النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
الحسن(١)، عن عِمرانَ بنِ حُصَين رضي الله عنه، أنَّ رجلاً أعتقَ ستةَ مملوكينَ له
عند موتِه، ولم يكنْ له مالٌ غيرُهم، فبلغ ذلك النبيَّ وَّهِ، فغضبَ مِن ذلك، وقال:
(لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أُصلِّيَ عليه)) [ثم دعا مملوكِيه] فجزَّأَهم ثلاثةً أجزاء، ثمَّ أقرعَ
بينهم، فأعتقَ اثنينٍ، وأرقَّ أربعةٌ(٢). وأخرجه مسلمٌ بمعناه(٣) إلَّا أنه قال في آخره:
وقال له قولاً شديداً، بدلَ قولِه: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أُصَلِّيَ عليه)).
قلت: فهذه جملةٌ من أحكام الوصايا، وسيأتي من حكم الوصيِّ وما يفعله من
المال في هذه السورة عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وفي
النساء عند قوله: ﴿وَأَبْئَلُواْ اَلْيَ﴾ [الآية: ٦] ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى(٤).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ
مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ (٨٢) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى
سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ
خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُّ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌّ لَكُمٌّ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
فیه ستُّ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلِضِيَامُ﴾ لمَّا ذَكَرَ ما
كَتبَ على المكلَّفين منَ القصاص والوصيّة، ذكرَ أيضاً أنه كتبَ عليهم الصيامَ،
وألزمَهم إِيَّهُ، وأوجبَه عليهم، ولا خلافَ فيه، قال ◌َّهِ: (بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ
شهادةٍ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمداً رسولُ الله، وإقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ،
وصومِ رمضانَ، والحجّ)) رواه ابن عمر؛ أخرجه الأئمة(٥).
(١) بعدها في النسخ: عن سمرة، وهو خطأ .
(٢) سنن النسائي الكبرى (٢٠٩٦)، وفي المجتبى ٦٤/٤، وما بين حاصرتين منه، وهو في مسند أحمد
(١٩٨٦٦).
(٣) صحيح مسلم (١٦٦٨).
(٤) من قوله: قلت فهذه جملة من أحكام الوصايا ... إلى هذا الموضع، من (ظ)، وليس في باقي النسخ.
(٥) قوله: أخرجه الأئمة من (ظ). والحديث عند أحمد (٦٠١٥)، والبخاري (٨)، ومسلم (١٦) واللفظ له.

١٢٢
:
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
ومعناه(١) في اللغة: الإمساك، وترك التنقّل من حال إلى حال. ويقال للصَّمْت:
صومٌ، لأنه إمساكٌ عن الكلام، قال الله تعالى مخبراً عن مريم: ﴿إِنّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ
صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]، أي: سُكوتاً عن الكلام. والصومُ: ركودُ الريح، وهو إمساكُها
عن الهبوب. وصامتِ الدابةُ على آرِيِّها(٢): قامت وثبتت فلم تَعْتَلِف. وصام النهار:
اعتدل. وَمَصامُ الشمس: حيث تستوي في منتصف النهار، ومنه قول النابغة:
خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غيرُ صائمةٍ تحت العَجاج وخَيلٌ تَعْلُكُ اللُّجُما(٣)
أي: خيلٌ ثابتةٌ ممسكةٌ عن الجَرْي والحركة، كما قال:
كأنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقتْ في مَصامِها(٤)
أي: هي ثابتة في مواضعها فلا تنتقل، وقوله:
والبَكَراتُ شرُّهنَّ الصَّائمهْ(٥)
يعني: التي لا تدور.
وقال امرؤ القيس(٦) :
ذُمُولٍ إذا صام النهارُ وهَجّرا
فَدَعْ ذَا وسَلِّ الهَمَّ عنكَ بِجَسْرَةِ
أي: أبطأتِ الشمسُ عن الانتقالِ والسيرٍ، فصارت بالإبطاء كالممسكة.
وقال آخر:
وسالَ للشمسِ لُعابٌّ فَتَزَلْ (٧)
حتى إذا صامَ النهارُ واعْتَدَلْ
(١) في (ظ): والصيام، بدل: ومعناه.
(٢) الآريُّ: مَخْبِسُ الدابة. مختار الصحاح.
(٣) ديوان النابغة الذبياني ص ١٣٠، وفيه: وأخرى تعلك.
(٤) قائله امرؤ القيس، وهو في ديوانه ص١٩، وتمامه:
بأَمْراسٍ كَثَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلٍ
(٥) الرجز في تهذيب اللغة ١٢/ ٢٦٠، والصحاح واللسان (صوم) دون نسبة، وقبله:
شَرُّ الدِّلاء الوَلْغَةُ المُلازِمَه
(٦) ديوانه ص٦٣ .
(٧) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٢٦/٢، والسمين في الدر المصون ٢٦٦/٢.

١٢٣
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
وقال آخر:
نَعاماً بَوَجْرَةَ صُفْرَ الخدُو دِ ما تَطْعَمُ النومَ إلا صِياما (١)
أي: قائمة. والشِّعر في هذا المعنى كثيرٌ.
والصوم في الشرع: الإمساكُ عن المفطراتِ مع اقترانِ النيةِ به من طلوعِ الفجر
إلى غروب الشمس، وتمامُه وكمالُه باجتنابِ المحظوراتِ، وعدم الوقوع في
المحرَّمات، لقوله عليه السلام: ((مَنْ لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ به، فليسَ للهِ حاجةٌ
فِي أَنْ يَدَعَ طَعامَه وشَرابَه))(٢).
الثانية: فضلُ الصوم عظيمٌ، وثوابُه جسيمٌ، جاءت بذلك أخبارٌ كثيرةٌ صحاح
وحِسَانٌ، ذكرها الأئمة في مسانيدهم، وسيأتي بعضُها، ويكفيكَ الآن منها في فضل
الصوم أنْ خصَّه اللهُ بالإضافة إليه، كما ثبت في الحديث عن النبيِّ وَّر أنه قال
مخبراً عن ربِّه: ((يقول الله تبارك وتعالى: كُلُّ عَملِ ابنِ آدمَ لَهُ إلَّا الصَّومَ، فإنَّهُ لي
وأنا أَجْزِي به)) الحديث(٣).
وإنما خصَّ الصومَ بأنه له - وإن كانت العباداتُ كلُّها له - لأمرين بايَنَ الصومُ
بهما (٤) سائرَ العبادات:
أحدهما: أنَّ الصومَ يمنعُ من مَلاذٌ النفسِ وشهواتِها ما لا يمنعُ منه سائرُ العبادات.
إلا الصلاة، على ما تقرر بيانه عند قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥](٥).
الثاني: أنَّ الصومَ سِرٌّ بين العبد وبين ربِّه، لا يظهرُ إلا له، فلذلك صار مختصًّا
به، وما سواه من العبادات ظاهرٌ، رُبَّما فعلَه تَصنُّعًا ورِياءً، فلهذا صار أخصَّ
بالصوم من غيره(٦). وقيل غيرُ هذا.
(١) قائله بشر بن أبي خازم، وهو في ديوانه ص ١٩٩، وفيه: نعاماً بخَظمة صُعْر الخدود، ما تطعم
الماء ... وسلف ٢ / ١٤٤ .
(٢) أخرجه أحمد (٣٨٣٩) والبخاري (١٩٠٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) أخرجه أحمد (٧٤٩٤)، والبخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٤) في النسخ الخطية: بها. والمثبت من (م) وهو الموافق لما في النكت والعيون.
(٥) من قوله: إلا الصلاة ... من (ظ).
(٦) النكت والعيون ٢٣٥/١.

