النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
قلت: وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرْ﴾ فمتى أتى بيومٍ تامٌّ بدلاً
عمّا أفطره في قضاء رمضان؛ فقد أتى بالواجب عليه، لا(١) يجب عليه غير ذلك،
والله أعلم.
الرابعة عشرة: والجمهور من العلماء(٢) على أنَّ مَن أفطر في رمضان لعلَّةٍ،
فمات من علَّتِه تلك، أو سافر، فمات في سفره ذلك؛ أنه لا شيءَ عليه. وقال
طاوس وقتادة في المريضٍ يموتُ قبل أن يَصِحَّ: يُطعَم عنه.
الخامسة عشرة: واختلفوا فيمَن ماتَ وعليه صومٌ من رمضان لم يقضِه، فقال
مالك والشافعيُّ والثوريُّ: لا يصوم أحدٌ عن أحد. وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور
والليث وأبو عبيد وأهل الظاهر: يُصام عنه، إلا أنهم خصَّصوه بالنذر، ورُوِيَ مثلُه
عن الشافعيّ. وقال أحمد وإسحاق في قضاء رمضان: يُطعَم عنه(٣) .
احتجَّ من قال بالصوم بما رواه مسلمٌ عن عائشةَ أنَّ رسول الله بَّه قال: ((مَنْ
ماتَ وعليه صِيامٌ، صامَ عنه وَلِيُّه))(٤). إلا أنَّ هذا عامٌّ في الصوم، يخصِّصُه ما رواه
مسلمٌ أيضاً عن ابن عباس قال: جاءتِ امرأةٌ إلى رسول اللهِصل﴾، فقالت:
يا رسول الله، إنَّ أُمِّي ماتت(٥) وعليها صومُ نذرٍ - وفي رواية: صومُ شهرٍ - أفأصومُ
عنها؟ قال: ((أَرَأيتِ لو كان على أُمِّكِ دَيْنٌ فقضيتيه، أكانَ يؤدِّي ذلك عنها؟)» قالت:
نعم، قال: ((فصُومِي عَن أمِّك))(٦). احتجَّ مالكٌ ومَن وافقَه بقوله سبحانه: ﴿وَلَا نَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَأَن لَّْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ [النجم:
٣٩]، وقوله: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيَّهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وبما خرَّجه النَّسائيُّ
(١) في (م): ولا.
(٢) قوله: من العلماء، من (ظ).
(٣) ينظر التمهيد ٢٧/٩-٢٨، والاستذكار ١٠/ ١٦٧-١٦٩ و١٧٢ .
(٤) صحيح مسلم (١١٤٧). وأخرجه أيضاً أحمد (٢٤٤٠١)، والبخاري (١٩٥٢).
(٥) في (د) و(ز) و(م): قد ماتت. والمثبت من (ظ) و(خ) وهو الموافق لصحيح مسلم.
(٦) صحيح مسلم (١١٤٨): (١٥٤) و(١٥٦). وأخرجه أيضاً أحمد (١٩٧٠). وعلّقه البخاري عقب
(١٩٥٣).

١٤٢
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
عن ابن عباس(١) أنه قال: لا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، ولا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ،
ولَكِنْ يُطْعِمُ عنه مكانَ كُلِّ يومٍ مُدَّا(٢) مِنْ حِنْطَةٍ.
قلت: وهذا الحديث عامٌّ، فيحتمل أن يكون المرادُ بقوله: ((لا يصومُ أحدٌ عن
أحد)) صومَ رمضان. فأما صوُ النذر فيجوز، بدليل حديثِ ابنِ عباسٍ وغيرِه، فقد
جاء في صحيح مسلم أيضاً من حديث بُريدة نحو حديث ابن عباس، وفي بعض
طرقه: صَومُ شهرين، أفأصومُ عنها؟ قال: ((صُومِي عنها)) قالت: إنَّها لم تَحُجَّ قَطّ،
أفأحُجُ عنها؟ قال: ((حُجِّي عنها))(٣). فقولها: شهرين، يبعد أن يكون رمضان، والله
أعلم. وأقوى ما يُحتجُّ به لمالك؛ أنه عَمَلُ أهلِ المدينة، ويَعْضُده القياس الجليُّ،
وهو أنه عبادةٌ بَدَنِيَّة لا مدخل للمال فيها، فلا تُفعل عمن وجبت عليه، كالصلاة.
ولا يُنقض هذا بالحج، لأنَّ للمال فيه مدخلاً؛ على ما يأتي بيانُه في ((آل عمران)»،
إن شاء الله تعالى، والله أعلم(٤).
السادسة عشرة: استدلَّ بهذه الآية مَن قال: إنَّ الصومَ لا ينعقد في السفر،
وعليه القضاءُ أبداً، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَهِدَّةٌ
مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ أي: فعليه عِدَّة، ولا حذفَ في الكلام ولا إضمار. وبقوله عليه
الصلاة والسلام: ((ليسَ مِنَ البِرِّ الصيامُ في السَّفَر))(٥)؛ قال: ما لم يكن من البرِّ،
فهو من الإثم، فيدلُّ ذلك على أنَّ صومَ رمضانَ لا يجوزُ في السفر(٦).
(١) في النسخ المخطوطة و(م): ابن عباس عن النبي ◌َّ﴾، وهو خطأ. فقد أخرجه النسائي في الكبرى
(٢٩٣٠)، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد ٢٧/٩، والاستذكار ١٦٨/١٠ موقوفاً على ابن عباس
رضي الله عنهما، وكذلك ذكره المزِّي في التحفة ٥/ ٨٠، وصحح إسناده ابن حجر في التلخيص الحبير
٢٠٩/٢.
(٢) في النسخ: مدّ. والمثبت من (م) والمصادر.
(٣) صحيح مسلم (١١٤٩). وهو في مسند أحمد (٢٢٩٥٦).
(٤) قوله: على ما يأتي ... الخ من (ظ). وانظر الآية ٩٧ من سورة آل عمران.
(٥) تقدم تخريجه ص ١٣٣ من هذا الجزء.
(٦) من قوله: ويقوله عليه الصلاة والسلام: ليس من البر ... إلى هذا الموضع، من (ظ) و(م). وهو ضمن
السقط في (ز).

