النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سورة البقرة : الآية ١٨٦
فقد دلَّك على صحة ما تقدَّم من اجتناب الاعتداء المانع من الإجابة حيث قال فيه:
((ما لم يَدْعُ بإثمٍ، أو قطيعةِ رَحِم)) وزاد مسلم: ((ما لم يَستعجل))، رواه(١) عن أبي
هريرة عن النبيِّ وَّهِ أنه قال: ((لا يزالُ يُستجابُ للعبد ما لم يَدْعُ بإثم أو قطيعةِ رَحِم
ما لم يَستعجِل)) قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: ((يقول: قد دَعَوْتُ وقد
دَعَوْتُ، فلم أرَ يُستجابُ(٢) لي، فَيَسْتَحْسِرُ عند ذلك ويَدَعُ الدعاءَ)).
وروى البخاريُّ ومسلم وأبو داود(٣) عن أبي هريرة أن رسول الله وَل قال:
(يُستجابُ لأحدكم ما لم يَعْجَلْ، يقول: دَعوتُ فلم يُسْتَجَبْ لي)).
قال علماؤنا رحمة الله عليهم: يحتمل قولُه: ((يُستجابُ لأحدكم)) الإخبارَ عن
[وجوب](٤) وقوع الإجابة، والإخبارَ عن جواز وقوعها، فإذا كان بمعنى الإخبارِ
عن الوجوب والوقوع؛ فإن الإجابة تكون بمعنى الثلاثة الأشياء المتقدِّمة، فإذا قال:
((قد دعوت فلم يُستجب لي))، بطل وقوعُ(٥) أحدٍ هذه الثلاثة الأشياء، وعَرِيَ الدعاءُ
من جميعها، وإن كان بمعنى جوازٍ الإجابةِ، فإن الإِجابةَ حينئذٍ تكون بفعل ما دعا
به خاصَّةً، ويمنعُ من ذلك قولُ الداعي: ((قد دعوتُ فلم يُستجب لي))؛ لأن ذلك من
باب القُنوط، وضَعْفِ اليقين، والسُّخْط.
قلت: ويمنع من إجابة الدعاء أيضاً أكلُ الحرام وما كان في معناه، قال ◌َّى:
((الرجل يُطِيلُ السَّفَرَ، أشْعَثَ أغْبَرَ، يمدُّ يَدَيْه إلى السماء: يا رَبّ، يا رَبّ، ومَطعَمُه
حرام ومشرَبُه حرام، وملبَسُه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجابُ لذلك؟!))(٦)
وهذا استفهامٌ على جهة الاستبعاد من قَبولِ دعاءِ مَنْ هذه صفتُه، فإن إجابةَ الدُّعاءِ
لا بدَّ لها من شروط في الداعي، وفي الدعاء، وفي الشيء المدعوِّ به، فمن شَرْط
(١) في صحيحه (٢٧٣٥): (٩٢).
(٢) في (م): يستجيب.
(٣) صحيح البخاري (٦٣٤٠)، وصحيح مسلم (٢٧٣٥): (٩٠) (٩١)، وسنن أبي داود (١٤٨٤)، وهو في
مسند أحمد (١٠٣١٢).
(٤) ما بين حاصرتين من المنتقى للباجي ٣٥٧/١، والكلام منه. وانظر إكمال المعلم ٢٣١/٨-٢٣٢.
(٥) في المنتقى وإكمال المعلم: وجوب.
(٦) سلف تخريجه ص ٢١ من هذا الجزء.

١٨٢
سورة البقرة : الآية ١٨٦
الداعي أن يكون عالماً بأن لا قادرَ على حاجته إلا الله، وأن الوسائطَ في قبضته،
ومسخّرةٌ بتسخيره، وأن يدعوَ بنَّةِ صادقة، وحضورٍ قلبٍ، فإن الله لا يستجيبُ دعاءً
من قلبٍ غافلٍ لاهٍ، وأن يكون مجتنباً لأكل الحرام، وألا يملَّ من الدعاء. ومن
شَرط المدعوِّ فيه أن يكون من الأمور الجائزةِ الطَّلبِ والفعلِ شرعاً، كما قال: ((ما
لم يَدْعُ بإثم أو قطيعةِ رَحِم)» فيدخل في الإثم كلُّ ما يأثمُ به من الذنوب، ويدخل في
[قطيعةٍ] الرَّحِم جميعُ حقوق المسلمين ومظالِمِهم(١).
وقال سهلُ بن عبد الله التُّسْتَرِيُّ: شروطُ الدعاء سبعةٌ: أوَّلَها التضرُُّ،
والخوفُ، والرجاءُ، والمداومةُ، والخشوعُ، والعمومُ، وأكلُ الحلال.
وقال ابن عطاء: إن للدعاء أركاناً وأجنحةً وأسباباً وأوقاتاً، فإن وافق أركانَه
قَوِيَ، وإن وافقَ أجنحتَه طار في السماء، وإن وافقَ مواقيتَه فاز، وإن وافقَ أسبابَه
أَنجَحَ، فأركانُه: حضورُ القلب، والرأفةُ، والاستكانةُ، والخشوعُ، وأجنحتُه
الصدقُ، ومواقيتُهُ الأَسحارُ، وأسبابُه الصلاةُ على محمد نَّهِ.
وقيل: شرائطُه أربع: أولُها حِفظُ القلبِ عند الوَحدة، وحفظُ اللسانِ مع
الخلقِ، وحفظُ العينِ عن النظرِ إلى ما لا يَحِلُّ، وحفظُ البطنِ من الحرام.
وقد قيل: إن من شَرْط الدعاء أن يكون سليماً من اللَّحنِ؛ كما أنشد
بعضهم(٢) :
ينادي ربَّه باللَّحن لَيْتٌ
كذاك إذا دعاه لا يجيب
وقيل لإبراهيم بن أدهم: ما بالُنا(٣) ندعو فلا يُستجابُ لنا؟ قال: لأنكم
عرفتُم اللّهَ فلم تُطيعوه، وعرفتُم الرسولَ فلم تتَبعوا سُنَّتَه، وعرفتُم القرآنَ فلم تعملوا
به، وأكلتُم نِعَمَ الله فلم تؤدُّوا شُكرَها، وعرفتُم الجنةَ فلم تطلبوها، وعرفتُم النارَ
فلم تهربوا منها، وعرفتُم الشيطانَ فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتُم الموتَ فلم
(١) المفهم ٦٢/٧-٦٣، وما بين حاصرتين منه، وقوله: إن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه، إشارة
إلى حديث عبد الله بن عمرو أخرجه أحمد (٦٦٥٥)، وحديث أبي هريرة أخرجه الترمذي (٣٤٧٩).
(٢) هو الأصمعي، كما في شأن الدعاء للخطابي ص ٢٠.
(٣) في (خ) و(ظ): ما لنا.
٠٠

