النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ سورة البقرة : الآية ١٨٧ أبي يوسف، وبه قال القاضي عبدُ الوهّاب، وأن الليلةَ إنما تدخل في الاعتكاف على سبيل التَّبَع، بدليلٍ أن الاعتكافَ لا يكون إلا بصوم، وليس الليلُ بزمنٍ للصوم. فثبتَ أن المقصودَ بالاعتكاف هو النهارُ دون الليل(١). قلت: وحديثُ عائشة يردُّ هذه الأقوال، وهو الحجةُ عند التنازع، وهو حديث ثابت لا خلاف في صحته. الرابعة والثلاثون: استحبَّ مالك لمن اعتكف العشر الأواخرَ أن يبيتَ ليلةَ الفطرِ في المسجد حتى يغدُوَ منه إلى المُصلَّى، وبه قال أحمد. وقال الشافعيُّ والأوزاعيُّ: يَخرج إذا غابت الشمسُ، ورواه سُخنون عن ابن القاسم؛ لأن العشرَ يزول بزوال الشهر، والشهرُ يَنقضي بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان. وقال سُخْنون: إن ذلك على الوُجوب، وإن خرج ليلةَ الفطر بَطلَ اعتكافُه، وقاله(٢) ابن الماجشون. وهذا يردُّه ما ذكرنا من انقضاءِ الشهر، ولو كان المُقامُ ليلةَ الفطرِ من شرط صحَّةِ الاعتكاف لما صحَّ اعتكافٌ لا يتَّصل بليلةٍ الفطر، وفي الإجماع على جواز ذلك دليلٌ على أن مُقامَ ليلةٍ الفطر للمعتكف ليس شرطاً في صحَّة الاعتكاف(٣). فهذه جُملٌ كافيةٌ من أحكام الصيام والاعتكاف اللائقةِ بالآيات، فيها لمن اقتصر عليها كفايةٌ، والله الموَفِّق للهداية. الخامسة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿مِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ﴾ أي: هذه الأحكامُ حدودُ الله فلا تخالفوها، فـ ((تلك)) إشارةٌ إلى هذه الأوامرِ والنواهي. والحدود: الحواجزُ، والحدُّ: المنعُ؛ ومنه سُمِّيَ الحديدُ حديداً؛ لأنه يمنعُ من وصول السلاح إلى البَدَن، وسُمِّيَ البؤَّابُ والسجَانُ حدَّاداً؛ لأنه يمنعُ مَن في الدار من الخروج منها، ويمنعُ الخارجَ من الدخول فيها. وَسُمِّيت حدود الله؛ لأنها تمنعُ أن يُدخلَ فيها ما ليس منها، وأن يُخرجَ منها ما هو منها، ومنها سُمِّيت الحدودُ في (١) الأقوال السالفة في التمهيد ١٩٧/١١-١٩٨، والاستذكار ٣١١/١٠ (وما بين حاصرتين منهما) والمفهم ٢٤٤/٣، والمنتقى ٨٠/٢. (٢) في (د) و(م): وقال، وهو خطأ . (٣) الاستذكار ٢٩٥/١٠-٢٩٧، والمنتقى ٨٢/٢. ٢٢٢ سورة البقرة : الآية ١٨٨ المعاصي؛ لأنها تمنع أصحابَها من العَوْد إلى أمثالها، ومنه سُمِّيت الحادُّ في العِدَّة؛ لأنها تَمتنع من الزينة. السادسة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّثُ اَللَّهُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ﴾ أي: كما بَيَّن هذه الحدود يُبَيِّنُ جميعَ الأحكام لشَّقوا مجاوزتَها . والآيات: العلامات الهاديةُ إلى الحق. و﴿لَعَلَّهُمْ﴾ تَرَجِّ في حقٌّهم، فظاهر ذلك عمومٌ، ومعناه خصوصٌ فيمن يسَّره الله للهُدى، بدلالة الآيات التي تتضمَّن أن الله يُضِلُّ مَن يشاء(١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ MM فيه ثماني مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُوَاْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ قيل: إنه نزل في عَبْدانَ بن أَشْوَع الحضرميِّ(٢)، اذَّعى مالاً على امرئ القيس الكنديِّ(٣)، واختصما إلى النبيِّ وَِّ؛ فأنكر امْرُؤُ القيس، وأراد أن يحلف، فنزلت هذه الآية، فكَفَّ عن اليمين، وحكّم عبدان في أرضه ولم يخاصمه (٤). (١) المحرر الوجيز ٢٦٠/١. (٢) كذا في النسخ ومصادر الخبر، وقيَّده الحافظ ابن حجر في العُجاب في بيان الأسباب ٤٢٥/١ : عَيْدان، بفتح المهملة بعدها تحتانية مثنّاة، وذكر ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه ٩٥/٦- ٩٦ قولاً آخر في اسمه، هو: ربيعة بن عِبِدَّان، بكسر العين، والباء المعجمة بواحدة، وتشديد الدال. (٣) ابن عابس بن المنذر، كان ممن ثبت على الإسلام في الرِّدَّة، ومن رهطه رجاءُ بنُ حَيْوة التابعيُّ الشهير. الإصابة ١/ ١٠٠. وذكر البغدادي في شرح أبيات المغني ٥/ ٣١٠ أنه: ابن عانس، بالنون؛ قال: رأيته مصححاً في نسخة المؤتلف والمختلف للآمدي بالنون. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٧٠٢) عن سعيد بن جبير، وذكره الواحدي في أسباب النزول عن مقاتل بن حيان. وتعقبه ابن حجر في العجاب في بيان الأسباب ١/ ٤٥١، فقال: كذا رأيتُ فيه: ابن حيان، وقد وجدتُه في تفسير مقاتل بن سليمان. وأخرج القصة أحمد (١٧٧١٦) من حديث عدي بن عَمِيرة الكندي رضي الله عنه، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الإصابة ١/ ١٠٠. ٢٢٣ سورة البقرة : الآية ١٨٨ الثانية: الخطابُ بهذه الآية يتضمَّن جميع(١) أمة محمدٍ وَِّ؛ والمعنى: لا يَأْكُلْ بعضُكم مالَ بعضٍ بغير حقّ. فيدخلُ في هذا: القِمارُ، والخِداع، والغُصوب، وجَحْدُ الحقوق، وما لا تَطيبُ به نفسُ مالِكِه، أو حرَّمته الشريعة وإن طابت به نفسُ مالكه، كمهر الْبَغِيِّ، وحُلْوانِ الكاهن، وأثمانِ الخمور والخنازير وغيرِ ذلك. ولا يدخل فيه الغَيْن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع؛ لأنَّ الغَبْنَ كأنه وهبة(٢)، على ما يأتي بيانُه في سورة النساء(٣) . وأضيفت الأموالُ إلى ضمير المنهيّ لمَّا كان كلُّ واحد منهما منهيًّا ومنهيًّا عنه؛ كما قال: ﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]. وقال قوم: المراد بالآية ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِ﴾ أي: في الملاهي والقِيَان والشرب والبطالة؛ فيجيءُ على هذا إضافةُ المال إلى ضمير المالِكِين(٤). الثالثة: مَن أخذَ مالَ غيرِه لا على وجه إذن الشرع؛ فقد أَكَلَه بالباطل، ومِن الأكل بالباطل أن يقضيَ القاضي لك وأنت تعلم أنك