النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
سورة البقرة : الآية ١٥٤
وسيأتي لهذا الباب مزيدُ بيان عند قوله تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَّكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا
كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] وأنَّ المرادَ ذِكْرُ القلب الذي يجبُ استدامتُه في عموم الحالات.
قوله تعالى: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ قال الفَرَّاء: يقال: شكرتُك وشكرتُ
لك، ونصحتُك ونصحتُ لك، والفصيح الأول(١).
والشكر معرفة الإحسان والتحدُّثُ به؛ وأصلُه في اللغة الظهور، وقد تقدَّم(٢). فشُكْرُ
العبد لله تعالى: ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه، وشُكْرُ الحقِّ سبحانه للعبد: ثناؤه عليه
بطاعته له، إلا أنَّ شكر العبد نُظْقٌ باللسان وإقرارٌ بالقلب بإنعام الربِّ مع الطاعات(٣).
قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ نَهْيٌّ، ولذلك حُذفت منه نونُ الجماعة، وهذه نونُ
المتكلِّم، وحُذفت الياء لأنها رأس آية، وإثباتُها أحسنُ في غير القرآن (٤)، أي:
لا تكفروا نعمتي وأَياديَّ. فالكفرُ هنا سترُ النعمة لا التكذيبُ. وقد مضى القول في
الكفر لغةً(٥).
ومضى القول في معنى الاستعانة بالصبر والصلاة(٦)، فلا معنَى للإعادة.
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَقْوَتُ بَلْ أَخْيٌَّ وَلَكِنْ لَّا
(١٥٤)
تَشْعُرُونَ
هذا مِثْلُ قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ
أَحْيَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وهناك يأتي الكلام في الشهداء وأحكامهم
إن شاء الله تعالى.
وإذا كان الله تعالى يُخيِيهم بعد الموت ليرزقهم - على ما يأتي - فيجوزُ أن يُخِيَ
(١) في (د): والصحيح الأول، وفي (ظ): والأصح الأول، وانظر معاني القرآن للفراء ٩٢/١ وفيه: العربُ
لا تكاد تقول: شكرتك، إنما تقول: شكرت لك، ونصحت لك، ولا يقولون: نصحتك، وربما قيلتا.
(٢) ١٠٤/٢.
(٣) الرسالة القشيرية ٦٦/٣.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٢/١.
(٥) ٢٨٠/١.
(٦) ٢ / ٦٥.

٤٦٢
سورة البقرة : الآية ١٥٥
الكفارَ، ليعذِّبَهم، ويكونُ فيه دليلٌ على عذاب القبر(١). والشهداءُ أحياءٌ كما قال الله
تعالى، وليس معناه أنهم سيحيّوْن؛ إذ لو كان كذلك لم يكن بين الشهداء وبين غيرهم
فرقٌ؛ إذ كلُّ أحد سَيّخيًا. ويدلُّ على هذا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَّا تَشْعُرُونَ﴾.
والمؤمنون يشعرون أنهم سیحیون.
وارتفع ((أموات)) على إضمار مبتدأ، وكذلك ((بل أحياء))، أي: هم أموات، وهم
أحياء، ولا يصحُّ إعمالُ القول فيه ـ لأنه ليس بينه وبينه تناسب - كما يصحُّ في قولك:
قلتُ كلاماً وحجة(٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَّنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ
وَالثَّمَرَتِّ وَبَشْرِ الصَّبِينَ
١١٥٥
قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَّنَّكُمْ﴾ هذه الواو مفتوحةٌ عند سيبويه لالتقاء الساكنين(٣).
وقال غيره: لما ضُمَّت إلى النون(٤) الثقيلة بُنيَ الفعل فصار بمنزلة ((خمسةً عَشَرَ)).
والبلاء يكون حسناً ويكون سيّئًا. وأصلُه المحنة، وقد تقدَّم(٥). والمعنى:
لنمتحتنّكم لنعلمَ المجاهدَ والصابرَ عِلْمَ مُعاينة، حتى يقعَ عليه الجزاء، كما تقدَّم.
وقيل: إنما ابْتُلُوا(٦) بهذا ليكون آيةً لمن بعدهم، فيعلموا أنهم إنما صبروا على
هذا حین وَضَح لهم الحقُّ.
وقيل: أعلمهم بهذا ليكونوا على يقين منه أنه يصيبُهم، فيوطّنُوا (٧) أنفسَهم عليه،
فيكونَ (٨) أبعدَ لهم من الجزّع، وفيه تعجيلُ ثوابِ الله تعالى على العزم وتوطينِ النفس(٩).
(١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٣/١.
(٢) المحرر الوجيز ٢٢٧/١.
(٣) الكتاب ٥٢٨/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١/ ٢٧٢.
(٤) في (ظ): إلى الواو النون.
(٥) ٨٨/٢-٨٩.
(٦) في (د): نبلو.
(٧) في (د): فيوطئوا.
(٨) في (م): فيكونوا.
(٩) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٣/١-٢٤.

٤٦٣
سورة البقرة : الآية ١٥٥
قوله تعالى: ﴿بِشَىْءٍ﴾ لفظ مفرد ومعناه الجمع. وقرأ الضَّحَّاك: ((بأشياء)) على
الجمع(١). وقرأ الجمهور بالتوحيد، أي: بشيء من هذا وشيءٍ من هذا، فاكتفى
بالأوَّل إيجازاً.
﴿مِّنَ الْخَوْفِ﴾ أي: خوفِ العدوِّ والفزع في القتال؛ قاله ابنُ عباس. وقال
الشافعيُّ: هو خوفُ الله عزَّ وجلَّ.
﴿وَالْجُوع﴾ يعني المجاعةَ بالجَذْب والقحط، في قول ابن عباس. وقال الشافعيُّ:
هو الجوعُ في شهر رمضان.
﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَلِ﴾ بسبب الاشتغال بقتال الكفار. وقيل: بالجوائح المثلِفة.
وقال الشافعيُّ: بالزكوات(٢) المفروضة.
﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ قال ابن عباس: بالقتل والموت في الجهاد(٣). وقال الشافعيُّ: يعني
بالأمراض.
﴿وَالثَّمَرَتِ﴾ قال الشافعيُّ: المراد موتُ الأولاد، وولدُ الرجل ثمرةُ قلبه، كما جاء
في الخبر، على ما يأتي(٤). وقال ابنُ عباس: المراد قلَّةُ النبات وانقطاعُ البركات(٥).
قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ أي: بالثواب على الصبر. والصبرُ أصلُه الحَبْس،
وثوابُه غير مقدَّر، وقد تقدَّم(٦). لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى(٧)،
كما رَوى البخاريُّ، عن أنس، عن النبيِّ وَّه قال: ((إنما الصَّبْرُ عند الصَّدْمَةِ الأولى))(٨).
(١) المحرر الوجيز ٢٢٨/١.
(٢) في (م): بالزكاة.
(٣) في (د): والجهاد، وفي (ظ): بالجهاد.
(٤) سيذكره المصنف في المسألة الخامسة، وهو من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(٥) تُنظر الأقوال السابقة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ الْقَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ في أحكام القرآن
للشافعي ٣٩/١، والوسيط ٢٣٦/١، وتفسير البغوي ١٣٠/١، وزاد المسير ١٦٢/١. والذي في
أحكام القرآن: والثمرات: الصدقات: وبشّر الصابرين بأدائها.
(٦) ٦٥/٢.
(٧) قوله: الأولى، ليس في (خ) و(ظ).
(٨) صحيح البخاري (١٢٨٣).

٤٦٤
سورة البقرة : الآية ١٥٥
وأخرجه مسلم(١) أتمَّ منه؛ أي: إنّما الصبر الشاقُّ على النفس الذي يعظمُ الثوابُ
عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها؛ فإنه يدلُّ على قوة القلب وتَثَبُّته في مقام
الصبر، وأما إذا بردَتْ حرارةُ المصيبة؛ فكلُّ أحدٍ يصبرُ إذ ذاك، ولذلك قيل: يجب
على العاقل(٢) أن يلتزم عند المصيبة مالا بدَّ للأحمق منه بعد ثلاث(٣).
وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَري: لمَّا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ صار الصبر
عيشاً. والصبر صبران: صبرٌ عن معصية الله ، فهذا مجاهد، وصبرٌ على طاعة الله ،
فهذا عابد. فإذا صبرَ عن معصية الله ، وصبرَ على طاعة الله ، أوْرَثَه الله الرضا
بقضائه، وعلامةُ الرِّضا سكونُ القلب بما وردَ على النفس من المكروهات
والمحبوبات.
وقال الخوَّاص (٤): الصبرُ الثباتُ على أحكام الكتاب والسُّنَّة.
وقال رُوَيم: الصبر تركُ الشكوى(٥).
وقال ذو النون المصريُّ: الصبرُ هو الاستعانةُ بالله تعالى(٦).
وقال الأستاذ أبو عليّ(٧): الصبرُ حَدُّه ألَّا تعترضَ على التقدير، فأمَّا إظهارُ
البلوى على غير وجه الشكوى؛ فلا يُنافي الصبر؛ قال الله تعالى في قصة أيوب: ﴿إِنَّا
وَجَدْتَهُ صَابِأَ نِعْمَ الْعَبْدٌ﴾ [ص: ٤٤] مع ما أخبر عنه أنه قال: ﴿مَسَّنِىَ الثُّرُّ﴾.
(١) صحيح مسلم (٩٢٦)، وهو عند أحمد (١٢٤٥٨).
(٢) في (م) و(د): كل عاقل.
(٣) المفهم ٥٧٩/٢.
(٤) إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل، أبو إسحاق، أوحد المشايخ في وقته، من أقران أبي القاسم
الجنيد، مات بالرّيّ سنة (٢٩١هـ). طبقات الصوفية ص٢٨٤. وذكر قوله القشيري في الرسالة
القشيرية ٨٦/٣.
(٥) الحلية ٣٠١/١٠، وشعب الإيمان (١٠٠٧٨)، وتاريخ بغداد ٨/ ٤٣٠، والرسالة القشيرية ٨٦/٣.
(٦) الرسالة القشيرية ٨٦/٣.
(٧) الحسن بن علي بن محمد الدقاق، النيسابوري الصوفي الزاهد، تفقَّه على الخِضْري والقَفَّال، وهو شيخ
الأستاذ أبي القاسم القشيري. توفي سنة (٤٠٦هـ). طبقات الشافعية ٣٢٩/٤. وقوله في الرسالة القشيرية
٩١/٣.

٤٦٥
سورة البقرة : الآيتان ١٥٦، ١٥٧
أُوْلِكَ
١٥٦
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَبِعُونَ
عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
فیه ستُّ مسائلَ :
الأولى: قوله تعالى: ﴿قُصِيبَةٌ﴾ المصيبة: كلُّ ما يؤذي المؤمنَ ويصيبُه؛ يقال:
أصابه إصابةً ومُصَابَةً ومُصاباً.
والمصيبة واحدةُ المصائب، والمَصُوبة - بضم الصاد - مثلُ المصيبة،
واجتمعت(١) العرب على همز المصائب، وأصلُه الواو، كأنهم شبَّهوا الأصليَّ
بالزائد، ويُجمع على: مَصاوِبَ، وهو الأصل. والمصابُ الإصابةُ؛ قال الشاعر:
أَسُلَيْمُ إنَّ مُصَابَكم رجلاً أهدَى السلامَ تحيّةٌ ظُلْمُ (٢)
وصابَ السهمُ القرطاسَ يَصِيبُهُ(٣) صَيْباً؛ لغةٌ في أصابه(٤).
والمصيبة: النكبة يُنْكَبُها الإنسان وإن صَغُرت، وتستعمل في الشرّ، روى عكرمة
أن مصباح رسول الله ﴿ انطفأ ذات ليلة، فقال: ((إنَّا لله وإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ)) فقيل:
أمصيبةٌ هي يارسول الله؟ قال: ((نعم، كلُّ ما آذى المؤمنَ فهو مُصيبة)»(٥).
قلت: هذا ثابت معناه في الصحيح، خرَّج مسلم عن أبي سعيد وأبي(٦) هريرة
رضي الله عنهما، أنهما سمعا رسولَ الله ◌ِ وَ ﴿ يقول: ((ما يصيبُ المؤمنَ من وَصَبٍ،
(١) في (د) و(ز) و(م): وأجمعت.
(٢) قائله الحارث بن خالد المخزومي كما في الأغاني ٢٢٩/٩، والخزانة ١/ ٤٥٤، ونسبه ابن هشام في
المغني ص٦٩٧ للعَزْجي، وهو في مجالس ثعلب ص٢٢٤، وتفسير الطبري ١/ ١١٥، وأمالي ابن
الشجري ١/ ١٦١ بدون نسبة، وجاء عند بعضهم: أُظُلَيمْ، وعند بعضهم: أظَلُوم، بدل: أسُلَيْم. وانظر
اللسان (صوب).
(٣) في (م): يصيب.
(٤) الصحاح: (صوب).
(٥) المحرر الوجيز ٢٢٨/١. والخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور ١٥٧/١ وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي
الدنيا في العزاء، وأخرجه بنحوه أبو داود في المراسيل (٤١٢) عن عمران القصير.
(٦) في (م) و(د): وعن أبي.

٤٦٦
سورة البقرة : الآيتان ١٥٦، ١٥٧
ولا نَصَبٍ، ولا سَقَمٍ، ولا حَزَن، حتى الهَمَّ يُهَمُّه(١) إلا كُفِّر به مِن سيئاته))(٢).
الثانية: خرَّج ابنُ ماجه في سننه: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، حدَّثنا وكيع بنُ
الجرَّاح، عن هشام بن زياد، عن أمه، عن فاطمةَ بنتِ الحسين، عن أبيها قال: قال
رسول الله وَل﴾ : ((من أُصيبَ بمصيبةٍ، فذَكَر مصيبته، فأَحْدثَ استرجاعاً، وإن تَقادَمَ
عهدُها، كَتَبَ الله له من الأجر مثلَه(٣) يومَ أُصيب))(٤).
الثالثة: من أعظم المصائب المصيبةُ في الدِّين، ذكر أبو عمر(٥) عن الفِرْيابيِّ
قال: حدَّثنا فِظْرُ بنُ خليفة، حدَّثنا عطاءُ بنُ أبي رباح قال: قال رسول الله وَ له: ((إذا
أصابَ أحدكم مصيبةٌ، فليذكُر مُصَابَه بي، فإنها مِن أعظم المصائب)»(٦). أخرجه
السَّمَرْ قنديُّ أبو محمد(٧) في مسنده، أخبرنا أبو نعيم قال: أنبأنا فطر؛ فذكر مثله
سواء. وأسندَ مثلَه عن مكحول مرسلاً (٨).
قال أبو عمر: وصدقَ رسول اللهِوَلِ؛ لأن(٩) المصيبة به أعظمُ من كلِّ مصيبةٍ
(١) في (ظ) و(د): يهتمه.
(٢) صحيح مسلم (٢٥٧٣)، وهو عند أحمد (٨٤٢٤)، والبخاري (٥٦٤١).
(٣) في (د): كتب له من الأجر مثل.
(٤) سنن ابن ماجه (١٦٠٠). وأخرجه أيضاً أحمد (١٧٣٤)، وابن حبان في المجروحين ٨٨/٣، وفيه
هشام بن زياد، قال ابن حبان: كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، والمقلوبات عن الأثبات
حتى يَسبق إلى قلب المستمع أنه كان المتعمِّدَ لها، لا يجوز الاحتجاج به.
(٥) التمهيد ٣٢٢/١٩.
(٦) وأخرجه أيضاً من طريق فطر عن عطاء، ابنُ سعد في الطبقات ٢٧٥/٢، والدارمي (٨٥)، والعقيلي في
الضعفاء ٣/ ٤٦٥. وأخرجه ابن عدي ٢٠٥٦/٦ عن فطر عن ابن عباس.
(٧) الحسن بن أحمد بن محمد الكُوَخْمِيثَني، الحافظ الرحَّال، ذكر النسفي أن له كتاب: بحر الأسانيد في
صحاح المسانيد جمع فيه مئة ألف حديث، توفي سنة (٤٩١هـ). السير ٢٠٥/١٩.
(٨) أخرجه الدارمي (٨٥). وروي مرفوعاً فيما أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة ٣٢٣/١، والطبراني في
المعجم الكبير (٦٧١٨)، والبيهقي في الشعب (١٠١٥٣) من طريق أبي بردة عمرو بن يزيد، عن
علقمة بن مرثد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبيه، عن النبي (18. قال ابن أبي حاتم في الجرح
والتعديل ٣٢٠/٤: روى سفيان الثوري، عن علقمة، عن ابن سابط قال: قال النبي ◌َّر، ليس فيه والد
سابط. قلنا: أخرج المرسل ابن المبارك في زوائد نعيم بن حماد على المروزي في كتاب الزهد (٢٧١).
وللحديث شواهد أخرجها ابن عبد البر في التمهيد ٣٢٤/١٩-٣٢٥.
(٩) في (د): فإن.

