النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ سورة البقرة : الآية ١٣٨ ((صِبْغَةَ)) بدلٌ من ((مِلَّة)). وقال مجاهد (١): أي: فطرةَ الله التي فطرَ الناسَ عليها. قال أبو إسحاق الزجَّاج (٢): وقولُ مجاهد هذا يرجعُ إلى الإسلام، لأنَّ الفطرةَ ابتداءُ الخلق، وابتداءُ ما خُلِقُوا عليه الإسلامُ. ورُوي عن مجاهد والحسن وأبي العالية وقتادة: الصّبغةُ: الدِّين(٣). وأصلُ ذلك أنَّ النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمُّونه المعمودِيّة، ويقولون: هذا تطهيرٌ لهم، وقال ابن عباس: هو أنَّ النصارى كانوا إذا وُلد لهم ولدٌ، فأتى عليه سبعةُ أيام، غمسوه في ماء لهم يقال له: ماءُ المعمودِيَّة، فصبَغوه بذلك ليطهّروه به مكانَ الختان، لأنَّ الخِتان تطهير، فإذا فعلوا ذلك، قالوا: الآن صارَ نصرانيًّا حقًّا، فردَّ الله تعالى ذلك عليهم بأنْ قال: ((صِبْغَةَ الله )) أي: صبغةُ الله أحسنُ صِبغةً، وهي الإسلام(٤)، فسُمّيَ الدِّينُ صِبْغةً استعارةً ومجازاً من حيث تظهرُ أعمالُه وسِمَتُه على المتديِّن، كما يظهر أثرُ الصِّبْغ في الثَّوب(٥). وقال بعض شعراء ملوكٍ هَمْدانَ: وصبغةُ هَمْدانَ خيرُ الصِّبَغْ وكلُّ أُناسٍ لهم صِبْغَةٌ فأكرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبغْ(٦) صَبَغنا على ذاك أبناءنا وقيل: إنَّ الصِّبغة الاغتسالُ لمن أراد الدخولَ في الإسلام، بدلاً من معموديّة النَّصارى، ذكره الماوردي(٧). قلت: وعلى هذا التأويل يكون غسلُ الكافر واجباً تعبُّداً، وهي المسألة: الثانية: لأن معنى ((صبغةَ الله )) غُسلُ الله ؛ أي: اغتسلوا عند إسلامِكم الغُسْلَ الذي أوجبه الله علیکم. (١) أخرجه الطبري ٦٠٥/٢ ٦٠٦. (٢) ينظر معاني القرآن له ٢١٥/١. (٣) أخرج قول مجاهد وأبي العالية وقتادة الطبريُّ ٢/ ٦٠٤، وقول الحسن أورده البغوي في تفسيره ١/ ١٢١. (٤) أورده البغوي في تفسيره ١/ ١٢١، وابن الجوزي في زاد المسير ١٥١/١ وانظر النكت والعيون ١٩٥/١. (٥) المحرر الوجيز ٢١٦/١. (٦) لم نقف عليه، وأورده ابن عادل الحنبلي في اللباب ٥٢٧/٢. (٧) لم نقف عليه. ٤٢٢ سورة البقرة : الآية ١٣٩ وبهذا المعنى جاءتِ السُّنَّة الثابتة في قيس بنِ عاصم وثُمَامةً بنٍ أُثال حين أسلما، روى أبو حاتم البُسْتِيُّ في صحيح مسنده(١) عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ تُمامةً الحنفيَّ أُسِرَ، فمرَّ به النبيُّ ◌ِ ﴿ يوماً، فأسْلَم، فبعَثَ به إلى حائط أبي طَلْحةً، فأمرَه أنْ يغتسلَ، فاغتسلَ، وصلَّى ركعتين، فقال رسول الله وَ له: ((حَسُنَ إسلامُ صاحبِكم)). وخرَّج(٢) أيضاً عن قيس بن عاصم أنَّه أسلم، فأمرَه النبيُّ وَِّ أنْ يغتسلَ بماء وسِدْر؛ ذكره النسائيُّ، وصحّحَه أبو محمد عبدُ الحقِّ(٣). وقيل: إنَّ القُرْبةَ إلى الله تعالى يقال لها صِبْغة؛ حكاه ابنُ فارس في («المُجْمَل)»(٤)، وقال الجوهري(٥): صبغة الله: دينه. وقيل: إنَّ الصِّبغةَ الختان، اختتَنَ إبراهيم، فَجرَت الصِّبغةُ على الخِتان، لصبغهم الغلمانَ في الماء، قاله الفراء (٦). ﴿وَفَحْنُ لَهُ عَيِدُونَ﴾ ابتداء وخبر. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُونَنَا فِ اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ قال الحسن (٧): كانت المُحاجَّةُ أنْ قالوا: نحن أوْلى بالله منكم، لأنَّا أبناءُ الله وأحبَّاؤه، وقيل: لتقدُّم آبائنا وكتبِنا، ولأنَّا لم نعبدِ الأوثان. فمعنى الآية: قل لهم يا محمد، أي: قل لهؤلاء اليهودِ والنَّصارى الذين زعموا أنهم أبناءُ الله وأحباؤه، وادَّعَوْا أنهم أولى بالله منكم، لِقدم آبائهم وكتبهم: أتحاجُوننا، أي: أتُجاذِبُوننا (١) برقم (١٢٣٨) (الإحسان)، وأصل الحديث أخرجه أحمد (٩٨٣٣)، والبخاري (٤٦٢)، ومسلم (١٧٦٤)، وثماثة بن أثال هو أبو أمامة، اليمامي، ثبت على إسلامه لما ارتدّ أهل اليمامة، قاتل مع العلاء الحضرمي المرتدين، وظفروا عليهم، ثم قتله ناس من بني قيس بن ثعلبة. الإصابة ٢/ ٢٧. (٢) برقم (١٢٤٠) (الإحسان)، وهو عند أحمد (٢٠٦١١). (٣) المجتبى ١٠٩/١، والأحكام الصغرى ١٣٥/١. وقيس بن عاصم: هو التميمي المنقري، وفد على النبيّ وَّ في وفد بني تميم، ولما رآه رسول الله وَ له قال: ((هذا سيد أهل الوبر)). الإصابة ١٩٧/٨. (٤) ٢/ ٥٥٠. (٥) الصحاح (صبغ). :: (٦) معاني القرآن له ٨٣/١. (٧) مجمع البيان للطبرسي ١/ ٤٩٤. 2 .... ٤٢٣ سورة البقرة : الآية ١٣٩ الحجةَ على دعواكم، والربُّ واحد، وكلٌّ مجازى بعمله، فأيُّ تأثير لِقدم الدِّين؟ ومعنى ((في الله))، أي: في دينه، والقُرْبِ منه، والحُظْوةِ له (١). وقراءةُ الجماعة: ((أتحاجُوننا)). وجاز اجتماعُ حرفينٍ مثلَينٍ من جنس واحد متحرِّكين؛ لأنَّ الثانيَ كالمنفصل، وقرأ ابنُ مُحَيْصِن: ((أتحاجُونًّا)) بالإدغام لاجتماع المثلين(٢). قال النحاس(٣): وهذا جائز إلا أنَّه مخالِف للسواد، ويجوز: ((أتحاجُونٍ))، بحذف النُّون الثانية، كما قرأ نافع ﴿فَبِمَ تُبَشِّرونٍ﴾(٤) [الحجر: ٥٤]. قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي: مخلصون العبادة، وفيه معنى التَّوبيخ، أي: ولم تُخلِصوا أنتم، فكيف تدَّعُون ما نحن أولى به منكم(٥)؟! والإخلاصُ حقيقتُه تصفيةُ الفعل عن ملاحظة المخلوقين(٦)؛ قال ◌َالنهي: ((إنَّ الله تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن أشركَ معي شريكاً، فهو لشريكي، يا أيها الناس، أخْلِصُوا أعمالكم لله تعالى، فإنَّ الله