١٢٤
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
الثالثة: قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ الكاف في موضع نصبٍ على النعت،
التقدير: كتاباً كما، أو صوماً كما. أو على الحال من الصيام، أي: كُتب عليكم
الصيام مُشْبِهاً ما (١) كُتب على الذين من قبلكم (٢) وقال بعضُ النحاة: الكافُ في
موضع رفع نعتاً للصيام، إذ ليس تعريفُه بمحض، لمكان الإجمال الذي فيه مما (٣)
فسَّرَتْه الشّريعةُ، فلذلك جاز نعتُه بـ ((كما))، إذ لا يُنعت بها إلا النكراتُ، فهو
بمنزلة: كُتب عليكم صيامٌ، وقد ضُعِّف هذا القول.
و ((ما)) في موضع خفض، وصلتُها: ﴿كُتِبَ عَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. والضمير
في ((كُتب)) يعود على ((ما))(٤).
واختلف أهلُ التأويل في موضع التشبيه وهي:
الرابعة: فقال الشعبيُّ وقتادةٌ وغيرُهما: التشبيه يرجع إلى وقت الصوم وقدر
الصوم، فإنَّ الله تعالى كتبَ على قوم(٥) موسی وعیسی صوم رمضان، فغيَّروا، وزاد
أحبارُهم عليهم عشرةً أيام، ثم مَرِضَ بعضُ أحبارِهم، فنذرَ إنْ شفاه اللهُ أن يزيدَ في
صومهم عشرةً أيام، ففعل، فصار صومُ النصارى خمسين يوماً، فصعبُ عليهم في
الحرِّ، فنقلوه إلى الربيع(٦). واختار هذا القولَ النحاسُ(٧)، وقال: وهو أشبهُ بما
في الآية. وفيه حديثٌ يدلُّ على صحته؛ أسندَه عن دَغْفَل بن حنظلةَ، عن النبيِّ وَّل
قال: ((كان على النصارى صومُ شهرٍ، فمرضَ رجلٌ منهم، فقالوا: لئن شفاهُ اللهُ
لنزيدنَّ عَشْراً، ثم كان آخرُ، فأكلَ لحماً، فأوجع فاه، فقالوا: لئن شفاه اللهُ لنزيدنّ
سَبْعاً، ثم كان ملكٌ آخرُ فقالوا: لَنُتِمَّنَّ هذه السبعةَ الأيام، ونجعلَ صومَنا في
(١) في (خ) و(ز) و(د) و(م): كما. والمثبت من (ظ) وهو موافق لما في المحرر الوجيز ٢٥٠/١. والكلام
منه .
(٢) قوله: من قبلكم، من (م) والمحرر الوجيز.
(٣) في (د) و(ظ) و(م): بما. والمثبت من (ز) و(خ) وهو موافق لما في المحرر الوجيز.
(٤) إعراب القرآن ٢٨٤/١ .
(٥) لفظة ((قوم)) من (م).
(٦) أخرجه نحوه الطبري ١٥٣/٣ عن الشعبي، وانظر المحرر الوجيز ٢٥٠/١.
(٧) في الناسخ والمنسوخ ١/ ٤٩٢.

١٢٥
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
الرَّبيع، قال: فصار خمسين)) (١).
وقال مجاهد: كتبَ الله عزَّ وجلَّ صومَ شهرِ رمضانَ على كلِّ أمة(٢).
وقيل: أخذوا بالوثيقة، فصاموا قبل الثلاثين يوماً، وبعدها يوماً، قرناً بعد
قرن، حتى بلغ صومُهم خمسين يوماً، فصعُب عليهم في الحرِّ، فنقلوه إلى الفصلِ
الشمسيِّ. قال النقاش: وفي ذلك حديثٌ عن دَغْفَل بن حنظلة والحسنِ البصري
والسُّدِّيِّ(٣).
قلت: ولهذا - والله أعلم - كُره الآن صومُ يوم الشكّ والسِّتةِ من شؤَّال بإثر يوم
الفطر متصلاً به. قال الشعبيُّ: لو صمتُ السَّنَةَ كلَّها لأفطرتُ يومَ الشكّ، وذلك أنَّ
النصارى فُرض عليهم صومُ شهر رمضان كما فُرض علينا، فحوَّلُوه إلى الفصل
الشمسي، لأنه قد كان وافقَ(٤) القيظَ، فعدُّوا ثلاثين يوماً، ثم جاء بعدهم قرنٌ،
فأخذُوا بالوثيقة لأنفسهم، فصاموا قبلَ الثلاثين يوماً، وبعدها يوماً، ثم لم يزل
الآخِرُ يستنُّ بسُنَّة مَنْ كان قبلَه، حتى صاروا إلى خمسين يوماً، فذلك قولُهُ تعالى:
﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾(٥). يعني: فُرِضَ على أهل الملل كلِّها، فهذا
قول(٦)
وقيل: التشبيه راجعٌ إلى أصل وجوبه على مَن تقدَّم، لا في الوقت والكيفية.
وقيل: التشبيه واقعٌ على صفة الصوم الذي كان عليهم، مِن منعهم من الأكل
(١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٩٢/١. وأخرجه أيضاً البخاري في التاريخ الكبير ٢٥٤/٣ -٢٥٥،
والطبراني في الأوسط (٨١٨٩) من طريق الحسن عن دغفل، مرفوعاً. قال البخاري: لا يتابع عليه،
ولا يعرف سماع الحسن من دغفل، ولا يعرف لدغفل إدراك النبي وَص 9.
وأخرجه الطبراني أيضاً في الكبير (٤٢٠٣)، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال ٤٨٦/٨ (ترجمة
دغفل) موقوفاً .
(٢) النكت والعيون ٢٣٦/١.
(٣) انظر المحرر الوجيز ٢٥٠/١. وسلف حديث دغفل بن حنظلة قريباً. وأما قول الحسن البصري فقد
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٢٦)، وقولُ السُّدِّيّ أخرجه الطبري ١٥٤/٣.
(٤) في (م): يوافق.
(٥) أخرجه الفراء في معاني القرآن ١١١/١، والطبري ١٥٣/٣، وقد سلف قريباً.
(٦) من قوله: يعني فرض ... من (ظ).

