النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة البقرة : الآية ١١٨ - وهي كائنةٌ بعلمه قبلَ كَوْنِها - مشابهةً للتي(١) هي موجودة، فجاز أن يقول لها: كوني، ويأمرَها بالخروج مِن حال العدم إلى حال الوجود؛ لتصوُّر جميعها له، ولعِلْمِه بها في حال العَدَم. الثالث: أن ذلك خبرٌ من الله تعالى عامٌّ عن جمیع ما يُحدِثه ویُكوِّنُه، إذا أراد خَلْقَه وإنشاءَه، كان ووُجِد، من غير أن يكونَ هناك قولٌ يقوله، وإنما هو قضاءٌ يريدُه، فعبرَّ عنه بالقول وإن لم يكن قولاً، كقول أبي النَّجْم: قد قالتِ الأنْساع للبَظْنِ الْحَقِ(٢) ولا قولَ هناك، وإنما أرادَ أن الظّهْرَ قد لَحِقَ بالبطن، وكقول عمرو بن حُمَمَة الدَّوْسِيّ(٣) : إذا رامَ تَظْياراً يقالُ له فَحٍ فأصبَحْتُ مِثْلَ النَّسْرِ طارَتْ فِراخُه وكما قال الآخر: قالت جناحاه لساقَيْهِ الْحَقًا ونَجِّيا لحمَكُما أن يُمْزَقا(٤) قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمّ قَدْ بَيَّنَا الْآَيَتِ لِقَوْمِ يُوقِنُونَ (٨) قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: هم اليهود. مجاهد: (١) في (ظ) و(ز) و(خ): التي. (٢) هو من الرَّجز، وبعده: قِدْماً فآَضَتْ كالفَنِيقِ المُخْنِقِ. ولم نقف عليه في ديوانه، وهو في تفسير الطبري ٤٦٩/٢، والخصائص ٢٣/١، والنكت والعيون ١٧٩/١، والكشاف ٣٠٧/١، ومجمع البيان ٤٣٨/١، وهو في المحرر الوجيز ٢٠٢/١ بلفظ: وقالت الأقراب. قوله: الأنساع، جمع نِسْع، بالكسر، وهو سير يُنسجُ عريضاً على هيئة أعِنَّة النِّعال، تُشَدُّ به الرِّحال، ولَحِقَ لُحوقاً: ضَمِرَ، والفَنِيق: الفحل المكرم، لا يُؤذى ولا يركب لكرامته على أهله، والمُحنق: الملتزق صلبه ببطنه. انظر القاموس المحيط. (٣) من الأزد، أحد حكام العرب في الجاهلية، وأحد المعمَّرين، يقال إنه عاش ثلاث مئة وتسعين سنة، ويقال: إنه هو ذو الحلم الذي ضرب به العرب المثل. معجم الشعراء ص١٧. والبيت في تفسير الطبري ٤٦٩/٢، والنكت والعيون ١٧٩/١، ومجمع البيان ٤٣٨/١. (٤) لم نقف عليه، وأورده ابن عادل الحنبلي في اللباب ٢/ ٤٣٠. ٣٤٢ سورة البقرة : الآية ١١٨ النصارى، ورجَّحَه الطبريّ(١)؛ لأنهم المذكورون في الآية أولاً. وقال الربيع والسُّدِّيُّ وقتادة: مشركو العرب. و((لولا)) بمعنى ((هَلَّا)): تَخْضيض(٢)؛ كما قال الأشهب بن رُمَيْلَةٍ(٣): تَعُدُّون عَقْرَ النِّیبِ أَفْضَلَ مَجْدِكُم بني ضَوْطَرَى لولا الكَمِيَّ المُقَنَّعا(٤) وليست هذه ((لولا)) التي تُعطي منعَ الشيء لوجود غيره، والفرقُ بينهما عند علماء اللسان أن ((لولا)) بمعنى التحضيض لا يليها إلا الفعلُ مُظهراً أو مقدَّراً، والتي للامتناع يليها الابتداءُ، وجرت العادةُ بحذف الخبر(٥). ومعنى الكلام: هَلَّا يُكَلِّمُنا الله بنبوَّةِ محمد ◌ََِّ، فنعلمَ أنه نبيٌّ، فنؤمنَ به، أو يأتِينا بآية تكونُ علامةً على نبوَّته. والآية: الدَّلالة والعلامة، وقد تقدم(٦). و﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾: اليهودُ والنصارى في قول مَنْ جَعَلَ ((الَّذينَ لا يَعلَمُونَ)) كفَّارَ العرب، أو الأممُ السالفةُ في قول مَن جعل ((الّذينَ لا يَعْلَمُونَ)» اليهودَ (١) تفسيره ٢/ ٤٧٥. (٢) ينظر المحرر الوجيز ١/ ٢٠٢، والنكت والعيون ١/ ١٨٠، وأخرج الأقوال السابقة الطبريُّ في التفسير ٢/ ٤٧٤_٤٧٥. (٣) هو شاعر إسلامي مخضرم، أسلم ولم تعرف له صحبة واجتماع بالنبي 1 الخزانة ٦/ ٣٠، والإصابة ١٧٤/١. (٤) هكذا نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٥٢/١، والطبري في التفسير ٤٧٦/٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٢/١، والماوردي في النكت والعيون ١/ ١٨٠، وابن الشجري في أماليه ٤٢٦/١ و٨٤/٢، ٥٠٩. ونسبه أيضاً أبو عبيدة في النقائض ص ٨٣٣ لجرير في قصيدة يردّ بها على الفرزدق. قال البغدادي في خزانة الأدب ٥٩/٣: الصحيح أنه من قصيدة لجرير، لا خلاف بين الرواة أنها له. والبيت في ديوان جرير ٩٠٧/٢، ورواية النقائض والديوان: سعيكم، بدل: مجدكم، وهلًّا، بدل: لولا. قوله: النِّيب: جمع ناب، وهي الناقة المُسِنَّة، وضَوطرى: الرجل الضخم المليء الذي لا غَنَاء عنده، والكميّ: الشجاع المتكمِّي في سلاحه. والمعنى: تعدون عقر الإبل المُسِنَّة التي لا يُنتفع بها ولا يُرْجَى نسلُها أفضلَ مجدكم، هلا تَعدُّون قتلَ الشجعان أفضل مجدكم؟! الخزانة ٥٨/٣. (٥) المحرر الوجيز ٢٠٢/١-٢٠٣. (٦) ١٠٧/١ -١٠٨. ٣٤٣ سورة البقرة : الآية ١١٩ والنصارى، أو اليهودُ في قول مَن جَعَل ((الذين لا يعلمون)) النصارى(١). ﴿تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قيل: في التعنيت والاقتراح وتَرْكِ الإيمان. وقال الفرَّاء(٢): ((تَشابَهتْ قلوبُهم)) في اتِّفاقهم على الكفر. ﴿قَدْ بَيَّنَا أَلْآَيَتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ تقدَّم(٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًاً وَلَا تُشْقَلُ عَنْ أَضْحَبِ الْجَحِيمِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ((بشيراً)) نصب على الحال، ((ونَذيراً)) عطف عليه؛ قد تقدَّم معناهما (٤). ﴿وَلَا تُشْقَلُ عَنْ أَضْحَبٍ لَلَْحِيمِ﴾ قال مقاتل: إنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال: ((لو أَنْزِلَ الله بِأُسَهُ باليهود لآمنوا))، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُشْتَلُ عَنْ أَضْحَبِ لَلَْحِيمِ﴾(٥) برفع «تُسألُ)) وهي قراءة الجمهور(٦)، ويكون في موضع الحال بعطفه على ((بشيراً ونذيراً)). المعنى: إِنَّا أرسلناك بالحقِّ بشيراً ونذيراً غيرَ مسؤول. وقال سعيدٌ الأخفشُ: ((ولا تَسألُ)) بفتح التاء وضم اللام، ويكون في موضع الحال عَظْفاً على ((بشيراً ونذيراً))(٧). المعنى: إنا أرسلناك بالحقِّ بشيراً ونذيراً غيرَ سائلٍ عنهم؛ لأنَّ عِلْمَ الله بكفرهم بعد إنذارِهم يُغْني عن سؤاله عنهم. هذا معنى: غيرَ سائل. ومعنى غيرَ مسؤول: لا يكون مؤاخَذاً بكُفْرٍ مَنْ كفرَ بعد البُشْرَى(٨) والإنذار. وقال ابنُ عباس ومحمد بنُ كعب: إنَّ رسولَ الله بچ قال ذاتَ يوم: «ليت شِعْري (١) المحرر الوجيز ٢٠٣/١. (٢) معاني القرآن ١/ ٧٥. (٣) ٢٧٦/١. (٤) ١/ ٢٨١ و٣٥٨. (٥) أورده الواحدي في أسباب النزول ص٣٧، وفي التفسير ١٩٨/١، وابن الجوزي في زاد المسير ١٣٧/١. (٦) السبعة ص١٦٩. والتيسير ص ٧٦. (٧) معاني القرآن للأخفش ٣٣٤/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٥٨/١. وذكر القراءة أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٤/١. (٨) في (م): التبشير. ٣٤٤ سورة البقرة : الآية ١١٩ ما فَعَلَ أَبَواي)). فنزلت هذه الآية(١)، وهذا على قراءة مَن قرأ: ((ولا تَسْألْ)) جزماً(٢) على النهي، وهي قراءةُ نافعٍ وحدَه(٣)، وفيه وجهان: أحدهما: أنه نهيٌّ عن السؤال عمَّن عصَى وكفرَ من الأحياء؛ لأنه قد يتغير حالُه فينتقلُ عن الكفر إلى الإيمان، وعن المعصية إلى الطاعة. والثاني: وهو الأظهر، أنه نهيٌّ عن السؤال عمَّن مات على كفره ومعصيته، تعظيماً لحاله وتغليظاً لشأنه، وهذا كما يقال: لا تَسألْ عن فلانٍ! أي: قد بلغَ فوق ما تحسَب. وقرأ ابنُ مسعود: ((ولن تُسْأَلَ))، وقرأ أُبَيٌّ: ((وما تُسْأَلُ))(٤)، ومعناهما موافقٌ لقراءة الجمهور؛ نَفَی أن یکون مسؤولاً عنھم. وقيل: إنما سألَ أيَّ أبَوَيْه أحدثُ موتاً (٥)، فنزلت. وقد ذكرنا في كتاب ((التذكرة))(٦) أن الله تعالى أحيا له أباه وأمَّه وآمنًا به(٧)، وذكرنا قوله عليه السلام (١) حديث محمد بن كعب أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٥٩/١، والطبري ٤٨١/٢، وفي إسناده موسى بن عبيدة وهو ضعيف. انظر الميزان ٢١٣/٤، والضعفاء للعقيلي ١٦٠/٤. وذكره أبو الليث في تفسيره ١/ ١٥٤ بلفظ: ((ليت شعري ما فُعل بأبويّ)). قال السيوطي في الدر المنثور ١/ ١١١: مرسل ضعيف الإسناد. وأما حديث ابن عباس فقد ذكره البغوي في التفسير ١١٠/١، وابن الجوزي في زاد المسير ١٣٧/١، ولم نقف على إسناده. (٢) في (د): جرياً. (٣) السبعة ص١٦٩. والتيسير ص ٧٦. (٤) القراءات الشاذة لابن خالويه ص٩. (٥) نقله ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٣/١ عن المهدوي بلفظ: ((ليت شعري أيُّ أَبَويَّ أحدثُ موتاً)». وقد ردَّه ابن عطية بقوله: وهذا خطأ ممَّن رواه أو ظنّه؛ لأنَّ أباه مات وهو في بطن أمه ... وماتت أمه بعد ذلك بخمس سنين منصرفةً به من المدينة من زيارة أخواله، فهذا مما لا يُتَوَهَّم أنه خَفِيَ عليه ◌َِّ. (٦) ص١٤_١٥. (٧) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٦٥٦)، ونسبه العجلوني في كشف الخفاء ٦٢/١ إلى الخطيب البغدادي والدارقطني وابن عساكر، وهو من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه أن رسول الله ◌َ﴿ قال: ((سألتُ ربي عزَّ وجلَّ فأخيا لي أمي، فآمنت بي ثم ردَّها)). قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٦٨٤/٢: هذا الحديث كذب مخالف لما صح عنه أنه عليه الصلاة والسلام استأذن ربّه في الاستغفار لها؛ فلم يأذن له. وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٤٢٩/٣: حديث منكر جدًّا، وإن كان ممكناً بالنظر إلى قدرة الله تعالى، لكن الذي ثبت في الصحيح يُعارضه. وانظر الروض الأنف ١/ ١٩٤ ، ولسان الميزان ٤/ ٩١. ٣٤٥ سورة البقرة : الآية ١٢٠ للرجل: ((إن أبي وأباك في النار))(١) وبيَّنَّا ذلك، والحمد لله . قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَّعَ مِلَتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اَللَّهِ هُوَ الْهُدَىَّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم بَعْدَ الَّذِى ◌َءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اَللَّهِ مِن وَلٍِ وَلَا نَصِيرٍ (® قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَّعَ مِلَتَهُمْ﴾. فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنِكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَّعَ مِلََّهُمْ﴾ المعنى: ليس غَرَضُهم يا محمدُ بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو أتيتَهم بكلِّ ما يسألون لم يرضَوا عنك، وإنما يُرضيهم (٢) تركُ ما أنت عليه من الإسلام واتِّاعُهم. يقال: رَضِيَ يَرْضَى رِضاً ورُضاً ورِضْواناً ورُضْواناً ومَرْضاةً، وهو من ذوات الواو، ويقال في التثنية: رِضَوَانٍ، وحكى