النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة البقرة : الآية ١٨٠
وقال ابن عمر وابن عباس وابن زيد: الآية كلُّها منسوخة، وبقيت الوصيةُ نَذْباً،
ونحو هذا قولُ مالك رحمه الله(١)، وذكره النحاس عن الشَّعْبيِّ والنَّخَعِي(٢). وقال
الربيع بن خُثَيْم: لا وصيَّة. قال عروة بن ثابت: قلت للربيع بن خُثَيْم: أَوْصٍ لي
بمصحفك، فنظر الربيع (٣) إلى ولده وقرأ: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى
كِتَبِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦]. ونحو هذا صنع ابنُ عمر رضي الله عنه (٤).
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَاَلْأَقْرَبِينَ﴾ الأقربون جمع أقرب. قال قوم:
الوصيةُ للأقربين أَوْلى من الأجانب؛ لِنصِّ الله تعالى عليهم، حتى قال الضَّحَّاك: إنْ
أوصى لغير قرابته فقد خَتَم عمله بمعصية. ورُوي عن عمر(٥) أنه أَوصى لأُمَّهات
أولاده لكلِّ واحدة بأربعة آلاف، ورُوِيّ أن عائشةَ وصَّتْ لمولاة لها بأثاث البيت،
ورُوي عن سالم بن عبد الله بمثل ذلك(٦).
وقال الحسن: إنْ أوصى لغير الأقربين رُدَّتِ الوصية للأَقربين، فإنْ كانت
لأجنبيّ؛ فمعهم، ولا تجوز لغيرهم مع تَرْكهم. وقال الناس حين مات أبو العالية:
عجباً له! أعتقَتْه امرأةٌ من رِيَاح وأوصى بماله لبني هاشم. وقال الشعبيُّ: لم يكن له
ذلك ولا كرامة. وقال طاوس: إذا أوصى لغير قرابته رُدِّت الوصيةُ إلى قرابته ونُقض
فِعْلُه، وقاله جابر بن زيد(٧). وقد رُوي مثلُ هذا عن الحسن أيضاً، وبه قال
إسحاق بن راهويه.
(١) المحرر الوجيز ٢٤٨/١.
(٢) الناسخ والمنسوخ له ١/ ٤٨٣.
(٣) لفظة: الربيع، من (ز) و(ظ).
(٤) المحرر الوجيز ٢٤٨/١، وتنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ١٣١/٣ -١٣٣.
(٥) في (د) و(م): ابن عمر، وهو خطأ، والأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٤٥٨)، وابن أبي شيبة
في مصنفه ٢١٥/١١، والدارمي (٣٢٨١).
(٦) التمهيد ٣٠٠/١٤، وانظر الاستذكار ١٥/٢٣-١٦، وقول الضحاك أخرجه الطبري ١٢٥/٣، وأثر
عائشة أخرجه الطبري ٤/ ٣٤٥ بنحوه.
(٧) ينظر المحرر الوجيز ٢٤٨/١، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (١٦٤٣٣) والطبري ١٢٧/٣ عن الحسن
قال: إذا أوصى في غير أقاربه بالثلث، جاز لهم ثلث الثلث، ورد على قرابته ثلثا الثلث. اهـ.
وأثر أبي العالية وأقوال الشعبي وطاوس وجابر بن زيد أخرجها الطبري ١٢٥/٣ -١٢٨ .

١٠٢
سورة البقرة : الآية ١٨٠
وقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهم، والأوزاعيُّ، وأحمد بنُ
حنبل: مَنْ أوصى لغير قرابته وتركَ قرابتَه محتاجين؛ فبئسما صنع، وفِعْلُه مع ذلك
جائزٌ ماضٍ لكلِّ من أوصى له من غنيٍّ وفقير، قريب وبعيد، مسلم وكافر. وهو
معنى ما رُوي عن عمر (١) وعائشة، وهو قولُ ابن عمر وابن عباس(٢).
قلت: القولُ الأوّل أحسن، وأما أبو العالية رضي الله عنه فلعلّه نظر إلى أنّ بني
هاشم أَوْلى من مُعْتِقته(٣)؛ لصحبته ابنَ عباس وتعليمهِ إِيَّه، وإلحاقه بدرجة العلماء
في الدنيا والأخرى. وهذه الأُبوَّة وإن كانت معنويةً، فهي الحقيقية (٤)، ومُعْتِقته
غايتُها أن ألحقَتْه بالأحرار في الدنيا، فحسبُها ثوابُ عتقها، والله أعلم.
الثالثة عشرة: ذهب الجمهورُ من العلماء إلى أنَّ المريض الذي أضنى على
فراشه ومنعه مرضُه من التصرف(٥) يُحجَرُ عليه في ماله، وشَذَّ أهلُ الظاهر، فقالوا :
لا يُحْجَرُ عليه، وهو كالصحيح، والحديث والمعنى يردُّ عليهم(٦).
قال سعدٌ: عادني رسولُ اللهِ وَّه في حجة الوداع من وَجَع أَشْفَيْتُ(٧) منه على
الموت، فقلت: يا رسول الله، بلغ بي(٨) ما ترى من الوجع، وأنا ذو مال، ولا
يرثُني إلا بنتٌ واحدة، أَفأتصَدّق بثلثي مالي؟ قال: ((لا))؛ قلت: أَفأ تصدَّقُ بشَظره؟
قال: ((لا، الثلث، والثلث كثير، إنك أَنْ تذرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أنْ تَذَرَهم عالةٌ
يتكفّفُون الناس)) (٩) الحديث.
(١) في (م): ابن عمر.
(٢) الاستذكار ١٥/٢٣-١٦، وانظر التمهيد ٣٠٠/١٤-٣٠١.
(٣) في النسخ الخطية: من موالي معتقته، والمثبت من (م).
(٤) في النسخ الخطية: الحقيقة، والمثبت من (م).
(٥) من قوله: الذي أضنى ... إلى هذا الموضع، من (ظ)، ولم يرد في باقي النسخ.
(٦) ينظر المفهم ٤ /٥٤٤ .
(٧) في (د): أشرفت.
(٨) في النسخ: بلغني، والمثبت من (م).
(٩) أخرجه أحمد (١٥٢٤)، والبخاري (٤٤٠٩)، ومسلم (١٦٢٨). سعد: هو ابن أبي وقاص رضي الله
عنه. وسلف مختصراً ص ٩٦ من هذا الجزء.