١٢٦
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
والشرب والنكاح، فإذا جاز(١) الإفطارُ، فلا يفعلُ هذه الأشياءَ مَن نام. وكذلك
كان في النصارى أوَّلاً، وكان في أوَّل الإِسلام، ثم نسخه الله تعالى بقوله: ﴿أُلَّ
لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] على ما يأتي بيانه، قاله السُّدِّئُّ
وأبو العالية والربيع(٢).
وقال معاذ بن جبل وعطاء: التشبيهُ واقعٌ على الصوم، لا على الصفة، ولا
على العِدَّة، وإن اختلف الصيامانِ بالزيادة والنقصان. المعنى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ﴾ أي: في أوَّل الإسلام ثلاثةَ أيام من كلِّ شهر ويومَ عاشوراء ﴿كَمَا كُتِبَ
عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ - وهم اليهود في قول ابن عباس - ثلاثةَ أيام ويومَ
عاشوراء، فصام وَلّ كذلك حين قدومه المدينة سبعة عشر شهراً (٣)، ثم نُسخ هذا
في هذه الأمة بشهر رمضان(٤). قال ابن عباس: كان أول ما نسخ شأن القبلة
والصيام الأول(٥). وقال معاذ بن جبل: نُسخ ذلك بِأَيَّام مَعْدُوداتٍ، ثم نُسختٍ
الأیامُ برمضان.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ (لعلَّ)) تَرَجٌّ في حقّهم كما تقدم (٦).
و ((تتقون)) قيل: معناه هنا: تضعفون، فإنه كلَّما قلَّ الأكلُ ضعفت الشهوةُ،
وكلَّما ضعفت الشهوة قلَّتِ المعاصي(٧). وهذا وجه مجازيٌّ حسنٌ. وقيل: لتتقوا
المعاصي. وقيل: هو على العموم، لأنَّ الصيام كما قال عليه السلام: ((الصِّيامُ
(١) في (م): حان.
(٢) المحرر الوجيز ١/ ٢٥٠. ونسبه فيه إلى السُّدِّيِّ والربيع، وقد أخرجه الطبري ٣/ ١٥٤ و٢٣٩-٢٤٠ من
قول السدي، و١٥٤/٣ من قول الربيع.
(٣) من قوله: فصام ◌َ ل كذلك .. من (ظ).
(٤) أخرج نحو هذه الأقوال الطبري ١٥٧/٣ - ١٥٨.
(٥) من قوله: قال ابن عباس ... من (ظ). وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٢/ ٤٥٠، والحاكم ٢٦٧/٢،
والبيهقي ١٢/٢، وابن عبد البر في التمهيد ٥٤/٨، دون ذكر الصيام.
(٦) ٣٤١/١.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٧٥.

١٢٧
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
جُنَّةٌ))(١) و((وِجاء))(٢)، وسببُ تَقْوَى، لأنه يُميت الشهوات(٣).
السادسة: قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ((أيَّاماً)) مفعول ثان بـ ((كُتب))، قاله
الفرَّاء(٤).
وقيل: نصبٌ على الظرف لـ ((كُتب))، أي: كُتب عليكم الصيامُ في أيام.
والأيامُ المعدودات: شهرُ رمضان، وهذا يدلُّ على خلافٍ ما رُوِيَ عن
معاذ(٥)، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِذٌَّ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾.
فيه ستَّ عشرةَ مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿قَرِيضَّا﴾؛ للمريض حالتان:
إحداهما: ألَّا يُطيقَ الصومَ بحالٍ، فعليه الفطرُ واجباً.
الثانية: أنْ يقدرَ على الصوم بضرر ومَشقّة، فهذا يُستحبُّ له الفطرُ، ولا يصومُ
إلا جاهلٌ(٦).
قال ابن سيرين: متى حصل الإنسانُ في حالٍ يستحقُّ بها اسمَ المرضِ، صحّ
الفطرُ، قياساً على المسافر لِعلَّةِ السفر، وإنْ لم تَدْعُ إلى الفطر ضرورة(٧). قال
طريف بن تمَّام العُطاردي: دخلت على محمدِ بنِ سيرين في رمضانً وهو يأكلُ،
(١) أخرجه أحمد (٧٦٩٣)، والبخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) جاء هذا اللفظ في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( ... فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)).
أخرجه أحمد (٣٥٩٢)، والبخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠)، والوجاء: أن تُرَضَّ أُنْثَيا الفحل رضًّا
شديداً يُذهب شهوة الجماع، ويتنزل في قطعه منزلة الخَضي ... أراد أن الصوم يقطع النكاح كما
يقطعه الوجاء. قاله ابن الأثير في النهاية .
(٣) المحرر الوجيز ٢٥٠/١.
(٤) معاني القرآن له ١١٢/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٥٠/١.
(٥) سلف قريباً .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٧٧ .
(٧) المحرر الوجيز ٢٥١/١.

١٢٨
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
فلما فرغَ قال: إنه وجعتْ أصبعي هذه(١).
وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرضٌ يؤلمه ويؤذيه، أو يخافُ تماديَه، أو
يخاف تزيُّدَه، صحَّ له الفِظْرُ. قال ابنُ عطية(٢): وهذا مذهب حذَّاقِ أصحابٍ
مالك، وبه يناظرون، وأما لفظ مالك فهو: المرضُ الذي يشقُّ على المرء ويبلغ به.
وقال ابن خُويز مَنْداد: واختلف الروايةُ عن مالك في المرض المبيحِ للفطر،
فقال مَرَّةً: هو خوفُ التلفِ منَ الصيام. وقال مَرَّةً: شدَّةُ المرض والزيادةُ فيه،
والمشقَّةُ الفادحة. وهذا صحيحُ مذهبِهِ، وهو مقتضى الظاهر؛ لأنه لم يخصّ مرضاً
من مرض، فهو مباحٌ في كل مرض، إلا ما خصَّه الدليلُ من الصُّداع والحُمَّى
والمرض اليسير الذي لا كُلْفَةَ معه في الصيام.
وقال الحسن: إذا لم يَقْدرْ منَ المرضٍ على الصلاةِ قائماً أفطر، وقاله
النَّخَعِيُّ(٣).
وقالت فرقة: لا يُفطر بالمرض إلَّا مَنْ دعته ضرورةُ المرضِ نفسِه إلى الفِظْر،
ومتى احتملَ الضرورةَ معه لم يفطرْ. وهذا قولُ الشافعيِّ رحمه الله تعالى (٤).
قلت: قولُ ابن سيرين أعدلُ شيء في هذا الباب إن شاء الله تعالى. قال
البخاري: اعتللتُ بنَيْسابور عِلَّةً خفيفة، وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاقُ بنُ
راهَوَيْه في نفرٍ من أصحابه، فقال لي: أفطرتَ يا أبا عبد الله؟ فقلت: نعم. فقال:
خشيتُ أن تضعفَ عن قَبول الرُّخصة. قلت: حدَّثنا عَبْدان، عن ابن المبارك، عن
ابن جُرَيْج قال: قلت لعطاء: من أيِّ المرض أُفطر؟ قال: من أيِّ مرضٍ كان، كما
(١) أخرجه الطبري ٢٠٢/٣-٢٠٣، وذكره البغوي في تفسيره ١/ ١٥٢. طريف بن تمَّام العطاردي، كذا وقع
اسمه في النسخ الخطية، وكذا نسبه الطبري والبغوي، وهو طريف بن شهاب، كما هو في كتب
الرجال، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣٣٦/٢: ويقال: ابن سفيان، ويقال: ابن طريف بن سعد،
وقيل غير ذلك، ضعفه ابن معين، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم،
وقال النسائي: متروك.
(٢) المحرر الوجيز ٢٥١/١ وما قبله منه.
(٣) المحرر الوجيز ٢٥١/١. وأخرج الطبري القولين ٢٠٢/٣.
(٤) المحرر الوجيز ٢٥١/١. وانظر قول الشافعي في الأم ٨٩/٢.

