النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
سورة البقرة : الآية ١٧٢
قال القُتَبِيُّ: ومَن ذهب إلى هذا في معنى الآية كان مذهباً، غير أنه لم يذهب
إليه أحدٌ من العلماء فيما نعلم.
والنداء للبعيد، والدعاء للقريب؛ ولذلك قيل للأذان بالصلاة: نداء؛ لأنه
للأباعد. وقد تُضمُّ النونُ في النداء، والأصل الكسر. ثم شَبَّه تعالى الكافرين بأنهم
صُمِّ بُكْمٌ عُمْيٌّ. وقد تقدّم أوّل السورة(١) .
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن
كُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (
هذا تأكيدٌ للأمر الأوَّل، وخصَّ المؤمنين هنا بالذُّكر تفضيلاً. والمرادُ بالأكل
الانتفاعُ من جميع الوجوه. وقيل: هو الأكل المعتاد(٢).
وفي ((صحيح)) مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله:
((أيُّها الناس(٣)، إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طَيِّياً، وإنَّ اللهَ أمرَ المؤمنين بما أَمَر به
المرسلين فقال: ﴿فَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
[المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾)) ثم ذَكَرَ
الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يديه إلى السّماء: يا رَبِّ يَا رَبِّ،
ومَظْعَمُه حرام، ومَشْرَبُه حرام(٤)، ومَلْبَسُه حرام [وغُذِيَ بالحرام] فأنَّى يُستجابُ
لِذلك»(٥) .
﴿وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِنَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تقدَّم معنى الشكرِ(٦)، فلا معنى للإعادة.
(١) في (م): تقدم في أول السورة. وينظر ٣٢٣/١.
(٢) مجمع البيان ٢/ ٨٠.
(٣) في (خ) و(ز) و(ظ): يا أيها.
(٤) قوله: ومشربه حرام، من (خ).
(٥) صحيح مسلم (١٠١٥)، وما بين حاصرتين منه، وهو في مسند أحمد (٨٣٤٨). قوله: وغذي، بضم
الغين وتخفيف الذال المكسورة. قاله النووي في شرح صحيح مسلم ٧/ ١٠٠ .
(٦) ٢/ ١٠٤.

٢٢
سورة البقرة : الآية ١٧٣
قوله تعالى: ﴿إِنََّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ،
لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ
فيه أربع وثلاثون مسألة (١):
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنََّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ ((إنّما)) كلمةٌ موضوعةٌ
للحصر، تتضمَّنُ النفيَ والإثبات، فتُثبتُ ما تناولَه الخطابُ وتنفي ما عداه، وقد
حَصرت هاهنا التحريم، لا سِيَّما وقد جاءت عَقيبَ التحليل في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ فأفادت الإباحةَ على الإطلاق، ثم عقَّبها
بذكر المُحَرَّم بكلمة ((إنما)) الحاصرة، فاقتضى ذلك الإيعابَ للقسمين، فلا محرَّمَ
يخرج عن هذه الآية، وهي مَدَنيَّة، وأكَّدها بالآية الأخرى التي رُوِيّ أنها نزلت
بِعَرَفة: ﴿قُل لَّ أَبِدُ فِي مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] إلى
آخرها، فاستوفى البيانَ أوّلاً وآخراً؛ قاله ابن العربي(٢). وسيأتي الكلام في تلك
في ((الأنعام))(٣) إن شاء الله تعالى.
الثانية: ((الْمَيْتَةَ)) نصب بـ ((حَرَّم))، و((ما)) كافَّة. ويجوز أنْ تجعلَها بمعنى الذي،
منفصلةً في الخطّ، وترفع ((الميتة والدّم ولحم الخنزير)) على خبر ((إنّ)(٤)، وهي
قراءةُ ابنِ أبِي عَبْلَةٍ (٥) .
وفي (حَرَّم)) ضميرٌ يعود على الذي، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَخِرٍ﴾
[طه: ٦٩].
وقرأ أبو جعفر: ((حُرِّم))(٦) بضمِّ الحاء، وكسرِ الراء، ورفع الأسماء بعدها، إما
(١) كذا وقع في النسخ الخطية، لكن اختلف تعداد المسائل فيها بدءاً من المسألة الرابعة والعشرين، وقد
بلغ عدد المسائل في جميع النسخ ثلاثاً وثلاثين مسألة.
(٢) في أحكام القرآن ١/ ٥١.
(٣) في الآية (١٤٥) منها .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٨/١.
(٥) هي في القراءات الشاذة ص ١١ دون نسبة، وذكرها أبو حيان في البحر ٤٨٦/١، والسمين الحلبي
في الدر ٢٣٥/٢.
(٦) نسبها إلى أبي جعفر بن القعقاع كذلك أبو حيان ٤٨٦/١، والسمين ٢٣٥/٢، ونسبها ابن خالويه=

٢٣
سورة البقرة : الآية ١٧٣
على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، وإما على خبر إنّ.
وقرأ أبو جعفر بنُ القَعْقَاع أيضاً: ((الميّتة)) بالتشديد(١).
الطبري(٢): وقال جماعةٌ من اللُّغويين: التشديد والتخفيف في مَيْتٍ ومَيِّتٍ
لغتان.
وقال أبو حاتم وغيرُه: ما قد مات فيقالان فيه، وما لم يَمُت بعدُ فلا يُقال فيه
(مَيْت)) بالتخفيف، دليلُه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَهُم مَِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. وقال
الشاعر(٣):
ليس من مات فاستراح بمَيْتٍ
إنما المَيْتُ مَيِّتُ الأحياءِ
ولم يقرأ أحدٌ بتخفيفِ ما لم يَمُت، إلا ما رَوى البَزِّي عن ابن كَثیر ﴿وَمَا هُوَ
بِمَيْتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]. والمشهورُ عنه التثقيل(٤).
وأما قولُ الشاعر:
إذا ما مات مَيْتْ من تميم
فسَرَّك أنْ يعيشَ فجِى بزادٍ(٥)
= ص١١ لابن أبي الزناد، وابنُ عطية ٢٣٩/١ إلى أبي عبد الرحمن السُّلمي، وذكرها دون نسبة الفراء في
معاني القرآن ١٠٢/١، والزمخشري في الكشاف ٣٢٩/١. وأبو جعفر من العشرة، والقراءة المتواترة
عنه كقراءة الجماعة.
(١) المحرر الوجيز ٢٣٩/١، ومجمع البيان للطبرسي ٨١/٢، وانظر النشر ٢٢٤/٢.
(٢) تفسيره ٥٥/٣. ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز ٢٣٩/١.
(٣) هو عديُّ بن الرَّعلاء الغساني، والبيت في الأصمعيات ص١٥٢، وتفسير الطبري ٥٤/٣، والمحرر
الوجيز ٢٣٩/١، وخزانة الأدب ٥٨٣/١٠ وغيرها كثير.
(٤) المحرر الوجيز ٢٣٩/١، وذكر ابن مجاهد في السبعة ص٥٢٣ - وعنه الذهبي في معرفة القراء الكبار
١٧٩/١ - رجوعَ البزي عنها. والبَزِّي: هو أحمد بن محمد، أبو الحسن. مقرئ مكة ومؤذنها، مات
سنة (٢٥٠هـ). السير ١٢/ ٥٠.
(٥) البيت في البيان والتبيين ١/ ١٩٠، والحيوان ٦٦/٣، والكامل ٢٢٤، وأدب الكاتب ص ١٥، وعيون
الأخبار ٢٠٣/٢، والعقد الفريد ٤٦٢/٢، والمحتسب ٣٤٤/١، والمنصف ٣٠٥/١ و٦٢/٣،
والمحرر الوجيز ٢٣٩/١ دون نسبة، ونُسب في معجم الشعراء ص ٤٨٠، والحماسة البصرية ٢٥٩/٢،
والاقتضاب ٨/٣ ليزيد بن عمرو بن الصَّعِق، ونُسب في الاقتضاب ١/ ١٠٥، وسمط اللآلي ص ٨٦٣
لأبي المهوّش الأسدي.