تعالى لا يقبل إلا ما خَلُص له، ولا تقولوا: هذا لله وللرَّحِم، فإنها للرَّحِم، وليس لله منها شيءٌ، ولا تقولوا: هذا لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم، وليس لله تعالى منها شيءٌ)). رواه الضَّحَّاك بن قيس الفِهْريُّ قال: قال رسول الله وَّه ... فذكره، خرَّجِه الدَّارَقُطْنِي(٧). وقال رُوَيْم: الإخلاص من العمل هو ألَّ يريدَ صاحبُه عليه عِوَضَاً في الدَّارَيْن، ولا حَظًّا من الملكیْن. وقال الجُنَيْد: الإخلاص سِرٍّ بين العبد وبين الله، لا يَعلَمُه مَلَكٌ فيَكتبَه، (١) المحرر الوجيز ٢١٦/١، وفيه: والحظوة لديه . (٢) القراءات الشاذة ص١٠. وزاد نسبتها لزيد بن ثابت رضي الله عنه. (٣) إعراب القرآن ٢٦٧/١، والكلام الذي قبله منه. (٤) وقرأها ابن كثير مكسورة مشددة. السبعة ٣٦٦، والتيسير ١٣٦. (٥) المحرر الوجيز ٢١٦/١. (٦) الرسالة القشيرية ١٣٢/٣. (٧) في سننه ٥١/١، وأخرجه أيضاً البزار (٣٥٦٧) (زوائد)، وابن قانع في معجم الصحابة ٣٢/٢، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٨٣٦). قال المنذري في الترغيب والترهيب ٦١/١: رواه البزار بإسناد لابأس به، لكن الضحاك بن قيس مختلف في صحبته. ٤٢٤ سورة البقرة : الآية ١٤٠ ولا شيطان فيُفسِده، ولا هوّى فيميلَه(١). وذكر أبو القاسم القُشَيْريُّ وغيرُه عن النبيِّ وَّل أنه قال: ((سألتُ جبريلَ عن الإخلاص ما هو، فقال: سألتُ رَبَّ العِزَّة عن الإخلاص ما هو، قال: سِرٍّ من سِرِّي اسْتَوْدَعْتُه قلبَ مَنْ أخْبَيْتُه من عبادي))(٢). قوله تعالى: ﴿أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِزَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَاْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَئِدَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَا تَعْمَلُونَ (١) قوله تعالى: ﴿أَمْ نَقُولُونَ﴾ بمعنى قالوا. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفص: ((تقولون))، بالتاء (٣)، وهي قراءةٌ حسنٌ؛ لأن الكلام متَّسقٌ؛ كأنّ المعنى: أتحاجُّونَنا في الله، أم تقولون إن الأنبياء كانوا على دينكم؟! فهي ((أم)) المتّصلة. وهي على قراءة مَنْ قرأ بالياء منقطعةٌ؛ فيكون كلامَين، وتكونُ ((أمْ)) بمعنى ((بل)). ﴿هُودًا﴾ خبر ((كان))، وخبر ((إنّ) في الجملة. ويجوز في غير القرآن رفعُ ((هُود)» على خبر ((إنّ))، وتكون ((كان)) مُلغاة، ذكره النحاس (٤). قوله تعالى: ﴿قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ﴾ تقريرٌ وتوبيخٌ في ادِّعائهم بأنهم كانوا هوداً أو نصارى. فردَّ الله عليهم بأنه أعلمُ بهم منكم، أي: لم يكونوا هوداً ولا نصارى. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لفظُهُ الاستفهام، والمعنى: لا أحدَ أظلمُ(٥). ﴿مِتَن كَتَمَ شَهَدَةً﴾ يريد علمهم بأن الأنبياء كانوا على الإسلام. وقيل: ما (١) الرسالة القشيرية ١٣٥/٣، ورويم هو أبو الحسن بن أحمد بن يزيد البغدادي، الفقيه، المقرئ، العابد، توفي سنة (٣٠٣هـ). السير ٢٣٥/١٤. (٢) الرسالة القشيرية ١٣٣/٣. وهو عنده من حديث حذيفة رضي الله عنه. وأورده الغزالي في الإحياء ٣٧٦/٤ عن الحسن مرسلاً، وقال العراقي في تخريجه: رويناه في جزء من مسلسلات القزويني، وهو من رواية أحمد بن عطاء عن عبد الواحد بن زيد عن حذيفة عن النبي * عن جبريل عن الله تعالى، وأحمد بن عطاء وعبد الواحد بن زيد كلاهما متروك، ورواه أبو القاسم القشيري في الرسالة من حديث علي بن أبي طالب بسند ضعيف. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١٠٩/٤: حديث واه جدًّا، أورده ابن العربي في المسلسلات. (٣) وهي أيضاً قراءة ابن عامر. انظر السبعة ص١٧١، والتيسير ص ٧٧. (٤) إعراب القرآن ٢٦٨/١. (٥) المحرر الوجيز ٢١٧/١. ٤٢٥ سورة البقرة : الآيتان ١٤١، ١٤٢ كتموه من صفةٍ محمد رَ ﴿، قاله قتادة(١)، والأوَّلُ أشبَهُ بسياق الآية. ﴿وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وعيدٌ وإعلامٌ بأنه لا (٢) يترك أمرَهم سُدّى، وأنه يُجازيهم على أعمالهم. والغافلُ: الذي لا يَفْطُن للأمور إهمالاً منه؛ مأخوذٌ من الأرض الغُفْلِ (٣)، وهي التي لا عَلَم بها ولا أثرَ عِمارة. وناقةٌ غُفْلٌ: لا سِمَةَ بها، ورَجُلٌ غُفْلٌ: لم يُجرِّب الأمور، وقال الكسائيّ: أرضٌ غُفْلٌ: لم تُمطر. غَفَلتُ عن الشيء غَفْلةً وغُفولاً ، وأَغفَلْتُ الشيءَ: تركته على ذِكٍ منك(٤). قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَمَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُهٌ وَلَا تُسْشَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ كرَّرها لأنَّها تضمَّنت معنى التهديدِ والتخويفِ، أي: إذا كان أولئك الأنبياءُ على إمامَتِهِم وفضلِهِم يُجازَوْن بکسْبِهِم، فأنتم أحْرَى، فوجبَ التأكيدُ، فلذلك کرَّرھا(٥). قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّنْهُمْ عَن ◌ِبْلَئِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيَّهَأَ قُل لِلَِّ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ١٤٢ فيه إحدى عَشْرَة مسألة: الأولى: قولُه تعالى: ﴿سَيَقُولُ الشُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ أعلمَ الله تعالى أنهم سيقولون في تحويل المؤمنين من الشام إلى الكعبة: ما ولاهم؟ و(سيقول)) بمعنى ((قال))، جعل المستقبل موضع الماضي، دلالةً على استدامةِ ذلك، وأنهم يَستمِرُّون على ذلك القول. وخصَّ بقوله: ((مِنَ الناسِ)) لأن السَّفَه يكون في جماداتٍ وحيوانات. والمرادُ من ((السُّفهاء)) جميعُ مَنْ قال: ((ماوَلَّاهم))(٦). (١) أخرجه الطبري ٢/ ٦١٢. (٢) في (د) و(م): لم. (٣) المحرر الوجيز ٢١٧/١. (٤) الصحاح (غفل)، ومجمل اللغة ٦٨٣/٣. (٥) المحرر الوجيز ٢١٧/١. (٦) المحرر الوجيز ٢١٨/١. : ٤٢٦ سورة البقرة : الآية ١٤٢ والسُّفَهاء جمعٌ، واحدُه سَفيه، وهو الخفيفُ العقلِ؛ من قولهم: ثَوْبٌ سَفِيهٌ، إذا كان خفيفَ النَّسْج، وقد تقدَّم(١). والنِّساءُ سَفائِهُ. وقال المُؤرِّج: السَّفيهُ: البَهَّاتُ الكَذَّابُ، المتعمِّدُ خلافَ ما يعلم. تُظْرُب: الّلومُ الجَهولُ. والمرادُ بالسفهاءِ هنا اليهودُ الذين بالمدينة؛ قاله مجاهد. السُّدِّي: المنافقون(٢). الزجَّاج (٣): كفارُ قريشٍ لمَّا أنكروا تحويلَ القبلة؛ قالوا: قد اشتاقَ محمدٌ إلى مولِدهِ، وعن قريبٍ يَرجعُ إلى دينكم، وقالت اليهود: قد الْتَبَسَ عليه أمرُه وتَحيَّر، وقال المنافقون: ما وَلَّاهم عن قِيلَتِهم؟! واستهزؤوا بالمسلمين. و((وَلَّاهم) يعني: عَدَلهم وصَرَفهم. الثانية: روى الأئمةُ - واللَّفظ لمالك - عن ابن عمر قال: بينما الناس بِقُباءَ في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن (٤) رسول الله ◌َ﴿ قد أُنزِل عليه الليلةَ قرآنٌ، وقد أمِرَ أن يَستقبلَ الكعبةَ، فاسْتَقْبَلُوها، وكانت وجوهُهم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة(٥). وخرَّجَ البُخَارِيُّ(٦) عن البَراءِ: أنَّ النبيَّ ◌َ صلَّى إلى بيت المقْدِس ستةً عَشَرَ شهراً، أو سبعةً عَشَرَ شهراً، وكان يُعجبُه أن تكون قِبْلتُهُ قِبَلَ البيت، وأنه صلَّى أولَ صلاةٍ صلاها صلاة(٧) العَصْرِ، وصلَّى معه قومٌ، فخرجَ رجلٌ ممن كان صلَّى مع النبيِّ ◌َّهِ، فمرَّ على أهلِ المسجد وهم راكعون، فقال: أشهدُ بالله ، لقد صلَّيتُ مع النبيِّ وَ﴿ قِبَلَ مَّةَ، فدارُوا كماهم قِبَلَ البيت، وكان الذي ماتَ على القِبْلةِ قَبْلَ أن تُحوَّلَ قِبَلَ البيت رجالٌ قُتِلوا، لم نَذْرِ ما نقولُ فيهم، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. ففي هذه الرواية صلاةُ العصر، وفي رواية مالك صلاةُ الصبح. (١) ٣١١/١. (٢) أخرجهما الطبري ٢/ ٦١٧ و٦١٨. (٣) معاني القرآن له ٢١٨/١. (٤) لفظ: إن، من (خ) و(ز). (٥) الموطأ ١٩٥/١، ومسند أحمد (٤٦٤٢)، وصحيح البخاري (٤٠٣)، وصحيح مسلم (٥٢٦). (٦) برقم (٤٠)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٨٤٩٦)، ومسلم (٥٢٥) مختصراً. (٧) لفظة: صلاة، ليست في (د) و(م). ٤٢٧ سورة البقرة : الآية ١٤٢ وقيل: نزلَ ذلك على النبيِّ وَّ في مسجدٍ بني سَلِمَة؛ وهو في صلاةِ الظُّهر بعد ركعتين منها، فتَحَوَّلَ في الصلاة، فسُمَِّ ذلك المسجد مسجدَ القِبلتَين(١). وذكر أبو الفرج أن عَبَّادَ بنَ نَهِيك كان مع النبيِّ وَّهِ في هذه الصلاة(٢). وذكر أبو عمر في ((التمهيد)) عن تُوَيْلة(٣) بنت أسلم - وكانت من المُبَايِعات - قالت: كنَّا في صلاة الظهر، فأقبلَ عَبَّادُ بنُ بِشْرِ بن قَيْظيّ(٤)، فقال: إنَّ رسول الله وَه قد استقبلَ القبلةَ - أو قال: البيتَ الحرام - فتحوَّلَ الرجالُ مكانَ النساء، وتحوَّلَ النساءُ مكانَ الرجال. وقيل: إن الآية نزلَتْ في غير صلاةٍ، وهو الأكثر، وكان أولَ صلاةٍ إلى الكعبة العصرُ(٥). والله أعلم. ورُوي أن أولَ مَنْ صلَّى إلى الكعبةِ حين صُرِفَتِ القبلةُ عن بيت المقدس أبو سعيد بنُ المُعَلَّى، وذلك أنه كان مجتازاً على المسجد، فسمع رسول الله ◌َلټ يخطُبُ النَّاسَ بتحويل القبلة على المنبر، وهو يقرأُ هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقُلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ﴾ حتى فرغَ من الآية، فقلتُ لصاحبي: تعالَ نَركَعْ ركعتين قبلَ أن ينزلَ رسولُ اللهِوَّهِ، فتكونَ أولَ مَنْ صلَّى، فتوارَيْنَا فصلَّيناهما(٦)، ثمَّ نزلَ رسولُ اللهِ وَّله (١) ذكره ابن سعد ٢٤١/١ -٢٤٢، ونقل عن الواقدي قوله: هذا عندنا أثبت، وذكره كذلك الباجي في المنتقى ٣٣٩/١، والبغوي في معالم التنزيل ١٢٥/١ عن مجاهد. (٢) المحرر الوجيز ٢٢٢/١، وعَبَّاد بن نَهِيك: هو الأنصاري الخَظمي. قال ابن عبد البر في الاستيعاب ٣٢١/٥ (بهامش الإصابة): هو الذي أنذر بني حارثة حين وجدهم يصلون إلى بيت المقدس، وأخبرهم أن القبلة قد حوّلت. (٣) في (ظ): ثويلة، وهو خطأ، وفي (م) والتمهيد ٤٦/١٧: نويلة (بالنون)، وذكرها ابن عبد البر في الاستيعاب ١٧٠/١٣ (بهامش الإصابة): نولة (غير مصغرة)، وذكرها الحافظ ابن حجر في الإصابة ١٦٦/١٢: تُويلة (بالتاء)، وقال: وقيل فيها: تولة، بغير تصغير، وقيل: أولها نون، وذكرها في ١٥٦/١٣: نُويلة (بنون) وقال: ويقال أولها مثناة فوقانية، وهذه التي بالنون رواية إسحاق بن إدريس عن جعفر بن محمود، والتي تقدمت (يعني بالتاء) رواية إبراهيم بن حمزة، وهو أوثق. (٤) هو نفسه عباد بن نَهِيك السالف ذكره. (٥) المحرر الوجيز ٢٢٢/١. (٦) وقع في (خ) و(ز) و(م): فتوارينا نعماً فصليناهما، وفي (ظ): فتوارينا معاً، ولم ترد هذه اللفظة الزائدة في (د) ومصادر الحديث. ٠٠ ٤٢٨ سورة البقرة : الآية ١٤٢ فصلّى للناس(١) الظهرَ يومئذ(٢). قال أبو عمر (٣): ليس لأبي سعيد بن المُعَلَّى غير هذا الحديث، وحديثٍ: ((كنتُ أصلِّي)»، في فضلِ الفاتحة، خرَّجه البخاري، وقد تقدم(٤). الثالثة: واختُلِفَ في وقتٍ تحويلِ القبلة بعد