١٠٣
سورة البقرة : الآية ١٨٠
واختلف في الحامل وحاضر الزحف وراكب البحر وقتّ الهول، ومن حُبِسَ
للقتل في القصاص، على ما يأتي بيانُه آخرَ ((الأعراف)) عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ
دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [١٨٩](١).
ومنع أهلُ الظاهر أيضاً الوصيةَ بأكثر من الثلث وإنْ أجازها الورثة. وأجازَ ذلك
الكافَّةُ إذا أجازها الورثة، وهو الصحيح؛ لأنّ المريضَ إنما مُنع من الوصية بزيادة
على الثلث لحقِّ الوارث؛ فإذا أسقط الورثةُ حقَّهم كان ذلك جائزاً صحيحاً(٢)،
وکان کالهبة مِن عندهم.
وروى الدّارَقُطْنِيُّ عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَ له: ((لا تجوزُ الوصيةُ
لوارث إلا أن يشاء الورثة))(٣). ورَوَى عن عمرو بن خارجةً قال: قال رسول الله وَّه:
((لا وصيةَ لوارث إلا أن يُجيزَ(٤) الورثة))(٥).
الرابعة عشرة: واختلفوا في رجوع المُجيزين للوصية للوارث في حياة المُوصي
بعد وفاته، فقالت طائفة: ذلك جائزٌ عليهم(٦)، وليس لهم الرجوعُ فيه. هذا قول
عطاء بن أبي رَباح، وطاوس(٧)، والحسن، وابن سِيرِين، وابنٍ أبي ليلى،
والزُّهريّ، وربيعة، والأوزاعيّ.
وقالت طائفة: لهم الرجوعُ في ذلك إنْ أحبُّوا؛ هذا قولُ ابنِ مسعود، وشُريح،
والحَكَم، وطاوس، والثّوريّ، والحسن بن صالح، وأبي حنيفة، والشافعيّ،
وأحمد، وأبي ثور، واختاره ابن المنذر.
(١) من قوله: واختلف في الحامل ... إلى هذا الموضع، من (ظ)، ولم يرد في باقي النسخ.
(٢) المفهم ٤/ ٥٤٤ .
(٣) سنن الدارقطني ٩٧/٤ و٩٨ و١٥٢.
(٤) في (د) و(ز) و(م): تجيز.
(٥) سنن الدار قطني ١٥٢/٤. وقوله منه: ((لا وصية لوارث)) سلف ٣٠٦/٢، وص ٩٩ من هذا الجزء.
(٦) أي: نافذ وماضٍ علیھم.
(٧) لم نقف على من نسب هذا القول لطاوس، وإنما نُسب له القول الثاني الآتي. انظر المغني ٤٠٥/٨-
٤٠٦.

١٠٤
سورة البقرة : الآية ١٨٠
وفرَّق مالك فقال: إذا أَذِنوا له(١) في صحته فلهم أن يرجعوا، وإذا(٢) أَذِنوا له
في مرضه حين يُحجب عن ماله فذلك جائزٌ عليهم(٣)، وهو قول إسحاق.
احتجَّ أهل المقالة الأُولى بأنَّ المنع إنما وقع من أجل الورثة، فإذا أجازوه
جاز. وقد اتفقوا أنه إذا أوصى بأكثرَ من ثلثه لأجنبي جاز بإجازتهم، فكذلك
هاهنا .
واحتجَّ أهل القول الثاني بأنهم أجازوا شيئاً لم يملكوه في ذلك الوقت، وإنما
يُملك المالُ بعد وفاته، وقد يموت الوارثُ المُستأذَن قبلَه ولا يكون وارثاً، وقد
يَرِثُه غيرُه، فقد أجاز مَن لا حقَّ له فيه، فلا يلزمه شيء.
واحتجَّ مالك(٤) بأنْ قال: إن الرجل إذا كان صحيحاً فهو أحقُّ بماله كلِّه يصنع
فيه ما شاء، فإذا أَذِنُوا له في صحّته فقد تركوا شيئاً لم يجب لهم، وإذا أَذِنوا له في
مرضه فقد تركوا ما وجب لهم من الحقّ، فليس لهم أن يَرجِعوا فيه إذا كان قد أنفذه
لأنه قد فات.
الخامسة عشرة: فإن لم يُنفِذِ المريضُ ذلك كان للوارث الرجوعُ فيه؛ لأنه لم
يفت بالتنفيذ، قاله الأبهريّ. وذكر ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه أنَّ قول مالك
في هذه المسألة أشبهُ بالسُّنة من غيره.
قال ابن المنذر: واتَّفق قول مالك والثوريِّ والكوفيين والشافعيِّ وأبي ثور أنهم
إذا أجازوا ذلك بعد وفاته لَزِمهم.
السادسة عشرة: واختلفوا في الرجل يُوصي لبعض ورثتِه بمال، ويقول في
وصيَّته: إنْ أجازها الورثةُ فهي له، وإن لم يُجيزوه فهو في سبيل الله، فلم يُجيزوه.
فقال مالك: إنْ لم تُجِزِ الورثة ذلك رَجَع إليهم. وفي قول الشافعي وأبي حنيفة
ومَعْمَر صاحب عبد الرزاق: يمضي في سبيل الله.
(١) لفظة: له، ليست في (م).
(٢) في (د) و(م): وإن.
(٣) الموطأ ٧٦٦/٢.
(٤) المصدر السابق.

١٠٥
سورة البقرة : الآية ١٨٠
السابعة عشرة: لا خِلاف في وصيّة البالغ العاقل غير المحجور عليه، واختُلف
في غيره، فقال مالك: الأمر المُجتَمع(١) عليه عندنا أن الضعيفَ في عقله والسَّفيه
والمُصاب الذي يُفيق أحياناً تجوز وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون ما
یوصون به(٢).
وكذلك الصبيُّ الصغير إذا كان يعقل ما أوصى به ولم يأتِ بمنكر من القول
فوصيَّته جائزةٌ ماضية، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجوز وصيّة الصبيِّ، وقال
المُزَنيّ: وهو قياس قول الشافعيّ، ولم أَجِد للشافعيّ في ذلك شيئاً ذكره ونصَّ
عليه. واختلف أصحابه على قولين: أحدهما كقول مالك، والثاني كقول أبي
حنيفة. وحجتهم أنه لا يجوز طلاقُه ولا عَتَاقُه، ولا يُقتَصُّ منه في جناية، ولا يُحَدُّ
في قَذْف، فليس كالبالغ المحجور عليه، فكذلك وصيَّته.
قال أبو عمر(٣): قد اتَّفق هؤلاء على أن وصية البالغ المحجور عليه جائزة،
ومعلومٌ أن مَن يعقِل من الصبيان ما يُوصي به فحالُه حالُ المحجور عليه في ماله؛
وعلَّة الحَجْر تبذيرُ المال وإتلافُه، وتلك عِلَّةٌ مرتفعة عنه بالموت، وهو بالمحجور
عليه في ماله أشبهُ منه بالمجنون الذي لا يعقل، فوجب أن تجوزَ وصيته مع الأمر(٤)
الذي جاء فيه عن عمر رضي الله عنه(٥). وقال مالك: إنه الأمر المُجتَمع عليه
عندهم بالمدينة، وبالله التوفيق.
وقال محمد، عن (٦) شُريح: من أَوصى من صغير أو كبير، فأصاب الحقَّ، فالله
قضاه على لسانه، ليس للحقِّ مدفع.
(١) في (م): المجمع.
(٢) الموطأ ٧٦٢/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عبد البر في الاستذكار ٢٥/٢٣.
(٣) الاستذكار ٢٥/٢٣-٢٦، والكلام الذي قبله منه.
(٤) في الاستذكار: الأثر.
(٥) أخرجه مالك ٢/ ٧٦٢، ولفظه: أن غلاماً من غسان حضرته الوفاة بالمدينة ووارثه بالشام، فذُكِرَ ذلك
لعمر بن الخطاب، فقيل له: إن فلاناً يموت، أفيوصي؟ قال: فليوص.
(٦) في النسخ الخطية و(م): بن، وهو خطأ، والتصويب من الاستذكار ٢٤/٢٣، وانظر مصنف عبد
الرزاق ٧٨/٩-٧٩، ومصنف ابن أبي شيبة ١٨٥/١١. محمد: هو ابن سيرين، وشريح: هو القاضي.