٢٤
سورة البقرة : الآية ١٧٣
فالأبلغُ(١) في الهجاء أنه (٢) أراد المَيْتَ حقيقةً، وقد ذهبَ بعضُ الناس إلى أنه
أراد مَنْ شارفَ الموتَ، والأوَّلُ أشهر (٣).
الثالثة: المَيْتة: ما فارقَتْهُ الروحُ من غير ذكاةٍ مما يُذبح؛ وما ليس بمأكولٍ
فَذَكاتُه كموته، كالسِّباع وغيرها، على ما يأتي بيانُه هنا وفي ((الأنعام)) (٤) إن شاء الله
تعالى.
الرابعة: هذه الآية عامَّةٌ دخلها التخصيصُ بقوله عليه السلام: ((أحِلّت لنا
مَيْتَتَان: الحُوتُ والجراد، ودَمانِ: الكَبِدُ والطّحال)). أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ(٥)، وكذلك
حديث جابر في العَنْبَر يخصِّص عمومَ القرآن بصحة سنده. خرَّجه البخاريُّ
ومسلم(٦)، مع قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، على ما يأتي
بيانُه هناك، إن شاء الله تعالى.
وأكثر أهلِ العلم على جواز (٧) أكلِ جميعِ دوابِّ البحر حَيِّها ومَيِّتها، وهو
مذهبُ مالك. وتوقَّف أن يُجيبَ في خنزير الماء، وقال: أنتم تقولون خنزيراً !. قال
ابن القاسم: وأنا أَّقيه ولا أراه حراماً(٨).
الخامسة: وقد اختلف الناسُ في تخصيص كتاب الله تعالى بالسُّنَّة، ومع
اختلافهم في ذلك اتَّفقوا على أنه لا يجوز تخصیصُه بحديثٍ ضعيف، قاله ابنُ
العربي(٩). وقد يُستدلُّ على تخصيص هذه الآية أيضاً بما في ((صحيح)) مسلم (١٠)
(١) في (د) و(م): فلا أبلغ.
(٢) في (م): من أنه.
(٣) المحرر الوجيز ٢٣٩/١.
(٤) في تفسير الآية (١٤٥) منها .
(٥) في سننه ٢٧١/٤ - ٢٧٢ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهو في مسند أحمد (٥٧٢٣).
(٦) صحيح البخاري (٤٣٦١)، وصحيح مسلم (١٩٣٥). وهو في مسند أحمد (١٤٣٣٨)، وانظر أحكام
القرآن ٥٣/١، والعنبر: سمكة بحرية كبيرة. النهاية (عنبر). وسيرد الحديث في الصفحة ٣٩.
(٧) في (د) و(ز): أهل الفقه يجيزون.
(٨) الاستذكار ٣٠٤/١٥.
(٩) في أحكام القرآن ١/ ٥٢.
(١٠) برقم (١٩٥٢)، وهو في مسند أحمد (١٩١١٢)، وصحيح البخاري (٥٤٩٥).

٢٥
سورة البقرة : الآية ١٧٣
من حديث عبد الله بن أبي أَوْفَى قال: غزَوْنَا مع رسول الله وَلَ ◌ّهِ سبعَ غزوات، كنا
نأكلُ الجرادَ معه. وظاهرُه أكلُه كيفما مات بعلاج أو حَتْفَ أنفِه، وبهذا قال ابنُ
نافع وابنُ عبد الحكم وأكثرُ العلماء، وهو مذهب الشافعيّ وأبي حنيفة وغيرهما.
ومنع مالك وجمهورُ أصحابه من أكله إنْ مات حَتْفَ أنفه، لأنه من صيدِ البَرِّ، ألَّا
ترى أن المُحْرِمِ يَجزِيه إذا قتله، فأشبه الغزال(١). وقال أَشْهب: إن مات مِن قطعٍ
رجلٍ أو جَناح لم يُؤكل؛ لأنها حالةٌ قد يعيش بها ويَنْسُل(٢). وسيأتي لحُكم الجراد
مزيدُ بيانٍ في ((الأعراف))(٣) عند ذكره، إن شاء الله تعالى.
السادسة: واختلف العلماء: هل يجوز أن يُنتَفَع بالميتة أو بشيءٍ من
النجاسات؟ واختُلف عن مالك في ذلك أيضاً، فقال مَرّة: يجوزُ الانتفاعُ بها؛ لأن
النبيَّ ◌َ ◌ّ﴿ مرَّ على شاةٍ مَيْمُونة فقال: ((هَلَّا أخذتُم إهابَها))(٤) الحديث. وقال مرَّة:
جملتُها محرَّم، فلا يجوز الانتفاعُ بشيء منها، ولا بشيء من النجاسات على وجهٍ
من وجوه الانتفاع، حتى لا يجوز أن يُسقى الزرعُ ولا الحيوانُ الماءَ النجسَ، ولا
تُعلفُ البهائم النجاسات، ولا تُطعَم الميتةَ الكلابُ والسباعُ، وإنْ أكلَتْها لم تُمنَع.
ووجهُ هذا القول ظاهرُ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَّيْنَةُ وَالَّمُ﴾ [المائدة: ٣] ولم
يَخْصَّ وجهاً من وجه، ولا يجوز أن يُقال: هذا الخطاب(٥) مُجْمَل؛ لأن المُجمّل
ما لا يُفهم المرادُ من ظاهره، وقد فهمت العرب المرادَ من قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾، وأيضاً فإن النبيَّ وَ ل قال: ((لا تنتفعوا من الميتةِ بشيء)) (٦). وفي
حديث عبد الله بن عُكَيم: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصَب))(٧). وهذا آخر
(١) في (خ): الغُراب.
(٢) ينظر أحكام القرآن للجصاص ١٠٧/١، والمحرر الوجيز ٢٣٩/١-٢٤٠، والمفهم ٢٣٧/٥، ٢٣٨.
(٣) في تفسر الآية (١٣٣) منها.
(٤) الموطأ ٤٩٨/٢، وأخرجه أحمد (٢٣٦٩)، والبخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣) من حديث ابن عباس
رضي الله عنهما .
(٥) في (د): كلام.
(٦) هو أحد روايات حديث عبد الله بن عكيم الآتي.
(٧) أخرجه أحمد (١٨٧٨٠)، وأبو داود (٤١٢٧)، والترمذي (١٧٢٩)، والنسائي ٧/ ١٧٥، وابن ماجه
(٣٦١٣)، قال البخاري في التاريخ الكبير ٣٩/٥: عبد الله بن عكيم أدرك زمان رسول الله الخلود

٢٦
سورة البقرة : الآية ١٧٣
ما ورد به كتابُه قبلَ موتِه بشهر. وسيأتي بيانُ هذه الأخبار والكلامُ عليها في
((النحل))(١) إن شاء الله تعالى.
السابعة: فأما الناقةُ إذا نُحرت، أو البقرةُ أو الشاةُ إذا ذُبحت، وكان في بطنها
جنينٌ ميت؛ فجائزٌ أكلُه من غير تذكيةٍ له في نفسه، إلَّا أن يَخرج حيًّا فيُذَنَّى،
ويكون له حكمُ نفسه، وذلك أن الجنين إذا خرج منها بعد الذَّبح ميتاً جرى مجرى
العضوِ من أعضائها. ومما يُبيِّن ذلك أنه لو باع الشاةَ واستثنى ما في بطنها لم يجز،
كما لو استثنى عضواً منها، وكان ما في بطنها تابعاً لها كسائر أعضائها. وكذلك لو
أعتقها من غير أن يوقع على ما في بطنها عتقاً مبتدأً، ولو كان منفصلاً عنها لم
يتبعها في بيع ولا عتق. وقد روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله وَ لهر سُئل عن
البقرة والشاة تُذبح، والناقةِ تُنحر، فيكون في بطنها جنين ميِّت؛ فقال: ((إن شئتم
فكلوه لأن ذكاته ذكاة أمه))(٢). خرّجه أبو داود بمعناه من حديث أبي سعيد
الخُدْرِي(٣). وهو نصٌّ لا يحتمل. وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ في سورة المائدة(٤) إن
شاء الله تعالى.
الثامنة: واختلفت الروايةُ عن مالك في جِلْد الميتة: هل يَطهُر بالدباغ أو لا؟
فُرُوِي عنه أنه لا يَظْهُر، وهو ظاهر مذهبه. ورُوِيَ عنه أنه يَطهُر؛ لقوله عليه السلام:
((أَيُّمَا إهابٍ دُبغ فقد طَهُر))(٥). ووجهُ قوله: لا يَطهُر، بأنه (٦) جزءٌ من الميتة لو أُخِذ
منها في حال الحياة كان نجساً، فوجب ألَّا يُطهّرَه الدِّباُ قياساً على اللحم.
وتُحمل الأخبارُ بالطهارة على أن الدباغ يُزيل الأوساخَ عن الجِلْد حتى يُنتفعَ به في
= ولا يُعرف له سماع صحيح، وقال الترمذي: هذا حديث حسن ... كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا
الحديث ... ثم تركه لما اضطربوا في إسناده، وذكر المصنف في المسألة السادسة من الآية (٨٠) من
سورة النحل أن يحيى بن معين ضعفه وقال: ليس بشيء.
(١) في تفسير الآية (٨٠) منها .
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٢٨)، والدارمي (١٩٧٩) بلفظ: ذكاة الجنين ذكاة أمه.
(٣) سنن أبي داود (٢٨٢٧)، وهو في مسند أحمد (١١٢٦٠). وانظر أحكام القرآن للجصاص ١١١/١.
(٤) في تفسير الآية (٣) منها .
(٥) أخرجه أحمد (١٨٩٥)، ومسلم (٣٦٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٦) في النسخ الخطية: فإنه، والمثبت من (م).

