النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ سورة البقرة : الآية ١٨٧ ولعلَّ الحديثَ في صوم التطوُّع لخفَّته، وقد جاء في صحيحَي البخاريِّ ومسلم: ((مَن نَسِيَ وهو صائمٌ، فأكل أو شربَ، فليتمَّ صومَه))(١) فلم يَذكر قضاءً ولا تعرَّضَ له، بل الذي تعرَّض له سقوطُ المؤاخذة، والأمرُ بمضيِّهِ على صومه وإتمامه، هذا إن كان واجباً، فدلَّ على ما ذكرناه من القضاء. وأما صومُ التطوُّع؛ فلا قضاءَ فيه لَمَنْ أكلَ ناسياً؛ لقوله بَّهِ: ((لا قضاءَ عليه))(٢). قلت: هذا ما احتجَّ به علماؤنا وهو صحيح، لولا ما صحَّ عن الشارع ما ذكرناه، وقد جاء بالنصِّ الصريح(٣)، وهو ما رواه أبو هريرة عن النبيِّ وَّ قال: ((من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاءً عليه ولا كفَّارة)) أخرجه الدَّارَقُطْنِيُّ وقال: تفرَّد به ابنُ مرزوق - وهو ثقة - عن الأنصاري(٤)؛ فزال الاحتمالُ، وارتفع الإشكال، والحمد لله ذي الجلال والكمال. الثالثة عشرة: لما بيَّن سبحانه محظورات الصيام، وهي الأكلُ والشربُ والجِماع، ولم يذكر المباشرةَ التي هي اتِّصالُ البَشرة بالبشرة؛ كالقُبلة والجَسَّة وغيرهما(٥)، دلَّ ذلك على صحة صوم مَنْ قَبَّلَ وباشرَ؛ لأن فَحْوَى الكلام إنما يدلُّ على تحريم ما أباحه الليل، وهو الأشياء الثلاثة، ولا دلالةً فيه على غيرها، بل هو موقوفٌ على الدليل، ولذلك شاع الاختلافُ فيه، واختلف علماء السلف فيه، فمن ذلك المباشرة؛ قال علماؤنا: يُكره لمن لا يأمنُ على نفسه ولا يملكُها، لئلا يكونَ سبباً إلى ما يفسد الصومَ(٦)؛ روى مالك(٧) عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يَنهى عن القُبلة والمباشرة للصائم؛ وهذا - والله أعلم - خوف ما يحدث (١) صحيح البخاري (١٩٣٣)، وصحيح مسلم (١١٥٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في مسند أحمد (٩١٣٦). (٢) قطعة من حديث أبي هريرة، أخرجه الدارقطني ١٧٨/٢ -١٧٩، وسلف تخريجه قريباً. (٣) في (م): الصريح الصحيح. (٤) سنن الدارقطني ١٧٨/٢، وابن مرزوق: هو محمد بن محمد، والأنصاري: هو محمد بن عبد الله بن المثنى، وانظر إتحاف المهرة ١٠٦/١٦، وفتح الباري ٤/ ١٥٧. (٥) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): وغيرها . (٦) المنتقى للباجي ٤٦/٢. (٧) في الموطأ ٢٩٣/١. ٢٠٢ سورة البقرة : الآية ١٨٧ عنهما، فإن قبَّل وسَلِمَ فلا جناح عليه، وكذلك إن باشر(١). وروى البخاريُ(٢) عن عائشة قالت: كان النبيُّ وَلّهِ يُقَبِّل ويُباشر وهو صائم. وممن كرِهَ القُبلة للصائم عبدُ الله بن مسعود وعُرْوةُ بن الزبير، وقد رُوي عن ابن مسعود أنه يقضي يوماً مكانَه(٣)، والحديث حجةٌ عليهم. قال أبو عمر(٤): ولا أعلم أحداً رخّص فيها لمَنْ يَعلم أنه يتولَّدُ عليه منها ما يُفسد صومه، فإن قَبَّل فَأَمْنَى، فعليه القضاءُ ولا كفارةَ، قاله أبو حنيفة وأصحابُه والثوريُّ والحسنُ والشافعيُّ، واختاره ابنُ المنذر وقال: ليس لمن أوجبَ عليه الكفارةَ حجّةٌ. قال أبو عمر(٥): ولو قَبَّلَ فَأَمْذَى، لم يكن عليه شيءٌ عندهم، وقال أحمد: مَن قَبَّل فأمْذَى أو أَمْنَى، فعليه القضاءُ ولا كفارةً عليه، إلا على من جامع، فَأَوْلَجَ عامداً أو ناسياً. وروى ابن القاسم عن مالك فيمَنْ قَبَّل أو باشر فأنْعَظَ ولم يخرج منه ماءٌ جملةً عليه القضاء، وروى ابن وهب عنه: لا قضاءَ عليه حتى يُمْذِي(٦). قال القاضي أبو محمد: واتفق أصحابُنا على أنْ(٧) لا كفارةَ عليه. وإن كان مَنِيًّا فهل تلزمه الكفارة مع القضاء؟ فلا يخلو أن يكون قَبَّل قُبلةً واحدةً فأنزل، أو قَبَّل فالتذَّ فعاود فأنزل، فإن كان قَبَّل قُبلةً واحدةً، أو باشر أو لمس مرَّةً؛ فقال أشهب وسُحنون: لا كفارةً عليه حتى يُكرِّرَ، وقال ابنُ القاسم: يكفِّر في ذلك كلِّه، إلا في النظر؛ فلا كفارةً علیه حتی یکرِّر. (١) المنتقى ٢/ ٤٧ . (٢) في صحيحه (١٩٢٧)، وأخرجه أحمد (٢٤١٣٠)، ومسلم (١١٠٦). (٣) التمهيد ١١٠/٥. (٤) الاستذكار ٥٨/١٠، والتمهيد ١١٤/٥ . (٥) التمهيد ١١٤/٥-١١٥. (٦) المنتقى ٢ /٤٧ . (٧) في (م): أنه، والقاضي أبو محمد: هو عبد الوهّاب، ونقل كلامه الباجي في المنتقى ٤٨/٢، وهو إلى نهاية الفقرة منه. ٢٠٣ سورة البقرة : الآية ١٨٧ وممن قال بوجوب الكفارة عليه إذا قَبَّل، أو باشر، أو لاعب امرأته، أو جامع دون الفرج فأَمنَى: الحسنُ البصري، وعطاء، وابنُ المبارك، وأبو ثور، وإسحاق، وهو قول مالك في المدوَّنة(١). وحجَّةُ قول أشهب: أن اللَّمسَ والقُبْلةَ والمباشرةَ ليست تفطر(٢) في نفسها، وإنما يُتَّقى(٣) أن تؤولَ إلى الأمر الذي يقع به الفطر، فإذا فعله(٤) مرةً واحدةً؛ لم يقصد الإنزالَ وإفسادَ الصوم، فلا كفارةً عليه، كالنظر إليها، وإذا كرَّر ذلك فقد قصد إفسادَ صومه، فعليه الكفارة كما لو تكرّر النظرُ. قال اللَّخْمِيُّ(٥): واتفقَ جميعُهم في الإنزال عن النَّظر أنْ لا كفارةَ عليه إلا أن يُتابع، والأصل أنه لا تجب الكفارةُ إلا على مَنْ قصد الفطرَ وانتهاكَ حُرمة الصوم، فإذا كان ذلك وجب أن يُنظَر إلى عادة مَنْ نزل به ذلك، فإن كان شأنُه(٦) أن يُنزِل عن قُبلةٍ أو مباشرةٍ مرَّةً، أو كانت عادتُه مختلفةً: مرَّةً