١٤٣
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
والجمهور يقولون: فيه محذوف: فأفطّرَ، كما تقدَّم(١). وهو الصحيح، لحديث
أنس قال: سافَرْنا معَ رسولِ الله ◌ََّ في رمضان، فلم يَعِبِ الصائمُ على المفطرِ،
ولا المفطرُ على الصائم، رواه مالك عن حُميد الطويل عن أنس(٢). وأخرجه مسلم
عن أبي سعيد الخدريِّ قال: غَزَوْنا معَ رسولِ اللهِ وَّهُ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِن
رمضانَ، فِمنَّا مَنْ صَامَ، ومنَّا مَنْ أفطرَ، فلم يَعِبِ الصَّائمُ على المُفطر، ولا المُفطرُ
على الصَّائم (٣).
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((ليسَ منَ البرِّ الصِّيامُ في السَّفَر)) فإنما خَرَج
لفظُه على شخصٍ مُعَيَّن، وهو رجلٌ رآهُ رسولُ اللهِوَّهِ وهو صائمٌ، قدِ ظُلِّلَ عليه
وهو يجودُ بنَفْسِه، فقال ذلك القولَ، أي: ليس منَ البرِّ أن يبلغَ الإنسانُ بنفسه هذا
المبلغَ، واللهُ قد رخّصَ له في الفِطْر؛ روى جابرُ بنُ عبد الله، قال: كان
رسول الله وَ ﴿ فِي سَفَر، فرأى زِحاماً، ورأى رجلاً قد ظُلِّلَ عليه، فقال: ((ما هذا؟))
فقالوا: صَائم. فقال: ((ليس منَ البِرِّ أنْ تَصُومُوا في السَّفَرَ))(٤).
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذِيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ
لَّمُّ وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فیه خمس مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قرأ الجمهور بكسر الطاء
وسكون الياء، وأصله: يُطْوِقُونه، نُقلت الكسرة إلى الطاء، وانقلبت الواو ياءً؛
الانكسار ما قبلها. وقرأ حُميد على الأصل من غير اعتلال، والقياسُ
الاعتلال(٥).
ومشهور قراءة ابن عباس: ((يُطَوَّقُونه)) بفتح الطاء مخففةً وتشديد الواو، بمعنى:
(١) ص ١٣٣ من هذا الجزء.
(٢) تقدم تخريجه ص ١٣٣ من هذا الجزء.
(٣) صحيح مسلم (١١١٦). وهو في مسند أحمد (١١٧٠٥).
(٤) من قوله: وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ليس من البر ... إلى هذا الموضع من (ظ). وانظر
الاستذكار ٨١/١٠، والتمهيد ١٧٢/٢-١٧٣. والحديث أخرجه أحمد (١٤١٩٣)، والبخاري
(١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥) واللفظ له.
(٥) المحرر الوجيز ٢٥٢/١.

١٤٤
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
يُكَلَّفونه(١). وقد روى عنه(٢) مجاهد: ((يَطِيْقُونه)) بالياء بعد الطاء على لفظ
(يكيلونه))، وهي باطلة ومحال؛ لأنَّ الفعلَ مأخوذٌ من الطَّوْق، فالواوُ لازمةٌ واجبة
فيه، ولا مدخلَ للياء في هذا المثال. قال أبو بكر الأنباريُّ: وأنشدنا أحمدُ بنُ
یحیی النحويُّ لأبي ذؤيب:
فقيلَ(٣) تَحمَّلْ فوق طَوْقِكَ إنَّها
مُطَبَّعَةٌ مَنْ يَأْتِها لا يَضِيرُها
فأظهرَ الواوَ في الطَّوق، وصحَّ بذلك أنَّ واضعَ الياء مكانها يفارق الصواب.
وروى ابن الأنباريِّ عن ابن عباس: ((يَطَّيَّقُونه)) بفتح الياء وتشديد الطاء والياء
مفتوحتين، بمعنى: يطيقونه، يقال: طاق وأطاق وأطيق بمعنّى. وعن ابن عباس
أيضاً وعائشة وطاوس وعمرو بن دينار: ((يَطَّوَّقُونه))(٤) بفتح الياء وشدِّ الطاء
مفتوحة، وهي صواب في اللغة؛ لأنَّ الأصلَ: يَتَطَوَّقُونه، فأُسكنتِ التاءُ وأُدغمت
في الطاء فصارت طاءً مُشدَّدة، وليست من القرآن، خلافاً لمن أثبتها قرآناً، وإنما
هي قراءةٌ على التفسير.
وقرأ أهل المدينة والشام: ((فديةُ طعام)) مضافاً، ((مساكينَ)) جمعاً (٥).
وقرأ ابن عباس: ((طعامُ مسكين)) بالإفراد، فيما ذكر البخاري وأبو داود
والنسائي عن عطاء عنه (٦). وهي قراءة حسنة؛ لأنها بيَّنتِ الحكمَ في اليوم،
واختارها أبو عبيد، وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي(٧).
(١) أخرج هذه القراءة البخاري (٤٥٠٥) وتمامه: قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير
والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً .
(٢) لفظة: عنه، ليست في (م)، ولم نقف على هذه القراءة.
(٣) في النسخ: وقيل. والمثبت من (م)، والبيت في ديوان الهذليين ١/ ١٥٤، واللسان (ضور) و(طبع).
ومطبّعة، أي: مملوءة.
(٤) المحتسب ١١٨/١، والمحرر الوجيز ٢٥٢/١.
(٥) هي قراءة نافع المدني، وابن عامر الشامي برواية ابن ذكوان عنه. وأما رواية هشام عنه فهي بالتنوين
ورفع الميم وجمع مساكين. انظر السبعة ص١٧٦، والتيسير ص٧٩.
(٦) صحيح البخاري (٤٥٠٥)، وسنن أبي داود (٢٣١٦) و(٢٣١٨)، وسنن النسائي المجتبى ١٩٠/٤ -
٠ ١٩١، والكبرى (٢٦٣٨) و(١٠٩٥١).
(٧) وهي أيضاً قراءة ابن كثير وعاصم. انظر السبعة ص١٧٦، والتيسير ص٧٩.

١٤٥
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
قال أبو عبيد: فبيّنتِ أنَّ لكلِّ يوم إطعامَ واحدٍ، فالواحدُ مترجم عن الجميع،
وليس الجميع بمترجم عن الواحد(١). وجمع المساكين لا يُدرى كم منهم(٢) في
اليوم، إلَّا من غير الآية.
وتُخرَّج قراءةُ الجمع في ((مساكين)): لمَّا كان الذين يطيقونه جمعٌ، وكلُّ واحد
منهم يلزمُه مسكين؛ فجمع لفظه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ
مُهَدَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَنِينَ جَدَةً﴾ [النور: ٤] أي: اجْلِدُوا كلَّ واحدٍ منهم ثمانين جلدةً، فليست
الثمانون(٣) متفرقةً في جميعهم، بل لكلِّ واحد ثمانون، قال معناه أبو عليّ (٤).
واختار قراءة الجمع النحاس(٥)؛ قال: وما اختاره أبو عبيد مردود؛ لأنَّ هذا
إنما يُعرَف بالدلالة، فقد عُلم أنَّ معنى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ
مساكين﴾: أنَّ لكلِّ يوم مسكيناً، فالاختيار(٦) هذه القراءة لتردَّ جمعاً على جمع.
قال النحاس: واختار أبو عبيد(٧) أن يقرأ: ((فديةٌ طعامُ))، قال: لأنَّ الطعامَ هو
الفديةُ، ولا يجوزُ أن يكون الطعامُ نعتاً؛ لأنه جوهر، ولكنه يجوز على البدل،
وَأَبْيَنُ منه أن يُقرأ: ((فديةُ طعام)) بالإضافة، لأن ((فِدية)) مبهمةٌ، تقع للطعام وغيره،
فصار مثل قولك: هذا ثَوْبُ خَّ .
الثانية: واختلف العلماء في المراد بالآية، فقيل: هي منسوخة. رَوَى
البخاريُّ(٨): وقال ابن نُمير: [حدَّثنا الأعمش] حدَّثنا عمرو بن مُرَّة، حدَّثنا ابنُ أبي
ليلى، حدَّثنا أصحابُ محمدٍ نَّهِ: نَزَلَ(٩) رمضانُ، فَشَقَّ عليهم، فكان مَنْ أطعمَ كلَّ
يومٍ مسكيناً تركَ الصومَ ممن يُطِيقُه، ورُخِّص لهم في ذلك، فنسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ
(١) في (م): واحد. والكلام من إعراب القرآن ٢٨٦/١.
(٢) في (ز): هم.
(٣) في (ز) و(ظ) و(خ): الثمانين.
(٤) ينظر الحجة للقراء السبعة ٢٧٣/٢. ونقله عنه المصنف بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٥٢/١.
(٥) إعراب القرآن ٢٨٦/١.
(٦) في (م): فاختيار.
(٧) في النسخ: أبو عبيدة، والمثبت من (م) وإعراب القرآن.
(٨) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب (٣٩). وما بين حاصرتين منه.
(٩) في (د) و(ز): لما نزل.