١٨٣
سورة البقرة : الآية ١٨٦
تستعدُّوا له، ودفنتُم الأمواتَ فلم تعتبروا، وتركتُم عيوبكم واشتغلتُم بعيوب
الناس(١).
وقال عليٍّ رضي الله عنه لنَوْف البِكَالِيّ: يا نَوْف، إن الله أوحى إلى داود: أن
مُرْ بني إسرائيل ألَّا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بقلوبٍ طاهرة، وأبصارٍ خاشعة، وأيدٍ
نقيَّة، فإني لا أستجيبُ لأحدٍ منهم، ما دام لأحد من خلقي عنده(٢) مَظْلِمة. يا
نوف، لا تكوننَّ شاعراً، ولا عَرِيفاً، ولا شُرطيّاً، ولا جابياً، ولا عَشَّاراً؛ فإنَّ داود
قام في ساعةٍ من الليل فقال: إنها ساعةٌ لا يدعُو عبدٌ إلَّا استُجيبَ له فيها، إلا أن
يكون عَرْيفاً، أو شُرطيًّا، أو جابياً، أو عَشَّاراً، أو صاحبَ عَرْطَبَةٍ - وهي الظُّنبور -
أو صاحبَ كُويةٍ، وهي الظَبلُ(٣).
قال علماؤنا: ولا يَقُل الداعي: اللهم أعطني إن شئتَ، اللهم اغفر لي إن
شئتَ، اللهم ارحمني إن شئتَ، بل يُعْرِي سؤالَه ودعاءَه من لفظ المشيئة، ويسألُ
سؤالَ مَنْ يعلم أنه لا يفعلُ إلا أن يشاء، وأيضاً فإن في قوله: ((إن شئت)) نوعاً (٤)
من الاستغناءِ عن مغفرته وعطائه ورحمته؛ كقول القائل: إن شئتَ أن تعطيَني كذا
فافعلْ، لا يُستعمَلُ هذا إلا مع الغنيِّ عنه، وأما المضطرُّ إليه فإنه يَعزِمُ مسألتَه(٥)،
ويسألُ سؤالَ فقيرٍ مضطرِّ إلى ما سَأله(٦).
روى الأئمة - واللفظ للبخاريِّ - عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: ((إذا
دعا أحدُكم فليَعْزِمِ المسألةَ، ولا يقولَنَّ: اللَّهُمَّ إن شئتَ فأعطني، فإنه لا مُسْتَكْرِهِ
(١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٨/ ١٥- ١٦، وذكره أبو الليث السمرقندي في تنبيه الغافلين ص٢٠٨
عن بعض الحكماء.
(٢) لفظ: عنده، ليس في (م).
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٧٩/١ و٥٣/٦، والخطيب في تاريخ بغداد ٧/ ١٦٢ مختصراً. وفي الموضع
الأول من الحلية إن الله أوحى إلى عيسى، وفي الثاني أنه أوحى إلى موسى، وسلف الشطر الأول منه
مرفوعاً من حديث حذيفة رضي الله عنه ٣٧٩/٢.
(٤) في النسخ: نوع، والصواب ما أثبتناه.
(٥) في (د) و(ز) و(م): في مسألته، والمثبت من (خ) و(ظ).
(٦) المنتقى للباجي ٣٥٦/١-٣٥٧.

١٨٤
سورة البقرة : الآية ١٨٦
له))(١). وفي ((الموطأ))(٢): ((اللَّهُمَّ اغفِرْ لي إن شئتَ، اللَّهُمَّ ارحمني إن شئت)).
قال علماؤنا: قولُه ((فليَعْزِم المسألةَ)) دليلٌ على أنه يَنبغي للمؤمن أن يجتهدَ في
الدعاء، ويكونَ على رجاءٍ من الإجابة، ولا يقنط من رحمة الله؛ لأنه يدعو كريماً.
قال سفيان بن عُيَيْنَة: لا يَمنعنَّ أحداً من الدعاءِ ما يعلمه من نفسه، فإن الله قد
أجاب دعاءَ شرِّ الخلق إبليس، قال ﴿رَبٍّ فَأَنَظِرْنِيِّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ
الْمُنظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٦-٣٧](٣).
وللدُّعاء أوقاتٌ وأحوالٌ يكون الغالبُ فيها الإِجابة، وذلك كالسَّحَر ووقتٍ
الفِطْر، وما بين الأذانِ والإِقامة، وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء، وأوقاتٍ
الاضطرار، وحالةِ السَّفَر والمَرضِ، وعند نزول المطر، والصَّفِّ في سبيل الله (٤).
كلُّ هذا جاءت به الآثار، ويأتي بيانُها في مواضعها.
وروى شَهْر بن حَوْشَب أن أمَّ الدّرداء قالت له: يا شَهْر، ألا تجد القُشَعْريرة؟
قلت: نعم. قالت: فادع الله، فإن الدعاء مستجابٌ عند ذلك(٥).
وقال جابر بن عبد الله: دعا رسول الله صل﴾ في مسجد الفتح ثلاثاً: يوم
الاثنين، ويوم الثلاثاء، فاستُجيبَ له يومَ الأربعاء بين الصلاتين، فعرفتُ السرورَ
في وجهه. قال جابر: ما نزل بي أمْرٌ مُهِمٌّ غليظٌ إلا تَوَخَّيتُ تلك الساعة، فأدعو
فيها؛ فأعرف الإجابة(٦).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَلَسْتَجِيبُواْ لِى﴾ قال أبو رجاء الخراسانيُّ: فَلْيَدْعُوا لي(٧).
(١) أخرجه أحمد (١١٩٨٠)، والبخاري (٦٣٣٨)، ومسلم (٢٦٧٨).
(٢) ٢١٣/١، وأخرجه أحمد (٧٣١٤)، والبخاري (٦٣٣٩)، ومسلم (٢٦٧٩).
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١١٤٧).
(٤) انظر المنهاج للحليمي ٥٢٢/١، وشعب الإيمان للبيهقي ٤٣/٢ -٥٦.
(٥) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١١٣٨) عن أمّ الدرداء، وأخرجه الطبري ٢٩/١١ عن أبي الدرداء.
وشهر: صدوق كثير الإرسال والأوهام، كما ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب.
(٦) أخرجه أحمد (١٤٥٦٣)، وفيه كثير بن زيد، قال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ، وعبد الله بن
عبد الرحمن بن كعب بن مالك، في عداد المجهولين، انظر تعجيل المنفعة ١/ ٧٥٠.
(٧) المحرر الوجيز ٢٥٦/١، والكلام الذي بعده منه، وأخرج الأثر الطبري ٢٢٦/٣. وأبو رجاء هو=

١٨٥
سورة البقرة : الآية ١٨٦
وقال ابن عطيّة: المعنى: فليطلبوا أن أجيبَهم. وهذا هو باب ((استفعل)) أي: طلبَ
الشيء، إلا ما شَذَّ، مثل: استغنى الله، وقال مجاهد وغيرُه: المعنى: فليجيبوا لي(١)
فيما دعوتُهم إليه من الإيمان، أي: الطاعة والعمل(٢). ويقال: أجاب واستجابَ
بمعنَّى، ومنه قول الشاعر :
فلم يستَجِبْهُ عند ذاك مُجيبُ(٣)
أي: لم يُجِبْه (٤)، والسينُ زائدة.
واللامُ لامُ الأمر، وكذا ((وَلْيؤْمِنُوا)) وجَزَمت لامُ الأمر لأنها تجعلُ الفعلَ
مستقبلاً لا غير، فأشبهت ((إنْ)) التي للشرط، وقيل: لأنها لا تقعُ إلا على
الفعل(٥) .
والرَّشاد خلافُ الغَيِّ، وقد رَشَد يَرْشُد رُشْداً، ورَشِدَ - بالكسر - يَرْشَد رَشَداً،
لُغةٌ فيه، وأرشَدَه الله. والمَرَاشِد: مقاصد الظُّرُق، والطريقُ الأرْشَد: نحو الأقْصَد،
وتقول: هو لِرِشْدَةٍ، خلافُ قولِك: لِزِنْيَة، وأمُّ راشد: كُنيةٌ للفأرة، وبنو رَشْدان:
(٦)
بطن من العرب، عن الجوهري
وقال الهَرَوِي (٧): الرُّشْد والرَّشَد والرَّشادُ: الهُدى والاستقامة، ومنه قوله:
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ .
= عبد الله بن واقد، روى له ابن ماجه، وكان ثقة، توفي بعد الستين ومئة. تهذيب التهذيب ٢/ ٤٥٠.
(١) في (م): إلي.
(٢) المحرر الوجيز ٢٥٦/١، وأخرجه الطبري ٢٢٦/٣.
(٣) البيت لكعب بن سعد الغنوي كما في الأصمعيات ص٩٦، وتفسير الطبري ٣٣٥/١ و٢٢٦/٣، وأمالي
القالي ١٥١/٢، وصدره: وداع دعا يا مَنْ يجيبُ إلى النَّدى.
(٤) المحرر الوجيز ٢٥٦/١.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٩/١.
(٦) الصحاح (رشد).
(٧) الغريبين ٢/ لوحة ٥٠، والهروي: هو أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن، أبو عُبيد، الشافعي
اللغوي، صاحب (الغريبين)) غريب القرآن والحديث، توفي سنة (٤٠١هـ). سير أعلام النبلاء ١٤٦/١٧.