٤٦٧
سورة البقرة : الآيتان ١٥٦، ١٥٧
يصابُ بها المسلم بعدَه إلى يوم القيامة؛ انقطعَ الوحي وماتت النبوَّة، وكان أولَ
ظهور الشرِّ بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أولَ انقطاع الخير وأولَ نقصانه. قال أبو
سعيد: ما نفَضْنا أيديَنا من التراب من قبر رسول اللهِوَ ﴿ حتى أَنْكَرنا قلوبَنا(١). ولقد
أحسن أبو العتاهية في نظمه معنی هذا الحدیثِ حیث یقول:
واعلمْ بأنَّ المرءَ غيرُ مُخَلَّدٍ
اصبِرْ لكلِّ مصيبةٍ وتَجلَّدٍ
وترى المنيَّةَ للعباد بمَرْصَدٍ
أوَ ما تَرى أنَّ المصائبَ جَمَّةٌ
هذا سبيلٌ لستَ فيه(٢) بأَوْحَدٍ
مَنْ لم يُصَبْ ممن ترى بمصيبة؟
فاجْعَلْ مُصَابَكَ بالنبيِّ محمدٍ(٣)
فإذا ذكرتُ محمداً ومصابَه
الرابعة: قوله تعالى: ﴿قَالْوَاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنََّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ جعلَ الله تعالى هذه الكلماتِ
ملجأ لذوي المصائب، وعصمةً للمُمْتَحَنين؛ لِمَا جمعت من المعاني المباركة، فإنَّ
قوله: ((إنَّا لله» توحيد وإقرارٌ بالعبودية والملك. وقوله: ((وإنا إليه راجعون» إقرارٌ
بالهُلْك على أنفسنا، والبعث من قبورنا، واليقينُ أنَّ رجوعَ الأمرِ كلِّه إليه كما هو له.
قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لمْ تُعْطَ هذه الكلماتُ نبيًّا قبل نبيِّنا، ولو
عرفَها يعقوبُ لمّا قال: ﴿يَأَسَفَى عَلَ يُوسُفَ﴾(٤) [يوسف: ٨٤].
الخامسة: قال أبو سنان(٥): دفنتُ ابني سناناً، وأبو طلحةَ الخَوْلانيُّ (٦) على
(١) التمهيد ٣٢٢/١٩، وأخرجه بنحوه البزار ((كشف الأستار)) (٨٥٣)، وجوَّد إسناده الحافظ ابن حجر في
الفتح ١٤٩/٨، وأخرجه أحمد (١٣٣١٢) و(١٣٨٣٠)، والترمذي (٣٦١٨)، وابن ماجه (١٦٣١) من
حديث أنس رضي الله عنه. قال الترمذي: هذا حديث غريب صحيح.
(٢) في النسخ: عنه، والمثبت من التمهيد وهو الموافق للديوان.
(٣) ديوان أبي العتاهية ص ١١٠-١١١، وفيه: فاذكر مصابك ...
(٤) المحرر الوجيز ٢٢٨/١، وأخرج قول سعيد بن جبير الطبري ٧٠٨/٢.
(٥) عيسى بن سنان الحنفي، الفلسطيني، القَسْمَلي، نزيل البصرة، من رجال التهذيب. قال الذهبي في
المیزان: ضعَّفه أحمد وابن معین، وهو ممن يُکتب حديثه علی لینه.
(٦) شامي، أرسل عن النبي صلفيه، ذكره أبو أحمد الحاكم فيمن لا يعرف اسمه، وذكر الطبراني أن اسمه
ذَزْع بالذال المعجمة، وقال ابن أبي حاتم: دِرْع بالدال المعجمة، وقال ابن ماكولا: درع بن عبد الله
الخولاني غزا مع مالك بن عبد الله الخثعمي. انظر تهذيب التهذيب ٥٤٢/٤.

٤٦٨
سورة البقرة : الآيتان ١٥٦، ١٥٧
شفير القبر، فلما أردتُ الخروجَ، أخذَ بيدي، فأنشطني(١) وقال: ألا أبشِّرك
يا أبا سنان؟ حدَّثني الضَّاك عن أبي موسى، أن النبيَّ نَّهِ قال: ((إذا ماتَ وَلَّدُ العبد
قال الله لملائكته: أَقَبَضْتُم ولدَ عبدي، فيقولون: نعم، فيقولُ: أَقبَضْتُم ثمرةَ فؤادِهِ،
فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قالَ عبدي، فيقولون: حَمِدَك واسترجع، فيقول الله
تعالى: ابنُوا لعبدي بيتاً في الجنة وسَمُّوه بيتَ الحمد))(٢).
وروى مسلم(٣) عن أمِّ سَلَمَة قالت: سمعتُ رسول اللهِ وَ ي يقول: ((ما مِن مسلم
تُصيبُه مصيبةٌ؛ فيقولُ ما أَمَرَه الله عزَّ وجلَّ: إنَّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهمَّ أُجُرْني في
مُصيبتي، وَأَخْلِف لي خيراً منها، إلا أَخْلَفَ الله له خيراً منها)). فهذا تنبيهٌ على قوله
تعالى: ((وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)) إمَّا بالخَلَف كما أخلفَ الله لأمِّ سلمةً رسولَ الله وَّ؛ فإنه
تزوَّجَها لمَّا ماتَ أبو سلمة زَوْجُها. وإمَّا بالثواب الجزيل، كما في حديث أبي موسى.
وقد یکون بهما.
السادسة: قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ هذه نِعَمٌ من الله
عزَّ وجلَّ على (٤) الصابرين المسترجعين. وصلاةُ الله على عبده(٥): عفوُه ورحمتُه
وبركتُه، وتشريفُه إياه في الدنيا والآخرة(٦).
وقال الزَّجَّاج (٧): الصلاةُ من الله عزَّ وجلَّ: الغفرانُ والثناءُ الحَسَن، ومن هذا
الصلاةُ على الميِّت إنما هو الثناءُ عليه والدعاءُ له. وكررَ الرحمة لمَّا اختَلفَ اللفظ
تأكيداً وإشباعاً (٨) للمعنى؛ كما قال: ﴿مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله
(١) في المعجم الوسيط: أنشط فلاناً: صيَّره نشيطاً. ووقع في (ظ): فأبسطني.
(٢) أخرجه أحمد (١٩٧٢٥)، والترمذي (١٠٢١). وإسناده ضعيف؛ أبو سنان سلف الكلام عليه، ورواية
الضحاك عن أبي موسى الأشعري مرسلة كما في الجرح والتعديل ٤٥٩/٤، وقال الترمذي : حديث
حسن غريب، وكذا قال البغوي في شرح السنة (١٥٤٩).
(٣) صحيح مسلم (٩١٨)، وهو عند أحمد (٢٦٦٣٥).
(٤) في (خ) و(ز): منَّ بها على ...
(٥) في (ظ): منَّ بهما على الطائعين وصلاة الله على رجل عبده ...
(٦) المحرر الوجيز ٢٢٨/١.
(٧) بنحوه في معاني القرآن له ١/ ٢٣١.
(٨) في (ظ): واتباعاً.