قدومه المدينةَ، فقيل: حُوِّلَتْ بعدَ ستةً عَشَرَ شهراً، أو سبعةً عَشَرَ شهراً، كما في البخاري(٥). وخرّجه الدّار قطنِيُّ (٦) عن البَرَاء أيضاً، قال: صلَّيْنا مع رسول الله وَله بعد قدومِه المدينةَ ستةً عَشَرَ شهراً نحو بيتِ المِقْدِس، ثم علمَ الله هَوَى نبيِّه، فنزلت: ﴿قَدْ نَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ﴾ الآية. ففي هذه الرواية ستةً عَشَرَ شهراً من غير شكّ. وروى مالك(٧) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب أنّ تحويلَها كان قبلَ بدر (٨) بشهرين. قال إبراهيم بنُ إسحاق: وذلك في رجب من سنة اثنتين (٩). وقال أبو حاتم البُسْتِيُّ(١٠): صلَّى المسلمون إلى بيت المقدس سبعةَ عَشَرَ شهراً وثلاثةَ أيامٍ سواء، وذلك أنَّ قدومَه المدينةَ كان يومَ الاثنين، لاثنتي عَشْرَةَ ليلةً خلت من شهر ربيع الأول، وأمرَه الله عزَّ وجلَّ باستقبال الكعبة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان. الرابعة: واختلفَ العلماء أيضاً في كيفية استقباله بيت المقدس على ثلاثة أقوال: فقال الحسن: كان ذلك منه عن رأي واجتهاد، وقاله عكرمة وأبو العالية. (١) في (م): بالناس. (٢) أخرجه القاسم بن سلام في الناسخ والمنسوخ (٢٣)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٣٧)، والبزار في مسنده (٤١٩) (زوائد)، والطبراني في الكبير ٢٢/ (٧٧٠). (٣) الاستيعاب ٢٨٠/١١ (بهامش الإصابة). (٤) صحيح البخاري (٤٤٧٤)، وسلف ١٦٧/١. (٥) برقم (٤٠)، وسلف قريباً. (٦) في سننه ١/ ٢٧٣-٢٧٤. (٧) في الموطأ ١٩٦/١، وأخرجه عنه الشافعي في الرسالة (٣٦٦). (٨) في (م): قبل غزوة بدر. (٩) المحرر الوجيز ٢١٨/١. (١٠) هو ابن حبان، وكلامه في صحيحه (الإحسان) بإثر الحديث (١٧١٦). ٤٢٩ سورة البقرة : الآية ١٤٢ الثاني: أنه كان مخيَّراً بينه وبين الكعبة، فاختار القُدْسَ طمعاً في إيمان اليهود واستمالتهم. قاله الطبري(١)، وقال الزجاج(٢): امتحاناً للمشركين لأنهم ألِفُوا الكعبة. الثالث: وهو الذي عليه الجمهور - ابنُ عباس(٣) وغيرُه - وجبَ عليه استقبالُهُ بأمر الله تعالى ووَخيِه لا محالةَ، ثم نسخَ الله ذلك، وأمرَه الله أن يستقبلَ بصلاته الكعبةَ، واستَدَلُّوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِعَن يَنْقَلِبُ عَلَ عَقِبَيْةٍ﴾ الآية. الخامسة: واختلفُوا أيضاً حين فُرضت عليه الصلاةُ أولاً بمكة؛ هل كانت إلى بيت المَقْدِسِ أو إلى مكة؟ على قولين: فقالت طائفة: إلى بيت المقدس، وبالمدينة سبعةَ عشرَ شهراً، ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة (٤)، قاله ابنُ عباس(٥). وقال آخرون: أولُ ما افتُرِضَتِ الصلاةُ عليه إلى الكعبة، ولم يزَلْ يصلِّي إليها طولَ مُقامِه بمكة، على ما كانت عليه صلاةُ إبراهيم وإسماعيل، فلما قدم المدينة، صلى إلى بيت المقدس ستةً عَشَر شهراً، أو سبعةَ عَشَرَ شهراً، على الخلاف، ثمَّ صرفَه الله إلى الكعبة(٦). قال أبو عُمر: وهذا أصحُّ القولَيْنِ عندي(٧). قال غيره: وذلك أن النبيَّ ◌َ﴿ لما قدم المدينة، أرادَ أن يَستألِفَ اليهود، فتوجَّهَ قبلَتَهم؛ ليكونَ ذلك أدعى لهم، فلما تبين عنادَهم، وأيس منهم، أحبَّ أن يُحوَّل إلى الكعبة، فكان ينظر إلى السماء . (١) في تفسيره ٢/ ٦٢٣، ونقله عنه الماوردي في النكت والعيون ١٩٨/١. (٢) معاني القرآن له ٢١٨/١. (٣) أخرجه القاسم بن سلام في الناسخ والمنسوخ (٢١)، والطبري ٢/ ٤٥٠، والجصاص في أحكام القرآن ٨٥/١، وابن عبد البر في الاستذكار ٢١٣/٧، والتمهيد ٥٣/١٧. (٤) التمهيد ٤٩/١٧، والاستذكار ٢١١/٧. (٥) أخرجه أحمد (٢٩٩١)، وابن عبد البر في التمهيد ٤٩/١٧، والاستذكار ٢١١/٧. (٦) التمهيد ٤٩/١٧-٥٠، والاستذكار ٢١١/٧. (٧) لم نقف على كلامه هذا. ٤٣٠ سورة البقرة : الآية ١٤٢ وكانت محبَّته الكعبةَ(١)، لأنها قِبلةُ إبراهيم، عن ابن عباس (٢). وقيل: لأنها كانت أَدْعَى للعرب إلى الإسلام، وقيل: مخالفة لليهود، عن مجاهد(٣). ورُوي عن أبي العالية الرِّياحي أنه قال: رأيتُ(٤) مسجدَ صالح عليه السلام وقبلتُه إلى الكعبة. قال: وكان موسى عليه السلام يصلّي إلى الصخرة نحو الكعبة(٥)، وهي قبْلةُ الأنبياء كلهم، صلوات الله عليهم أجمعين. السادسة: في هذه الآية دليلٌ واضحٌ على أن في أحكام الله تعالى وكتابِه ناسخاً ومنسوخاً، وأجمعت عليه الأمَّة إلا مَنْ شَذَّ، كما تقدم(٦). وأجمعَ العلماءُ على أن القِبْلةَ أولُ ما نُسِخَ من القرآن(٧)، وأنها نُسخت مرتين، على أحدِ القولين المذكورين في المسألة قبلُ. السابعة: ودلَّت أيضاً على جواز نسخ السنة بالقرآن، وذلك أن النبي وَل ◌ّ صلَّى إلى(٨) بيتِ المقدس، وليس في ذلك قرآن، فلم يكن الحُكمُ إلا من جهة السُّنَّة، ثم نُسخ ذلك بالقرآن(٩)، وعلى هذا يكون: ((كُنْتَ عَلَيْهَا)) بمعنى: أنت عليها. الثامنة: وفيها دليلٌ على جواز القَطْعِ(١٠) بخبرِ الواحد، وذلك أنَّ استقبالَ بيتٍ المقدس كان مقطوعاً به من الشريعة عندَهم، ثم إنَّ أهلَ قُبَاءَ لمَّا أتاهم الآتي، (١) في (م): إلى الكعبة. (٢) هو شطر من حديث ابن عباس الذي أشار المصنف إليه قريباً. (٣) أخرجه الطبري ٢/ ٦٥٧ ٦٥٨، وذكره الماوردي ٢٠٢/١، وابن عطية ٢٢١/١. (٤) في النسخ: كانت، والمثبت من هامش (ز)، وعليه علامة الصحة. (٥) أخرجه الطبري ٦٩٠/٢، وذكره ابن عبد البر في الاستذكار ٢١٥/٧. (٦) ٣٠٦/٢. (٧) التمهيد ٤٧/١٧ ,٤٩، والاستذكار ٢٠٤/٧ و٢١٠. (٨) في (د) و(م): نحو. (٩) أحكام