يُنزِل، ومرَّةً لا يُنزِل، رأيتُ عليه الكفَّارَة؛ لأن فاعلَ ذلك قاصدٌ لانتهاك صومِه، أو متعرِّضٌ له. وإن كانت عادتُه السلامةَ فقُدِّر(٧) أن كان(٨) منه خلافُ العادةِ، لم يكن عليه كفَّارة، وقد يحتمل قول مالك في وجوب الكفارة؛ لأن ذلك لا يجري إلا ممن يكون ذلك طبعُه، واكتفى بما ظهر منه. وحمل أشهب الأمرَ على الغالب من الناس أنهم يسَلمون من ذلك، وقولهم في النظر دليل على ذلك. قلت: ما حكاه من الاتّفاق في النَّظر وجعله أصلاً ليس كذلك، فقد حكى (١) ١٩٦/١، وانظر مصنف عبد الرزاق ٤/ ١٩٢، ومصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٧٠. (٢) في النسخ الخطية: يفطر، والمثبت من (م). (٣) في (د) و(م): يبقى، وفي (ظ): نتقي، وفي المنتقى للباجي ٤٨/٢ (وعنه نقل المصنف): تيقن، والمثبت من (ز) و(خ). (٤) في (خ) و(م): فعل. (٥) هو أبو الحسن علي بن محمد. (٦) في (م): فإذا كان ذلك شأنه. (٧) في (خ) و(د) و(ز): يقدر. (٨) في (د) و(ز): يكون. ٢٠٤ سورة البقرة : الآية ١٨٧ الباجي في ((المنتقى))(١): فإن نظر نظرةً واحدةً يقصد بها اللذةَ [فأنزل] فقد قال الشيخ أبو الحسن(٢): عليه القضاءُ والكفَّارةُ، قال الباجي: وهو الصحيح عندي؛ لأنه إذا قَصد به الاستمتاعَ كان(٣) كالقُبلة وغير ذلك من أنواع الاستمتاع، والله أعلم. وقال جابر بنُ زيد والثوريُّ والشافعيُّ وأبو ثور وأصحابُ الرأي فيمَنْ ردَّد النظرَ إلى المرأة حتى أَمْنَى: فلا قضاء عليه ولا كفارة، قاله ابن المنذر(٤). قال الباجي(٥): وروى في المدنيَّة ابن نافع عن مالك أنه إن نظر إلى امرأة متجرِّدة فالتذَّ فأنزل، عليه القضاءُ دون الكفارة. الرابعة عشرة: والجمهورُ من العلماء على صحَّةٍ صوم مَنْ طلعَ عليه الفجرُ وهو جُنُب، وقال القاضي أبو بكر بنُ العربي(٦): وذلك جائزٌ إجماعاً، وقد كان وَقعَ فيه بين الصحابة كلامٌ، ثم استقرَّ الأمرُ على أن مَنْ أصبح ◌ُنُباً فإن صومه صحيحٌ. قلت: أما ما ذُكر من وقوع الكلام فصحيحٌ مشهورٌ، وذلك قولُ أبي هريرة: من أصبح جُنُباً فلا صومَ له، أخرجه الموطأ(٧) وغيره. وفي كتاب النسائي(٨) أنه قال لما رُوجع: والله ما أنا قلتُه، محمد ◌َّهِ - والله - قالَه. وقد اختُلفَ في رجوعه عنها، وأشهرُ قولَيْه عند أهل العلم أنه لا صومَ له، حكاه ابنُ المنذر، ورُوِيّ عن الحسن بن صالح. وعن أبي هريرة أيضاً قولٌ ثالث قال: إذا عَلم بجنابته ثم نام حتى يُصبح فهو مفطر، وإن لم يَعلم حتى أصبح فهو (١) ٤٨/٢ وما بين حاصرتين منه. (٢) هو اللخمي. (٣) في (م): بها الاستمتاع كانت. (٤) انظر المجموع ٣٦٤/٦. (٥) في المنتقى ٤٨/٢. (٦) في أحكام القرآن ٩٤/١ -٩٥ . (٧) ٢٩٠/١ ضمن قصة بين أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما، وأخرجه أحمد (٢٥٥٠٩)، والبخاري (١٩٢٥-١٩٢٦)، ومسلم (١١٠٩). (٨) السنن الكبرى (٢٩٣٦). وهو في مسند أحمد (٧٣٨٨) وانظر الكلام عليه ثمة. ٢٠٥ سورة البقرة : الآية ١٨٧ صائم، رُوِيَ ذلك عن عطاء وطاوس وعُروة بن الزبير، ورُوي عن الحسن والنخعِيِّ أن ذلك يجزي في التطوُّع، ويَقضي في الفرض (١). قلت: فهذه أربعة أقوالٍ للعلماء فيمَنْ أصبح جُنُباً، والصحيحُ منها مذهبُ الجمهور؛ لحديث عائشةَ رضي الله عنها وأمِّ سَلَمة أن رسول الله وَّار كان يُصبح جُنُباً من جماعٍ غيرِ احتلام ثم يصومُ. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله وَل﴿ يُدركُه الفجرُ في رمضان، وهو جُنُبٌ من غير حُلُم(٢)، فيغتسلُ ويصومُ، أخرجهما البخاريُّ ومسلم(٣). وهو الذي يُفهم من ضرورة قوله تعالى: ﴿فَلْتَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ الآية، فإنه لما مدَّ إباحةً الجِماع إلى طلوع الفجرِ، فبالضرورة يُعلَم أن الفجر يَطلُع عليه وهو جُنبٌ، وإنما يتأتَّى الغُسلُ بعد الفجر(٤). وقد قال الشافعي: ولو كان الذّكرُ داخل المرأة فنزعه مع طلوع الفجر أنه لا قضاءَ عليه، وقال المُزَنِيُّ: عليه القضاءُ؛ لأنه من تمام الجماع، والأوَّلُ أصحُّ لما ذکرنا، وهو قول علمائنا . الخامسة عشرة: واختلفوا في الحائض تَطهرُ قبل الفجر، وتترك التطهُّرَ حتى تُصبح، فجمهورُهم على وجوبِ الصومِ عليها وإجزائِه، سواء تركَتْه عمداً، أو سهواً، كالجُنب، وهو قول مالك وابنِ القاسم(٥) . وقال عبد الملك: إذا طَهُرت الحائضُ قبلَ الفجر، فأخّرت غُسلَها حتى طَلَع الفجر، فيومُها يومُ فِطر؛ لأنها في بعضه غيرُ طاهرة، وليست كالجُنب لأن الاحتلام لا (١) ينظر إكمال المعلم ٤٨/٤، والمفهم ١٦٦/٣، والاستذكار ٤٧/١٠، والتمهيد ٤٢٤/١٧، والمجموع ٣٤٥/٦. (٢) في (م): احتلام. (٣) صحيح البخاري (١٩٣٠- ١٩٣٢)، وصحيح مسلم (١١٠٩): (٧٦) (٧٧)، وهو في مسند أحمد (٢٤٠٦٢) من حديثهما . (٤) المفهم ١٦٦/٣ . (٥) المفهم ١٦٦/٣، وانظر المدوَّنة ٢٠٧/١. ٢٠٦ سورة البقرة : الآية ١٨٧ يَنقضُ الصومَ، والحَيْضةُ تَنقُضه، هكذا ذكره أبو الفرج في كتابه عن عبد الملك(١). وقال الأوزاعيُّ: تقضي لأنها فرَّطت في الاغتسال. وذكر ابنُّ الجلَّاب(٢) عن عبد الملك أنها إن طَهُرت قبلَ الفجر في وقتٍ يمكنها فيه الغُسل، ففرَّطت ولم تغتسل حتى أصبحت، لم يضرَّها، كالجُنب، وإن كان الوقت ضيِّقاً لا تدركُ فيه الغُسل، لم