١٨٦
سورة البقرة : الآية ١٨٧
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ
◌ِبَاسُ أَهُنُّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنَكُمْ
قَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ
اُلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَنِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ
عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدُّ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوُهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ
MY
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
فيه ست وثلاثون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿أُلَّ لَكُمْ﴾ لفظُ ((أُحِلَّ» يقتضي أنه كان محرَّماً قبل
ذلك ثم نُسخ(١).
روى أبو داود (٢) عن ابن أبي لَيْلَى قال: وحدثنا أصحابُنا، قال: وكان الرجلُ
إذا أفطر فنام قبل أن يأكلَ لم يأكل حتى يُصبح، قال: فجاء عمر فأراد امرأته
فقالت: إني قد نمتُ، فظنَّ أنها تَعتلُّ فأتاها، فجاء رجل من الأنصار، فأراد طعاماً
فقالوا: حتى نُسخِّنَ لك شيئاً، فنام، فلما أصبحوا أُنزلت عليه(٣) هذه الآية، وفيها:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾.
وروى البخاريُّ(٤) عن البراء قال: كان أصحابُ محمد ◌َّ إذا كان الرجلُ
صائماً، فحضر الإفطارُ، فنام قبل أن يُفطِرَ، لم يأكلْ ليلتَه ولا يومَه حتى يُمْسِيَ،
وإنَّ قَيْس بنَ صِرْمةً الأنصاريَّ كان صائماً - كان يعمل(٥) في النخيل بالنهار وكان
صائماً - فلما حضر الإِفطار أتى امرأتَه فقال لها: أعندك طعامٌ؟ قالت: لا، ولكن
أنطلقُ فأطلبُ لك، وكان يومَه يعملُ، فغلبتْه عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت:
(١) المحرر الوجيز ٢٥٦/١.
(٢) في سننه (٥٠٦) مطولاً، وهو في مسند أحمد (٢٢١٢٤) من طريق أخرى.
(٣) لفظ عليه، ليس في (م).
(٤) في صحيحه (١٩١٥)، وهو في مسند أحمد (١٨٦١١).
(٥) في (م): كان صائماً وفي رواية كان يعمل.

١٨٧
سورة البقرة : الآية ١٨٧
خَيْبةً لك! فلما انتصَفَ النهارُ غُشِيَ عليه، فذكر ذلك للنبيّ وَّهِ، فنزلت هذه الآية:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الْصِيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ ففرحوا فَرَحاً شديداً، ونزلت: ﴿وَكُوا
وَأَشْرَبُواْ حَّ يَتَبَيَّنَ لَّكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَمْوَدِ مِنَ الْفَجْرِّ﴾ .
وفي البخاريّ(١) أيضاً عن البَرَاء قال: لما نزلَ صومُ رمضان، كانوا لا يقربون
النساءَ رمضانَ كلَّه، وكان رجالٌ يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ
أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ .
يُقال: خان واختان بمعنّى، من الخيانة، أي: تخونون أنفسَكم بالمباشرة في
ليالي الصوم، ومَنْ عصى اللهَ فقد خان نفسَه إذ جلبَ إليها العقاب.
وقال القُتَبيُّ: أصلُ الخيانةِ أن يُؤْتَمِنَ الرجلُ على شيءٍ، فلا يؤدِّيَ الأمانةَ
فیه(٢).
وذكر الطبريُ (٣): أن عمر رضي الله عنه رجع من عند النبيِّي ◌َّ وقد سَمَرَ عندَه
ليلةً، فوجدَ امرأتَه قد نامت، فأرادها، فقالت له: قد نمتُ، فقال لها: ما نمتٍ،
فوقعَ بها. وصنعَ كعبُ بن مالك مثلَه، فغدا عمر على (٤) النبيِّ وَّهِ، فقال: أعتذرُ
إلى الله وإليك؛ فإن نفسي زيَّنت لي فواقعتُ أهلي، فهل تجدُ لي من رُخصة؟ فقال
له (٥): ((لم تكن حقيقًا بذلك يا عمر)). فلما بلغ بيته أرسل إليه، فأنبأه بعُذره في آية
من القرآن.
وذكره النحاسُ ومكيّ، وأن عمر نام، ثم وقعَ بامرأته، وأنه أتى النبي ◌َِّ،
فأخبره بذلك، فنزلت ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَّخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَمَا
عَنكُمْ فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ الآية (٦).
(١) برقم (٤٥٠٨).
(٢) تأويل مشكل القرآن ص ٣٦٥، وانظر تفسير أبي الليث ١٨٦/١.
(٣) في تفسيره ٢٣٦/٣-٢٣٧ من حديث ابن عباس وكعب بن مالك رضي الله عنهم، وهو في مسند أحمد
(١٥٧٩٥) من حدیث کعب.
(٤) في (ظ): إلى.
(٥) في (د) و(ز) و(م): لي.
(٦) المحرر الوجيز ٢٥٧/١ (وعنه نقل المصنف)، قال ابن عطية: وهذا عندي بعيد على عمر رضي الله عنه.

١٨٨
سورة البقرة : الآية ١٨٧
الثانية: قوله تعالى: ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ ((ليلةَ)) نصب على الظَّرف، وهي
اسمُ جنس، فلذلك أُفردت.
والرَّفَث: كنايةٌ عن الجماع؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ كريمٌ يَكْنِي، قاله ابن عباس
والسُّدّي(١).
وقال الزجَّاج(٢): الرَّفَتُ كلمةٌ جامِعةٌ لكلِّ ما يريد الرجلُ من امرأته، وقاله
الأزهريُّ أيضاً(٣) .
وقال ابنُ عَرفةَ: الرَّفثُ هاهنا الجماع، والرَّفَثُ: التصريحُ بذكر الجماع
والإعرابُ به(٤). قال الشاعر:
ويُرَيْن من أُنْسِ الحديثِ زوانياً وبهنَّ عن رَفتِ الرجالِ نِفَارُ(٥)
وقيل: الرَّفتُ أصلُه قولُ الفُحش، يقال: رَفَث وأرفَثَ: إذا تكلّم بالقبيح(٦)،
ومنه قول الشاعر:
عن اللَّغا ورَفَتِ الشَّكلُّم(٧)
ورَبِّ أسرابٍ حَجيجٍ كُثَّمٍ
(١) المحرر الوجيز ٢٥٦/١، وأخرج الأثرين الطبري ٢٢٩/٣-٢٣٠.
(٢) في معاني القرآن له ١/ ٢٥٥.
(٣) تهذيب اللغة ٧٧/١٥، ونقله عن الزجاج، وانظر إعراب القرآن للنحاس ٢٨٩/١.
(٤) الغريبين ٢ / لوحة ٥٥.
(٥) لم نقف عليه بهذا اللفظ، ونقله عنه أبو حيان في البحر المحيط ٢٧/٢، والسمين الحلبي في الدّر
المصون ٢٩٣/٢، والشوكاني في فتح القدير ١٨٦/١، وجاء في ديوان بشار المجموع ٥١٩/٢ بلفظ:
ويَصُدُّهُنَّ عن الخَنا الإسلامُ
يُحْسَبْنَ من لِين الحديث زوانياً
ونسبه إليه الجاحظ في البيان ٢٧٦/١ .
ونسبه القيرواني في زهر الآداب ١/ ٨٠، والثعالبي في ثمار القلوب ص٤٠٨ لعبد الله بن الحسن بن
الحسين بن علي، ونسبه السبكي في طبقات الشافعية ٢٦٦/١ لجرير، وليس في ديوانه، وأورده ابن
القيم في روضة المحبين صٍ ٢٤١ دون نسبة. وقبله في المصادر:
أُنْسٌ حرائرُ ما هَمَمْنَ بريبةٍ
كظِباء مكةً صيدُهُنَّ حرامُ
وجاء في زهر الآداب: دوانياً، بدل: زوانياً، وهي رواية أجود وأدخل في لغة الشعر، والله أعلم.
(٦) تفسير الرازي ١١٥/٥، وانظر تهذيب اللغة ١٥/ ٧٧.
(٧) الرَّجز للعجّاج، وهو معطوف على ما قبله، وهو في مجاز القرآن ١/ ٧٠، وتهذيب اللغة ٧٧/١٥،=