٤٦٩
سورة البقرة : الآية ١٥٨
وَنَجْوَئُهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقال الشاعر:
نَسَمَعُ سِرَّهُـ
يَحْسَبُونَ أَنَّا لَاَ
صلَّى على يحيى وأشياعِه
ربِّ كريمٌ وشفيعٌ مطاعٌ(١)
وقيل: أرادَ بالرحمة كشفَ الكُرْبة وقضاءَ الحاجة. وفي البخاري(٢): وقال عمر
رضي الله عنه: نعم العدلانِ ونعم العلاوة: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنََّ
إِلَيْهِ رَجِعُونَ ﴿ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتَبَكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (٢٦)﴾. أراد
بالعدلين الصلاةَ(٣) والرحمة، وبالعلاوة الاهتداء(٤). قيل: إلى استحقاق الثواب
وإجزال(٥) الأجر، وقيل: إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن(٦).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَِّرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَأْ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمُ
فيه تسع مسائل:
الأولى: روى البخاريُّ(٧) عن عاصم بن سليمان قال: سألتُ أنسَ بنَ مالك عن
الصَّفا والمروة، فقال: كثَّا نرى أنهما (٨) من أمر الجاهلية، فلمَّا كان الإسلام،
أمسكْنَا عنهما (٩)؛ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ
أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطََّّفَ بِهِمَأَ﴾.
(١) المفضَّليات ص٣٢٢، ومعاني القرآن للزجاج ٢٣٢/١، والنكت والعيون ٢١٠/١، والخزانة ٢٩٠/١
و٩٦/٦، قال البغدادي: البيت من قصيدة للسَّفَّاح بن بكير اليربوعي رثى بها يحيى بن شداد بن ثعلبة ...
وقال أبو عبيدة: هي لرجل من بني قريع رئی بها يحيى بن ميسرة صاحب مصعب بن الزبير.
(٢) كتاب الجنائز، باب الصبر عند الصدمة الأولى (الفتح ١٧١/٣)، ووصله الحاكم ٢٧٠/٢ والواحدي
في الوسيط ٢٤١/١، وانظر تغليق التعليق ٢/ ٤٧٠.
(٣) في (خ) و(ظ) وهامش (ز): الصلوات.
(٤) المحرر الوجيز ٢٢٨/١. وينظر شعب الإيمان للحليمي ١٣٥/٢.
(٥) في (ظ): وإحراز.
(٦) النكت والعيون ١/ ٢١٠.
(٧) صحيح البخاري (٤٤٩٦).
(٨) قوله: أنهما، ليس في (خ) و(د) و(ظ)، وفي (ز): أنها. والمثبت من (م) وهو الموافق للمطبوع من
صحيح البخاري .
(٩) في (خ) و(د) و(ز): عنها، وفي (ظ): عليهما. والمثبت من (م).

٤٧٠
سورة البقرة : الآية ١٥٨
وخرَّج الترمذيّ عن عروة قال: ((قلت لعائشة: ما أرى على أحد لم يطف بين
الصفا والمروةِ شيئاً، وما أبالي ألَّا أَطَّوَّفَ بينهما (١). فقالت: بئس ما قلتَ يا ابن
أختي! طاف رسول الله وَ﴿ وطاف المسلمون، وإنما كان مَن أَهَلَّ لِمَنَاة الطاغية التي
بالمُشَلَّل(٢) لا يطوفون بين الصفا والمروة؛ فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ
أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ولو كانت كما تقول لكانت: فلا جناح عليه
ألَّ يَطَّوَّف بهما.
قال الزُّهْريُّ: فذكرتُ ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام،
فأعجبَه ذلك وقال: إن هذا لَعِلْمٌ. ولقد سمعتُ رجالاً من أهل العلم يقولون: إنما كان
مَنْ لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب يقولون: إنَّ طوافَنا بين هذَين الحجرَين من
أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار: إنما أُمرنا بالطواف، ولم نؤمر به بين الصفا
والمرْوَةِ، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَّبِ اللَّهِ﴾ قال أبو بكر بنُ عبد
الرحمن: فأراها قد نزلت في هؤلاء وهؤلاء. قال: هذا حديث حسن صحيح(٣).
أخرجه البخاري(٤) بمعناه، وفيه بَعْدَ قوله: فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن
شَعَكْرِ اللّهِ﴾: قالت عائشة: وقد سنَّ رسول الله وَ ﴿ الطوافَ بينهما، فليس لأحد أنْ
يتركّ الطوافَ بينهما؛ ثم أخبرتُ أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا لَعِلْمٌ ما كنتُ
سمعتُه، ولقد سمعتُ رجالاً من أهل العلم يذكرون أن الناس - إلا مَنْ ذكرت عائشةُ
ممَّن كان يُهِلُّ بمَناة - كانوا يطوفون كلُّهم بالصفا(٥) والمروة، فلما ذكر الله تعالى
الطوافَ بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروةَ في القرآن، قالوا: يا رسول الله ، كنّا
نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزلَ الطوافَ بالبيت، فلم يَذكرِ الصفا(٦)، فهل علينا
من حَرَجَ أنْ نَطَّوَّف بالصفا والمروة؟ فأنزلَ الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن
(١) في النسخ: بهما، والمثبت من (م) وهو الموافق للمطبوع من السنن وصحيح مسلم.
(٢) هو جبل يُهبط منه إلى قُديد (موضع بين الحرمين). القاموس (شلل).
(٣) سنن الترمذي (٢٩٦٥)، وهو في مسند أحمد (٢٥١١٢)، وصحيح مسلم (١٢٧٧): (٢٦١).
(٤) برقم (١٦٤٣)، وأخرجه مسلم مختصراً (١٢٧٧): (٢٦٢).
(٥) في (ز) و(ظ): بين الصفا.
(٦) في (ظ): الصفا والمروة.

٤٧١
سورة البقرة : الآية ١٥٨
شَعَِّرِ اللّهِ﴾ الآية. قال أبو بكر: فأسمعُ هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما: في الذين
كانوا يتحرَّجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرَّجوا
أن يطوفوا بهما في الإسلام؛ من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر
الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت.
وروى الترمذيُّ(١) عن عاصم بن سليمان الأحول قال: سألتُ أنس بن مالك عن
الصفا والمروة، فقال: کانا من شعائر الجاهلية، فلما كان الإسلامُ أَمسكنا عنهما،
فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَّبِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قال: هما تطوُّع ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمٌ﴾.
قال: هذا حديث حسن صحيح. خرَّجه البخاريُّ أيضاً(٢).
وعن ابن عباس قال: كان في الجاهلية شياطينُ تَعزِفُ الليل كلَّه بين الصفا
والمروة، وكانت(٣) بينهما آلهةٌ، فلمَّا ظهرَ الإسلام قال المسلمون: يارسولَ الله،
لا نطوفُ بين الصفا والمروة، فإنهما شِرك، فنزلت (٤).
وقال الشعبيُّ: كان على الصفا في الجاهلية صنمٌ يُسَمَّى إسافاً، وعلى المَرْوَة
صنمٌ يُسمَّى نائلة، فكانوا يمسحونهما إذا طافوا، فامتنعَ المسلمون من الطواف بينهما
من أجل ذلك، فنزلت الآية(٥).
الثانية: أصلُ الصَّفا في اللغة الحجرُ الأملس؛ وهو هنا جبلٌ بمكة معروف،
وكذلك المروة جبل أيضاً، ولذلك أخرجهما بلفظ التعريف.
وذُكِّر الصفا لأن آدمَ المصطفى ◌َّهُ وقف عليه، فسُمّيَ به، ووقفت حوَّاء على
المروة، فسُمِيت باسم المرأة، فأنّث لذلك، والله أعلم (٦).
(١) في سننه (٢٩٦٦).
(٢) برقم (١٦٤٨).
(٣) في (د) و(م): وكان.
(٤) أخرجه الطبري ٧١٦/٢، وابن أبي داود في المصاحف ص ١٠٠-١٠١.
(٥) أخرجه الطبري ٧١٤/٢، والواحدي في الوسيط ٢٤٢/١-٢٤٣.
(٦) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٢١١/١ ونسبه لجعفر بن محمد، وذكره أيضاً ابن عطية في المحرر
الوجيز ٢٢٩/١.