١٠٦
سورة البقرة : الآية ١٨٠
وقال(١) ابن المنذر: وممن قال: وصية غير البالغ جائزةٌ عمرُ بن الخطاب
وشُريح وعمر بن عبد العزيز، وأجاز أحمد وصيةً ابن اثنتي عشرة سنةً.
وقالت طائفة: لا تجوزُ وصيةُ الصبيِّ حتى يبلغ؛ رُوي هذا القولُ عن ابن
عباس، وبه قال الحسن البصريّ، ومجاهد، وأصحاب الرأي(٢).
وأجمعوا على أنَّ وصية الكافر(٣) للمسلم جائزة، إلا أن يُوصيّ له بخمر أو
خنزير، لأنه مما لا يجوزُ مِلْكُه(٤).
قال علماؤنا: ووصية الظالم المُتسلّط بالظلم المغرق(٥) في الذِّمَّة غير جائزة،
وعتقُهم مردود، ولا تُورث أموالُهم، ويُسلَك بها سبيلُ ما أفاء الله، قاله أبو جعفر
أحمد بن نصر الداودي.
ولا تنفذ وصية المرتدّ، وإن(٦) تقدَّمت على حال رِذَّته، لقول الله تعالى: ﴿لَيْنْ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، والوصيةُ فعل خير، وعملُ بِرِّ، فتبطل كسائر
أعماله، والله أعلم.
[مسألة](٧): فيما يكون رجوعاً في الوصية، أو لا يكون:
قال ابن المنذر: أجمع كلُّ من يُحفظ عنه من أهل العلم على أنّ الرجل إذا أوصى
لرجل بطعام فأكله، أو جاريةٍ فباعها، أو شيء ما كان(٨)، فأتلفه، أو وَهَبَه، أو تصدَّق
به، أنّ ذلك كلَّه رجوع، وكذلك لو كانت جارية فأَحْبلَها، وأَوْلدَها أنّ ذلك رجوع.
(١) من هذا الموضع إلى المسألة الثامنة عشرة، من (ظ)، ولم يرد في باقي النسخ.
(٢) ينظر الشرح الكبير لشمس الدين المقدسي ١٩٨/١٧.
(٣) بعدها في الأصل (ظ) لفظة لم نتبينها، قريب رسمها من رسم ((الذي))، ولعلها: الذميّ.
(٤) الشرح الكبير ١٧/ ٤٩٣.
(٥) في الأصل: المعين، ولعل الصواب ما أثبتناه، فقد جاء في عقد الجواهر الثمينة ٥٥٢/٣: وصايا
المتسلطين بالظلم المغرقي الذمة ...
(٦) في الأصل (ظ): فإن، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٧) في الأصل (ظ): السابعة عشرة، واتبعنا تعداد النسخ الأخرى.
(٨) ذكر قول ابنِ المنذر الموفقُ ابنُ قدامة في المغني ٤٦٨/٨، وأبو الفرج بن قدامة المقدسي في الشرح
الكبير ٢٦٢/١٧، وليس عندهما لفظة: ما كان، وانظر الإجماع لابن المنذر ص ٧٥.

١٠٧
سورة البقرة : الآية ١٨٠
واختلفوا في الرجوع؛ يُوصي الرجل بثوب ثم يقطعه، وبقطن فيأمر بغَزْله، أو
بفضَّة فصاغها، ففي قول أبي ثور لا يكون ذلك رجوعاً. وقال الكوفيون: كلُّ ذلك
رجوع، ثم قال أصحاب الرأي: إذا أوصى له بثوب، فغسله، أو بدار فجصَّصها،
أو بدار فهدمها، فليس هذا رجوعاً في الوصية.
واختلفوا في الرجل يُوصي للرجل بثوب أو بعبد، ثم باعه، ثم اشتراه. قال أبو
ثور: خروجه من يده إبطالٌ للوصية، وقال أصحاب الرأي: وصيته للمُوصَى له.
وقال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: إذا أوصى له بعبد، ثم أوصى بذلك
العبد لرجل آخر أنّ العبد بينهما نصفان، وإذا أوصى بعبد لرجل ثم قال: العبد
الذي أوصيتُ به لفلان هو لفلان، كان هذا رجوعاً، والعبد للآخِر منهما في قول
الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي.
قلت: لم يذكر مالكاً في هذا الباب، وقد قال علماؤنا(١): إنه لو أوصى بغزل
فحاکه، أو پیرد فقطعه قميصاً، فهو رجوع، كقول الكوفيين.
قال أشهب: وكذلك لو أوصى بقميص ثم قطعه قَبَاءً أوجُبَّة فردّها قميصاً، أو
ببطانة ثم بطّن بها، أو بظهارة ثم ظهَّر بها ثوباً، أو بقطن ثم حشا به أو غزلَه، أو
بفضّة ثم صاغها خاتماً، أو بشاة ثم ذبحها، فهذا كله رجوع.
قال أشهب: فإنْ أوصى له بعرصة فبناها داراً، فذلك رجوع. وقال غيره: بل
يكونان شريكين بقدر البناء من العرصة. ولو أوصى له بدار فانهدمَتْ حتى صارت
عرصة، فليس برجوع فيها، لأنه مُوصى له بعرصة وبنيان، فأزال البنيان وأبقى
العرصة. قال محمد (٢): ولا وصية له في النَّقض الذي نقضه، قال ابن القاسم:
العرصة والنقض للمُوصَی له.
قال أشهب: ولو باع المُوصى به، ثم اشتراه، عادت الوصية، ونفذت
للمُوصَى له. مثل قول الكوفيين سواء.
(١) عقد الجواهر الثمينة ٤٢٤/٣-٤٢٥.
(٢) هو محمد بن المواز كما في النوادر والزيادات ٣٣٢/١١.