٢٧
سورة البقرة : الآية ١٧٣
الأشياء اليابسة، وفي الجلوس عليه، ويجوز أيضاً أن يُنتفع به في الماء بأن يُجعلَ
سِقاءً؛ لأن الماءَ على أصلِ الطهارةِ ما لم يتغيَّر له وَصْفٌ على ما يأتي من حُكمه
في سورة الفرقان(١). والطهارةُ في اللغة متوجِّهةٌ(٢) نحو إزالة الأوساخ، كما تتوجَّه
إلى الطهارة الشرعية، والله تعالى أعلم.
التاسعة: وأما شعرُ الميتةِ وصوفُها فطاهر، لما رُوِيّ عن أمّ سَلَمة رضي الله
عنها عن النبيِّ وَلّ أنه قال: ((لا بأس بمَسْك الميتة إذا دُبغ، وصوفها وشعرها إذا
غُسِل))(٣). ولأنه كان طاهراً لو أُخِذَ منها في حال الحياة، فوجب أن يكون كذلك
بعد الموت، إلا أن اللَّحم لما كان نَجساً في حال الحياة، کان کذلك بعد الموت،
فيجب أن يكون الصوفُ خلافَه في حال الموت، كما كان خلافَه في حالِ الحياة
استدلالاً بالعكس. ولا يلزم على هذا اللبنُ والبيضةُ من الدجاجة الميتة، لأن اللبنَ
عندنا طاهرٌ بعد الموت، وكذلك البيضة؛ ولكنهما حصلا في وعاءٍ نَجس، فتنجَّسَا
بمجاورة الوعاء، لا أنهما نُجِّسَا بالموت. وسيأتي لهذه المسألةِ والتي قبلها مَزيدُ
بيانٍ، وما للعلماء فيهما من الخلاف في سورة النحل(٤) إن شاء الله تعالى.
العاشرة: وأما ما وقعت فيه الفأرةُ فله حالتان: حالةٌ تكون إنْ أُخرجت الفأرةُ
حيَّةً، فهو طاهر، وإنْ ماتت فيه فله حالتان: حالةٌ يكون مائعاً فإنه يَنجس جميعُه.
وحالةٌ يكون جامداً فإنه يَنجس ما جاورها فتُطرح وما حولها، ويُنتفَعُ بما بقي وهو
على طهارته، لما رُوِي أن النبي ◌َّله سُئل عن الفأرة تقع في السمن فتموت، فقال
عليه السلام: ((إن كان جامداً فاطرحوها وما حَوْلها، وإن كان مائعاً فأرِيقُوه))(٥) .
(١) في تفسير الآية (٤٨) منها. وينظر في هذه المسألة أحكام القرآن للجصاص ١/ ١١٥، والأوسط لابن
المنذر ٢٦٤/٢، والاستذكار ٣٣٥/١٥، والتمهيد ١٥٢/٤، والمنتقى للباجي ١٣٣/٣.
(٢) في (خ) و(ز) و(ظ): تتوجه.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٣/ (٥٣٨)، والجصاص في أحكام القرآن ١٢١/١، والدار قطني ١/ ٤٧،
والبيهقي ٢٤/١. وفيه يوسف بن السفر، قال الدارقطني: متروك ولم يأت به غيره.
(٤) في المسألة الرابعة من الآية (٨٠) من سورة النحل، وانظر أحكام القرآن للجصاص ١٢١/١،
والأوسط ٢٧٢/٢، والمنتقى ١٣٧/١.
(٥) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٧١-٩٧٢، وأحمد (٢٦٧٩٦)، والبخاري (٢٣٥) من حديث ميمونة
رضي الله عنها .

٢٨
سورة البقرة : الآية ١٧٣
واختلف العلماءُ(١) فيه إذا غُسل، فقيل: لا يَطْهُر بالغسل، لأنه مائعٌ نَجِسٌ،
فأشبه الدَّمَ والخمرَ والبولَ وسائرَ النجاسات. وقال ابنُ القاسم: يَطهُر بالغسل؛
لأنه جسمٌ تنجَّس بمجاورة النَّجاسة، فأشبه الثوبَ، ولا يَلزم على هذا الدمُ؛ لأنه
نجسٌ بعينه، ولا الخمر والبول، لأن الغسل يستهلكُهما ولا يتأتَّی فیه.
الحادية عشرة: فإذا حكّمنا بطهارته بالغَسْل رجعَ إلى حالته الأولى في الطهارة
وسائر وجوه الانتفاع، لكن لا يبيعه حتى يُبيِّن، لأن ذلك عَيْبٌ عند الناس تأباه
نفوسهم. ومنهم من يَعتقد تحريمَه ونجاستَه، فلا يجوز بيعُه حتى يُبَيَّن العيبُ كسائر
الأشياء المَعِيبة. وأما قبل الغَسْل فلا يجوز بيعُه بحال، لأن النجاسات عنده لا
يجوز بيعُها، ولأنه مائعٌ نجسٌ فأشبه الخمر، ولأن النبيّ وَّرَ سُئل عن ثمن الخمر
فقال: ((لعن الله اليهود، حُرِّمت عليهم الشُّحوم فَجَمَلُوها، فباعوها وأكلوا أثمانها،
وإنَّ الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنَه))(٢). وهذا المائعُ مُحرَّم لنجاستِهِ، فوجب أن يُحرَّم
ثمنُه بحكم الظاهر(٣).
الثانية عشرة: واختُلف إذا وقع في القِدْرِ حيوان، طائر أو غيره [فمات](٤)؛
فروى ابن وَهْب عن مالك أنه قال: لا يُؤكل ما في القِدْر، وقد تنجَّس بمخالطة
الميتةِ إياه. وروى ابن القاسم عنه أنه قال: يُغسل اللحمُ ويُراق المرَقُ. وقد سئل
ابن عباس عن هذه المسألة فقال: يُغسل اللحمُ ويؤكل. ولا مخالف له في المرق
من أصحابه(٥)، ذكره ابن خُويزمنداد.
(١) في (خ) و(ظ): أصحابنا .
(٢) أخرجه بتمامه أحمد (٢٦٧٨)، وأبو داود (٣٤٨٨)، وابن حبان (٤٩٣٨)، من حديث ابن عباس رضي الله
عنهما. وأخرج القسم الأول منه أحمد (١٧٠) و(٨٧٤٥) و(١٤٤٧٢)، والبخاري (٢٢٢٣) و(٢٢٢٤)
و(٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨٢) و(١٥٨٣)، و(١٥٨١) - على الترتيب - من حديث عمر وأبي هريرة وجابر
رضي الله عنهم. قوله: جملوها، قال ابن الأثير في النهاية: جَمَلْتُ الشحمَ: إذا أذبتَه واستخرجتَ دهنه.
(٣) ينظر في هذه المسألة والتي قبلها أحكام القرآن للجصاص ١١٨/١، والتمهيد ٣٣/٩، والاستذكار
٢١٨/٢٧، والمنتقى للباجي ٢٩١/٧.
(٤) ما بين حاصرتين ليس في النسخ وهي زيادة يقتضيها السياق.
(٥) في (خ) و(ظ): ولا مخالف له في الصحابة، وينظر في هذه المسألة مختصر اختلاف العلماء ٣٥٥/٤،
وأحكام القرآن للجصاص ١١٩/١.