مُبْطِل، فالحرام لا يصير حلالاً بقضاء القاضي؛ لأنه إنما يقضي بالظاهر. وهذا إجماعٌ في الأموال، وإن كان عند أبي حنيفة قضاؤه ينفذُ في الفروج باطناً(٥)، وإذا كان قضاء القاضي لا يغيِّر حكم الباطن في الأموال فهو في الفروج أولى. ورَوَى الأئمةُ عن أمِّ سلمة قالت: قال رسول الله وَّ: ((إنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أَنْ يكونَ أَلْحَنَ بحُجَّته مِن بعض، فأقضيّ له على نحوٍ مما (٦) أَسْمع، فمن قَطَعْتُ له من حقِّ أخيه شيئاً فلا يَأْخُذْه، فإنما أقطعُ له قطعة من النار(٧)). في (١) في (د) و(ز): متضمن لجميع. (٢) كذا في النسخ، وفي المحرر الوجيز ١/ ٢٦٠، والكلام منه ونقله عنه أيضاً أبو حيان في البحر ٥٦/٢. وفي (م): هبة. وينظر أحكام القرآن للجصاص ٢٥١/١. (٣) في تفسير الآية (٢٩) منها، في المسألة السادسة. (٤) المحرر الوجيز ٢٦٠/١. (٥) ينظر الاستذكار ١٦/٢٢-١٧. (٦) في (د) و(ز): ما. (٧) في (د) و(م): نار. ٢٢٤ سورة البقرة : الآية ١٨٨ رواية: ((فلْيَحْمِلْها أو يَذَرْها))(١). وعلى القول بهذا الحديث جمهورُ العلماء وأئمةُ الفقهاء(٢). وهو نصٌّ في أنَّ حكم الحاكم على الظاهر لا يُغيِّر حكم الباطن، وسواء كان ذلك في الأموال والدِّماء والفروج؛ إلا ما حُكي عن أبي حنيفةَ في الفروج، وزَعم أنه لو شهد شاهدًا زورٍ على رجل بطلاق زوجته، وحكم الحاكم بشهادتهما لعدالتهما عنده، فإنَّ فرجَها يحلُّ لمتزوّجها - ممن يَعْلَم أن القضية باطل - بعد العدَّةُ(٣). وكذلك لو تزوَّجها أحد الشاهدين جاز عنده؛ لأنه لمَّا حلَّت للأزواج في الظاهر كان الشاهد وغيرُه سواءً؛ لأن قضاء القاضي قطع عِصْمَتَها، وأَخْدَثَ في ذلك التحليل والتحريم في الظاهر والباطن جميعاً، ولولا ذلك ما حلَّت للأزواج. واحتجَّ بحكم اللِّعان وقال: معلومٌ أن الزوجة إنَّما وصلت إلى فراق زوجها باللّعان الكاذب، الذي لو علم الحاكم كذِيَها فيه لَحدَّها وما فرَّق بينهما؛ فلم يدخل هذا في عموم قوله عليه السلام: ((فمن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئاً فلا يأخُذْه)) الحديث(٤). الرابعة: وهذه(٥) الآيةُ متمسّكُ كلِّ مُؤالِفٍ ومخالفٍ في كلِّ حُكم يدَّعونه لأنفسهم بأنه لا يجوز، فيستَدلّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُوْاْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُمْ يَلْبَطِلِ﴾ . فجوابُه أن يقال له: لا نسلِّم أنه باطلٌ حتى تُبيِّنَه بالدليل، وحينئذٍ يدخل في هذا العموم؛ فهي دليلٌ على أن الباطل في المعاملات لا يجوز، وليس فيها تعيينُ الباطل(٦). الخامسة: قوله تعالى: ﴿بِالْبَطِلِ﴾ الباطلُ في اللغة: الذاهبُ الزائل؛ يقال: بَطَل يَبْطُلِ بُطولاً وبُظْلاناً، وجَمْعُ الباطل: بَوَاطِل. والأباطيلُ جمع أُبْطُولةٍ(٧) (١) أخرجه أحمد (٢٥٦٧٠)، والبخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣). (٢) في (ظ): الفتيا. (٣) المفهم١٥٨/٥ . (٤) الاستذكار ١٧/٢٢ -١٨ . (٥) في (ز): وفي هذه. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٩٧. (٧) في (م): البطولة. ٢٢٥ سورة البقرة : الآية ١٨٨ وتَبَطَّل أي: اتَّبع اللهو، وأَبْطَلَ فلان: إذا جاء بالباطل(١). وقولُه تعالى: ﴿لَّا يَأِهِ اٌلْنَطِلُ﴾ [فصلت: ٤٢]، قال قتادة: هو إبليس، لا يَزيدُ في القرآن ولا ينقص (٢). وقوله: ﴿وَيَمْحُ اَللَّهُ الْبَطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] يعني الشرك. والبَطَلَة: السَّحّرة(٣). السادسة: قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَّامِ﴾ الآية. قيل: يعني الوديعة(٤) وما لا تقوم فيه بيِّنة؛ عن ابن عباس والحسن(٥). وقيل: هو مالُ اليتيم الذي في أيدي الأوصياء، يرفعُه إلى الحكام إذا طولب به ليقتطعَ بعضَه وتقومَ له في الظاهر حجة(٦). وقال الزجاج(٧): تعملون ما يُوجبه ظاهرُ الأحكام، وتتركون ما علمتُم أنه الحق. يقال: أدْلَى الرجل بحجَّته، أو بالأمر الذي يرجو النجاح به؛ تشبيهاً بالذي يُرسل الدَّلوَ في البئر(٨)؛ يقال: أدلى دَلْوَه: أرسلَها. ودَلَاها: أخرجها. وجمع الدَّلو: أَذْلٍ(٩) ودِلاءٌ ودُلِيٌّ. والمعنى في الآية: لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل وبين الإدلاء إلى الحكام (١) ينظر تهذيب اللغة ٣٥٥/١٣، وتفسير الرازي ١٢٩/٥. (٢) أخرجه الطبري في التفسير ١٨/١٤-١٩، وسيذكره المصنف في سورة فصلت. (٣) ورد لفظ ((البَطَلَة)) في الحديث الذي أخرجه مسلم (٨٠٤) عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، وفيه: ((اقرؤوا البقرة، فإنَّ أَخْذَها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة)) قال معاوية (يعني ابن سلَّام وهو أحد رواة الحديث): بلغني أن البطلة السحرة. (٤) في (د) و(ز): بالوديعة. (٥) تفسير الرازي ٥/ ١٣٠، ومجمع البيان ١٣٤/٢، وأخرجه الطبري ٢٧٧/٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فهذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، فيخاصمهم فيه إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آئِمٌ آكلٌ حراماً. (٦) انظر مجمع البيان ٢/ ١٣٤، وتفسير الرازي ١٣٠/٥. (٧) معاني القرآن له ٢٥٨/١. (٨) المحرر الوجيز ٢٦٠/١. (٩) وقع في النسخ: وجمع الدَّلْو والدِّلاء: أدلٍ ... إلخ، بزيادة لفظة: ((الدِّلاء)» بين دلو، وأدلٍ، والصواب حذفها، فالدِّلاء جمع دلو، كما ذكر المصنف. ولعل هذه اللفظة الزائدة محرفة عن لفظة: الدَّلاة - وهي الدلو الصغيرة - وجمعها: دَلَى، كعَلّى. ٢٢٦ سورة البقرة : الآية ١٨٨ بالحجج الباطلة؛ وهو كقوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُواْ الْحَقَّ﴾(١) [البقرة: ٤٢]. وهو من قبيل قولك: لا تأكلِ السمك وتشربَ اللبن(٢). وقيل: المعنى: لا تُصانِعُوا بأموالكم الحكامَ وتَرْشُوهم ليقضوا لكم على أكثرَ منها؛ فالباء إلزاقٌ مجرَّد. قال ابن عطية(٣): وهذا القولُ يترجَّح؛ لأن الحكامَ مَظِنَّة الرُّشا إلَّا مَن عُصم، وهو الأقلّ. وأيضاً؛ فإنَّ اللفظين متناسبان: تُدْلُوا من إرسال الدَّلو، والرشوةُ من الرِّشاء(٤)، كأنه يمدُّ بها ليقضيّ الحاجة. قلت: ويقوِّي هذا قولُه: ((وَتُدْلُوا بِهَا)) تدلوا: في موضع جزم عطفاً على تأكلوا كما ذكرنا. وفي مصحف أَبَيِّ: ((ولا تُدلوا)) بتكرارِ حرف النهيّ(٥)، وهذه القراءةُ تؤيِّد جزم ((تُدْلُوا)) في قراءة الجماعة. وقيل: ((تدلوا)) في موضع نصبٍ على الظرف(٦). والذي يَنْصِبُ في مثل هذا عند سيبويه ((أنْ)) مُضمّرة(٧) . (١) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٢٤/١ و٢٥٨. (٢) يعني النصبَ بأن المضمرة بعد واو المعيَّة؛ فصار الكلامُ نهياً عن الجمع بينهما وقد ردًّ أبو حيَّان في البحر المحيط ٥٦/٢ معنى الجمع في الآية. (٣) المحرر الوجيز ٢٦٠/١. (٤) بكسر الراء، أي: الحبل. (٥) معاني القرآن للفراء ١١٥/١، وتفسير الطبري ٢٧٩/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٢٩٠/١. (٦) كذا نقل المصنف رحمه الله هذه اللفظة: ((الظرف)) عن ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٦٠/١، ونقلها ابن عطية عن بعض نسخ تفسير الطبري ٢٧٩/٣، كما يظهر من مقارنة كلاميهما، وقد تعقب أبو حيان في البحر المحيط ٥٦/٢ ابن عطية فقال: لم يقم دليل قاطع من لسان العرب على أن الظرف ينصب فنقول به. اهـ. وصواب اللفظة: ((الصرف)) كما نَّه على ذلك الشيخ محمود شاكر رحمه الله في تعليقه على الطبري ٥٥٢/٣ . وقد ذكر هذه المسألة الطبري ٦٠٧/١-٦٠٨، والفراء في معاني القرآن ٣٣/١-٣٤، والنحاس في إعراب القرآن ٢٩١/١، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٣٥/١ في إعراب: ((وتكتموا الحق)) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُهُواْ اَلْحَقَّ﴾ [الآية: ٤٢]؛ قال النحاس: والكوفيون يقولون: هو منصوب على الصرف، وشرحه أنه صُرف عن الأداة التي عملت فيما قبله، ولم يُسْتَأنف فيُرفع، فلم يبق إلا النصب، فشبَّهت الواو والفاء بكي فتُصبت بها . (٧) الكتاب ٤٢/٣-٤٤، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٦٠/١. ٢٢٧ سورة البقرة : الآية ١٨٨ والهاء في قوله: ((بها)) ترجع إلى الأموال، وعلى القول الأوّل إلى الحجَّة، ولم يَجْرِ لها ذكر (١)؛ فقَوِيَ القولُ الثاني لذكر الأموال، والله أعلم. في الصحاح(٢): والرِّشوةُ معروفة، والرُّشوة بالضمّ مثلُه، والجمع: رُشّى ورِشِّى، وقد رشاه يرشوه رَشْواً(٣). وارتشى: أَخَذَ الرِّشْوة. واسترشى في حكمه: طلب الرِّشوة عليه. قلت: فالحكامُ اليومَ عينُ الرُّشا لا مَظِنَّته، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله !. السابعة: قوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُواْ﴾ نصب بلام ((كي)) ﴿فَرِيقًا﴾ أي: قطعةً وجزءاً، فعبَّر عن الفريق بالقطعة والبعض(٤). والفريق: القطعة من الغنم تَشِذَّ عن معظمها. وقيل: في الكلام تقديمٌ وتأخير؛ التقديرُ: لتأكلوا أموالَ فريقٍ من الناس(٥). ﴿يَلْإِثْرِ﴾ معناه بالظلم والتعدِّي؛ وسمِّيَ ذلك إثماً لمَّا كان الإثم يتعلَّق بفاعله. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: بُظْلَانَ ذلك وإثمَه، وهذه مبالغةٌ في الجرأة والمعصية(٦). الثامنة: اتفق أهل السُّنة على أنَّ مَن أخذَ ما وقع عليه اسمُ مالٍ - قلَّ أو كَثُر - أنه يُفَسَّق بذلك، وأنه محرَّمٌ عليه أخذُه. خلافاً لبِشْر بنِ المُعْتَمر (٧) ومَن تابعه من المعتزلة حيث قالوا: إن المكلَّف لا يُفَسَّق إلا بأخذ مئتي درهم، ولا يُفَسَّق بدون ذلك. وخلافاً للجُبَّائي(٨) حيث قال: إنه يفسَّق بأخذ عشرة دراهمَ ولا يفسَّق بدونها. وخلافاً لأبي الهذيل(٩) حيث قال: يفسّق بأخذ خمسة دراهم. وخلافاً (١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٩٠/١. (٢) مادة: (رشا). (٣) قوله: رشواً، من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في الصحاح. (٤) ينظر النكت والعيون ٢٤٨/١، والمحرر الوجيز ٢٦٠/١. (٥) النكت والعيون ٢٤٨/١. (٦) المحرر الوجيز ٢٦٠/١. (٧) أبي سهل الكوفي ثم البغدادي، شيخ المعتزلة، وصاحب التصانيف، من کتبه: تأويل المتشابه، والرد على الجدال. توفي سنة (٢١٠هـ). السير ٢٠٣/١٠. (٨) في (خ) و(ظ) و(م): لابن الجبائي. (٩) في (م): لابن الهذيل، وأبو الهذيل: هو محمد بن الهذيل البصريُّ العلَّاف، رأس المعتزلة، وصاحب التصانيف، توفي سنة (٢٢٧ هـ) وقيل غير ذلك. السير ٥٤٢/١٠. ٢٢٨ سورة البقرة : الآية ١٨٩ لبعض قَدَرِيَّة البصرة حيث قال: يفسَّق بأخذ درهم فما فوقه(١)، ولا يفسَّق بما دون ذلك. وهذا كلُّه مردودٌ بالقرآن والسنّة، وباتفاق علماء الأمة، قال ◌َّهِ: ((إنَّ دماءَكُم وأموالَكُم وأَغْراضَكُم عليكم حرام)) الحديث، متَّفَقٌ على صحّته(٢). قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلْأَمِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيْثُ لِلنَّاسِ وَالْحَجُّ وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ أَلْبِرَّ مَنِ أَثَّقَمُ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَيِهَأَ M وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ فيه اثنتا عشرة مسألة : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ﴾ هذا مما سأل عنه اليهودُ واعترضوا به على النبيِّ وَله؛ فقال معاذ: يا رسول الله، إن اليهود تَغشانا ويُكثرون مسألتنا عن الأهِلَّة، فما بالُ الهلال يبدو دقيقاً، ثم يزيدُ حتى يستويّ ويستدير، ثم ينتقصُ حتى يعودّ كما كان؟ فأنزل الله هذه الآية(٣). وقيل: إن سبب نزولها سؤالُ قومٍ من المسلمين النبيَّ ◌َ عن الهلال، وما فائدةُ(٤) مُحَاقِه وكمالِه ومخالفتِهِ لحال الشمس؟ قاله ابن عباس وقتادةُ والرَّبيع (٥) وغيرهم(٥) . (١) في (م): فوق. (٢) هو قطعة من خطبة رسول الله ﴿ في حجة الوداع. وأخرجه أحمد (٢٠٣٨٦)، والبخاري (١٧٣٩)، ومسلم (١٦٧٩) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. وأخرجه أحمد (٢٠٣٦)، والبخاري (١٧٣٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وأخرجه أحمد (١٤٣٦٥)، ومسلم (١٢١٨) من حديث جابر رضي الله عنه. وأخرجه البخاري (١٧٤٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وأخرجه أحمد (١٨٧٢٢) من حديث نبيط بن شريط رضي الله عنه، و(٢٠٦٦٦) من حديث أبي غادية رضي الله عنه. (٣) أسباب النزول للواحدي ص٤٧، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٠/١، وضعفه السيوطي في الدر المنثور ٢٠٣/١، وقال ابن حجر في العجاب في بيان الأسباب ٤٥٥/١: وقد توارد مَن لا يدّ لهم في صناعة الحدیث على الجزم بأن هذا کان سبب النزول مع وهاء السند فيه، ولا شعور عندهم بذلك، بل كاد يكون مقطوعاً به لكثرة من ينقله من المفسرين وغيرهم. (٤) في (د) و(ز) و(م): سبب، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٢٦١/١. (٥) المحرر الوجيز ٢٦١/١، وأخرج الأخبار بنحوها الطبري ٣/ ٢٨٠ -٢٨٢. قوله: مُحَاقه: أي: أن يستسِرَّ القمر ليلتين، فلا يُرى غُدوة ولا عشية. اللسان (محق). ٢٢٩ سورة البقرة : الآية ١٨٩ الثانية: قوله تعالى: ﴿عَنِ الْأَمِلَّةِ﴾ الأهلَّةُ جمعُ الهلال، وجُمِع وهو واحد في الحقيقة من حيث كونُه هلالاً واحداً في شهرٍ، غير كونه هلالاً في آخر؛ فإنما جمع أحواله من الأهلة (١). ويريد بالأهلَّة شهورَها، وقد يعبّر بالهلال عن الشهر لحلوله فيه، كما قال: أخَوانِ من نَجْدٍ على ثقة والشهرُ مثلُ قُلامةِ الظُّفر (٢) وقيل: سُمِّيَ شهراً؛ لأن الأيديّ تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية، ويَدُلُّون عليه. ويُطلق لفظُ الهلال لليلتين من آخر الشهر، وليلتين من أوَّله. وقيل: لثلاث من أوله(٣). وقال الأصمعيُّ: هو هلال حتى يحجّر ويستدير له كالخيط الرقيق. وقيل: بل هو هلالٌ حتى يَبْهَرَ بضوئه السماء، وذلك ليلةَ سَبْعَ (٤). قال أبو العباس: وإنَّما قيل له: هلالٌ؛ لأن الناس يرفعون أصواتَهم بالإخبار عنه(٥)، ومنه استَهَلَّ الصبيُّ: إذا ظهرت حياتُه بصراخه. واستَهلَّ وجهُه فرحاً وتهلَّل: إذا ظهر فيه السرور(٦). قال أبو كبير: وإذا نظرْتَ إلى أَسِرَّة وجهِه بَرقَتْ كبرقِ العارض المُتَهلِّلِ (٧) ويقال: أَهْلَلْنا الهلالَ: إذا دخلنا فيه. قال الجوهريُّ(٨): وأُهِلَّ الهلالُ واستُهِلَّ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. ويقال أيضاً: (١) المحرر الوجيز ٢٦١/١، وفيه: من الهلالية. (٢) لم نقف على قائله، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٢٤٩/١، وقد تقدم ص ١٥٤ من هذا الجزء. (٣) ينظر زاد المسير ١٩٦/١. (٤) المحرر الوجيز ٢٦١/١. (٥) تهذيب اللغة ٣٦٦/٥. (٦) ينظر أحكام القرآن للكيا الطبري ٧٦/١. (٧) ديوان الهذليين ٢/ ٩٤، والخزانة ١٩٤/٨، قوله: العارض؛ قال البغدادي: العارض من السحاب: ما يعرض في جانبٍ من السماء، يقول: إذا نظرت في وجهه رأيت أسارير وجهه تشرق إشراق السحاب المتشقق بالبرق. (٨) الصحاح: (هلل). ٢٣٠ سورة البقرة : الآية ١٨٩ استَهلَّ بمعنى تبيَّن، ولا يقال: أَهَلَّ. ويقال: أهللنا عن ليلة كذا، ولا يقال: أهللناه فَهَلَّ؛ كما يقال: أدخلناه فدخل، وهو قياسه. قال أبو نصر عبدُ الرحيم القُشيريُّ في تفسيره: ويقال: أهلَّ الهلالُ واستهلَّ، وأَهْلَلْنا الهلالَ واستَهْلَلْنا . الثالثة(١): قال علماؤنا: مَن حلفَ: لَيقضِيَنّ غرِيمَه أو لَيفعلنَّ كذا في الهلال، أو رأس الهلال، أو عند الهلال، ففعل ذلك بعد رؤية (٢) الهلال بيوم أو يومين، لم يحنَث. وجميعُ الشهور تصلح لجميع العبادات والمعاملات على ما يأتي. قوله تعالى(٣): ﴿قُلّ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجُّ﴾ تبيينٌ لوجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه، وهو زوالُ الإشكالِ في الآجال، والمعاملات، والأيمان، والحجّ، والعِدَد، والصوم، والفِظْر، ومدَّة الحمل، والإجارات، والأكرية، إلى غير ذلك من مصالح العباد(٤). ونظيرُه قولُه الحق: ﴿وَحَعَلْنَا الَّلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَّيْنِّ فَحَوْنَاً ءَايَةً أَلََّلِ وَحَعَلْتَّاً ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ الِسِنِينَ وَاَلْحِسَابِ﴾ [الإسراء: ١٢] على ما يأتي. وقولُه: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ أُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَّ﴾ [يونس: ٥]. وإحصاءُ الأهلة أَيْسرُ من إحصاء الأيام. الرابعة: وبهذا الذي قرَّرناه يردّ على أهل الظاهر ومَن قال بقولهم: إنَّ المساقاةَ تجوزُ إلى الأجل المجهول سنينَ غيرَ معلومة، واحتجُوا بأنَّ رسول الله وَلَ عامَلَ اليهودَ على شَطْر الزرع والنخل ما بدا لرسول الله وَ ل﴿ من غير توقيت، وهذا لا دليلَ فيه؛ لأنه عليه السلام قال لليهود: ((أُقِرُّكم ما أَقَرَّكم الله))(٥). وهذا أَدَلُّ دليلٍ وأوضحُ سبيلٍ على أن ذلك خصوصٌ له؛ فكان يَنتظر في ذلك القضاءَ من ربِّه، وليس كذلك غيرُهُ. وقد أحكمت الشريعة معانيَ الإجارات وسائرَ المعاملات(٦)؛ (١) قوله: الثالثة، ليس