١٠٨
سورة البقرة : الآية ١٨٠
وأما(١) لو أوصى له بزرع ثم حصده، أو بتمر ثم جَدَّه، أو بصوفٍ ثم جزَّه،
فليس شيء من هذا كلِّه برجوع، إلّا أن يدرس القمحَ ويَكيلَه ويُدخلَه بيتَه، فذلك
رجوع.
ولو أوصى له بثوب فصبغه، فقال ابن القاسم وأشهب: الثوب بصبغه
للمُوصَى له، قال أشهب: وكذلك لو غسله، أو كانت(٢) داراً فجصّصها أو زاد فيها
شيئاً(٣)، أو بسَوِيق فَلَّه، لأنه لم (٤) يتغير بتغيره الاسم.
فأما إذا أوصى بعبد لزيد، ثم أوصى به لعمرو، فهو تشريكٌ بينهما، كما لو
قال: أوصيتُ لهما، ولو قال: الذي أوصيتُ به لزيد أوصيتُ به لعمرو، فهو
رجوع.
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ يعني بالعدل، لا وَكْس فيه
ولا شَطَط(٥)، وكان هذا مَوْكولاً إلى اجتهاد الميّت ونظرِ المُوصِي، ثم تولَّى الله
سبحانه تقديرَ ذلك على لسان نبيِّه عليه السلام، فقال عليه السلام: ((الثُّلث، والثُّلث
كثير)) (٦)، وقد تقدَّم ما للعلماء في هذا. وقال ◌َله: ((إنَّ الله قد (٧) تصدَّق عليكم
بثلث أموالكم عند وفاتِكم زيادةٌ(٨) في حسناتكم، لِيجعلَها لكم زكاة)). أخرجه
الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي أُمَامةً، عن معاذ بن جبل، عن النبي ◌ََّ (٩).
وقال الحسن: لا تجوز وصيّةٌ إلا في الثلث(١٠)، وإليه ذهب البخاري واحتجَّ
(١) في الأصل (ظ): ولنا لو، والمثبت من عقد الجواهر الثمينة ٤٢٣/٣.
(٢) في الأصل (ظ): وكانت، والتصويب من عقد الجواهر الثمينة ٤٢٣/٣.
(٣) في عقد الجواهر الثمينة (والكلام منه)، والنوادر والزيادات ٣٣٢/١١: بناءً.
(٤) لفظة ((لم)) من عقد الجواهر الثمينة، وجاء في النوادر والزيادات: لأنه لم يتغير الاسم عن حاله.
(٥) أي لا نقص ولا زيادة.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٧٢/١، وقوله: ((الثلث والثلث كثير)) قطعة من حديث سعد بن أبي وقاص
رضي الله عنه، وسلف في المسألة السابعة.
(٧) لفظة: قد، من (ظ).
(٨) في (د) و(ز) و(م): زيادة لكم، والمثبت من (خ) و(ظ). وهو موافق لسنن الدار قطني.
(٩) سنن الدارقطني ١٥٠/٤، وفي الباب عن أبي الدرداء رضي الله عنه أخرجه أحمد (٢٧٤٨٢).
(١٠) في (خ) و(ظ): لا تجوز الوصية إلا بالثلث.

١٠٩
سورة البقرة : الآية ١٨٠
بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أُعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩](١). وحُكم النبيِّ وَ﴿ بأنَّ
الثلث كثيرٌ هو الحُكم بما أنزل الله، فمن تجاوز ما حدَّه رسول الله ◌َ﴿ وزاد على
الثلث فقد أتى ما نهى النبيّ وَّر عنه، وكان بفعله ذلك عاصياً إذا كان بحكم
رسول الله # عالماً.
وقال الشافعي: وقوله: ((الثلث کثیر» یرید أنه غير قليل.
التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿حَقًّا﴾ يعني: ثابتاً ثُبوتَ نَظَر وتحصين(٢)،
لا تُبوتَ فَرْض ووجوب، بدليل قوله: ((عَلَى المُتَّقِينَ)) وهذا يدلُّ على كونه ندباً؛
لأنه لو كان فرضاً لكان على جميع المسلمين، فلما خصَّ الله من يتَّقي، أي:
يخاف تقصيراً، دلَّ على أنه غير لازم إلا فيما يتوقَّع تلفه إن مات، فيلزمه فرضاً
المبادرةُ بكَتْبه والوصيةُ به؛ لأنه إنْ سكت عنه كان تضييعاً له وتقصيراً منه، وقد
تقدَّم هذا المعنى.
وانتصب ((حقًّا)) على المصدر المؤكد، ويجوز في غير القرآن ((حقّ)) بمعنى:
ذلك حقّ(٣).
الموفية عشرين: قال العلماء: المبادرة بكّتْب الوصية ليست مأخوذةً من هذه
الآية، وإنما هو (٤) من حديث ابن عمر(٥).
وفائدتها: المبالغةُ في زيادة الاستيثاق وكونها مكتوبةً مَشهوداً بها، وهي الوصية
المتفق على العمل بها، فلو أشهد العدولَ وقاموا بتلك الشهادة لفظاً، لعُمل بها وإنْ
لم تُكتب خطًّا، فلو كتبها بيده ولم يُشهد، فلم يختلف قولُ مالك أنه لا يُعمَل بها
إلَّا فيما يكون فيها من إقرار بحقِّ لمن لا يتّهم عليه، فيلزمه تنفيذُه(٦).
(١) صحيح البخاري قبل الحديث (٢٧٤٣)، وقول الحسن فيه: لا يجوز للذُّمِّي وصية إلا الثلث.
(٢) في أحكام القرآن لابن العربي ٧٢/١-٧٣ (والكلام منه): وتخصيص.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٣/١.
(٤) في (م): هي.
(٥) ينظر أحكام القرآن ٧٣/١، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما سلف في المسألة الخامسة.
(٦) ينظر إكمال المعلم ٣٦٢/٥.

١١٠
سورة البقرة : الآية ١٨٠
قال ابن المنذر: أجمع أهلُ العلم على أنَّ المُوصي إذا كتب كتاباً وقرأه على
الشهود، أو قُرئ عليه الكتابُ وعلى الشهود، وأقرَّ بما فيه، أنّ الشهادةَ عليه
جائزةٌ، واختلفوا في الرجل يكتب وصيّته ويختِم عليها ويقول: اشهدوا على ما في
هذا الكتاب، فأجازت طائفةٌ ذلك؛ وممن رأى ذلك جائزاً عبدُ الملك بن يعلى(١)،
ومكحول، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، ومحمد بن مسلمة، والأوزاعيّ،
وأبو عُبيد، وإسحاق، واحتجَّ أبو عُبيد بكُتب رسول الله وَّهَ إلى عُمَّاله وأُمرائه في
أمره ونهيه، وأحكامه وسننه، ثم ما عَمِلتْ به الخلفاء الراشدون المَهْدُّون بعده من
كُتبهم إلى وُلاتهم بالأحكام التي فيها الدِّماء والفُروج والأموال، يبعثون بها مختومةً
لا يعلمُ حامِلُها ما فيها، فأمضَوْها على وجوهها .
وفيه قولٌ ثانٍ: وهو أنّ ذلك لا يجوز حتى يسمعوا منه ما فيه، أو يُقْرَأَ عليه،
فَيُقِرَّ بما فيه. هذا قول الحسن، وأبي قِلابة، والشافعيّ، وأصحاب الرأي،
وأحمد، وأبي ثور(٢).
وقال سفيان الثوري: إذا سئل المريضُ عن الشيء، فأومأ برأسه أو بيده، فلا
شيء حتى يتكلّم، وقال الأوزاعيّ: تجوز وصيةُ من لم يتكلّم إنْ أومأ برأسه، وبه
قال ... (٣) وقال: لا يُشبه الأخرسَ يُشير برأسه.
قال ابن المنذر: ولا فرقَ بين الأخرس يشير فَيُفهم عنه، وبين [من] مُنِعَ الكلامَ
فأشار بإشارة تعلم عنه، وقد ثبت أنّ رسولَ الله وَلِّ صلَّى وهو قاعد، فأشار إليهم
فقعدوا(٤).
قال ابن المنذر: فمن أشار بإشارة يفهم عنه، أخرسَ كان أو ممنوع الكلام،
استعمل ما أشار إليه استدلالاً بهذه السنة.
(١) الليثي، قاضي البصرة، توفي سنة (١٠٠هـ). تهذيب التهذيب ٦٢٨/٢ .
(٢) انظر المغني ٨/ ٤٧٠- ٤٧٢ .
(٣) في هذا الموضع من الأصل (ظ) كلمة غير مجوَّدة، لم نتبينها.
(٤) انظر المغني ٥١١/٨، والحديث أخرجه أحمد (٢٤٢٥٠)، والبخاري (٦٨٨)، ومسلم (٤١٢) من
حديث عائشة رضي الله عنها، وفي الباب عن أنس وجابر رضي الله عنهما أخرجهما أحمد (١٢٦٥٦)
و(١٤٥٩٠).