٢٩
سورة البقرة : الآية ١٧٣
الثالثة عشرة: فأما إنْفَحَةُ(١) الميتة ولبنُ الميتة فقال الشافعيُّ: ذلك نَجسٌ لعموم
قوله تعالى: ﴿حُرِمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ [المائدة: ٣]. وقال أبو حنيفة بطهارتهما(٢)، ولم
يجعل لموضعٍ الخلقة أثراً في تنجيسٍ(٣) ما جاوره مما حدث فيه خِلقة، قال:
ولذلك يُؤكل اللحمُ بما فيه من العروق مع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير
تطهيرٍ ولا غسل إجماعاً. وقال مالك نحوَ قول أبي حنيفة: إن ذلك لا يَنجس
بالموت، ولكن يَنجس بمجاورة الوِعاء النَّجسِ، وهو مما لا يتأتّى فيه الغسلُ.
وكذلك الدجاجة تخرجُ منها البيضةُ بعد موتها؛ لأن البيضة لَيِّنة في حكم المائع قبل
خروجها، وإنما تَجمُد وتَصْلُب بالهواء.
قال ابن خُويز منداد: فإن قيل: فقولُكم يؤدِّي إلى خلاف الإجماع؛ وذلك أن
النبيَّ نَّهِ والمسلمينَ بعدَه كانوا يأكلون الجُبنَ، وكان مجلوباً إليهم من أرض
العجم، ومعلومٌ أن ذبائحَ العجم - وهم مجوس - مَيْتَةٌ، ولم يعتدُّوا بأن يكون
مجمَّداً بأنفحةِ مَيْتَة أو ذُكِّي؟ قيل له: قدرُ ما يقع من الأنفحةِ في اللَّبن المُجبَّنِ
يسيرٌ؛ واليسيرُ من النجاسة معفوٌّ عنه إذا خالط الكثيرَ من المائع. هذا جوابٌ على
إحدى الروايتين. وعلى الرواية الأخرى: إنما كان ذلك في أوَّل الإسلام، ولا
يمكن أحدٌ أن يَنقل أن الصحابة أكلت(٤) الجُبنَّ المحمولَ من أرض العجم، بل
الجبنُ ليس من طعام العرب، فلما انتشر المسلمون في أرض العجم بالفتوح صارت
الذبائحُ لهم، فمن أين لنا أن النبيَّ ◌َّ﴿ والصحابةَ أكلت جُبناً، فضلاً عن أنْ يكون
محمولاً من أرض العجم ومعمولاً من أنفِحَّةِ ذبائحهم (٥)؟!
(١) بكسر الهمزة وفتحها، وقد تُشدَّد الحاء وقد تُكسر، ولكن الفتح أخف، وبميم بدل الهمزة، وبالباء
الموحدة بدلاً عن الميم: هو شيء يُستخرج من بطن الجدي الرضيع أصفرُ، فيعصر في صوفة، مُبتلّة في
اللبن، فيغلظ كالجُبن. انظر القاموس (نفح) وتاج العروس.
(٢) في (خ) و(د) و(ز): بطهارتها.
(٣) في (خ) و(د) و(م): تنجس، وفي (ز): التنجيس، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في أحكام
القرآن للكيا الهراسي ٣٩/١ (وعنه نقل المصنف).
(٤) في (خ) و(ز) و(ظ): أحلت.
(٥) ينظر أحكام القرآن للجصاص ١١٩/١، ومختصر اختلاف العلماء ٣٥٧/٤، والأوسط لابن المنذر
٢٨٩/٢.

٣٠
سورة البقرة : الآية ١٧٣
وقال أبو عمر: ولا بأسَ بأكلٍ طعامِ عَبَدةِ الأوثان والمجوس، وسائرٍ مَنْ لا
كتاب له من الكفار، ما لم يكن من ذبائحهم، ولم يحتَجْ إلى ذكاةٍ إلا الجُبن لما فيه
من أنفحة الميتة. وفي سنن ابن ماجه: ((الجبن والسمن)) حدَّثنا إسماعيل بن موسى
السدّي، حدّثنا سيف بن هارون، عن سليمان التيميِّ، عن أبي عثمان النَّهدي، عن
سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله وَل﴿ عن السمن والجُبنِ والفِرَاء، فقال:
((الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو
مما عفا عنه))(١).
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَاَلَدَّمَ﴾ اتَّفقَ العلماء على أن الدَّمَ حرامٌ نَجِسٌ لا
يُؤكل ولا يُنتَفَعُ به(٢). قال ابنُ خُويز منداد: وأما الدمُ فمحرَّمٌ ما لم تعمَّ به البلوى،
ومعفوٌّ عما تعمُّ به البلوى. والذي تعمُّ به البَلوى هو الدمُ في اللحم وعروقِه،
ويسيرُه في البدن والثوب يُصلَّى فيه. وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى قال: ﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وقال في موضع آخر: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِىَ إِلَّ
مُحَرَّمًا عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَّا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فحرَّم
المسفوحَ من الدم. وقد روت عائشة رضي الله عنها قالت: كنا نطبخُ البُرْمةً على
عهد رسول الله وَ﴿ تعلوها الصُّفرةُ من الدم، فنأكلُ ولا ننكره(٣). لأن التحفُّظَ من
هذا إصْرٌ وفيه مشقَّةٌ، والإصْرُ والمشقّةُ في الدِّين موضوعٌ. وهذا أصلٌ في الشرع،
أن كل ما حَرجت الأمة في أداء العبادة فيه وثَّقُل عليها، سقطت العبادةُ عنها فيه،
ألا ترى أن المضطرَّ يأكل الميتةَ، وأن المريض يُفطر ويَتَيمَّم في نحو ذلك.
قلت: ذكر الله سبحانه وتعالى الدمَ هاهنا مطلقاً، وقيَّده في ((الأنعام)) بقوله
﴿مَّسْفُوحًا﴾ [١٤٥]، وحمل العلماءُ هاهنا المطلقَ على المقيَّد إجماعاً. فالدم هنا
(١) سنن ابن ماجه (٣٣٦٧)، وأخرجه الترمذي (١٧٢٦) وقال: وهذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا
الوجه، وروی سفيان وغيره عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قوله، وكأن الحدیث الموقوف
أصح. وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظاً ... وسيف بن هارون مقارب الحديث.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٥٣/١.
(٣) ينظر تفسير الطبري ٦٣٥/٩. والبُرْمَة: القِدْرُ مطلقاً، ... وهي في الأصل المتخذة من الحجر
المعروف بالحجاز واليمن. النهاية (برم).