١٤٦
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [فأُمِرُوا بالصوم].
وعلى هذا قراءة الجمهور: ((يطيقونه))، أي: يقدرون عليه، لأن فرض الصيام
هكذا: مَن أراد صامَ، ومَن أراد أطعمَ مسكيناً .
وقيل: إنَّ حكمَها ثابت، وإنَّ معنى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي:
الذين كانوا يُطيقونَه في حال شبابهم، فإذا كَبِرُوا وعَجَزُوا عن الصوم لكِبَرهم، فلهم
أن يُفْطِرُوا ويَفْتَدُوا. قاله سعيد بن المسيِّب والسُّدِّيُّ(١).
وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية رُخصة للشيوخ والعُجَّز(٢) خاصَّةً؛ إذا أفطروا
وهم يُطيقون الصوم، ثم نُسخت بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ فزالت
الرُّخصة إلا لمَن عجز منهم (٣) .
قال الفَرّاء(٤): الضمير في ((يُطيقونه)) يجوز أن يعود على الصيام؛ أي: وعلى
الذين يطيقون الصيام أن يطعموا إذا أفطروا، ثم نسخ بقوله: ((وأن تصوموا)).
ويجوز أن يعود على الفداء؛ أي: وعلى الذين يطيقون الفداءَ فِدْيةٌ.
وأما قراءة: (يُطَوَّقونه))؛ على معنى: يكلَّفونه مع المشقّة اللاحقة لهم،
كالمريض والحامل؛ فإنهما يقدران عليه لكن بمشقّة تلحقُهم في أنفسهم، فإن
صاموا أجزأهم، وإن افتدوا فلهم ذلك. ففسَّر ابن عباس - إن كان الإسناد عنه
صحيحاً - ((يطيقونه)) بيُطَوَّقونه ويتكلَّفونه(٥)، فأدخله بعضُ النَقَلة في القرآن. رَوَى
أبو داود(٦) عن ابن عباس ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: أُثبتت للحبلى والمرضع.
ورَوَى عنه أيضاً: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كانت رُخصةً
للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة - وهما يُطِيقان الصَّومَ - أنْ يُفْطِرا ويُطْعِما مكانَ كلِّ يومٍ
(١) من قوله: وقيل: إن حكمها ثابت .... إلى هذا الموضع من (ظ). وهو في النكت والعيون ٢٣٩/١.
(٢) في (م): والعجزة.
(٣) المحرر الوجيز ٢٥٢/١. وأخرج نحوه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٥٩)، وأبو داود (٢٣١٦)،
والطبري ١٦٧/٣.
(٤) معاني القرآن ١/ ١١٢.
(٥) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٢٦٣٨) و(١٠٩٥١) و(١٠٩٥٢)، والطبري ١٧٢/٣.
(٦) سنن أبي داود (٢٣١٧).

١٤٧
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
مسكيناً، والحُبْلَى والمُرْضعُ إذا خافَتا على أولادِهما، أفطرتًا وأطعمتًا (١).
وخرَّج الدّارَقُظْنِيُّ(٢) عنه أيضاً قال: رُخِّصَ للشيخ الكبيرِ أن يُفطرَ ويُطعمَ عن
كلِّ يومٍ مسكيناً، ولا قضاءً عليه. هذا إسنادٌ صحيح.
ورَوَى عنه أيضاً أنه قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ﴾ ليست
بمنسوخة، هو الشيخُ الكبيرُ والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أنْ يصوما، فيُطعما مكان
كلِّ يومٍ مسكيناً. وهذا صحيح(٣). ورَوَى عنه أيضاً أنه قال لأمِّ ولدٍ له حُبْلَى أو
مُرْضِعٍ: أنتِ منَ الذين لا يطيقون الصيامَ، عليكِ الجزاءُ، ولا عليكِ القضاءُ. وهذا
إسنادٌ صحيح(٤). وفي رواية: كانت(٥) له أَمَةٌ (٦) تُرضع - من غير شكّ - فأُجهِدت،
فأمرَها أنْ تُفطرَ ولا تقضي. هذا صحيح(٧).
قلت: فقد ثبت بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس أن الآية ليست بمنسوخة،
وأنها مُحْكَمةٌ في حقِّ مَنْ ذُكر. والقولُ الأوَّل صحيحٌ أيضاً، إلا أنه يحتمل أن يكونَ
النسخُ هناك بمعنى التخصيص، فكثيراً ما يُطلِقِ المتقدِّمون النسخَ بمعناه، والله أعلم.
وقال الحسن البصريُّ وعطاء بن أبي رَباح والضَّّاك والنَّخَعِيُّ والزُّهْريُّ وربيعة
والأوزاعيُّ وأصحاب الرأي: الحامل والمرضع يُفطران ولا إطعامَ عليهما، بمنزلة
المريض يُفطر ويَقضي، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور. وحَكى ذلك أبو عبيدٍ عن أبي
ثَوْر، واختارَه ابنُ المنذر. وهو قول مالك في الحُبلى إن أفطرت، فأمَّا المرضعُ إن
أفطرت فعليها القضاءُ والإطعام(٨) .
وقال الشافعيُّ وأحمد: يُفطران ويُطعمان ويقضيان.
(١) سنن أبي داود (٢٣١٨).
(٢) في سننه ٢/ ٢٠٥.
(٣) سنن الدارقطني ٢٠٥/٢. وأخرجه أيضاً البخاري (٤٥٠٥).
(٤) سنن الدارقطني ٢٠٦/٢.
(٥) في (ز) و(د) و(خ): كان.
(٦) في (م): أم ولد.
(٧) سنن الدارقطني ٢٠٧/٢. وفيه: فأجهضت، بدل: فأجهدت.
(٨) ينظر الاستذكار ٢٢٢/١٠-٢٢٣.

١٤٨
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
وأجمعوا على أنَّ المشايخ والعجائز الذين لا يُطيقون الصيام أو يُطيقونه على
مشقَّة شديدة؛ أن يُفطروا.
واختلفوا فيما عليهم؛ فقال ربيعة ومالك: لا شيء عليهم، غير أن مالكاً قال:
لو أطعمُوا عن كلِّ يوم مسكيناً كان أحبَّ إليَّ. وقال أنس وابن عباس وقيس بن
السائب وأبو هريرة: عليهم الفِذْية، وهو قول الشافعيِّ وأصحاب الرأي وأحمد
وإسحاق، اتّباعاً لقول الصحابة رضي الله عن جميعهم، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ
مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ ثم قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ
طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وهؤلاء ليسوا بمرضى ولا مسافرين، فوجبت عليهم الفِذْية.
والدليل لقول مالك: أنَّ هذا مفطرٌ لعذر موجود فيه، وهو الشيخوخة والكِبَر،
فلم يلزمه إطعامٌ، كالمسافر والمريض. ورُوي هذا عن الثوري ومكحول، واختاره
ابن المنذر (١).
الثالثة: واختلف مَن أوجب الفدية على مَن ذُكر في مقدارها؛ فقال مالك: مُدٌّ
بِمُدِّ النبيِّ وَِّ عن كلِّ يومٍ أفطره، وبه قال الشافعي(٢). وقال أبو حنيفة: كفَّارة كلِّ
يومٍ صاعُ تمرٍ أو نصفُ صَاعٍ بُرِ (٣).
ورُوِيَ عن ابن عباس: نصف صاع من حنطة، ذكره الدَّارَقُظْنِيُّ(٤).
ورَوَى عن أبي هريرة قال: مَنْ أدركّه الكِبَرُ، فلم يستطع أنْ يصومَ؛ فعليه لكلِّ
يومٍ مُدٍّ من قمحِ (٥).
ورَوَى عن أنس بن مالك أنه ضَعُف عن الصوم عاماً، فصنَعَ جَفْنةً من طعام،
ثم دعا بثلاثين مسكيناً فأشبعهم(٦).
(١) ينظر الاستذكار ٢١٦/١٠ وما بعدها.
(٢) ينظر الموطأ ٣٠٧/١، والأم ٨٨/٢.
(٣) ينظر أحكام القرآن للجصاص ١٧٨/١.
(٤) سنن الدارقطني ٢٠٧/٢، وقد أخرجه من طريق عبد الرزاق، وهو في مصنفه (٧٥٧٤). وأخرجه أيضاً
البيهقي ٤/ ٢٧١ .
(٥) سنن الدار قطني ٢٠٨/٢، وأخرجه أيضاً البيهقي ٢٧١/٤ .
(٦) سنن الدار قطني ٢٠٧/٢، وأخرجه أيضاً البيهقي ٢٧١/٤. والجَفْنَة: القَصْعَة. القاموس (جفن).