٤٧٢
سورة البقرة : الآية ١٥٨
وقال الشعبيُّ: كان على الصفا صنم يُدعى(١) إسافاً، وعلى المروة صنم يدعى
نائلة، فاطّرد ذلك في التذكير والتأنيث، وقدِّم المذكّر(٢)، وهذا حسن؛ لأن
الأحاديث المذكورة تدلُّ على هذا المعنى، وما كان كراهةُ مَنْ كَرِهَ الطوافَ بينهما إلَّا
من أجل هذا، حتى رفعَ الله الحرج في ذلك.
وزعمَ أهلُ الكتاب أنهما زَنَيا في الكعبة، فمسخَهما الله حجرين، فوضَعهما على
الصفا والمروةِ لُيُعتبر بهما، فلما طالت المدَّة عُبِدا من دون الله (٣)، والله تعالى أعلم.
والصفا، مقصور: جمع صَفَاة، وهي الحجارةُ المُلْس. وقيل: الصَّفا اسمٌ مفرد،
وجمعُه صُفِيٌّ، بضم الصاد، وأصفاء، على مثل: أرحاء. قال الراجز:
كأنَّ مَثْنَيْهِ من النَّفِيِّ مواقعُ الطير على (٤) الصُّفِيِّ(٥)
وقيل: من شروط الصفا البياضُ والصلابة(٦)؛ واشتقاقُه من صفا يصفو، أي:
خَلَص من التراب والطين.
والمروةُ: واحدةُ المَرو، وهي الحجاةُ الصِّغار التي فيها لِين. وقد قيل: إنها
(١) في (د) و(م): يسمى.
(٢) المحرر الوجيز ٢٢٩/١، وأخرجه بنحوه الطبري ٧١٤/٢.
وذكر أبو حيان في البحر المحيط ٤٥٦/١: هذين القولين وقال: لولا أن ذلك دُوِّن في كتاب ما ذكرتُه.
وقال: الصفا والمروة عَلَمان لهذين الجبلين، والأعلام لا يلحظ فيها تذكير اللفظ ولا تأنيثه، ألا ترى
إلى قولهم طلحة وهند.
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣٢٤/١.
(٤) في النسخ: من ، والمثبت من (م) وهو الموافق للمصادر.
(٥) قائله الأخيل الطائي، كما في جمهرة اللغة لابن دريد ١٣٥/٣، واللسان (صفا) (نفا)، وهو أيضاً في
مجالس ثعلب ص٢٠٧، والحيوان للجاحظ ٣٣٩/٢، وتفسير الطبري ٧٠٩/٢، وتهذيب اللغة ٣٧/٣،
والصحاح (صفا). والبيت في وصف ساقي الماء كما ذكر ثعلب، وقال: يقول: كأن الماء لمَّا جفَّ على
ظهره ذَرْقُ الطائر؛ لأنه قد ابيضً، فشبهه به.
من طول إشرافي على الطويِّ مواقع ...
وهو عند ابن دريد برواية: كأنّ متنيَّ من النَّفيِّ
ونقل صاحب اللسان عن ابن سيده أن: ((متنيَّ)) أصح؛ لقوله بعده: من طول إشرافي ... وهو في
الصحاح برواية : ... متنيه ... إشرافٍ ...
(٦) ينظر المحرر الوجيز ٢٢٨/١.

٤٧٣
سورة البقرة : الآية ١٥٨
الصلاب. والصحيحُ أن المَرْوَ الحجارةُ صليبُها ورِخْوُها الذي يتشّى وتَرقُّ حاشيتهُ،
وفي هذا يقال المَرْوُ أكثر، ويقال في الصليب(١). قال الشاعر:
فإذا ما صادفَ الحَرْوَ رَضَحْ(٢)
وتُولِّي الأرضَ خُفَّا ذابِلاً
وقال أبو ذؤيب:
حتى كأني للحوادث مَرْوةٌ
بصَفَا المُشَقَّر كلَّ يومٍ تُقْرَعُ(٣)
وقد قيل: إنها الحجارة السُّود. وقيل: حجارةٌ بيض برَّاقة تكونُ فيها النار.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿مِن شَعَّبِرِ اللهِ﴾ أي: من معالمه ومواضع عباداتِه، وهي
جمع شَعيرة(٤). والشعائر: المتعبَّدات التي أشعرها الله تعالى، أي: جعلها أعلاماً
للناس، من الموقف والسَّغْي والنَّخر(٥). والشّعار: العلامة؛ يقال: أشعر الهَذْيَ:
أعلَمَه بغرز حديدة في سنامه؛ من قولك: أشعرتُ، أي: أعلمتُ، وقال الكُميت:
شعائِرَ قُرْبَانٍ بهم (٦) يُتقرَّبُ (٧)
نُقِّلُهم چِيلاً فجيلاً تَراهُمُ
(١) المحرر الوجيز ٢٢٩/١.
(٢) في (خ) و(ز) و(ظ) و(م): رضخ (بالخاء المعجمة) والمثبت من (د) (بالحاء المهملة) وهو الصواب.
والبيت للأعشى ميمون بن قيس، وهو في ديوانه ص٢٩١ من قصيدة حائية برواية: مُجْمَراً بدل: ذابلاً.
وتفسير الطبري ٧٠٩/٢ وفيه: زائلاً بدل: ذابلاً.
قوله: رضح؛ قال في الصحاح (رضح): الرضح مثل الرضخ، وهو كسر الحصى أو النوى. والبيت في
وصف ناقة.
(٣) هو في ديوان الهذليين ص٣، برواية: المشرَّق، بدل: المشقَّر، وذكره الطبري ٢/ ٧٠٨ وقال: ويقال:
((المشقّر))، وأورده ياقوت في معجم البلدان في الموضعين وذكر أن ((المشقّر)) حصن بالبحرين عظيم
لعبد القيس يلي حصناً لهم آخر يقال له: الصفا، ثم قال: قال الأصمعي: ولهذيل جبل يقال له:
المشقّر، وهذا الذي قال فيه أبو ذؤيب ... وذكر البيت.
(٤) المحرر الوجيز ٢٢٩/١.
(٥) في (ظ): والمنحر .
(٦) في (ظ): بها، وهو موافق لرواية اللسان (شعر).
(٧) في (د) و(ز): نتقرب. والبيت في الهاشميات ص٣٥، وتفسير الطبري ٢/ ٧١٠، ومجمع البيان ٢/ ٤٣،
قال في شرح الهاشميات ص٦٧: جيلاً فجيلاً: جيشاً فجيشاً، وخلقاً بعد خلق، يقول: نجعل قتل
الخوارج قُربةً إلى الله ، كما تُقرَّب الشعائر إلى الله.