الكِسائيّ: رِضَيَانٍ. وحُكي: رِضَاء، ممدود، وكأنه مصدر راضَى يُراضِي مُرَاضاةً ورِضاءً (٣). و (تَتَّبِعَ)) منصوب بـ((أن))، ولكنها لا تظهر مع ((حتى))، قاله الخليل. وذلك أن ((حتى)) خافضةٌ للاسم، كقوله: ﴿حَّ مَطَلَعِ الْغَبْرِ﴾ [القدر: ٥]، وما يعملُ في الاسم لا يعمل في الفعل البتّة، وما يخفضُ اسماً(٤) لا يَنصب شيئاً (٥). وقال النحاس(٦): (َتَّبَعَ)) منصوبٌ بـ ((حتى))، و((حتى)) بدل من ((أن)). والمِلَّة: اسمٌ لِمَا شَرَعَه الله لعباده في كتبه وعلى(٧) أَلْسِنة رُسُلِه. فكانت المِلَّةُ والشريعةُ سواءً؛ فأمَّا الدِّين، فقد فُرِّق بينه وبين المِلَّة والشريعة(٨)؛ بأنَّ(٩) الملَّةَ والشريعةَ ما دعا الله عبادَه إلى فِعله، والدِّينُ ما فعلَه العبادُ عن أمره. (١) أخرجه أحمد (١٢١٩٢) و(١٣٨٣٤)، ومسلم (٢٠٣) من حديث أنس رضي الله عنه. (٢) في (ز): غرضهم، وفي هامشها: يرضيهم. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٨/١. (٤) في (ز): الأسماء. (٥) معاني القرآن للزجاج ١/ ٢٠١. (٦) إعراب القرآن ٢٥٨/١. (٧) في (د) و(ز): على. (٨) في (خ) و(ز): وبين الشريعة. (٩) في (د) و(م): فإن. ٣٤٦ سورة البقرة : الآية ١٢٠ الثانية: تمسّك بهذه الآية جماعةٌ من العلماء، منهم أبو حنيفة والشافعيُّ وداودُ وأحمدُ بنُ حنبل على أنَّ الكفر كلَّه ملةٌ واحدة؛ لقوله تعالى: ((مِلَّتَهُمْ)) (١) فوحَّد المِلَّة، وبقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِيِئُكُمْ وَلِىَ دِينٍ﴾، وبقوله عليه السلام: ((لا يتوارثُ أهلُ ملَّتَيْن))(٢) على أنَّ المرادَ به الإسلامُ والكفر، بدليل قوله عليه السلام: ((لا يرثُ المسلمُ الكافرَ))(٣). وذهب مالكٌ وأحمد في الرواية الأخرى إلى أن الكفر مِلَلٌ، فلا يرثُ اليهوديُّ النصرانيَّ، ولا يرثانِ المجوسيَّ؛ أخذاً بظاهر قوله عليه السلام: ((لا يتوارثُ أهلُ مِلَّتِيْنِ))(٤). وأما قولُه تعالى: ((مِلَّتهم)) فالمرادُ به الكَثْرةُ، وإن كانت موحّدةً في اللفظ، بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة، كما تقول: أخذتُ عن علماء أهل المدينة - مثلاً - عِلْمَهم، وسمعتُ عليهم(٥) حديثَهم، يعني علومَهم وأحاديثَهم. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْمُدَىّ﴾ المعنى: ما أنت عليه يا محمدُ مِن هُدى الله الحقِّ الذي يضعُه في قلبٍ مَن يشاء(٦) هو الهُدَى الحقيقيُّ، لا ما يدَّعيه هؤلاء(٧). قوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ الأهواء جمع هَوَى، كما تقول: جمل وأجمال، ولمّا كانت مختلفة جُمعت، ولو حمل على إفراد الملَّة لقال: هواهم(٨). (١) في (خ) لقوله عليه السلام: الدين الحنيفية دين إبراهيم الخليل وقال تعالى: ملتهم ... (٢) أخرجه أحمد (٦٦٦٤) و(٦٨٤٤)، وأبو داود (٢٩١١)، وابن ماجه (٢٧٣١)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. (٣) أخرجه أحمد (٢١٧٤٧)، والبخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه. (٤) ينظر التمهيد ١٦٩/٩-١٧٢، والاستذكار ٤٩٤/١٥. (٥) في (د): عنهم. (٦) في (ز) و(ظ): نضعه ... نشاء. (٧) المحرر الوجيز ٢٠٤/١. (٨) ينظر المحرر الوجيز ٢٠٤/١، ومعاني القرآن للزجاج ٢٠٢/١. ٣٤٧ سورة البقرة : الآيات ١٢١، ١٢٢، ١٢٣ وفي هذا الخطاب وجهان: أحدهما: أنه للرسول، لتوجُّه الخطاب إليه. والثاني: أنه للرسول والمرادُ به أمَّتُه. وعلى الأول یکون فیه تأديبٌ لأمته؛ إذ منزلتُهم دون منزلته. وسبب الآية أنهم كانوا يسألون المسالمةَ والهُدْنة، ويَعِدُون النبيَّ ◌َّ بالإسلام، فَأَعْلَمه الله أنهم لن يَرضَوْا عنه حتى يتَّبع مِلَّتهم، وأمَرَه بجهادهم. قوله تعالى: ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ سُئل أحمد بن حنبل عمَّن يقول: القرآنُ مخلوق، فقال: كافرٌ، فقيل: بِمَ كفَّرته؟ فقال: بآياتٍ من كتاب الله تعالى: ﴿وَلَيْنِ أَنَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم بَعْدَ الَّذِى جَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ والقرآنُ(١) مِن عِلْم الله، فمَنْ زعمَ أنه مخلوقٌ فقد كَفَر(٢). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَتْلُونَمُ حَقَّ تِلَاوَيِةٍ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِءٌ وَمن يَبَبِىّ إِسْرَِّيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّتِىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ يَكْفُرْ بِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَلِرُونَ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَْزِى نَفْسَّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا وَأَنِي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ عَدْلٌ وَلَا نَنفَعُهَا شَفَعَةٌ وَلَا هُمْ يُصَرُونَ قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْتَهُمُ الْكِتَبَ﴾ قال قتادة: هم أصحابُ النّبِيِّ ◌َِّ ، والكتابُ على هذا التأويل: القرآنُ. وقال ابن زيد: هم مَن أَسلم مِن بني إسرائيل، والكتابُ على هذا التأويل: التوراةُ، والآية تَعُمّ (٣). و ((الذين)) رفع بالابتداء، ((آتيناهم) صِلته، ((يَتْلُونَهُ)) خبرُ الابتداء، وإن شئتَ كان الخبر: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِمْ﴾(٤). واختلف في معنى ﴿يَتْلُونَمُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ فقيل: يتَّبعونَه حقَّ اتِّباعِه، باتِّباع الأمر (١) في (خ) و(ز) و(ظ) : فالقرآن. (٢) ينظر مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ ١٥٤/٢. (٣) ينظر المحرر الوجيز ٢٠٤/١، وقول قتادة وعبد الرحمن بن زيد أخرجهما الطبري ٤٨٦/٢. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٨/١. ٣٤٨ سورة البقرة : الآيات ١٢١، ١٢٢، ١٢٣ والنَّهي، فَيُحَلِّلُون حلالَه، ويُحرِّمون حرامَه، ويعملون بما تضمَّنه، قاله عكرمة. قال عكرمة: أما سمعتَ قولَ الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا نَنْهَا﴾ [الشمس: ٢] أي: اتَّبعها، وهو معنى قولِ ابنِ عباس وابنٍ مسعود رضي الله عنهما(١). وقال الشاعر: قد جَعَلَتْ دَلوِيَ تَسْتَثْلِيني (٢) ورَوى نَصْرُ بنُ عيسى عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ وَّ في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَُ حَقَّ تِلَاوَتِةٍ﴾ قال: ((يتَّبعونه حَقَّ اتِّباعه)). في إسناده غيرُ واحد من المجهولين فيما ذكر الخطيبُ أبو بكر أحمدُ(٣)، إلا أنَّ معناهُ صحیحٌ. وقال أبو موسى الأشعري: مَن يتّبعِ القرآن يَهبِظ به على رياض الجنَّةُ(٤). وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هم الذين إذا مَرُّوا بآيةٍ رحمةٍ سألوها من الله، وإذا مَرُّوا بآيَةِ عذابٍ استعاذوا منها(٥). وقد رُوي هذا المعنى عن النبيِّ وَّهِ: كان إذا مرَّ بآيَةِ رَحْمةٍ سَأَلَ، وإذا مرَّ بآيةٍ عذابٍ تَعَوَّدُ(٦). وقال الحسن: هم الذين يعملون بُمحكّمهِ، ويُؤمنون بِمُتشابهه، وَيَكِلُون ما أَشْكلَ عليهم إلى عالِمِه(٧). وقيل: يقرؤونه حقَّ قراءته(٨). (١) انظر تفسير الطبري ٤٨٨/٢، ٤٨٩، ٤٩٢. (٢) أورده الزجاج في معاني القرآن ٤٥٩/١، والنحاس في معاني القرآن ٢٩٢/٣، وابن منظور في اللسان (تلو)، وعجزه: ولا أريدُ تَبَعَ القرين. (٣) في كتاب الرواة عن مالك فيما ذكره السيوطي في الدر المنثور ١١١/١، وذكر الحديث الذهبيُّ في ميزان الاعتدال ٤/ ٢٥٣ ونقل عن الخطيب القول الذي ذكره المصنف. (٤) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص٣٤، وسعيد بن منصور في سننه ٤٩/١، وابن أبي شيبة في مصنفه ٣٨٦/١٣ -٣٨٧، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٠٢٣). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣٥٧/١، وفيه: إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار. (٦) قطعة من حديث طويل، أخرجه أحمد (٢٣٢٦١)، ومسلم (٧٧٢) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. وفي الباب عن عوف بن مالك وعائشة رضي الله عنهما، أخرجهما أحمد (٢٣٩٨٠) و(٢٤٦٠٩). (٧) أخرجه الطبري ٤٩١/٢-٤٩٢، وابن أبي حاتم ٣٥٧/١. (٨) ذكره الطبري ٢/ ٤٩٢. ٣٤٩ سورة البقرة : الآية ١٢٤ قلت: وهذا فيه بُعْدٌ، إلا أنْ يكونَ المعنى: يُرَتِّلُون ألفاظَه، ويفهمون مَعانِيَه؛ فإنَّ بِفَهْم(١) المعاني يكون الاتِباع لمن وُفِّق. قوله تعالى: ﴿وَإِذِ أَبْتَّ إِبْرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنُّ قَالَ إِنِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامّا قَالَ ١٢٤) وَمِن ذُرِّيَِّيٌّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ فيه عشرون مسألة: الأولى: لمَّا جرى ذِكْرُ الكعبةِ والقبلة، اتَّصلَ ذلك بذكر إبراهيم عليه السلام، وأنه الذي بَنَى البيت، فكان من حَقِّ اليهود - وهم مِن نَسْل إبراهيم - ألَّا يرغبوا عن دينه. والابتلاءُ: الامتحانُ والاختبار، ومعناه: أَمْرٌ وتعبُّدٌ. وإبراهيمُ تفسيره بالسُّريانية فيما ذكر الماورديُّ، وبالعربية فيما ذَكَر ابن عطية: أبٌ رحيم (٢). قال السُّهيلي: وكثيراً ما يقع الاتِّفاق بين السُّريانيّ والعربي أو يُقاربُه في اللَّفظ، ألا ترى أنَّ إبراهيمَ تفسيره: أبٌّ راحم؛ لرحمته بالأطفال، ولذلك جُعِلَ هو وسارةُ زوجتُه كافِلَيْن لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغاراً إلى يوم القيامة(٣). قلت: ومما يدلُّ على هذا ما خرَّجه البخاريُّ من حديث الرؤيا الطويل عن سَمُرةَ، وفيه: أنَّ النبيَّ وَ﴿ رأى في الروضة إبراهيم عليه السلام وحولَه أولادُ الناس(٤). وقد أتينا عليه في كتاب ((التذكرة))(٥) والحمد لله . وإبراهيمُ هذا هو ابنُ تارخ بن ناخور في قول بعض المؤرِّخین(٦). وفي التنزيل: (١) في (ز): فهمهم، وفي (د): تفهم، وفي (ظ): يفهم. (٢) النكت والعيون ١/ ١٨٢، والمحرر الوجيز ٢٠٥/١. (٣) التعريف والإعلام ص٢٠. (٤) صحيح البخاري (٧٠٤٧)، وهو في مسند أحمد (٢٠٠٩٤)، وسمرة هو ابن جندب بن هلال الفزاري، من علماء الصحابة رضوان الله عليهم، سكن البصرة، مات سنة (٥٨هـ). السير ١٨٣/٣. (٥) ص٥١١. (٦) ينظر تاريخ الطبري ٢٣٣/١، وتفسير البغوي ١١١/١، والتعريف والإعلام ص٥٥. ٣٥٠ سورة البقرة : الآية ١٢٤ ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِيهِ ءَزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]، وكذلك