النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ سورة البقرة : الآية ١٧٧ وقيل: يعود على المال، فيكون المصدر مضافاً إلى المفعول. قال ابن عطية(١): ويجيءُ قوله: ((على حُبِّهِ)) اعتراضاً بليغاً أثناء القول. قلت: ونظيرُه قولُهُ الحقُّ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَمَ عَلَى حُبِّهٍ مِسْكِينًا﴾ [الإنسان: ٨] فإنه جَمَعَ المعْنَيَين: الاعتراضَ، وإضافةً المصدر إلى المفعول؛ أي: على حبِّ الطعام. ومن الاعتراض قولُه الحقُّ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الضَِّحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ﴾ [النساء: ١٢٤] وهذا عندهم يسمَّى: التتميم، وهو نوعٌ من البلاغة، ويُسمَّى أيضاً: الاحتراس، والاحتياط، فتمَّم بقوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، ومنه قول زهير: يَلقَ السَّماحةَ منه والنَّدَى خُلُقًا (٢) مَن يَلْقَ يوماً على عِلَّاته هَرِماً وقال امْرُؤُ القيس: على هَيكلٍ يُعطيكَ قبلَ سؤاله أفانينَ جَرْيٍ غيرَ كَزِّ ولا وانٍ(٣) فقولُه: ((على علَّاته))، و((قبل سؤاله)): تتميمٌ حسن، ومنه قولُ عنترة(٤): سَهلٌ مخالقتي إذا لم أُظْلَمِ أَثْنِي عليَّ بما علمتٍ فإنني فقوله: ((إذا لم أُظلم))، تتميمٌ حَسَن. وقال طَرَفة: فَسقى ديارَكَ غيرَ مفسدِها صَوْبُ الربيع ودِيمةٌ تَهْمِي(٥) وقال الربيع بن ضَبع الفَزَاريُّ(٦): (١) المحرر الوجيز ٢٤٣/١. (٢) ديوانه ص ٧٦ برواية: إن تلق ... (٣) ديوانه ص٩١، قوله على هيكل ... ، قال شارح الديوان: على فرس ضخم كهيكل النصارى يعطيك ما عنده من الجري قبل أن تكلِّفه ذلك وتسألَه إياه، والكزُّ: الضَّنين، والواني: الفاتِرِ المُبْطِئ. (٤) ديوانه ص ١٤٨ . (٥) ديوانه ص٨٨ برواية: فسقى بلادَكَ ... ، قوله: وديمة تهمي: الديمة: المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق، وتهمي: تسيل وتذهب. اللسان (ديم) (همي). (٦) ذكره ابن حجر في الإصابة ٢٩٤/٣ في القسم الثالث وقال: جاهلي، ذكر ابن هشام في التيجان أنه كبر وخَّرِف وأدرك الإسلام، ويقال: إنه عاش ثلاث مئة سنة منها ستون في الإسلام، ويقال: لم يسلم. وانظر أمالي المرتضى ٢٥٣/١، ، الخزانة ٣٨٤/٧. ولم نقف على البيت الذي ذكره المصنف له. ٦٢ سورة البقرة : الآية ١٧٧ وكلُّ امرىءٍ إلا أحاديثَه فانٍ فَنِيْتُ وما يَفْنَى صَنِيعي ومَنْطِقي فقوله: (غير مفسدها)) و((إلا أحاديثه)): تتميم واحتراس. وقال أبو هقَّان(١): فأفنى الرَّدَى أرواحَنا غيرَ ظالمٍ وأفنى النَّدَى أموالَنا غيرَ عائبٍ فقوله: ((غير ظالم))، و((غير عائب))، تتميمٌ واحتياط، وهو في الشعر كثير. وقيل: يعود على الإيتاء؛ لأن الفعل يدلُّ على مصدره، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيَّا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] أي: البخل خيراً لهم، فإذا أصابتِ الناسَ حاجةٌ أو فاقة، فإيتاء المال حبيبٌ (٢) إليهم(٢). وقيل: يعودُ على اسم الله تعالى في قوله: ﴿مَنْ ءَامَنَ بِالَّهِ﴾. والمعنى المقصودُ: أن يتصدَّق المرء في هذه الوجوه وهو صحيحٌ شحيح يخشى الفقر ويأمل(٣) البقاء - ويُروى: الغِنى(٤) - [كما قال ◌َوْ](٥). الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ﴾ أي: فيما بينهم وبين الله تعالى، وفيما بينهم وبين الناس(٦). ﴿وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّةِ﴾ البأساء: الشدّة والفقر. والضَّراء: المرض والزَّمانة؛ قاله ابن مسعود(٧). وقال عليه السلام: ((يقول الله تعالى: أيُّما عبدٍ من (١) عبد الله بن أحمد بن حرب، كان من النحاة اللغويين الأدباء، راوية أهل البصرة، روى عن الأصمعي، بغية الوعاة ٣١/٢. ولم نقف على هذا البيت. (٢) ينظر المحرر الوجيز ٢٤٣/١. (٣) في (م): ويأمن. (٤) قوله: ويُروى الغنى، ليس في (م). (٥) المحرر الوجيز ٢٤٣/١، وما بين حاصرتين منه. وفي الكلام إشارة إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول اللهلَه، فقال: يا رسول الله، أيّ الصدقة أعظم أجراً؟ قال: ((أمَا وأبيك لُتَبَّأَنَّه: أن تَصَدَّق وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تخشى الفقرَ وتأملُ البقاءَ ... )) أخرج أحمد (٧١٥٩)، ومسلم (١٠٣٢) وفي رواية له: ((وتأمل الغنى)). (٦) تفسر أبي الليث ١/ ١٨٠، وتفسير البغوي ١/ ١٤٤. (٧) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ص ٧٠، والبغوي ١/ ١٤٤، والزمخشري ٣٣١/١، ولم ينسبوه، وأخرجه بنحوه الطبري ٨٦/٣. ٦٣ سورة البقرة : الآية ١٧٨ عبادي ابتليتُه ببلاءٍ في فراشه فلم يَشْكُ إلى عُوَّادِهِ، أبدلتُه لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، فإنْ قبضتُه فإلى رحمتي، وإن عافيتُه عافيتُه وليس له ذنب))(١) قيل: يا رسول الله، ما لحمٌ خيرٌ من لحمه؟ قال: ((لحمٌ لمْ يُذْنِبْ)) قيل: فما دَمٌ خيرٌ من دمه؟ قال: ((دمٌّ لم يُذْنِبْ)(٢). والبأساء والضراء اسمان بُنيا على فَعْلاء، ولا أفعلَ لهما(٣)؛ لأنهما اسمان وليسا بنعت. ﴿وَحِينَ الْبَأْسُِ﴾ أي: وقت الحرب. قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾ وَصَفَهم بالصدق والتقوى في أمورهم والوفاءِ بها، وأنهم كانوا جادِّين في الدِّين، وهذا غايةُ الثناء. والصدقُ: خلافُ الكذب، ويقال: صَدَقُوهم القتال، والصِّدِّيق: الملازم للصدق، وفي الحديث: ((عليكم بالصِّدق، فإنَّ الصِّدْقَ يَهْدي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهدي إلى الجنة، وما يزال الرجلُ يَصْدُقُ ويتحرَّى الصِّدْقَ حتى يُكتَبَ عند الله صِدِّيقً))(٤). قوله تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَبْلِّ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَاَلْعَبْدُ بِلْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِلْأُنَّ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ فيه سبعَ عشرةَ مسألة (٥): (١) في (ز): وإن لا ، عافيته وليس له ذنب. (٢) أخرج شطره الأول الحاكم ٣٤٩/١، والبيهقي في السنن ٣٧٥/٣، وفي الشعب (٩٩٤٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححاه، ولفظه: ((قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن ولم يَشْكُني إلى عُوَّاده أطلقتُه من إساري، ثم أبدلتُه لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، ثم يستأنفُ العمل)). أما قوله: قيل يا رسول الله ... إلى نهاية الحديث فذكره الحليمي في المنهاج في شعب الإيمان ٣٧٤/٣، ولم نقف على إسناده. (٣) في النسخ الخطية و(م): ولا فعل لهما، والصواب ما أثبتناه. (٤) أخرجه أحمد (٣٦٣٨)، ومسلم (٢٦٠٧)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. (٥) اختلف تعداد المسائل في (ظ) عن باقي النسخ بسبب اختلاف تقسیمها فيها، وزیادات تفردت بها عن باقي النسخ، كما سيرد، والمثبت في تعداد المسائل من باقي النسخ. ٦٤ سورة البقرة : الآية ١٧٨ الأولى: روى البخاريُّ والنسائيُّ والدَّارَقُطْنيُّ(١) عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل القِصاصُ، ولم تكن فيهم الدِّيَة، فقال الله لهذه الأمة: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِّ الْخُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنَّ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ﴾ فالعَفْوُ: أن يقبل الدِّيّةَ في العمد، ﴿فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾: يَتَّبعُ بالمعروف ويؤدي بإحسان، ﴿ذَلِكَ تَّخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ممَّا كُتب على مَن كان قبلَكم، ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَتَلَ بعد قبول الدِّيّة. هذا لفظ البخاريّ، حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ، حدَّثنا سفيان، حدَّثنا عمرو، سمعت مجاهداً، سمعت ابن عباس. وقال الشعبيُّ في قوله تعالى: ﴿اَلْثُّ بِلْمُرُّ وَاَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنْقَ﴾ قال: نزلت(٢) في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا، فقالوا: نقتلُ بعبدنا فلان بن فلان، وبفلانة فلان بن فلان(٣)، ونحوُه عن قتادة(٤). الثانية: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ ((كُتب)) معناه: فُرِضَ وأُثبت، ومنه قولُ عمر بن أبي ربيعة: كُتب القتلُ والقتالُ علينا وعلى الغانياتِ جَرُّ الذُّيُولِ (٥) وقد قيل: إنَّ (كُتِبَ)) هنا إخبارٌ عما كُتب في اللوح المحفوظ وسبقَ به القضاء. والقصاص مأخوذ من قَصِّ الأثر، وهو اتِّباعُه، ومنه القاصُ؛ لأنه يتبعُ الآثارَ والأخبار. وقَصُّ الشَّعر: اتِّباعُ أثرِه. فكأنَّ القاتل سلك طريقاً من القتل، فقُصَّ أثرُه فيها، ومُشِيَ على سبيله في ذلك(٦)، ومنه: ﴿فَأَرْتَذَا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]. وقيل: القَصُّ: القطع، يقال: قَصَصْتُ ما بينَهما، ومنه أُخذ القِصاص؛ لأنه يجرحُه (١) صحيح البخاري (٤٤٩٨)، وسنن النسائي (المجتبى) ٣٦/٨-٣٧، وسنن الدارقطني ٨٦/٣، ١٩٩. ٠٤٤ (٢) في (م): أنزلت. (٣) في النسخ: ويأَمَتنا فلانة بنت فلان، والمثبت من تفسير الطبري ٩٥/٣، فقد أخرج الخبر عن الشعبي، وبنحوه أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٢٥١)، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص٤٤. (٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٦٦/١، والطبري ٩٦/٣، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ١٨٠/١. (٥) شرح ديوانه ص٤٩٨، وفيه: المحصنات، بدل: الغانيات. (٦) المحرر الوجيز ٢٤٤/١. ٦٥ سورة البقرة : الآية ١٧٨ مثلَ جُرحه، أو يقتلُه به؛ يقال: أقصَّ الحاكمُ فلاناً من فلان وأَباءَه به، وأَمْثَلَه(١) فامتثلَ منه، أي: اقتصَّ منه(٢). الثالثة: صورةُ القِصاص هو أنَّ القاتلَ فُرِضَ عليه - إذا أراد الوليُّ القتلَ - الاستسلامُ لأمر الله، والانقيادُ لقِصاصه المشروع، وأن الوليَّ فُرض عليه الوقوفُ عند قاتل وَليِّه، وتركُ التعدِّي على (٣) غيره، كما كانت العربُ تتعدّى، فتقتلُ غيرَ القاتل(٤)، وهو معنى قولِه عليه السلام: ((إنَّ مِن أعْتَى الناسِ على الله يومَ القيامة ثلاثةً(٥): رجلٌ قَتَلَ غيرَ قاتِلِه، ورجلٌ قَتَلَ في الحَرَم، ورجلٌ أخذَ بذُحول الجاهليَّة)) (٦) قال الشعبيُّ وقتادةُ(٧) وغيرهما: إن أهل الجاهلية كان فيهم بغيٌ وطاعةٌ للشيطان، فكان الحيُّ إذا كان فيه عزّ وَمنَعَة فقُتِلَ لهم عبدٌ - قَتَلَه عبدُ قومٍ آخرين - قالوا: لا نقتلُ به إلَّا حُرًّا، وإذا قُتلت منهم امرأةٌ قالوا: لا نقتلُ بها إلا رجلاً، وإذا قُتِلَ لهم وَضيعٌ قالوا: لا نقتلُ به إلا شريفاً، ويقولون: القتلُ أَوْقَى للقتل - بالواو والقاف، ويروى: ((أبقى)) بالباء والقاف، ويروى: ((أنفى)) بالنون والفاء - فنهاهم الله عن البغي، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَبْلِى الْحُّ بَلْخُ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾. الآية، وقال: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾. وبين الكلامينِ في الفصاحة والجَزْلِ بَوْنٌ (٨) عظيم(٨). (١) في (م): فأمثله. (٢) ينظر تهذيب اللغة ٢٥٥/٨-٢٥٦. (٣) في (د) و(ز): إلى. (٤) المحرر الوجيز ٢٤٤/١. (٥) قوله: ثلاثة، ليس في (ز) و(ظ). (٦) أحكام القرآن للجصاص ١٣٤/١، وأحكام القرآن للكيا الطبري ٤٢/١. والحديث أخرجه ابن أبي شيبة ١٤ /٤٨٧، وأحمد (٦٦٨١) و(٦٧٥٧)، وأبو عبيد في الأموال ١/ ١٤٥، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. وله شاهد من حديث أبي شريح الخزاعي عند أحمد (١٦٣٧٦)، قوله: ذُحول، هو جمع ذَخْل، وهو الحقد والعداوة. (مختار الصحاح). (٧) تقدم تخريج قوليهما في المسألة الأولى. (٨) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٦١. ٦٦ سورة البقرة : الآية ١٧٨ الرابعة: لا خلافَ أنَّ القِصاصَ في القتل لا يُقِيمُه إلا أولو الأمر، فُرِض عليهم النهوضُ بالقِصاص وإقامةُ الحدود وغيرُ ذلك؛ لأن الله سبحانه خاطبَ جميعَ المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيَّأُ للمؤمنين جميعاً أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطانَ مقامَ أنفسهم في إقامة القِصاص وغيرِه من الحدود، فخاطب الوليَّ بالقِصاص، وخاطبَ غيرَه بأن يُعِينَ الوليَّ على ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿كُنِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ أي: فُرِضَ إذا كان القتل عمداً(١)، فأما إن كان خطأً فيأتي بيانُه في (٢) سورة المائدة إن شاء الله تعالى وليس القِصاص بلازم، إنما اللازمُ ألَّ يتجاوزَ القِصاصُ وغيرُه من الحدود إلى الاعتداء (٣)، فأما إذا وقع الرِّضا بدون القصاص من دِيَةٍ أو عَفْوٍ، فذلك مباحٌ، على ما يأتي بيانه (٤). فإن قيل: فإنَّ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ معناه: فُرض وأُلزِم، فكيف يكون القصاصُ غيرَ واجب؟ قيل له: معناه: إذا أردتُم، فأَعْلَمَ أن القِصاص هو الغايةُ عند التَّشَاحٌ. والقتلى جمعُ قتيل، لفظٌ مؤنث تأنيثَ الجماعة، وهو ممَّا يدخل على الناس كُرْهاً، فلذلك جاء على هذا البناء، كجَرْحَى وَزَمْنَى وحَمْقَى وصَرْعَى وغَرْقَى، وشِبْهِهِنَّ(٥). الخامسة: قوله تعالى: ﴿اَلُّْ بِالْخُرُ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنثَ﴾ الآية. اختلف في تأويلها، فقالت طائفة: جاءت الآية مبيّنةً لحكم النوع إذا قَتَل نوعَه؛ فبيَّنَتْ حكم الحرِّ إذا قَتَل حُرًّا، والعبدِ إذا قتل عبداً، والأنثى إذا قَتلت أنثى، ولم تتعرَّض لأحد النوعين إذا قتلَ الآخر، فالآيةُ مُحْكَمةٌ، وفيها إجمالٌ يُبيِّنُه قولُه تعالى: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ (١) تفسير أبي الليث ١/ ١٨٠. (٢) من قوله: فخاطب الولي بالقصاص .. إلى هذا الموضع من (ظ)، وليس في باقي النسخ، وسيتكلم المصنف على قتل الخطأ في آية النساء (٩٢)، وآية المائدة (٤٥). (٣) في (خ) و(ز) والمحرر الوجيز ٢٤٤/١: ألا يتجاوز القصاص إلى اعتداء. (٤) في المسألة الرابعة عشرة. (٥) ينظر المحرر الوجيز ٢٤٤/١، وأحكام القرآن لابن العربي ١/ ٦١. ٦٧ سورة البقرة : الآية ١٧٨ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وبيَّنَه النبيُّ وَّه بسُنَّته لمَّا قَتَل اليهوديّ بالمرأة(١)، قاله مجاهد(٢)، وذكره أبو عبيد عن ابن عباس(٣)، ورُوي عن ابن عباس أيضاً أنها منسوخةٌ بآية ((المائدة))(٤)، وهو قولُ أهلِ العراق. السادسة: قال الكوفيون والثوريُّ: يُقتلُ الحرُّ بالعبد، والمسلمُ بالذِّمِّيَّ(٥)؛ واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَلْلِ﴾ فعمَّ، وقوله: ﴿وَكَيْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(٦). قالوا: والذِّمِّيُّ مع المسلم(٧) متساويانٍ في الحُرمة التي تكفي في القصاص، وهي حُرْمةُ الدَّم الثابتةُ على التأبيد؛ فإنَّ الذِّمِّيَّ مَحْقُونُ الدَّم على التأبيد، والمسلمُ كذلك، وكلاهما قد صار(٨) من أهل دار الإسلام؛ والذي يحقّقُ ذلك أن المسلم يُقْطَع بسرقة مال الذِّمِّيِّ، وهذا يدلُّ على أنَّ مالَ الذِّمِّيّ قد ساوى مالَ المسلم، فدلَّ على مساواته لدمه؛ إذ المالُ إنما يحرُم بِحُرْمة مالِكِه. (١) أخرجه أحمد (١٢٦٦٧)، والبخاري (٢٤١٣)، ومسلم (١٦٧٢) من حديث أنس رضي الله عنه. (٢) ينظر المحرر الوجيز ٢٤٥/١. (٣) الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (٢٥٢)، وأخرجه أيضاً الطبري ٣/ ١٠٠. (٤) أخرجه الطبري ٨/ ٤٧٠ من طريق سفيان الثوري عن ابن عباس، وهو منقطع، وأخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٤٧٣/١-٤٧٤ من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس. وجويبر ضعيف جداً، فيما ذكر الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب. (٥) لم نقف على قول الثوري في قتل المسلم بالذمي، والذي نقله عنه ابن عبد البر في الاستذكار ٢٥/ ١٧٠، وابن قدامة في المغني ١١ / ٤٦ أنه لا يقتل مؤمن بكافر. ووقع قبل هذا الكلام في (ظ) زيادة واختلاف في سياق الكلام عن النسخ الأخرى، فقد جاء فيها بعد قوله: وهو قول أهل العراق (آخر المسألة الخامسة) ما نصّه: وروي عن الحسن وعطاء: لا يقتل الذكر بالأنثى، وروي ذلك عن علي، قالوا: لأنه قد ذكر في هذه الآية الحرّ بالحرّ، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، ولم يذكر في هذه الآية أن العبد لو قتل حرّاً ما حكمه، وبيَّن في آية أخرى، وهو قوله: النفس بالنفس، فيقتل الحر عندهم بالعبد، والمسلم بالذمي ... إلى آخره. ولم يتبين لنا وجه هذا الاختلاف والزيادة في (ظ) عن باقي النسخ، فليحرر. (٦) بعدها في (ظ): وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ، سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. (٧) في (خ) و(ز) و(ظ): مع الحر، والمثبت من (د) و(م)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ٦٢/١، والكلام منه. (٨) في النسخ: صارا، والمثبت من (م). ٦٨ سورة البقرة : الآية ١٧٨ واتفق أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ، وابنُ أبي ليلى، على أنَّ الحرَّ يُقتلُ بالعبد كما يُقتلُ العبدُ به، وهو قول داود، ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ وابٍ مسعود رضي الله عنهما، وبه قال سعيد بنُ المسيّب، وقتادةُ، وإبراهيم النَّخَعيُّ، والحَكَم بن عُيَيْنة (١). والجمهور من العلماء لا يقتلون الحرَّ بالعبد؛ للتنويع والتقسيم في الآية. وقال أبو ثور: لمَّا اتَّفق جميعُهم على أنه لا قِصاصَ بين العبيد والأحرار فيما دون النفوس، كانت النفوسُ أخْرَى بذلك، ومَن فرَّق منهم بين ذلك فقد ناقَض. وأيضاً فالإجماع فيمن قتل عبداً خطأً أنه ليس عليه