٣١
سورة البقرة : الآية ١٧٣
يُرادُ به المسفوحُ، لأن ما خالط اللحم فغيرُ محرَّم بإجماع، وكذلك الكَبِدُ والطِّحال
مجمعٌ عليه. وفي دم الحوت المزايل له اختلافٌ، ورُوي عن القابسي أنه طاهر،
ويلزم على طهارته أنه غيرُ محرَّم(١). وهو اختيارُ ابنِ العربي(٢)، قال: لأنه لو كان
دُ السمك نجساً لشُرِعَت ذكاتُه.
قلت: وهو مذهب أبي حنيفة في دم الحوت، سمعتُ بعض الحنفيَّة يقول:
الدليلُ على أنه طاهرٌ أنه إذا يَبِس ابيضَّ بخلاف سائرِ الدماء فإنه يَسْوَدُّ. وهذه النكتةُ
لهم في الاحتجاج على الشافعية (٣).
الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَحْمَ الْخِزِيرِ﴾ خصَّ الله تعالى ذِكرَ اللحم من
الخنزير ليدلَّ على تحريم عينه ذُكِّيَ أو لم يُذَكّ، وليعمَّ الشحمَ وما هنالك من
الغضاريف وغيرها (٤).
السادسة عشرة: أجمعت الأمةُ على تحريم شحم الخنزير. وقد استدل مالك
وأصحابُه على أن مَنْ حلفَ ألَّ يأكلَ شحماً فأكل لحماً لم يَحْنَث بأكل اللحم. فإن
حلفَ ألَّا يأكلَ لحماً فأكل شحماً حَنِث؛ لأن اللحم مع الشحم يقع عليه اسمُ
اللحم، فقد دخل الشحمُ في اسم اللحم، ولا يدخل اللحمُ في اسم الشحم. وقد
حرَّم الله تعالى لحمَ الخنزير، فناب ذكرُ لحمه عن شحمه؛ لأنه دخل تحت اسم
اللحم. وحرَّم الله تعالى على بني إسرائيل الشُّحوم بقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَّهِمْ شُحُومَهُمَاَ﴾
[الأنعام: ١٤٦] فلم يقع بهذا عليهم تحريمُ اللحم، ولم يدخل في اسم الشحم، فلهذا
فَرَّق مالك بين الحالف في الشحم والحالفِ في اللحم، إلا أن يكونَ للحالف نيةٌ في
اللحم دون الشحم فلا يَحنث، والله تعالى أعلم. ولا يحنث في قول الشافعيّ وأبي
(١) المحرر الوجيز ١/ ٢٤٠، والقابسي: هو علي بن محمد بن خلف المعافري، أبو الحسن، المالكي،
كان عارفاً بالعلل والرجال، والفقه وأصول الكلام، مصنِّفاً يقظاً ديّناً تقياً، وكان ضريراً، وهو من أصح
العلماء كتباً، توفي بمدينة القيروان سنة (٤٠٣هـ). السير ١٧ / ١٥٨ .
(٢) أحكام القرآن ٥٣/١-٥٤، وكلامه الآتي لم نقف عليه فيه.
(٣) ينظر في هذه المسألة أحكام القرآن ١٢٣/١، ومختصر اختلاف العلماء ١٢٩/١ كلاهما للجصاص،
والأوسط ٢/ ١٥٢.
(٤) المحرر ٢٤٠/١.

٣٢
سورة البقرة : الآية ١٧٣
ثَوْر وأصحاب الرأي إذا حلفَ ألَّ يأكلَ لحماً، فأكلَ شحماً. وقال أحمد: إذا حلفَ
ألَّ يأكلَ لحماً، فأكل شحماً (١)، لا بأسَ به إلا أن يكونَ أرادَ اجتنابَ الدَّسم(٢).
السابعةَ عشرة: لا خلافَ أنَّ جملة الخنزير محرَّمٌ إلا الشعرَ، فإنه يجوز
الخِرازةُ به(٣). وقد رُوِيَ أنَّ رجلاً سأل رسول الله وَّر عن الخِرازة بشعر الخنزير،
فقال: ((لا بأس بذلك))(٤)، ذكره ابن خُويز منداد، قال: ولأنَّ الخِرازةَ على عهد
رسول الله ◌َّ كانت - وبعدَه - موجودةً ظاهرة، لا نعلم أنَّ رسول الله وَل أنكرها
ولا أحدٌ من الأئمة بعدَه. وما أجازَه الرسولِ وَ ل﴿ فهو كابتداء الشَّرع منه.
الثامنة عشرة: لا خلافَ في تحريم خنزير البَرِّ، كما ذكرنا، وفي خنزير الماء
خلافٌ. وأَبَى مالكٌ أنْ يُجيبَ فيه بشيء، وقال: أنتم تقولون خنزيراً(٥)! وقد
تقدَّم(٦)، وسيأتي بيانه في ((المائدة)) إن شاء الله تعالى(٧).
التاسعة عشرة: ذهب أكثر اللغويين إلى أنَّ لفظة الخنزير رباعية، وحكى ابن
سِيدَه عن بعضهم أنه مشتقُ من خَزَر العَيْن، لأنه كذلك ينظر، واللفظة على هذا
ثلاثية(٨). وفي الصحاح(٩): وتَخازر الرَّجُلُ: إذا ضَيَّقَ جَفْنَهُ ليحدِّدَ النَّظَر. والخَزَر:
ضِيقُ العين وصِغرُها. رجل أَخْزَر بَيِّنُ الخَزَر. ويقال: هو أنْ يكون الإنسان كأنه
يَنْظُرُ بِمُؤْخِرِها. وجمعُ الخنزير خنازير. والخنازير أيضاً علَّةٌ معروفة، وهي قُروح
صُلْبة تَحدُث في الرَّقبة.
(١) في (خ) و(م): الشحم.
(٢) يُنظر المدونة ٢/ ١٣٠، ومختصر اختلاف العلماء ٢٦٥/٣، والنوادر والزيادات ٤ / ٩٧
(٣) يُنظر الأوسط ٢/ ٢٨٠، والنوادر والزيادات ٣٧٧/٤.
(٤) لم نقف عليه، وأخرج الدارقطني ٤٧/١، والبيهقي ٢٣/١، ٢٤ عن ابن عباس قال: إنما حرَّم
رسول الله ﴿ من الميتة لحمها، فأما الجلد والشعر والصوف فلا بأس به. وفي إسناده عبد الجبار بن
مسلم. قال فيه الدارقطني: ضعيف.
(٥) الاستذكار ٣٠٤/١٥، والنوادر والزيادات ٣٥٧/٤.
(٦) في الصفحة ٢٤ من هذا الجزء.
(٧) في تفسير الآية ٩٦ منها.
(٨) المحرر الوجيز ٢٤٠/١، وينظر المخصص ٧٤/٨.
(٩) مادة (خزر).

٣٣
سورة البقرة : الآية ١٧٣
الموفيةُ عشرين: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أي: ذُكر عليه غيرُ
اسم الله تعالى(١)، وهي ذبيحةُ المجوسيِّ والوَثَنِيِّ والمُعَطِّل. فالوَثنيُّ يذبح للوثَن،
والمجوسيُّ للنار، والمُعَطِّلُ لا يعتقِدُ شيئاً، فيذبحُ لنفسه. ولا خلاف بين العلماء
أنَّ ما ذَبَحه المجوسيُّ لناره والوثنيُّ لوثنه لا يؤكل، ولا تؤكلُ ذبيحتُهما عند مالك
والشافعيِّ وغيرهما وإنْ لم يذبحا لناره ووثنِهِ، وأجازها(٢) ابنُ المسيِّب وأبو ثور إذا
ذبح لمسلم بأمره(٣). وسيأتي لهذا مزيدُ بيان إن شاء الله تعالى في سورة المائدة(٤).
والإهلال: رفعُ الصوت، يقال: أَهَلَّ بكذا، أي: رفعَ صوته؛ قال ابن أحمرَ
يصف فلاً:
يُهِلُّ بالفَرْقَدِ رُكبانُها كما يُهِلُّ الراكبُ المُعْتَمِرْ(٥)
وقال النابغة(٦):
أو دُرَّةٍ صَدَفيَّةٍ غَوَّاصُها بَهِجْ متى يَرَها يُهِلَّ ويَسجُدِ
ومنه إهلالُ الصبيِّ واستهلالُه، وهو صياحُه عند ولادته(٧) .
وقال ابن عباس(٨) وغيره: المراد ما ذُبح للأَنصاب والأوثان، لا ما ذُكر عليه
اسمُ المسيح، على ما يأتي بيانه في سورة المائدة إن شاء الله تعالى(٩).
وجرت عادةُ العرب بالصياح باسم المقصود بالذّبيحة، وغلب ذلك في
(١) في (خ) و(د) و(ز): اسم غير الله.
(٢) في (م): وأجازهما.
(٣) ينظر الاستذكار ٢١٧/١٠، والمحلَّ ٤٥٦/٧.
(٤) في تفسير الآية (٥) منها .
(٥) ديوان ابن أحمر ص٦٦، قال الأصمعي في معناه: إذا انجلى لهم السحاب عن الفرقد أهلُّوا، أي:
رفعوا أصواتهم بالتكبير کما يُهِلُّ الراکبُ الذي یرید عمرة الحجّ؛ لأنهم كانوا يهتدون بالفرقد. وقال
غيره: يريد أنهم في مفازة بعيدة من المياه، فإذا رأوا فرقداً - وهو ولد البقر الوحشية - أهلّوا، أي:
كَبَّرُوا؛ لأنهم قد علموا أنهم قد قربوا من الماء. اللسان (عمر).
(٦) في ديوانه ص ٤٠.
(٧) تهذيب اللغة ٣٦٦/٥، ٣٦٧، والصحاح (هلل).
(٨) المحرر الوجيز ٢٤٠/١.
(٩) في تفسير الآية (٥) منها.