٤٧٤
سورة البقرة : الآية ١٥٨
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ أي: قصدَ. وأصل الحجّ: القصدُ، قال
الشاعر:
فأشهدَ من عَوْفٍ حُلولاً كثيرةٌ يَحُجُّون سِبَّ الزِّبْرِقانِ المُزَعْفَرا(١)
السِّبُّ: لفظُ مشترك. قال أبو عبيدة: السِّبُّ - بالكسر. الكثيرُ السِّباب. وسِبُّك
أيضاً: الذي يُسابُّك(٢)؛ قال الشاعر:
لا تَّسُبَّنَّنِي(٣) فلستَ بِسِبِّي
إنّ سِبِّي من الرجال الكريمُ(٤)
والسِّبُّ أيضاً: الخِمار، وكذلك العِمامة؛ قال المُخَبَّلِ السَّعديّ:
يَحجُّون سِبَّ الزِّبْرِقان المُزَعْفَرا(٥)
(١) قائله المخبَّل السعدي، وسيكرر المصنف شطره الثاني بعد البيت التالي، وهو في إصلاح المنطق
ص٤١١، والبيان والتبيين ٩٧/٣، والاشتقاق لابن دريد ١٢٣/١، والصحاح (سبب)، وتفسير الطبري
٧١١/٢، والمحرر الوجيز ٢٢٩/١، ومجمع البيان ٤٣/٢، والخزانة ٨٩/٨، وذكره ابن قتيبة في
المعاني الكبير ص٤٧٨ برواية: وأشهد من قيس ... وهو عندهم جميعاً برواية: وأشهد بالواو، وقيَّد
البغدادي ((وأشهدَ)) بالنصب عطفاً على ما جاء في البيت الذي قبله وهو قوله:
تخاطأني ريب الزمان لأكبرا
ألم تعلمي يا أمَّ عَمْرَةً أنني
قوله: عوف، هو أبو قبيلة، وهو عوف بن كعب بن زيد مناة بن تميم، والحُلول: القوم النزول،
والسِّبُّ، بكسر السين المهملة: العمامة، وكانت سادات العرب تصبغ العمائم بالزعفران، وقد فسر
قوم هذا البيت بما لا يذكر. انظر الخزانة ٩٩/٨. وقال الطبري: يعني بقوله يحجون: يكثرون التردد إليه
لسؤدده وریاسته.
والزبرقان: هو حصين بن بدر الصحابي، ولاه النبي ◌َّل﴿ صدقات بني تميم، قيل: سمي الزبرقان
لجماله، والزبرقان القمر قبل تمامه، وقيل: لأنه كان يزبرق عمَّتَه في الحرب، أي: يصَفِّرها. الخزانة
٨/ ١٠٠. وانظر اللسان (سبب).
(٢) في (خ) و(د) و(ظ): يسبك.
(٣) في النسخ: تسبَّنِّي، والمثبت من (م) وهو الموافق للمصادر.
(٤) ذكره ابن هشام في السيرة ٢/ ١٥٠ ضمن قصيدة لحسان قالها يوم أحد ومطلعها:
مَنَع النومَ بالعشاء الهمومُ
وخيالٌ إذا تغور النجوم
والقصيدة موجودة في الديوان ص٤٣٢، وليس فيها هذا البيت. ونسبه كذلك لحسان ابنُ دريد في
جمهرة اللغة ٣١/١، والبغدادي في الخزانة ٤٧٨/٩، ونسبه في اللسان (سبب) لعبد الرحمن بن حسان
يهجو مسكيناً الدارمي، وهو في إصلاح المنطق ص١٦، وجمهرة الأمثال ١/ ٥١١ بدون نسبة. وانظر
الخزانة ١٥٨/١١.
(٥) سلف البيت بتمامه قريباً، والمخبَّل السعدي هو الربيع بن ربيعة التميمي، أبو يزيد، ذكره ابن حجر في=

٤٧٥
سورة البقرة : الآية ١٥٨
والسِّبُّ أيضاً: الحَبْلُ في لغة هُذيل؛ قال أبو ذؤيب:
تَدَلَّى عليها بين سِبِّ وَخَيْطَةٍ بِجَرْدَاءَ مثل الوَكْفِ يكُبُو غُرابُها(١)
والسُّبوب: الحبال. والسِّبُّ: شُقَّةُ كَتَّان رقيقةٌ، والسَّبيبة مثلُه؛ والجمع السُّبوب
والسبائب، قاله الجوهري(٢). وحجَّ الطبيب الشَّجَّة: إذا سَبَرها بالمِيل؛ قال الشاعر:
يحجُّ مأمُومةً في قعرها لَجَفٌ(٣)
اللَّجَف: الخَسْف. تلجَّفَت البئر: انخف أسفلها (٤).
ثم اختصَّ هذا الاسم بالقصد إلى البيت الحرام لأفعال مخصوصة.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿أَوِ أَعْتَمَرَ﴾ أي: زار. والعُمْرة: الزيارة؛ قال الشاعر:
لقد سما ابنُ مَعْمَرٍ حين اعْتمَرْ مَغْزّى بَعِيداً من بعيد وَصَبَرْ(٥)
= الإصابة في القسم الأول من حرف الراء، وذكر الخلاف في اسمه، ونقل عن الأصبهاني قوله: كان
المخبَّل مخضرماً من فحول الشعراء، وعمر عمراً طويلاً، ومات في خلافة عمر أو عثمان.
(١) ديوان الهذليين القسم الأول ص٧٩، والسّبُّ والخَيطة: الحبل والوتد. كذا في جمهرة اللغة ٣١/١،
ورواية عجز البيت فیه: شدید الوصاة نابلٌ وابنُ نابلٍ. يصف الشاعر مشتار العسل، أراد: أنه تدلّی من رأس
جبل على خلية عسل ليشتارها بحبل شدَّه في وسطه وقد أثبته في رأس جبل، بجرداء: يعني أرضاً ملساء لا
تنبت شيئاً يكبو غراب الفأس عنها لصلابتها إذا حفرت، والوكف: النطع. انظر اللسان (سبب) و(وكف).
(٢) الصحاح (سبب).
(٣) هو صدر بيت لعِذَار بن دُرَّة الطائي كما في اللسان (لجف)، وسماه في الجمهرة ٤٩/١: عياض بن
دُرَّة، قال: ويقال: عِذار. وعجزه: فَاسْتُ الطبيب قذاها كالمغاريد. وهو في تهذيب اللغة ٣٩٠/٣،
والمجمل ٨٠٣/٣ (لجف)، والصحاح (حج) (لجف)، وأحكام القرآن للجصاص ٩٦/١، والمحرر
الوجيز ٢٢٩/١.
قال في الجمهرة: يصف طبيباً يداوي ضربة أو شجةً بعيدة القعر، فهو يجزع من هَوْلِها، فالقذى يتساقط
من اسْتِهِ كالمغاريد، وهي الكمأة الصغار السود.
(٤) مجمل اللغة ٨٠٣/٣ (لجف).
(٥) تفسير الطبري ٧١٢/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٢٣٤/١، والنكت والعيون ٢١٢/١ وذكرو أن معنى
((اعتمر)) في البيت: قصد. وأما العمرة بمعنى الزيارة فقد ذكره الماوردي واستدل عليه بقول الشاعر
- وهو أعشی باهلة كما في اللسان (عمر) -:
وراكبٌ جاء من تَثْليثَ معتمرا
وجاشت النفس لمَّا جاء فَلُّھمُ
وجاء في (م): وضَبَر (بالضاد المعجمة) وهي كذلك عند الطبري والزجاج واللسان (ضبر)، وجاء في=