١٤٩
سورة البقرة : الآية ١٨٥
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ قال ابنُ شهاب: مَن أرادَ
الإطعامَ مع الصوم. وقال مجاهد: مَن زاد في الإطعام على المُدِّ(١).
ابن عباس: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قال: مسكيناً آخر، فهو خيرٌ له. ذكره
الدَّارَقُطْنِيُّ، وقال: إسناد صحيح ثابت(٢) . .
٦٠٠
و((خَيْرٌ)) الثاني: صفةُ تفضيل، وكذلك الثالث، و((خير)) الأوَّل [قد نزل منزلةً
((مالاً)) أو: ((نفعاً))](٣).
وقرأ عيسى بن عمر ويحيى بن وثَّاب وحمزة والكسائي: ((يَطَّوَّعْ خيراً»
مشدَّدًا(٤)، وجزم العين على معنى: يتطوَّع. الباقون: ((تَطَوَّعَ)) بالتاء وتخفيف الطاء
وفتح العين على الماضي.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ﴾ أي: والصيامُ خير لكم. وكذا قرأ
أُبَيِّ (٥)؛ أي: من الإفطار مع الفِذية، وكان هذا قبل النسخ. وقيل: ((وأن تصوموا))
في السفر والمرض غير الشاقِّ، والله أعلم. وعلى الجملة فإنه يقتضي الحضَّ على
الصوم، أي: فاعلموا ذلك وصوموا .
قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلِنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ
مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى
سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنَاءٍ أُخَرِّ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
(١٨٥)
فيه إحدى وعشرون مسألة:
الأولى: قولُه تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ قال أهل التاريخ: أوَّل مَنْ صام رمضان
(١) المحرر الوجيز ٢٥٣/١.
(٢) سنن الدار قطني ٢٠٥/٢. وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (٢٦٣٨) و(١٠٩٥١) من طريق آخر.
(٣) المحرر الوجيز ٢٥٣/١، وما بين حاصرتين زيادة ضرورية منه.
(٤) ينظر السبعة ص١٧٢، والتيسير ص٧٧. ولم نقف على من نسب القراءة لعيسى بن عمر ويحيى بن وثاب.
(٥) ينظر الكشاف ٣٣٥/١، والمحرر الوجيز ٢٥٣/١.

١٥٠
سورة البقرة : الآية ١٨٥
نوح عليه السلام لما خرج من السفينة. وقد تقدَّم قول مجاهد: كتب الله رمضان
على كل أمة (١)، ومعلوم أنه كان قبل نوح أمم، والله أعلم.
والشهر مشتق من الإشهار؛ لأنه مشتهر لا يتعذّر علمه على أحد يريده، ومنه
يقال: شهرتُ السيف: إذا سللته. ورمضانُ مأخوذ من رَمضَ الصائمُ يَرْمَضُ: إذا
حَرَّ جوفُه من شدَّة العطش. والرَّمْضاء، ممدودة: شدَّةُ الحرّ، ومنه الحديث: ((صلاة
الأوَّابين إذا رَمِضت الفِصَال)). خرَّجه مسلم(٢). ورَمَضُ الفِصالِ أن تَحرقَ الرَّمْضَاءُ
أخفافَها فتبرُكَ من شدَّة حَرِّها. فرمضانُ - فيما ذكروا - وافقَ شدَّةَ الحرِّ، فهو مأخوذٌ
من الرَّمْضاء. قال الجوهري(٣): وشهرُ رمضانَ يُجمع على رَمَضاناتٍ وأرمضاء،
يقال: إنهم لما نقلوا أسماءَ الشُّهور عن اللغة القديمةِ سَمَّوْها بالأزمنة التي وقعت
فيها، فوافق هذا الشَّهرُ أيامَ رَمَضٍ (٤) الحرّ، فسُمِّيَ بذلك.
وقيل: إنما سُمِّيَ رمضانَ لأنه يَرْمَضُ الذنوب، أي: يحرقُها بالأعمال
الصالحة، من الإرماض، وهو الإحراق(٥)، ومنه: رَمِضَت قَدَمُه من الرَّمْضاء، أي:
احترقت. وأرْمَضَتْني الرَّمْضاء، أي: أحرقتني؛ ومنه قيل: أرْمَضَنِي الأمر (٦).
وقيل: لأنَّ القلوبَ تأخذُ فيه من حرارة الموعظةِ والفكرة في أمر الآخرة كما
يأخذُ الرَّملُ والحجارةُ من حرِّ الشَّمس. والرَّمضاء: الحجارة المُحماة.
وقيل: هو من رَمَضْتُ النَّصْلَ أَرْمِضُه وأَرْمُضُه رَمْضاً: إذا دَقَّقْتَه بين حَجرين
ليَرِقَّ، ومنه نَصْلٌ رَمِيض ومَرمُوض، عن ابن السِّكِّيت(٧).
وسُمِّي الشَّهرُ به؛ لأنهم كانوا يرمَضُون أسلحتَهم في رمضان ليحاربوا بها في
شؤَّال قبلَ دخول الأشهرِ الحُرُم(٨).
(١) تقدم في الصفحة ١٢٥ من هذا الجزء.
(٢) برقم (٧٤٨)، وهو في مسند أحمد (١٩٢٦٤).
(٣) الصحاح (رمض).
(٤) في النسخ: ((رمضان)) والمثبت من (م)، وهو موافق للصحاح.
(٥) انظر تفسر الرازي ٩٠/٥.
(٦) الصحاح (رمض).
(٧) إصلاح المنطق ٨٥/١، ٢٢٥.
(٨) انظر تفسير الرازي ٥/ ٩١.