٣٤
سورة البقرة : الآية ١٧٣
استعمالهم حتى عُبِّر به عن النِّية التي هي علَّة التحريم، ألا ترى أنَّ عليَّ بنَ أبي
طالب رضي الله عنه راعَى النِّيةَ في الإبل التي نحرَها غالبٌ أبو الفرزدق، فقال:
إنها مما أُهِلَّ لغير الله به، فتركها الناس. قال ابن عطية(١): ورأيت في أخبار
الحسن بن أبي الحسن أنه سئل عن امرأة مترفةٍ صنعت للُعَبِها عُرساً، فنحرت
جَزُوراً؛ فقال الحسن: لا يحلُّ أكلُها؛ فإنها إنَّما نُحرت لصنم.
قلت: ومن هذا المعنى ما رويناه عن يحيى بن يحيى التَّميمي(٢) شيخ مسلم،
قال: أخبرنا جرير، عن قابوس، قال: أرسلَ أبي امرأةً إلى عائشة رضي الله عنها،
وأمرها أنْ تقرأ عليها السَّلام منه، وتسألَها أيَّ صلاة كانت أعجبَ إلى رسول الله وَه
يدومُ عليها، قالت: كان يصلِّ قبل الظهر أربعَ ركعات يُطيلُ فيهن القيام، ويحسنُ
الركوع والسجود، فأمَّا ما لم يَدَعْ قظُ، صحيحاً ولا مريضاً ولا شاهداً، ركعتين قبلَ
صلاة الغداة. قالت امرأةٌ عند ذلك من الناس: يا أمَّ المؤمنين، إنَّ لنا أظاراً(٣) من
العجم، لا يزال يكون لهم عيد، فيُهدون لنا منه، أفنأكلُ منه شيئاً؟ قالت: أمَّا ما
ذُبح لذلك اليوم فلا تأكلوا، ولكن كلوا من أشجارهم(٤).
الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَمَّنِ اضْطُرَّ﴾ قُرئَ بضمِّ النُّون للإتْباعِ،
وبالكسر - وهو الأصل - لالتقاء السَّاكنين(٥)، وفيه إضمار، أي: فمن اضطُرَّ إلى
شيء من هذه المحرَّمات، أي: أُخْوِجَ إليها، فهو ((افتعل)) من الضرورة.
(١) المحرر الوجيز ٢٤٠/١، وما قبله منه.
(٢) النيسابوري الإمام الثبت، مات سنة (٢٢٦هـ).
(٣) جمع ◌ِئْر، وهي العاطفةُ على غير ولدِها المرضعةُ له من الناس والإبل. اللسان (ظار).
(٤) أخرجه بتمامه إسحاق في مسنده ٩١٦/٣ من طريق جرير به، وأخرج شطره الأول ابن أبي شيبة
٢٠٠/٢، وأحمد (٢٤١٦٤)، وابن ماجه (١١٥٦). من طريق جرير به، قال البوصيري في الزوائد
٢١٦/١: هذا إسناد فيه مقال، قابوسٌ مختلف فيه، ضعَّفه ابنُ حبان والنسائي والدارقطني، ووثقه
أحمد وابن معين، وباقي رجال الإسناد ثقات.
وأخرج شطره الثاني ابن أبي شيبة ٢٧٥/٨ من طريق جرير به.
(٥) قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة ويعقوب بالكسر، والباقون بالضم، انظر السبعة ص١٧٤، والتيسير
ص٧٨، والنشر ٢٢٥/٢ .

٣٥
سورة البقرة : الآية ١٧٣
وقرأ ابنُ مُحَيْصِن: ((فمنِ اظُرَّ) بإدغام الضَّاد في الطَّاء (١)، وأبو السّمّال: ((فمنُ
اضْطِرَّ)) بكسر الطَّاء (٢)، وأصله: اضْطُرِرَ، فلما أُدغِمتْ نُقلت حركةُ الرَّاء إلى الطَّاء.
الثانية والعشرون: الاضطرارُ لا يخلو أنْ يكونَ بإكراهٍ من ظالم، أو بجوع في
مَخْمَصَةٍ (٣). والذي عليه الجمهور من الفقهاء والعلماء في معنى الآية هو مَنْ صِيَّره
العُدْمُ والغَرَثُ - وهو الجوع - إلى ذلك، وهو الصحيح. وقيل: معناه أُكره وغُلب
على أكل هذه المحرَّمات(٤). قال مجاهد(٥): يعني أُكره عليه، كالرجل يأخذُه
العدوُّ فيُكرهونه على أكل لحم الخنزير وغيرهٍ من معصية الله تعالى، إلا أنَّ الإكراه
يُبيح ذلك إلى آخر الإكراه.
وأمَّا المَخْمَصَة؛ فلا يخلو أن تكون دائمة أوْ لا، فإنْ كانت دائمةً؛ فلا خلاف
في جواز الشّبع من الميتة (٦)، إلا أنه لا يَحلُّ له أكلُها وهو يجدُ مالَ مسلم لا يَخاف
فيه قَطْعًا، كالتَمر المعلَّق وحَرِيسةِ الجبل(٧)، ونحو ذلك مما لا قَطْع فيه
ولا أذّى(٨). وهذا مما لا اختلافَ فيه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما
نحن مع رسول الله وَّ﴿ في سفر إذْ رأينا إبلاّ مصرُورةً بِعِضاه(٩) الشجر، فتُبْنا إليها،
فنادانا رسولُ الله وَّه، فرجعنا إليه، فقال: ((إنَّ هذه الإبلَ لأهل بيت من المسلمين
هو قوتُهم وقِيَمُهم(١٠) بعدَ اللهِ، أيسُرُكم لو رجعتُم إلى مَزَاودكم، فوجدتم ما فيها قد
(١) القراءات الشاذة ص١١، والمحرر الوجيز ٢٤٠/١.
(٢) نسبها في إعراب القرآن ٢٧٩/١، وفي القراءات الشاذة ص١١ لأبي جعفر، وهو من العشرة، انظر
النشر ٢٢٦/٢، ونسبها في المحرر الوجيز ١/ ٢٤٠ لأبي جعفر وأبي السمَّال.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٥٥/١ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٤٠/١.
(٥) أخرجه عنه الطبري ٥٨/٣ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٥.
(٧) الحريسة: فعيلة بمعنى مفعولة، أي أن لها من يحرسها ويحفظها، وليس فيما يُحرس بالجبل إذا سُرق
قطعٌ، لأنه ليس بحرز. النهاية (حرس).
(٨) التمهيد ١٤/ ٢١٠، وأحكام القرآن لابن العربي ٥٥/١ .
(٩) في (د) و(خ) و(ظ): بِعِضا، وفي (ز): بعضاء، والمثبت من (م).
(١٠) كذا في النسخ، ولعل هذه اللفظة - إن صح نقلها - بمعنى: قِوامهم، أي: الذي يقيم شأنهم. وفي سنن
ابن ماجه: ويُمنهم. وانظر لسان العرب (قوم).

