النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ سورة البقرة : الآية ١٩٦ غير أبي ثور على ظاهر حديث الحجّاج بن عمرو، وتابعَه على ذلك داود بن عليّ وأصحابه. وأجمع العلماء على أنه يَحِلّ من كُسر، ولكن اختلفوا فيما به يَحِلّ، فقال مالك وغيره: يَحِلّ بالطواف بالبيت؛ لا يُحِلُّه غيره. ومَن خالفه من الكوفيين يقول: يَحِلُّ بالنّيَّة وفِعْلِ ما يُتْحلَّل به، على ما تقدَّم من مذهبه(١). التاسعة: لا خلاف بين علماء الأمصار أنّ الإحصارَ عامٌّ في الحجّ والعمرة. وقال ابنُ سِيرين: لا إحصارَ في العمرة؛ لأنها غيرُ مؤقّتة. وأُجيبَ بأنها وإنْ كانت غيرَ مؤقّتة، لكن في الصبر إلى زوال العذر(٢) ضررٌ، وفي ذلك نزلت الآية. وحُكيَ عن ابن الزبير أنَّ من أحصره العدوّ أو المرض فلا يُحِلُّه إلا الطوافُ بالبيت؛ وهذا أيضاً مُخالِفٌ لنصِّ الخبر عامَ الحُدَيْبِيَةِ(٣). العاشرة: الحاصر لا يخلو أن يكونَ كافرًا أو مسلماً، فإن كان كافرًا لم يجز قتالُهُ ولو وُثِقٍ بالظهور عليه، ويتحلَّل بموضعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا نُقَدِلُهُمْ عِنْدَ الْسَسْجِدِ اْخَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩١] كما تقدّم. ولو سأل الكافرُ جُعْلاً لم يَجُزْ؛ لأن ذلك وَهْن في الإسلام. فإن كان مسلماً لم يَجُزْ قتاله بحال، ووجب التحلُّل، فإن طلب شيئاً ويتخلَّى عن الطريق جاز دَفْعه، ولم يَجُزْ القتال؛ لما فيه من إتلاف المُهَج، وذلك لا يلزم في أداء العبادات، فإنَّ الدِّينَ أسمح. وأمّا بَذْلِ الجُعْلِ فَلِمَا فيه من دَفْع أعظم الضَّررين بأهونهما؛ ولأن الحجَّ مما يُنفَق فيه المال، فَيُعدّ هذا من النفقة(٤). الحادية عشرة: العدوّ الحاصِرُ لا يخلو أنْ يُتيقّن بقاؤه واستيطانهُ لقوّته وكَثْرته أَوْ لا؛ فإن كان الأوّل، حَلَّ المُحصَرُ مكانَه من ساعته. وإن كان الثاني - وهو مما يُرجَى زوالُه - فهذا لا يكون محصوراً حتى يبقى بينه وبين الحج مقدارُ ما يَعلم أنه إن زال العدوّ لا يُدرك فيه الحجّ، فيَحِلُّ حينئذ عند ابن القاسم وابن الماجشون. (١) التمهيد ٢١١/١٥. (٢) في أحكام القرآن لابن العربي ١٢٢/١ (والكلام منه): العدوّ. (٣) أحكام القرآن للكيا ١/ ٩٢. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١٢٢. ٢٨٢ سورة البقرة : الآية ١٩٦ وقال أشهب: لا يَحِلُّ(١) مَنْ حُصِرَ عن الحجّ بعدوّ حتى يوم النحر، ولا يقطع(٢) التلبيةَ حتى يروحَ الناسُ إلى عَرَفة. وجه قول ابن القاسم: أن هذا وقتُ يأس من إكمال حجّه لعدوّ(٣) غالب، فجاز له أن يَحِلَّ فیه أصلُ ذلك يوم عرفة. ووجه قول أشهبَ: أنّ عليه أن يأتيّ من حكم الإحرام بما يُمكنه [والتزامُه له إلى يوم النحر، الوقت الذي يجوز للحاج التحلُّل بما يُمكنه] الإتيانُ به(٤). قوله تعالى: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِّ﴾ ((ما)» في موضع رفع؛ أي: فالواجب، أو: فعليكم ما استيسر. ويَحتمِلُ أن يكون في موضع نصب؛ أي: فانحروا، أو: فاهدوا. و((مَا اسْتَيْسَرَ)) عند جمهور أهل العلم شاة. وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير: ((ما استيسر)) جمل دون جمل، وبقرة دون بقرة، لا يكون من غيرهما. وقال الحسن: أعلى الهَذْي بدنة، وأوسطُه بقرة، وأخسُّه شاة(٥). وفي هذا دليل على ما ذهب إليه مالك من أن المحصّر بعدوّ لا يجب عليه القضاء؛ لقوله: ﴿فّا أَسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَذِيِّ﴾ ولم يذكر قضاءً. والله أعلم. الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَدْيِّ﴾ الْهَدْيُ والهَدِيُّ لغتان. وهو ما يُهْدَى إلى بيت الله من بَدَنة أو غيرها. والعرب تقول: کم هَدِيُّ بني فلان؛ أي: كم إبلهم. وقال أبو بكر (٦): سُمّيت هَدِيًّا؛ لأنّ منها ما يُهْدَى إلى بيت الله، فسمِّيتْ بما يلحق بعضَها، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَتِهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُعْصَنَتِ مِن اٌلْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. أراد: فإنْ زنى الإماء؛ فعلى الأَمَة منهنَّ إذا زَنَت نصفُ ما على الحُرَّة البِكْر إذا زَنَت، فذكر اللهُ المحصناتِ وهو يريد الأبكار؛ لأن الإحصانَ (١) قوله: لا يحل، ليس في النسخ، وأثبتناه من (م) والمنتقى. (٢) في النسخ: فلا يقطع، والمثبت من (م) والمنتقى. (٣) في (خ) و(د) والمنتقى: بعدو. (٤) المنتقى ٢٧١/٢ -٢٧٢، وما بين حاصرتين منه. (٥) المحرر الوجيز ٢٦٧/١ ما عدا قول عائشة رضي الله عنها، وأخرج هذه الأقوال الطبري ٣٥٤/٣- ٣٥٥. وقول الحسن أورده البغوي في تفسيره ١٦٩/٢، وأخرجه الطبري ٣٥٠/٣ من قول قتادة. (٦) لعله الجصاص، وانظر كتابه أحكام القرآن ١/ ٢٧١. ٢٨٣ سورة البقرة : الآية ١٩٦ يكون في أكثرهنَّ، فَسُمِّين بأمرٍ يوجد في بعضهنّ. والمُخْصَنة من الحرائر هي ذاتُ الزوج، يجب عليهم الرَّجْم إذا زنت، والرجم لا يتبعَّض فيكونَ على الأَمَة نصفُه، فانكشف بهذا أن المُحْصَناتِ يُراد بهنّ الأبكار، لا أُولاتُ الأزواج. وقال الفَرّاء: أهلُ الحجاز وبنو أسد يُخفِّفون الهَدْي، قال: وتميم وسُفلَى قيس يُقّلون الياء(١)، فيقولون: هَدِيّ(٢). قال الشاعر(٣): حَلفْتُ بربِّ مكةَ والمُصَلَّى وأعناقِ الهَدِيِّ مُقَلَّداتٍ قال: وواحدُ الهَدْي هَذْيَة(٤). ويقال في جمع الهَذي: أهداء. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُوسَكُمْ خََّ بَلُغَ الْمَدْىُ مَِلَّهُ﴾ فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَّ بَغَ الْهَدْىُ عَمِلٌَّ﴾ الخطابُ لجميع الأمة: مُخْصَرٍ ومُخْلَّى. ومن العلماء مَن يراها للمحصّرين خاصةً(٥)، أي: لا تتحلَّلوا من الإحرام حتى يُنْحَرِ الهَدْي. والمَحِلُّ: الموضع الذي يَحِلُّ فيه ذبحُه. فالمَحِلُّ في حصر العدوِّ عند مالك والشافعيِّ: موضعُ الحصر، اقتداءً برسول الله وَ﴿ زمن الحُدَيْبِيَة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْحَدَىَ مَعَكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّمْ﴾ [الفتح: ٢٥](٦) قيل: محبوساً إذا كان مُحصّرًا ممنوعاً من الوصول إلى البيت العَتِيق. وعند أبي حنيفة مَحِلُّ الهَذي في الإحصار: الحَرَم؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِّينِ﴾ [الحج: ٣٣](٧) . وأُجيبَ عن هذا بأن المخاطَبَ به الآمِنُ الذي يَجِدُ الوصول إلى البيت. فأمَّا (١) لفظة: الياء، زيادة من (ظ). (٢) ذكر هذا القول صاحب اللسان (هدى) ونسبه الثعلب، وانظر مجالس ثعلب ٥٧٨/١-٥٧٩. (٣) هو الفرزدق، والبيت في ديوانه ص١٠٨ . (٤) لم نقف على هذا القول للفراء، ولعل المصنف وهم فيه، فقد نقل النحاس في إعراب القرآن ٢٩٣/١ عن الفراء أنه قال في الهدي: لا واحد له، ونسب القول الذي ذكره المصنف أعلاه في واحد الهَذي لأبي عمرو بن العلاء، والله أعلم. (٥) المحرر الوجيز ٢٦٧/١. (٦) ينظر الاستذكار ٨٠/١٢-٨١، والتمهيد ١٢/ ١٥٠ و١٩٧/١٥. (٧) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٢٧٣/١، والاستذكار ٨١/١٢، والتمهيد ١٥١/١٢-١٥٢. ٢٨٤ سورة البقرة : الآية ١٩٦ المُخصَرُ فخارجٌ من قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ مِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْمَتِيقِ﴾ بدليلٍ نَخرِ النبيِّ وَّرَ وأصحابِهِ هَذْيَهم بالحديبية، وليست من الحَرَمَ(١). واحتجُّوا من السُّنة بحديث ناجية بن جُندبٍ صاحِبِ النبيِّ وَّر، أنه قال للنبيّ مَلهُ: ابعث معي الهَذْيَ فَأَنْحَرَه بالحرم. قال: ((فكيف تَصْنعُ به)) قال: أُخْرِجُه في الأَوْدية لا يقدرون عليه، فأَنطلقُ به حتى أنحره في الحرم (٢). وأجيب بأن هذا لا يصحُّ، وإنما يُنحر حيث حلَّ؛ اقتداءً بفعله عليه السلام بالحديبية؛ وهو الصحيحُ الذي رواه الأئمة(٣)، ولأن الهَذْيّ تابعٌ للمُهْدِي، والمُهدِي حَلَّ بموضعه، فالهَدْيُ(٤) أيضاً يَحِلُّ معه. الثانية: واختلف العلماء على ما قرَّرناه في المحصّر: هل له أن يَحلِقَ، أو يَحِلَّ بشيء من الحِلِّ قبل أن يَنحر ما استيسر من الهَذْي؟ فقال مالك: السُّنَّة الثابتةُ التي لا اختلافَ فيها عندنا: أنه لا يجوز لأحدٍ أن يأخذ من شعره حتى ينحر هَذْیَه؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَ تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَ بَلْغَ الْهَدْىُ عَلَّمْ﴾. وقال أبو حنيفة وأصحابُه: إذا حَلَّ المحصّر قبل أن يَنحر هَذْيَه فعليه دَمٌ، ويعودُ حراماً كما كان حتى ينحرَ هَذْيَه. وإن أصاب صيداً قبل أن يَنْحر الهَدْيّ فعليه الجزاء. وسواءٌ في ذلك الموسِرُ والمعسِرُ؛ لا يَحِلُّ أبداً حتى يَنحر أو يُنحَرَ عنه. قالوا: وأقلُّ ما يُهديه شاةٌ، لا عَمْياءُ ولا مقطوعةُ الأذنين؛ وليس هذا عندهم موضعَ صيام [ولا إطعام](٥). قال أبو عمر(٦): قول الكوفيين فيه ضعفٌ وتَناقض؛ لأنهم لا يُجيزون لمُخْصَرِ (١) ينظر الاستذكار ١٠٢/١٢-١٠٣، والمغني ١٩٧/٥-١٩٨. (٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٤١٢١)، والطبري ٣٦٨/٣-٣٦٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٤٢/٢. (٣) أخرجه أحمد (١٨٩١٠)، والبخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢) من حديث مروان بن الحكم ومسور بن مخرمة، في خبر الحديبية مطولاً . (٤) في (خ) و(ظ) و(م): فالمُهدَى، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ١٢٢/١، والكلام منه. (٥) التمهيد ٢٣٨/١٥-٢٣٩، وما بين حاصرتين منه. (٦) الاستذكار ١٠٠/١٢، وما سيأتي بين حاصرتين منه. ٢٨٥ سورة البقرة : الآية ١٩٦ بعدوِّ ولا مرضٍ أن يَحِلَّ حتى يَنحر هَذْيَه في الحَرَم. وإذا أجازوا للمحصّر بمرضٍ أن يبعث بهَذْىٍ ويواعدَ حامله يوماً ينحرُه فيه فيحلَّ ويحلِقٍ، فقد أجازوا له أن يحلَّ على غير يقينٍ من نحر الهدي وبلوغِه، وحملوه على الإحلال بالظنون. والعلماءُ متفقون على أنه لا يجوز لمن لزمه شيءٌ من فرائضه أن يَخرج منه بالظن، والدليلُ على أن ذلك ظنٌّ قولُهم: لو عَطِب ذلك الهَدْيُ أو ضَلَّ أو سُرِق، فحلَّ مُرْسِلُه وأصاب النساء وصاد، أنه يعود حرامًا، وعليه جزاءُ ما صاد، فأباحوا له فسادً. الحج [بالجماع] وألزموه ما يَلزم مَن لم يَحِلَّ من إحرامه. وهذا ما (١) لا خفاءَ به(٢) من التناقض وضَعْفِ المذهب(٣)، وإنما بَنَوْا مذهبهم هذا كلَّه على قول ابن مسعود (٤) ولم ينظروا في خلافٍ غيرِه له. وقال الشافعيُّ في المحصّر إذا أعسر بالهدي: فيه قولان: لا يحلُّ أبداً إلا بِهَذْي، والقولُ الآخَر: إنه مأمور أن يأتيَ بما قَدَرَ عليه، فإن لم يقدر على شيءٍ [خَرج مما عليه، و] كان عليه أن يأتيَ به إذا قَدَر عليه. قال الشافعيُّ: ومَن قال هذا قال: يَحِلُّ مكانه ويذبح إذا قَدَر؛ فإن قَدَرَ على أن يكون الذبح بمكةً لم يَجْزِه أن يذبح إلَّا بها، وإن لم يقدر ذَبَحَ حيث قدر. قال: ويقال: لا يَجزِيه إلا هَذْيٌ، ويقال: إِذا لم يَجد هَذْياً كان عليه الإطعامُ أو الصيام. وإن لم يجد واحداً من هذه الثلاثة أَتَى بواحدٍ منها إذا قدر. وقال في العبد: لا يَجزِيه إلا الصوم، تُقْوَّم له الشاة دراهمَ، ثم الدراهمُ طعاماً، ثم يصوم عن كلِّ مُدِّ يوماً(٥). الثالثة: واختلفوا إذا نَحر المُخْصَرُ هَذْيَه: هل له(٦) أن يَحلِقِ أوْ لا؟ فقالت طائفة: ليس عليه أن يحلق رأسه؛ لأنه قد ذهب عنه النُّسُك. واحتجُّوا بأنه لمَّا (١) في (د) و(ز): مما. (٢) في (م): فيه. (٣) في النسخ الخطية: المذاهب، والمثبت من (م). (٤) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ٩٦/١٢، وأخرجه الطبري ٣٦٥/٣-٣٦٦، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٥١ . (٥) التمهيد ٢٣٩/١٥-٢٤٠، وما سلف بين حاصرتين منه. (٦) في (٥): هل يحل له. ٢٨٦ سورة البقرة : الآية ١٩٦ سقط عنه بالإحصار جميعُ المناسك كالطواف والسَّعْي - وذلك مما يَحِلُّ به المحرِمُ من إحرامه - سقط عنه سائر ما يَحِلُّ به المحرِمُ من أجل أنه مُخْصَر. وممن احتجَّ بهذا وقال به أبو حنيفة ومحمد بنُ الحسن؛ قالا: ليس على المُخصّر تقصيرٌ ولا حِلَاق. وقال أبو يوسف: يَحلِقِ المُخصَر(١)، فإن لم يحلق فلا شيء عليه. وقد حكى ابن أبي عمران، عن ابن سماعة، عن أبي يوسفَ في («نوادره)): أن عليه الحِلاقَ أو التقصير(٢)، لا بدَّ له منه. واختلف قول الشافعيّ في هذه المسألة على قولين: أحدهما: أن الجِلاق للمُخصَر من النُّسك، وهو قول مالك. والآخر: ليس من النسك(٣)، كما قال أبو حنيفة . والحجةُ لمالك: أن الطواف بالبيت والسعْيَ بين الصفا والمروَة، قد مُنِع من ذلك كلِّه المحصَرُ وقد صُدَّ عنه، فسقط عنه ما قد حِيلَ بينه وبينه. وأمَّا الچِلَاق فلم يُحَلْ بينه وبينه، وهو قادر على أن يفعله، وما كان قادراً على أن يفعله فهو غير ساقطٍ عنه. ومما يدلُّ على أن الحِلاق باقٍ على المحصّر كما هو باقٍ على مَن قد وصل إلى البيت سواء؛ قولُه تعالى: ﴿وَلَ غَمْلِّقُواْ رُهُوَسَكُمٍ حَّ بَلْعَ الْهَدْىُ عِلَّمْ﴾، وما رواه الأئمة من دعاء رسول الله وَل﴿ للمُحَلِّقِين ثلاثاً وللمُقَصِّرِين واحدةٌ(٤). وهو الحجةُ القاطعة والنظرُ الصحيح في هذه المسألة، وإلى هذا ذهب مالكٌ وأصحابه، فالحِلَاقُ(٥) عندهم نُسُك [يجبُ] على الحاجِّ الذي قد أتَّمَّ حَجَّه، وعلى مَنْ فاتَّه الحجُّ، والمُخْصَرِ بعدوِّ، والمُخْصَرِ بمرض. (١) في النسخ: المقصر، والمثبت من التمهيد ٢٣٦/١٥، والكلام منه. (٢) في النسخ: والتقصير، والمثبت من التمهيد. (٣) التمهيد ١٥/ ٢٣٧ . (٤) سيذكره المصنف في المسألة التالية. (٥) في (د) و(ز): والحلاق، وفي باقي النسخ: الحلاق، والمثبت من التمهيد ٢٣٦/١٥-٢٣٧، وما بين حاصرتین منه. ٢٨٧ سورة البقرة : الآية ١٩٦ الرابعة: روى الأئمة - واللفظُ لمالك - عن نافع عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَ﴿ قال: ((اللهمَّ ارْحَم المُحَلِّقين)). قالوا: والمُقَصِّرين يا رسول الله، قال: ((اللهمَّ ارْحَم المُحَلِّقين)). قالوا: والمُقَصِّرين يا رسول الله، قال: ((اللهمَّ ارْحَمِ المحلّقين)). قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله(١)، قال: ((والمُقَصِّرين)). قال علماؤنا: ففي دعاء رسول الله وَل﴿ للمحلِّقين ثلاثاً وللمُقَصِّرين مرَّةً دليلٌ على أن الحلق في الحج والعُمْرة أفضلُ من التقصير(٢)، وهو مقتضَى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخَلِّقُواْ رُءُوسَكُمْ﴾ الآيَةَ، ولم يقل: تُقْصِّروا. وأجمع أهل العلم على أن التقصير يُجزئُ عن الرجال؛ إلا شيء ذُكر على الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حَجَّةٍ يَحجُّها الإنسان(٣). الخامسة: لم تدخل النساء في الحَلْق، وأنّ سُنَّتهن التَّقصير؛ لمَا رُويَ عن النبيِّ وَّرِ أنه قال: ((ليس على النِّساء حَلْقٌ إنما عليهنَّ التقصير)). خرَّجه أبو داود عن (١) قوله: ((قال: اللهم ارحم المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله)) الثالثة، من (ز)، ووقع في باقي النسخ مرتين. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٣/ ٥٦٢: في معظم الروايات عن مالك إعادة الدعاء للمحلّقين مرتين، وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة، وانفرد يحيى بنُ بكير دون رواة الموطأ بإعادة ذلك ثلاث مرات، نَّه عليه ابن عبد البر في ((التَّقَصِّي)). قلنا: وكذلك رواه البخاري (١٧٢٧)، ومسلم (١٣٠١): (٣١٧) من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر بالدعاء للمحلقين مرتين، وهو كذلك في الموطأ برواية يحيى بن يحيى المصمودي ٣٩٥/١، وبراوية أبي مصعب الزهري ٥٣٦/١، وبرواية محمد بن الحسن ص١٥٥ . وأخرجه أحمد (٤٦٥٧)، ومسلم (١٣٠١): (٣١٨) عن طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ووقع فيه الدعاء للمحلقين ثلاثاً . وأخرجه أيضاً البخاري (١٧٢٨)، ومسلم (١٣٠٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: ((اللهم اغفر للمحلقين» ثلاثاً . قال ابن عبد البر في التمهيد ٢٣٤/١٥: وهذا معروف مشهور محفوظ من حديث ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وحبشي بن جنادة وغيرهم. وانظر تخريج حديث ابن عباس في مسند أحمد (٣٣١١). (٢) ينظر عارضة الأحوذي ١٤٥/٤، والمفهم ٤٠٤/٣. (٣) ينظر المغني ٣٠٣/٥، وإكمال المعلم ٣٨٦/٤، والمجموع ١٦١/٨، وقال النووي: وهذا - إن صح عنه - باطل مردود بالنصوص وإجماع مَن قبله. ٢٨٨ سورة البقرة : الآية ١٩٦ ابن عباس(١). وأجمع أهل العلم على القول به. ورأت جماعةٌ أن حلقها رأسَها من المُثْلَة. واختلفوا في قَدْر ما تُقَصِّر من رأسها؛ فكان ابن عمر والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاق يقولون: تُقصِّر من كلِّ قَرْن مثل الأَنملة. وقال عطاء: قَدْرَ ثلاث أصابع مقبوضة. وقال قتادة: تقصِّر الثلث أو الربع. وفرَّقت حفصةُ بنتُ سِيرين بين المرأة التي قعدت فتأخذ الربع، وفي الشابة أشارت بأَنْمَلتها: تأخذ وتقلِّل. وقال مالك: تأخذ من جميع قرون رأسها، وما أخذت من