إلا القيمةُ، فكما لم يُشْبِهِ الحرَّ في الخطأ، لم يشبهه في العمد، وأيضاً؛ فإن العبد سلعةٌ من السلع يُباع ويُشترى(٢)، ويَتَصرَّف فيه الحرُّ كيف شاء، فلا مساواةَ بينه وبين الحرِّ ولا مقاومة. قلت: هذا الإجماع صحيح، وأمَّا قوله أولاً: ولمَّا اتَّفق جميعُهم، إلى قوله: فقد ناقض، فقد قال ابن أبي ليلى وداودُ بالقصاص بين الأحرار والعبيد في النفس وفي جميع الأعضاء، واستدلَّ داود بقوله عليه السلام: ((المسلِمُونَ تَتَكافأُ دماؤُهم»(٣) فلم يفرِّق بين حُرِّ وعبد(٤). وسيأتي بيانه في ((النساء)) إن شاء الله تعالى(٥). السابعة: والجمهورُ أيضاً على أنه لا يُقتل مسلم بكافر؛ لقوله وَله: ((لا يُقتلُ مسلمٌ بكافرِ)) أخرجه البخاريُّ عن عليّ بن أبي طالب(٦). ولا يصحُّ لهم ما روَؤه من حديث ربيعة أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قَتَلَ يوم خَيْبَر مسلماً بكافر؛ لأنه منقطع، ومن حديث ابن البَيْلَمَانيّ - وهو ضعيف - عن ابن عمر، عن النبيِّ ◌َّ مرفوعاً. قال الدَّارَ قُظْنيُ(٧): (١) الاستذكار ٢٦٧/٢٥. (٢) المحرر الوجيز ٢٤٥/١. (٣) أخرجه أحمد (٦٦٩٢) و(٦٧٩٧)، وأبو داود (٢٧٥١)، وابن ماجه (٢٦٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وأخرجه أحمد (٩٥٩)، والنسائي ٨/ ٢٠، ٢٤، من حديث علي رضي الله عنه. (٤) ينظر الاستذكار ٢٦٦/٢٥. (٥) عند تفسير الآية (٩٢) منها . (٦) صحيح البخاري (١١١)، وهو عند أحمد (٥٩٩). (٧) في سننه ١٣٥/٣، وانظر الاستذكار ١٧٠/٢٥ -١٧١. ٦٩ سورة البقرة : الآية ١٧٨ لم يُسنده غيرُ إبراهيمَ بنِ أبي يحيى، وهو متروك الحديث. والصوابُ: عن ربيعة عن ابن البَيْلَمَانِيِّ مرسَلٌ عن النبيِّ وَِّ، وابنُ البَيْلَمَانِيِّ ضعيفُ الحديث لا تقوم به حجّة إذا وَصَل الحديث، فكيف بما يُرسلُهِ؟! قلت: فلا يصحُّ في الباب إلا حديثُ البخاريِّ، وهو يخصِّص عمومَ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ اٌلْقَلْلِ﴾ الآية، وعمومَ قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. على أن قوله تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَفْلِ﴾ يَدُلُّ مَسَاقُهُ على الاختصاص بالمسلم إذا قتل المسلمَ؛ فإنه قال: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ﴾ ولا يكون الكافرُ أخاً للمسلم. وأما قوله تعالى: ﴿وَكَبْنَا عَلَتِهِمْ فِهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فإخبارٌ عن شريعة مَن قَبْلَنا، ولا يلزمُنا ذلك إلا ببيانٍ من شرعِنا جدید. وأما قوله: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ، سُلْطَانًا﴾ فلا حجةَ فيه، فإنَّا نجعلُ له سلطاناً وهو طلبُ الدِّية (١). الثامنة: رُويَ عن عليّ بن أبي طالب والحسنِ بن أبي الحسن البصريِّ: أن الآية نزلت مبيّنةً حكمَ المذكورين؛ ليَدُلَّ ذلك على الفرق بينهم وبين أن يَقتلَ حرِّ عبداً، أو عبدٌ حرًّا، أو ذكرٌ أنثى، أو أنثى ذكراً، وقالا: إذا قتلَ رجلٌ امرأةً، فإنْ أراد أولياؤها قَتَلوا صاحِبَهم، ووقَّوا أولياءَه نصفَ الدِّيَةِ، وإن أرادوا استحيَوْه، وأخذوا منه دِيَةَ المرأة. وإذا قتلتِ امرأةٌ رجلاً فإن أراد أولياؤه قتْلَها، قتلُوها، وأخذوا نصفَ الدِّيَة، وإلَّا؛ أخذُوا دِيَةَ صاحبهم واستَخْيَوْها(٢). رَوَى هذا الشعبيُّ عن عليٍّ، ولا يصحّ؛ لأن الشعبيَّ لم يلقَ عليًّا. وقد رَوى (١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٥/١-٤٦. ومن قوله: على أن قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِ اَلْقَتْلِ﴾، إلى هذا الموضع، من (ظ)، وليس في باقي النسخ. (٢) المحرر الوجيز ٢٤٥/١، وجاء فيه بعده (وهو تتمة كلام علي والحسن): وإذا قتل الحر العبد، فإن أراد سيد العبد قَتَلَ ... إلى آخره، وسترد هذه التتمة بإثر كلام ابن عبد البر الآتي. ووقعت تتمة الكلام في النسخة (د) في هذا الموضع، وتكررت أيضاً بإثر كلام ابن عبد البر، كباقي النسخ. والخبر أخرجه الطبري ٩٩/٣ عن علي، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢٩٧/٩، والطبري أيضاً ٩٩/٣ عن علي وعن الحسن مختصراً، وذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ٤٧٦/١. ٧٠ سورة البقرة : الآية ١٧٨ الحَكَم عن عليٍّ وعبدِ الله قالا: إذا قتلَ الرجلُ المرأةَ متعمِّداً فهو بها قَوَدٌ(١). وهذا يعارضُ روايةَ الشعبيِّ عن عليٍّ(٢). وأجمعَ العلماء على أن الأعور والأَشَلَّ (٣) إذا قتلَ رجلاً سالمَ الأعضاء أنه ليس لوليِّه أن يقتلَ الأعور ويأخُذَ منه نصف الدِّية من أجل أنه قتلَ ذا عينين وهو أعورُ، وقَتَلَ ذا يدَيْن وهو أشلُّ، فهذا يدلُّ على أنَّ النفس مكافِئةٌ للنفس، ويكافئ الطفلُ فيها الكبير. ويقال لقائل ذلك: إن كان الرجل لا تكافئه المرأة، ولا تدخل تحت قول النبيِّ ◌َّ: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم))، فلِمَ قتلتَ الرجلَ بها وهي لا تكافئه، ثم تأخذُ نصف الدّيّة؟ والعلماءُ قد أجمعوا أن الدِّيَة لا تجتمع مع القصاص، وأنَّ الدِّيَةَ إذا قُبلت حَرُمَ الدَّمُ وارتفعَ القِصاص، فليس قولك هذا بأصلٍ ولا قياس. قاله أبو عمر رضي الله عنه(٤). وإذا قتل الحرُّ العبدَ، فإن أراد سيِّدُ العبد قَتَلَ، وأعطى دِيَةَ الحرِّ إلا قيمةَ العبد، وإن شاء استَحْيا وأخذَ قيمةَ العبد، هذا مذكورٌ عن عليٍّ والحسن، وقد أُنكر ذلك عنهم أيضاً (٥). التاسعة: وأجمعَ العلماء على قَتْلِ الرجلِ بالمرأة والمرأة بالرجل، إلا ما رُوِيَ عن الحسن وعطاء: لا يُقتلُ الذكرُ بالأنثى، ورُويَ ذلك عن عليٍّ. قال ابنُ المنذر: ثبتَ أنَّ رسول الله وَّةٍ قال: ((المسلمون تتكافأُ دماؤهم))، وفي حديث أنس إثباتُ القِصاص بين الرجُلِ والمرأة، وذلك أن رجلاً من اليهود قتلَ جاريةً من الأنصار بالحجارة على حليٍّ لها، فأمرَ به رسولُ اللهِ وَله، فرُجم بالحجارة حتى مات(٦)، (١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٩٦/٩. (٢) الاستذكار ٢٥/ ٢٥٤ . (٣) في (خ): أو الأشل. (٤) الاستذكار ٢٥٦/٢٥. (٥) المحرر الوجيز ٢٤٥/١، وهذا الكلام هو تتمة كلام علي والحسن رضي الله عنهما، كما سلفت الإشارة إليه. (٦) سلف تخريجه في الصفحة ٦٧ و٦٨ من هذا الجزء. ٧١ سورة البقرة : الآية ١٧٨ وما رُوِيَ عن عليٍّ في ذلك لا يثبت، وقد روينا عن الحسن خلافَ ما ذكرنا عنه. وإذا اختلفت الأخبار عن الحسن، صارَ وجوبُ القِصاص بينهما كالإجماع مع السنن الثابتة المستغنى بها عما سواها، والله تعالى أعلم (١). والجمهورُ لا يَرون الرجوعَ بشيءٍ. وفرقةٌ ترى الاتِّباع بفضل الدِّيات. قال مالك والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاق والثوريُّ وأبو ثور: وكذلك القِصاصُ بينهما فيما دون النفس. وقال حمّاد بن أبي سليمان وأبو حنيفة: لا قِصاَص بينهما فيما دون النفس(٢)، وإنما هو في النفس بالنفس. وهما محجوجان بإلحاق مادون النفس بالنفس على طريق الأَخْرى والأَوْلى، على ما تقدَّم(٣). العاشرة: قال ابن العربيّ(٤): ولقد بلغت الجهالةُ بأقوام إلى أن قالوا: يُقتل الحرُّ بعبدِ نفسِه، ورَوَوْا في ذلك حديثاً عن الحسن عن سَمُرة: أن رسول الله وَل قال: ((مَن قَتَلَ عبدَه قَتَلْناه)) وهو حديث ضعيف(٥). ودليلُنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ، سُلْطَانًا فَلَ يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]، والوَلِيُّ هاهنا السيدُ؛ فيكف يُجعل له سلطانٌ على نفسه. وقد اتفق الجميع على أن السّيد لو قَتَل عبده خطأً أنه لا تؤخذ منه قيمتُه لبيت المال، وقد رَوَى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، أن رجلاً قتل عبدَه متعمِّدًا، فجلده النبيُّ ◌ََّ، ونفاه سَنَةً، ومَحَا سَهْمَه من المسلمين، ولم يُقِدْه به(٦) . (١) من قوله: إلا ما رُوي عن الحسن وعطاء ... إلى هذا الموضع، من (ظ)، وليس في باقي النسخ. (٢) في (خ) و(د) و(ز) و(م): النفس بالنفس، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز، والكلام منه ٢٤٥/١ . (٣) في المسألة السادسة. (٤) أحكام القرآن ١/ ٦٣ . (٥) أخرجه أحمد (٢٠١٠٤)، وأبو داود (٤٥١٥)، (٤٥١٦)، وابن ماجه (٢٦٦٣)، والترمذي (١٤١٤)، والنسائي ٢٠/٨-٢١ و٢٦. (٦) أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٤/١. والحديث أخرجه ابن ماجه (٢٦٦٤)، والدار قطني ٣/ ١٤٤، وفي إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك، كما قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب، وأخرجه الدار قطني أيضاً ١٤٣/١-١٤٤، وفي إسناده إسماعيل بن عياش، رواه عن الأوزاعي، قال= ٧٢ سورة البقرة : الآية ١٧٨ فإن قيل: فإذا قتلَ الرجلُ زوجتَه لِمَ لَمْ تقولوا: ينصَّب النكاح شبهةً في دَرْء القِصاص عن الزوج؛ إذِ النكاح ضَرْبٌ من الرِّقٌّ، وقد قال بذلك(١) اللَّيثُ بن سعد؟ قلنا: النكاح ينعقدُ لها عليه، كما ينعقدُ له عليها، بدليل أنه لا يتزوَّج أختها ولا أربعاً سواها، وتطالبُه من حقِّ (٢) الوَظْء بما يطالبُها، ولكنْ له عليها فضلُ القَوَاميَّة(٣) التي جَعَل الله له عليها بما أنفقَ من ماله، أي: بما وجبَ عليه من صَدَاقٍ ونفقةٍ، فلو أَورثَ شبهةً لأورثَها في الجانبين(٤). قلت: هذا الحديث الذي ضغَّفه ابنُ العربي هو (٥) صحيح؛ أخرجه النسائيُّ وأبو داود(٦)، وتَتْمِيمُ مَتْنه: ((ومَن جَدَعَه جَدَعْناه، ومن أَخْصاه أَخْصَيناه))(٧). وقال البخاريُّ عن عليّ بن المَدِينيِّ: سماعُ الحسن من سَمُرة صحيح، وأَخَذَ بهذا الحديث. وقال البخاريُّ: وأنا أذهبُ إليه(٨). فلو لم يَصِحَّ الحديثُ، لَمَا ذهب إليه هذان الإمامان، وحَسْبُك بهما! ويُقتل الحرُّ بعبد نفسِه؛ قال النَّخعِيّ والثَّوريّ في أحد قوليه. وقد قيل: إن الحسن لم يسمع من سَمُرة إلا حديثَ العَقِيقة(٩)، والله أعلم. واختلفوا في القصاص بين العبيد في النفس وفيما دون النفس، فقالت طائفة: يُقتصُ بينهم(١٠) في النفس وفيما دون النفس؛ هذا قولُ عمرَ بنِ عبد العزيز وسالم بن = الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١٦/٤: روايته عن الشاميين قوية، ولكن من دونه محمد بن عبد العزيز الشامي، قال أبو حاتم: لم يكن عندهم بالمحمود، وعنده غرائب. (١) في (م): ذلك. (٢) في (م): في حق. (٣) في (م): القوامة. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٦٣/١. (٥) في (م): وهو. (٦) سنن النسائي ٢٠/٨-٢١ و٢٦، وسنن أبي داود (٤٥١٦). (٧) في (ز) و(د): خصيناه. (٨) ينظر علل الترمذي ٥٨٨/٢، والاستذكار ٢٦٩/٢٥. (٩) سنن النسائي ((المجتبي)) ٩٤/٣، وانظر المغني لابن قدامة ٤٧٤/١١. (١٠) في الأصل (ظ) (وليست هذه العبارة في باقي النسخ): بعضهم، والصواب ما أثبتناه، وانظر المغني ١١/ ٤٧٥-٤٧٦. ٧٣ سورة البقرة : الآية ١٧٨ عبد الله والزُّهريِّ وقتادة(١) ومالك والشافعي وأبي ثور. وقال الشعبيُّ والنَّخَعِيُّ والثَّوْرِيُّ وأبو حنيفة: لا قِصاصَ بينهم إلا في النفس. قال ابن المنذر: الأولُ أصحَ(٢). الحادية عشرة: روى الدَّارَقُطنيُّ وأبو عيسى الترمذيُّ عن سُرَاقَةَ بنِ مالك(٣) قال: حضرتُ رسولَ الله وَّهَ يُقِيدُ الأبَ من ابنه، ولا يُقِيدُ الابنَ من أبيه. قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفُه من حديث سُراقةً إلَّا من هذا الوجه، وليس إسناده بصحيح؛ رواه إسماعيل بن عيَّاش عن المُثَنَّى بن الصَّبَّاحِ، والمُثَنَّى يُضعَّف في الحديث، وقد روى هذا الحديثَ أبو خالدِ الأحمرُ، عن الحجّاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن عمر، عن النبيِّ وَّ. وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن عمرو بن شعيب مرسلاً، وهذا الحديث فيه اضطرابٌ، والعملُ على هذا عند أهل العلم: أن الأب إذا قَتل ابنَه لا يُقتلُ به، وإذا قذفه لا يُحَدّ. وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في الرجل يقتل ابنَه عَمْداً؛ فقالت طائفة: لا قَوَدَ عليه، وعليه دِيَتُه؛ هذا(٤) قول الشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأصحابٍ الرأي، ورُوي ذلك عن عطاءٍ ومجاهد. وقال مالك وابن نافع وابنُ عبد الحكم: يُقتل به(٥). قال ابن المنذر(٦): وبهذا نقول؛ لظاهر(٧) الكتاب والسُّنة، فأمَّا ظاهرُ الكتاب فقوله تعالى: ﴿كُيِّبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ اٌلْقَدْلِّ الْخُرُّ بِالْخُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، والثابتُ عن رسول الله وَ لِّ: ((المؤمنون تَتَكافأُ دماؤُهم))(٨) ولا نعلم خبراً ثابتاً يجب به استثناءُ الأب من جملة الآية، وقد روينا فيه أخباراً غيرَ ثابتة . (١) في (م): وقُرَّان، ولم تجود في (د)، والمثبت من (ظ)، وانظر المغني ٤٧٦/١١. (٢) من قوله: واختلفوا في القصاص، إلى هذا الموضع من (د) و(ظ) و(م)، غير قوله: ((في النفس وفيما دون النفس فقالت طائفة يقتص بينهم في النفس و)) فمن (ظ)، وليس في باقي النسخ، وانظر الاستذكار ١٥٧/٢٥-١٥٨، والمغني ١١ /٤٧٥ -٤٧٦. (٣) سنن الترمذي (١٣٩٩)، وسنن الدارقطني ١٤٢/٣. (٤) في (م): وهذا. (٥) ينظر التمهيد ٤٣٧/٢٣-٤٤٢، والاستذكار ١٩٩/٢٥ -٢٠٠. (٦) ينظر المغني ٤٨٣/١١ . (٧) في (ز): فهذا القول لظاهر، وفي (د): فهذا القول بظاهر. (٨) تقدم في المسألة السادسة. ٧٤ سورة البقرة : الآية ١٧٨ وحكى الكِيا الطبريُّ (١) عن عثمانَ البَتِّيِّ أنه يُقتل الوالد بولده؛ للعُمومات في القِصاص. ورُوِي مثلُ ذلك عن مالك، ولعلهما لا يقبلان أخبار الآحاد في مقابَلَة عمومات القرآن. قلت: لا خلاف في مذهب مالك أنه إذا قتل الرجل ابنَه متعمِّداً - مثل أن يُضْجِعَه ويذْبَحَه، أو يَصْبِرَهُ(٢) مما لا عذرَ له فيه ولا شُبهةَ في ادِّعاء الخطأ - أنه يُقتل به قولاً واحداً، فأما إن رماه بالسلاح أدباً أو حَنَقًّا فقتله، ففيه في المذهب قولان: يُقتل به، ولا يُقتل به وتُغَلَّظ الدِّيَة(٣)؛ وبه قال جماعة العلماء(٤). ويُقتل الأجنبيُّ بمثل هذا. ابن العربي(٥): سمعت شيخنا فخرَ الإسلام الشاشيَّ يقول في النَّظر: لا يُقتلُ الأب بابنه؛ لأن الأب كان سببَ وجوده، فكيف يكون سببَ عدمه؟ وهذا يَبْطُل بما إذا زنى بابنته فرُجم(٦)، وكان سببَ وجودها، وتكون هي سببَ عدمه؛ وقد أثَّرُوا عن رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((لا يُقادُ الوالد بولده)) وهو حديث باطل(٧)، مُتَعلَّقُهم أن عمر رضي الله عنه قضَى بالدِّيَة مغلَّظة في قاتل ابنه (٨)، ولم ينكر أحدٌ من الصحابة (١) أحكام القرآن ١/ ٤٧. (٢) في (د) و(ظ): يضربه. (٣) المحرر الوجيز ٢٤٥/١. (٤) في (ظ): من العلماء. (٥) أحكام القرآن ١/ ٦٤-٦٥، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٦) في أحكام القرآن: فإنه يرجم. (٧) أخرجه ابن ماجه (٢٦٦١)، والترمذي (١٤٠١)، والدار قطني ١٤٢/٣، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الترمذي: لا نعرفه بهذا الإسناد مرفوعاً إلا من حديث إسماعيل بن مسلم، وإسماعيل بن مسلم قد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. وقال الزيلعي في نصب الراية ٤/ ٣٤٠. وأعله ابن القطان بإسماعيل بن مسلم وقال: إنه ضعيف، قلت: (والكلام للزيلعي): تابعه قتادة، وسعيد بن بشير، وعبيد الله بن الحسن العنبري. وأخرجه أحمد (١٤٧)، وابن ماجه (٢٦٦٢)، والترمذي (١٤٠٠) من حديث عمر رضي الله عنه. قال ابن عبد البر في التمهيد ٤٣٧/٢٣: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يُستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه حتى يكاد أن يكون الإسناد في مثله لشهرته تكلُّفاً . (٨) أخرجه أحمد (٣٤٦)، وانظر التمهيد ٤٣٦/٢٣-٤٤٢، والاستذكار ١٩٧/٢٥-٢٠١. ٧٥ سورة البقرة : الآية ١٧٨ عليه، فأخذ العلماء(١) رضي الله عنهم المسألةَ مُسجَّلة(٢)، وأخذها مالكٌ مُحْكَمةً مفصّلة، فقال: لو حَذَفه بالسيف، فهذه(٣) حالة محتَمِلةٌ لقصدِهِ القتلَ(٤) وعدمه، وشفقةُ الأبوَّة شُبهةٌ منتصِبةٌ شاهدةٌ بعدم [القصد إلى] القتل تُسقط(٥) القَوَد، فإذا أضجعه گشف الغطاء عن قصده، فالتحق بأصله. قال ابن المنذر: وكان مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق يقولون: إذا قتل الابنُ الأب قُتل به. الثانية عشرة: قال ابن العربي(٦): وقد استدلَّ الإمام أحمدُ بنُ حنبل بهذه الآية على قوله: لا تُقتلُ الجماعةُ بالواحد، قال: لأن الله سبحانه شَرَطَ المساواة، ولا مساواةً بين الجماعة والواحد. وقد قال تعالى: ﴿وَكَنَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَاَلْعَيْنَ بِاَلْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]. قلت: كذا ذكرَ عن أحمد، وذكر ابن المنذر عنه خلافَ ذلك، وجملةً ممن قال: تُقتل الجماعة بالواحد كمالك والشافعي وأصحاب الرأي(٧). والجوابُ أن المراد بالقِصاص في الآية قَتْلُ مَنْ قَتَل؛ كائناً مَن كان؛ ردًّا على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قُتِل مَن لم يَقتل، وتقتل في مقابلة الواحد مئةً؛ افتخاراً واستظهاراً بالجاه والمقدرة، فأَمَر الله سبحانه بالعدل والمساواة، وذلك بأن يُقتل مَن قَتَلَ(٨). وقد قَتل عمر رضي الله عنه سبعةً برجل بصنعاء وقال: لو تَمَالأ عليه أهلُ صنعاء لقتلتُهم به جميعاً، وقَتل عليٍّ رضي الله عنه الحَرُورِيَّة (١) في أحكام القرآن: سائر الفقهاء. (٢) كذا ضبطت في النسخ: مسجّلة، بتشديد الجيم. (٣) في (ظ) و(م): وهذه. (٤) في (خ): لقصده للقتل، وفي (ظ): للقصد للقتل، وفي أحكام القرآن: لقصد القتل. (٥) في النسخ: فسقط، والمثبت من أحكام القرآن. (٦) قوله: قال ابن العربي من (ظ)، والكلام بنحوه في أحكام القرآن له ٦٥/١. (٧) من قوله: قلت، إلى هذا الموضع من (ظ)، وليس في باقي النسخ. وانظر المغني ١١/ ٤٩٠. (٨) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٦٥. ٧٦ سورة البقرة : الآية ١٧٨ بعبد