنُ عمرَ وعطاء والرَّبيع ومجاهد والزُّهريُّ: أشهرُ الحجِّ: شؤَّال، وذو القَعْدة، وذو الحجَّة كلُّه، وقال ابن عباس والسُّدِّيُّ والشعبيُّ والنَّخَعيُّ: هي شؤَّال، وذو القَعْدة، وعشرة من ذي الحجّة، ورُوي عن ابن مسعود، وقاله ابنُ الزبير، والقولان مرويَّان عن مالك، حكى الأخيرَ ابنُ حبيب، والأولَ ابنُ المنذر. وفائدةُ الفرق تعلُّقُ الدم، فمَنْ قال: إن ذا الحجَّة كلَّه من أشهر الحجِّ، لم يرَ دماً فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر، لأنها في أشهر الحجِّ، وعلى القول الأخير ينقضي الحجّ بيوم النحر، ويلزم الدمُ فيما عمل بعد ذلك لتأخيره عن وقته (١). الثالثة: لم يسمِّ الله تعالى أشهرَ الحجِّ في كتابه؛ لأنها كانت معلومةً عندهم، ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث، لأن بعض الشهر يتنزَّل منزلةً كلِّه، كما يقال: رأيتُك سنةً كذا، أو: على عهد فلان، ولعله إنما رآه في ساعةٍ منها، فالوقت يُذكر بعضُه بكلِّه، كما قال النبيُّ وََّ: ((أيامُ مِنّى ثلاثةٌ))(٢). وإنما هي يومان وبعضُ الثالث، ويقولون: رأيتك اليومَ، و: جئتك العامَ. وقيل: لما كان الاثنان وما فوقهما جَمْعٌ، قال: أشهُر، والله أعلم(٣) . الرابعة: اختُلِف في الإهلال بالحجِّ في غير أشهر الحجِّ، فرُويَ عن ابن عباس: مِن سُنَّة الحجِّ أن يُحرّم به في أشهر الحجّ. وقال عطاءٌ ومجاهد وطاوس والأوزاعيُّ: مَن أحرم بالحجِّ قبل أشهر الحجّ، لم يجزِه ذلك عن حَجِّه ویکون عمرةً، كمَن دخل في صلاةٍ قبل وقتها، فإنه لا تَجزِيه، وتكون نافلةً، وبه قال الشافعيُّ وأبو ثور. وقال الأوزاعيُّ: يَحِلُّ بعمرة. وقال أحمد بن حنبل: هذا مكروهٌ، ورويّ عن مالك، والمشهور عنه جوازُ الإحرام بالحجِّ في جميع السَّنة كلِّها، وهو قول أبي حنيفةَ. وقال النَّخَعيُّ: لا يَحِلُّ حتى يقضيَ حَجَّه، لقوله (١) المحرر الوجيز ٢٧١/١، وأخرج الآثار الطبري ٤٤٤/٣-٤٤٨. (٢) قطعة من حديث عبد الرحمن بن يعمر أخرجه أحمد (١٨٧٧٣)، وأبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي في المجتبى ٢٦٥/٥، وابن ماجه (٣٠١٥)، وسيذكر المصنف طريقاً أخرى له ص ٣٤٨ من هذا الجزء. (٣) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٢٩٩/١، وتفسير البغوي ١٧١/١-١٧٢، والكشاف ٣٤٦/١.