ذلك فهو يكفيها، ولا يَجزي (٢) عنده أن تأخذ من بعض القُرون وتُبقيَ بعضًا(٣). قال ابن المنذر: يَجزي ما وقع عليه اسمُ تقصير، والأخوَطُ (٤) أن تأخذ من جميع القرون قَدْرَ أَنمَلة. السادسة: لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هَذْيَه، وذلك أن سُنَّة الذبح قبل الحِلَاق. والأصلُ في ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلاَ تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمٍ حَّ بَلُغَ الْمَدْىُ عِلَّمْ﴾، وكذلك فعلَ رسول الله وَّهِ، بدأ فنحر هَذْيَه، ثم حَلَق بعد ذلك(٥)، فَمن خالف هذا فقدَّم الحِلاق قبل النحر، فلا يخلو أن يقدِّمه خطأً وجهلاً، أو عمداً وقصداً. فإن كان الأولُ فلا شيء عليه؛ رواه ابن حبيب عن ابن القاسم، وهو المشهورُ من مذهب مالك. وقال ابن الماجشون: عليه الهَدْيُ(٦)، وبه قال أبو حنيفة. وإن كان الثاني فقد روى القاضي أبو الحسن أنه يجوز تقديم الحلق على (١) سنن أبي داود (١٩٨٥). (٢) في (ظ): ولا يجوز. (٣) ينظر المجموع ٨/ ١٦٢، والمغني ٣١٠/٥، والاستذكار ١٠٧/١٣، ومختصر اختلاف العلماء ١٨٣/٢. (٤) في (خ) و(ظ) و(م): وأحوط. (٥) أخرج مسلم (١٣٠٥)، وأحمد (١٢٠٩٢) - واللفظ لمسلم - عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﴿ أتى منّى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنّى ونحر، ثم قال للحلاق: ((خذ)) ... (٦) ينظر النوادر والزيادات ٤١٣/٢، وإكمال المعلم ٣٨٧/٤. ٢٨٩ سورة البقرة : الآية ١٩٦ النحر، وبه قال الشافعي. والظاهرُ من المذهب المنع، والصحيحُ الجواز؛ لحديث ابن عباس أن النبيَّ وَ ي قيل له في الذبح والحلق والرمي، والتقديم والتأخير، فقال: ((لَا حَرَجَ)) رواه مسلم(١). وخرَّج ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو أن النبيَّ وَله سُئل عمن ذَبح قبل أن يَحلِقِ، أو حلَق قبل أن يَذبح، قال: ((لا حَرَجٌ))(٢). السابعة: لا خلافَ أن حلق الرأس في الحج نُسكٌ مندوب إليه، وفي غير الحج جائز، خلافاً لمن قال: إنه مُثْلة، ولو كان مثلةً ما جاز في الحج ولا غيره؛ لأن رسول الله ﴿ نهى عن المُثْلة، وقد حَلَقَ رؤوس بني جعفر بعد أن أتاه قَتْلُه بثلاثة أيام، ولو لم يَجُز الحلق ما حلقهم. وكان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يحلق رأسه. قال ابن عبد البرّ(٣): وقد أجمع العلماء على حَبْسٍ الشعر وعلى إباحة الحلق. وكفى بهذا حجةً، وبالله التوفيق. قوله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ مِنكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِه ◌َذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَارٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ شُكٍ﴾ فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَنَ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا﴾ استدلَّ بعض علماء الشافعية بهذه الآية على أن المُخْصِر في أوَّل الآية العدوُّ لا المرض، وهذا لا يلزم، فإنَّ معنى قوله: ﴿فَنَ كَانَ مِنْكُمْ فَيِيضًا أَوْ بِةٍ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ.﴾ فَحَلق ﴿فَنِدْيَةٌ﴾، أي: فعليه فِدْیةٌ، وإذا كان هذا وارداً في المرض بلا خلاف، كان الظاهر أن أوَّل الآية ورد فيمن ورد فيه وسطَها وآخرَها، لاتِّساق الكلام بعضِه على بعض، وانتظام بعضِه ببعض، ورجوعِ الإضمار في آخر الآية إلى مَن خُوطب في أوَّلها، فيجب حملُ ذلك على ظاهره حتى يدلَّ الدليل على العدول عنه(٤). وممَّا يدلُّ على ما قلناه سببُ نزول هذه الآية؛ روى الأئمة - واللفظُ (١) صحيح مسلم (١٧٣٤)، وهو عند أحمد (٢٣٣٨)، والبخاري (١٧٣٤). (٢) سنن ابن ماجه (٣٠٥١)، وأصله عند أحمد (٦٤٨٤)، والبخاري (٨٣)، ومسلم (١٣٠٦). وينظر المغني ٣٢٠/٥-٣٢٣، والمجموع ١٦٤/٨. (٣) التمهيد ١٣٨/٢٢. (٤) المنتقى للباجي ٢٧٤/٢. ٢٩٠ سورة البقرة : الآية ١٩٦ الدَّارَقُظْنيّ(١) - عن كعب بن عُجْرَةٍ (٢) أن رسول اللهِوَ له رآه وقَمْلُه يتساقط على وجهه، فقال: ((أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّك؟)) قال: نعم، فأمره أن يحلق وهو بالحُدَيْبِيَة، ولم يبيِّن لهم أنهم يَحِلُّون بها، وهم على طمعٍ من دخول(٣) مكة؛ فأنزل الله الفِذْية، فأمرَه رسول الله وَّهِ أن يُطعم فَرَفًا بين ستة مساكين، أو يُهديَ شاة، أو يصومَ ثلاثة أيام. خرَّجه البخاريُّ بهذا اللفظ أيضاً(٤). فقولُه: ولم يبيِّن(٥) لهم أنهم يَحِلُّون بها، يدلُّ على أنهم ما كانوا على يقينٍ من حصر العدوِّ لهم، فإذًا(٦) الموجب للفِذية الحلقُ للأذى والمرض، والله أعلم. الثانية: قال الأوزاعيُّ في المُخرِم يصيبه أذّى في رأسه: إنه يَجْزِيه أن يكفِّر بالفِذْية قبلَ الحلق. قلت: فعلى هذا يكون المعنى: ﴿فَن كَانَ مِنْكُم فَرِيضًا أَوْ بِ أَذَى مِن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نٍُّ﴾ إن أراد أن يَحْلِقِ، ومَن قَدَر فحلَق ففدية؛ فلا يفتدي حتى يحلق. والله أعلم. الثالثة: قال ابن عبد البَرّ(٧): كلُّ مَن ذَكَر النُّسكَ في هذا الحديث مفسَّراً فإنما ذكره بشاة، وهو أمرٌ لا خلافَ فيه بين العلماء. وأمَّا الصومُ والإطعام فاختلفوا فيه؛ فجمهورُ فقهاء المسلمين على أن الصوم ثلاثةُ أیام، وهو محفوظ صحیح في حديث كعب بن عُجْرَة. وجاء عن الحسن وعكرمةً ونافعٍ أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى عَشَرةُ أيام، والإطعامُ عشرةُ مساكين، ولم يقلّ أحدٌ بهذا من فقهاء الأمصار ولا (١) هو عند أحمد (١٨١٠١)، والبخاري (١٨١٤)، ومسلم (١٢٠١)، وسنن الدارقطني ٢٩٨/٢. (٢) الأنصاري السالمي المدني، من أهل بيعة