١١١
سورة البقرة : الآية ١٨٠
قال ابن المنذر: وإذا كتبها بين أيديهم وهم ينظرون إليه أو يقرؤون ما فيها ثم
قال: اشهدوا أنَّ هذه وصيَّتي، كانت شهادتُهم جائزةً في قول أبي ثور وأصحاب
الرأي(١) .
الحادية والعشرون: روى الدّارَقُطِنيّ في «سننه))(٢) عن أنس بن مالك قال:
كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: هذا ما أوصى به فلان بن فلان، أنه يشهدُ أن لا
إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأن محمداً عبدُه ورسولُه، وأن الساعة آتيةٌ لا رَيْبَ
فيها، وأن اللّهَ يبعثُ مَنْ في القبور. وأوصى مَن تركَ بعدَه من أهله بتقوى الله حقَّ
تُقاتِه، وأن يُصلِحُوا ذاتَ بينِهم، ويُطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم
بما وصَّى به إبراهيمُ بنيه ويعقوبُ: ﴿يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَضْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا
وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢](٣) .
ذكره ابن المنذر أيضاً بلفظه سواء، وزاد البسملة: بسم الله الرحمن الرحيم:
هذا ذِكْر ما أوصى به عبدُ الله بن مسعود، إن حَدَث فيَّ حَدَثُ الموت في مرضي
هذا: أنَّ مرجِعَ وصيَّتي إلى الله عزَّ وجلَّ، ثم إلى الزبير بن العوام وابنه عبد الله بن
الزبير، وأنهما في حِلِّ وبِلِّ(٤) فيما وَلِيا وقَضَيا، وأنه لا يُزوَّج بنتٌ من بنات عبد الله
إلا بإذنهما(٥) .
الثانية والعشرون: في الأوصياء: قال ابن المنذر: أجمعَ أهلُ العلم على أنَّ
الوصية إلى المسلم الحُرِّ الِّقة العَدْل جائزة، واختلفوا في الوصية إلى المرأة الحرة.
فقال عوامُ أهل العلم: الوصية إليها جائزةٌ، وبه قال مالك وسفيان الثوريُّ
والأوزاعيُّ والحسن بن صالح(٦) وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، وهذا
(١) من قوله: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم ... إلى هذا الموضع، من (ظ)، ولم ترد في باقي
النسخ.
(٢) قوله: في سننه، من (ظ).
(٣) سنن الدار قطني ٤/ ١٥٤ .
(٤) البِلّ: المباح.
(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٢٨٢-٢٨٣، وانظر المغني ٤٧٣/٨.
(٦) في (ظ): الحسن وصالح، والتصويب من المغني.

١١٢
سورة البقرة : الآية ١٨٠
مذهب الشافعيِّ، واحتجَّ أحمد بأنَّ عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة(١).
وروينا عن عطاء بن أبي رباح أنه قال في رجل أوصى إلى امرأة؛ قال: لا
تكون المرأة وصيّاً، فإن فعل حُوِّلت إلى رجل من قومه.
واختلفوا في الوصية للعبد؛ فقال الشافعي وأبو ثور ومحمد بن الحسن وأبو
يوسف: لا تجوز، وقال النخعي ومالك والأوزاعي وابن عبد الحكم: هي جائزة
إذا أوصى إلى عبده (٢). وقال أصحاب الرأي: إذا أوصى إلى عبد غيره فالوصية
باطلة، وإن أجاز مولى العبد؛ لأن للمولى أن يبيعَه؛ فيخرجَه من الوصية، وكذلك
إذا أوصى إلى عبده وفي الورثة كبير، وإن أوصى إلى عبده وفي الورثة صغير فإن
الوصية إليه جائزة (٣).
واختلفوا إذا أوصى إلى المُكاتَب؛ فأبطلَها الشافعيُّ وأبو ثور، وأجازها
النخعيُّ وأصحاب الرأي إذا وصَّى إلى مُكاتبه.
قلت: وهو يشبه مذهب مالك.
قال ابن المنذر: ولا تجوز الوصيةُ إلى الذِّمِّي في قول مالك والشافعي وأبي ثور
وأصحاب الرأي، ولا أَحفظ عن غيرهم خِلافَ قولهم(٤)، قال: وبه نقول.
ويجوز وصيةُ الذِّمي إلى المسلم في قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي،
وبه قال مالك، إذا لم يكن في تركته الخمر والخنازير(٥).
واختلفوا في وصية الذِّمِّي إلى الذِّمِّي، فأجاز أصحاب الرأي ذلك، وقال
أبو ثور: إذا ترافعوا إلينا أبطلناه.
قال ابن المنذر: وهو يُشبه مذهب الشافعي.
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٧٩).
(٢) ذكر صاحب المغني ٥٥٣/٨ أن مالكاً أجاز الوصية للعبد، سواءً كان عبد نفسه أو عبد غيره.
(٣) انظر المغني ٥٥٣/٨.
(٤) نقل صاحب المغني ٨/ ٥١٢ عن شُريح، والشعبيّ، والثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأصحاب
الرأي: أنه تصح وصية المسلم للذّميّ، ثم قال: ولا نعلم عن غيرهم خلافهم.
(٥) سلف نحوه ص ١٠٦ .