١٢٩
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾ قال البخاريُّ: وهذا الحديث لم يكن عند
إسحاق(١).
وقال أبو حنيفة: إذا خاف الرجلُ على نفسه وهو صائمٌ إنْ لم يُفطر أن تزدادَ
عينُه وجعاً، أو حُمَّاه شدَّةً، أفطر (٢).
الثانية: قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ اختلف العلماءُ في السفر الذي يَجوز فيه
الفِطْرُ والقَصْرِ، بعد إجماعهم على سفرِ الطاعة، كالحجِّ والجهاد، ويتَّصلُ بهذين
سَفَرُ صِلَةِ الرَّحِم وطلبِ المعاش الضروريّ. وأمَّا سفرُ التجارات والمباحات
فمختلَف فيه بالمنع والجواز(٣)، والقولُ بالجواز أرجح. وأمَّا سفر المعاصي(٤)
فيُختلف فيه بالجواز والمنع، والقولُ بالمنع أرجحُ، قاله ابن عطية (٥).
ومسافةُ الفطر عند مالك حيث تُقصر الصلاةُ، واختلف العلماء في قدر ذلك،
فقال مالك: يومٌ وليلة، ثم رجع فقال: ثمانيةٌ وأربعون مِيلاً (٦).
قال ابن خُوَيز مَنداد: وهو ظاهرُ مذهبه، وقال مرَّة: اثنان وأربعون مِيلاً، وقال مرَّة:
ستةٌ وثلاثون مِيلاً، وقال مرَّة: مسيرةُ يومٍ وليلة، ورُوي عنه يومان، وهو قولُ الشافعي.
وفصَّل مرَّة بين البَرِّ والبحر، فقال في البحر: مسيرةُ يوم وليلة، وفي البرّ: ثمانيةٌ
وأربعون ميلاً، وفي المذهب: ثلاثون ميلاً(٧)، وفي غير المذهب: ثلاثة أميال.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٧٧/١. وقد أخرج هذا الخبر الحاكم في معرفة علوم الحديث ص٧٥،
وابن عساكر في تاريخ دمشق ٩٧/١٥ (مخطوط دار البشير)، وابن حجر في تغليق التعليق ٤١٧/٥،
وفي مقدمة فتح الباري ص٤٨٧ .
وقول عطاء أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٥٦٨) عن ابن جريج.
(٢) انظر أحكام القرآن للجصاص ١/ ١٧٤ .
(٣) في (خ) و(ز) و(د) و(م): والإجازة. والمثبت من (ظ)، وهو موافق للمحرر الوجيز ٢٥١/١، والكلام منه.
(٤) في (ز) و(م): العاصي.
(٥) المحرر الوجيز ٢٥١/١. وما بعده منه.
(٦) الميل: هو في الأصل مقدار مَدى البصر من الأرض، ثم سُمي به ثلث الفرسخ، أي (٤٠٠٠) ذراع
شرعية، ويقدر حالياً بنحو ٢ كيلو متراً. قاموس المصطلحات الاقتصادية لمحمد عمارة: ٥٧٨،
والمكاييل والأوزان الإسلامية وما يعادلها في النظام المتري: ٩٥.
(٧) العبارة في المحرر الوجيز ٢٥١/١: وفي المذهب ستة وثلاثون، وفيه: ثلاثون.

١٣٠
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
وقال ابن عمر وابن عباس والثوريُّ: الفطرُ في سفرٍ ثلاثةِ أيام، حكاه ابن
عطية(١).
قلت: والذي في البخاري(٢): وكان ابنُ عمرَ وابنُ عباس يُفطران ويَقصُران في
أربعة بُرُدُ(٣)، وهي ستّةَ عشرَ فرسخاً (٤).
وسيأتي لهذا الباب مزيدُ بيان في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِي
الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَُّ أَنْ نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [الآية: ١٠١] إن شاء الله تعالى(٥) .
الثالثة: اتفق العلماء(٦) على أنَّ المسافرَ في رمضان لا يجوزُ له أنْ يُبَيِّتَ
الفِطْرَ، لأنَّ المسافرَ لا يكون مسافراً بالنِّيَّة؛ بخلاف المقيم، وإنما يكون مسافراً
بالعمل والنُّهوض، والمقيمُ لا يفتقر إلى عَمَل؛ لأنه إذا نوى الإقامةَ كان مُقيماً في
الحين؛ لأنَّ الإقامةَ لا تفتقر إلى عمل، فافترقا.
ولا خلافَ بينهم أيضاً في الذي يؤمِّلُ السفر أنه لا يجوز له أنْ يُفطر قبل أنْ
يَخرج. فإنْ أفطرَ؛ فقال ابن حبيب: إنْ كان قد تأهَّبَ لسفره، وأخذَ في أسباب
الحركة، فلا شيءَ عليه، وحُكِيَ ذلك عن أَصْبَغَ وابنِ الماجِشُون، فإنْ عاقَه عن
السفر عائقٌ كان عليه الكفارة، وحَسْبُه أنْ ينجوَ إنْ سافرَ. ورَوی عیسى عن ابن
القاسم: أنه ليس عليه إلا قضاءُ يوم، لأنه متأوِّل في فِطرِه. وقال أشهب: لا شيء
عليه(٧) منَ الكفَّارة؛ سافرَ أو لم يسافر. وقال سُخنون: عليه الكفَّارة، سافرَ أو لم
يسافرْ، وهو بمنزلةِ المرأة تقول: غداً تأتيني خَيْضتي، فتُفْطِرُ لذلك. ثم رجعَ إلى
(١) المحرر الوجيز ٢٥١/١.
(٢) البخاري: باب في كم يقصر الصلاة. فتح الباري ٢/ ٥٦٥ .
(٣) البريد: اسم للمسافة بين محطتين يقطعها حامل البريد، ويقدر حالياً بنحو ٢٤ كيلو متراً. قاموس
المصطلحات الاقتصادية: ٨٨.
(٤) ذكر صاحب معجم متن اللغة أن الفرسخ ثلاثة أميال، ويقدَّر بـ: ٥,٠٤٠، أو: ٥,١٦٠، أو: ٥,٧٦٠
کیلو متراً .
(٥) من قوله: وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان .. إلى هذا الموضع، من (ظ)، وليس هو في باقي النسخ.
(٦) في (خ) و(ظ): الفقهاء.
(٧) في (د) و(م): ليس عليه شيء، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ).