١٥١
سورة البقرة : الآية ١٨٥
وحكى الماورديُّ(١) أنَّ اسمَه في الجاهلية ناتقٌ.
وأنشد للمفضَّل :
وفي ناتقٍ أجْلَتْ لَدَى حَوْمَةٍ (٢) الوَغَى وَلَّتْ على الأدبار فُرْسانُ خَتْعَمَا(٣)
و(شَهْرُ)) بالرفع قراءةُ الجماعة على الابتداء، والخبرُ: ﴿اَلَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ
الْقُرْءَانُ﴾. أو يرتفعُ على إضمار مبتدأ؛ المعنى: المفروضُ عليكم صومُه شهرُ
رمضان، أو: فيما كُتب عليكم شهرُ رمضان. ويجوز أنْ يكونَ ((شهر)) مبتدأ،
و﴿ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ صفة، والخبر: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾(٤). وأُعيدَ
ذِكرُ الشَّهرِ تعظيماً، كقوله تعالى: ﴿الْمَقَّةُ ﴿ مَا الْمَفَّةُ﴾.
وجاز أنْ يدخلَه معنى الجزاء؛ لأنَّ شهرَ رمضان وإنْ كان معرفةً؛ فليس معرفةً
بعينها؛ لأنه شائعٌ في جميع القابل. قاله أبو عليّ.
ورُويَ عن مجاهد وشَهْر بنٍ حَوْشَبْ نصبُ ((شهر))، ورواها هارون الأعور عن
أبي عمرو(٥)، ومعناه: الزموا شهرَ رمضان أو: صوموا. و﴿ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ
الْقُرْءَانُ﴾ نعتٌ له، ولا يجوز أنْ ينتصبَ بتصوموا؛ لئلا يُفرَّقَ بين الصِّلة والموصول
بخبر ((أنْ))، وهو ((خير لكم))(٦). الرُّمَّاني: يجوز نصبُه على البدل من قوله: ﴿أَيَّامًا
مَّعْدُودَاتٍ﴾ (٧).
الثانية: واختُلف هل يقال: ((رمضان)) دون أنْ يضاف إلى شهر، فكره ذلك
مجاهدٌ، وقال: يقال كما قال الله تعالى(٨). وفي الخبر: ((لا تقولوا: رمضان، بل
(١) في النكت والعيون ٢٣٩/١.
(٢) في النسخ: حرمة، والمثبت من (م): وهو الموافق لمصادر التخريج.
(٣) اللسان (نتق)، والدر المصون ٢/ ٢٨٠، واللباب ٢٧٦/٣.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٧/١، والمحرر الوجيز ٢٥٤/١.
(٥) المحرر الوجيز ٢٥٤/١، وإعراب القرآن ٢٨٦/١، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢ عن
مجاهد، ورواية عن عاصم.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٧/١، ومشكل إعراب القرآن لمكي ص١٢١.
(٧) لم نقف على من نسبه للرُّماني، وينظر معاني القرآن للزجَّاج ٢٤٥/١، وتفسير الرازي ٩٢/٥.
(٨) الطبري ٣/ ١٨٧.

١٥٢
سورة البقرة : الآية ١٨٥
انسُبوهِ كما نسبه الله في القرآن فقال: شَهْرُ رَمَضَانَ)(١). وكان يقول: بلغني أنه اسمٌ
من أسماء الله(٢). وكان يكره أنْ يجمعَ لفظه لهذا المعنى. ويحتجُّ بما رُوي:
((رمضان اسم من أسماء الله تعالى))، وهذا ليس بصحيح، فإنه من حديث أبي مَعشَر
نَّجَيحٍ، وهو ضعيف(٣).
والصحيح جوازُ إطلاقِ رمضانَ من غير إضافةٍ كما ثبت في الصحاح وغيرِها .
روى مسلم عن أبي هريرة أنَّ رسول الله وَ ليهِ قال: ((إذا جاء رمضان فُتِّحَتْ
أبوابُ الجنة(٤)، وغُلِّقت أبوابُ النار، وصُفِّدت الشياطين))(٥).
وفي صحيح البُسْتِيِّ عنه قال: قال رسول الله وَّه: ((إذا كان رمضانُ، فُتِّحَتْ له
أبوابُ الجنة(٦)، وغُلِّقَتْ أبوابُ جهَّم، وسُلْسِلَت الشياطين))(٧)، ورَوى(٨) عن ابن
شهاب، عن أنس بنِ أبي أنس، أنَّ أباه حدَّثه أنه سمع أبا هريرة يقول ... ،
فذكره.
قال البُسْتِيُّ(٩): أنس بنُ أبي أنس هذا هو والدُ مالك بن أنس، واسمُ أبي أنس
مالكُ بنُ أبي عامر من ثقات أهلِ المدينة، وهو مالك بنُ أبي عامر بنٍ عمرو بن
(١) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه ابن عدي ٢٥١٧/٧، والبيهقي ٢٠١/٤ من حديث أبي هريرة
مرفوعاً بلفظ: ((لا تقولوا رمضان؛ فإنَّ رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا: شهر رمضان)).
وفي إسناده أبو معشر نجيح المدني (كما سيذكر المصنف) قال فيه البخاري كما في ميزان الاعتدال
٢٤٦/٤: منكر الحديث، وقال ابن الجوزي في الموضوعات ١٠٢/٢: هذا موضوع لا أصل له،
وضعف الحديث ابن حجر في الفتح ١١٣/٤.
وأخرجه البيهقي ٢٠٢/٤ من قول محمد بن كعب، وقال: وهو أشبه.
(٢) أخرجه الطبري ٣/ ١٨٧ من قوله، ولم يقل فيه: بلغني.
(٣) سلف الكلام عليه قبل تعليق.
(٤) في (م): ((الرحمة)).
(٥) صحيح مسلم (١٠٧٩): (١)، وهو عند البخاري (١٨٩٨)، وأحمد (٨٦٨٤).
(٦) في (م): ((الرحمة))، وهي موافقة لبعض روايات الحديث.
(٧) صحيح ابن حبان (٣٤٣٤)، وهو عند البخاري (١٨٩٩)، ومسلم (١٠٧٩): (٢)، وأحمد (٧٧٨١).
(٨) كذا في النسخ، وهذه الرواية هي نفسها رواية حديث أبي هريرة المذكور عند ابن حبان، وليست رواية
أخرى، فلعل صواب اللفظة: رواه. والله أعلم.
(٩) في صحيحه ٨/ ٢٠ بإثر الحديث (٣٤٣٤).

١٥٣
سورة البقرة : الآية ١٨٥
الحارث بن غَيْمان بن خُثيل(١) بن عمرو من ذي أصبح من أقيال اليمن.
وروى النسائيُّ(٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ: ((أتاكم رمضانُ،
شهرٌ مباركٌ فرضَ الله عزَّ وجلَّ عليكم صيامَه، تُفتحُ فيه أبواب السَّماء، وتُغلق فيه
أبواب الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطين، للهِ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ، مَنْ حُرِمَ
خيرها فقد حُرم)).
وأخرجه أبو حاتم البُسْتيُّ أيضاً(٣)، وقال: فقوله: ((مَرَدة الشياطين)) تقييدٌ
لقوله: ((صُفِّدت الشياطين وسُلْسِلت)).
وروى النسائيُّ أيضاً (٤) عن ابن عباس، قال: قال رسول اللهِ وَ﴿ لا مرأةٍ من
الأنصار: ((إذا كان رمضان فاعتمري، فإنَّ عُمْرةً فيه تَعدِل حَجَّةً)).
وروى النسائي أيضاً عن عبد الرحمن بن عوف(٥) قال: قال رسول الله وؤلية:
((إنَّ الله تعالى فرضَ صيامَ رمضانَ عليكم(٦)، وسَنَنْتُ لكم قيامَه، فمن صامَه وقامَه
إيماناً واحتساباً، خرجَ من ذنوبه كيومَ ولدَتْه أمُّه)).
(١) في النسخ: عثمان بن جثيل، والمثبت من صحيح ابن حبان (والكلام منه). وكذا قيّده النووي في
تهذيب الأسماء واللغات ٧٥/٢/١ (في ترجمة الإمام مالك بن أنس)، والحافظ ابن حجر في تبصير
المنتبه ٩٣٣/٣. وذكر ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه ٣٥٣/٣ أن الدارقطني قال في نسب الإمام
مالك: عثمان .... وجئيل، وأن ابن ماكولا وهّمه في ذلك، ثم قال: لست أدري ممن التصحيف
فيه. وانظر الإكمال لابن ماكولا ٢/ ٥٦٥-٥٦٦.
(٢) في المجتبى ١٢٩/٤، وهو عند أحمد (٧١٨٤).
(٣) في صحيحه (٣٤٣٥) بنحوه، وترجم له بقوله: ذكر البيان بأن الله جل وعلا إنما يصفد الشياطين في
شهر رمضان مردتهم دون غیرهم.
(٤) في المجتبى ١٣٠/٤، ١٣١، وهو عند أحمد (٢٠٢٥)، والبخاري (١٧٨٢)، ومسلم (١٢٥٦) وفيه
قصة .
(٥) سنن النسائي ١٥٨/٤. وأخرجه أيضاً ابن ماجه (١٣٢٨)، وهو عند أحمد (١٦٦٠) من طريق أبي
سلمة عن عبد الرحمن بن عوف. قال النسائي بعد إخراجه الحديث: هذا خطأ، والصواب حديث أبي
سلمة عن أبي هريرة .
وصوّب البخاري أيضاً في التاريخ الكبير ٨٨/٨ طريق أبي سلمة عن أبي هريرة، وانظر تخريج حديثه
في مسند أحمد (٧١٧٠).
(٦) لفظة: عليكم، من (م).