في ((صحيح)) البخاري(١)، ولا تَناقُضَ في ذلك، على ما يأتي في ((الأنعام)) بيانُه إن شاء الله تعالى(٢). وكان له أربعُ بنين: إسماعيل، وإسحاق، ومَذْين، ومدائن، على ما ذكره السُّهيلي(٣). وقُدِّم على الفاعل للاهتمام، إذْ كونُ الربِّ تبارك وتعالى مُبتلياً معلومٌ، وكونُ الضمير المفعول في العربية متَّصلاً بالفاعل مُوجِبٌ تقديمَ المفعول، فإنَّما بُني الكلامُ على هذا الاهتمام(٤)، فاعلمه. وقراءةُ العامَّة: (إبراهيم)) بالنَّصب، ((رَبُّه)) بالرفع على ما ذکرنا. ورُوي عن جابر بن زيد (٥) أنَّه قرأ على العكس، وزَعَم أنَّ ابنَ عباس أقرأه كذلك، والمعنى: دعا إبراهيمُ ربَّه(٦) وسأل، وفيه بُعْدٌ لأجل الباء في قوله: ((بِكلماتٍ)). الثانية: قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ الكلمات جمع كلمة، ويَرجِعُ تحقيقُها إلى كلام الباري تعالى، لكنه عبَّر عنها عن الوظائف التي كُلِّفَها إبراهيمُ عليه السلام، ولمَّا كان تكليفُها بالكلام سُمِّيَتْ به، كما سُمِّيَ عيسى كلمةً، لأنَّه صَدَرَ عن كلمة، وهي: (كُنْ)). وتسمية الشيءٍ بمقدِّمته أحدُ قِسْمي المجاز. قاله ابنُ العربي (٧). الثالثة: واختلف العلماءُ في المُراد بالكلمات على أقوال: أحدها: شرائع الإسلام؛ وهي ثلاثون سَهْماً، عَشَرٌ منها في سورة براءة: ﴿التَِّبُونَ الْعَيِدُونَ﴾ [١١٢] إلى آخرها، وعَشَرةٌ في ((الأحزاب)): ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ (١) رقم (٣٣٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: ((يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبره ... )) الحديث. (٢) في تفسير الآية (٧٤). (٣) الروض الأنف ١٥/١، وليس فيه من اسمه مدائن. (٤) المحرر الوجيز ٢٠٥/١. (٥) هو أبو الشعثاء، الأزدي، يعدُّ مع الحسن وابن سيرين، وهو من كبار تلامذة ابن عباس. توفي سنة (٩٣هـ). السير ٤٨١/٤. (٦) القراءات الشاذة ص٩. وذكرها الزمخشريُّ في كشّافه ٣٠٨/١، ونسبها لأبي حنيفة وابن عباس رضي الله عنهما، والرازيُّ في تفسيره ٤/ ٤٠، ونسبها لابن عباس وأبي حيوة. (٧) في أحكام القرآن ٣٦/١، وفيه: لكنه عبرَّ بها عن الوظائف ... ٣٥١ سورة البقرة : الآية ١٢٤ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ [٣٥] إلى آخرها، وعَشَرةٌ في ((المؤمنون)): ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِيْنَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [١ -٩]، وقوله في ((سأل سائل)): ﴿إِلَّا الْمُصَلِينَ﴾ [٢٢] ١٣٤ إلى قوله: ﴿وَالََِّ هُ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِظُونَ قال ابنُ عباس رضي الله عنهما: ما ابتَلَى الله أحداً بهنَّ، فقام بها كلِّها إلا إبراهيمُ عليه السلام، ابْتُلي بالإسلام فأتمَّه، فكتب الله له البراءةَ، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ اُلَّذِى وَفََّ﴾(١) [النجم: ٣٧]. وقال بعضهم: بالأمر والنهي(٢)، وقال بعضهم: بِذَبْح ابنهِ (٣)، وقال بعضهم: بأداء الرسالة، والمعنى مُتَقارب. وقال مجاهد: هي قوله تعالى: إني مُبتليك بأمر، قال: تجعلني للناس إماماً؟ قال: نعم. قال: ومِنْ ذُرّيَّتي؟ قال: لا ينال عَهْدي الظالمين، قال: تجعل البيت مثابةً للناس؟ قال: نعم. قال: وأَمْناً؟ قال: نعم. قال: وتُرِينا مناسِكَنا، وتتوبُ علينا؟ قال: نعم. قال: وترزقُ أهلَه من الثمرات؟ قال: نعم. وعلى هذا القولِ فالله تعالى هو الذي أتمَّ (٤). وأصحُّ مِن هذا ما ذكره عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن ابن طاوس [عن أبيه]، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَبْثَلَّ إِرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ فَأَنَّهُنَّ﴾ قال: ابتلاه الله بالطهارة؛ خمسٌ في الرأس وخمسٌ في الجسد: قَصُّ الشارب، والمضمضةُ، والاستنشاقُ، والسّواكُ، وفَرْقُ الشّعر. وفي الجسد: تقليمُ(٥) الأظفار، وحَلْقُ العانة، والاختانُ، ونَتْفُ الإبْط، وغسلُ مكان الغائط والبول بالماء (٦). وعلى هذا القولِ، فالذي أتَمَّ هو إبراهيم(٧)، وهو ظاهرُ القرآن. (١) أخرجه الطبري ٤٩٨/٢، وانظر النكت والعيون ١٨٢/١-١٨٣. (٢) ذكر نحوه الرازي ٤/ ٤١. (٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١ / ٥٧، والطبري ٥٠٦/٢، وأورده الرازي ٤/ ٤٢ عن الحسن البصري مطولاً. (٤) المحرر الوجيز ٢٠٦/١، والنكت والعيون ١٨٣/١-١٨٤. وأخرج قول مجاهد الطبري ٢/ ٥٠١-٥٠٢، وابن أبي حاتم ٣٦٢/١-٣٦٣ بأطول منه. (٥) في (خ) و(د) و(ز): قص. (٦) تفسير عبد الرزاق ٥٧/١، وأخرجه من طريقه الطبري ٤٩٩/٢ وما بين حاصرتين منهما. (٧) المحرر الوجيز ٢٠٦/١. ٣٥٢ سورة البقرة : الآية ١٢٤ وروى مَطَرٌ عن أبي الجَلْد أنها عَشْرٌ أيضاً، إلا أنَّه جَعَلَ موضعَ الفرق(١) غسلَ البراجم، وموضعَ الاستنجاء الاستحدادَ(٢). وقال قتادة: هي مناسكُ الحجّ خاصّة(٣). الحسن: هي الخلال السِّت: الكوكب، والقمر، والشَّمس، والنَّار، والهجرة، والخِتان(٤). قال أبو إسحاق الزجاج: وهذه الأقوالُ ليست بمتناقضة؛ لأنَّ هذا كلَّه مما ابتُلي به إبراهيم عليه السلام(٥). قلتُ: وفي ((الموطأ)) وغيره عن يحيى بن سعيد أنه سمعَ سعيدَ بنَ المسيِّب يقول: إبراهيم عليه السلام أوَّلُ مَنِ اختتن، وأوَّلُ مَنْ أضافَ(٦) الضَّيف، وأوَّلُ مَن استحدَّ، وأوَّلُ مَنْ قلَّم الأظفار، وأوَّلُ مَنْ قصَّ الشَّارب، وأوَّلُ مَنْ شابَ، فلما رأى الشَّيْبَ قال: ما هذا؟ قال: وقار، قال: ياربِّ، زِدْني وَقاراً(٧). وذكر أبو بكر بنُ أبي شيبة عن سَعْد (٨) بنِ إبراهيم، عن أبيه قال: أوَّلُ مَنْ خَطَبَ على المنابر إبراهيمُ خليلُ الله (٩). قال غيره: وأوَّلُ مَنْ ثَرَدَ الثَّريد (١٠)، وأوَّلُ (١) في (ز): فرق الشعر. (٢) أخرجه الطبري ٥٠٠/٢، لكن ليس عنده ذكر الاستحداد موضع الاستنجاء كما ذكر المصنف. مطر: هو ابن طهمان الورَّاق، وأبو الجلد: هو جيلان بن أبي فروة. وسيذكر المصنف معنى البراجم في المسالة العاشرة، ومعنى الاستحداد في المسألة التاسعة. (٣) المحرر الوجيز ٢٠٦/١، والنكت والعيون ١٨٤/١، ولم يسمِّ ابن عطية قتادة، وأخرجه الطبري ٥٠٣/٢_٥٠٤ من رواية قتادة عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٤) المحرر الوجيز ٢٠٦/١، والنكت والعيون ١٨٤/١، وأخرجه الطبري ٥٠٥/٢_٥٠٦. (٥) معاني القرآن ١/ ٢٠٥ للزجاج، وليس فيه، قوله: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة. (٦) في النسخ الخطية: ضاف، والمثبت من (م). (٧) الموطأ ٩٢٢/٢، ومصنف ابن أبي شيبة ٥٢٢/١١ ٦٩/١٤. وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد والبيهقي بإثر الحديث الموقوف عن أبي هريرة الذي سيذكره المصنف قريباً، ونذكر تخريجه ثمة. (٨) في (خ) و(د) و(ظ) و(م): سعيد، وهو خطأ، والمثبت من (ز) ومصادر الحديث. وهو سعد بن إبراهيم بن سعد. (٩) مصنف ابن أبي شيبة ٥٢٣/١١ ,٦٩/١٤. (١٠) أخرجه ابن أبي شيبة ٨٩/١٤ من قول الشُّدِّي. ٣٥٣ سورة البقرة : الآية ١٢٤ مَنْ ضربَ بالسيف، وأوَّلُ من استاك، وأوَّلُ من استنجى بالماء، وأوَّل من لَبِسَ السراويل(١). وروى معاذ بن جبل قال: قال النبيُّ وَِّ: ((إِنْ أَتَّخِذِ المنبرَ فقد اتَّخذه أبي إبراهيمُ وإنْ أَنَّخِذِ العصا، فقد اتَّخذَها أبي إبراهيمٌ»(٢). قلتُ: وهذه أحكامٌ يجب بيانُها والوقوفُ عليها والكلامُ فيها. فأوَّل ذلك الخِتانُ وما جاء فيه، وهي المسألة: الرابعة: أجمعَ العلماءُ على أنَّ إبراهيم عليه السلام أوَّلُ مَن اخْتَتَن (٣). واختُلِف في السِّنِّ التي اخْتَتَن فيها، ففي ((الموطأ)) عن أبي هريرة موقوفاً: ((وهو ابنُ مئةٍ وعشرين سنةً، وعاشَ بعد ذلك ثمانين سنةً))(٤). ومثل هذا لا يكون رَأْياً، وقد رواه الأزواعيّ مرفوعاً عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المُسيَّب، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((اختَتَن إبراهيمُ عليه السلام وهو ابنُ مئة وعشرين سنةً، ثم عاش بعد ذلك ثمانین سنةً)). ذكره أبو عمر (٥). ورُوي مسنداً مرفوعاً من غير رواية يحيى من وجوه: ((أنه اختَتَن حين بَلَغَ ثمانین سنةً، واختتن بالقَدُوم))، كذا في ((صحيح)) مسلم وغيره: ((ابن ثمانين سنة))، وهو (١) أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه ٨/ ٤٠٤ عن واصل مولى ابن عيينة قال: إن الله أوحى إلى إبراهيم: إنك أكرم الخلق عليّ، فإذا صليت فلا ترى الأرضُ عورتك، فاتخذَ سراويل. وانظر التمهيد ١٢/ ١٧١. (٢) أخرجه البزار في مسنده (٢٦٣٢)، والطبراني في الكبير ٢٠/ (٣٥٤)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١٨١، وقال: فيه موسى بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو ضعيف جداً. وقال أبو حاتم كما في علل الحديث ٢/ ٢٤١: حديث منكر، كأنه موضوع، وموسى ضعيف الحديث جداً. (٣) التمهيد ٥٩/٢١. (٤) كذا ذكره عن مالك ابنُ عبد البر في التمهيد ١٣٧/٢٣ من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة موقوفاً. وأخرجه أيضاً من هذه الطريق: البخاري في الأدب المفرد (١٢٥٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٦٤٠). وهو في الموطأ (برواية أبي مصعب الزهري) (١٩٢٩) مقطوع من قول سعيد بن المسیب. (٥) التمهيد ١٣٧/٢٣، والاستذكار ٢٤٤/٢٦. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٣٩١/٦: ووقع في الموطأ موقوفاً عن أبي هريرة، وعند ابن حبان مرفوعاً [٦٢٠٤] أن إبراهيم اختتن وهو ابن مئة وعشرين سنة. والظاهر أنه سقط من المتن شيء، فإن هذا القدر هو مقدار عمره. ٣٥٤ سورة البقرة : الآية ١٢٤ المحفوظُ في حديث ابن عَجْلان(١) وحديث الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَلَّ (٢). قال عكرمة: اختَتَن إبراهيمُ وهو ابنُ ثمانين سنة، قال: ولم يَطْفْ بالبيت بعدُ على مِلَّة إبراهيمَ إلا مَخْتُون، هكذا قال عكرمةُ، وقاله المُسيّبُ بن رافع(٣)، ذكره المَرْوَزِيّ(٤). و((القدوم)) يُروى مشدّداً ومُخفَّفاً. قال أبو الزِّناد: القَدُّوم مُشدَّداً: موضع(٥). الخامسة: واختلف العلماءُ في الخِتان، فجمهورُهم على أنَّ ذلك مِن مُؤَگّدات السُّنن، ومِن فِظْرة الإسلام التي لا يَسَعُ تركُها في الرجال. وقالت طائفة: ذلك فرض؛ لقوله تعالى: ﴿أَنِ أَتَّبِعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]؛ قال قتادة: هو الاختتان، وإليه مال