٣٦
سورة البقرة : الآية ١٧٣
ذُهِبَ به؟ أترون ذلك عدلاً؟)) قالوا: لا، فقال: ((إن هذا (١) كذلك)). قلنا: أفرأيتَ
إنِ احْتَجْنا إلى الطعام والشراب؟ فقال: ((كلْ ولا تحمِلْ، واشربْ ولا تحمِلْ))
خرَّجه ابن ماجه رحمه الله(٢)، وقال: هذا الأصل عندي(٣).
وذكره ابن المنذر قال: قلنا: يا رسول الله، ما يحلُّ لأحدنا من مال أخيه؟
قال: ((لا يحلُّ لأحد من مالٍ أخيه شيء))، قال: قلنا: يا رسول الله(٤)، إذا اضطرَّ
إليه؟ قال: ((يأكلُ ولا يحمل، ويشربُ ولا يحمل)). قال ابن المنذر: وكلُّ مُختلَفٍ
فيه بعد ذلك فمردودٌ إلى تحريم الله الأموالَ.
قال أبو عمر(٥): وجملةُ القول في ذلك أنَّ المسلمَ إذا تعيَّنَ عليه ردُّ رَمَقِ مُهْجةٍ
المسلم، وتوجَّه الفرضُ في ذلك [إليه] بألّا يكون هناك غيرُه، قُضيَ عليه بترميق
تلك المهجةِ الآدميَّة، وكان للممنوع منه مالَه من ذلك محاربةُ مَنْ منعَه ومقاتلتُه،
وإنْ أتى ذلك على نفسه، وذلك عند أهل العلم إذا لم يكنْ هناك إلا واحدٌ لا غير،
فحينئذ يتعيَّن عليه الفرضُ، فإن كانوا كثيراً أو جماعةً وعدداً؛ كان ذلك عليهم
فرضاً على الكفاية. والماء في ذلك وغيرُه مما يردُّ نَفْسَ المسلم ويُمسِكُها سواءٌ.
إلا أنهم اختلفوا في وجوب قيمةٍ ذلك الشّيء على الذي رُدَّت به مهجتُه ورَمقَ به
نَفْسَه، فأوجبها موجبون، وأباها آخرون، وفي مذهبنا القولان جميعاً، ولا خلافَ
بين أهل العلم متأخّرِيهم ومتقدِّميهم في وجوب رَدِّ مُهجة المسلم عند خوف الذَّهاب
والتَّلف بالشَّيء اليسير الذي لا مضرَّةً فيه على صاحبه، وفيه البُلْغة.
الثالثة والعشرون: خرَّج ابن ماجه: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، حدَّثنا شَبَابة
(ج) وحدّثنا محمد بنُ بشّار ومحمد بنُ الوليد، قالا: حدّثنا محمد بنُ جعفر، حدَّثنا
(١) في (م): هذه.
(٢) رقم (٢٣٠٣)، وهو عند أحمد (٩٢٥٢) بنحوه، وفي إسناده ضعف، وله شواهد يحسن بها، انظرها في
المسند. قوله: مصرورة أي: مربوطة الضّروع لئلا يرضّعها ولدُها.
(٣) لم نقف على هذا القول.
(٤) قوله: ((قال: لا يحلُّ لأحد من مال أخيه شيء، قال: قلنا: يا رسول الله)) زيادة من (ظ)، وليس في
باقي النسخ.
(٥) التمهيد ١٤/ ٢١٠، وما بین حاصرتين منه.

٣٧
سورة البقرة : الآية ١٧٣
شعبة، عن أبي بِشْر جعفر بنٍ إياس، قال: سمعتُ عَبَّدَ بنَ شُرَخْبِيل - رجلاً من بني
غُبَر - قال: أصابَتْنا (١) عامُ مَخْمَصةٍ، فأتيتُ المدينةَ، فأتيتُ حائطاً من حيطانها،
فأخذتُ سُنبلاً، ففَركتُه وأكلتُه، وجعلته في كسائي، فجاء صاحبُ الحائط، فضربَني
وأخذَ ثوبي، فأتيتُ رسولَ الله وَّر، فأخبرتُه، فقال للرجل: ((ما أطعمتَه إذ كان
جائعاً أو ساغباً، ولا علَّمْتَه إذ كان جاهلاً)). فأمره النبيُّ وَّ فردَّ إليه ثوبَه، وأمرَ له
بوَسْق من طعام، أو نصف وَسْق(٢).
قلت: هذا حديث صحيح اتفق على رجاله البخاريُّ ومسلم، إلا ابنَ أبي شيبة؛
فإنه لمسلم وحدَه(٣). وعبَّاد بنُ شرحبيل الغُبَري اليشكري لم يُخرج له البخاري
ومسلم شيئاً، وليس له عن النبيِّ وَّهِ غيرُ هذه القصة فيما ذكر أبو عمر رحمه الله(٤)،
وهو ينفي القطع والإذن(٥) في المخمصة.
وقد روى أبو داود(٦) عن الحسن عن سَمُرَةَ أنَّ النبيَّ بَّهِ قال: ((إذا أتى أحدُكم
على ماشية، فإنْ كان فيها صاحبُها فليستأذنْه، فإنْ أذِن له فلْيحتلبْ وليشربْ، وإنْ
لم يكنْ فيها فلْيُصَوّت ثلاثاً، فإن أجاب فليستأذِنْه، فإنْ أذِن له وإلا فليحتلبْ
وليشربْ ولا يَحملْ)). وذكر الترمذي عن يحيى بن سُليم، عن عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر، عن النبيِّ وََّ قال: ((من دخلَ حائطاً فليأكلْ، ولا يَتَّخذْ خُبْنة))(٧).
(١) كذا في النسخ الخطية، وهو صحيح، وفي (م): أصابنا.
(٢) سنن ابن ماجه (٢٢٩٨)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٧٥٢١)، وأبو داود (٢٦٢١) من طريق محمد بن
جعفر، به. وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الإصابة ٣١٤/٥، قوله: حائط، أي: بستان.
القاموس (حوط).
(٣) كذا قال المصنف رحمه الله، ولكن أبا بكر بن أبي شيبة من شيوخ البخاري، وقد روى عنه في الصوم
والاعتكاف والمغازي وغير موضع كما ذكر الكلاباذي في رجال صحيح البخاري ٤٢٧/١. وانظر
تهذيب الكمال ٣٤/١٦ (ترجمة أبي بكر بن أبي شيبة).
(٤) الاستيعاب بهامش الإصابة ٣١٨/٥.
(٥) في (ظ): الأرب، وفي باقي النسخ: الأدب، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٦) في سننه برقم (٢٦١٩)، وأخرجه أيضاً الترمذي (١٢٩٦).
(٧) سنن الترمذي (١٢١٧)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٢٣٠١).

٣٨
سورة البقرة : الآية ١٧٣
قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سُليم (١). وذكر من حديث
عمرو بنٍ شعيب، عن أبيه، عن جده أنَّ النبيَّ وَّهِ سئل عن الثَّمر المعلَّق، فقال:
((مَنْ أصاب منه من ذي حاجة غيرَ متَّخِذٍ خُبْنةً، فلا شيءَ عليه))(٢). قال فيه: حديث
حسن .
وفي حديث عمرَ رضي الله عنه: إذا مرَّ أحدكم بحائط، فليأكلْ منه(٣) ولا يَتَّخذْ
ئِبَاناً (٤).
قال أبو عبيد(٥): قال أبو عمرو(٦): وهو الوعاء الذي يُحمل فيه الشيء؛ فإن
حملتَه بين يديك فهو ثِبَان، يقال: قد تَثَبَّنتُ (٧) ثِباناً؛ فإنْ حملته على ظهرك، فهو
الحال، يقال منه: قد تَحوَّلتُ كسائي: إذا جعلتَ فيه شيئاً، ثم حملتَه على ظهرك.
فإنْ جعلتَه في حضنك فهو خُبْنة؛ ومنه حديث عمرو بنٍ شعيب المرفوع: ((ولا يتَّخذ
◌ُخُبْنة)). يقال منه: خَبَنْت أخْبِن خَبْناً. قال أبو عبيد: وإنما يوجَّه هذا الحديث أنه
رُخِّص فيه للجائع المضطرِّ الذي لا شيء معه يشتري به ألَّا يَحملَ إلا ما كان في
بطنه قدرَ قُوته .
قلت: لأنَّ الأصل المتَّفَق عليه تحريمُ مال الغير إلا بطيب نفسٍ منه، فإن كانت
هناك عادةٌ بعملٍ ذلك كما كانَ في أوَّل الإسلام، أو كما هو الآن في بعض
البلدان، فذلك جائز. ويُحملُ ذلك على أوقات المجاعة والضرورة كما تقدَّم، والله
أعلم.
(١) وقال أيضاً في العلل الكبير ٥١٦/١: سألت محمداً - يعني البخاري - عن هذا الحديث، فقال: يحيى بن
سُليم يروي أحاديث عن عبيد الله يَهِم فيها، وكأنه لم يعرف هذا إلا من حديث يحيى بن سُليم.
وقال البيهقي ٩/ ٣٥٩: وقد رُوي من أوجه أُخر ليست بقوية. وصححه الحافظ في الفتح ٩٠/٥.
(٢) سنن الترمذي (١٢٨٩)، وأخرجه أيضاً أبو داود (١٧١٠) مطولاً، والنسائي في المجتبى ٨٥/٨، وهو
عند أحمد (٦٦٨٣) بنحوه مطول.
(٣) قوله: منه ليس في (م).
(٤) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٣/ ٢٦١، والبيهقي ٣٥٩/٩، وصححه.
(٥) هو القاسم بن سلَّام، وكلامُه هذا في غريب الحديث ٢٦١/٣.
(٦) في (م): أبو عمر، وهو خطأ، وأبو عمرو: هو إسحاق بن مرار الشيباني شيخ أبي عُبيد.
(٧) في (ظ) وغريب الحديث - ونقله عنه الأزهري ١٠٤/١٥ -: ثبنت، وانظر الصحاح (ثبن).