١٥٤
سورة البقرة : الآية ١٨٥
والآثارُ في هذا كثيرة، كلُّها بإسقاط (شهر)).
وربما أسقَطَتِ العرب ذكر الشَّهر من رمضان، قال الشاعر(١):
أبيضُ من أخْت بني إيَاضٍ
جاريةٌ في دِرْعها الفَضْفاضِ
·تُقَطِّع الحديثَ بالإيماضِ
جاريةٌ في رمضانَ الماضِي
وفضلُ رمضان عظيمٌ، وثوابُه جسيم، يدلُّ على ذلك معنى الاشتقاق من كونه
محرقاً للذُّنوب، وما كتبناه من الأحاديث.
الثالثة: فرضَ الله صيامَ شهر رمضانَ، أي: مدَّة هلالِه، وبه سُمَِّ الشهر؛ كما
جاء في الحديث: ((فإنْ غُمِّيَ عليكم الشهر)»، أي: الهلال، وسيأتي، وقال الشاعر:
والشَّهرُ مثلُ قُلامةِ الُفْرِ
أخَوانٍ مِن نَجْدٍ على ثِقَةٍ
في أربعٍ زادت على عَشر (٢)
حتى تكاملَ في استدارته
وفُرض علينا عند غُمَّة الهلال إكمالُ عِدَّةٍ شعبانَ ثلاثين يوماً، وإكمالُ عِدَّةِ
رمضانَ ثلاثين يوماً، حتى نَدخلَ في العبادة بيقين، ونخرج عنها بيقين(٣)، فقال في
كتابه: ﴿وَأَنْزَنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وروى الأئمة الأثباتُ عن النبيِّي ◌َِّ قال: ((صُومُوا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإنْ
غُمَّ عليكم فأكملُوا العدد))(٤) في رواية: ((فإنْ غُمِّيَ عليكم الشهرُ، فعُدُّوا ثلاثين))(٥).
وقد ذهب مُطَرِّف بنُ عبد الله بنِ الشِّخِّير - وهو من كبار التابعين - وابنُ قُتيبة
من اللغويين، فقالا(٦): يُعَوَّلُ على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل، واعتبارٍ
حسابِها في صوم رمضان، حتى إنَّه لو كان صحوٌ (٧) لرؤي؛ لقوله عليه السلام:
(١) هو رؤبة بن العجاج، والبيتان في ملحق ديوانه ص١٧٦ .
(٢) لم نقف على قائله، وأورده الماوردي في النكت والعيون ٢٤٩/١.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢٨/١.
(٤) أخرجه أحمد (٩٥٥٦)، والبخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١): (١٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٥) أخرجه أحمد (٩٣٧٦)، ومسلم (١٠٨١): (١٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٦) ينظر المفهم ١٣٨/٣، وإكمال المعلم ١٨/٤، والتمهيد ٣٥٢/١٤.
(٧) في (م): ((صحواً)).

١٥٥
سورة البقرة : الآية ١٨٥
((فإنْ أُغْمِيَ عليكم فاقدُروا له)) (١)، أي: استدِلُّوا عليه بمنازله، وقَدِّرُوا تَمامَ(٢)
الشّهر بحسابه.
وقال الجمهور: معنى «فاقدُرُوا له)): فأكملوا المقدار؛ يفسِّرُه حديثُ أبي
هريرة: «فأكملوا العِدَّة)).
وذكر الدَّاوُدِي أنه قيل في معنى قولهِ: ((فاقدُرُوا له)»: أي: قَدّرُوا المنازل،
وهذا لا نعلم أحداً قال به إلا بعضُ أصحاب الشافعيِّ أنه يُعتبر في ذلك بقول
المنجّمين(٣)، والإجماعُ حجةٌ عليهم (٤).
وقد روى ابن نافع عن مالك في الإمام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يُفطر لرؤيته،
وإنما يصوم ويُفطر على الحساب: إنه لا يُقتدى به ولا يُتَّبع.
قال ابن العربي(٥): وقد زَلَّ بعضُ أصحابنا فحكى عن الشافعي أنه قال: يُعوَّلُ
على الحساب، وهي عَثرة لا لَعاً لها(٦).
الرابعة: واختلف مالك والشافعيّ هل يثبت هلالُ رمضانَ بشهادة واحدٍ أو
شاهدَين، فقال مالك: لا يُقبلُ فيه شهادةُ الواحدِ؛ لأنها شهادةٌ على هلالٍ، فلا
يُقبلُ فيها أقلُّ من اثنين، أصلُه الشهادةُ على هلال شؤَّال وذي الحجّة.
وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة: يُقبل الواحد(٧)؛ لما رواه أبو داود(٨) عن ابن عمر
قال: تراءى الناس الهلالَ، فأخبرتُ رسول(٩) الله وَّلِ أَنِّي رأيته، فصامَ وأَمرَ
(١) هو قطعة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أخرجه أحمد (٤٤٨٨)، والبخاري (١٩٠٦)، ومسلم
(١٠٨٠).
(٢) في (م): إتمام.
(٣) انظر الاستذكار ١٩،١٨/١٠، وأحكام القرآن لابن العربي ٨٢/١.
(٤) في (د) و(ذ) و(ظ): عليه.
(٥) في أحكام القرآن له ١/ ٨٢.
(٦) في (خ): لا يقالها، وفي (ظ): لا لغا، وهي كلمة يُدعى بها للعاثر، معناها الارتفاع. اللسان (لعا).
(٧) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٢٠٢/١، ٢٠٣، والتمهيد ٣٥٤/١٤، والاستذكار ٢٦/١٠.
(٨) سنن أبي داود (٢٣٤٢).
(٩) في (د) و(ز) و(م): فأخبرت به رسول الله.