القرآن للجصاص ٨٦/١. (١٠) في (خ) و(ظ): القاطع. ٤٣١ سورة البقرة : الآية ١٤٢ فأخبرَهم أنَّ القِبلةَ قد حُوَّلَتْ إلى المسجدِ الحرام، قَبلُوا قولَه، واستدارُوا نحو الكعبة، فتركوا المتواترَ بخبر الواحد، وهو مَظْنونٌ. وقد اختلفَ العلماءُ في جَوازه عقلاً ووقوعه، فقال أبو حامد(١): والمختارُ جوازٌ ذلك عقلاً لو تعبَّد الشرعُ به، ووقوعه (٢) في زمن رسول اللهَ وَ ◌ّه بدليلٍ قصة قُبَاء، وبدليل أنّه كان عليه السلام يُنفِذ آحادَ الوُلاة إلى الأطراف، وكانوا يُبلِّغون الناسخَ والمنسوخَ جميعاً. ولكنَّ ذلك ممنوعٌ بعد وفاتهِ وَلاه، بدليل الإجماع من الصحابة على أن القرآن والمتواتر المعلومَ لا يُرفَع بخبرِ الواحد، فلا ذاهبَ إلى تجويزِه من السَّلَّفِ والخلَف. احتجَّ مَنْ منَعَ ذلك بأنه يُفْضِي إلى المُحال، وهو رفعُ المقطوع بالمظنون. وأما قصَّةُ أهلِ قُباء وولاة النبيّ وَِّ، فمحمولٌ على قرائن أفادت(٣) العلمَ؛ إما نقلاً وتحقيقاً، وإمّا احتمالاً وتقديراً. وتتميمُ هذا سؤالاً وجواباً في أصول الفقه (٤). التاسعة: وفيها دليلٌ على أنَّ مَنْ لم يبلُغْه الناسخُ أنه مُتَعَبَّدٌ بالحُكم الأولِ، خلافاً لمَنْ قال: إن الحكم الأولَ يَرتفعُ بوجود الناسخ، لا بالعلمِ به، والأولُ أصحّ؛ لأن أهلَ قُباءً لم يزالوا يصلُّون إلى بيت المقدس إلى أنْ أتاهم الآتي، فأخبرَهم بالناسخ، فمالوا نحو الكعبة. فالناسخُ إذاً حصل في الوجود، فهو رافعٌ لا محالةً، لكنْ بشرطِ العلمِ به، لأن الناسخ خطابٌ، ولا يكون خطاباً في حقٌّ منْ لم يبلُغْه. وفائدةُ هذا الخلاف في عباداتٍ فُعِلت بعد النسخ، وقبل البلاغ؛ هل تُعاد أم لا؟ وعليه تَنبني مسألةُ الوکیلِ في تصرُّفه بعد عزل مُوَگِّله أو موته، وقبل علمه بذلك على قولين، وكذلك المُقارَض(٥)، والحاكم إذا مات مَنْ وَلَّاه أو عُزل. والصحيحُ أنَّ ما (١) في (د) و(م): أبو حاتم، وهو خطأ، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ)، وهو موافق لما في المفهم ٢/ ١٢٥ (والكلام منه)، وأبو حامد: هو الغزالي، وكلامُه المذكور هو في المستصفى ٢٤٠/١. (٢) في (ظ) و(م): ووقوعاً. (٣) في (د) و(م): إفادة. (٤) انظر المستصفى ٢٤٠/١-٢٤١. (٥) في القاموس: المُقارَضةُ: المضاربة، كأنه عقد على الضرب في الأرض والسعي فيها، وصورته: أن يدفع إليه مالاً ليتجر فيه، والربح بينهما على ما يشترطان. ٤٣٢ سورة البقرة : الآية ١٤٢ فعلَه كلُّ واحدٍ من هؤلاء ينفذُ فعلُه، ولا يُردُّ حكمُه(١). قال القاضي عياض(٢): ولم يختلف المذهب في أحكام مَنْ أُعتق ولم يَعلم بعتقه أنها أحكامُ حُرِّ فيما بينه وبين الناس، وأمَّا بينه وبين الله تعالى فجائزة. ولم يختلفوا في المُعْتَقَة أنها لا تُعيد ما صلَّت بعد عتقها وقبل علمها بغير ستر، وإنما اختلفوا فيمَنْ يطرأُ عليه مُوجِبٌ يُغيِّرِ حكمَ عبادتِه وهو فيها، بناءً(٣) على مسألة قُباء، فَمَنْ صلَّى على حالٍ ثم تغيَّرتْ به حالُه تلك قبل أن يُتمَّ صلاته، أنه يُتمها ولا يقطعها، ويجزيه ما مضى. وذلك(٤) كمَنْ صلى عُرْياناً، ثم وجدَ ثوباً في الصلاة، أو ابتدأ صلاتَه صحيحاً فمرض، أو مريضاً فَصحَّ، أو قاعداً ثم قَدَر على القيام، أو أَمَةً عَتَقَتْ وهي في الصلاة أنها تأخذ قِناعها وتَبْني(٥). قلت: وكمَنْ دخل في الصلاة بالتيمُّم، فطرأ عليه الماء، أنه لا يقطع، كما يقوله مالك والشافعي - رحمهما الله - وغيرهما. وقيل: يقطع، وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى(٦)، وسيأتي(٧). العاشرة: وفيها دليلٌ على قبول خبرِ الواحد، وهو مُجْمَعٌ عليه من السَّلَف، معلومٌ بالتواتر، من عادة النبيِّ وَّ في توجيهه وُلاته ورسله آحاداً للآفاق؛ ليعلِّمُوا الناسَ دينهم، فيبلغوهم سُنّةَ رسولِهِم بَّهِ من الأوامر والنواهي. الحادية عشرة: وفيها دليلٌ على أنَّ القرآنَ كان يَنزلُ على رسول الله وَلِّ شيئاً بعد شيء، وفي حالٍ بعد حال، على حَسَب الحاجة إليه، حتى أكملَ الله دينَه(٨)، كما قال: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. (١) ينظر المفهم ١٢٦/٢. (٢) إكمال المعلم ٤٤٦/٢. (٣) في (م): قياساً. (٤) في (م): وكذلك. (٥) .- التمهيد ٤٧/١٧، وأحكام القرآن للجصاص ٨٧/١. (٦) ينظر التمهيد ٢٩١/١٩-٢٩٢، وإكمال المعلم ٤٤٦/٢-٤٤٧. (٧) في تفسير الآية (٤٣) من سورة النساء، المسألة (٣٩). (٨) التمهيد ٤٦/١٧، والاستذكار ٢٠١/٧-٢٠٢. ٤٣٣ سورة البقرة : الآية ١٤٣ قوله تعالى: ﴿قُل ◌َِِّّ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ﴾ إقامةُ حجةٍ، أي: له مُلْكُ المشارقِ والمغاربٍ وما بينهما، فله أنْ يأمُرَ بالتوجُّهِ إلى أيِّ جهةٍ شاء، وقد تقدم(١). قوله تعالى: ﴿يَهّدِى مَن يَشَآءُ﴾ إشارةٌ إلى هداية الله تعالى هذه الأمةَ إلى قِبْلة إبراهيم، والله تعالى أعلم. والصراط: الطريق(٢). والمستقيم: الذي لا اعوجاجَ فيه، وقد تقدَّم(٣). قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدٌأُ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ أَلَتِ كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْةٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمَّ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ فيه أربع مسائل : الأولى: قولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا﴾ المعنى: وكما أنَّ الكعبةَ وَسَطُ الأرض، كذلك جعلناكم أمةً وسَطاً، أي: جعلناكم