يجز صومُها (٣)، ويومُها يومُ فطر، وقاله مالك، وهي كمَنْ طلَع عليها الفجرُ وهي حائض(٤). وقال محمد بن مسلمة في هذه: تصوم وتقضي(٥)، مثل قول الأوزاعي، ورُوي عنه أنه شذَّ، فأوجب على من ظهرت قبل الفجر ففرَّطت وتوانت وتأخَّرت(٦) حتى تُصبح، الكفارةَ مع القضاء(٧) . السادسة عشرة: وإذا ظهرت المرأةُ ليلاً في رمضان؛ فلم تَدْرِ أكان ذلك قبل الفجر أو بعده، صامت وقضت ذلك اليوم احتياطاً، ولا كفارةً عليها . السابعة عشرة: رُوي عن النبيِّ وَّ رِ أنه قال: ((أفطرَ الحاجمُ والمحجوم)). من حديث ثوبان، وحديثِ شدَّادِ بن أوس، وحديثٍ رافع بن خَدِیج، وبه قال أحمد وإسحاق، وصحّح أحمد حديثَ شدَّاد بن أوس، وصحّح عليٍّ بن المديني حديثَ رافع بن خَدِيج، وقال مالك والشافعيُّ والثوريُّ: لا قضاءَ عليه، إلا أنه يُكره له ذلك من أجلِ التَّغرير(٨). (١) الكافي ٣٣٩/١، وانظر الاستذكار ٤٨/١٠، والتمهيد ٤٢٥/١٧. عبد الملك: هو ابن عبد العزيز بن الماجشون. (٢) عبيد الله بن الحسين بن الحسن، وقيل غير ذلك، أبو القاسم، صاحب كتاب التفريع، توفي سنة (٣٧٨هـ) السير ٣٨٣/١٦. (٣) الكافي ٣٣٩/١، وفيه: لم يجزها. (٤) المفهم ١٦٩/٣ . (٥) الكافي ٣٣٩/١، ومحمد بن مسلمة: هو أبو هشام، روى عن مالك وتفقه عنده، وله كتب فقه أخذت عنه، توفي سنة (٢٠٦ هـ). الديباج المذهب ١٥٦/٢ . (٦) في (خ) و(ظ): وأخرت. (٧) المفهم ١٦٦/٣، وإكمال المعلم ٤٩/٤. (٨) الاستذكار ١٢٠/١٠-١٢٢ و١٢٤-١٢٥ و١٢٩-١٣٠، وأخرج حديث ثوبان وشدَّاد ورافع رضي الله= ٢٠٧ سورة البقرة : الآية ١٨٧ وفي صحيح مسلم من حديث أنس أنه قيل له: أكنتم تَكرهون الحجامةً للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضَّعْفِ(١). وقال أبو عمر(٢): حديثُ شدَّاد ورافع وثوبان عندنا منسوخٌ بحديثِ ابنِ عباس أن رسول الله وَ﴿ احتجم صائماً مُحرِماً (٣)؛ لأن في حديث شدَّاد بنِ أوس وغيرِه أنه وَل﴿ مرَّ عامَ الفتح على رجلٍ يحتجم لثمان عشرةً ليلةً خلت من رمضان، فقال: ((أفطرَ الحاجمُ والمحجوم))(٤). واحتجم هو وَِّ عامَ حِجَّةِ الوداع وهو مُحرِمٌ صائمٌ(٥)، فإذا كانت حجامتُهُ(٦) وَ ﴿ عامَ حَجَّةِ الوداع، فهي ناسخةٌ لا محالة، لأنه وَ﴿ لم يُدرك بعد ذلك رمضان، لأنه تُوُقِّيَ في ربيع الأوَّل، وَلّ. الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَيِّقُواْ الْضِيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾ أمْرٌ يقتضي الوجوب من غير خلاف، و((إلى)) غايةٌ، فإذا كان ما بعدَها من جنسٍ ما قبلَها؛ فهو داخلٌ في حُكمِه، كقولك: اشتريتُ الفدَّان إلى حاشيته، أو اشتريتُ منك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة، والمبيعُ شجرٌ، فإن الشجرةَ داخلٌ في المبيع، بخلاف قولك: اشتريتُ الفدَّان إلى الدار، فإن الدارَ لا تدخلُ في المحدود إذ ليست من جنسه، = عنهم: أحمد (٢٢٣٨٢) و(١٧١١٢) و(١٥٨٢٨)، وأبو داود (٢٣٦٧) و(٢٣٧٠) و(٢٣٧١) و(٢٣٦٨) و(٢٣٦٩)، والنسائي في الكبرى (٣١٢٠) - (٣١٤٣)، والترمذي (٧٧٤)، وابن ماجه (١٦٨٠) و(١٦٨١) (على الترتيب). (١) لم يخرجه مسلم، وهو في صحيح البخاري (١٩٤٠)، وانظر الجمع بين الصحيحين لعبد الحق ١٤٦/٢ . (٢) في الاستذكار ١٢٥/١٠. (٣) أخرجه الشافعي في مسنده ١/ ٢٥٥ (بترتيب السندي)، وأحمد (١٨٤٩)، وأبو داود (٢٣٧٣)، والترمذي (٧٧٧)، والنسائي (٣٢١٣-٣٢١٥)، وابن ماجه (١٦٨٢) و(٣٠٨١). وقد أعلَّه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهما، كما ذكر الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٢/ ١٩١- ١٩٢، وقال: إن بعض الرواة جمع بين الأمرين في الذكر، فأوهم أنهما وقعا معاً، والأصوب رواية البخاري [١٩٣٨]: احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم، فيحمل على أن كلَّ واحد منهما وقع في حالة مستقلة. (٤) سلف قريباً . (٥) قوله: عام حجة الوداع، فيه نظر؛ لأنه ﴿ كان مفطراً، كما صحَّ أن أمَّ الفضل أرسلت إليه بقدح لبن فشربه، وهو واقف بعرفة. قاله الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١٩٢/٢. (٦) في النسخ الخطية و(م): حجته! والمثبت من الاستذكار ١٢٥/١٠ . ٢٠٨ سورة البقرة : الآية ١٨٧ فشَرَطَ تعالى تمامَ الصوم حتى يتبيَّن الليلُ، كما جوَّزَ الأكلَ حتى يتبيَّن النهارُ(١). التاسعة عشرة: ومن تمام الصوم استصحابُ النَّةِ دونَ رَفْعِها، فإنْ رفَعها في بعض النهار، ونوى الفطرَ، إلا أنه لم يأكل ولم يشرب، فجعلَه في ((المدوَّنة))(٢) مفطراً وعليه القضاء، وفي كتاب ابن حبيب أنه على صومه، قال: ولا يُخرجُه من الصوم إلا الإفطارُ بالفعلِ وليس بالنيّة. وقيل: عليه القضاءُ والكفَّارةُ. وقال سُحنون: إنما يُكفِّرُ مَنْ بَيَّت الفطرَ، فأمَّا مَنْ نواه في نهاره فلا يضرُّه، وإنما يقضي استحساناً (٣). قلت: هذا حسن. الموفية عشرين: قوله تعالى: ﴿إِلَى أَلَيْلِّ﴾ إذا تبيَّنَ الليلُ سُنَّ الفطرُ شرعاً، أكلَ أو لم يأكل، قال ابن العربي(٤): وقد سُئل الإمام أبو إسحاق الشيرازي(٥) عن رجلٍ حلف بالطلاق ثلاثاً أنه لا يُفطر على حارِّ ولا باردٍ، فأجاب أنه بغروب الشمسٍ مفطرٌ لا شيءَ عليه، واحتجَّ بقوله وَّهِ: «إذا جاء الليلُ من