الرضوان، توفي سنة (٥٢هـ). السير ٥٢/٣. (٣) في (م): أن يدخلوا. (٤) برقم (١٨١٧) و(٤١٥٩)، والفَرَق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلاً، وهي اثنا عشر مُدًّا، أو ثلاثة آصُعٍ عند أهل الحجاز. وقيل: الفرق خمسة أقساط، والقسط نصف صاع. فأما الفَرْق بالسكون فمئة وعشرون رطلاً. النهاية ٣/ ٤٣٧ . (٥) في (خ) و(ظ): يتبين، في الموضعين. (٦) في (د) و(ز): فكان. (٧) التمهيد ٢/ ٢٣٧. ٢٩١ سورة البقرة : الآية ١٩٦ أئمة الحديث. وقد جاء من رواية أبي الزبير، عن مجاهدٍ، عن عبد الرحمن، عن كعب بن عُجْرَة أنه حدَّثه أنه كان أَهَلَّ في ذي القَعدة، وأنه قَمِلَ رأسُه، فأتى عليه النبيُّ ◌َ﴿ وهو يُوقِد تحت قِدْرٍ له، فقال له: ((كأنَّكَ يُؤذیكَ هواُّ رأسك)». قال: أَجَل. قال: ((احلِق وأهْدِ هَذْياً)). فقال: ما أَجِدُ هَذياً. قال: ((فَأَظْعِمْ سنَّةَ مساكين)). فقال: ما أَجد. قال: ((صُمْ ثلاثةَ أيام))(١). قال أبو عمر: كأن ظاهِرَ هذا الحديث على الترتيب، وليس كذلك، ولو صحَّ هذا، كان معناه الاختيار أوَّلاً فأوَّلاً؛ وعامَّةُ الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير، وهو نصُّ القرآن، وعليه مضى عملُ العلماء في كلِّ الأمصار وفتواهم، وبالله التوفيق. الرابعة: اختلف العلماء في الإطعام في فِدية الأذى؛ فقال مالك والشافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابُهم: الإطعامُ في ذلك مُدَّان مُدَّان(٢) بمُدِّ النبيِّ نَّهِ، وهو قولُ أبي ثور وداود. ورُويَ عن الثوريِّ أنه قال في الفِذْية: من البُرِّ نصف صاع، ومن التمر والشعير والزبيب صاع. ورُويَ عن أبي حنيفةً أيضاً مثلُه، جعل نصف صاعِ بُرِّ عِذْلَ صاعٍ تمر. قال ابن المنذر: وهذا غلط؛ لأن في بعض أخبارٍ كعبٍ أن النبيَّ نَّ قال له: (أو(٣) تصدَّق بثلاثة أَضْوُع(٤) من تمرٍ على سنّة مساكين))(٥). وقال أحمد بن حنبل مرّةً كما قال مالكٌ والشافعيّ، ومرّةً قال: إن أطعم بُرَّا فمُدُّ لكلِّ مسكين، وإن أطعم تمراً فنصفُ صاع(٦). (١) التمهيد ٢٣٧/٢، وقد أخرج ابن عبد البر فيه الحديث المذكور، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير ١٩/(٢١٧). (٢) لفظة: مدَّان، لم تكرر في (د) و(ز) و(م)، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في التمهيد ٢٣٨/٢ والكلام منه. (٣) في النسخ: أن، والتصويب من مصادر الحديث. (٤) في (ظ): آصع. قال النووي في شرح صحيح مسلم ٣/٤: يجوز أَضْوُع واصُع، فالأول هو الأصل والثاني على القلب، فتُقَدَّم الواو على الصاد وتُقلب ألفاً، وهذا كما قالوا: آدر وشبهه. (٥) أخرجه مسلم (١٢٠١): (٨٤)، وابن حبان (٣٩٨٤)، وانظر المسند (١٨١٠٢). (٦) التمهيد ٢٣٨/٢. ٢٩٢ سورة البقرة : الآية ١٩٦ الخامسة: ولا يجزئُ أن يغدِّيَ المساكين ويعشِّيَهم في كفارة الأذى حتى يعطيَ كلَّ مسكينٍ مُدَّين مُدَّين(١) بمدِّ النبيِّ وَّر. وبذلك قال مالكٌ والثوريُّ والشافعيُّ ومحمد بن الحسن. وقال أبو يوسف: يَجزيهِ أن يغدِّيَهم ويعشِّيَهم. السادسة: أجمع أهل العلم على أن المحرِم ممنوعٌ من حلق شعره وجَزّه وإتلافه بحلقٍ أو نُورَةٍ أو غيرِ ذلك، إلا في حالة العلة كما نصَّ على ذلك القرآن. وأجمعوا على وجوب الفِدية على مَن حلق وهو مُحْرِمٍ بغير علَّة(٢). واختلفوا فيما على مَن فَعَلَ ذلك، أو لبس أو تطيّب بغير عذرٍ عامداً؛ فقال مالك: بئس ما فعل! وعليه الفِذْية؛ وهو مخيّر فيها؛ وسواءٌ عنده العمدُ في ذلك والخطأ، لضرورة وغيرٍ ضرورة. وقال أبو حنيفة والشافعيُّ وأصحابُهما وأبو ثور: ليس بمخيّرٍ إلَّا في الضرورة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَن كَانَ مِنكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهَ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ﴾ فإذا حلَق عامداً(٣)، أو لبس عامداً لغيرِ عذر، فليس بمخيَّرٍ وعليه دَمٌ لا غير. السابعة: واختلفوا فيمَن فعل ذلك ناسياً؛ فقال مالك رحمه الله: العامدُ والناسي في ذلك سواءٌ في وجوب الفِذْية. وهو قولُ أبي حنيفةً والثوريِّ والليث. وللشافعيٍّ في هذه المسألة قولان: أحدهما: لا فِذْيةً عليه؛ وهو قولُ داودَ وإسحاق. والآخرُ(٤): عليه الفدية. وأكثر العلماء يوجبون الفديةً على المُخرِم بلبس المَخِيط، وتغطيةٍ الرأس أو بعضِه، ولُبْسِ الخُفَّين، وتقليم الأظفار(٥)، ومسٌ الطِّيب، وإماطة الأذى، وكذلك إذا حلق شعر جسده أو اطّلى، أو حلق مواضع المحاجم (٦). (١) لفظة: مدين، لم تكرر في (د) و(م) والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في التمهيد ٢٣٩/٢، والكلام منه. (٢) ينظر المغني ٣٨١/٥، والمجموع ٢٥٢/٧. (٣) في (د) و(ز) و(م): فإذا حلق رأسه عامداً، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في التمهيد ٢٣٩/٢-٢٤٠، والكلام منه. (٤) في (د) و(ز) و(م): والثاني، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في التمهيد. (٥) في (م): الأظافر. (٦) ينظر التمهيد ٢٤٠/٢. قوله: المحاجم، جمع: محجم، وزن: جعفر: موضع الحجامة. ٢٩٣ سورة البقرة : الآية ١٩٦ والمرأة كالرجل في ذلك، وعليها الفِذْيةُ في الكُخل وإن لم يكن فيه طِيب. وللرجل أن يكتحل بما لا طِيب فيه. وعلى المرأة الفديةُ إذا غّت وجهها أو لبست القُفَّزَين، والعمدُ والسهو والجهل في ذلك سواء؛ وبعضُهم يجعل عليهما(١) دماً في كلِّ شيءٍ من ذلك. وقال داود: لا شيءَ عليهما في حلق شعر الجسد(٢). الثامنة: واختلف العلماء في موضع الفدية المذكورة؛ فقال عطاء: ما كان من دم فبمكّة، وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء، وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي. وعن