دون الأنبياءِ وفوقَ الأمم. والوَسَطُ: العَدْل، وأصلُ هذا أنَّ أحمدَ الأشياءِ أوسطُها. روى الترمذي(٤) عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ، عن النبيِّ ◌َّ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَمَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطّا﴾ قال: ((عدلاً)). قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي التنزيل: ﴿قَالَ أَوْسَكُمْ﴾ [القلم: ٢٨]. أي: أعدَلُهم وخيرُهم. وقال زهير: إذا نَزْلَتْ إحدى الليالي بِمُعْظَم (٥) هُمْ وَسَطّ یَرضَى الآنامُ بحکمھم آخر: (١) ٣٢٤/٢. (٢) المحرر الوجيز ٢١٨/١. (٣) ٢٢٦/١. (٤) في سننه (٢٩٦١)، وهو عند أحمد (١١٠٦٨). (٥) تفسير الطبري ٦٢٦/٢، وأحكام القرآن للجصاص ٨٨/١، والنكت والعيون ١٩٩/١، والبيت في ديوان زهير ص٢٧، وروايته: لحيٍّ حِلالٍ يَعصِمُ الناسَ أمرُهم إذا طرقت إحدى ... ٤٣٤ سورة البقرة : الآية ١٤٣ أَنْتُمُ أوْسَطْ حَيٍّ عُلِمُوا بصغير الأمر أو إحدى الكُبَر (١) وقال آخر لاتذهَبنَّ في الأمور فَرَطا لا تسألَنَّ إن سألتَ شَطّطا وكنْ مِن الناس جميعاً وسطا(٢) ووَسَطُ الوادي: خيرُ موضعٍ فيه، وأكثرُه كَلاً وماءً. ولما كان الوَسَطِ مجانباً للغلوِّ والتقصير، كان محموداً، أي: هذه الأمَّة لم تَغْلُ غُلُوَّ النصارى في أنبيائهم، ولا قَصَّروا تقصيرَ اليهود في أنبيائهم. وفي الحديث: خيرُ الأمورِ أوساطها(٣). وفيه عن عليٍّ رضي الله عنه: عليكم بالنَّمَط الأوسط، فإليه ينزلُ العالي، وإليه يرتفع النازل(٤). وفلانٌ من أوسط قومه، وإنه لواسطةُ قومه، ووَسَطُ قومه: أي: من خِيارهم وأهلِ الحَسَبِ منهم. وقد وَسَط وسَاطَةً وَسِطَةً، وليس من الوَسَط الذي بين شيئين في شيءٍ. والوَسْطِ؛ بسكون العين(٥): الظّرْف، تقول: صلَّيتُ وَسْطَ القوم، وجلستُ وَسَط (١) لم نقف عليه. (٢) البيان والتبيين ٢٥٥/١، وذكر الأول والثالث منها المبرد في الفاضل ص٧. (٣) في (ظ) و(م): أوسطها. والحديث ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة ص٣٣٢، وذكر أنه مروي بسند فيه مجهول عن علي رضي الله عنه، وبلا سند عن ابن عباس رضي الله عنهما. قلنا: وأخرجه ابن أبي شيبة ٤٧٩/١٣، وابن سعد ١٤٢/٧، بإسناد صحيح عن مطرّف بن عبد الله بن الشخير قولَه. وأخرجه الطبري ١٧/ ٥٠٠ من قول يزيد بن مرة الجعفي، وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٢/ ٢٨١ من قول أبي قلابة. وانظر سنن البيهقي ٢٧٣/٣، وجمهرة الأمثال ٤١٩/١، والمستقصى للزمخشري (٢٨٠). (٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٨٢/١٣ من طريق محمد بن طلحة بن مصرِّف، عن زُبيد اليامي، قال: قال علي: خير الناس هذا النمط الأوسط، يلحق بهم التالي، ويرجعُ إليهم العالي. وإسناده منقطع، لأن زبيداً اليامي لم يدرك عليًّا رضي الله عنه، وأخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٤٨٢/٣، وإسناده منقطع أيضاً. وأورده الجوهري في الصحاح، وابن الأثير في النهاية (نمط)، وابن فارس في مجمل اللغة ٨٦٦/٣، والأزهري في تهذيب اللغة ٣٧٨٣٧٧/١٣، والزمخشري في الفائق ٢٧/٤، وابن. الجوزي في غريب الحديث ٤٣٨/٢. قال ابن الأثير في معناه: النمط: الطريقة من الطرائق، والضرب من الضروب، يقال: ليس هذا من ذلك النمط، أي: من ذلك الضرب، والنمط: الجماعة من الناس، أمرهم واحد، كره عليَّ الغلوَّ والتقصير في الدين. (٥) يعني عين الكلمة، وهي السين، وكذلك وقع في (م). ٤٣٥ سورة البقرة : الآية ١٤٣ الدار؛ بالتحريك؛ لأنه اسم. قال الجوهريّ(١): وکل موضع صلح فیہ «بَیْن) فهو وَسْط، وإن لم يصلح فيه ((بين)) فهو وَسَط، بالتحريك، وربما يسكَّن، وليس بالوجه. الثانية: قوله تعالى: ﴿لََّكُونُوا﴾ نصب بلام (كي))، أي: لأن تكونوا. ﴿شُهَدَآء﴾ خبر كان. ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ أي: في المحشر للأنبياء على أممهم، كما ثبت في البخاري (٢) عن أبي سعيد الخُذْرِيّ قال: قال رسول الله وَلِّ: ((يُدْعَى نوحٌ عليه السلام يومَ القيامة، فيقولُ: لَبّيْك وسَعْدَيْك يارَبّ، فيقول: هل بلَّغتَ؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلَّغَكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: مَنْ يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمَّتُه، فتشهدون أنه قد بلَّغ، ويكون الرسول عليكم شهيداً، فذلك قوله عز وجل : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾)). وذكر هذا الحديث(٣) مطولاً ابنُ المبارك (٤) بمعناه، وفيه: «فتقولُ تلك الأمم: كيف يَشهد علينا مَنْ لم يُدركنا؟ فيقولُ لهم الربُّ سبحانه: كيف تشهدون على مَنْ لم تُدركوا؟ فيقولون: ربَّنا بعثتَ إلينا رسولاً، وأنزلتَ إلينا عهدَك وكتابَك، وقصصتَ علينا أنهم قد بلَّغوا، فشَهِدْنا بما عَهِدْتَ إلينا، فيقول الرَّبُّ: صدقوا، فذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا﴾. والوسَط العَدْل ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءُ عَلَ النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾)). قال ابنُ أَنْعُم: فبلغني أنه يشهد يومئذ أمةُ محمد عليه السلام، إلا مَن كان في قلبه حِنَّةٌ على أخيه(٥). (١) الصحاح (وسط). (٢) في (م): صحيح البخاري. والحديث فيه برقم (٤٤٨٧)، وهو في مسند أحمد (١١٢٨٣). (٣) في (خ) و(ظ) ونسخة في هامش (ز): الخبر. (٤) في الزهد (١٥٩٨). (٥) أخرجه الطبري ٦٣٥/٢-٦٣٦ من طريق ابن المبارك، عن رشدين بن سعد، عن ابن أنعُم، عن حِبّان بن أبي جبلة، عن النبي ◌َ الر، مرسلاً، ورشدين بن سعد ضعيف، فيما ذكر الحافظ في التقريب، وقد ساق المصنف لفظ الطبري، ولم يرد قول ابن أنعُم في الزهد. قوله: حِنّة، يعني عداوة، وهي لغة قليلة في الإخنة. قاله ابن الأثير في النهاية. ٤٣٦ سورة البقرة : الآية ١٤٣ وقالت طائفة: معنى الآية: يشهدُ بعضُكم على بعض بعد الموت(١)، كما ثبت في (صحيح)) مسلم (٢) عن أنس، عن النبيِّ وَّ أنه قال حين مرَّت به جِنازةٌ، فَأُثْنِيَ عليها خيرٌ، فقال: ((وَجَبَتْ، وَجبتْ، وَجبتْ))، ثم مُرَّ عليه بأخرى، فأُثْنِيَ عليها شرٌّ، فقال: ((وَجَبَتْ، وَجبت، وَجبتْ)). فقال عمر: فِداك(٣) أبي وأُمِّي، مُرَّ بجنازة فأُثْنِيَ عليها خير (٤) فقلت: ((وجبتْ، وَجبتْ، وَجبتْ))، ومُرَّ بجنازة، فأثْنِيَ عليها شَرِّ، فقلت: ((وَجبتْ، وَجبتْ، وَجبتْ))؟ فقال رسول الله وَّهِ: ((مَنْ أَثْنَيْتُم عليه خيراً وَجَبتْ له الجنَّةُ، ومَنْ أَثْنَيْتُم عليه شَرًّا وَجَبَتْ له النار، أنتم شُهداء الله في الأرض، أنتم شُهداءُ الله في الأرض، أنتم شهداءُ الله في الأرض)). أخرجه البخاريّ بمعناه(٥). وفي بعض طُرُقه في غير الصحيحين: وتلا: ﴿لِّيَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾(٦). وروَى أَبَان ولَيْث عن شَهْرِ بنِ حَوْشَب، عن عُبَادةَ بن الصَّامت قال: سمعتُ رسول الله وَل﴿ يقول: ((أُغْطِيَتْ أُمتي ثلاثاً لم تُعْطَ إلا الأنبياء: كان الله إذا بَعَثَ نبيًّا قال له: أُدْعُني أسْتَجِبْ لك، وقال لهذه الأمة: ﴿أَدْعُونِ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ج وكان الله إذا بَعَثَ النَّبيَّ قال له: ما جعلَ عليك في الدِّين من حَرَج، وقال لهذه الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]، وكان الله إذا بَعَثَ النَّبيَّ جعله شهيداً على قومه، وجَعَلَ هذه الأمةَ شُهداءَ على الناس)). خرَّجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في ((نوادر الأصول))(٧). (١) المحرر الوجيز ٢١٩/١. (٢) برقم (٩٤٩). وهو في مسند أحمد (١٢٩٣٨). (٣) في (م): فدىّ لك. (٤) في (ظ): فأثنوا عليها خيراً. (٥) برقم (١٣٦٧) و(٢٦٤٢). (٦) ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص١٠٤. (٧) ص٣٩١، مختصر دون إسناد في الطبعة التي بين أيدينا. ٤٣٧ سورة البقرة : الآية ١٤٣ الثالثة: قال علماؤنا: أنبأنا ربُّنا تبارك وتعالى في كتابه بما أنعمَ علينا من تفضيله لنا باسم العَدالة، وتَوْلِيَةِ خطيرِ الشهادة على جميع خلقه، فجعلَنا أولاً مكاناً وإن كنا آخِراً زماناً، كما قال عليه السلام: ((نحن الآخرون الأولون»(١). وهذا دليل على أنه لا يَشهدُ إلا العدولُ، ولا يَنفُذ قولُ الغير على الغير إلا أن يكون عَدْلاً (٢). وسيأتي بيانُ العدالة وحكمُها في آخر السورة إن شاء الله تعالى(٣). الرابعة: وفيه دليلٌ على صحّة الإجماع، ووجوبِ الحُكْم به، لأنهم إذا كانوا عدولاً شَهِدوا على الناس. فكلُّ عصرٍ شهيدٌ على مَنْ بعدَه، فقولُ الصحابة حُجَّةٌ وشاهدٌ على التابعين، وقولُ التابعين على مَنْ بعدَهم. وإذْ جُعلتِ الأمةُ شهداءَ، فقد وَجَبَ قَبولُ قولهم، ولا معنى لقول مَنْ قال: أُريدَ به جميعُ الأمَّة، لأنه حينئذٍ لا يثبتُ مُجْمَعٌ عليه إلى قيام الساعة(٤). وبيانُ هذا في كتب أصول الفقه. قولُه تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ قيل: معناه: بأعمالكم يومَ القيامة. وقيل: ((عليكم)) بمعنى: لكم، أي: يشهدُ لكم بالإيمان. وقيل: أي: يشهدُ عليكم بالتبلیغ لكم(٥). قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِ كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ قيل: المرادُ بالقِبْلة هنا القِبلةُ الأولى، لقوله : ((كنت عليها))، وقيل: الثانية، فتكون الكاف زائدة، أي: أنتَ الآنَ عليها، كما تقدم(٦)، وكما قال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٠]، أي: أنتم، في قول بعضهم(٧)، وسيأتي. قولُه تعالى: ﴿إِلَّا لِتَعْلَمَ مَن يَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ قال عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله تعالى (١) أخرجه أحمد (٧٣١٠)، والبخاري (٢٣٨)، ومسلم (٨٥٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٠-٤١. (٣) في تفسير آية الدين (٢٨٢). (٤) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٨٨/١-٩٠. (٥) المحرر الوجيز ٢١٩/١. (٦) ٤٣٠/٢. (٧) ينظر مجمع البيان للطبرسي ١١/٢، والمحرر الوجيز ٢٢٠/١. ٤٣٨ سورة البقرة : الآية ١٤٣ عنه: معنى ((لنعلم)) لنرى(١). والعربُ تضعُ العِلمَ مكانَ الرؤية، والرؤيةَ مكان العلم، كقوله تعالى: ﴿أَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل: ١]، بمعنى: ألم تعلم (٢). وقيل: المعنى: إلا لتعلموا أننا نعلم، فإنَّ المنافقين كانوا في شكٍّ من علم الله تعالی بالأشیاء قبل کَوْنها(٣). وقيل: المعنى: لنُميِّز أهلَ اليقين من أهل الشكّ، حكاه ابن فُورَك (٤)، وذكره الطبري عن ابن عباس(٥). وقيل: المعنى: إلا ليَعلم النبيُّ وأتباعُه، وأخبرَ تعالى بذلك عن نفسه، كما يُقال: فعلَ الأمير كذا، وإنما فعلّه أتباعُه، ذكره المهدويُّ، وهو جيّد. وقيل: معناه: ليعلم محمد، فأضافَ علمَه إلى نفسه تعالى تخصيصاً وتفضيلاً، كما كنَّى عن نفسه سبحانه في قوله: ((يا ابنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُذْنِي))(٦) الحديث. والأوّلُ أظهر، وأنَّ معناه علمُ المعاينةِ الذي يُوجبُ الجزاءً، وهو سبحانه عالمُ الغيبِ والشهادة، عَلِمَ ما يكون قبلَ أن يكون، تختلفُ الأحوال على المعلومات وعلمه لا يختلف، بل يتعلَّق بالكل تعلقاً واحداً. وهكذا كل ما ورد في الكتاب من هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ اَلْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَِّينَ﴾ [محمد: ٣١]، وما أشبهه(٧). (١) نسبه ابن الجوزي ١/ ١٥٠ إلى ابن عباس، وذكره المفسرون دون نسبة. (٢) النكت والعيون ٢٠٠/١. وقد ردَّ الطبريُّ ٦٤٤/٢ هذا التأويل، وقال: موجود في كلام العرب ((رأيت))، بمعنى ((علمت))، وغير موجود (علمت))، بمعنى ((رأيت)). (٣) النكت والعيون ١/ ٢٠٠. (٤) ونقله عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٢٠/١. (٥) في تفسيره ٦٤٣/٢. (٦) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥١٧)، ومسلم (٢٥٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وانظر مسند أحمد (٩٢٤٢). (٧) في (ظ) و(م): أشبه. ٠٠ ٤٣٩ سورة البقرة : الآية ١٤٣ والآية جوابٌ لقريش في قولهم: ﴿مَا وَلَّئُهُمْ عَنْ قِلَئِهِمُ الَِّى كَانُوا عَلَيْهَاً﴾. وكانت قريشٌ تَأَلَفُ الكعبةَ، فأرادَ الله عزَّ وجلَّ أن يمتحنَهم بغير ما أَلِفُوه؛ ليظهرَ مَنْ يتبعُ الرسولَ ممَّن لا يتبعُه(١). وقرأ الزُّهريُّ: (إلا ليُعلم))(٢)، فـ((مَنْ)) في موضع رفع على هذه القراءة؛ لأنها اسم مالم يُسَمَّ فاعلُه (٣). وعلى قراءة الجماعة في موضع نصب على المفعول. ﴿يَّعُ الرَّسُولَ﴾ يعني فيما أُمِرَ به من استقبال الكعبة. ﴿مِتَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْةٍ﴾ يعني ممن يرتدُّ عن دينه، لأن القِبلة لما حُوِّلت ارتدَّ من المسلمين قومٌ، ونافقَ قوم(٤)؛ ولهذا قال: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: تحويلُها؛ قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة(٥). والتقدير في العربية. وإن كانت التحويلةٌ. قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ ذهب الفرَّاء إلى أنَّ((إنْ) واللَّمَ بمعنى ((ما)) و((إلا))، والبصريُّون يقولون: هي ((إنَّ) الثقيلة، خُفِّفَتْ. وقال الأخفش(٦): أي: وإنْ كانت القِيْلةُ - أو التحويلةُ، أو التوليةُ - لكبيرةً. ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي: خلق الهُدَى الذي هو الإيمانُ في قلوبهم، كما قال(٧): ﴿أُوْلَّبِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ اتَّفقَ العلماءُ على أنها نزلت فيمَن ماتَ وهو يصلِّي إلى بيت المَقْدِس، كما ثبتَ في البخاريِّ من حديث البراء بن عازِبٍ، على ما تقدم(٨). (١) معاني القرآن للزجاج ٢١٨/١. (٢) القراءات الشاذة ص ١٠، والمحتسب ١١١/١. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٩/١. (٤) النكت والعيون ١/ ٢٠٠. (٥) أخرج هذه الآثار الطبري ٢/ ٦٤٧-٦٤٨، وذكرها الماوردي في النكت والعيون ١/ ٢٠١. (٦) معاني القرآن له ٣٤٢/١، ونقلَه المصنفُ عنه وعن الفراء بواسطة النحاس ٢٦٩/١. (٧) في (م): قال تعالى. (٨) ٤٢٦/٢. ٤٤٠ سورة البقرة : الآية ١٤٣ وخرج الترمذي(١) عن ابن عباس قال: لما وُجِّهَ النبيُّ نَ ◌ّه إلى الكعبة قالوا: يا رسولَ الله، کیف بإخواننا الذين ماتُوا وهم يُصَلُّون إلی بیت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ الآية، قال: هذا حديث حسن صحيح. فسمَّى الصلاةَ إيماناً لاشتمالها(٢) على نيَّةٍ وقولٍ وعمل. وقال مالك: إني لأذكُرُ بهذه الآيةِ قولَ المُرْجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان. وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ أي: بالتوجُّه إلى القِبْلةِ، وتصديقكم لنبيِّكم. وعلى هذا معظم المسلمين والأصوليين. وروى ابنُ وَهْب، وابنُ القاسم، وابنُ عبد الحَكَم، وأشهبُ، عن مالك ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ قال: صلاتكم(٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالنَّاسِ لَرَّهُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ الرأفةُ أشدُّ من الرحمة. وقال أبو عمرو بنُ العَلاء: الرأفةُ أكثرُ من الرحمة(٤)، والمعنى متقارب. وقد أتينا على لغته وأشعاره ومعانيه في ((الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى))(٥) فليُنظر هناك. وقرأ الكوفيون وأبو عمرو: (لَرَؤُفِّ)) على وزن فَعُل(٦)، وهي لغة بني أسد، ومنه قول الوليد بن عُقبة: وشَرُّ الطالبين فلا تَكُنْهُ يقاتلُ عمَّه، الرَّؤُفُ الرحيمُ(٧ (١) برقم (٢٩٦٤)، وهو في مسند أحمد (٣٢٤٩). (٢) في (خ) و(ظ): لاجتماعها. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤١/١، وعارضة الأحوذي له ٨٨٨٧/١١. (٤) النكت والعيون ١/ ٢٠١. (٥) ص٣٩٥ وما بعدها، ولم نقف في المطبوع منه على معنى الرؤوف. (٦) هي قراءة عاصم برواية شعبة، وحمزة، والكسائي من الكوفيين، وأبي عمرو، وأما رواية حفص عن عاصم فهي كقراءة الباقين: (رؤوف). انظر السبعة ص١٧١، والتيسير ص٧٧. (٧) ذكره أبو علي الفارسي في الحجة ٢٣٠/٢، والواحدي في الوسيط ٢٢٨/١، والسمين في الدر. المصون ١٥٨/٢، وروايته عندهم: يقاتل عمَّه الرؤفَ الرحيما. وذكره الطبري ٢/ ٦٥٥، وابن عطية ٢٢١/١، والطبرسي ٨/٢ برواية: بقاتلٍ عمِّه، الرؤفُ الرحيمُ.