هاهنا، وأدبرَ النهارُ من هاهنا فقد أفطرَ الصائم)»(٦). وسُئل عنها الإمامُ أبو نصر بنُ الصبَّاغ صاحبُ ((الشامل))(٧) فقال: لا بدَّ أن يفطرَ على حارِّ أو بارد. وما أجاب به الإمام أبو إسحاق أولى؛ لأنه مقتضى الكتاب والسُّنة. الحادية والعشرون: فإن ظَنَّ أن الشمسَ قد غَرَبت لغَيْم أو غيره، فأفطر، ثم (١) المحرر الوجيز ٢٥٩/١. (٢) ٢٢٠/١. (٣) الكافي لابن عبد البر ٣٤٣/١. (٤) في القبس في شرح الموطأ ٤٧٩/٢-٤٨٠، وعارضة الأحوذي ٢٢٠/٣-٢٢١. (٥) إبراهيم بن علي، الشافعي، نزيل بغداد، اشتهرت تصانيفه في الدنيا، كالمهذَّب، والتنبيه، واللمع في أصول الفقه وغيرها، توفي سنة (٤٧٦هـ). السير ١٨/ ٤٥٢. (٦) أخرجه أحمد (١٩٢)، والبخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠) من حديث عمر رضي الله عنه، وسيذكره المصنف في المسألة الثالثة والعشرين من حديث عبد الله بن أبي أوفى، رضي الله عنه. (٧) واسمه بتمامه: الشامل في فروع الشافعية؛ قال ابن خلكان: من أجود كتب الشافعية وأصحّها نقلاً، وصاحبه أبو نصر هو: عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد، كان تقياً صالحاً، توفي سنة (٤٧٧هـ). السير ٤٦٤/١٨، وكشف الظنون ص١٠٢٥ . ٢٠٩ سورة البقرة : الآية ١٨٧ ظهرت الشمسُ، فعليه القضاءُ في قول أكثر العلماء(١)، وفي البخاريِّ عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أَفطرنا على عهد رسول الله وَله يومَ غَيْم، ثم طلعت الشمسُ، قيل لهشام: فأُمِرُوا بالقضاء؟ قال: لا بدَّ من قضاء (٢). وقال عمر في ((الموطأ)) (٣) في هذا: الخَطبُ يسير، وقد اجتهدنا. يريد القضاءَ. ورُوي عن عمر أنه قال: لا قضاءً عليه، وبه قال الحسن البصريُّ: لا قضاء عليه، كالناسي، وهو قولُ إسحاق وأهلِ الظاهر(٤). وقول الله تعالى: ﴿إِلَى أَلَيْلِ﴾ يردُّ هذا القول، والله أعلم. الثانية والعشرون: فإن أفطرَ وهو شاكٌّ في غروبها كفَّرَ مع القضاء، قاله مالك، إلا أن يكونَ الأغلب عليه غروبها، ومَنْ شكَّ عنده في طلوع الفجر لزمه الكفُّ عن الأكل، فإن أكل مع شكِّه، فعليه القضاءُ كالناسي، لم يختلف في ذلك قولُه، ومن أهل العلم بالمدينة وغيرها مَنْ لا يرى عليه شيئاً حتى يتبيَّن له طلوعُ الفجر(٥)، وبه قال ابنُ المنذر. وقال الكِيَا الطبري(٦): وقد ظنَّ قومٌ أنه إذا أُبيحَ له الفِطرُ إلى أوَّل الفجرِ، فإذا أكل على ظنِّ أن الفجرَ لم يَطلُع، فقد أكل بإذنِ الشرعِ في وقت جوازٍ الأكل، ولا(٧) قضاءً عليه، كذلك قال مجاهد وجابرُ بنُ زيد، ولا خلافَ في وجوبٍ القضاء إذا غُمَّ عليه الهلال في أوَّلِ ليلةٍ من رمضان، فأكل ثم بانَ أنه من رمضان، والذي ظن(٨) فيه مثله، وكذلك الأسيرُ في دار الحرب إذا أكل ظنّاً أنه من شعبان، ثم بانَ خلافُه. (١) الكافي ١/ ٣٥٠-٣٥١. (٢) صحيح البخاري (١٩٥٩)، وهو في مسند أحمد (٢٦٩٢٧)، وهشام: هو ابن عُروة أحد رجال الإسناد. (٣) ٣٠٣/١. (٤) ينظر الاستذكار ١٧٥/١٠، ومعالم السنن ١٠٩/٢. (٥) الكافي ١/ ٣٥١. (٦) في أحكام القرآن ١/ ٧٤. (٧) في (م) وأحكام القرآن: فلا . (٨) في (م) وأحكام القرآن: نحن. ٢١٠ سورة البقرة : الآية ١٨٧ الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿إِلَى الَّيْلِ﴾ فيه ما يقتضي النهيَ عن الوصال، إذ الليلُ غايةُ الصيام، وقالته عائشة(١) . وهذا موضعٌ اختلف فيه، فممّن(٢) واصل عبدُ الله بن الزبير، وإبراهيمُ التَّيْمي، وأبو الجوزاء، وأبو الحسن الدِّينَوَرِيُّ(٣) وغيرهم. كان ابن الزُّبير يواصل سبعاً، فإذا أفطر شربَ السَّمْنَ والصبر حتى يَفْتُقَ أمعاءه، قال: وكانت تييَسُ أمعاؤه(٤)، وكان أبو الجوزاء يواصلُ سبعةً أيامٍ وسبعَ ليالٍ، ولو قَبِضَ على ذراع الرجلِ الشديدِ لحطّمها(٥). وظاهرُ القرآن والسُّنة يقتضي المنعَ، قال ◌َله: ((إذا غابت الشمسُ من هاهنا، وجاء الليلُ من هاهنا فقد أفطر الصائم)). خرَّجه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوْفى(٦) . ونهى عن الوصال، فلما أبَوْا أن يَنتَهوا عن الوصال، واصل بهم يوماً، ثم يوماً، ثم رَأَوُا الهلالَ فقال: ((لو تأخّرَ الهلالُ لزِذْتُكم)) كالمُنَكِّل لهم حين أَبَوْا أن ينتهوا. أخرجه مسلم عن أبي هريرة(٧) . وفي حديث أنس: ((لو مُذَّ لنا الشهرُ، لَواصلْنا وِصالاً يَدعُ المتعمِّقون تعمُّقَهم)). خرَّجه مسلم أيضاً (٨). (١) المحرر الوجيز ٢٥٩/١، وأخرجه الطبري ٢٦٤/٣. (٢) في (م): فمن. (٣) إبراهيم التيمي: هو ابن يزيد، أبو أسماء، روى له الجماعة، توفي سنة (٩٢هـ) وقيل غير ذلك. السير ٦٠/٥، وأبو الجوزاء: هو أوس بن عبد الله الربعي. وأبو الحسن الدينوري: علي بن محمد، نزيل غَزْنة ومحدِّثُها، توفي سنة (٤٦٨هـ)، وثمة أبو الحسن آخر هو: علي بن عبد الواحد بن أحمد البغدادي، توفي سنة (٥٢١هـ). انظر السير ٣٦٩/١٨ و٥٢٥/١٩. (٤) انظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٩٣، وعارضة الأحوذي ٣٠٧/٣. (٥) حلية الأولياء ٧٩/٣ -٨٠. (٦) برقم (١١٠١)، وهو في مسند أحمد (١٩٤١٣). (٧) برقم (١١٠٣)، وهو في مسند أحمد (٧١٦٢). (٨) برقم (١١٠٥): (٦٠)، وهو في صحيح البخاري (٧٢٤١)، ومسند أحمد (١٢٢٤٨). قوله: يدع المتعمقون تعمُّقَهم، هم المشددون في الأمور، المجاوزُون الحدود في قول أو فعل. ٠٠ ٢١١ سورة البقرة : الآية ١٨٧ وقال وَلِّ: ((إيَّكم والوصالَ، إياكم والوِصالَ)) تأكيداً في المنع لهم منه، أخرجه 2(١) البخاري وعلى كراهية الوصال ـ لما ذكرنا، ولما فيه من ضعف القُوَى وإنهاك الأبدان - جمهورُ العلماء، وقد حرَّمه بعضُهم لما فيه من مخالفة الظاهر والتشبُّهِ بأهل الكتاب (٢)؛ قال ◌َ﴾: ((إن فَصلاً(٣) بين صيامِنا وصيام أهلِ الكتاب أَكْلَةُ السَّحَر)». خرَّجه مسلم وأبو داود(٤). وفي البخاري(٥) عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ أنه سمع رسول الله وَّه يقول: ((لا تُواصلوا، فأيُّكم أراد أن يُواصلَ فليواصلْ حتى السَّحَر)) قالوا: فإنك تواصلُ يا رسول الله؟ قال: ((لستُ كهيئتِكُم، إني أَبِيتُ، لِي مُطْعِمٌ يُطعمُني، وساقٍ يَسقِيني)). قالوا: وهذا إباحةٌ لتأخير الفِظْر إلى السَّحَر، وهو الغايةُ في الوِصال لمن أراده، ومنعٌ من اتصال يوم بيوم، وبه قال أحمد وإسحاق وابنُ وهب صاحب مالك(٦). واحتجَّ مَنْ أجاز الوصال بأن قال: إنما كان النهيُ عن الوصال لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، فخشِيَ رسولُ الله وَّهِ أن يتكلَّفوا الوصالَ وأعلى المقامات، فيَفْتُروا أو يَضعُفوا عما كان أنفعَ منه من الجهاد والقوَّةِ على العدوِّ، مع(٧) حاجتهم في ذلك الوقت، وكان هو يلتزم في خاصَّة نفسه الوصالَ وأعلى مقامات الطاعات، (١) برقم (١٩٦٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه مسلم (١١٠٣): (٥٨)، وهو في مسند أحمد (٧١٦٢). (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٩٣. (٣) في (ز): إن فضلاً من صيامنا! وفي (م): إن فصل ما بين، والمثبت من (خ) و(د) و(ظ)، وهو رواية بعض نسخ سنن أبي داود، كما في طبعة الشيخ محمد عوامة. (٤) صحيح مسلم (١٠٩٦)، وسنن أبي داود (٢٣٤٣) من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهو في مسند أحمد (١٧٧٦٢). (٥) برقم (١٩٦٣)، وهو في مسند أحمد (١١٠٥٥). (٦) ينظر إكمال المعلم ٣٨/٤، والمفهم ١٦٠/٣، والاستذكار ١٥١/١٠، والتمهيد ٣٦٢/١٤. (٧) في (د) و(م): ومع. ٢١٢ سورة البقرة : الآية ١٨٧ فلما سألوه عن وصاله(١) أبدى لهم فارقاً بينه وبينهم، وأعلمهم أن حالتَه في ذلك غيرُ حالاتهم، فقال: ((لستُ مِثلَكم، إني أَبِيتُ يُطعمني ربِّي ويَسقيني)). فلما كَمُلَ الإِيمانُ في قلوبهم، واستحكم في صدورهم ورَسَخ، وكَثُر المسلمون وظهروا على عدوِّهم، واصَلَ أولياءُ الله، وألزموا أنفسهم أعلى المقامات، والله أعلم. قلت: تَرْكُ الوصالِ مع ظهور الإِسلام وقهرِ الأعداء أوْلى، وذلك أرفعُ الدرجات، وأعلى المنازل والمقامات، والدليل على ذلك ما ذكرناه، وأن الليلَ ليس بزمانٍ صومٍ شرعيّ، حتى لو شرع إنسانٌ فيه الصومَ بنيَّةٍ ما أثيبَ عليه، والنبيُّ ونَ﴿ ما أخبر عن نفسه أنه واصل، وإنما الصحابةُ ظنُّوا ذلك فقالوا: إنك تواصل، فأخبر أنه يُطْعَم ويُسْقَى. وظاهر هذه الحقيقة: أنه وَ يُؤتَى بطعام الجنة وشرابها. وقيل: إن ذلك محمولٌ على ما يَردُ على قلبه من المعاني واللطائف، وإذا احتمل اللفظُ الحقيقةَ والمجازَ، فالأصلُ الحقيقةُ حتى يَرِدِ دليلٌ يزيلُها. ثم لما أَبَوْا أن يَنتهوا عن الوصال واصلَ بهم وهو على عادته كما أخبر عن نفسه، وهم على عادتهم حتى يَضعُفوا ويقلَّ صبرُهم فلا يواصلوا، وهذه حقيقةُ التنكيلِ حتى يَدَعوا تعمُّقَهم وما أرادوه من التشديد على أنفسهم. وأيضاً لو تنزَّلنا على أن المراد بقوله: أُطعَم وأُسقَى المعنى، لكان مفطراً حُكماً، كما أن مَن اغتاب في صومه أو شهد بِزُور مفطرٌ حُكماً، ولا فرقَ بينهما، قال ◌َّهُ: ((مَن لم يَدَعْ قَولَ الزُّور والعملَ به؛ فليس لله حاجةٌ في أنْ يَدَع طعامَه وشرابَه))(٢)، وعلى هذا الحدِّ ما واصل النبيُّ نَّه ولا أمر به، فكان تركُه أولى. وبالله التوفيق. الرابعة والعشرون: ويُستحبُّ للصائم إذا أفطر أن يُفطر على رُطَبات، أو تَمَرات، أو حَسَوات من الماء، لما رواه أبو داود(٣) عن أنس قال: كان (١) في (م): وصالهم. (٢) أخرجه أحمد (٩٨٣٩)، والبخاري (١٩٠٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وسلف ص ١٢٣ من هذا الجزء. (٣) في سننه (٢٣٥٦)، وهو في مسند أحمد (١٢٦٧٦). ٢١٣ سورة البقرة : الآية ١٨٧ رسول الله وَّه يُفطر على رُطَباتٍ قبل أن يصلِّي، فإن لم تكن رُطَبات فعلى تَمّرات، فإن لم تكن تَمَرات، حَسَا حَسَواتٍ من ماء. وأخرجه الدّارَقُطْنِيُّ وقال فيه: إسناد صحيح (١). وروى الدَّارقطنيُّ عن ابن عباس قال: كان النبيُّ ◌َ ﴿ إذا أفطر قال: ((لك صُمْنَا، وعلى رِزْقِك أفطرنا، فتقبَّل منا إنك أنت السميع العليم))(٢). وعن ابن عمر قال: كان رسول الله ﴿ يقول إذا أفطر: ((ذهب الظّمَأُ، وابتلَّتِ العروقُ، وثبتَ الأجرُ إن شاء الله)). خرَّجه أبو داود أيضاً، وقال الدَّار قطنيُّ: تفرَّد به الحسينُ بن واقد، إسنادُه حسنٌ(٣). ورَوَى ابن ماجه عن عبد الله بن الزبير قال: أفطر رسولُ الله ◌ُچر عند سعد بن معاذ فقال: «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامَكم الأبرارُ، وصلَّتْ عليكم الملائكة)»(٤). ورَوَى أيضاً عن زيد بن خالد