١١٣
سورة البقرة : الآية ١٨٠
قلت: وهو مذهب مالك؛ قال ابن القاسم في ((الكتاب)): قال مالك في
المسخوط: لا تجوز الوصيةُ إليه، فالذِّمي أولى أنْ لا تجوز الوصية إليه(١)، وهو
قول الشافعيّ وأبي ثور في المسخوط، وأجاز أصحاب الرأي الوصيةَ في المحدود
في القذف، وأبطلوا الوصية إلى الفاسق المُتَّهم المخوف على ماله، قالوا: ويجعل
القاضي مكانه وصياً .
قلت: لا تجوز الوصيةُ عندنا أصلاً للفاسق المُتَّهم، ولا غير المُتَّهم.
وقد اعتبر علماؤنا في الوصيّ أربعةً شروط(٢):
الأول: التكليف، فلا تصحُّ إلى مجنون أو صبيّ؛ لأنهما يحتاجان إلى
الوصيّ، فكيف تُفُوَّض إليهما الوصية.
والثاني: الإسلام، ولا تجوز الوصيةُ إلى كافر، ويُعزّل إنْ أُوصيَ إليه ولو كان
ذِمِّيًّا .
الثالث: العدالة؛ قال في ((الكتاب))(٣): ولا تجوز الوصايةُ إلى ذِمِّي أو
مسخوط، ومَن ليس بعدل، ويُعزَل إن أُوصيّ إليه، ولو وليَ العدل، ثم طرأ الفِسْقُ
عليه، وجب عَزْلُهُ عنها .
قال ابن المنذر: وأجمع كلٌّ من يُحفَظ عنه العلمُ على أنَّ الوصيَّ إذا كان ثقةً
أميناً غير مُضيِّع أنَّ نَزْعَ المال من يده غير جائز، واختلفوا في الوصيّ يكون أميناً
فَيُثَّهم، فقالت طائفة: إن اتُّهِم جُعِلَ معه غيره، كذلك قال الحسن البصري
ومحمد بن سيرين وأحمد بن حنبل. وقالت طائفة: تُنزع منه الوصيةُ إذا اتّهم،
كذلك قال سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه، وقال الشافعي: إن كان أميناً ضعيفاً
ضُمَّ إليه آخر، فإن ضَعُفَ عن الأمانة، أُخرِج بكل حال (٤) .
قلت: وقال علماؤنا: إن لم يكن ظاهرَ العدالة ضُمَّ إليه استظهاراً عليه.
(١) المدونة ١٨/٦-١٩، ونقله المصنف عنه بواسطة عقد الجواهر الثمينة ٤٢٧/٣.
(٢) ينظر عقد الجواهر الثمينة ٤٢٧/٣-٤٢٨.
(٣) المدونة ١٨/٦، ونقله المصنف عنه بواسطة عقد الجواهر الثمينة ٤٢٨/٣.
(٤) ينظر المغني ٨/ ٥٥٤ -٥٥٦.

١١٤
سورة البقرة : الآية ١٨١
الرابع: الكفاية والهداية(١) في التصرف، فلا تُفوّض إلى العاجز عن التصرف
على وَفْق المصلحة .
ولا يُشترَط الحرية، بل تجوز الوصيةُ إلى العبد، كان له أو لغيره، لأنه
مأمونٌ في نفسه يتأتَّى منه تنفيذُها، فأشبهَ الحرَّ الذكر، ولا تُشترط الذكوريَّة
أيضاً، فلو أوصى إلى زوجته، أو غيرها ممَّن تصلحُ للوصية، صحّت الوصيّة
إليها، بل لو أوصى إلى مستولدته أو مُدَبَّرته لصحّت الوصيّة إليهما، ولا يشترط
نظر العين، بل يجوز أن تُسند الوصيةُ للأعمى إذا كان على الشروط المذكورة،
والله أعلم (٢).
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَاً إِثْمُهُ, عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ؟ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ شَرْطٌ، وجوابُه ﴿فَإِنََّآَ إِثْمُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾
و((ما)) كافّة لـ ((إنّ)) عن العمل. و((إِثْمُهُ)) رفع بالابتداء، ((عَلَى الَّذِينَ يُبَدّلُونَهُ)) موضع
الخبر(٣).
والضمير في ((بدّله)) يرجع إلى الإيصاء؛ لأنَّ الوصيةً في معنى الإيصاء، وكذلك
الضمير في ((سَمِعه))، وهو كقوله: ﴿فَمَنْ جَآءَمُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّيِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي:
وَعْظ، وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ اُلْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] أي: المال، بدليل قوله:
((منه))(٤). ومثله قول الشاعر(٥):
· ما هذه الصَّوْتُ
أي: الصيحة. وقال امرؤ القيس :
(١) عقد الجواهر الثمينة ٤٢٨/٣، والكلام منه إلى آخر المسألة.
(٢) من قوله: ذكره ابن المنذر أيضاً بلفظه (قبل المسألة الثانية والعشرين) إلى هنا، من (ظ)، ولم يرد في
باقي النسخ.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٣/١.
(٤) في آية النساء (٨) المذكورة: ﴿فَرْزُقُهُم مِّنْهُ﴾ .
(٥) هو رُويشد بن كثير الطائي، وقد سلف الشاهد ص ٩١ .

١١٥
سورة البقرة : الآية ١٨١
بَرَهْرَهَةٌ رُؤْدَةٌ رَخْصة كخُرْعُوبة البانةِ المُنْفَطِرْ(١)
والمنفطر: المنفتح بالورَق، وهو أنعمُ ما يكون؛ ذهب إلى القضيب وترك لفظ
الخرعوبة .
و(سَمِعه)) يَحتمل أن يكون سمعه من الوصيٍّ نفسِه، ويحتمل أن يكون سمعه
ممن يثبت به ذلك عنده، وذلك عَذلان. والضمير في ((إثمه)) عائدٌ على التبديل،
أي: إِثْم التبديل عائدٌ على المُبدِّل، لا على الميِّت؛ فإن المُوصي خرج بالوصية عن
اللَّوم وتوجَّهت على الوارث أو الوليّ.
وقيل: إنَّ هذا المُوصي؛ إذا غيَّر فترك الوصيةَ، أو لم يُجِزْها على ما رُسِمَ له
في الشّرع، فعليه الإثم.
الثانية: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ الدَّيْن إذا أوصى به الميت، خرج به عن
ذِمَّته وصار (٢) الوليُّ مطلوباً به، له الأجر في قضائه، وعليه الوِزْر في تأخيره.
وهذا إنما يصحُّ إذا كان الميت لم يُفرِّط في أدائه، وأمّا إذا قدر عليه وتركه ثم
وصَّى به، فإنه لا يُزيله عن ذِمَّته تفريطُ الوليِّ فيه. قاله ابن العربي.
الثالثة: ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز، مثل أن يُوصيّ بخمر أو
خنزير، أو شيء من المعاصي، أنه يجوز تبديلُه، ولا يجوز إمضاؤه، كما لا يجوز
إمضاءُ ما زاد على الثلث. قاله أبو عمر(٣).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ صفتان لله تعالى لا يَخفى معهما شيء
من جَنَف المُوصِين وتبديل المُتَعدِّين (٤).
(١) ديوانه ص ١٥٧ قال شارحه: البَرَهْرَهَة: الرقيقة الجلد، والرُّؤدة، الرَّخصة الناعمة السريعة الشباب،
ويقال: هي الشابة، والرَّخصة: اللينة الخلق، والخُرعوبة: القضيب الغضّ الطري، والبانة: يريد شجر
البان.
(٢) في (ز): وجعل، وفي باقي النسخ: وحصل، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٧٣/١، والكلام
منه .
(٣) التمهيد ٣٠٨/٤.
(٤) في (ظ): المغيّرين، وفي (م): المعتدين، والكلام من المحرر الوجيز ٢٤٩/١.