في (د) و(ز). (٢) في (د) و(ز): رؤيته. (٣) في (د) و(ز): الثالثة قوله تعالى. (٤) ينظر الوسيط ٢٩٠/١، والكشاف ٣٤٠/١، ومجمع البيان ١٣٧/٢ . (٥) أخرجه البخاري (٢٧٣٠) من حديث عمر رضي الله عنه. (٦) الاستذكار ٢٠٧/٢١. ٢٣١ سورة البقرة : الآية ١٨٩ فلا يجوز شيءٌ منها إلا على ما أحكمه الكتاب والسُّنَّة، وقال به علماء الأمة. الخامسة: قوله تعالى: ﴿مَوَقِيتُ﴾ المواقيت: جمعُ الميقات، وهو الوقت. وقيل: الميقاتُ منتهى الوقت. و((مواقيت)) لا تنصرف؛ لأنه جمعٌ لا نظير له في الآحاد، فهو جمعٌ ونهايةُ جمع؛ إذ ليس يجمع(١)، فصار كأن الجمع تكرر فيها . وصُرفت ((قوارير)) في قوله: ﴿قَوَارِيَا﴾ [الإنسان: ١٥] لأنها وقعت في رأس آيةٍ، فَنُؤْنت كما تنوَّن القوافي(٢)؛ فليس هو تنوينَ الصرف الذي يدلُّ على تمكُّن(٣) الاسم. السادسة: قوله تعالى: ﴿وَاَلْحَجُّ﴾ بفتح الحاء قراءةُ الجمهور. وقرأ ابن أبي إسحاق بالكسر في جميع القرآن، وفي قوله: ((حِجُّ الْبَيْتِ)) في ((آل عمران))(٤). قال(٥) سيبويه: الحَجّ كالرَّد والشَّد، والحِجّ كالذِّكر، فهما مصدران بمعنَّى. وقيل: الفتحُ مصدر، والكسرُ الاسم (٦). السابعة: أفرد سبحانه الحجّ بالذكر لأنه مما يُحتاج فيه إلى معرفة الوقت، وأنه لا يجوز النَّسِيء فيه عن وقته(٧)، بخلاف ما رأته العرب؛ فإنها كانت تحجُّ بالعدد وتبدِّل الشهور، فأبطل الله قولَهم وفعلهم(٨)، على ما يأتي بيانه في ((براءة))(٩) إن شاء الله تعالى. الثامنة: استدلَّ مالك رحمه الله وأبو حنيفةً وأصحابُهما في أن الإحرام بالحجِّ (١) المحرر الوجيز ٣٤٣/١. (٢) ينظر إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٣٦٧- ٣٧٠، والقراءة التي ذكرها المصنف بتنوين ((قواريراً)) في رأس الآية، هي قراءة ابن كثير المكي من السبعة، حيث قرأ بالتنوين في الأول، وبتركه في الثانية، وقرأ نافع وشعبة والكسائي بالتنوين فيهما، وبإبداله ألفاً وقفاً، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحفص بترك التنوين فيهما . (٣) في (د) و(ز): تمكين. (٤) المحرر الوجيز ٢٦١/١، وقراءة الكسر نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢ للحسن. وفي موضع آل عمران قرأ حفص وحمزة والكسائي بالكسر، والباقون بالفتح. انظر السبعة ص ٢١٤، والتيسير ص ٩٠. (٥) قوله: قال، ليس في (م). (٦) المحرر الوجيز ٢٦١/١. (٧) في (د) و(ز): وأنه لا يجوز التلبس فيه في غیر وقته. (٨) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٩٩/١، وتتمة الكلام عنده: وجّعَله مقروناً بالرؤية. (٩) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الشَِّيِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ [الآية: ٣٧]. ٢٣٢ سورة البقرة : الآية ١٨٩ يصحُّ في غير أشهر الحجِّ بهذه الآية؛ لأن الله تعالى جعل الأهلَّة كلّها ظَرْفاً لذلك، فصحَّ أن يُحرِمِ في جميعها بالحجّ؛ وخالف في ذلك الشافعيُّ؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ على ما يأتي، وأن معنى هذه الآية: أن بعضَها مواقيتُ للناس، وبعضَها مواقيت للحج(١)؛ وهذا كما تقول: الجارية لزيدٍ وعمرو؛ وذلك يقضي أن يكون بعضها لزيدٍ وبعضها لعمرو؛ ولا يجوز أن يقال: إنَّ(٢) جميعها لزيد وجميعها لعمرو . والجواب أن يقال: إن ظاهر قوله: ﴿هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ﴾ يقتضي كونَ جميعِها مواقيتَ للناس وجميعِها مواقيتَ للحج، ولو أراد التبعيضَ لقال: بعضُها مواقيت للناس، وبعضُها مواقيت للحج. وهذا كما تقول: إن شهر رمضان ميقاتٌ لصوم زيدٍ وعمرو. ولا خلافَ أن المراد بذلك أن جميعه ميقاتٌ لصوم كلِّ واحدٍ منهما. وما ذكروه من الجارية فصحيح؛ لأن كونَها جمعاءً لزيدٍ مع كونها جمعاء لعمرو مستحيل، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن الزمان يصحُّ أن يكون ميقاتاً لزيد وميقاتاً لعمرو؛ فبَطَلَ ما قالوه. التاسعة: لا خلاف بين العلماء أن مَن باع معلوماً من السِّلَع بثمنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلوم من شهور العرب، أو إلى أيام معروفةِ العدد، أن البيع جائز. وكذلك قالوا في السَّلَم إلى الأجل المعلوم. واختلفوا في مَن باع إلى الحصاد، أو إلى الدِّياس، أو إلى العطاء، وشِبْهِ ذلك، فقال مالك: ذلك جائز؛ لأنه معروف، وبه قال أبو ثور. وقال أحمد: أرجو ألَّا يكون به بأس. وكذلك إلى قدوم الغزاة. وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء(٣). وقالت طائفة: ذلك غيرُ جائز؛ لأن الله تعالى وقَّت المواقيت وجعلها عَلَماً لآ جالهم في بِياعاتهم(٤) ومصالحهم. كذلك قال ابنُ عباس(٥)، وبه قال الشافعي (١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١٠٠، والمغني ٧٤/٥. (٢) لفظة: إن، ليست في (م). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٧١. (٤) جمع بياعة، وهي السلعة. (٥) أخرج عبد الرزاق (١٤٠٦٦)، وابن أبي شيبة ٦٩/٦-٧٠، والبيهقي ٢٥/٦ عن ابن عباس رضي الله= ٢٣٣ سورة البقرة : الآية ١٨٩ والنعمان. قال ابن المنذر: قولُ ابن عباسٍ صحيح(١). العاشرة: إذا رُؤيّ الهلال كبيراً فقال علماؤنا: لا يُعوّل على كِبَره ولا على صِغَره وإِنما هو من (٢) ليلته. روى مسلم عن أبي البَخْتَرِي(٣) قال: خرجنا للعُمْرة فلمَّا نزلنا ببطن نَخْلة(٤) قال: تراءينا الهلال؛ فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين. قال: فلقِينا ابنَ عباس فقلنا: إنَّا تراءينا(٥) الهلال، فقال بعض القوم: هو ابنُ ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابنُ ليلتين. فقال: أيَّ ليلة رأيتموه؟ قال فقلنا: ليلةً كذا وكذا. فقال: إن رسول الله وَلقول قال: ((إنَّ الله مدَّه للرؤية)) فهو لِلَيْلةٍ رأيتموه(٦). الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ اتصل هذا بذِكر مواقيتِ الحجِّ لاتفاق وقوع القضيتين في وقت السؤال عن الأهلَّة وعن دخول البيوت من ظهورها، فنزلت الآية فيهما معاً (٧). وكان الأنصار إذا حجّوا وعادُوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم؛ فإنهم كانوا إذا أهلُّوا بالحجِّ أو العمرة، يلتزمون شرعاً (٨) ألَّا يَحولَ بينهم وبين السماء حائل، فإذا خرج الرجل منهم بعد ذلك - أي: مِن بعد إحرامه - من بيته، فرجع لحاجة، لا = عنهما قال: لا سلف إلى العطاء، ولا إلى الحصاد، ولا إلى الأندر، ولا إلى العصير، واضرب له أجلاً. واللفظ للبيهقي، وجاء في رواية ابن أبي شيبة: الأندر يعني البيدر. (١) ينظر المغني ٦/ ٤٠٣، والمجموع للنووي ٩/ ٣٧٤. (٢) في (م): ابن، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ٩٩/١. (٣) سعيد بن فيروز الطائي مولاهم الكوفي الفقيه، وكان مقدّم الصالحين القراء الذين قاموا على الحجاج في فتنة ابن الأشعث، قتل في وقعة الجماجم سنة (٨٢هـ). السير ٢٧٩/٤. (٤) هو موضع معروف بذات عرق، ولذلك قال في رواية أخرى: قال أبو البَخْتَري: أهللنا رمضان ونحن بذات عرق. المفهم ١٤٤/٣. (٥) في (م): رأينا. (٦) صحيح مسلم (١٠٨٨). قوله: تراءينا، أي: تكلَّفنا النظر، هل نراه أم لا؟ ومدَّه لرؤيته: أطال له مدة الرؤية، أي: إن لم يُر لتسع وعشرين فيرى لثلاثين. إكمال المعلم ٢٢/٤-٢٣. (٧) في (م): جميعاً، وينظر تفسير الرازي ١٣٨/٥. (٨) كذا في النسخ، والخبر بنحوه في المحرر الوجيز ٢٦١/١: وفيه: تشرّعاً. ٢٣٤ سورة البقرة : الآية ١٨٩ يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء، فكان يتسنَّم ظهر بيته على الجدران، ثم يقوم في حجرته، فيأمر بحاجته فتُخْرَج إليه من بيته(١). فكانوا يرون هذا من النُّسُك والبِرّ، كما كانوا يعتقدون أشياءَ نُسكاً، فردَّ عليهم فيها، وبَيَّن الربُّ تعالى أن البِرَّ في امتثال أمره. وقال ابنُ عباس في رواية أبي صالح: كان الناس في الجاهلية وفي أوَّل الإسلام إذا أحرم رجل منهم بالحجّ، فإن كان من أهل المَدَر - يعني من أهل البيوت - نَقَبَ في ظهر بيته، فمنه يدخلُ ومنه يخرج، أو يضع سُلَّماً فيصعد منه وينحدر عليه، وإن كان من أهل الوَبَر - يعني من(٢) أهل الخيام - يدخل من خلف الخيمة(٣)، إلا مَن كان من الحُمْسِ. ورَوَى الزُّهْرِيُّ أن النبيَّ ◌َ﴿ أهلَّ زمن الحُدَيْنِيَة بالعُمْرة، فدخل حجرته ودخل خلفه رجلٌ أنصاريٌّ من بني سلمة، فدخل وخرق عادة قومه؛ فقال له النبيُّ تَّ: (لِمَ دَخَلْتَ وأنتَ قد أَخْرَمْت؟)) قال: دخلتَ أنت فدخلتُ بدخولك، فقال له النبيُّ وَّهِ: ((إني أَخْمَس)) أي: من قوم لا يدينون بذلك، فقال له الرجل: وأنا ديني دينُك؛ فنزلت الآية، وقاله ابن عباس وعطاء وقتادة(٤). وقيل: إن هذا الرجل هو قُطْبَةُ بن عامر الأنصاري(٥). والحُمْسُ: قريش، وكِنَانة، وخُزاعة، وثَقِيف، وجُشم، وبنو عامر بن صعصعة، (١) هذا الكلام جزء من خبر للزهري، وسيذكر المصنف تتمته بعد خبر ابن عباس اللاحق. (٢) لفظة: من، ليس في (م). (٣) في (خ) و(ز) و(ظ) و(م): يدخل من خلف الخيام الخيمة، والمثبت من (د) وهو الموافق لما في تفسير أبي الليث ١٨٨/١، وقد نقل المصنف هذا الخبر عنه، وذكره أيضاً الواحدي في أسباب النزول ص٤٩ ولم ينسبه . (٤) تفسير عبد الرزاق ص ٧٢-٧٣، وتفسير الطبري ٢٨٦/٣-٢٨٨، والخبر بهذا اللفظ في المحرر الوجيز ٢٦١/١، ونسبه ابن عطية فيه للربيع. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١٧١٠)، والحاكم ٤٨٣/١ وصححه، والواحدي في أسباب النزول ص٤٨، عن جابر رضي الله عنه، وقطبة بن عامر الأنصاري الخزرجي، أبو زيد، شهد بدراً والعقبة والمشاهد، وكانت معه راية بني سلمة يوم الفتح، توفي في خلافة عمر، وقيل: في خلافة عثمان. الإصابة ٨/ ١٦٣ . ٢٣٥ سورة البقرة : الآية ١٨٩ وبنو نصر بن معاوية؛ سُمُّوا حُمْساً لتشَدُّدهم(١) في دينهم. والحماسةُ الشدّة(٢). قال العجَّاج: وكم قَطَعنا من قِفافٍ حُمْسٍ (٣) أي: شِداد. ثم اختلفوا في تأويلها، فقيل ما ذكرنا، وهو الصحيح. وقيل: إنه النَّسِيء وتأخيرُ الحجّ به، حتى كانوا يجعلون الشهر الحلالَ حراماً بتأخير الحجِّ إليه، والشهرَ الحرامَ حلالاً بتأخير الحج عنه، فيكون ذكر البيوت على هذا مثلاً لمخالفة الواجب في الحج وشهوره (٤). وسيأتي بيانُ النِّسِيء في سورة براءة إن شاء الله تعالى(٥) . وقال أبو عبيدة: الآيةُ ضَرْبُ مَثَل، المعنى: ليس البرّ أن تسألوا الجُهال، ولكن اتقوا(٦) واسألوا العلماء، فهذا كما تقولُ: أتيتُ هذا الأمر من بابه(٧). وحكى المَهْدَويُّ ومكِّيٍّ عن ابن الأنباريِّ، والماورديُّ(٨) عن ابن زيدٍ أن الآية مَثَلٌ في جِماع النساء، أمر بإتيانهن في القُبُل لا من (٩) الدُّبُر. وسُمِّي النساء بيوتاً للإيواء إليهن كالإيواء إلى البيوت. قال ابن عطية: وهذا بعيدٌ مغيِّر نَمَط الكلام(١٠). (١) في (م): وسموا حمساً لتشديدهم. (٢) أسباب النزول للواحدي ص٤٩، وتفسير البغوي ١/ ١٦٠، وتفسير الرازي ١٣٧/٥ . (٣) ديوانه ص٤٧٦، وهو في معاني القرآن للزجاج ٢٦٣/١، والنكت والعيون ٢٥٠/١، واللسان (حمس)، والقِفاف: جمع قُفّ، وهو ما غلظ من الأرض وارتفع ولم يبلغ أن يكون جبلاً. الخزانة ٥٣/١١. ووقع في النسخ: قفار بالراء، والمثبت من المصادر. (٤) النكت والعيون ١/ ٢٥٠. (٥) الآية: ٣٧. (٦) في (م): اتقوا الله. (٧) المحرر الوجيز ٢٦١/١، وينظر مجاز القرآن ٦٨/١. (٨) النكت والعيون ١/ ٢٥٠، ونقل ما حكاه المهدوي ومكي عن ابن الأنباري ابنُ عطية في المحرر الوجيز ٢٦١/١-٢٦٢. (٩) في (د) و(ز): في. (١٠) المحرر الوجيز ٢٦٢/١، ورد هذا القول أيضاً ابن العربي في أحكام القرآن ١٠١/١ وقال: أما القول إن المراد بها النساء، فهو تأويل بعيد لا يصار إليه إلا بدليل، فلم يوجد، ولا دعت إليه الحاجة. ٢٣٦ سورة البقرة : الآية ١٨٩ وقال الحسن: كانوا يتطيَّرون، فمَن سافر ولم تَحْصُلْ حاجتُه كان يأتي بيته من وراء ظهره تَطِيُّراً من الخيبة، فقيل لهم: ليس في التَّطيُّر بِرٍّ، بل البِرُّ أن تتَّقوا الله وتتوگَّلوا عليه(١) . قلت: القول الأوَّل أصحُ هذه الأقوال، لمَا رواه البَرَاء قال: كانت(٢) الأنصار إذا حَجُّوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت من أبوابها، قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ وهذا نصٌّ في البيوت حقيقةً. خرَّجه البخاريُّ ومسلم(٣). وأما تلك الأقوال فتؤخذ من موضعٍ آخَرَ (٤) لا من الآية، فتأمَّلْه. وقد قيل: إن الآية خرجت مَخْرَجَ التنبيهِ من الله تعالى على أن يأتوا البِرَّ من وجهه، وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به، فذَكَر إتيانَ البيوت من أبوابها مثلاً ليشير به إلى أن نأتيَ الأمور من مَأْتّاها الذي نَدَبَنا الله تعالى إليه (٥). قلت: فعلى هذا يصحُّ ما ذُكر من الأقوال. والبيوتُ: جمعُ بيت، وقُرئ بضم الباء وكسرها(٦). وتقدَّم معنى التقوى والفلاح ولعل(٧)، فلا معنى للإعادة. الثانية عشرة: في هذه الآية بيانُ أنَّ ما لم يَشْرِعْه الله قُرْبةً ولا نَدَب إليه لا يصير (١) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٦٢/١، والنكت والعيون ١/ ٢٥٠، وتفسير الرازي ١٣٦/٥-١٣٧، وتفسير ابن الجوزي ١٩٥/١-١٩٦، وأخرجه بنحوه ابن أبي حاتم (١٧١٢)، وقال ابن حجر في الفتح ٦٢٢/٣: واتفقت الروايات على نزول الآية في سبب الإحرام إلا ما أخرجه عبد بن حميد بسند صحيح عن الحسن قال ... ، وأغرب الزجاج في معانيه فجزم بأن سبب نزولها ما روي عن الحسن، لكن ما في الصحيح أصح، والله أعلم. (٢) في (م): كان. (٣) صحيح البخاري (١٨٠٣)، وصحيح مسلم (٣٠٢٦). (٤) في (خ) و(د): مواضع أخر. (٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٧٨/١. (٦) قرأ ورش وحفص وأبو عمرو: البيوت، وبيوتكم بضم الباء حيث وقع، وقرأ الباقون بكسرها. التيسير ص ٨٠، وانظر السبعة ص١٧٨ . (٧) ٢٤٨/١، ٢٧٨، ٣٤٢. ٢٣٧ سورة البقرة : الآية ١٩٠ قربةً بأن يَتَقرَّب به متقرِّب(١). قال ابن خُوَيْزِ مَنداد: إذا أشكل ما هو بِرٍّ وقُرْبَةٌ بما ليس هو بِرِّ وقُرْبة أن ينظر في ذلك العمل، فإن كان له نظيرٌ في الفرائض والسنن، فيجوز أن يكون، وإن لم يكن، فليس بيِّ ولا قُرْبة. قال: وبذلك جاءت الآثار عن النبيِّ وَِّ، وذكر حديث ابن عباس قال: بينما رسول الله وَ﴿ يخطب إذا هو (٢) برجلٍ قائم في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: هو أبو إسرائيل؛ نذر أن يقومَ ولا يقعدَ، ولَا يَسْتَظِلَّ ولا يَتكلَّم، ويصومُ. فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((مُرُوه فلْيتكَلَّمْ وليستظِلَّ ولْيَقْعُدْ ولْيُتِمَّ صومَه))(٣). فأبطل النبيُّ وَّ ما كان غيرَ قُرْبة ممَّا لا أصل له في شريعته، وصحّح ما كان قُرْبةً مما له نظيرٌ في الفرائض والسُّنَن. قوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اَلَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَفْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ ١٩٠ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقَتِلُوا﴾ هذه الآية أوَّلُ آية نزلت في الأمر بالقتال، ولا خلاف في أنَّ القتالَ كان محظوراً قبل الهجرةِ بقوله: ﴿آدَفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]، وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، وقوله: ﴿وَأَهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]، وقوله: ﴿َّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، وما كان مثله مما نزل بمكة. فلما هاجرَ إلى المدينة أُمر بالقتال، فنزل: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ قاله الرَّبيع بنُ أنس(٤) وغيره. ورُوي عن أبي بكر الصِّديق أنَّ أوَّلَ آيةٍ نزلت في القتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾(٥) [الحج: ٣٩]. والأوَّل أكثر، وأنَّ آيةً الإذن إنما نزلت في القتال (١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٧٨/١. (٢) في النسخ: إذ مر، وهو خطأ . (٣) أخرجه البخاري (٦٧٠٤). (٤) أخرجه الطبري ٢٨٩/٣ -٢٩٠. (٥) أخرجه الطبري ١٦/ ٥٧٤ . ٢٣٨ سورة البقرة : الآية ١٩٠ عامّةً لمن قاتل ولمن لم يقاتلْ من المشركين(١). وذلك أنَّ النبيَّ ◌َُّ خرجَ مع أصحابه إلى مكةَ للعُمْرة، فلما نزل الحُدَيْبِيَة بقُرب مكة - والحُدَيْبِيَةُ اسمُ بئر، فسُمِّيَ ذلك الموضعُ باسم تلك البئر - فصدَّه المشركون عن البيت، وأقام بالحُدَيْبِيَة شهراً، فصالحوه على أنْ يرجعَ من عامه ذلك كما جاء، على أنْ تُخْلَى له مكةُ في العام المستقبل ثلاثةَ أيام، وصالحوه على ألَّا يكونَ بينهم قتالٌ عشرَ سنين، ورجع إلى المدينة. فلما كان من قابل تجهّز لعُمْرة القضاء، وخاف المسلمون غدرَ الكفار، وكرهوا القتال في الحَرم وفي الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية، أي: يحلُّ لكم القتالُ إنْ قاتلكم الكفار(٢). فالآية متصلةٌ بما سَبق من ذكرِ الحج وإتيانِ البيوت من ظهورها، فكان عليه السَّلام یُقاتِلُ مَن قاتله، ویکُفُّ عمن گَفَّ عنه، حتى نزل ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فنسخت هذه الآيةُ، قاله جماعةٌ من العلماء(٣). وقال