١٨٩
سورة البقرة : الآية ١٨٧
وتعدَّى ((الرَّفَثُ)) بإلى في قوله تعالى جدُّه: ﴿الَرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾. وأنت لا
تقول: رَفَثْتُ إلى النساء، ولكنه جيءَ به محمولاً على الإفضاء(١) الذي يُراد به
المُلاَبَسة (٢) في مثل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]. ومن
هذا المعنى: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤] كما تقدّم(٣). وقولُه: ﴿يَوْمَ يُحْمَى
عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٣٥] أي: يُوقد، لأنك تقول: أحميتُ الحديدةَ في النار، وسيأتي،
ومنه قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] حُمل على معنى: ينحرفون
عن أمره، أو: يروغون عن أمره؛ لأنك تقول: خالفتُ زيداً. ومثلُه قولُه تعالى:
﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] حُمل على معنى رَؤوف في نحو:
﴿بَلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، ألا ترى أنك تقول: رَؤُفْتُ به، ولا
تقول: رَحِمْتُ به، ولكنه لمَّا وافقَه في المعنى، نُزِّلَ منزلته في التَّعدية. ومن هذا
الضرب قول أبي گبير الهُذَلِيّ :
حَمَلَتْ به في ليلةٍ مَزْؤُودَةٍ كُرْهاً وعَقدُ نِطاقها لم يُحلَلِّ(٤)
عدَّى ((حمَلتْ)) بالباء، وحقُّه أن يصلَ إلى المفعول بنفسه، كما جاء في
التنزيل :
[الأحقاف: ١٥] ولكنه قال: حملت به،
گُؤْمًا.
ووضعتْهُ
ـَتْهُ
لأنه في معنی حپلت به(٥) .
= والصحاح (رفث)، وتفسير الطبري ٢٣٠/٣ و٣٤/٤، ومعاني القرآن للزجاج ٢٦٩/١، والمحتسب
٢٤٧/٢، والخصائص ٣٣/١، والنكت والعيون ٢٤٤/١، ومجمع البيان ١٢٨/٢، والمحرر الوجيز
٢٥٧/١. قوله: أسراب: جمع سِرْب، وهو الطائفة من القَطا والطّباء والشاء والبقر والنساء، وجعله
هنا للحُجَّاجِ، وكُظّم: جمع كاظم، وهو الساكت الذي أمسك لسانَه وأخبت، واللَّغَا: السَّقَط وما لا
يُعتَدُّ به من كلام أو يمين، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع. قاله الشيخ محمود شاكر في حواشي
الطبري ٤٨٩/٣.
(١) انظر معاني القرآن للأخفش ٣١٦/١.
(٢) في (خ) و(ظ): الملامسة.
(٣) ٣١٢/١.
(٤) شرح أشعار الهذليين ص ١٠٧٢ ، وتخريجه فيه ص ١٤٨٥، قوله: مَزْؤودة، يعني فَزِعة، أُكرِهت فلم تحلّ
نطاقها. قاله الأصمعي، وأبو كبير: شاعر صحابي، واسمه عامر بن الحُلَيس. خزانة الأدب ٢٠٩/٨.
(٥) من قوله: وتعدى الرفث بإلى، إلى هذا الموضع في أمالي ابن الشجري ٢٢٣/١-٢٢٤.

١٩٠
سورة البقرة : الآية ١٨٧
الثالثة: قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ، وشُدِّدت النون من ((هنَّ))
لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر(١).
﴿وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ أصلُ اللباس في الثياب، ثم سُمِّيَّ امتزاجُ كلِّ واحدٍ من
الزوجين بصاحبه لباساً، لانضمام الجسدِ إلى الجسد (٢) وامتزاجِهما وتلازُمِهما،
تشبيهاً بالثوب. وقال النابغةُ الجَعْدِيُّ:
تَداعَتْ فكانت عليه لِباسَا(٣)
إذا ما الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَها
وقال أيضاً :
لَبِستُ أناساً فأفنيتُهمْ وأقْنيتُ بعد أُناسٍ أناسًا(٤)
وقال بعضُهم: يُقال لِما سترَ الشيءَ وواراه(٥): لِباس، فجائزٌ أن يكون كلُّ
واحدٍ منهما سِتراً لصاحبه عمَّا لا يحلُّ، كما ورد في الخبر(٦).
وقيل: لأن كلَّ واحدٍ منهما سترٌ لصاحبه فيما يكون بينهما من الجماع عن (٧)
أبصار الناس.
(١) إعراب القرآن ٢٨٩/١-٢٩٠.
(٢) لفظ: إلى الجسد، ليس في (م).
(٣) المحرر الوجيز ٢٥٧/١، وتفسير الطبري ٢٣١/٣، والبيت في ديوانه ص٨١، وروايته: تَثَنَّتْ عليه
فكانت لباسا، وقد سلف ٢/ ٢٠.
(٤) هو البيت الأول من قصيدة البيت السابق، كما في ديوانه ص٧٦.
(٥) في (م): وداراه!
(٦) ولفظه: ((مَنْ تزوَّج فقد أحرز ثلثي دينه)) كما ذكره البغوي في تفسيره ١/ ١٥٧، وعنه نقل المصنف،
ولم نقف على هذا اللفظ، وأخرج الطبراني في الأوسط (٩٧٦)، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٦١،
والبيهقي في شعب الإيمان (٥٤٨٦) و(٥٤٨٧)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٠٠٥) عن
أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله و 98: ((إذا تزوج العبد فقد كمل نصف الدين
فليتق الله في النصف الباقي)). قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، فتعقبه الذهبي - كما في
فيض القدير ٦/ ١٣٧ - بأن فيه زهير بن محمد، وثق لكن له مناكير، وضعّف إسناده الحافظ ابن حجر
في التلخيص الحبير ١١٧/٣، وقال ابن الجوزي: هذا الحديث لا يصح عن رسول الله، وإنما يذكر
عنه، وفيه آفات.
(٧) في (د) و(ز) و(م): من، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما ورد في تفسير الرازي ١١٦/٥.