الله بن خَبَّاب(١)، فإنه توقَّف عن قتالهم حتى يُحدِثُوا، فلما ذبحوا عبدَ الله بن خَبَّاب كما تُذبح الشاة، وأُخبر عليٍّ بذلك قال: الله أكبر! نادُوهم أنْ أَخْرِجوا إلينا قاتلَ عبد الله بن خَبَّاب، فقالوا: كلُّنا قَتَله - ثلاثَ مرات - فقال عليٍّ لأصحابه: دونكم القومَ، فما لبث أن قتلهم عليٍّ وأصحابُه. خرَّج الحديثينِ الدَّارَقُطْنِيُّ في سُنته(٢). وفي الترمذيِّ(٣) عن أبي سعيد وأبي هريرة، عن رسول الله صل﴿ قال: «لو أنَّ أهلَ السماء وأهلَ الأرض اشتركوا في دمٍ مؤمنٍ لأَكَبَّهم اللهُ في النار))، وقال فيه: حدیث غريب. وأيضاً فلو علم الجماعةُ أنهم إذا قتلوا الواحدَ لم يُقتلوا، لَتَعاوَن الأعداء على قتل أعدائهم بالاشتراك في قتلهم، وبلغوا(٤) الأمل من(٥) التَّشَفِّي، ومراعاةُ هذه القاعدة أَوْلى من مراعاة الألفاظ(٦)، والله أعلم. وقال ابن المنذر: وقال الزهريُّ وحبيب بن أبي ثابت وابنُ سِیرین: لا يُقتل اثنان بواحد. رَوَينا ذلك عن معاذ بن جبل وابن الزبير وعبدِ الملك، قال ابن المنذر: وهذا أصحّ، ولا حجةَ مع مَن أباحَ قتلَ جماعةٍ بواحد. وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه(٧). (١) ابن الأرتِّ المدني، حليف بني زُهرة، مختلف في صحبته، قتل سنة (٣٧هـ) وكان من سادات المسلمين. التهذيب ٣٢٥/٢. والحرورية هم الخوارج الذين نزلوا بحروراء، وهو موضع بظاهر الكوفة، وبه كان أول تحكيمهم واجتماعهم حين خالفوا عليًّا رضي الله عنه. معجم البلدان ٢٤٥/٢ . (٢) ٢٠٢/٣، ١٣٢ على الترتيب. والحديث الأول أخرجه أيضاً مالك في الموطأ ٢/ ٨٧١، وعبد الرزاق (١٨٠٦٩)، وأخرجه البخاري مختصراً (٦٨٩٦). وانظر الاستذكار ٢٣٢/٢٥-٢٣٦. والحديث الثاني أخرجه عبد الرزاق (١٨٥٧٨) وابن أبي شيبة ٣٠٨/١٥-٣٠٩. (٣) سنن الترمذي (١٣٩٨). (٤) في (د) و(ز): وبلوغ. (٥) في (ظ): في. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٦٥. (٧) من قوله: وقال ابن المنذر: وقال الزهري، إلى هذا الموضع، ليس في (خ) و(ز). وانظر الاستذكار ٢٣٥/٢٥-٢٣٦، والمغني ٤٩٠/١١ . ٧٧ سورة البقرة : الآية ١٧٨ الثالثة عشرة: روى الأئمة عن أبي شُرَيح الكعبيِّ(١) قال: قال رسول الله وَ لَه: ((ألَا إنكم معشرَ خُزاعةً قَتلتُم هذا القتيلَ منَ هُذيل، وإني عاقِلُه، فمَن قُتل له بعدَ مقالتي هذه قتيلٌ فأهلُه بين خِيرَتَيْن: أن يأخذوا العَقْلَ أو يَقْتُلُوا)) لفظُ أبي داود(٢)، وقال الترمذيُّ: حديث حسن صحيح، ورُويَ عن أبي شُريح الخُزاعيِّ عن النبيِّ وَّهم قال: ((من قُتل له قَتيلٌ فله أن يَقْتُلَ، أو يعفوَ، أو يأخذَ الدِّية)). وذهبَ إلى هذا بعضُ أهل العلم، وهو قولُ أحمدَ وإسحاق(٣). الرابعة عشرة: اختلف أهل العلم في أخذ الدِّيَّة مِن قاتل العمد، فقالت طائفةٌ: وَلِيُّ المقتول بالخيار: إن شاء اقتصَّ، وإن شاء أخذ الدِّيَة وإن لم يرضَ القاتل. يُروى هذا عن سعيد بن المسيِّب، وعطاءٍ، والحسن، ورواه أشهبُ عن مالك، وبه قال الليثُ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور. وحجتُهم حديثُ أبي شُريحٍ وما كان في معناه(٤)، وهو (٥) نصٌّ في موضع الخلاف، وأيضاً من طريق النظر؛ فإنما لزمته الدِّيَةُ بغير رضاه؛ لأن فرضاً عليه إحياءُ نفسه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقولُه: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ أي: تُرك له دمُه، في أحد التأويلات - على ما يأتي(٦) -، ورضيَ منه بالدِّية ﴿فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: فعَلَى صاحب الدم اتِّباعٌ بالمعروف في المطالبة بالدِّيّة، وعلى القاتل أداءٌ إليه بإحسان، أي: من غير مماطلةٍ وتأخيرٍ عن الوقت، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي: أنَّ مَن كان قَبْلَنا لم يَفرضِ الله عليهم غيرَ النفس بالنفس؛ فتفضَّلَ الله على هذه الأمة بالدِّيَّةِ إذا رَضِيَ بها وليُّ الدم؛ على ما يأتي بيانه(٧). (١) خويلد بن عمرو، وهو الأشهر في اسمه، وقيل غير ذلك، أسلم قبل الفتح وكان معه لواء خزاعة يوم الفتح، توفي بالمدينة سنة (٦٨هـ). الإصابة ١١/ ١٩٢. (٢) سنن أبي داود (٤٥٠٤)، وهو عند أحمد (٢٧١٦٠). (٣) سنن الترمذي (١٤٠٦). (٤) ينظر الاستذكار ٢٩/٢٥، والمغني ٥٩١/١١. (٥) في (ظ): فهو. (٦) في المسألة الخامسة عشرة، ولفظ ((على ما يأتي)) من (ظ). (٧) في المسألة السابعة عشرة. ٧٨ سورة البقرة : الآية ١٧٨ وقال آخرون: ليس لوليّ المقتول إلا القصاصُ، ولا يأخذ الدِّيَةَ إلا إذا رضيَ القاتل؛ رواه ابن القاسم عن مالك، وهو المشهورُ عنه، وبه قال الثوريُّ والكوفيون، والشافعيُّ (١) في أحد قوليه، واحتجُوا بقوله تعالى: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيَهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله: ﴿وَمَن قُئِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣] الآية، ولِمَا رُويَ عن ابن عباس قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((مَنْ قُتِلَ في عِمِّيًّا [أَوْ رِمِّيًّا] تكونُ بينهم بحجرٍ أو سَوْطٍ أوْ بِعَصاً، فعَقْلُه عَقْلُ خطأ، ومَن قُتِلَ عَمْداً [فقَوَدُ يدِه، فَمَنْ حالَ بينه وبينه]، فعليه لعنةُ اللهِ والملائكة والناسِ أجمعين))(٢). وبحديث(٣) أنسٍ في قصة الرُّبَيِّع حين كَسَرت ثَنِيَّةَ المرأة؛ رواه الأئمة(٤)، قالوا: فلمَّا (٥) حكم رسولُ اللهِ وَّهِ بالقِصاص وقال: ((القصاصُ كتابُ الله، القِصاصُ كتابُ الله))(٦) ولم يخيِّرِ المَجنيَّ عليه بين القِصاص والدِّيَة، ثبتَ(٧) بذلك أن الذي يجب بكتاب الله وسُنَّ رسوله في العمد هو القِصاصُ، وليس له أخذُ الدية إلا بِرِضَى القاتل، وليس في الآية دليلٌ أنَّ له أنْ يأخذ الدِّيّة، ذكره خلافاً للشافعي في قول له: إن له أخذَ المال بغير رضى القاتل(٨). والأوّل أصح؛ لحديث أبي شُريح المذكور. (١) في (ظ): وبه قال الكوفيون والشافعي ... ومن هذا الموضع