٤٧٦
سورة البقرة : الآية ١٥٨
السادسة: قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ أي: لا إثم. وأصلُه من الجنوح وهو
المَيْل، ومنه الجوانحُ للأعضاء لاعوجاجها. وقد تقدَّم تأويلُ عائشة لهذه الآية (١).
قال ابنُ العربي(٢): وتحقيقُ القول فيه أنَّ قول القائل: لا جناح عليك أن تفعل،
إباحةُ الفعل. وقوله: لا جناحَ عليك ألَّا تفعل، إباحةٌ لترك الفعل، فلما سمع عروةُ
قول الله تعالى: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قال: هذا دليلٌ على أنَّ ترك
الطّواف جائز، ثم رأى الشريعة مطبقةً على أنَّ الطواف لا رُخْصَةً في تركه، فطلب
الجمعَ بين هذين المتعارِضَيْن، فقالت له عائشة: ليس قوله(٣): ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ
يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ دليلاً على ترك الطواف، إنما كان يكون الدليل(٤) على تركه لو
كان(٥): ((فلا جناحَ عليه ألَّ يَطَّوَّف بهما)) فلم يأتِ هذا اللفظُ لإباحة ترك الطواف،
ولا فيه دليلٌ عليه، وإنما جاء لإفادة إباحة الطواف لمن كان يتحرَّج منه في الجاهلية،
أو لمن كان يّوَّف به في الجاهلية قصداً للأصنام التي كانت فيه، فأَعْلَمهم الله
سبحانه أنَّ الطواف ليس بمحظور إذا لم يقصد الطائفُ قصداً باطلاً.
فإن قيل: فقد روى عطاءٌ عن ابن عباس أنه قرأ: ((فلا جناحَ عليه ألَّا يطوفَ بهما)»
وهي قراءة ابن مسعود، ويُروَى أنها في مصحف أبَيِّ كذلك، ويُروى عن أنسٍ مثلُ هذا (٦).
فالجواب: أن ذلك خلافُ ما في المصحف، ولا يُتْرَك ما قد ثبت في المصحف
إلى قراءةٍ لا يُدْرَى أصحَّت أم لا(٧)، وكان عطاء يُكثر الإرسالَ عن ابن عباس من غير
= هامش (ز) ما نصه: الزجاج: وصبر بالصاد المهملة، قال: ويجوز بالضاد المعجمة، وبالمهملة أكثر.
ولم نقف على هذا الكلام في كتابه المعاني. وضبر الفرس: جمع قوائمه ووثب، والرجز للعجاج في
مدح عمر بن عبيد الله بن معمر، يقول: لقد ارتفع قدره حين غزا موضعاً بعيداً من الشام، وجمع لذلك
جيشاً. انظر اللسان (ضبر).
(١) في المسألة الأولى.
(٢) أحكام القرآن ١/ ٤٧.
(٣) في النسخ: قولك، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في أحكام القرآن.
(٤) في (م): دليلاً.
(٥) في النسخ: كانت، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في الأحكام.
(٦) المحرر الوجيز ٢٢٩/١، والقراءات الشاذة ص١١، والمحتسب ١١٥/١.
(٧) ينظر تفسير الطبري ٧٢٥/٢-٧٢٦، والتمهيد ٩٨/٢، والاستذكار ٢٠٦/١٢، والمحرر الوجيز ٢٣٠/١.

٤٧٧
سورة البقرة : الآية ١٥٨
سماع. والرواية في هذا عن أنس قد قيل: إنها ليست بالمضبوطة. أو تكون ((لا)) زائدةً
للتوكيد؛ كما قال:
وما ألومُ البِيضَ ألَّا تَسْخَرا لمَّا رَأَيْنَ الشَّمَطَ القَفَنْدَرَا(١)
السابعة: رَوَى الترمذيُّ (٢) عن جابرِ أنَّ النبيَّ نَّهِ حين قَدِمَ مكة، فطاف بالبيت
سبعاً فقرأ: ﴿وَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِتَ مُصَلٌ﴾ [البقرة: ١٢٥] وصلَّى خلف المقام، ثم أتى
الحَجَرَ، فاستلمه ثم قال: ((نَبدأ بما بَدَأ الله به))، فبدأ بالصَّفا وقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ
مِن شَعَبِرِ اللهِ﴾. قال: هذا حديثٌ حسن صحيح، والعملُ على هذا عند أهل العلم، أنه
يبدأ بالصفا قبل المروة، فإنْ بدأ بالمروة قبل الصفا لم يُجْزِهِ، ويبدأ بالصفا.
الثامنة: واختلف العلماءُ في وجوب السَّغي بين الصفا والمروة، فقال الشافعيُّ
وابنُ حنبل: هو ركن، وهو المشهورُ من مذهب مالك(٣)؛ لقوله عليه السلام: ((إِسْعَوْا
فإنَّ الله كَتَبَ عليكم السَّعي)). خرَّجه الدار قطنيُّ(٤). و(كَتَبَ)) بمعنى: أوجبَ؛ لقوله
تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقولِه عليه السلام: ((خمسُ صلواتٍ
كتبهنَّ الله على العباد)»(٥). وخرَّج ابنُ ماجه عن أمّ ولدٍ لشَيْبةَ قالت: رأيتُ رسولَ الله وَله
يسعى بين الصفا والمروةِ وهو يقول: ((لا يُقطع الأبطح إلا شَدًّا))(٦) فمن تركه أو شوطاً
منه، ناسياً أو عامداً، رجعَ من بلده، أو من حيث ذَكَرَ إلى مكة، فيطوفُ ويسعى؛ لأن
(١) الرجز لأبي النجم العجلي، وهو في ديوانه ص١٢١. والشَّمّط: هو بياض شعر الرأس يخالط سواده،
والقَفَنْدر: القبيح المنظر. الصحاح (شمط) (قفندر). وقد ذكر المعنى الذي أشار إليه المصنف مع البيت
ابنُ عطية في المحرر الوجيز ٢٣٠/١.
(٢) سنن الترمذي (٨٦٢)، وأخرجه مطوَّلاً أحمد (١٤٤٤٠)، ومسلم (١٢١٨).
(٣) ينظر التمهيد ٩٧/٢، والاستذكار ٢٠١/٢ وما بعدها.
(٤) في سننه ٢٥٦/٢، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٧٣٦٧)، وابن عبد البر في التمهيد ٩٩/٢-١٠٢، من
حديث حبيبة بنت أبي تجراة رضي الله عنها.
(٥) التمهيد ٩٩/٢، وأخرج الحديث أحمد (٢٢٦٩٣)، وأبو داود (١٤٢٠)، وابن ماجه (١٤٠١)،
والنسائي في المجتبى ١/ ٢٣٠ من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه .
(٦) سنن ابن ماجه (٢٩٨٧)، وهو عند أحمد (٢٧٢٨٠)، وابن عبد البر في التمهيد ١٠٢/٢. والشّدّ:
العَذْوُ. النهاية (شد). وأم ولد شيبة؛ قال الحافظ ابن حجر في الإصابة ١٦٥/١٢: تملك العبدرية
الشيبية من بني شيبة بن عثمان، تعدّ في أهل مكة، روت عنها صفية بنت شيبة حديث السعي، قاله أبو
عمر ... قلت (القائل ابن حجر): وستأتي في حبيبة بنت أبي تجراة إن شاء الله تعالى.

٤٧٨
سورة البقرة : الآية ١٥٨
السعي لا يكون إلا متصلاً بالطواف. وسواءٌ عند مالك كان ذلك في حجِّ أو عُمْرة، وإن
لم يكن في العمرة فرضاً، فإن كان قد أصاب النساء فعليه عُمرةٌ وهَذْيٌ عند مالك مع
تمام مناسكه. وقال الشافعي: عليه هَذْيٌّ، ولا معنى للعمرة إذا رجع وطاف وسعى(١).
وقال أبو حنيفةً وأصحابه والثوريُّ: والسعي(٢) ليس بواجب، فإن ترکه أحدٌ من
الحاجٌ حتى يرجع إلى بلاده جَبّره بالدَّم؛ لأنه سُنَّة من سُنن الحج(٣). وهو قول مالك
في العُتْبِيَّةَ(٤). ورُويَ عن ابن عباس وابن الزبير وأنس بن مالك وابن سيرين أنه
تطوُّع(٥)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَّعَ خَيْرًا﴾.
وقرأ حمزة والكسائيُّ ((يَطَّوَّعْ)) مضارع مجزوم، وكذلك ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ
[البقرة: ١٨٤] الباقون (تَطَوَّعَ)) ماضٍ (٦)، وهو ما يأتيه المؤمن مِن قِبَل نفسه، فمن
أتى بشيءٍ من النوافل فإن الله يشكره، وشُكرُ الله للعبد إثابتُه على الطاعة.
والصحيحُ ما ذهب إليه الشافعيُّ رحمه الله تعالى لِمًا ذكرنا، وقولِه عليه السلام:
((خذوا عنِّي مناسِكَكُمْ))(٧) فصار بياناً لمجمل الحجّ؛ فالواجبُ أن يكون فرضاً، كبيانه
لعدد الركعات وما كان مثل ذلك، إذ (٨) لم يُتَّفق على أنه سُنَّة أو تطوُّع(٩). وقال
كُلَيْب(١٠): رأى ابن عباس قوماً يطوفون بين الصفا والمروة فقال: هذا ما أورثَتْكُم
أُمكم أمُّ إسماعيل(١١) .
(١) ينظر التمهيد ١٠٤/٢-١٠٥، والاستذكار ٢٠١/١٢-٢٠٣.
(٢) في (د) و(ظ) و(م): والشعبي، والمثبت من (ز) وهو الموافق لما في التمهيد.
(٣) التمهيد ٢/ ٩٧.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤٨/١.
(٥) التمهيد ٩٧/٢، وأخرج الطبري أقوالهم ٧٢٣/٢-٧٢٤.
(٦) السبعة ص١٧٢، والتيسير ص٧٧.
(٧) أخرجه أحمد (١٤٤١٩)، ومسلم (١٢٩٧) من حديث جابر رضي الله عنه، وسلف ١/ ٦٧.
(٨) في (ظ): إن، وفي (م): إذا.
(٩) التمهيد ٩٨/٢.
(١٠) في (د) و(م): طليب، ولم تجوّد اللفظة في (ظ)، والمثبت من (ز).
(١١) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٧١ من طريق عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، وقال: صحيح الإسناد
ولم يخرجاه.