١١٦
سورة البقرة : الآية ١٨٢
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمَا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْءٍ إِنَّ
اَللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾َا﴾
فيه ستُّ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ (مَنْ)) شَرْط، و((خاف)) بمعنى خَشِيَ.
وقيل: عَلِمَ. والأصل: خَوِفَ، قُلبت الواو ألفاً لتحرُّكها وتحرُّكِ ما قبلها.
وأهلُ الكوفة يُميلون ((خاف))(١) لِيدلُّوا على الكسرة من فَعِلْتُ. ((مِنْ مُوَصِّ))
بالتشديد قراءة أبي بكرٍ عن عاصم، وحمزة، والكسائيّ، وخفّف الباقون(٢)،
والتخفيفُ أبين، لأنَّ أكثرَ النحويين يقولون: ((مُوَصِّ))، للتكثير، وقد يجوز أن يكون
مثل كرَّم وأكرم. (جَنَفًا)) من جَنِفَ يَجْنَفُ: إذا جارَ، والاسم منه جَنِفٌ وجانف،
عن النحاس (٣).
وقيل: الجَنَّف: الميل. قال الأعشى:
وما قَصدَتْ من أهلِها لِسِوائِكا(٤)
تَجانَفُ عن حُجْرِ اليمامة ناقتي
وفي الصِّحاح(6): ((الجَنَّف)) الميل، وقد جَنِفَ ـ بالكسر - يَجْنَفُ جَنَفاً إذا مال،
ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا﴾. قال الشاعر(٦):
وإِنَّا مِن لِقائِهِمُ لَزُورُ
همُ المَوْلَى وإنْ جَنَفُوا علينا
قال أبو عبيدة (٧): المَوْلَى هاهنا في موضع الموالي، أي: بني العمِّ، كقوله
تعالى: ﴿ثُمَّ تُخْرِيحُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥].
(١) هي قراءة حمزة وحده من أهل الكوفة. انظر السبعة ص١٣٩، والتيسير ص ٥٠.
(٢) السبعة ص١٧٦، والتيسير ص٧٩.
(٣) إعراب القرآن ٢٨٣/١.
(٤) المحرر الوجيز ٢٤٩/١. والبيت في ديوان الأعشى ص١٣٩، وفيه: عن جُلّ اليمامة ..
(٥) الصحاح (جنف).
(٦) هو عامر الخَصَفي، والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٦٦/١، وتفسير الطبري ١٤٩/٣، والمحرر
الوجيز ٢٤٩/١، واللسان (جنف).
(٧) في النسخ والصحاح: أبو عبيد، والمثبت من (م) وأبو عبيدة هو معمر بن المثنى، وكلامه هذا في مجاز
القرآن ٦٦/١.

١١٧
سورة البقرة : الآية ١٨٢
وقال لَبيد:
إني امرؤٌ مَنَعَتْ أَرُومةُ عامرٍ ضَيْمِي وقد جَنَفَتْ عليَّ خُصومُ(١)
قال أبو عبيد(٢): وكذلك الجانئ - بالهمز - هو المائل أيضاً.
ويقال: أجنفَ الرجل، أي: جاء بالجَنَف. كما يقال: أَلامَ، أي: أتى بما
يُلام عليه. وأخَسَّ، أي: أتى بخسيس. وتجانَفَ لإثم، أي: مال. ورجلٌ أجْنَف،
أي: منحني الظهر. وجُنَفَى، على فُعَلَى، بضم الفاء وفتح العين: اسم موضع، عن
ابن السكيت(٣).
ورُوِيَ عن عليٍّ أنه قرأ: ((حَيْفاً)) بالحاء والياء (٤)، أي: ظلماً.
وقال مجاهد: ((فمن خاف)) أي: مَنْ خَشِيَ أن يَجْنَفَ(٥) المُوصِي ويقطعَ ميراثَ
طائفة ويتعمَّدَ الإذاية(٦)، أو يأتيها دون تعمُّد، وذلك هو الجَنَف دون إثم، فإنْ تعمَّد
فهو الجَنَفُ في إثم. فالمعنى: مَنْ وعظه في ذلك وردَّه عنه(٧)، فأصلح بذلك ما
بينه وبين ورثته، وما بين(٨) الورثة في ذاتهم، فلا إثم عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
عن الموصي إذا عملت فيه الموعظةُ ورجع عما أراد من الإذاية.
وقال ابن عباس وقتادةُ والرَّبيعُ وغيرُهم: معنى الآية: ((مَنْ خاف)) أي: عَلِم
ورأى وأتى علمُه عليه بعد موت الموصي أنَّ الموصِي جَنَّف، وتعمَّدَ إذاية بعضٍ
ورثتِهِ، فأصلحَ ما وقعَ بين الورثة من الاضطراب والشّقاق ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْةٍ﴾، أي:
لا يلحقُهُ إثمُ المبدِّلِ المذكور قبل، وإنْ كان في فعله تبديلٌ مَا ولا بدَّ، ولكنه تبديلٌ
(١) في (م) واللسان (جنف): خصومي، والبيت في ديوانه ص١٣٢. قوله: أرومة، يعني: أصل.
(٢) في (م) و(ظ): أبو عبيدة، وهو خطأ. وأبو عبيد هو القاسم بن سلام، وقد أورد هذا القول وقولَ لبيد
في غريب الحديث ٣١٤/٣.
(٣) الصحاح (جنف).
(٤) البحر المحيط ٢٤/٢.
(٥) في (خ) و(د) و(ز): يحيف.
(٦) كذا وقع في النسخ هنا وفيما سيرد، ولم نقف على هذا المصدر في معاجم اللغة.
(٧) في (م): وعظ في ذلك ورد عنه.
(٨) في (ظ): أو ما بين. وفي (م): وبين.

١١٨
سورة البقرة : الآية ١٨٢
المصلحة. والتبديلُ الذي فيه الإثم إنما هو تبديلُ الهوى(١).
الثانية: الخطابُ بقوله: ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ لجميع المسلمين. قيل لهم: إن خفتُم
من مُوصٍ مَيْلاً في الوصيَّة، وعدولاً عن الحقِّ، ووقوعاً في إثم، ولم يُخرجْها
بالمعروف - وذلك بأن يُوصيَ بالمال إلى زوج ابنته، أو لولد ابنته؛ لينصرف المالُ
إلى ابنته، أو إلى ابن ابنه، والغرضُ أن ينصرفَ المالُ إلى ابنه، أو أوصى لبعيدٍ
وتركَ القريبَ - فبادروا إلى السعي في الإصلاح بينهم، فإذا وقع الصلحُ سقط الإثمُ
عن المصلح. والإصلاحُ فرضٌ على الكفاية، فإذا قام أحدُهم به سقط عن الباقين،
وإنْ لم يفعلوا أَثِمَ الكلُّ(٢).
قال ابن المنذر: رَوينا عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن
◌ُموصٍ جَنَفًا﴾ يعني إثماً. يقول: إذا أخطأ الميتُ في وصيته، أو حافَ فيها، فليس
على الأولياء حَرَجٌ أن يَرُدُّوا خطأَه إلى الصواب، وبه قال قتادةُ وأحمدُ وإسحاقُ.
وروينا عن الضَّحَّاك أنه قال: الجَنَفُ: الخطأُ، والإثمُ: العَمْد، وكذلك قال
الثوري .
وقال عطاء والكسائيُّ في قوله: ((جنفاً))، قالا: مَيْلاً(٣).
وقال أبو عبيد: جَوْراً عن الحق وعُدولاً (٤).
وكان طاوس يقول في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ تُوصٍ جَنَفًّا أَوَ إِثْمًا﴾ قال:
هو الرجلُ يُوصي لولد ابنتِهِ، يريد ابنته(٥).
قول طاوس يحتمل معنيين :
أحدهما: أن يقول الموصي: قد أوصيتُ لولد ابنتي بكذا وكذا، وإنما أريدُ
ابنتي، فذلك مردودٌ، لاتفاقِ أهلِ العلم عليه.
(١) المحرر الوجيز ٢٤٩/١.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٧٣/١.
(٣) تنظر الأقوال السالفة في تفسير الطبري ٣/ ٤٠٠ و٤٠٦ .
(٤) غريب الحديث ٣١٤/٣.
(٥) تفسير الطبري ١٤٥/٣.