الحسن أن الدَّمّ بمكة. وقال طاوسٌ والشافعيُّ: الإطعامُ والدَّمُ لا يكونان إلَّا بمكة، والصومُ حيث شاء؛ لأن الصيام لا منفعةً فيه لأهل الحَرَم؛ وقد قال الله سبحانه: ﴿هَدْيَا بَلَغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] رِفْقًّا لمساكينِ [الحرم] جيرانِ بيته؛ فالإطعامُ فيه منفعة، بخلاف الصيام، والله أعلم. وقال مالك: يفعل ذلك أين شاء؛ وهو الصحيحُ من القول، وهو قولُ مجاهد. والذبحُ هنا عند مالكِ نُسٌ وليس بهَذْىٍ؛ لنصِ القرآن والسنة؛ والنُّسكُ يكون حيث شاء، والهديُ لا يكون إلا بمكة. ومن حُجته أيضاً ما رواه عن يحيى بن سعيد في مُؤَّئه، وفيه: فَأَمَر عليّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه برأسه - يعني رأس حسين - فحُلِق، ثم نَسَكَ عنه بالسُّقْيَا، فنحرَ عنه بعيراً. قال مالك: قال يحيى بن سعيد: وكان حسينٌ خرج مع عثمانَ في سفره إلى مكة(٣). ففي هذا أوضح دليلٍ على أن فِذْيةَ الأذى جائزٌ أن تكون بغير مكة. وجائز عند مالك في الهَدْي إذا نُحر في الحَرَم أن يُعطاه غيرُ أهل الحرم؛ لأن البُغْية فيه إطعامُ مساكين المسلمين. قال مالك: ولمَّا جاز الصوم أن يؤتى به بغير الحَرَم، جاز إطعامُ غير أهل الحرم. (١) في (د) و(ز) و(ظ): عليها. (في الموضعين). (٢) ينظر التمهيد ٢/ ٢٤٠، والمغني ٣٨٢/٥. (٣) الموطأ ٣٨٨/١. حسين - وهو ابن علي رضي الله عنهما - كان مريضاً بالسُّقيا، وهو منزل بين مكة والمدينة؛ قيل: هي على يومين من المدينة. النهاية ٣٨٢/٢. ٢٩٤ سورة البقرة : الآية ١٩٦ ثم إن قوله تعالى: ﴿فَن كَانَ مِنْكُم فَرِيضًّا﴾ الآيةَ، أوضحُ الدِّلالة على ما قلناه؛ فإنه تعالى لمَّا قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنِ صِيَاءٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نٍُ﴾ لم يقل في موضعٍ دون موضع، فالظاهرُ أنه حيثما فُعِل أَجْزَا (١). وقال: ((أو نُسُك))، فسمَّى ما يُذبح نُسكاً، وقد سمّاه رسول الله وَ ﴿ كذلك ولم يُسَمِّه هَذْياً؛ فلا يلزمنا أن نردَّه قياساً على الهَذْي، ولا أن نعتبره بالهدي مع ما جاء في ذلك عن عليّ (٢). وأيضاً فإن النبيَّ وَّلمَّا أمر كَعْباً بالفدية، ما كان في الحَرَمِ، فصحَّ أن ذلك كلَّه يكون خارجَ الحرم، وقد رُويَ عن الشافعيِّ مثلُ هذا في وجهٍ بعيد. التاسعة: قوله تعالى: ﴿أَوْ شُكَّ﴾ النُّسك: جمع نَسِيكة، وهي الذبيحة يَنْسُكها العبد لله تعالى. ويُجمع أيضاً على نَسَائِك. والنُّسُك: العبادة في الأصل؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكًا﴾ [البقرة: ١٢٨] أي: مُتَعَبَّداتِنا. وقيل: إن أصل النُّسك في اللغة الغَسْل؛ ومنه نَسَكَ ثوبه: إذا غسله؛ فكأنَّ العابد غَسَلَ نفسَه من أدران الذنوب بالعبادة. وقيل: النُّسُك سبائكُ الفضة، كلُّ سَبيكةٍ منها نَسِيكة؛ فكأنَّ العابد خلَّص نفسه من دَنَسِ الآثام وسَبَكَها(٣). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْمَحْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدِّيَّ﴾ فيه ثلاثَ عشرةَ مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِذَّآ أَمِنْتُمْ﴾ قيل: معناه بَرَأْتُم من المرض. وقيل: من خوفكم من العدوِّ المُخْصِر؛ قاله ابن عباس وقتادة. وهو أشبه باللفظ إلا أن يُتَخيَّل الخوفُ من المرض، فيكون الأمن منه (٤)، كما تقدّم(٥)، والله أعلم. (١) في (ظ) و(م): أجزأه. (٢) المسألة الثامنة إلى هذا الموضع في التمهيد ٢٤٠/٢-٢٤١ بتقديم وتأخير، وما سلف بين حاصرتين منه . (٣) ينظر تهذيب اللغة ٧٤/١٠، والصحاح (نسك)، ومعاني القرآن للكيا الطبري ١٩/١ . (٤) المحرر الوجيز ٢٦٨/١، وأخرج الطبري ٤١١/٣ قول قتادة، وذكر قول ابن عباس الواحدي في الوسيط ٢٩٩/١، وينظر تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٤٠. (٥) ص ٢٧٥ من هذا الجزء. ٢٩٥ سورة البقرة : الآية ١٩٦ الثانية: قوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَعَ بِالْمُبْرَةِ إِلَى اَلَيْ﴾ الآية. اختلف العلماء مَنِ المخاطب بهذا؟ فقال عبد الله بن الزبير وعَلْقَمَة وإبراهيم: الآية في المحصَرين دون الْمُخَلَّى سبيلُهم. وصورةُ المتمثِّع(١) عند ابن الزبير: أن يُخْصَر الرجل حتى يفوتَه الحج، ثم يصل إلى البيت فيَحِلّ بعُمْرة، ثم يقضي الحجَّ مِن قابل؛ فهذا قد تمتَّح بما بين العُمْرة إلى حجِّ القضاء. وصورةُ المتمثِّع الْمُحْصَر عند غيره: أن يُحصَر، فيَحِلَّ دون عُمرة، ويؤخِّرَها حتى يأتيَ من قابلٍ، فيعتمرَ في أشهر الحج ويحجَّ من عامه. وقال ابن عباس وجماعةٌ: الآية في المُخصّرِين وغيرِهم ممن خُلِّيَ سبيله(٢). الثالثة: لا خلافَ بين العلماء في أن التمتع جائز على ما يأتي تفصيلُه، وأن الإفراد جائز؛ وأن القِرَان جائز؛ لأن رسول الله وَل﴿ رَضِيَ كُلَّا ولم ينكره في حجَّته على أحدٍ من أصحابه، بل أجازَه لهم ورَضِيَه منهم، وَّرِ. وإنما اختلف العلماء فيما كان به رسول الله وَّلُ مُخْرِماً في حَجَّته، وفي الأفضلِ من ذلك، لاختلاف الآثار الواردة في ذلك، فقال قائلون منهم مالك: كان رسول الله وَليهِ مُفْرِداً، والإفرادُ أفضلُ من القِرَان. قال: والقِرَان أفضلُ من التمتع. وفي صحيح مسلم (٣) عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله وَ﴿ فقال: ((مَن أراد منكم أن يُهِلَّ بحجِّ وعُمرةٍ فليفعل، ومَن أراد أن يُهِلَّ بحجِّ فَلْيُهِلَّ، ومَن أراد أن يُهلَّ بعمرةٍ فلْيُهِلّ). قالت عائشة: فأهَلَّ رسول الله وَ له بحجّ، وأهلَّ به ناسٌ معه، وأهلَّ ناسٌ بالعُمْرة والحج، وأهلَّ ناس بعمرة، وكنت فيمن أهلَّ بالعمرة. رواه جماعةٌ عن