١٩١
سورة البقرة : الآية ١٨٧
وقال أبو عُبيد وغيره: يُقال للمرأة: هي لباسُك وفراشُك وإزارُك(١). قال رجل
لعمر بن الخطاب:
أَلَّا أَبْلِغْ أبا حَفصٍ رسولاً فِدّى لك من أخي ثِقَةٍ إزاري(٢)
قال أبو عُبيد: أي: نسائي، وقيل: نفسي.
وقال الربيع: هُنَّ فراشٌ لكم، وأنتم لِحافٌ لهنَّ. مجاهد: أي: سَكِنٌ لكم،
أي: يسكن بعضُكم إلى بعض (٣).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَّخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ أي:
يستأمِرُ(٤) بعضكم بعضاً في مواقعة المحظورِ من الجماع، والأكلِ بعد النوم في
ليالي الصوم، كقوله تعالى: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] يعني: يقتلُ بعضُكم
بعضاً، ويحتمل أن يُريد به كلَّ واحدٍ منهم في نفسه بأنه يخونُها، وسمّاه خائناً لنفسه
من حيثُ كان ضررُه عائداً عليه، كما تقدَّم.
وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: قَبولُ التوبةِ من خيانتهم
لأنفسهم، والآخر: التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ
تُحْصُوهُ فَنَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] يعني خفّف عنكم، وقوله عَقيب القتل الخطأ:
﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيّنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَّوْبَةٌ مِّنَ اَللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢]، يعني
تخفيفاً، لأن القاتل خطأً لم يفعل شيئاً تلزمُه التوبةُ منه، وقال الله تعالى: ﴿لَّقَد
تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِنَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْمُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧]،
وإن لم يكن من النبيِّ نَلَّ ما يُوجب التوبةَ منه.
(١) تفسير البغوي ١/ ١٥٧ وفيه: أبو عبيدة، وكلامه في مجاز القرآن ١/ ٦٧.
(٢) البيت لبُقَيلة - وقيل: نُفَيلة - الأكبر الأشجعي أبي المنهال كما في الإصابة ٣٦٨/١، واللسان (أزر) في
أبيات وقصة، وهو في تأويل مشكل القرآن ص١٠٨ و٢٠٥، وغريب الحديث كلاهما لابن قتيبة
(٤١٢)، والحجة للفارسي ٨٢/٥، والصحاح (أزر)، وتهذيب اللغة ٣٦٩/٨، ومعاني القرآن للزجاج
٢٥٦/١، والعفو والاعتذار للرقّام البصري ص٢٩٧، وزاد المسير ١٩٢/١، ومجمع البيان ١٢٨/٢
دون نسبة.
(٣) أخرجهما الطبري ٢/ ٢٣٢ .
(٤) في أحكام القرآن للكيا الطبري ١/ ٧١ (والكلام منه): يُسامر، وانظر أحكام القرآن للجصاص ٢٢٧/١.

١٩٢
سورة البقرة : الآية ١٨٧
وقوله: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ يحتملُ العفوَ من الذنب(١)، ويحتملُ التّوسعةَ
والتسهيلَ، كقول النبيِّ وَّهِ: ((أوَّلُ الوقتِ رضوانُ الله، وآخرُه عَفْوُ الله))(٢) يعني:
تسهيلَه وتوسعتَه. فمعنى ((عَلِمَ اللهُ) أي: عَلم وقوعَ هذا منكم مشاهدة، ((فَتَابَ
عَلَيْكُمْ)) بعد ما وقع، أي: خفَّفَ عنكم، ((وَعَفَا)) أي: سَهَّلَ، و((تَخْتَانُونَ)) من
الخيانة، كما تقدَّم.
قال ابن العربي(٣): وقال علماء الزهد: هكذا(٤) فلتكن العنايةُ وشرفُ المنزلة،
خان نفسَه عمرُ رضي الله عنه، فجعلها الله تعالى شريعةً، وخفّف من أجله عن
الأمة، رضي الله عنه وأرضاه.
قوله تعالى: ﴿فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ كنايةٌ عن الجِماعِ، أي: قد أُحلَّ لكم ما حُرِّم
عليكم، وسمّى الوِقاع مباشرةً لتلاصُقِ البشرتين فيه. قال ابن العربي(٥): وهذا يدلُّ
على أن سببَ الآية جماعُ عمر رضي الله عنه لا جوع قَيسٍ؛ لأنه لو كان السببُ
جوعَ قَيْسٍ لقال: فالآن كلوا، ابتدأ به لأنه المهمُّ الذي نزلت الآيةُ لأجله.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد،
والحَكّم بن عُتَيْبة(٦)، وعكرمة، والحسن، والسُّديُّ، والربيع، والضحاك: معناه
وابتغوا الولد(٧)، يدلُّ عليه أنه عَقيب قوله: ﴿فَلْتَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾.
وقال ابن عباس: ما كتب الله لنا هو القرآن(٨). الزجّاج: أي: ابتغوا(٩) القرآنَ
بما أُبِحَ لكم فيه وأُمِرتُم به.
(١) في أحكام القرآن للكيا الطبري ١/ ٧٢: عن المذنب.
(٢) سلف تخريجه ٢/ ٤٥١ .
(٣) في أحكام القرآن ١/ ٩١.
(٤) في (م): وكذا.
(٥) في أحكام القرآن ١/ ٩١.
(٦) في (د) و(ز) و(م): عيينة، وهو خطأ.
(٧) المحرر الوجيز ٢٥٧/١، وأخرج الآثار الطبري ٢٤٤/٣-٢٤٦.
(٨) لم نقف عليه.
(٩) كذا في النسخ الخطية وتفسير أبي الليث ١٨٦/١ (وعنه نقل المصنف كلام الزجاج)، وفي معاني
القرآن للزجاج ٢٥٦/١، وعنه زاد المسير ١٩٢/١: اتبعوا.

١٩٣
سورة البقرة : الآية ١٨٧
ورُوي عن ابن عباس ومعاذ بن جبل أن المعنى: وابتغوا ليلةَ القدر. وقيل:
المعنى: اطلبوا الرُّخصةَ والتوسِعةَ، قاله قتادة. قال ابن عطية (١): وهو قولٌ حسنٌ.
وقيل: ابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لكم من الإِماء والزَّوْجات.
وقرأ الحسن البصريُّ ومعاوية (٢) بن قُرَّة: ((واتَّبِعوا)) من الاتِّباع، وجوَّزها ابنُ
عباس، ورجّح ((ابتغوا)) من الابتغاء(٣).
السادسة: قوله تعالى: ﴿وگُوا وَاشْرَبُوا﴾ هذا جوابُ نازِلَةٍ قَيْس، والأول جوابُ
عمر، وقد ابتدأ بنازلةِ عمر؛ لأنه المهمُّ، فهو المقدَّم(٤).
السابعة: قوله تعالى: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِّ﴾
((حتَّى)) غايةٌ للتبيين، ولا يصحُّ أن يقعَ التبيينُ لأحدٍ ويُحرَّمَ عليه الأكلُ إلا وقد
مضى لطلوع الفجر قدرٌ.
واختُلف في الحدِّ الذي بتبيُّنِه يجبُ الإِمساك، فقال الجمهور: ذلك الفجرُ
المعترِضُ في الأُفُقِ يَمْنَةً ويَسْرةً، وبهذا جاءت الأخبارُ، ومضت عليه الأمصار(٥).
روى مسلم عن سَمُرةً بن جُنْدُب رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّ ت: ((لا
يَغُرَّنَّكم من سَحوركم أذانُ بلال، ولا بياضُ الأفُقِ المستطيلِ هكذا، حتى يَستطيرَ
هكذا)). وحكاه حمَّاد بيديه فقال: يعني معترِضًا (٦).
وفي حديث ابن مسعود: ((إن الفجرَ ليس الذي يقولُ هكذا - وجمع أصابعَه ثم
(١) المحرر الوجيز ٢٥٧/١-٢٥٨ والكلام الذي قبله منه، وأخرج الآثار السابقة الطبري ٢٤٦/٣ -٢٤٧.
(٢) في النسخ الخطية و(م): والحسن بن قرة، وهو خطأ، والمثبت من المحرر الوجيز ٢٥٨/١، والبحر
المحيط ٥٠/٢. ومعاوية بن قرة هو: أبو إياس المزني البصري، أخرج له الجماعة، وهو ثقة، توفي
سنة (١١٣ هـ)، تهذيب التهذيب ٤/ ١١٢.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٧١/١، وتفسير الطبري ٢٤٧/٣، والكشاف ٣٣٨/١، وتفسير الرازي ١١٩/٥.
ونسبها ابن خالويه لابن عباس، وتحرفت في مطبوعه إلى: ((وابْتِغُوا)) (كذا).
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٩١.
(٥) المحرر الوجيز ٢٥٨/١.
(٦) صحيح مسلم (١٠٩٤): (٤٣)، وهو في مسند أحمد (٢٠٠٧٩). قوله: يستطير، أي: ينتشر، والفجر
المستطير: هو الذي انتشر ضوؤه، واعترض في الأفق، بخلاف المستطيل. النهاية (طير). وحماد.
المذکور: هو ابن زید أحد رجال الإسناد.