إلى قوله: ((والناس أجمعين)) في حديث ابن عباس الآتي، أثبتناه من (ظ)، ولم يرد في باقي النسخ. (٢) أخرجه أبو داود (٤٥٤٠) و(٤٥٩١)، وابن ماجه (٢٦٣٥)، والنسائي في المجتبى ٣٩/٨-٤٠ وما بين . حاصرتين منه، وأخرجه أبو داود أيضاً (٤٥٣٩) عن طاوس مرسلاً. قال الخطابي في معالم السنن ٣٤٤/٦: معناه أن يترامى القوم، فيوجدَ بينهم قتيل، لا يُدرى مَن قاتلُه. (٣) في (د) و(ز) و(م): واحتجوا بحديث، والمثبت من (ظ). (٤) أخرجه أحمد (١٢٣٠٢)، والبخاري (٢٧٠٣). والرُّبَيِّع هي أخت أنس بن النضر، وعمةُ أنس بن مالك، ووالدة حارثة بن سراقة أحد شهداء بدر، وهي من بني عدي بن النجار. الإصابة ١٢/ ٢٥٢. (٥) في (ظ): فكما. (٦) في (ظ): كتاب الله القصاص. دون تكرار، وهي كذلك في المصادر. (٧) قوله: ثبت، ليس في (ظ). (٨) من قوله: وليس له أخذ الدية .... إلى هذا الموضع، من (ظ)، وليس في باقي النسخ، وانظر الاستذكار ٢٩/٢٥، وأحكام القرآن للكيا الطبري ١/ ٥١-٥٢. ٧٩ سورة البقرة : الآية ١٧٨ وروى الرَّبِيعُ عن الشافعيِّ قال: أخبرني أبو حنيفة بنُ سِمَاك بن الفضل الشهابي قال: وحدَّثني ابنُ أبي ذئب عن المَقْبُرِيِّ عن أبي شُريح الكعبيِّ أن رسول الله وَّل قال عامَ الفتح: ((مَن قُتِل له قتيلٌ فهو بخيرِ النَّظَرَيْن: إن أحبَّ أَخَذَ العَقْلَ، وإن أحبَّ فله القَوَد)). فقال أبو حنيفة: فقلت لابن أبي ذئب: أتأخذُ بهذا يا أبا الحارث؟! فضَرب صدري، وصاح عليَّ صياحاً كثيراً، ونال منِّي، وقال: أُحدِّثك عن رسول الله وَ﴿ وتقول: تأخذُ به! نعم آخُذُ به، وذلك الفرضُ عليَّ وعلى مَن سمعه؛ إن الله عزَّ وجلَّ(١) اختار محمداً بَّر من الناس، فهداهم به وعلى يديه، واختار لهم ما اختاره له وعلى لسانه؛ فعلى الخلق أن يتّبعوه طائعين أو داخِرين، لا مخرجَ لمسلم من ذلك، قال: وما سكت عنّي حتى تمنيَّت أن يسكت(٢). الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ اختلف العلماء في تأويل ((مَنْ)) و((عُفِيَ)) على تأويلاتٍ خمس: أحدها: أن ((مَنْ)) يرادُ بها القاتلُ، و(عُفِيَ)) تتضمَّن عافياً هو وليُّ الدَّم، والأخُ هو المقتول، و(شَيْءٌ)) هو الدَّم الذي يُعْفَى عنه، ويرجعُ إلى أخذ الدِّية؛ هذا قول ابن عباس، وقتادةً، ومجاهدٍ، وجماعةٍ من العلماء. والعَفْوُ في هذا القول على بابه(٣)، الذي هو الثَّرك (٤). والمعنى: أن القاتل إذا عفا عنه وليُّ المقتول عن دمٍ مقتولِه، وأسقطَ القِصاصَ، فإنه يأخذُ الدِّيَة ويتَّبع بالمعروف، ويؤدِّي إليه القاتلُ بإحسان. الثاني: وهو قولُ مالك: أن ((مَنْ)) يرادُ به الوليُّ، و((عُفِيَ)) يُسِّر، لا على بابها في العفو، والأخُ يراد به القاتل، و((شيء)) هو الدِّيَةُ، أي أن الوليَّ إذا جنح إلى (١) في (خ) و(م): عز وجل ثناؤه. (٢) مسند الشافعي ٢١/١، والرسالة ٤٥٠-٤٥٢، ومعنى داخرين: صاغرين، وينظر مسند أحمد (٢٧١٦٠). (٣) المحرر الوجيز ٢٤٥/١، والأخبار المذكورة أخرجها الطبري ١٠٥/٣-١٠٨، وانظر الكشاف ٣٣٢/١، والبحر المحيط ٢/ ١٢ . (٤) قال أبو حيان في البحر المحيط ١٢/٢: ولا يفسر ((عفا)) بمعنى ((ترك))، لأنه لم يثبت ذلك معدَّى إلا بالهمزة، ومنه: ((أعفوا اللحى))، ولا يجوز أن تضمن ((عُفي)) معنى ((ترك))، وإن كان العافي عن الذنب تاركاً له لا يؤاخذ به، لأن التضمين لا ينقاس. ٨٠ سورة البقرة : الآية ١٧٨ العفو عن القصاص على أَخْذ الدية، فإن القاتل مخيَّر بين أن يعطيَها أو يسلِّمَ نفسه؛ فمرَّةٌ تُيَسَّر، ومرَّةٌ لا تُيَسَّر. وغير مالك يقول: إذا رَضِيَ الأولياءُ بالدِّيَة فلا خيارَ للقاتل، بل تلزمُه. وقد رُويَ عن مالك هذا القول، ورجَّحَه كثيرٌ من أصحابه(١). وقال أبو حنيفةَ: إن معنى ((عُفِيَ)) بُذِل؛ والعفو في اللغة: البذل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿خُذِ اٌلْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أي: ما سهُل من الأخلاق(٢)، وقال أبو الأسود الدؤليُّ : خُذِي العفوَ منِّي تستديمي مَوَذَّتي(٣) وقالِ وَلّ: ((أوّلُ الوقتِ رضوانُ الله، وآخِرُه عفوُ الله))(٤) يعني تسهيل(٥) الله على عباده(٦). فكأنه قال: مَنْ بُذِلَ له شيءٌ من الدِّيَةِ فليَقْبَلْ وليتَبع بالمعروف، ولْيُؤَدِّ إليه القاتلُ بإحسان، فندَبَه تعالى إلى أَخْذ المال إذا سُهِّل ذلك من جهة القاتل، وأخبر (٧) أنه تخفيفٌ منه ورحمة؛ كما قال عقيبَ(٨) ذِكْرِ القِصاص في سورة المائدة: ﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥] فندبه إلى الرحمة: (١) المحرر الوجيز ٢٤٦/١. (٢) قوله: من الأخلاق، من (ظ)، وهو كذلك في أحكام القرآن للكيا الطبري ١/ ٥١، وأحكام القرآن للجصاص ١/ ١٥٠. (٣) هو في ديوانه ص ١٥٠، والصحاح (عفا)، وعجزه: ولا تنطِقي في سَوْرتي حين أغضبُ. (٤) أخرجه ابن عدي في الكامل ٥٠٩/٢، وابن الجوزي في العلل (٦٥١) من حديث أنس رضي الله عنه، وقال ابن عدي: وهذا لا يرويه بهذا الإسناد غير بقية، وهو من الأحاديث التي يحدث بها بقية عن المجهولين. وأخرجه الترمذي (١٧٢)، وابن حبان في المجروحين ١٣٨/٣، وابن عدي في الكامل، والبيهقي في السنن الكبرى ٤٣٥/١، وابن الجوزي في العلل (٦٥٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: ((الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله)). قال البيهقي: هذا حديث يعرف بيعقوب بن الوليد المدني، ويعقوب منكر الحديث؛ ضعفه يحيى بن معين، وكذبه أحمد بن حنبل وسائر الحقَّاظ ونسبوه إلى الوضع ... وقد روي بأسانيد أُخَر كلُّها ضعيفة. (٥) في (م): شهد. (٦) من قوله: وقال ◌َله ... من (ظ) و(م)، وليس في باقي النسخ. (٧) في (ظ): وأخبره، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في أحكام القرآن للجصاص ١٥٠/١، وأحكام القرآن للكيا الطبري ١/ ٥١-٥٢، والكلام منهما غير قول أبي حنيفة. (٨) في (م): كما قال ذلك عقب، والمثبت من (ظ) (والكلام منها) وهو موافق لما في المصدرين السالفين.