ابنُ زيد والرَّبيع: نسخها ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، فَأُمر بالقتال لجميع الكفار. وقال ابنُ عباس وعمر بنُ عبد العزيز ومجاهد: هي مُحكمة (٤)، أي: قاتلوا الذين هم بحالةٍ من يقاتلونكم، ولا تعتدوا في قتل النساءِ والصِّبيانِ والرُّهبان وشبههم، على ما يأتي بيانُه. قال أبو جعفر النَّحاس(٥): وهذا أصحُّ القولين في السُّنة والنَّظر؛ فأما السُّنة فحديثُ ابنِ عمر أنَّ رسولَ الله وَله رأى في بعض مغازيه امرأةً مقتولة، فكّرِه ذلك، ونهى عن قتل النِّساءِ والصِّبيان، رواه الأئمة(٦). وأمَّا النَّظر فإنَّ ((فَاعَلَ)) لا يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشائَمة والمخاصمة، والقتالُ لا يكون في النساء (١) انظر أحكام القرآن للجصاص ٢٥٧/١-٢٥٨، وأحكام القرآن للكيا ٨٠/١-٨١. (٢) تفسير أبي الليث ١٨٨/١-١٨٩، وانظر أسباب النزول للواحدي ص٥٠. (٣) انظر أحكام القرآن للجصاص ٢٥٧/١-٢٥٨، وأحكام القرآن للكيا ٧٩/١ -٨٠. (٤) أخرج هذه الآثار الطبري ٢٨٩/٣-٢٩١. (٥) في الناسخ والمنسوخ ٥١٧/١ بنحوه. (٦) أخرجه أحمد (٤٧٣٩)، والبخاري (٣٠١٥)، ومسلم (١٧٤٤). ٢٣٩ سورة البقرة : الآية ١٩٠ ولا في الصبيان ومَن أشبَههم، كالرُّهبان والزَّمْنَى والشيوخ والأُجَراء فلا يُقتلون. وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام، إلا أنْ يكون لهؤلاء إذايةٌ، أخرجه مالك وغيره(١). وللعلماء فیھم صُوَر ستّ: الأولى: النساء إنْ قاتلن قُتِلْن، قال سُحنون: في حال(٢) المقاتلة وبعدَها؛ لعموم قوله: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَلِلُوَنَّكُمْ﴾، ﴿وَأَقْتُلُهُمْ حَيْثُ نَفْتُهُمْ﴾ . وللمرأة آثار عظيمةٌ في القتال، منها الإمدادُ بالأموال، ومنها التحريضُ على القتال، وقد يخرجن ناشراتٍ شعورَهن نادباتٍ مثيراتٍ معيِّرات بالفرار، وذلك يُبيح قتلَهن، غير أنهن إذا حَصلن في الأسر، فالاسترقاقُ أنفعُ؛ لسرعة إسلامِهن ورجوعِهن عن أديانهنَّ، وتعذُّرٍ فرارهنَّ إلى أوطانهنَّ بخلاف الرجال. الثانية: الصِّبيان فلا يُقتلون؛ للنّهي الثابت عن قتل الذَّرِّيَّة، ولأنه لا تكليفَ عليهم، فإنْ قاتلَ قُتل(٣). الثالثة: الرُّهبان لا يُقتلون ولا يُسترقُون، بل يُترك لهم ما يعيشون به من أموالهم، وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر؛ لقول أبي بكر ليزيدَ: وستَجِد أقواماً زعموا أنهم حَبَسوا أنفسَهم الله، فذَرْهم وما زعموا أنهم حَيَسُوا أنفسَهم له (٤)، فإنْ كانوا مع الكفار في الكنائس قُتلوا. ولو ترهَّبت المرأة، فروَى أشهب أنها لا تُهاج. وقال سُخنون: لا يُغيِّرُ الترهُّب حكمَها، قال القاضي أبو بكر بن العربي: والصَّحيح عندي روايةُ أشهب؛ لأنها داخلةٌ تحت قوله: فذَرْهم وما حَبَسُوا أنفسهم له. (١) الموطأ ٢/ ٤٤٢، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق ١٩٩/٥، وسعيد بن منصور (٢٣٨٣)، وابن أبي شيبة ٣٨٣/١٢، والبيهقي ٨٩/٩. ويزيد بن أبي سفيان هو أخو معاوية من أبيه يقال له: زيد الخير، أسلم يوم الفتح، وشهد حُنيناً، وأمَّره عمر على دمشق، وعلى يده كان فتح قيسارية، مات في الطاعون سنة (١٨ هـ). السير ٣٢٨/١. (٢) في (م): حالة. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٥/١، وانظر النوادر والزيادات ٥٧/٣، وأحكام القرآن للكيا ١/ ٨٤. (٤) تقدم تخريجه قريباً . ٢٤٠ سورة البقرة : الآية ١٩٠ الرابعة: الزَّمْنَى، قال سُخنون: يُقتلون. وقال ابن حبيب: لا يُقتلون. والصَّحيح أنْ تُعتبرَ أحوالُهم، فإنْ كانت فيهم إذايةٌ قُتلوا، وإلا تُركوا وما هم بسبيله من الزَّمانة، وصاروا مالاً على حالهم وحشوة(١). الخامسة: الشُّيوخ، قال مالك في كتاب محمد: لا يُقتلون، والذي عليه جمهور الفقهاء: إنْ كان شيخاً كبيراً هَرِماً لا يُطيق القتال، ولا يُنتفع به في رأي ولا مدافعةٍ، فإنه لا يُقتل، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وللشَّافعي قولان: أحدهما: مثلُ قولِ الجماعة. والثاني: يُقتل هو والراهب. والصحيح الأوَّلُ لقول أبي بكر ليزيد، ولا مخالف له، فثبت أنه إجماع. وأيضاً فإنه ممن لا يُقاتِل ولا يعين العدوَّ، فلا يجوز قتلُه كالمرأة، وأمَّا إنْ كان ممن تُخشى مضرَّتُه بالحرب أو الرأي أو المالِ (٢)، فهذا إذا أُسِر يكون الإمام فيه مخيَّراً بين خمسة أشياء: القتل، أو المنِّ، أو الفِداء، أو الاسترقاق، أو عَقْد الذِّمَّة على أداء الجِزْية. السادسة: العُسَفاء، وهم الأُجَراء والفلاحون؛ فقال مالك في كتاب محمد: لا يُقتلون. وقال الشَّافعيُّ: يُقتل الفلاحون والأُجَراءُ والشُّيوخ الكبار، إلا أن يُسلموا، أو يؤدُّوا الجِزْية(٣). والأوّل أصحُّ؛ لقوله عليه السلام في حديث رَبَاح بنِ الرَّبيع: ((إِلْحَقْ بخالد بنِ الوليد، فلا يقتلنَّ ذُرِّيَّة ولا عَسِيفاً)»(٤). وقال عمر بنُ الخطاب: (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٥/١-١٠٦، وانظر النوادر والزيادات ٥٨/٣-٦١، والبيان والتحصيل ٥٥٨/٢-٥٥٩ . (٢) في النسخ: والمال، والمثبت من (م). (٣) انظر مختصر اختلاف العلماء ٣/ ٤٥٥، ٤٥٦، وأحكام القرآن لابن العربي ١٠٦/١، والبيان والتحصيل ٥٦١/٢، والمغني ١٧٨/٣ -١٨٠. (٤) أخرجه أحمد (١٥٩٩٢)، والبخاري في التاريخ الكبير ٣١٤/٣، وأبو داود (٢٦٦٩)، والنسائي في الكبرى (٨٥٧١)، وابن ماجه (٢٨٤٢)، ورباح بن الربيع هو ابن صيفي التميمي أخو حنظلة، له صحبة يُعدُّ في أهل المدينة، ونزل البصرة. قال الدارقطني: ليس أحد في الصحابة يقال له: رباح إلا هذا على اختلاف فيه، فقيل: رياح، وهو قول الأكثر، وقال البخاري: لم يثبت. انظر الإصابة ٢٤٨/٣، والاستيعاب بهامش الإصابة ٢٥٣/٣.