١٣١
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
قول عبد الملك وأَصْبَغ، وقال: ليس مثل المرأة؛ لأنَّ الرجل يُحدث السفرَ إذا
شاء، والمرأة لا تُحدثُ الحيضة(١).
قلت: قولُ ابنِ القاسم وأشهب في نفي الكفَّارة حَسَنٌ، لأنه فَعَلَ ما يجوزُ له
فعلُه، والذِّمة بريئة، لا يثبتُ فيها شيءٌ إلا بيقين، ولا يقينَ مع الاختلاف، ثم إنه
مُقْتضَى قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾.
وقال أبو عمر(٢): هذا أصحُّ أقاويلِهم في هذه المسألة، لأنه غيرُ مُنْتَهكٍ لحُرمة
الصوم بقصدٍ إلى ذلك، وإنما هو متأوّل، ولو كان الأكلُ مع نيَّة السفر يُوجب عليه
الكفَّارة؛ لأنه كان قبلَ خروجه ما أسقطها عنه خروجُه، فتأمَّل ذلك تَجدْهُ كذلك،
إن شاء الله تعالى.
وقد روى الدَّارَقُظْنيُّ: حدَّثنا أبو بكر النيسابوري، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ بنِ
سهل بمصر، حدَّثنا ابنُ أبي مريم، حدَّثنا محمدُ بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم
قال: أخبرني محمدُ بن المُنْكَدر، عن محمدِ بن كعب أنه قال: أتيتُ أنسَ بنَ مالك
في رمضانَ وهو يريدُ السفر، وقد رُحِلَتْ دابتُه ولَبِسَ ثيابَ السفر، وقد تقاربَ
غروبُ الشمس، فدَعا بطعام فأَكَّلَ منه، ثم رَكِبَ. فقلت له: سُنَّةٌ؟ قال: نعم (٣).
ورَوَى عن أنسٍ أيضاً قال: قال لي أبو موسى: أَلَمْ أُنَبَّأُ أنَّك (٤) إذا خَرَجتَ خَرَجتَ
صائماً، وإذا دَخَلتَ دَخَلتَ صائماً؟ فإذا خَرَجتَ فاخرجْ مُفطراً، وإذا دَخَلتَ فادْخُل
مُفطِراً(٥) .
وقال الحسنُ البصريُّ: يُفطِرُ إنْ شاءَ في بيته يومَ يريدُ أنْ يخرجَ، وقال أحمد:
يفطر إذا بَرَزَ عن البيوت، وقال إسحاق: لا، بل حين يضعُ رِجْلَه في الرَّحْل.
قال ابن المنذر: قولُ أحمدَ صحيحٌ؛ لأنهم يقولون لمن أصبحَ صحيحاً ثم
(١) ينظر التمهيد لابن عبد البر ٤٩/٢٢ - ٥٠، والاستذكار ٨٨/١٠-٩٠.
(٢) الاستذكار ٨٩/١٠.
(٣) سنن الدار قطني ٢/ ١٨٧-١٨٨. وأخرجه أيضاً الترمذي (٧٩٩) و(٨٠٠). وقال: حديث حسن.
(٤) في (م): أنبتنك، وهو خطأ .
(٥) سنن الدارقطني ١٨٨/٢. وأخرجه البيهقي ٢٤٧/٤.

١٣٢
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
اعتَلَّ: إنه يُفطر بقيةَ يومه، وكذلك إذا أصبح في الحَضَر، ثم خرج إلى السفر، فله
كذلك أنْ يفطرَ.
وقالت طائفة: لا يُفطر يومَه ذلك وإن نهض في سفره، كذلك قال الزهريُّ،
ومكحولٌ، ويحيى الأنصاريُّ، ومالكٌ والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثور،
وأصحابُ الرأي.
واختلفوا إنْ فَعَلَ، فكلُّهم قال: يقضي ولا يُكَفِّر (١). قال مالك: لأنَّ السفرَ
عذرٌ طارئ، فكان كالمرض يطرأُ عليه(٢). ورُوي عن بعضٍ أصحابٍ مالك: أنه
يقضي ويُكَفِّر، وهو قولُ ابنٍ كنانة والمخزومي(٣)، وحكاه الباجي(٤) عن الشافعيّ،
واختاره ابنُ العربيّ(٥) وقال به؛ قال: لأنَّ السفرَ عذرٌ طَرَأَ بعد لزومِ العبادة،
ويخالف المرضَ والحيضَ؛ لأنَّ المرضَ يُبيحُ له الفطرَ، والحيض يُحَرِّم عليها
الصومَ، والسفر لا يُبيح له ذلك، فوجبت عليه الكفارةُ لهَتْكِ حُرمته.
قال أبو عمر: وليس هذا بشيء، لأنَّ الله سبحانه قد أباح له الفطرَ في الكتاب
والسُّنة. وأما قولهم: ((لا يفطر))، فإنما ذلك استحبابٌ لما عَقَدَه، فإنْ أخذَ برخصة
الله، كان عليه القضاءُ، وأما الكَفَّارة فلا وجهَ لها، ومَن أوجبها فقد أوجبَ ما لم
يُوجبْهُ الله ولا رسولُه ◌َ له. وقد رُوِي عن ابن عمرَ في هذه المسألة: يفطرُ إنْ شاءَ
في يومه ذلك إذا خرجَ مسافراً، وهو قول الشعبيِّ وأحمد وإسحاق(٦).
قلت: وقد ترجمَ البخاري رحمه الله على هذه المسألة: باب مَنْ أفطرَ في
السفر ليراه الناس، وساق الحديثَ عن ابنِ عباس قال: خرجَ رسولُ اللهِوَ ◌ّر من
(١) تنظر الأقوال السالفة في التمهيد ٥٠/٢٢، والاستذكار ٨٦/١٠ و٨٧ و٨٨.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٨٣/١.
(٣) التمهيد ٥٠/٢٢.
(٤) في المنتقى ٥١/٢.
(٥) في أحكام القرآن ٨٣/١.
(٦) التمهيد ٥٠/٢٢. وأخرج ابن أبي شيبة ١٩/٣ عن ابن عمر أنه خرج في رمضان فأفطر. وأخرج
عبد الرزاق (٧٧٦٦) قول الشعبي. وتقدم قول أحمد وإسحاق.

١٣٣
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
المدينة إلى مكة، فصامَ حتى بَلَغَ عُسْفانَ، ثم دعا بماءٍ، فرفعَه إلى يدِه(١) ليراه(٢)
الناس، فأَفطرَ حتى قَدِمَ مكةَ، وذلك في رمضان(٣).
وأخرجه مسلم (٤) أيضاً عن ابنِ عباس، وقال فيه: ثم دَعا بإناءٍ فيه شرابٌ
فشربَه(٥) نهاراً لِيَراهُ الناسُ، ثم أَفطرَ حتى دَخَلَ مكةً. وهذا نصٌّ في الباب، فسَقطَ
ما خالفَه، وبالله التوفيق.
وفيه أيضاً حجَّةٌ على مَنْ يقول: إنَّ الصومَ لا ينعقدُ في السَّفر، رُويَ عن عمرَ
وابنِ عباس وأبي هريرةً وابنِ عمر(٦). قال ابنُ عمر: مَنْ صامَ في السَّفَرِ، فَضَى في
الحَضَر (٧). وعن عبد الرحمن بن عوف: الصائمُ في السَّفر كالمُفطر في الحضر (٨).
وقال به قومٌ من أهلِ الظاهر(٩)، واحتجُوا بقوله تعالى: ﴿فَمِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾
على ما يأتي بيانُه، وبما رَوَى كعبُ بنُ عاصم قال: سمعتُ النبيَّ وَّ ه يقول: ((ليسَ
مِنَ البِرِّ الصِّيامُ فِي السَّفَرِ))(١٠).
(١) في (م): يديه.
(٢) في (خ) و(ز) و(ظ) و(م): ليريه، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في صحيح البخاري.
(٣) صحيح البخاري (١٩٤٨)، وهو في مسند أحمد (٢٦٥٢).
(٤) صحيح مسلم (١١١٣).
(٥) في (ز) و(د) و(م): شربه.
(٦) قول عمر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٧٦٣)، وابن أبي شيبة ١٨/٣، والطبري ٢٠٦/٣،
والطحاوي في شرح معاني الآثار ٦٣/٢. وقول ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة ١٨/٣. وقول أبي
هريرة أخرجه ابن أبي شيبة ١٨/٣، والطحاوي ٢/ ٦٣ .
(٧) المحرر الوجيز ١/ ٢٥١.
(٨) أخرجه النسائي في المجتبى ١٨٣/٤، وفي الكبرى (٢٦٠٥) موقوفاً.
وأخرجه ابن ماجه (١٦٦٦) مرفوعاً، قال شيخه أبو إسحاق: هذا الحديث ليس بشيء، وانظر علل
الدار قطني ٣٨٣/٤، وعلل ابن أبي حاتم ٢٣٩/١.
(٩) انظر المحلى لابن حزم ٢٤٣/٦. وانظر هذا القول وما قبله في التمهيد ٢/ ١٧٠.
(١٠) أخرجه أحمد (٢٣٦٨٠)، والنسائي في المجتبى ١٧٤/٤-١٧٥، وفي الكبرى (٢٥٧٥)، وابن ماجه
(١٦٦٤).
وأخرجه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وفيه قصة،
وسيذكره المصنف آخر المسألة السادسة عشرة.