١٩٤
سورة البقرة : الآية ١٨٧
نكَسها إلى الأرض - ولكنِ الذي يقول هكذا)) ووَضع المُسَبِّحَة على المُسَبِّحَة، ومَدَّ
یدیه(١).
وروى الدَّارَقُطْنيُّ عن عبد الرحمن بن عائش(٢) أنه بلغه أن رسول الله وَّ قال:
«هما فجران: فأما الذي هو كذَنَب السِّرْحان(٣)؛ فإنه لا يُحِلُّ شيئاً ولا يُحرِّمُه، وأما
المستطيلُ(٤) الذي عارض الأُفُقَ؛ ففيه تَحلُّ الصلاة ويَحرُم الطعام)) هذا مرسَل(٥).
وقالت طائفة: ذلك بعد طلوع الفجر، وتبيّنِه في الظُرُق والبيوت، رُوِيَ ذلك عن
عثمان(٦) وحذيفة، وابن عباس، وطَلْقٍ بن عليّ، وعطاء بن أبي رباح، والأعمش
سليمان، وغيرِهم، أن الإمساك يجب بتبيُّن(٧) الفجر في الطُرق وعلى رؤوس الجبال.
وقال مسروق: لم يكن يعدُّون الفجرَ فجركم، إنما كانوا يعدُّون الفجرَ الذي
يملأ البيوت(٨) .
وروى النسائيُّ(٩) عن عاصم، عن زِرّ، قيل(١٠) لحذيفة: أيَّ ساعةٍ تسخَّرتَ مع
رسول الله وَّه؟ قال: هو النهار إلا أن الشمسَ لم تطلُع.
(١) أخرجه أحمد (٣٦٥٤)، والبخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣) واللفظ له.
(٢) في النسخ الخطية: عابس، وفي (م): عباس، وكلاهما خطأ، والصواب في اسمه ما أثبتناه، وانظر
التعليق على الحديث.
(٣) في (م): كأنه ذنب السرحان، والسرحان: الذئب، ويقال: الأسد، وهو هنا الفجر الكاذب. تاج
العروس (سرح).
(٤) في (خ): المستطير.
(٥) في نسبة متن الحديث المذكور إلى ابن عائش وهم، فالمتن الذي ذكره المصنف لابن عائش (وهو من
الصحابة) إنما هو للحديث الذي بعده في سنن الدارقطني ١٦٥/٢: عن محمد بن عبد الرحمن بن
ثوبان (وهو من التابعين) أنه بلغه أن رسول الله وَ إ قال: ((هما فجران ... )) فوهم المصنف رحمه الله،
ونسب الحديث لغير راويه. وانظر تفسير الطبري ٥١٤/٣، وسنن البيهقي ٢١٥/٤، وعارضة الأحوذي
٢٢٥/٣-٢٢٦، والاستذكار ٢١٧/١-٢١٨، وإتحاف المهرة ٦١٨/١٠ و٦٤١/١٦.
(٦) في (م): عمر، والمثبت من النسخ الخطية، وهو موافق لما في المحرر الوجيز ١/ ٢٥٧ (وعنه نقل المصنف).
(٧) في (د) و(ز) و(م): بتبيين.
(٨) ذكره ابن قدامة في المغني ٣٢٥/٤، والنووي في المجموع ٣٤٢/٦، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢٧/٣،
والطبري ٢٥٢/٣ عن مسلم بن صُبيح.
(٩) في سننه ٤/ ١٤٢، وهو في مسند أحمد (٢٣٤٠٠).
(١٠) في (م): عن زرّ قال: قلنا.

١٩٥
سورة البقرة : الآية ١٨٧
وروى الدَّارَقُظْنِيُّ عن طَلْق بن عليٍّ أن نبيَّ الله وَّهِ قال: ((كلوا واشربوا، ولا
يَغُرَّنَّكُم الساطِعُ المُصعِدُ، وكلوا واشربوا حتى يعترضَ(١) لكم الأحمرُ)). قال
الدَّار قطنيُّ: [قيسُ بن طَلْق] ليس بالقوي، وقال أبو داود: هذا مما تفرَّد به أهلُ
اليمامة(٢).
قال الطبري(٣): والذي قادهم إلى هذا أن الصومَ إنما هو في النهار، والنهارُ
عندهم من طلوع الشمس، وآخرُه غروبُها، وقد مضى الخلافُ في هذا بين
اللُّغويين(٤).
وتفسيرُ رسول الله ◌َ﴿ ذلك بقوله: ((إنما هو سوادُ الليل وبياضُ النهار))(٥)
الفَيْصلُ في ذلك، وقوله ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾.
وروى الدَّارَقُطْنِيُّ عن عائشة رضي الله عنها، عن النبيِّ وَِّ قال: ((مَنْ لم يُبَيِّت
الصيامَ قبل طلوع الفجر فلا صيامَ له)). تفرَّد به عبدُ الله بنُ عبّاد، عن المفضَّل بنِ
فَضالة بهذا الإسناد، وكلُّهم ثقات(٦).
ورَوى عن حَفصة أن النبيَّ وَ ◌ّرَ قال: ((مَنْ لم يُجمِعِ الصيامَ قبل الفجر فلا صيام
له)»(٧). رفعه عبد الله بنُ أبي بكر، وهو من الثقات الرفعاء، ورُوي عن حفصة
موقوفاً (٨) من قولها، ففي هذين الحديثين دليلٌ على ما قاله الجمهور في الفجر،
(١) في (م): يعرض.
(٢) سنن الدارقطني ١٦٦/٢، وما بين حاصرتين منه، والحديث من رواية قيس بن طلق، عن أبيه طلق،
وهو في سنن أبي داود (٢٣٤٨)، ومسند أحمد (١٦٢٩١). قال الخطابي في معالم السنن ١٠٥/٢ :
الساطع: المرتفع، وسطوعها ارتفاعها مصعداً قبل أن يعترض، ومعنى الأحمر ههنا: أن يستبطن
البياضُ المعترضُ أوائل الحُمرة، وذلك أن البياض إذا تتامَّ طلوعُه ظهرت أوائل الحمرة.
(٣) في تفسيره ٥٣١/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز ٢٥٨/١.
(٤) ٤٩٢/٢ -٤٩٣.
(٥) سلف من حديث عديّ بن حاتم ٢/ ٤٩٣ .
(٦) سنن الدارقطني ٢/ ١٧١- ١٧٢، وعبد الله بن عباد، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١٨٩/٢ :
مجهول، وذكره ابن حبان في الضعفاء.
(٧) سنن الدارقطني ١٧٢/٢، وهو في مسند أحمد (٢٦٤٥٧)، وانظر الاختلاف في رفعه ووقفه ثمة.
(٨) في (د) و(م): مرفوعاً. وهو خطأ.