هشام بن عُرْوةً، عن أبيه، عن عائشة. وقال بعضهم فيه: قال رسول الله وَّهِ: ((وأمَّا أنا فأُهِلُّ بالحج)) (٤) وهذا نصٌّ في موضع الخلاف، وهو حُجَّةُ مَن قال بالإفراد وفَضَّلَه(٥). وحكى محمد بن الحسن عن مالك أنه قال: إذا جاء عن النبيِّ ◌َ * حديثان مختلفان، وبَلَغَنا أن أبا بكر وعمر عَمِلا بأحد الحديثين وتركا الآخر، كان في ذلك (١) في (خ) و(ظ): التمتع. (٢) المحرر الوجيز ٢٦٨/١، وأخرج الأخبار المذكورة الطبري ٤١٢/٣-٤١٥ . (٣) برقم (١٢١١): (١١٤)، وأخرجه بنحوه أحمد (٢٥٥٨٧)، والبخاري (١٥٦٢) و(١٧٨٣). (٤) أخرج هذه الرواية أبو داود (١٧٧٨)، وابن حزم في حجة الوداع ص ٣٠٤. (٥) التمهيد ٢٠٥/٨-٢٠٦. ٢٩٦ سورة البقرة : الآية ١٩٦ دلالةٌ على أن الحقَّ فيما عَمِلا به. واستحبَّ أبو ثور الإفرادَ أيضاً وفضَّله على التمتُّع والقِرَان، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ في المشهور عنه. واستحب آخرون التمتع بالعُمرة إلى الحج، قالوا: وذلك أفضل. وهو مذهب عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو أحد قولي الشافعيّ(١). قال الدّارَ قُطْنِيُّ: قال الشافعيّ: اخترت الإفراد، والتّمتعُ حَسَنٌ لا نكرهه (٢). احتجَّ مَن فضَّل التمتع بما رواه مسلم(٣) عن عِمْران بن حُصين قال: نزلت آية المُتْعَة في كتاب الله - يعني متعةً الحج - وأَمَرَنا بها رسول الله وِّهِ، ثم لم تنزِل آيةٌ تنسخ متعة الحج، ولم يَنْهَ عنها رسول الله وَ﴿ حتى مات؛ قال رجلٌ برأيه بعدُ ما شاء . وروى الترمذيُّ(٤): حدَّثنا قتيبةُ بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نَوْفَل، أنه سمع سعد بن أبي وقّاص والضَّحَّاك بن قيس(٥) عامَ حَجَّ معاويةُ بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعُمْرة إلى الحج؛ فقال الضحاك بن قيس: لا يصنع ذلك إلَّ مَن جَهِل أمر الله تعالى. فقال سعد: بئس ما قلتَ يا ابنَ أخي! فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب قد نَهى عن ذلك، فقال سعد: قد صَنَعها رسول الله وَ له، وصنعناها معه. هذا حديث صحيح. وروى ابن إسحاق، عن الزهريِّ، عن سالم قال: إني لجالسٌ مع ابن عمر في المسجد إذ جاءه رجلٌ من أهل الشام، فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال ابن عمر: حَسَنٌ جميل. قال: فإن أباك كان يَنهى عنها. فقال: ويلك! فإن كان أبي نَّهی (١) التمهيد ٨/ ٢٠٧. (٢) سنن الدار قطني ٢٦٥/٢. (٣) صحيح مسلم (١٢٢٦): (١٧٢)، وهو عند أحمد (١٩٩٠٧)، والبخاري (٤٥١٨). (٤) سنن الترمذي (٨٢٣)، وهو عند أحمد (١٥٠٣). (٥) الفهري القرشي، عداده في صغار الصحابة، خرج على بني أمية فدعا لابن الزبير، ثم دعا لنفسه، فقاتله مروان بن الحكم، فقتل بمرج راهط سنة (٦٤ هـ). الإصابة ١٨٦/٥. ٢٩٧ سورة البقرة : الآية ١٩٦ عنها، وقد فعله رسول الله ﴿ ﴿ وأمر به، أفبقول أبي آخُذُ، أم بأمر رسول الله وَلّ؟! ثُمْ عنِّي. أخرجه الدّارَ قُظْنيّ(١)، وأخرجه أبو عيسى الترمذيُّ من حديث صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سالم(٢). وروَى عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: تمثَّع رسول الله ◌ِوَ لجه وأبو بكر وعمر وعثمان، وأوَّلُ مَن نهى عنها معاوية. حديثٌ حسن(٣). قال أبو عمر(٤): حديث ليثٍ هذا حديثٌ منكر، وهو ليث بن أبي سُلَيم ضعيف، والمشهورُ عن عمر وعثمان أنهما كانا ينهيان عن التمتع، وإن كان جماعةٌ من أهل العلم قد زعموا أن المتعة التي نَهَى عنها عمر وضرب عليها، فسخُ الحج في العُمرة، فأما التمتعُ بالعُمْرة إلى الحج فلا. وزعم مَن صحَّح نَهْيَ عمر عن التمتع أنه إنما نهى عنه ليُنْتَجَعِ البيتُ مرتين أو أكثرَ في العام، حتى تَكْثُر عمارته بكثرة الزوَّار له في غير الموسم، وأراد إدخالَ الرفق على أهل الحرم بدخول الناس تحقيقاً لدعوة إبراهيم: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْدَةً مِّنَ النَّاسِ تَّهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وقال آخرون: إنما نهى عنها لأنه رأى الناس مالوا إلى التمتّع ليَسارته وخِفَّته؛ فخشيَ أن يضيع الإفرادُ والقِرَان، وهما سُنّتان للنبيِّ وَّر. واحتج أحمد في اختياره(٥) التمتع بقوله وَلجه: ((لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سُقْتُ الْهَدْيَ ولجعلتُها عُمْرة)). أخرجه الأئمة(٦). وقال آخرون: القِرانُ أفضل؛ منهم أبو حنيفة والثوريُّ، وبه قال المُزَنيُّ؛ قال: لأنه يكون مؤدِّياً للغرضَين جميعاً. وهو قول إسحاق؛ قال إسحاق: كان (١) لم نقف عليه عند الدارقطني. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٤٢، وابن عبد البر في التمهید ٢٠٩/٨، وانظر المسند (٥٧٠٠). (٢) سنن الترمذي (٨٢٤). (٣) سنن الترمذي (٨٢٢). (٤) التمهيد ٢١٠/٨-٢١١، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٥) في (خ): باختيار، وفي (ظ): في اختيار. (٦) هذه قطعة من حديث جابر الطويل في الحج. أخرجه أحمد (١٤٤٤٠)، ومسلم (١٢١٨)، وسيذكره المصنف ص ٣٠٥ من هذا الجزء. ٢٩٨ سورة البقرة : الآية ١٩٦ رسول الله وَّ﴾ [عامَ حجة الوداع] قارناً. وهو قول عليّ بن أبي طالب. واحتجَّ مَن استحَبَّ القِرانَ وفضَّله بما رواه البخاريُّ عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ◌َ﴿ بوادي العَقيق يقول: ((أتاني الليلة آتٍ من ربّي فقال: صلِّ في هذا الوادي المباركِ وقل: عمرةٌ في حَجّةٍ))(١) . وروى الترمذيُ(٢) عن أنس قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((لبّيك بعمرة وحجة)). وقال: حديث حسن صحيح. قال أبو عمر (٣): والإفرادُ إن شاء الله أفضل؛ لأن رسول الله وَّ﴿ كان