١٣٤
سورة البقرة: الآيتان ١٨٣، ١٨٤
وفيه أيضاً حجَّةٌ لمن(١) يقول: إنَّ مَن بَيَّتَ الصومَ في السفر، فله أنْ يُفطِرَ وإنْ
لم يكن له عذرٌ، وإليه ذهب مُطَرِّف، وهو أحدُ قولَي الشافعي، وعليه جماعةٌ من
أهل الحديث. وكان مالكٌ يوجبُ عليه القضاءَ والكفارةَ، لأنه كان مَخيَّراً في
الصوم والفِطر، فلما اختار الصومَ وبيَّتَه، لزمَه، ولم يكن له الفطرُ، فإن أفطرَ عامداً
مِن غيرِ عُذرٍ، كان عليه القضاءُ والكفارةُ. وقد رُوِيَ عنه أنه لا كفَّارةَ عليه، وهو
قولُ أكثرٍ أصحابِهِ، إلَّا عبدَ الملك؛ فإنه قال: إنْ أفطرَ بجماع كَفَّر، لأنه لا يَقْوَى
بذلك على سَفرِهِ، ولا عُذْرَ له، لأنَّ المسافرَ إنما أُبيحَ له الفطرُ لِيَقْوَى بذلك على
سَفرهٍ. وقال سائر الفقهاء بالعراق والحجاز: إنه لا كَفَّارة عليه، منهم الثوريُّ،
والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةً، وسائرُ فقهاءِ الكوفة؛ قاله أبو عمر (٢).
الرابعة: واختلف العلماءُ في الأفضل بين (٣) الفِطْرِ أو الصوم في السفر، فقال
مالكٌ والشافعيُّ في بعض ما رُويَ عنهما: الصومُ أفضلُ لمَنْ قَوِيَ عليه. وجُلُّ
مذهبٍ مالكِ التخييرُ، وكذلك مذهب الشافعي؛ قال الشافعيُّ ومَنِ اتَّبَعَه: هو
مُخيّرٌ، ولم يُفَضِّل، وكذلك ابنُ عُلَيَّة، لحديث أنسٍ قال: سافرنا مع رسولِ الله وَّلـ
في رمضان، فلم يَعِبِ الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم، خرَّجه مالكٌ
والبخاريُّ ومسلم(٤).
ورُوِيَ عن عثمانَ بن أبي العاص الثَّقَفِيِّ وأنسٍ بن مالك صاحِبَيْ رسولِ الله وَّل
أنهما قالا: الصومُ في السفر أفضلُ لمن قَدَر عليه(٥)، وهو قولُ أبي حنيفة
وأصحابه.
ورُوي عن ابن عمر وابن عباس: الرخصةُ أفضلُ، وقال به سعيدُ بنُ المسيِّب،
والشعبيُّ، وعمرُ بنُ عبد العزيز، ومجاهدٌ، وقتادةُ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ،
(١) في (د) و(م): على من، وهو خطأ .
(٢) الاستذكار ٧٦/١٠.
(٣) في (د) و(ز) و(م): من، وليست في (ظ)، والمثبت من (خ).
(٤) موطأ مالك ٢٩٥/١، وصحيح البخاري (١٩٤٧)، وصحيح مسلم (١١١٨).
(٥) قول عثمان بن أبي العاص أخرجه ابن أبي شيبة ١٦/٣، والطبري ٣/ ٢١٠. وقول أنس أخرجه ابن أبي
شيبة ١٦/٣، والطبري ٣/ ٢١٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٦٧/٢، والبيهقي ٢٤٥/٤.

١٣٥
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
وإسحاق، كلُّ هؤلاء يقولون: الفِطْرُ أفضل، لِقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ
اُلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾(١).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ في الكلام حذفٌ، أي: مَنْ
يكن منكم مريضاً أو مسافراً، فأفطرَ، فَلْيَقْضِ. والجمهور من العلماء على أنَّ أهلَ
البلدِ إذا صاموا تسعةً وعشرين يوماً، وفي البلد رجلٌ مريضٌ لم يَصحَّ، فإنه يقضي
تسعةً وعشرين يوماً. وقال قومٌ منهم الحسنُ بنُ صالح بنٍ حَيّ: إنه يقضي شهراً
بشهر، من غير مراعاة عددِ الأيام. قال الكيًا الظَّبَرِيّ(٢): وهذا بعيدٌ، لقوله تعالى:
﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ ولم يقل: فشهرٌ من أيام أُخر. وقوله: ((فِعِدَّةٌ)) يقتضي
استيفاءَ عددٍ ما أفطرَ فيه، ولا شكَّ أنه لو أفطر بعضَ رمضان، وجب قضاءُ ما
أفطر (٣) بعدده، كذلك يجبُ أن يكون حكمُ إفطارِ (٤) جميعِه في اعتبار عددِه.
السادسة: قوله تعالى: ﴿فَيِذَةٌ﴾ ارتفعَ ((عِدَّة)) على خبر الابتداء، تقديره:
فالحكم أو فالواجب عدَّة، ويصحُّ: فعليه عدَّة(٥). وقال الكسائيّ: ويجوز فعدَّةً،
أي: فَلْيَصمْ عِدَّةٌ من أيام(٦) .
وقيل: المعنى: فعليه صيامُ عِدَّة، فحُذف المضافُ، وأُقيمت العِدَّةُ مُقامَه.
والعدَّة فِعْلَة من العَدّ، وهي بمعنى المعدود، كالطّخْن بمعنى المطحون، تقول:
أسمعُ جَعْجَعَةً ولا أرى ◌ِحْناً(٧). ومنه عِدَّةُ المرأة.
﴿مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ لم ينصرف ((أُخَر)) عند سيبويه(٨)، لأنها معدولةٌ عن الألف
واللام، لأن سبيل ((فُعَل)) من هذا الباب أن يأتيَ بالألف واللَّام، نحو الكُبَر
(١) ينظر التمهيد ١٧١/٢، والاستذكار ٧٨/١٠-٧٩.
(٢) في أحكام القرآن ٦٩/١ - ٧٠.
(٣) في (م): أفطر بعده.
(٤) في (م): إفطاره.
(٥) المحرر الوجيز ٢٥١/١-٢٥٢.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٥/١.
(٧) مجمع الأمثال ١/ ١٦١.
(٨) الكتاب ٢٢٤/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٢٨٥/١ وعنه نقل المصنف.