١٩٦
سورة البقرة : الآية ١٨٧
ومنعٌ من الصيام دون نيَّةٍ قبل الفجر، خلافاً لقول أبي حنيفة(١)، وهي:
الثامنة: وذلك أن الصيامَ من جُملة العبادات، فلا يصحُّ إلا بنيّة، وقد وقَّتها
الشارعُ قبل الفجر، فكيف يقال: إن الأكل والشرب بعد الفجر جائزٌ؟!
وروى البخاريُّ ومسلم (٢) عن سهل بن سعد قال: نزلت ﴿وَكُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ
لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَرِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. وكان رجالٌ إذا أرادوا
الصومَ، ربط أحدُهم في رجليه الخيط الأبيضَ والخيط الأسودَ، ولا يزال يأكلُ
ويشربُ حتى يتبيَّن له رؤيتهما، فأنزل الله بعدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه إنما يعني
بذلك بياضَ النهار.
وعن عَديّ بن حاتم قال: قلتُ: يا رسول الله، ما الخيط الأبيضُ من
الأسود(٣)، أهما الخيطان؟ قال: ((إنك لعريضُ القفا إن أبصرتَ الخيطين)) ثم قال:
((لا، بل هو سوادُ الليل وبياضُ النهار)). أخرجه البخاريُّ(٤)
وسُمِّيَ الفجرُ خيطًا لأن ما يبدو من البياض يُرى ممتدًا كالخيط، قال الشاعر:
والخيطُ الأَسودُ جُنْحُ الليلِ مكتومُ(٥)
الخيط الأبيضُ ضَوْءُ الصبحِ مُنْفَلِقٌ
والخيطُ في كلامهم عبارةٌ عن اللون.
والفجر: مصدر فَجَرْتُ الماءَ أَفْجُرُه فَجْراً: إذا جرى وانْبعثَ، وأصلُه الشّقُّ،
فلذلك قيل للطّالع من تَباشير ضياءِ الشمس من مطلعها: فجرّ(٦)؛ لانْبعاثٍ ضوئه،
وهو أوَّلُ بياضِ النهارِ الظاهرِ المُستطيرِ في الأُفق المنتَشِر؛ تُسمِّيه العربُ الخيطَ
(١) انظر الاستذكار ٣٤/١٠، والمنتقى ٤١/٢، والمجموع ٣٣٦/٦.
(٢) صحيح البخاري (١٩١٧)، وصحيح مسلم (١٠٩١).
(٣) في (م): من الخيط الأسود.
(٤) برقم (٤٥١٠)، وسلف مطولاً ٤٩٣/٢ .
(٥) البيت لأمية بن أبي الصلت كما في إيضاح الوقف والابتداء ٧٧/١، وديوان الأدب للفارابي ٣٠٤/٣،
واللسان، وتاج العروس (خيط)، وديوان أمية المجموع ص١١٩، ورواية إيضاح الوقف والديوان:
مكموم، ورواية ديوان الأدب: مطموم، ورواية اللسان والتاج: مركوم، وهو في النكت والعيون
٢٤٦/١ دون نسبة.
(٦) في النسخ الخطية و(م): فجراً، والمثبت من النكت والعيون ٢٤٦/١ (وعنه نقل المصنف).

١٩٧
سورة البقرة : الآية ١٨٧
الأبيضَ؛ كما بيَّنَّا. قال أبو دُوَاد الإياديُّ:
ولاحَ من الصُّبحِ خَيْطُ أنارا(١)
فلما أضاءتْ لنا سُذْفةٌ
وقال آخر:
وسَدَفُ الليلِ البَھیمِ ساتِرُه(٢)
قد كادَ يبدو وبَدَتْ تباشِرُه
وقد تُسمِّيه أيضاً الصَّديع، ومنه قولُهم: انْصدَعَ الفَجْرُ، قال بِشرُ بن أبي خازم
أو عمرو بنُ معد يكرب(٣):
به السِّرْحانُ مفترِشاً يَدَيْه
كأنَّ بياضَ لَبَّتِهِ الصَّدِيعُ(٤
وشبَّهه الشَّمَّاخ بمَفْرِقِ الرأسِ فقال:
أَشَقَّ كمَفْرِقِ الرأسِ الدَّهينِ(٥)
إذا ما الليلُ كان الصبحُ فيه
ويقولون للأمرِ(٦) الواضِح: هذا كفَلَق الصُّبحِ، وكانْبِلاجِ الفجر، وتباشيرٍ
الصبحِ، قال الشاعر:
(١) البيت في الأصمعيات ص ١٩٠، وتفسير الطبري ٢٦٠/٣، وأحكام القرآن للجصاص ٢٢٩/١،
والصحاح (خيط)، والكشاف ٣٣٩/١، ومجمع البيان ١٢٨/٢، والمحرر الوجيز ٢٥٨/١.
(٢) الرجز في أحكام القرآن للجصاص ٢٢٩/١، والاستذكار ٢١١/١، والتمهيد ٣٣٥/٤ دون نسبة،
والثاني منهما في اللسان (سدف) لحُميد الأرقط، وفيه: وسدف الخيط.
(٣) بشر بن أبي خازم، من بني أسد، جاهلي قديم، شهد حرب أسد وطيّئ. الشعر والشعراء ص٢٧٠،
وعمرو بن معد يكرب من مَذْحِج، يُكنى أبا ثور، وكان من فرسان العرب المشهورين بالبأس في
الجاهلية، وأدرك الإسلام فأسلم، وشهد مع النعمان بن مقرّن المزني فتح نهاوند، فقتل هناك. الشعر
والشعراء ص٣٧٣.
(٤) في (م): ترى السرحان ... صديع، والبيت برواية: ترى السرحان، في تهذيب اللغة ٣٤٥/١١،
واللسان (فرش، صدع)، وتاج العروس (فرش)، والبيت صريح النسبة لعمرو بن معد يكرب، فهو
من قصيدة له في الأصمعيات ص١٧٢ -١٧٦، وديوانه ص١٤٦ (نقلاً عن الأصمعيات)، وخزانة
الأدب ١٤٨/٨، والذي ردّد نسبة البيت بين بشر وعمرو هو ابن عبد البر في التمهيد ٣٣٥/٤،
والاستذكار ٢١١/١ (وعنه نقل المصنف).
(٥) ديوان الشمَّاخ ص٣٣٤، وفيه: إذا ما الصبح شقَّ الليل عنه، والتمهيد ٣٣٦/٤، والاستذكار ٢١١/١
(وعنه نقل المصنف).
(٦) في (د) و(ز) و(م): في الأمر.

١٩٨
سورة البقرة : الآية ١٨٧
وابنُ ذُكاءَ كامِنٌ في كَفْرٍ (١)
فوَرَدَتْ قبل انبلاج الفجرِ
التاسعة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾ جعل الله جلَّ ذكرهُ الليلَ ظَرْفاً
للأكل والشُّرب والجماع، والنهارَ ظَرْفاً للصيام، فبَيَّنَ أحكامَ الزَّمانَين وغايَرَ بينهما،
فلا يجوزُ في اليوم شيءٌ مما أباحَه بالليل إلا لمسافرٍ أو مريض، كما تقدَّم بيانُه(٢).
فمَنْ أفطر في رمضان من غير مَنْ ذُكِرَ، فلا يخلو إمّا أن يكون عامِداً أو ناسياً،
فإن كان الأوَّل فقال مالك: مَنْ أفطر في رمضان عامداً بأكلٍ أو شُربٍ أو جماعٍ،
فعليه القضاءُ والكفارةُ؛ لما رواه في مُؤَّئه(٣)، ومسلم في صحيحه(٤) عن أبي
هريرة: أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمرَه رسولُ اللهِ وَّهِ أن يُكَفِّرَ بعتق رقبةٍ، أو
صيامٍ شهرين متتابعين، أو إطعام ستينَ مسكيناً، الحديث، وبهذا قال الشعبيُّ(٥).
وقال الشافعيُّ وغيرُه: إن هذه الكفارةَ إنما تختصُّ بمَنْ أفطر بالجماع(٦)؛
لحديث أبي هريرة أيضاً قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّل، فقال: هَلَكْتُ يا رسول الله.
قال: ((وما أهْلَكك؟)) قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان، الحديث، وفيه ذكرُ
الكفَّارةِ على الترتيب، أخرجه مسلم (٧) .
وحملوا هذه القضيةَ على القضيةِ الأولى فقالوا: هي واحدة، وهذا غيرُ مسلَّم(٨)،
بل هما قضيتَّان مختلفتان، لأن مساقَهما مختلفٌ، وقد علَّق الكفَّارةَ على من أفطر
مجرَّداً عن القيود، فتلزم(٩) مطلقاً. وبهذا قال مالك وأصحابُه، والأوزاعيُّ،
(١) الرجز لحميد الأرقط، وقد سلف ١/ ٢٨٠. ومن قوله: والفجر هو أول بياض النهار، إلى هذا الموضع
في التمهيد ٣٣٥/٤-٣٣٦، والاستذكار ٢١١/١-٢١٢. ابن ذُكاء: يعني الصبح، وكَفْر، أي: ليل.
(٢) ص ١٢٧ من هذا الجزء فما بعدها .
(٣) في (م): لما رواه مالك في موطئه، وهو فيه ٢٩٦/١.
(٤) صحيح مسلم (١١١١): (٨٣)، وهو في مسند أحمد (١٠٦٨٧).
(٥) انظر الاستذكار ٩٦/١٠، والتمهيد ١٦٢/٧ .
(٦) مسند الشافعي (بترتيب السندي) ٢٦١/١.
(٧) برقم (١١١١): (٨١)، وأخرجه أحمد (٧٢٩٠)، والبخاري (٦٧٠٩).
(٨) في (م): مسلم به.
(٩) في (م): فلزم.