١٥٦
سورة البقرة : الآية ١٨٥
النَّاسَ بصيامه. وأخرجه الدَّارَقُطْني(١) وقال: تفرَّد به مروان بنُ محمد عن ابنِ
وهب، وهو ثقة.
روى الدَّار قطني(٢) أنَّ رجلاً شَهِد عند عليّ بنِ أبي طالب على رؤية هلال
رمضانَ فصام - أحسَبُه قال: وأَمر الناس أنْ يصوموا - وقال: أصومُ يوماً من شعبان
أحبُّ إلي أن(٣) أُفطر يوماً من رمضان.
قال الشافعيّ(٤): فإنْ لم تَرَ العامَّة هلالَ شهر رمضانَ، ورآه رجل عَدْلٌ، رأيتُ
أن أَقبَلَه للأثر والاحتياط، وقال الشافعي بعدُ: لا يجوز على رمضان إلا شاهدان.
قال الشافعي: وقال بعضُ أصحابنا: لا أَقبَلُ عليه إلا شاهدَين، وهو القياسُ على
كلِّ مغيَّب.
الخامسة: واختلفوا فیمن رأی هلال رمضانَ وحده أو هلال شوال، فروی
الربيع(٥) عن الشَّافعي: من رأى هلالَ رمضانَ وحدَه فليَصمْه، ومن رأى هلالَ
شوال وحدَه فليُقطره(٦)، ولْيُخْفِ ذلك.
وروى ابنُ وَهْب عن مالك في الذي يرى هلالَ رمضانَ وحدَه أنه يصوم؛ لأنه
لا ينبغي له أنْ يُفطرَ وهو يعلم أنَّ ذلك اليومَ من شهر رمضان، ومن رأى هلال
شؤَّال وحدَه فلا يُفطرْ؛ لأنَّ الناس يتَّهمون على أنْ يُفطرَ منهم مَن ليس مأموناً، ثم
يقول أولئك إذا ظهر عليهم: قد رأينا الهلال.
قال ابن المنذر: وبهذا قال الليث بن سعد وأحمد بن حنبل. وقال عطاء
وإسحاق: لا يصوم ولا يُقطر(٧). قال ابن المنذر: يصوم ويُفطر.
(١) سنن الدارقطني ١٥٦/٢ .
(٢) سنن الدراقطني ٢/ ١٧٠، وهو من حديث فاطمة بنت الحسين رضي الله عنه.
(٣) في (م): من أن.
(٤) في الأم ٢/ ٨٠، ٨١.
(٥) ابن سليمان بن عبد الجبار بن كامل، أبو محمد المُرادي مولاهم، المصري، الفقيه الكبير، صاحب
الإمام الشافعي، وناقل علمه، وشيخ المؤذنين بجامع الفسطاط، توفي سنة (٢٧٠هـ). السير ١٢ / ٥٨٧.
(٦) في (م): فليفطر.
(٧) الموطأ ٢٨٧/١، والتمهيد ٣٥٥/١٤، والاستذكار ٢٤/١٠، ٢٥، والمفهم ١٣٩/٣.

١٥٧
سورة البقرة : الآية ١٨٥
السادسة: واختلفوا إذا أخبر مخبر عن رؤية بلد؛ فلا يخلو أنْ يَقْرُبَ أو يَبعُد،
فإنْ قرُب فالحكم واحدٌ، وإنْ بَعُدَ فلأهل كلِّ بلدٍ رؤيتُهم، رُوي هذا عن عِكرمة
والقاسم وسالم، ورُويَ عن ابن عباس، وبه قال إسحاق، وإليه أشارَ الترمذي(١).
حيثُ بوَّب: ((لأهل كلِّ بلدٍ رؤيتُهم)).
وقال آخرون. إذا ثبتَ عند الناس أنَّ أهلَ بلدٍ قد رأَوْه، فعليهم قضاءُ ما
أفطروا، هكذا قال الليث بن سعد والشافعيّ. قال ابن المنذر: ولا أعلَمُه إلا قولَ
المُزَنيِّ والكوفي(٢).
قلت: ذكر الكِيًا الطبريُّ في كتاب ((أحكام القرآن)) له(٣): وأجمع أصحاب أبي
حنيفة على أنه إذا صامَ أهلُ بلدٍ ثلاثين يوماً للرؤية، وأهلُ بلد تسعةً وعشرين يوماً
أنَّ على الذين صاموا تسعةً وعشرين(٤) قضاءً يوم. وأصحابُ الشافعي لا يَرَوْن
ذلك؛ إذْ كانت المطالعُ في البلدان يجوز أنْ تختلفَ. وحجةُ أصحاب أبي حنيفة
قولُه تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ وثَبتَ برؤية أهل بلدٍ أنَّ العِدَّةَ ثلاثون، فوجبَ على
هؤلاء إكمالُها. ومُخالفُهم يحتجُّ بقوله وََّ: ((صُومُوا لرؤيته وأفطرُوا لرؤيته))
الحديث(٥)، وذلك يوجب اعتبارَ عادةِ كلِّ قومٍ في بلدهم.
وحكى أبو عمر(٦) الإجماعَ على أنه لا تُراعى الرؤيةُ فيما بَعُدَ من البلدان،
كالأندلس من خراسان، قال: ولكلِّ بلد رؤيتُهم، إلا ما كان کالمصر الكبير، وما
تقاربت أقطارُه من بلدان المسلمين.
(١) في سننه قبل الحديث (٦٩٣). وقد وقع في النسخ: البخاري بدل: الترمذي، وهو خطأ، والمثبت من
المفهم ١٤٣/٣.
وقد ترجم مسلم أيضاً: باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم، قبل الحديث (١٠٨٧)، وسيذكره المصنف
قريباً، وانظر إكمال المعلم ٤/ ١١ .
(٢) انظر التمهيد ٣٥٦/١٤، والاستذكار ٢٩/١٠، والمفهم ١٤٣/٣.
(٣) ٧٠/١.
(٤) في (د) و(م): تسعة وعشرين يوماً.
(٥) سلف في المسألة الثالثة.
(٦) في الاستذكار ٣٠/١٠.

١٥٨
سورة البقرة : الآية ١٨٥
روى مسلم (١) عن كُرَيب أنَّ أَمَّ الفضلِ بنتَ الحارث بعثَتْه إلى معاوية بالشَّام؛
قال: فقدِمتُ الشام، فقضيتُ حاجتَها، واستُهِلَّ عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيتُ
الهلالَ ليلةَ الجمعة، ثم قدِمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بنُ عباس
رضي الله عنهما، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلةً
الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه النَّاس وصاموا وصام معاوية. فقال:
لكنَّا رأيناه ليلةَ السَّبت، فلا نزال نصومُ حتى نُكملَ ثلاثين أو نراه. فقلت: أَوَلا
تكتفي برؤية معاوية وصيامهِ؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله وَله .
قال علماؤنا(٢): قولُ ابنِ عباس: هكذا أمرنا رسول الله ◌َلل كلمةُ تصريح برفع
ذلك إلى النبيِّ وَّهِ وبأمره. فهو حجةٌ على أنَّ البلادَ إذا تباعدَتْ كتباعُدِ الشَّام من
الحجاز، فالواجب على أهل كلِّ بلدٍ أنْ تعمل على رؤيته دونَ رؤية غيرهِ، وإنْ ثبَت
ذلك عند الإمام الأعظم، ما لم يَحملِ الناسَ على ذلك، فإنْ حَمل فلا تجوزُ مخالفتُه.
وقال الكِيا الطبري(٣): قوله: هكذا أمرَنا رسولُ اللهِ وَل قيل(٤): يحتملُ أنْ
يكونَ تأوَّل فيه قولَ رسول الله بَّهِ: ((صُومُوا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)).
وقال ابن العربي: واختلف في تأويل ابن عباس، فقيل: ردّه لأنه خبرُ واحد،
وقيل: ردَّه لأنَّ الأقطار مختلفةٌ في المطالع؛ وهو الصحيح، لأنَّ كُرَيْباً لم يشهدْ،
وإنما أخبر عن حكم ثبت بالشَّهادة، ولا خلاف في الحكم الثابت أنه يَجزي فيه
خبرُ الواحد. ونظيرُهَ ما لو ثبت أنه أهلَّ ليلةَ الجمعة بأَغْمات وأهلَّ بإشْبِيلِيَة ليلةً
السبت، فيكونُ لأهل كلِّ بلدٍ رؤيتهم؛ لأنَّ سُهَيلاً يُكشف من أَغْمات، ولا يُكشف
من إشبيلية، وهذا يدلُّ على اختلاف المطالع(٥).
(١) برقم (١٠٨٧)، وهو في مسند أحمد (٢٧٨٩).
(٢) المفهم ١٤٢/٣ .
(٣) في أحكام القرآن ١/ ٧١.
(٤) قوله: قيل، ليست في (م).
(٥) أحكام القرآن ٨٤/١، وأغمات: ناحية في بلاد البربر من أرض المغرب قرب مراكش، وإشبيلية:
مدينة كبيرة عظيمة بالأندلس. معجم البلدان. وسُهيل: نجم، عند طلوعه تنضج الفواكه، وينقضي
القيظ. القاموس (سهل).