مُفْرِداً، فلذلك قلنا: إنه أفضل؛ لأن الآثار أصحُّ عنه في إفراده وَيه، ولأن الإفراد أكثرُ عملاً، ثم العمرةُ عملٌ آخر. وذلك كلُّه طاعةٌ، والأكثرُ منها أفضل. وقال أبو جعفر النحاس(٤): المفرِدُ أكثرُ تعباً من المتمتِّع، لإقامته على الإِحرام، وذلك أعظمُ لثوابه. والوجهُ في اتفاق الأحاديث: أن رسول الله وَّ﴿ لَمَّا أمر(٥) بالتمتع والقِرَان جاز أن يقال: تمتَّع رسول الله وَّهِ وقَرَن، كما قال جل وعز: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ﴾ [الزخرف: ٥١]. وقال عمر بن الخطاب: رَجَمْنا وَرَجَم رسولُ اللهِوَ﴾(٦). وإنما أَمَر بالرجم . قلت: الأظهرُ في حَجَّته عليه السلامِ القِرَانُ، وأنه كان قارناً، لحديث عمرَ وأنسٍ المذكورين. (١) في النسخ: حجة في عمرة، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في المصادر، والحديث في صحيح البخاري (١٥٣٤)، وهو عند أحمد (١٦١). والعقيق: وادٍ من أودية المدينة مَسِيلٌ للماء. النهاية ٢٧٨/٣. (٢) سنن الترمذي (٨٢١)، وهو عند أحمد (١٣٣٤٩). (٣) التمهيد ٨/ ٢١٤، وما قبله وما بین حاصرتین منه. (٤) الناسخ والمنسوخ ٥٦٤/١. (٥) في (م): أمرنا. (٦) الناسخ والمنسوخ ٥٦٤/١، وأخرجه أحمد (٣٩١)، والبخاري (٦٨٢٩) و(٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٩١) وهو جزء من حديث طويل لعمر يرويه عنه ابن عباس رضي الله عنهم، وفيه: فرجم رسولُ الله ◌َّ ورجمنا بعده. ٢٩٩ سورة البقرة : الآية ١٩٦ وفي صحيح مسلم(١) عن بكر عن أنس قال: ((سمعت النبيَّ وَ﴿ يُلَبِّ بالحج والعُمْرة معاً))(٢). قال بكر: فحدّثتُ بذلك ابنَ عمر فقال: لبَّ بالحجِّ وحدَه؛ فلقيت أنساً فحدَّثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما تَعُدُّوننا إلا صِبياناً! سمعتُ رسول الله الجهل يقول: ((لبَّك عمرً وحَبًا)). وفي صحيح مسلم(٣) أيضاً عن ابن عباس قال: أَهْلَّ النبيُّ وَِّ بعمرة(٤) وأَهلَّ أصحابه بحجّ(٥)، فلم يَحِلَّ النبيُّ وَِّ، ولا مَن ساق الهَدْيَ من أصحابه، وحَلَّ بقيَّتُهم. قال بعض أهل العلم: كان رسول الله ﴿ ﴿ قارِناً، وإذا كان قارِناً فقد حَجَّ واعتمر، واتَّفقت الأحاديث . . وقال النحاس(٦): ومِن أحسن ما قيل في هذا أن رسول الله ﴿ أَهَلَّ بعمرة، فقال مَن رآه: تمتَع، ثم أَهَلَّ بحجَّةٍ، فقال من رآه: أَفْردَ، ثم قال: (لَبّيْكَ بِحَجّة وعُمرة)) فقال مَن سمعه: قَرَن. فاتفقت الأحاديث. والدليل على هذا: أنه لم يَرْوِ أحد عن النبي وَّر أنه قال: أَفْردتُ الحج، ولا: تمثَّعت. وصحَّ عنه أنه قال: ((قَرَنْتُ)) كما رواه النسائي(٧) عن عليٍّ أنه قال: أَتَيْتُ رسولَ اللهِ وَ﴿ فقال لي: ((ماذا (٨) صنعتَ؟» قلتُ: أهللتُ بإهلالك. قال: ((فإني سُقتُ الهَذْيَ وقَرَنْتُ)). ثم أقبل على أصحابه وقال: ((لو استقبلتُ(٩) من أمري (١) برقم (١٢٣٢)، وهو عند أحمد (١١٩٦١)، وأخرجه بنحوه البخاري (٤٣٥٣، ٤٣٥٤) دون قول أنس الأخير. (٢) في المصادر: جميعاً. (٣) برقم (١٢٣٩)، وأخرجه بنحوه أحمد (٢١٤١). (٤) في (د) و(ز): بالعمرة، وهو موافق لما في مسند أحمد. (٥) في (د) و(ز): بالحج، وهو موافق لما في المسند. (٦) الناسخ والمنسوخ ٥٧١/١. (٧) سنن النسائي ((المجتبى)) ١٤٩/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في الناسخ والمنسوخ حيث رواه عن شيخه النسائي. (٨) في (م) وسنن النسائي: كيف. (٩) في (م) وسنن النسائي: ((فإني سقت الهدي وقرنت)) قال: وقالمَ ﴿ لأصحابه: ((لو استقبلت ... )) ٣٠٠ سورة البقرة : الآية ١٩٦ ما (١) استدبرتُ لفعلتُ كما فَعَلْتُم، ولكنِّي سُقتُ الهَدْيَ وقَرَنتُ)). وثبت عن حفصةً قالت: قلتُ: يا رسول الله، ما بالُ الناس قد حَلُّوا من عمرتهم ولم تَحْلِلْ أنت؟ قال: ((إني لَبَّدْتُ رأسي وسُقتُ هَدْيِي، فلا أَحِلُّ حتى أَنْحَر))(٢). وهذا يبيِّن أنه كان قارِناً؛ لأنه لو كان مُتَمَتِّعاً أو مُفْرِداً لم يمتنع مِن نَحْر الهدي. قلت: ما ذكره النحاس أنه لم يَرو أحدٌ أن النبيَّ وَِّ قال: ((أفردتُ الحج)) فقد تقدَّم من رواية عائشة أنه قال: ((وأمَّا أنا فأُهِلُّ بالحج))(٣). وهذا معناه: فأنا أُفرِدُ الحج، إلا أنه يَحتمل أن يكون قد أحرم بالعمرة؛ ثم قال: فأنا أُهِلُّ بالحج. ومما يبيِّن هذا ما رواه مسلم عن ابن عمر، وفيه: وبدأ رسول الله وَ ل﴿ فَأَهَلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج(٤). فلم يبق في قوله: ((فأنا أُهلُّ بالحج)» دليلٌ على الإفراد. وبقيَ قولُه عليه السلام: ((فإِنِّي قَرَنْتُ)). وقولُ أنسٍ خادمِه إنه سمعه يقول: ((لَبَيْكَ بِحَجَّةٍ وعُمْرةٍ معاً) نصٌّ صريح في القِران لا يحتمل التأويل. وروى الدّارَقُظنيُّ(٥) عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: إنما جمع رسول الله وَله بين الحج والعمرة لأنه علم أنه ليس بحاجٌّ بعدها. الرابعة: وإذا مضى القولُ في الإفراد والتمتُّع والقِران، وأن كلَّ ذلك جائزٌ بإجماع؛ فالتمتعُ بالعمرة إلى الحج عند العلماء على أربعة أوجه؛ منها وجهٌ واحد مجتمع عليه، والثلاثةُ مختلَف فيها . فأما الوجه المجتمع عليه فهو التمتع المرادُ بقول الله جلَّ وعزَّ: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُهْرَةِ إِلَى أَحْ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَذِيَّ﴾ وذلك أن يُحرم الرجل بعُمْرة في أشهر الحج - على ما (١) في (م) والناسخ والمنسوخ: كما. (٢) أخرجه أحمد (٢٦٤٢٤)، والبخاري (١٥٦٦)، ومسلم (١٢٢٩). (٣) سلف في المسألة الثالثة. (٤) صحيح مسلم (١٢٢٧)، وهو عند أحمد (٦٢٤٧)، والبخاري (١٦٩١)، وسيذكره المصنف بأطول منه ص ٣١٥ من هذا الجزء. (٥) في سننه ٢٨٨/٢.