١٣٦
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
والفُضَل. وقال الكسائي: هي معدولة عن أُخْر، كما تقول: حمراء وحُمْر، فلذلك
لم تنصرف. وقيل: مُنعت من الصرف لأنها على وزن جُمَع، وهي صفة لأيام، ولم
تجئ أُخرى؛ لئلا يُشكل بأنها صفةٌ للعِدَّة. وقيل: إن (أُخَر)) جمعُ أُخرى، كأنه(١)
أيام أُخرى، ثم كُثِّرتْ فقيل: أيام ◌ُخَر. وقيل: إنَّ نعتَ الأيام يكون مؤنَّثًا، فلذلك
نُعِتَتْ بِأُخَر (٢).
السابعة: اختلف الناسُ في وجوب تتابعِها على قولين، ذكرهما الدَّارَقُطْنِيُّ في
سننه، فرَوَى عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: نزلت: ((فعدَّة من أيام أُخرَ
متتابعات))، فسقطت: ((متتابعات)). قال: هذا إسناد صحيح(٣).
ورَوَى عن أبي هريرةً قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مَنْ كان عليه صومٌ من رمضانَ
فليَسْرُدْهُ ولا يَقْطَعْه))، في إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم ضعيف الحديث(٤).
وأسندَه عن ابنِ عباسٍ في قضاءٍ رمضان: صُمْهُ كيف شئتَ. وقال ابن عمر:
صُمْه كما أفطرتَه(٥)
وأَسندَ عن أبي عبيدةً بنِ الجرَّاحِ، وابنِ عباسٍ، وأبي هريرة، ومعاذٍ بن جبل،
وعمرو بن العاص(٦).
وعن محمد بن المنكدر قال: بلغني أنَّ رسولَ الله وَّرَ سُئل عن تقطيعِ [قضاء]
صيام رمضان فقال: ((ذلكَ إليكَ، أرأيتَ لو كان على أحدِكم دَينٌ فقضى الدرهمَ
(١) في (ظ): كأنه قال.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٥/١.
(٣) سنن الدار قطني ٢/ ١٩٢. وأخرجه أيضاً البيهقي ٢٥٨/٤. وقال: قولها: ((سقطت))، تريد: نسخت،
لا یصڅ له تأويل غير ذلك.
(٤) سنن الدارقطني ١٩١/٢ - ١٩٢، وأخرجه من طريقه البيهقي ٢٥٩/٤.
(٥) سنن الدارقطني ٢/ ١٩٢، وقد أخرجه من طريق ابن أبي شيبة، وهو في مصنفه ٣٣/٣-٣٤.
وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٧٦٦٥) عن ابن عباس، و(٧٦٥٦) و(٧٦٥٧) عن ابن عمر.
(٦) سنن الدارقطني ١٩٢/٢-١٩٤. وأخرج ابن أبي شيبة ٣٤/٣ حديث أبي عبيدة بن الجراح. وأخرج
مالك في الموطأ ٣٠٤/١، وعبد الرزاق (٧٦٦٤)، وابن أبي شيبة ٣٢/٣ حديث ابن عباس وأبي
هريرة. وأخرج ابن أبي شيبة ٣٢/٣ حديث معاذ بن جبل.

١٣٧
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
والدرهمين، ألم يكن قضاه(١)؟ فاللهُ أحقُّ أنْ يَعْفُوَ ويغفر)). إسنادُه حسنٌ إلا أنه
مرسل، ولا يثبتُ متَّصلاً (٢).
وفي مَوَظَّأ مالك عن نافع، أنَّ عبد الله بن عمر كان يقول: يصومُ [قضاء]
رمضان متابعاً مَنْ أفطرَه متتابعاً مِن مَرَضٍ أو في سفر(٣).
قال الباجي في ((المنتقى)): يحتمل أن يريدَ الإخبارَ عن الوجوب، ويحتمل أن
يريدَ الإخبارَ عن الاستحباب، وعلى الاستحباب جمهورُ الفقهاء. وإن فرَّقه أجزأه،
وبذلك قال مالكٌ والشافعيُّ. والدليل على صحة هذا قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ
أُخَرَّ﴾ ولم يخصّ متفرقةً من متتابعة، وإذا أتى بها متفرَّقة فقد صام عِدَّة من أيام
أُخر، فوجب أن يجزيّه(٤).
ابن العربي: إنما وجبَ التتابعُ في الشهر لكونه معيَّناً، وقد عُدم التعيينُ في
القضاء، فجاز التفريقُ(٥).
الثامنة: لما قال تعالى: ﴿فَمِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ دلَّ ذلك على وجوبِ القضاءِ
من غير تعيينٍ(٦) لزمان؛ لأن اللَّفظ مسترسلٌ على الأزمان، لا يختصُّ ببعضها دون
بعض .
وفي الصحيحين عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: [كان] يكون عليَّ الصومُ من
رمضان، فما أستطيعُ أنْ أقضيَه إلا في شعبان، الشُّغْلُ مِن رسولِ الله، أو
(١) في سنن الدار قطني: قضاءً.
(٢) سنن الدارقطني ١٩٤/٢، وما بين حاصرتين منه، وقد أخرجه من طريق ابن أبي شيبة، وهو في مصنفه
٣٢/٣. محمد بن المنكدر هو أبو عبد الله القرشي التيمي المدني، ولد سنة بضع وثلاثين، ومات سنة
ثلاثین ومئة. انظر سير أعلام النبلاء ٣٥٣/٥.
(٣) موطأ مالك ٣٠٤/١، وما بين حاصرتين منه. وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٧٦٥٨)، وابن أبي شيبة
٣٤/٣.
(٤) المنتقى ٦٤/٢. وقول مالك في الموطأ ٣٠٤/١، وقول الشافعي في الأم ٨٨/٢.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٧٩/١.
(٦) في (د) و(ز) و(خ): تعين. وفي (ظ): تغيير. والمثبت من (م) وهو الموافق لأحكام القرآن لابن
العربي ٧٩/١.

١٣٨
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
برسولِ الله ◌َ﴾. في رواية: وذلك لمكان رسول الله وَل﴾(١). وهذا نصٍّ وزيادةُ بيانٍ
للآية.
وذلك يَردُّ على داودَ قولَه: إنه يجب عليه قضاؤه ثاني شؤَّال، ومن لم يَصُمْه ثم
مات؛ فهو آثمٌ عنده، وبنى عليه أنه لو وجب عليه عِتقُ رقبة، فوجد رقبةً تباع بثمن،
فليس له أن يتعدَّاها ويشتريّ غيرها، لأن الفرضَ عليه أن يعتق أوَّل رقبة يجدُها،
فلا يَجزيه غيرها. ولو كانت عنده رقبةٌ، فلا يجوز له أن يشتريّ غيرها، ولو ماتَ
الذي عنده فلا يبطُلُ العتقُ، كما يبطُل فيمن نذرَ أن يعتقَ رقبةً بعينها، فماتت، يبطُلُ
نذرُه، وذلك يُفسِد قولَه. وقال بعض الأصوليين: إذا مات بعد مُضِيّ اليومِ الثاني
من شؤَّال، لا يعصي على شرطِ العَزْم (٢) .
والصحيحُ أنه غير آثم ولا مفرِّط، وهو قول الجمهور، غيرَ أنه يُستحبُّ له
تعجيلُ القضاء، لئلا تدركَهَ المنيَّةُ، فيبقى عليه الفرضُ.
التاسعة: مَن كان عليه قضاءُ أيام من رمضان، فمضت عليه عدَّتُها من الأيامِ
بعد الفطر أمكنه فيها صيامُه، فأخَّر ذلك، ثم جاءه مانعٌ منَعَه من القضاء إلى رمضان
آخر، فلا إطعامَ عليه، لأنه ليس بمفرِّط حين فعلَ ما يجوزُ له من التأخير. هذا قولُ
البغداديين منَ المالكيين، ويَرَوْنه قولَ ابنِ القاسم في ((المدوَّنة))(٣).
العاشرة: فإن أخَّر قضاءَه عن شعبان الذي هو غايةُ الزمان الذي يُقضَى فيه
رمضان، فهل يلزمُه لذلك كفَّارةٌ أوْ لا؟ فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق:
نعم. وقال أبو حنيفة والحسنُ والنَّخَعِيُّ وداود: لا(٤).
قلت: وإلى هذا ذهب البخاريُّ لقوله: ويُذكر عن أبي هريرة مرسلاً وابن
عباس؛ أنه يُطعِم، ولم يذكرِ اللهُ الإطعامَ، إنما قال: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾(٥).
(١) البخاري (١٩٥٠)، ومسلم (١١٤٦) وما بين حاصرتين منهما، وهو في مسند أحمد (٢٤٩٢٨).
(٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ١/ ٦٧ .
(٣) انظر المدونة ٢١٩/١، وإكمال المعلم ١٠١/٤-١٠٢، والمفهم ٢٠٥/٣- ٢٠٦.
(٤) انظر إكمال المعلم ١٠١/٤، والاستذكار ٢٢٦/١٠-٢٢٧.
(٥) صحيح البخاري، كتاب الصوم - باب ٣٩.