٣٩
سورة البقرة : الآية ١٧٣
وإن كان الثاني(١) - وهو النادرُ في وقت من الأوقات - فاختلف العلماء فيها
على قولين: أحدهما: أنه يأكلُ حتى يشبعَ ويتَضَلَّع(٢)، ويتزوَّدُ إذا خشي الضرورةَ
فيما بين يديه من مفازة وقفر، وإذا وجد عنها غِنّى طرحها. قال معناه مالك في
مُوَظّئه(٣)، وبه قال الشافعيُّ(٤) وكثير من العلماء. والحجة في ذلك أنَّ الضرورة
ترفعُ التحريمَ، فيعودُ مباحاً. ومقدارُ الضَّرورة إنما هو في(٥) حالة عدم القُوت إلى
حالة وجوده(٦). وحديث العَنْبر نصٌّ في ذلك، فإنَّ أصحاب النبيِّ وَّه لما رجعوا
من سفرهم وقد ذهبَ عنهم الزاد، انطلقوا إلى ساحل البحر، فرُفع لهم على ساحله
كهيئة الكَثيب الضَّخم، فلما أتَوه إذا هي دابةٌ تُدعى العنبرَ، فقال أبو عبيدة أميرُهم:
مَيْتة. ثم قال: لا، بل نحن رسلُ رسولِ الله وَّه وفي سبيل الله، وقد اضطررتُم
فكلوا. قال: فأقمنا عليها شهراً ونحن ثلاث مئة حتى سَمِنًا، الحديث. فأكلوا
وشبعوا - رضوان الله عليهم - مما اعتقدوا أنه ميتةٌ، وتزوَّدوا منها إلى المدينة.
وذكروا ذلك للنبيِّ وَلَّ، فأخبرَهم ◌َّليل أنه حلال، وقال: ((هل معكم من لحمه شيءٌ
فتُطعمونا)) فأرسلُوا إلى رسول الله وَليل منه فأكله(٧).
وقالت طائفة: يأكلُ بقدْر سَدِّ الرَّمَق. وبه قال ابنُ الماجِشون وابنُ حبيب(٨).
وفرَّقَ أصحابُ الشافعيِّ بين حالة المقيم والمسافر، فقالوا: المقيم يأكلُ بقَدْر
ما يَسُدُّ رَمَقَه، والمسافرُ يتضلَّع ويتزوَّد، فإذا وجدَ غِنّى عنها طرحَها، وإنْ وجدَ
مضطرّاً أعطاه إياها، ولا يأخذُ منه ◌ِوضًا، فإنَّ المَيْنَةَ لا يجوزُ بيعُها(٩).
(١) يعني الثاني من حالتي المخمصة، وهي غير الدائمة كما ذكر في المسألة الثانية والعشرين.
(٢) تضلَّع الرجل: امتلأ شبعاً ورِيًّا. الصحاح (ضلع).
(٣) ٤٩٩/٢ .
(٤) الأم ٢٢٥/٢.
(٥) في (ظ): من.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٥-٥٦ .
(٧) سلف تخريجه في الصفحة ٢٤ من هذا الجزء.
(٨) أحكام القرآن لابن العربي ٥٥/١، وانظر إكمال المعلم ٣٧٥/٦، والمفهم ٢٢٠/٥.
(٩) ينظر الأم ٢٢٥/٢.

٤٠
سورة البقرة : الآية ١٧٣
الرابعة والعشرون: فإن اضطُرَّ إلى خمر، فإنْ كان بإكراهٍ شَرِبَ بلا خلاف،
وإنْ كان بجوع أو عطشٍ فلا يشرب، وبه قال مالك في العُتبيَّة، قال: ولا يزيدُه
الخمر إلا عطشاً (١). وهو قول الشافعي(٢)، فإنَّ الله تعالى حرَّم الخمرَ تحريماً
مطلقاً، وحرَّم الميتةَ بشرطِ عدمِ الضرورة.
وقال الأبْهَريّ: إنْ رَدَّت الخمرُ عنه جوعاً أو عطشاً شَرِبَها؛ لأنَّ الله تعالى قال
في الخنزير: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسُ﴾ ثم أباحه للضرورة. وقال تعالى في الخمر إنها
(رجس))، فتدخُل في إباحة ضرورة(٣) الخنزيرِ بالمعنى (٤) الجليّ الذي هو أقوى من
القياس، ولا بدَّ أنْ تُروِيَ ولو ساعةً وتَرُدَّ الجوعَ ولو مدَّةً.
الخامسة والعشرون: روى أصبَغ عن ابن القاسم أنه قال: يشرب المضطرُّ
الدَّمَ، ولا يشربُ الخمر، ويأكلُ الميتة، ولا يقربُ ضَوَالَّ الإبل - وقاله ابن
وَهْب - ويشربُ البول، ولا يشربُ الخمر، لأنَّ الخمر يَلزم فيها الحدُّ، فهي
أغلظ(٥). نص عليه أصحاب الشافعي(٦).
السادسة والعشرون: فإنْ غَصَّ بلُقمة؛ فهل يُسيغُها بخمر أمْ لا(٧)، فقيل: لا،
مخافةَ أنْ يدَّعيّ ذلك. وأجاز ذلك ابنُ حبيب؛ لأنها حالةُ ضرورة. ابنُ العربي(٨):
أما الغاصُّ بلُقمة فإنه يجوزُ له فيما بينه وبين الله تعالى، وأما فيما بيننا فإنْ شاهدْنا
حالته فلا يخفى (٩) علينا بقرائن الحال صورة الغُصص(١٠) من غيرها، فيُصَدَّقُ إذا
(١) ينظر النوادر والزيادات ٣٨٢/٤، والبيان والتحصيل ٣١٤/١، وكتابُ ((العُتبية)) ويسمى ((المستخرجة
من الأسمعة)) لمحمد العُنبي القُرطبي المتوفَّى سنة (٢٥٥هـ).
(٢) ينظر الأم ٢٢٦/٢، والاستذكار ٣٥٥/١٥.
(٣) قوله: ضرورة ليست في (م).
(٤) في (م): الخنزير للضرورة بالمعنى، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٥٦/١، والكلام منه.
وينظر النوادر والزيادات ٣٨٢/٤-٣٨٣.
(٥) النوادر والزيادات ٣٨٣/٤، والبيان والتحصيل ٢٢٦/٣، ٢٢٧.
(٦) الشرح الكبير للرافعي ١٦٤/١٢.
(٧) في (م): أو لا.
(٨) أحكام القرآن ٥٧/١، وما قبله منه.
(٩) في (م): فإن شاهدناه فلا تخفى، ولفظة ((حالته)) ليست في (ظ).
(١٠) في (م): الغضَّة.