١٥٩
سورة البقرة : الآية ١٨٥
قلت: وأمَّا مذهبُ مالك رحمه الله في هذه المسألة؛ فروى ابنُ وهب وابنُ
القاسم عنه في ((المجموعة)) أنَّ أهل البصرة إذا رأَوا هلالَ رمضانَ، ثم بَلَغَ ذلك إلى
أهل الكوفة والمدينة واليمن أنه يلزمُهم الصيامُ أو القضاء إنْ فات الأداء.
وروى القاضي أبو إسحاق عن ابن الماجِشُون أنه إنْ كان ثبتَ بالبصرة بأمرٍ
شائعٍ ذائعٍ يَستغني عن الشَّهادة والتعديل له، فإنه يلزمُ غيرَهم من أهل البلادِ
القضاءُ، وإنْ كان إنَّما ثبت عند حَكّمهم (١) بشهادة شاهدَیْن؛ لم يلزمْ ذلك من البلاد
إلا مَن كان يلزمُه حُكمُ ذلك الحَكَمِ ممن هو في ولايته، أو يكونُ ثبتَ ذلك عند
أميرِ المؤمنين، فَيَلزَمُ القضاءُ جماعةَ المسلمين. قال: وهذا قولُ مالك(٢).
السابعة: قرأ جمهورُ الناس (شَهْرُ)) بالرفع على أنه خبرُ ابتداءٍ مضمر، أي:
ذلكم شهر، أو المفترَض عليكم صيامُه شهرُ رمضان، أو الصوم أو الأيام (٣).
وقيل: ارتفع على أنه مفعول لم یُسَمَّ فاعلُہ بـ «ُتِب) أي: ◌ُتب عليكم شهرُ
رمضان(٤). و((رمضان)) لا ينصرفُ؛ لأنَّ النُّونَ فيه زائدة.
ويجوزُ أنْ يكونَ مرفوعاً على الابتداء، وخبره ﴿الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾.
وقيل: خبره ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾، و﴿الَّذِىّ أُنزِلَ﴾ نعتٌ له. وقيل: ارتفع على البدل من
الصيام. فمن قال: إنَّ الصيامَ في قوله: ﴿كُثِّبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ هي ثلاثة أيام
وعاشوراء، قال هنا بالابتداء، ومن قال: إنَّ الصيامَ هناك رمضانُ، قال هنا
بالابتداء أو بالبدل من الصيام، أي: كُتِب عليكم شهرُ رمضان(٥).
وقرأ مجاهد وشَهْرُ بن حَوْشَب ((شَهْرَ)) بالنصب(٦). قال الكسائي: المعنى:
كُتب علیکم الصيام، وأنْ تصوموا شهرَ رمضان.
(١) في (م): حاكمهم (في الموضعين)، وهما بمعنى.
(٢) ينظر النوادر والزيادات ١١/٢، وكتابُ ((المجموعة)) هو لمحمد بن إبراهيم بن عَبْدوس الإمام الثقة من
كبار أصحاب سحنون. ترتيب المدارك ١١٩/٣ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٧/١.
(٤) تفسير أبي الليث ١٨٤/١ .
(٥) المحرر الوجيز ٢٥٤/١.
(٦) تقدم ص ١٥١ .

١٦٠
سورة البقرة : الآية ١٨٥
وقال الفرّاء(١): أي: كُتب عليكم الصيام، أي: أنْ تصوموا شهرَ رمضان.
قال النحاس(٢): لا يجوز أنْ ينتصب ((شهر رمضان)) بتصوموا؛ لأنه يدخل في
الصلة، ثم يفرّق بين الصلة والموصول، وكذلك إنْ نصبته بالصيام، ولكن يجوز أنْ
تنصبه على الإغراء، أي: الزموا شهر رمضان، وصوموا شهر رمضان، وهذا بعيدٌ
أيضاً؛ لأنه لم يتقدَّم ذكرُ الشهر فيُغْرَى به.
قلت: قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ يدلُّ على الشهر فجاز الإغراء، وهو
اختيارُ أبي عُبيد(٣). وقال الأخفش(٤): انتصب على الظرف.
وحُكي عن الحسن وأبي عمرو إدغامُ الراء في الراء؛ وهذا لا يجوز لئلًّا يجتمعَ
ساكنان(٥)، ويجوز أنْ تُقلبَ حركةُ الراء على الهاء، فتُضمَّ الهاءُ، ثم تُدغم، وهذا
قولُ(٦) الكوفيين.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ اٌلْقُرْءَانُ﴾ نصٌّ في أنَّ القرآن نزل في
شهر رمضان، وهو يُبيِّنُ قولَه عزَّ وجلَّ: ﴿حَمّ ﴾ وَلْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴾ إِنَّا أَنزَلْنَهُ
فِى لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾ [الدخان] يعني ليلةَ القدر؛ لقوله(٧): ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. وفي
هذا دليلٌ على أنَّ ليلة القدرِ إنما تكون في رمضانَ لا في غيره. ولا خلاف أنَّ
القرآن أُنزل من اللوح المحفوظ ليلةَ القدر - على ما بيناه(٨) - جملةٌ واحدة، فوُضع
(١) في معاني القرآن ١١٣/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٨٧/١ وعنه نقل المصنف.
(٢) إعراب القرآن ٢٨٧/١.
(٣) لم نقف على قول أبي عبيد، ونسبه أبو حيان في البحر المحيط ٣٩/٢، والسمين الحلبي في الذر
٢٨٧/٢ لأبي عبيدة، وانظر معاني القرآن للزجاج ٢٥٤/١.
(٤) معاني القرآن له ٣٥٢/١.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٦/١، وكذا ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٥٤/١ وقال: وذلك
لا تقتضيه الأصول لاجتماع ساكنين. وتعقّبه أبو حيان في البحر ٣٩/٢، فقال: يعني (أي ابن عطية)
بالأصول، أصول ما قرره أكثر البصريين ... ولم تُقصر لغة العرب على ما نقله أكثر البصریین،
ولا على ما اختاروه، بل إذا صحّ النقل، وجب المصير إليه. اهـ. وقراءة أبي عمرو - وهو البصري -
من القراءات السبعة المتواترة، وهي من رواية السوسي عنه. انظر التيسير ص ٢٠، والنشر ١/ ٢٨٠.
(٦) في (د) و(ز) و(م): وهو قول.
(٧) في (د) و(م): ولقوله.
(٨) ٩٨/١.