الجُهَنيِّ قال: قال رسول الله وَله: ((من فطّر صائماً كان له مثلُ أجورهم(٥) من غير أن يَنْقُصَ من أجورهم شيئاً))(٦). ورَوَى أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله وَ ال9: ((إن للصائم عند فطره لدعوةٌ ما تُرَدُّ». قال ابن أبي مُلَيكة: فسمعت(٧) عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللَّهُمَّ إني أسألك برحمتك التي وَسِعتْ كلَّ شيءٍ أن تغفرَ لي(٨). وفي صحيح مسلم عن النبيِّ وَّهِ: ((للصائم فَرْحتان يفرَحُهما: إذا أفطر فَرِح (١) سنن الدار قطني ١٨٥/٢. (٢) سنن الدار قطني ١٨٥/٢، وضعف إسناده الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٢٠٢/٢. (٣) سنن أبي داود (٢٣٥٧)، وسنن الدارقطني ١٨٥/٢. (٤) سنن ابن ماجه (١٧٤٧)، وفي إسناده مصعب بن ثابت، وهو ليِّن الحديث كما قال الحافظ في تقريب التهذيب، لكن صحّ من حديث أنس فيما أخرجه الإمام أحمد (١٢٤٠٦)، وفيه قصة. (٥) في (م): أجرهم. (٦) سنن ابن ماجه (١٧٤٦)، وهو في مسند أحمد (١٧٠٣٣). (٧) في (م): سمعت. (٨) سنن ابن ماجه (١٧٥٣). ٢١٤ سورة البقرة : الآية ١٨٧ بفطره، وإذا لَفِيَ ربَّ فَرِحَ بصومه))(١). الخامسة والعشرون: ويُستحبُّ له أن يصومَ من شؤَّال ستةَ أيام؛ لما رواه مسلم والترمذيُّ وأبو داود والنسائيُّ وابنُ ماجه عن أبي أيوب الأنصاريِّ قال: قال رسول الله لي: «مَنْ صام رمضانَ، ثم أتبعه ستًّا من شؤَّال، كان له كصيام الدهر))(٢)، هذا حديث حسنٌ صحيح من حديث سعد بن سعيد الأنصاريِّ المدنيّ، وهو ممن لم يُخرِّج له البخاريُّ شيئاً، وقد جاء بإسناد جيِّدٍ مفسَّراً من حديث أبي أسماء الرَّحَبِيِّ، عن ثَوْبان مولَى النبيِّ وَِّ أنه سمع رسول الله وَّهِ يقول: ((جعلَ الله الحسنة بعشرٍ (٣)، فشهرُ رمضان بعشرةٍ أشهر، وستةُ أيام بعد الفطر تمامُ السَّنَة)). رواه النسائيُّ(٤). واختلف في صيام هذه الأيام، فكرهها مالك في مَوَّئه(٥) خوفاً أن يُلحِقَ أهلُ الجهالة برمضان ما ليس منه، وقد وقع ما خافه حتى إنه كان في بعض بلاد خراسان يقومون لسحورها على عادتهم في رمضان. وروى مُطَرِّف عن مالك أنه كان يصومها في خاصَّة نفسه (٦)، واستحبَّ صيامَها الشافعيُّ، وكرهه أبو يوسف. السادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَدِةِ﴾ بَيَّن جَلَّ وتعالى أن الجماع يُفسد الاعتكاف، وأجمع أهل العلم على أن مَن جامع امرأتَه وهو معتكفٌ عامداً لذلك في فرجها أنه مفسدٌ لاعتكافه، واختلفوا فيما عليه إذا فعل ذلك، فقال الحسن البصريُّ والزُّهريُّ: عليه ما على المُواقع أهلَه في رمضان(٧) . (١) صحيح مسلم (١١٥١): (١٦٣) وهو من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه أيضاً البخاري (١٩٠٤)، وهو في مسند أحمد (٧٦٩٣). (٢) صحيح مسلم (١١٦٤)، وسنن الترمذي (٧٥٩)، وسنن أبي داود (٢٤٣٣)، وسنن النسائي الكبرى (٢٨٧٦)، وسنن ابن ماجه (١٧١٦). وهو في مسند أحمد (٢٣٥٣٣). (٣) في (د) و(ز) و(م): بعشر أمثالها، والمثبت من (خ) و(ظ). (٤) السنن الكبرى (٢٨٧٤)، وهو في مسند أحمد (٢٢٤١٢). (٥) ٣١١/١. (٦) المفهم ٢٣٨/٣. (٧) المفهم ٣/ ٢٥٠. ٢١٥ سورة البقرة : الآية ١٨٧ فأما المباشرةُ من غيرِ جماع فإن قَصدَ بها التَّلذَّذَ فهي مكروهة، وإن لم يقصد لم يُكره، لأن عائشةً كانت تُرَجِّل رأسَ رسول الله وفض له وهو مُعتكف(١)، وكانت لا محالةَ تمسُّ بدنَ رسول الله وَلّهِ بيدها، فدلَّ بذلك على أن المباشرةَ بغير شهوة غيرُ محظورة (٢)، هذا قولُ عطاء والشافعيِّ وابنِ المنذر(٣) . قال أبو عمر: وأجمعوا على أن المعتكفَ لا يباشرُ ولا يُقَبِّل، واختلفوا فيما عليه إن فعل، فقال مالك والشافعيُّ: إن فعل شيئاً من ذلك فَسد اعتكافُه، قال(٤) المُزَنِيُّ: وقال في موضع آخر من مسائل الاعتكاف: لا يُفسِد الاعتكافَ من الوطء إلَّا ما يوجبُ الحدَّ، واختاره المُزَنِيُّ قياساً على أصله في الحج والصوم(٥). السابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ﴾ جملةٌ في موضع الحال. والاعتكاف في اللغة: الملازمةُ، يقال: عَكَف على الشيء إذا لازمه مُقبِلاً عليه، قال الراجز(٦): عَكْفَ النَّبِيطِ يلعبون الفَنْزَجَا وقال الشاعر(٧): وظلَّ بناتُ الليل حوليَ عُكَّفاً عُكُوفَ البَواكي بينهنَّ (٨) صريعُ ولما كان المعتكفُ ملازماً للعمل بطاعة الله مدَّةَ اعتكافه، لزمه هذا الاسمُ. وهو في عُرف الشّرع: ملازمةُ طاعةٍ مخصوصة، في وقت مخصوص، على شرط مخصوص، في موضع مخصوص . (١) أخرجه أحمد (٢٥٩٤٨)، والبخاري (٢٠٤٦). (٢) أحكام القرآن للجصاص ٢٤٦/١، وللكِيا الهراسي ٧٤/١-٧٥. (٣) انظر المجموع ٦/ ٥٦٠. (٤) في (م): قاله، وهو خطأ . (٥) التمهيد ٣٣١/٨. (٦) هو العجَّاج، والرجز في ديوانه ص ٣٢٦، وسلف ٣٧٨/٢. (٧) هو الطّرِمَّاح، والبيت في ديوانه ص٢٩٥ . (٨) في النسخ الخطية: حولهن، والمثبت من (م)، وهو الموافق للديوان والمحرر الوجيز ٢٥٩/١، وعنه نقل المصنف. ٢١٦ سورة البقرة : الآية ١٨٧ وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، وهو قُرْبَةٌ من القُرَب، ونافلةٌ من النوافل، عمل بها رسول الله بَّله وأصحابُه وأزواجُه، ويَلزمُه إن ألزمه نفسَه، ويُكره الدخولُ فيه لمن يُخافُ عليه العجزُ عن الوفاء بحقوقه(١). الثامنة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فِي الْمَسَِدِ﴾(٢): أجمع العلماءُ على أن الاعتكافَ لا يكون إلا في المسجد؛ لقول الله تعالى: ﴿فِى الْمَسِدِ﴾. واختلفوا في المراد بالمساجد، فذهب قومٌ إلى أن الآية خرجت على نوعٍ من المساجد، وهو ما بناه نبيٍّ، كالمسجد الحرام، ومسجد النبيِّ بَّ، ومسجد إيلياء، رُوِيَ هذا عن حُذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيّب، فلا يجوز الاعتكافُ عندهم في غيرها . وقال آخرون: لا اعتكافَ إلا في مسجدٍ تُجمع فيه الجمعة؛ لأن الإشارةَ في الآية عندهم إلى ذلك الجنس من المساجد، رُويَ هذا عن عليٍّ بن أبي طالب وابن مسعود، وهو قولُ عُروةَ، والحَكّم، وحمَّاد، والزُّهري، وأبي جعفر محمد بن عليٍّ، وهو أحد قولَي مالك. وقال آخرون: الاعتكافُ في كل مسجدٍ جائزٌ، يُروى هذا القول عن سعيد بن جبير، وأبي قِلّابة وغيرِهم، وهو قولُ الشافعيّ وأبي حنيفة وأصحابهما، وحجتُهم حملُ الآية على عمومها في كل مسجد(٣)، وهو أحدُ قولَي مالك، وبه يقول ابنُ عُلَيَّة، وداودُ بن عليّ، والطبريُّ، وابنُ المنذر(٤). وروى الدَّارَقُطْنِيُّ عن الضحاك، عن حُذيفة قال: سمعت رسول الله وَّ ه يقول: (كلُّ مسجدٍ له مؤذِّنٌ وإمامٌ فالاعتكافُ فيه يصلُح)). قال الدَّارَقُظْنِيُّ: الضحاك لم يسمع من حذيفة(٥). (١) المفهم ٣/ ٢٤٠. (٢) لفظ: قوله تعالى: في المساجد، من (خ) و(ظ). (٣) في (م) زيادة: مسجد له إمام ومؤذن. (٤) التمهيد ٣٢٥/٨-٣٢٦، والاستذكار ٢٧٣/١٠-٢٧٤. (٥) سنن الدراقطني ٢/ ٢٠٠، وأخرجه من طريقه ابنُ العربي في عارضة الأحوذي ٤/٤، وهو من رواية= ٠ ٢١٧ سورة البقرة : الآية ١٨٧ التاسعة والعشرون: وأقلُّ الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يومٌ وليلة، فإن قال: للهِ عليَّ اعتكاف ليلة، لزمه اعتكافُ ليلةٍ ويوم، وكذلك إن نذر اعتكافَ يومٍ، لزمه يومٌ وليلة. وقال سُخنون: مَن نذر اعتكافَ ليلةٍ فلا شيءَ عليه، وقال أبو حنيفة وأصحابُه: إن نذر يوماً، فعليه يومٌ بغير ليلة، وإن نذر ليلةً فلا شيء عليه، كما قال سحنون، قال الشافعيُّ: عليه ما نذر، إن نذر ليلةً فليلةً، وإن نذر يوماً فيوماً. قال الشافعيُّ: أقلُّه لحظة، ولا حدّ لأكثره، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يصحُّ الاعتكافُ(١) ساعةً، وعلى هذا القول فليس من شرطه صومٌ؛ ورُوِيّ عن أحمد بن حنبل في أحد قوليه، وهو قول داودَ بن عليٍّ وابن عُلَيَّة، واختاره ابنُ المنذر وابنُ العربي(٢)، واحتجوا بأن اعتكافَ رسول الله وَ ﴿ كان في رمضان، ومحالٌ أن يكون صومُ رمضان لرمضان ولغيره، ولو نوى المعتكفُ في رمضان بصومه التطوُّعَ والفرضَ فسد (٣) صومُه عند مالك وأصحابِهِ. ومعلومٌ أن ليلَ المعتكِفِ يلزمه فيه من اجتناب مباشرةِ النساء ما يلزمه في نهاره، وأن ليلَه داخلٌ في اعتكافه، وليس الليلُ(٤) بموضع صوم، فكذلك نهارُه ليس بمفتقٍ إلى الصوم، وإن صام فحسنٌ. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في القول الآخر: لا يصحُّ إلا بصوم، ورُوي عن ابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم(٥). وفي ((الموطأ)) عن القاسم بن محمد ونافع مولى عبد الله بن عمر: لا اعتكافَ إلا بصيام؛ لقول الله تعالى في كتابه: ﴿وَكُواْ وَأَشْرَبُوا﴾ إلى قوله: ﴿فِى الْمَسَجِدِّ﴾، = جويبر عن الضحاك، قال النووي في المجموع ٥١١/٦ بعدما أورده: وجويبر ضعيف باتفاق أهل الحدیث، فهذا الحدیث مرسل ضعیف، فلا يُحتَجُّ به. (١) في (خ) و(ظ): اعتكاف. (٢) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٩٥/١، والاستذكار ٣١٣/١٠-٣١٤، والمجموع ٥١٨/٦. (٣) في (د) و(ز): بطل. (٤) في (د) و(ز) و(م): وأن الليل ليس، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في التمهيد ١٩٧/١١، وعنه نقل المصنف. (٥) ينظر الاستذكار ٢٩٠/١٠، والتمهيد ١٩٩/١١ -٢٠٠. ٢١٨ سورة البقرة : الآية ١٨٧ وقالا: فإنما ذكر الله الاعتكافَ مع الصيام. قال يحيى: قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا(١). واحتجُّوا بما رواه عبد الله بن بُدَيْل، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر أن عمر جعل على نفسه(٢) [أن يعتكفَ] في الجاهلية ليلةً أو يوماً [عند الكعبة] فسأل النبيَّ نَّه فقال له(٣): ((اعتكف وصُمْ)). أخرجه أبو داود(٤)، وقال الدَّارَ قُطْنِيُّ: تفرَّد به ابنُ بُدَيل عن عمرو، وهو ضعيف(٥). وعن عائشة أن النبيَّ وَّهِ قال: ((لا اعتكاف إلا بصيام)). قال الدَّارَقُطْنيُّ: تفرَّد به سُويد بن عبد العزيز، عن سفيانَ بن حسين، عن الزهري، عن عروةَ، عن عائشة(٦). وقالوا: ليس من شَرْطِ الصوم عندنا أن يكون للاعتكاف، بل يصحُّ أن يكون الصومُ له ولرمضان، ولنذرٍ ولغيره، فإذا نذره الناذرُ فإنما ينصرفُ نذرُه إلى مُقتضاه في أصل الشرع، وهذا كمن نذرَ صلاةٌ فإنها(٧) تلزمُه، ولم يكن عليه أنْ يتطهّرَ لها خاصةً، بل يجزئهُ أن يؤدِّيَها بطهارةٍ لغيرها(٨). الموفية ثلاثين: وليس للمعتكف أن يخرجَ من معتكّفه إلا لما لا بدَّ له منه، لما (١) الموطأ ٣١٥/١. (٢) في (م): عليه. (٣) لفظة: له، ليست في (م). (٤) في سننه (٢٤٧٤) وما بين حاصرتين منه. (٥) سنن الدار قطني ٢/ ٢٠٠، ونقل البيهقي في السنن الكبرى ٣١٦/٤-٣١٧ عن الدار قطني قوله: سمعتُ أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر؛ لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه. والحديث دون لفظ: ((وصُمْ))، صحيح فقد أخرجه أحمد (٢٥٥)، والبخاري (٢٠٤٢)، ومسلم (١٦٥٦). (٦) سنن الدارقطني ١٩٩/٢- ٢٠٠، وأخرجه الحاكم ٤٤٠/١، والبيهقي ٣١٧/٤. قال البيهقي: وهذا وهم من سفيان بن حسين أو من سويد بن عبد العزيز، وسويد ضعيف بمرَّة، لا يُقبل منه ما تفرَّد به. اهـ. وأخرجه أبو داود (٢٤٧٣) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، والبيهقي ٣١٥/٤- ٣١٦ من طريق عقيل، كلاهما عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، موقوفاً. وأخرجه أيضاً البيهقي ٣١٧/٤ من طريق عطاء، عن عائشة، موقوفاً . (٧) في النسخ الخطية: فإنما، والمثبت من (م). (٨) المنتقى للباجي ٨٢/٢. ٢١٩ سورة البقرة : الآية ١٨٧ روى الأئمةُ عن عائشة قالت: كان رسول الله وَّ﴿ إذا اعتكف يُدْنِي إليَّ رأسَه فأرجِّلُه، وكان لا يدخلُ البيتَ إلا لحاجةِ الإنسان(١)؛ تريد الغائطَ والبولَ. ولا خلافَ في هذا بين الأمة، ولا بين الأئمة، فإذا خرج المعتكفُ لضرورةٍ وما لا بدَّ له منه ورجع في فَوْره بعد زوال الضرورة، بَنى على ما مضى من اعتكافِه ولا شيءَ عليه. ومن الضرورة المرضُ البِيِّنُ والحيضُ. واختلفوا في خروجه لما سوى ذلك، فمذهبُ مالك ما ذكرنا، وكذلك مذهبُ الشافعي وأبي حنيفة، وقال سعيد بن جُبير والحسن والنخعيُّ: يعود المريضَ، ويشهدُ الجنائزَ، ورُوي عن عليٍّ وليس بثابت عنه، وفرَّق إسحاق بين الاعتكاف الواجب والتطوُّع، فقال في الاعتكاف الواجب: لا يعود المريضَ، ولا يشهد الجنائزَ، وقال في التطوُّعِ: يَشترط حين يبتدئ حضورَ الجنائز وعيادةَ المرضى والجمعة، وقال الشافعي: يصحُّ اشتراطُ الخروج من معتكّفِه لعيادة مريضٍ، وشهودٍ الجنائز، وغيرِ ذلك من حوائجه. واختلف فيه عن أحمد، فمنع منه مَرَّة، وقال مَرَّة: أرجو ألا يكونَ به بأسٌ. وقال الأوزاعيُّ كما قال مالك: لا يكون في الاعتكاف شرطٌ. قال ابن المنذر: لا يخرج المعتكِفُ من اعتكافه إلا لما لا بدَّ له منه، وهو الذي كان النبيُّ نَّهِ يَخرج له(٢) . الحادية والثلاثون: واختلفوا في خروجه للجمعة، فقالت طائفة: يَخرج للجمعة ويرجع إذا سلَّم؛ لأنه خرجَ إلى فرض، ولا يَنتقضُ اعتكافُه، ورواه ابنُ الجَهْم عن مالك، وبه قال أبو حنيفة(٣)، واختاره ابنُ العربي وابنُ المنذر. ومشهورُ مذهب مالك أن مَنْ أراد أن يعتكفَ عشرةَ أيام ونذر ذلك لم يعتكف إلا في المسجد الجامع، وإن(٤) اعتكف في غيره لزمَه الخروجُ إلى الجمعة، وبَطل اعتكافُه. وقال (١) أخرجه أحمد (٢٥٤٨٤)، والبخاري (٢٠٢٩)، ومسلم (٢٩٧). (٢) انظر أحكام القرآن للجصاص ٢٤٨/١-٢٤٩، والتمهيد ٣٢٧/٨-٣٣٠، والاستذكار ٢٨١/١٠ و٢٨٣ -٢٨٥ و٢٨٧، والمغني ٤٦٩/٤-٤٧١ . (٣) المنتقى ٧٩/١. (٤) في (د) و(ز) و(م): وإذا، والمثبت من (خ) و(ظ). ٢٢٠ سورة البقرة : الآية ١٨٧ عبد الملك: يَخرج إلى الجمعة فيَشهدُها، ويرجعُ مكانَه، ويصحُّ اعتكافُه(١). قلت: وهو الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِى الْمَسِدِ﴾ فعمَّ. وأجمع العلماء على أن الاعتكافَ ليس بواجب، وأنه سُنَّة، وأجمع الجمهورُ من الأئمة على أن الجمعةَ فرضٌ على الأعيان، ومتى اجتمع واجبان أحدُهما آكدُ من الآخر قُدِّم الآكدُ؛ فكيف إذا اجتمع مندوبٌ وواجب، ولم يقل أحدٌ بترك الخروج إليها، فكان الخروج إليها في معنى حاجة الإنسان. الثانية والثلاثون: المعتكفُ إذا أتى كبيرةً فَسدَ اعتكافُه؛ لأن الكبيرة ضدُّ العبادة، كما أن الحَدَث ضدُّ الطهارة والصلاة، وتَرْكُ ما حرَّم الله تعالى عليه أعلى منازلِ الاعتكاف في العبادة. قاله ابنُ خُوَيْزِ مَنْدَاد عن مالك(٢). الثالثة والثلاثون: روى مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله و 38- إذا أراد أن يعتكفَ صلَّى الفجرَ، ثم دخل مُعتكفَه، الحديث(٣). واختلف العلماء في وقت دخول المعتكف في اعتكافه، فقال الأوزاعيُّ بظاهر هذا الحديث، ورُوِيّ عن الثوريِّ واللیثِ بن سعد في أحدٍ قولیه، وبه قال ابن المنذر وطائفةٌ من التابعين. وقال أبو ثور: إنما يفعل هذا مَن نذر عشرةَ أيام، فإن زادَ عليها فقَبْلَ غروب الشمسِ. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابُهم: إذا أوجبَ على نفسه اعتكافَ شهرٍ، دخل المسجدَ قبل غروب الشمس من ليلةٍ ذلك اليوم. قال مالك: وكذلك كلُّ مَن أراد أن يعتكفَ يوماً أو أكثر. وبه قال أبو حنيفة وابنُ الماجِشون عبدُ الملك؛ لأن أوَّلَ ليلةٍ أيام الاعتكاف داخلةٌ فيها، وأنه زمنٌ للاعتكاف فلم يتبغّض كاليوم. وقال الشافعيّ: إذا قال: للهِ عليَّ [اعتكافُ] يومٍ دخلَ قبل طلوع الفجرِ، وخرج بعد غروب الشمس؛ خلافُ قولِه في الشهر. وقَال الليثُ في أحد قولَيه وزُفَرُ: يدخلُ قبل طلوع الفجر، والشهرُ واليومُ عندهم سواء. ورُوي مثلُ ذلك عن (١) الكافي ٣٥٣/١. (٢) التمهيد ٣٢٩/٨. (٣) صحيح مسلم (١١٧٣)، وهو في مسند أحمد (٢٥٨٩٧).