١٩٩
سورة البقرة : الآية ١٨٧
وإسحاق، وأبو ثور، والطبري، وابنُ المنذر، ورُوي ذلك عن عطاء في رواية،
وعن الحسن والزهريِّ. ويلزم الشافعيّ القول به، فإنه يقول: تَرْكُ الاستِفْصال مع
تعارُض الأحوال يدلُّ على عموم الحُكم. وأوجب الشافعيّ عليه مع القضاء
العقوبةً؛ لانتهاك حُرمةِ الشهر(١).
العاشرة: واختلفوا أيضاً فيما يجب على المرأة يطؤها زوجُها في شهر رمضان،
قال مالك، وأبو يوسف، وأصحابُ الرأي: عليها مثلُ ما على الزوج(٢)، وقال
الشافعي: ليس عليها إلا كفارةٌ واحدة، وسواء طاوَعَتْه أو أَكرهها؛ لأن النبيَّ وَّل
أجاب السائلَ بكفَّارةٍ واحدة، ولم يُفَصِّل. ورُوي عن أبي حنيفة: إنْ طاوَعَتْه فعلى
كلِّ واحدٍ منهما كفارةٌ، وإن أكرهها فعليه كفارةٌ واحدة لا غير، وهو قول سحنون بن
سعيد المالكي. وقال مالك: عليه كفارتان، وهو تحصيلُ مذهبِه عند جماعةٍ
أصحابِه(٣).
الحادية عشرة: واختلفوا أيضاً فيمَنْ جامع ناسياً لصومه، أو أكلَ، فقال
الشافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابُه وإسحاق: ليس عليه في الوجهين شيءٌ، لا قَضاءٌ
ولا كَفَّارةٌ، وقال مالك والليثُ والأوزاعيُّ: عليه القضاءُ ولا كفارةَ، ورُوِيَ مثلُ
ذلك عن عطاء. وقد رُوي عن عطاء أنَّ عليه الكفارةَ إنْ جامع، وقال: مثلُ هذا
لا يُنسى، وقال قومٌ من أهل الظاهر: سواءٌ وَطِئ ناسياً أو عامداً عليه (٤) القضاءُ
والكفارةُ، وهو قولُ ابنِ الماجِشون عبد الملك، وإليه ذهب أحمدُ بن حنبل؛ لأن
الحديثَ الموجبَ للكفارةِ لم يُفرَّق فيه بين الناسي والعامد، قال ابنُ المنذر:
لا شيءَ عليه(٥).
الثانية عشرة: قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحابُ الرأي: إذا أكل ناسياً،
(١) ينظر الاستذكار ١٠٠/١٠-١٠١، والتمهيد ١٦٩/٧، والمفهم ١٧٤/٣ .
(٢) في (خ) و(ز) و(ظ): الرجل.
(٣) ينظر في هذه المسألة المنتقى للباجي ٥٤/٢، وإكمال المعلم ٥٣/٤، والمفهم ١٧٢/٣ -١٧٣،
والاستذكار ١٠٧/١٠-١٠٩، والتمهيد ١٧٨/٧، ومختصر اختلاف العلماء للجصاص ٢٨/٢.
(٤) في (د) و(ز) و(م): فعليه.
(٥) التمهيد ١٧٨/٧-١٧٩، والاستذكار ١١١/١٠ و١٨٧، والمجموع ٣٦٧/٦.

٢٠٠
سورة البقرة : الآية ١٨٧
فظنَّ أن ذلك قد فَطَّره؛ فجامع عامداً أنَّ عليه القضاءَ، ولا كفارةً عليه. قال ابنُ
المنذر: وبه نقول، وقيل في المذهب: عليه القضاءُ والكفارةُ إن كان قاصداً لهَتْكِ
حُرمة صومه جُرْأةً وتهاوُناً. قال أبو عمر(١): وقد كان يجبُ على أصلِ مالك ألَّا
يُكَفِّر، لأن مَنْ أكلَ ناسياً فهو عنده مفطرٌ يقضي يومَه ذلك، فأيُّ حُرمةٍ هتَكَ وهو
مفطر، وعند غير مالك: ليس بمفطرٍ كلُّ من أكل ناسياً لصومه.
قلت: وهو الصحيحُ، وبه قال الجمهور: إن مَنْ أكل أو شرب ناسياً، فلا
قضاءً عليه، وإنَّ صومَه تامٌّ؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: ((إذا أكلَ
الصائمُ ناسياً، أو شرب ناسياً، فإنما هو رزقٌ ساقَه الله تعالى [إليه] ولا قضاءً
عليه))، في رواية: ((وليُتِمَّ صومه، فإن الله أطعمه وسقاه)). أخرجه الدّارَقُطْنِيُّ،
وقال: إسناد صحيح وكلُّهم ثقات(٢).
قال أبو بكر الأثرم: سمعتُ أبا عبد الله يُسأل عمَّن أكلَ ناسياً في رمضان،
قال: ليس عليه شيءٌ على حديث أبي هريرة، ثم قال أبو عبد الله: مالك؛ زعموا
يقول(٣): عليه القضاء، وضحك. قال ابن المنذر: لا شيءَ عليه (٤)؛ لقول النبيِّ وَلفيه
لمَنْ أكل أو شرب ناسياً: ((يُتِمّ صومَه)) وإذا قال: ((يتمّ صومَه)) فأتمَّه، فهو صومٌ تامٌ
كامل.
قلتُ: وإذا كان مَنْ أفطرَ ناسياً لا قضاءً عليه، وصِومُه صومٌ تامٌّ، فعليه إذا
جامع عامداً القضاءُ والكفارةُ - والله أعلم - كمَنْ لم يفطر ناسياً. وقد احتجَّ علماؤنا
على إيجاب القضاء بأن قالوا: المطلوبُ منه صيامُ يوم تامٍّ لا يقع فيه خَرٌ؛ لقوله
تعالى: ﴿ثُمَّ أَيِّقُواْ الْضِيَامَ إِلَى أَلَيْلِ﴾ وهذا لم يأتِ به على التَّمام، فهو باقٍ عليه(٥)،
(١) في الكافي ٣٤٣/١، وانظر المجموع ٣٨٨/٦.
(٢) سنن الدارقطني ١٧٨/٢ و١٧٨ - ١٧٩ وما بين حاصرتين منه، وأخرجه أحمد (٩١٣٦)، والبخاري
(١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥).
(٣) في (د) و(م): مالك وزعموا أن مالكاً يقول، وكذا في (ز) غير أنه ليس فيها لفظة مالك، والمثبت من
(خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في التمهيد ١٧٩/٧، والاستذكار ١١٢/١٠. (والكلام منه).
(٤) انظر الإقناع ١/ ١٩٤ .
(٥) المفهم ٢٢١/٣.