٤٧٩
سورة البقرة : الآية ١٥٩
قلت: وهذا ثابتٌ في ((صحيح)) البخاريِّ، على ما يأتي بيانُه في سورة إبراهيم(١).
التاسعة: ولا يجوزُ أن يطوف أحدٌ بالبيت ولا بين الصفا والمروة راكباً إلا مِن
عُذْر، فإن طاف معذوراً فعليه دمٌ، وإن طاف غيرَ معذور أعاد إن كان بحضرة البيت،
وإن غاب عنه أَهْدَى. إنما قلنا ذلك لأن النبيَّ وَ ﴿ طاف بنفسه وقال: ((خُذوا عنّي
مَنَاسِكَكم))(٢). وإنما جوَّزنا ذلك في (٣) العذر؛ لأن النبيَّوَّهِ طافَ على بعيره واستلمَ
الرُّكْن بِمِحْجَنِه(٤). وقال لعائشة - وقد قالت له: إني أشتكي(٥) -: ((طُوفي مِن وراء
الناس وأنتِ راكبة))(٦).
وفرَّق أصحابنا بين أن يطوفَ على بعيرٍ، أو يطوفَ على ظهر إنسان، فإن طاف
على ظهر إنسان لم يُجْزِه؛ لأنه حينئذٍ لا يكون طائفاً، وإنما الطائفُ الحاملُ. وإذا
طاف على بعير يكون هو الطائف. قال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: وهذه تفرقةُ اختيار، وأما
الإجزاءُ فيُجْزِئ، ألا ترى أنه لو أُغميَ عليه، فَطِيف به محمولاً، أو وُقف به بعرفات
محمولاً، كان مُجزِئاً عنه؟
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَّآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّشَكَهُ
لِلنَّاسِ فِى الْكِنَبِّ أُوْلَبِكَ يَلْعَنْهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنَّهُمُ الََّعِنُونَ
(١٥٩
فیه سبُ مسائل:
الأولى: أخبر الله تعالى أنَّ الذي يكتُم ما أنزل من البيّنات والهُدَى ملعون،
واختلفوا مَنِ المرادُ بذلك فقيل: أحبارُ اليهود ورهبانُ النصارى، الذين كتموا أمرَ
(١) عند الآية (٣٧) منها، ويشير المصنف بذلك إلى الحديث الطويل الذي أخرجه البخاري (٣٣٦٤) في
قصة إبراهيم مع هاجر، وسيذكره المصنف هناك بتمامه .
(٢) تقدم قريباً .
(٣) في (م): من.
(٤) أخرجه أحمد (١٨٤١)، والبخاري (١٦٠٧)، ومسلم (١٢٧٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
والمحجن: عصاً مُعَقَّفة الرأس كالصولجان. النهاية (حجن).
(٥) في (م): إني أشتكي فقال.
(٦) الحديث لأم سلمة، وليس لعائشة كما ذكر المصنف، وأخرجه أحمد (٢٦٤٨٥)، والبخاري (٤٦٤)،
ومسلم (١٢٧٦)، وينظر التمهيد ٩٤/٢-٩٥، والاستذكار ١٨٦/١٢.

٤٨٠
سورة البقرة : الآية ١٥٩
محمدٍ نَّهِ، وقد كتم اليهودُ أمرَ الرَّجْم. وقيل: المرادُ كلُّ مَنْ كتمَ الحقَّ، فهي عامَّةٌ
في كلِّ مَن كتمَ علماً من دين الله يُحتاج إلى بثّه(١)، وذلك مفسَّر في قوله {َّهِ: ((مَنْ
سُئلَ عن علم فكتمَه، أَلْجَمه الله يومَ القيامة بلجام من نار)). رواه أبو هريرة وعمرو بنُ
العاص، أخرجه ابن ماجه(٢).
ويعارضه قولُ عبد الله بن مسعود: ما أنت بمحدِّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغُه عقولُهم
إلَّا كان لبعضهم فتنةٌ(٣). وقال عليه السلام: ((حَدِّثِ الناسَ بما يفهمون، أَتحبُّون أنْ
يُكذَّب الله ورسولُه)»(٤). وهذا محمولٌ على بعض العلوم، كعلم الكلام أو مالا يستوي
في فهمه جميعُ العوام، فحكمُ العالم أنْ يُحدِّثَ بما يُفهم عنه، ويُنزِلَ كلَّ إنسانٍ
منزلته، والله تعالى أعلم.
الثانية: هذه الآيةُ هي التي أرادَ أبو هريرةَ رضي الله عنه في قوله: لولا آيةٌ في
کتاب الله تعالی ما حدَّثتكُم حديثاً(٥).
وبها استدلَّ العلماءُ على وجوبٍ تبليغ العلم الحقِّ، وتبيانٍ(٦) العلم على الجملة،
دونَ أخذ الأجرة عليه؛ إذ لا يستحقُّ الأجرةَ على ماعليه فِعلُه، كما لا يستحقُّ الأجرةَ
(١) ينظر المحرر الوجيز ٢٣١/١.
(٢) في سننه برقم (٢٦٦)، وأخرجه أيضاً أحمد (٧٥٧١)، وأبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩) وقال:
حديث حسن. وهو عندهم من حديث أبي هريرة وحده، ولم نقف عليه من رواية عمرو بن العاص،
ولکنه روي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه نعيم بن حماد في زياداته على زهد ابن
المبارك (٣٩٩) وابن حبان (٩٦)، والحاكم ١٠١/١ وصحَّحه.
(٣) أخرجه مسلم (٥).
(٤) صحيح موقوفاً، فقد أخرجه البخاري (١٢٧) عن علي رضي الله عنه قال: حدثوا الناس بما يعرفون ...
ورواه الديلمي في مسند الفردوس مرفوعاً كا ذكر المناوي في فيض القدير ٣٧٨/٣، وإسناده ضعيف.
انظر كشف الخفا ١/ ٤٢١.
(٥) المحرر الوجيز ٣٢١/١. وقول أبي هريرة أخرجه أحمد (٧٢٧٦)، والبخاري (١١٨)، ومسلم
(٢٤٩٢)، بلفظ: لولا آيتان ... ، وأخرجه بلفظ المصنف مسلم (٢٢٧) من حديث عثمان رضي الله عنه.
وكان أبو هريرة رضي الله عنه قد قال ذلك لما قال الناس: أكثرَ أبو هريرة، كما هو في الحديث .
(٦) في النسخ الخطية: بينات، والمثبت من (م)، وفي أحكام القرآن : بيان.