١٣٩
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
قلت: قد جاء عن أبي هريرة مُسْنَداً فيمن فَرَّط في قضاء رمضان، حتى أدركَه
رمضانُ آخر، قال: يصومُ هذا مع الناس، ويصوم الذي فَرَّط فيه، ويُطعم لكلِّ يومٍ
مسكيناً. خرَّجه الدَّارَقُظْنيُّ، وقال: إسنادٌ صحيح(١). ورُوي عنه مرفوعاً إلىّ
النبيِّ نَّه في رجل أفطر في شهر رمضان من مرض، ثم صَحَّ ولم يصم حتى أدركه
رمضان آخر، قال: ((يصومُ الذي أدركَه، ثم يصومُ الشهرَ الذي أفطرَ فيه، ويُطعم
لكلِّ يومٍ مسكيناً)). في إسناده ابنُ نافع وابنُ وجيه، ضعيفان(٢).
الحادية عشرة: فإن تَمادَی به المرض؛ فلم يَصِحَّ حتى جاء رمضان آخر؛ فرَوَى
الدَّارَقُظْنِيُّ عن ابن عمرَ أنه يُطعِمُ مكانَ كلِّ يومٍ مسكيناً مُدًّا من حِنْطَة، ثم ليس عليه
قضاءٌ(٣).
ورَوَى أيضاً(٤) عن أبي هريرة أنه قال: إذا لم يَصِحَّ بينَ الرمضانين صامَ عن
هذا، وأطعمَ عن الماضي(٥)، ولا قضاءَ عليه، وإذا صَحَّ فلم يَصُمْ حتى (٦) أدركَه
رمضان آخر، صامَ عن هذا، وأطعمَ عن الماضي، فإذا أفطرَ قضاه، إسناده(٧)
صحيح.
قال علماؤنا: وأقوالُ الصحابة على خلاف القياس قد يحتجّ بها، ورُوي عن
ابن عباس أنَّ رجلاً جاء إليه فقال: مرضتُ رمضانين؟ فقال له ابن عباس: استمرَّ
بكَ مرضُك، أو صححتَ بينهما؟ فقال: بل صححتُ، قال: صُم رمضانين وأطعِمْ
ستين مسكيناً. وهذا بدلٌ من قوله: إنه لو تمادى به مرضُه لا قضاءً عليه. وهذا يشبه
(١) سنن الدار قطني ٢/ ١٩٧. وأخرجه عبد الرزاق (٧٦٢٠) و(٧٦٢١)، والبيهقي ٢٥٣/٤.
(٢) سنن الدار قطني ٢/ ١٩٧. قال الرازي في الجرح والتعديل: إبراهيم بن نافع الجلاب البصري، من بني
ناجية، أبو إسحاق ... حدث بأحاديث عن عمر بن موسى الوجيهي بواطيل، وعمر متروك.
(٣) سنن الدارقطني ١٩٦/٢، وأخرجه عبد الرزاق (٧٦٢٣) و(٧٦٢٤).
(٤) في سننه ٢/ ١٩٧ -١٩٨.
(٥) في النسخ: الثاني، والمثبت من سنن الدار قطني.
(٦) في (خ) و(م): حتى إذا .
(٧) في (م) وسنن الدارقطني: إسناد.

١٤٠
سورة البقرة : الآيتان ١٨٣، ١٨٤
مذهبَهم في الحامل والمرضع، أنهما يُطعِمان ولا قضاءً عليهما(١)، على ما يأتي.
والله أعلم(٢).
الثانية عشرة: واختلف مَن أوجبَ عليه الإطعامَ في قدر ما يجبُ أن يُطعِمَ،
فكان أبو هريرة والقاسم بنُ محمد ومالك والشافعيُّ يقولون: يُطعِم عن كلِّ يوم
مُدًّا. وقال الثوري: يُطعِم نصفَ صاعٍ عن كلِّ يوم(٣).
الثالثة عشرة: واختلفوا فيمن أفطرَ أو جامعَ في قضاء رمضان، ماذا يجب
عليه؟ فقال مالك: مَن أفطرَ يوماً مِن قضاء رمضان ناسياً لم يكن عليه شيءٌ غيرُ
قضائه، ويستحب له أن يتمادَى فيه للاختلاف، ثم يقضيه، ولو أفطرَه عامداً أثِم،
ولم يكن عليه غيرُ قضاءِ ذلك اليوم ولا يتمادى، لأنه لا معنى لكفِّه عما یکفُّ
الصائمُ هاهنا، إذ هو غيرُ صائم عند جماعة العلماء لإفطاره عامداً .
وأما الكفَّارة فلا خلافَ عن (٤) مالك وأصحابِه أنها لا تجب في ذلك، وهو
قولُ جمهور العلماء؛ قال مالك: ليس على مَن أفطر يوماً من قضاء رمضان بإصابة
أهله أو غير ذلك كفَّارةٌ، وإنما عليه قضاءُ ذلك اليوم.
وقال قتادة: على مَن جامع في قضاء رمضان القضاءُ والكفَّارة. وروى ابن
القاسم عن مالك أنَّ مَن أفطر في قضاء رمضان فعليه يومان، وكان ابنُ القاسم يُفتي
به، ثم رجع عنه، ثم قال: إنْ أفطرَ عمداً في قضاء القضاء كان عليه مكانه صيامُ
يومين، كمن أفسد حجَّه بإصابة أهله، وحجّ قابلاً، فأفسد حجَّه أيضاً بإصابة أهله،
كان عليه حَجَّتان. قال أبو عمر(٥): قد خالفه في الحجّ ابنُ وهب وعبدُ الملك،
وليس يجب القياسُ على أصلٍ مختلَفٍ فيه. والصواب عندي - والله أعلم - أنه ليس
عليه في الوجهين إلا قضاءُ يومٍ واحد، لأنه يومٌ واحدٌ أفسدَه مرَّتين.
(١) ينظر أحكام القرآن للهراسي ٦٦/١. وخبر ابن عباس ذكره الجصاص في أحكام القرآن ٢١١/١.
وأخرج نحوه عبد الرزاق (٧٦٢٨).
(٢) قوله: والله أعلم. من (ظ).
(٣) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٢١٠/١، والاستذكار ١٠٤/١٠-١٠٥.
(٤) في (ظ) و(م): عند.
(٥) هو ابن عبد البر، وكلامه في كتاب الكافي ٣٤٤/١-٣٤٥، وما قبله منه.