١١٩
سورة البقرة : الآية ١٨٢
والمعنى الثاني: أن يوصيَ الرجلُ لولد ابنته، ولا يذكرُ في وصيته شيئاً يدلُّ
على خلاف ظاهرٍ قولِه عزَّ وجلَّ، والذي يوجب هذا إنفاذُه ذلك من الثلث، ولا
يجوز أن يُظنَّ به غيرُ الظاهر؛ لأنَّ النبيَّ نَّهِ قال: ((إِيَّاكم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذبُ
الحديث))(١)، بل يُستحبُّ أن يوصيّ الرجلُ لقرابته، لحديث النبي ◌َّ أنه قال:
((الصَّدقةُ على المِسْكينِ صَدَقةٌ، وهي على ذي الرَّحمِ ثِنْتان؛ صَدَقةٌ وصِلَةٌ)(٢).
والذي يجب أن يُرَدَّ من وصايا الرجل من باب الميل والْجَوْر وصيةُ الرجل بأكثرَ من
ثلثه، ووصيتُه لبعض ورثِه، وأن يوصيَ في أبواب المعاصي كلِّها(٣).
الثالثة: قال ابن العربي(٤): في هذه الآية دليلٌ على الحكم بالظنِّ، لأنه إذا ظنَّ
قَصْدَ الفساد وجب السعيُّ في الصلاح، وإذا تحقَّقَ الفسادُ لم يكن صلحاً، إنما
يكون حكماً بالرفع(٥)، وإبطالاً للفساد، وَحَسْمًا له.
قلت: هذا بناءً على أنَّ ((خاف)) بمعنى: خَشِيَ (٦).
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْهَمْ﴾ عطفٌ على ((خاف))، والكنايةُ عن الورثة، ولم
يَجْرِ لهم ذكرٌ لأنه قد عُرف المعنى، وجوابُ الشرط: ((فلا إثمَ عليه))(٧) .
الرابعة: لا خلافَ أنَّ الصدقة في حال الحياة والصِّحة أفضلُ منها عند
الموت، لقوله عليه السلام وقد سُئل: أيُّ الصَّدقةِ أفضلُ؟ قال: ((أَنْ تَصَدَّقَ وأنتَ
صحيحٌ شَحِيحٌ)) الحديث، أخرجه أهلُ الصحيح(٨).
(١) أخرجه أحمد (٧٣٣٧) والبخاري (٥١٤٣)، ومسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) أخرجه أحمد (١٦٢٣٣)، والترمذي (٦٥٨)، والنسائي في المجتبى ٩٢/٥، وفي الكبرى (٢٣٧٤)،
وابن ماجه (١٨٤٤) من حديث سلمان بن عامر الضبعي. وأخرج نحوه البخاري (١٤٦٦)، ومسلم
(١٠٠٠) من حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود بلفظ: ((نعم، لها أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة)).
(٣) من قوله: قال ابن المنذر في الصفحة السابقة إلى هذا الموضع، من (ظ).
(٤) قوله: قال ابن العربي. من (ظ). وكلامه هذا في أحكام القرآن ٧٣/١-٧٤.
(٥) من (م): بالدفع.
(٦) قوله: قلت هذا بناء ... من (ظ).
(٧) إعراب القرآن ٢٨٣/١.
(٨) أخرجه البخاري (١٤١٩) و(٢٧٤٨)، ومسلم (١٠٣٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في
مسند أحمد (٧١٥٩).

١٢٠
سورة البقرة : الآية ١٨٢
وروى الدَّارَتُظْنِيُّ عن أبي سعيد الخدريِّ، أن رسول الله وَ لَه قال: ((لأَنْ يتصدَّقَ
المرءُ في حياتِه بدرهم خيرٌ له مِنْ أنْ يتصدَّقَ عند موتِه بمئة))(١).
وروى النسائيُّ عن أبي الدرداء، عن النبيِّ ◌َّ قال: ((مَثَلُ الذي يُعْتِقُ(٢) أو
يتصدَّقُ عند موته، مَثَلُ الذي يُهدِي بعدَ ما يَشبعُ)»(٣) .
الخامسة: من لم يُضِرَّ في وصیته کانت کفارةً لِما ترك من زکاته؛ روی
الدَّارَقُظْنيُّ عن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مَنْ حَضَرتْهُ الوفاةُ
فَأَوْصَى، فكانت وصيَّتُه على كتابِ الله، كانت كَفَّارةً لِما تركَ مِنْ زَكاتِهِ))(٤). فإنْ
ضَرَّ في الوصية وهي:
السادسة: فقد روى الدَّارَقُطْنِيُّ أيضاً عن ابن عباس، عن رسول الله وَظله قال:
((الإضرارُ في الوصيةٍ منَ الكبائر))(٥).
وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله وَّه قال: ((إنَّ
الرجلَ - أو المرأةَ ـ لَيعملُ بطاعةِ الله ستِّينَ سنةً، ثم يحضرُهما الموتُ، فيُضارَّان
في الوصيةٍ، فتجبُ لهما النارُ))(٦). وترجم النسائيُّ(٧): الصلاةُ على مَنْ جَنِفَ في
وصيَّته: أخبرنا عليُّ بنُ حُجْر، أنبأنا هُشَيمٌ، عن منصور - وهو ابن زاذان - عن
(١) لم نقف عليه عند الدارقطني في سننه، وأخرجه أبو داود (٢٨٦٦)، وابن حبان (٣٣٣٤). وفي إسناده
شرحبیل بن سعد، وهو ضعيف.
(٢) في النسخ الخطية و(م): ينفق. والمثبت من النسائي ومصادر التخريج.
(٣) سنن النسائي الصغرى ٢٣٨/٦، والكبرى (٦٤٠٨). وأخرجه أحمد في المسند (٢١٧١٨)، وأبو داود
(٣٩٦٨)، والترمذي (٢١٢٣) وقال: حديث حسن صحيح.
(٤) سنن الدارقطني ١٤٩/٤. وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٢٧٠٥). قال البوصيري في مصباح الزجاجة
١٤٢/٣. إسناده ضعيف.
(٥) سنن الدارقطني ١٥١/٤. وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٠٢٦) موقوفاً. قال الذهبي في ميزان
الاعتدال ٢٢٤/٣: المحفوظ موقوف.
(٦) سنن أبي داود (٢٨٦٧). وأخرجه أيضاً أحمد (٧٧٤٢)، والترمذي (٢١١٧)، وابن ماجه (٢٧٠٤).
وفي إسناده شهر بن حوشب، وهو ضعيف. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
(٧) في السنن الكبرى ٤٣٦/٢. وبنحوه في الصغرى ٤/ ٦٤ .