بعضُ المالكيين(٦)، وهو قولُ الشافعي. واستدلَّ ابنُ سُريج (٧) على وجوبه بالإجماع على تحريم النَّظر إلى العَوْرة، وقال: لولا أنَّ الخِتان فرضٌ لما أُبِيحَ النَّظرُ إليها من المختون. وأُجيب عن هذا بأنَّ مثلَ هذا يُباح لمصلحةِ الجسم، كنظر الطبيب، والطّبُّ ليس بواجب إِجماعاً (٨) على ما يأتي في ((النحل))(٩) بيانُه إنْ شاء الله تعالى. (١) كذا في النسخ: ابن عجلان، وهو سبق قلم، فالذي يروي عن أبي هريرة أبوه عجلان، والرواية من طريق ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، وانظر التمهيد ٢٣/ ١٤٠. (٢) رواية الأعرج عن أبي هريرة عند أحمد (٨٢٨١)، والبخاري (٣٣٥٦)، ومسلم (٢٣٧٠)، ورواية عجلان عن أبي هريرة عند أحمد (٩٦٢٢)، وأخرجها البخاري تعليقاً بإثر رواية الأعرج. وانظر التمهيد ١٣٧/٢٣-١٤٠. (٣) أبو العلاء الأسدي، الكاهلي، الفقيه الكبير، الكوفي، قيل: توفي سنة (١٠٥ هـ). السير ١٠٣/٥. (٤) التمهيد ١٣٩/٢٣. والمروزي: هو محمد بن نصر بن الحجاج، أبو عبد الله الحافظ، توفي سنة (٢٩٤ هـ). السير ٣٣/١٤. (٥) صحيح البخاري پإثر الحديث (٦٢٩٨). (٦) التمهيد ٥٩/٢١. (٧) أحمد بن عمر، أبو العباس البغدادي، القاضي الشافعي، صاحب المصنفات، توفي سنة (٣٠٦هـ). السير ١٤/ ٢٠١. (٨) المفهم ٥١٤/١. (٩) في تفسير الآية (٦٩). ٣٥٥ سورة البقرة : الآية ١٢٤ وقد احتجَّ بعضُ أصحابنا بما رواه الحجَّاجُ بن أَرْطاة عن أبي المَلِيح، عن أبيه، عن شدَّاد بن أوس، أنَّ رسولَ اللهِوَله قال: ((الخِتان سُنَّةٌ للرجال، مَكْرُمَةٌ للنساء)»، والحجَّاج ليس ممن يُحتَجُّ به(١). قلت: أعلى ما يُحتجُّ به في هذا الباب حديثُ أبي هريرة عن النبيِّ بَِّ قال: ((الفِطْرةُ خمسٌ: الاختتان ... )) الحديث، وسيأتي(٢). وروى أبو داود عن أُمّ عطية، أنَّ امرأةً كانت تَخْتِنُ النساء في المدينة(٣)، فقال لها النبيُّ نَّهِ: ((لا تَنْهَكي، فإنَّ ذلك أخْظَى للمرأة، وأحبُّ للبعل)). قال أبو داود: وهذا الحديثُ ضعيفٌ، راويه مجهول(٤). وفي رواية ذكرها رَزين: ((ولا تَنْهَكي، فإنه أَنْوَرُ للوجه، وأَخْظَى عند الرجل)). السادسة: فإنْ وُلِدَ الصبيُّ مختوناً فقد كُفي مَؤونة(٥) الخِتان. قال الميموني(٦): قال لي أحمد: إنَّ هاهنا رجلاً وُلِدَ له وَلَدٌ مختونٌ، فاغتمَّ لذلك غَمَّا شديداً، فقلتُ له: إذا كان الله قد كفاك المؤونةَ، فما غمَّك بهذا(٧)؟! السابعة: قال أبو الفرج الجوزي: حُدِّثتُ عن كعب الأحبار قال: خُلق من الأنبياء ثلاثةَ عَشَرَ مختونین: آدمُ، وشِیٹ، وإدریس، ونوح، وسام، ولوط، ويوسف، وموسى، وشُعَيب، وسليمان، ويحيى، وعيسى، والنبيّ ◌َّر. (١) ينظر التمهيد ٥٩/٢١، والحديث أخرجه أحمد (٢٠٧١٩). أبو المليح: هو ابن أسامة بن عمير الهذلي، واسمه: عامر، وقيل: زید، وقيل: زياد. (٢) في المسألة الحادية عشرة، وسنذكر تخريجه هناك. (٣) في (د) و(م): بالمدينة. (٤) سنن أبي داود (٥٢٧١). قوله: لا تنهكي، أي: لا تُبالغي في استقصاء الختان. النهاية في غريب الحديث ١٣٧/٥. (٥) في (د) و(ظ) و(م): مؤنة (في الموضعين) وهما سواء. (٦) عبد الملك بن عبد الحميد، أبو الحسن الرَّقِّي، الحافظ، الفقيه، تلميذ الإمام أحمد، توفي سنة (٢٧٤ هـ). السير ٨٩/١٣. (٧) التمهيد ٢٠/٢١-٦١. ٣٥٦ سورة البقرة : الآية ١٢٤ وقال محمد بن حبيب الهاشميُّ(١): هم أربعةَ عشر: آدمُ، وشِيث، ونوح، وهود، وصالح، ولوط، وشُعیب، ويوسف، وموسى، وسليمان، وزكريا، وعيسى، وحنظلة بن صفوان نبيُّ أصحاب الرَّس، ومحمدٌ وَلّهِ وعليهم أجمعين. قلتُ: اختلفت الروايات في النبيِّ وَّيِ، فذكر أبو نُعيم الحافظ في كتاب ((الحِلْية)) بإسناده، أنَّ النبيَّ وَ﴿ وُلِدَ مختوناً (٢). وأسندَ أبو عمر في ((التمهيد))(٣): حدَّثنا أحمد بنُ محمد بن أحمد، حدَّثنا محمد بن عيسى، حدَّثنا يحيى بن أيوب بن بادي(٤) العلَّاف، حدَّثنا محمد بن أبي السَّريّ العَسْقَلاني، حدَّثنا الوليد بن مسلم، عن شعيب، عن عطاء الخُراسانيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّ عبد المطلب خَتَنَ النبيَّ وَّهِ يومَ سابعه، وجعل له مَأْدُبةً وسمَّاه محمداً. قال أبو عمر: هذا حديثٌ مُسْنَدٌ غريب. قال يحيى بن أيوب: طلبتُ هذا الحديثَ فلم أجده عند أَحد من أهل الحديث ممن لَقِيتُه إلا عند ابنٍ أبي السَّرِيّ. قال أبو عمر(٥): وقد قيل: إنَّ النبيّ وَّهِ وُلِدَ مختوناً. الثامنة: واختلفوا متى يُختَنُ الصبيُّ، فثبتَ في الأخبار عن جماعة من العلماء أنَّهم قالوا: خَتن إبراهيمُ إسماعيلَ لثلاثَ عَشْرَةَ سنة، وخَتن ابنَه إسحاقَ لسبعة أيام، (١) المحبّر ص١٣١، وانظر فيه أيضاً قول كعب الأحبار السالف. ومحمد بن حبيب: كان عالماً بالنسب وأخبار العرب، موثقاً في روايته. ويقال: إن حبيباً اسم أمه، توفي سنة (٢٤٥هـ). تاريخ بغداد ٢٧٧/٢. (٢) حلية الأولياء ٢٤/٣ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً، ولفظه: ((من كرامتي على ربي عز وجل أني ولدت مختوناً، ولم ير أحد سواتي)). قال أبو نعيم: غريب من حديث يونس عن الحسن، لم نكتبه إلا من هذا الوجه. وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية ١٧١/١. وقال الحاكم في المستدرك ٦٠٢/٢: وقد تواترت الأخبار أن رسول الله وَ ل﴿ ولد مختوناً مسروراً. وقد تعقّبه الذهبي في التلخيص بقوله: ما أعلم صحة ذلك، فكيف متواتراً؟ !. وقال ابن القيم في زاد المعاد ٨١/١: وليس فيه حديث ثابت، وليس هذا من خواصّه، فإن كثيراً من الناس يولد مختوناً. وقال المناوي في فيض القدير ٦/ ١٦ -١٧: قال الزين العراقي عن ابن العديم: أخبار ولادته مختوناً ضعيفة، بل لم يثبت فيه شيء. (٣) ٦١/٢١، وهو أيضاً في الاستيعاب ١٠٠/١-١٠١ (بهامش الإصابة). (٤) في النسخ الخطية: بن زياد، وهو خطأ، والمثبت من التمهيد والاستيعاب. (٥) الاستيعاب ١/ ١٠٠-١٠١ (بهامش الإصابة). ٣٥٧ سورة البقرة : الآية ١٢٤ ورُويَ عن فاطمةَ أنَّها كانت تَخْتِنُ ولدَها يومَ السابع، وأنكر ذلك مالك، وقال: ذلك من عمل اليهود. ذكره عنه ابنُ وهب. وقال اللّيث بنُ سعد: يُختنُ الصبيُّ ما بين سبع سنين إلى عشر، ونحوَه روى ابنُ وَهْب عن مالك، وقال أحمد: لم أسمع في ذلك شيئاً(١). وفي البخاريّ عن سعيد بن جُبير قال: سُئل ابنُ عباس: مِثْلُ مَن أنت حين قُبِضَ رسولُ اللهِ وَل﴿؟ قال: أنا يومئذ مختونٌ. قال: وكانوا لا يَخْتِنُون الرجلَ حتى يُدْرِكَ، أو يُقاربَ الاحتلام(٢). واستَحبَّ العلماء في الرجل الكبير يُسلم أنْ يختتن، وكان عطاء يقول: لا يَتِمُّ إسلامُه حتى يختتن، وإنْ بلغَ ثمانين سنةً، ورُوي عن الحسن أنَّه كان يُرخِّص للشيخ الذي يُسلم ألا يختتن، ولا یری به بأساً ولا بشهادته وذبيحته وحجِّه وصلاته. قال ابن عبد البر(٣): وعامَّةُ أهل العلم على هذا، وحديثُ بُرَيْدة(٤) في حجِّ الأَغْلِف لا يثبت، ورُويَ عن ابنِ عباس وجابرِ بنِ زيد وعكرمةَ: أنَّ الأَغْلفَ لا تُؤْكَلُ ذبيحتُه، ولا تجوزُ شهادتُه(٥). التاسعة: قوله: ((وأوّلُ مَنِ استحدَّ) فالاستحداد: استعمالُ الحديد في حَلْق العانة. ورَوَتْ أمُّ سَلَمة أنَّ النبيَّ وَّهِ كان إذا الظَّلَى وَلِيَ عانتَه بيده(٦). (١) ينظر التمهيد ٦٠/٢١-٦١. (٢) صحيح البخاري (٦٢٩٩)، وليس فيه: أو يقارب الاحتلام. (٣) التمهيد ٦٢/٢١، والكلام الذي قبله منه. (٤) كذا في النسخ الخطية: بريدة، وفي التمهيد: يزيد، ولعل الصواب: أبو برزة، فقد أخرجه أبو يعلى في مسنده (٧٤٣٣) من حديثه مرفوعاً قال: سألوا رسول الله وَل﴿ عن رجل أقلفَ، أيحجُّ بيت الله ؟ قال: :((لا ، نهاني الله عزَّ وجلَّ عن ذلك حتى يختتن)). وأورده النووي في المجموع ٤٧/٧ (ووقع فيه: أبو بردة) بلفظ: ((لا يحج الأغلف حتى يختن)) وضعّفه، ونقل عن ابن المنذر قوله فيه: هذا الحديث لا یثبت، وإسناده مجهول. (٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٣٩/٧ من طريق جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٦) أخرجه ابن ماجه (٣٧٥٢)، والبيهقي ١٥٢/١. قال البوصيري في مصباح الزجاجه ١٢١/٤-١٢٢: هذا إسناد رجاله ثقات، وهو منقطع، حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أم سلمة. قاله أبو زرعة. ٣٥٨ سورة البقرة : الآية ١٢٤ وروى ابنُ عباس أن رجلاً طَلَى رسولَ الله حتى إذا بلغَ إلى عانته قال له: ((اخْرُجْ عنّي)) ثم طَلَى عانتَه بيده(١). وروى أنس أنَّ النبيَّ وَ ل﴿ كان لا يتَنَوَّر، وكان إذا كَثُر الشعر على عانته (٢) حَلَقِهِ(٣). قال ابن خُوَيْزِ مَنداد: وهذا يدلُّ على أنَّ الأكثر من فعله كان الحَلْقِ، وإنما تنوَّر(٤) نادراً، ليصحَّ الجمعُ بين الحديثين. العاشرة: في تقليم الأظفار. وتقليم الأظفار: قَصُّها، والقُلامة ما يُزال منها. وقال مالك: أُحبُّ للنساء من قصِّ الأظفار وحَلْق العانة مثل ما هو على الرجال. ذكره الحارثُ بن مسكين(٥) وسُحْنُون عن ابن القاسم(٦). وذكر الترمذي الحكيم في ((نوادر الأصول))(٧) له - الأصل التاسع والعشرون -: حذَّثنا عمر بن أبي عمر قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن العلاء الزُّبيدي، عن عمر بن بلال الفَزَاريّ، قال: سمعتُ عبدَ الله بن بُسْر(٨) المازنيّ يقول: قال رسولُ اللهِ وَلٍّ : ((قُصُّوا أظافيرَكم، وادفنوا قُلاماتِكم، ونَقُوا برَاجِمَكم، ونَظّفُوا لئَاتِكم من الطعام، وتَسَّنوا، ولا تدخلوا عليَّ قُخْراً بُخْراً)(٩) ثم تكلّم عليه فأحسن. (١) أخرجه أبو داود في المراسيل (٤٦٩) بنحوه عن أبي معشر زياد بن كليب الحنظلي الكوفي مرسلاً. ولم نقف علیه من قول ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) في (خ) و(ظ) ونسخة على هامش (ز): جسده. (٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٥٢، وقال ابن حجر في فتح الباري ٣٤٤/١٠: سنده ضعيف جداً. (٤) في (ز) و(ظ): يتنور. (٥) أبو عمرو، الفقيه الحافظ، قاضي القضاة بمصر، حمل عن عبد الله بن وهب وابن القاسم، وتفقّه بهما، توفي سنة (٢٥٠هـ). السير ٥٤/١٢. (٦) التمهيد ٦١/٢١. (٧) ص٤٥. (٨) في النسخ الخطية و(م) ونوادر الأصول: عبد الله بن بشر، وهو خطأ. (٩) في (ظ) زيادة: قُلْحاً. والخبر ضعيف جداً؛ رواته الثلاثة مجهولون، انظر فيض القدير ٥١٨/٤. ٣٥٩ سورة البقرة : الآية ١٢٤ قال الترمذيُّ(١): فأمَّا قَصُّ الأظفار، فمن أجل أنه يَخْدِشُ ويَخْمِشُ ويضرُّ، وهو مُجتَمع الوَسخ، فربّما أجنبَ، ولا يصلُ الماءُ إلى البَشَرة من أجل الوسخ، فلا يزال جُنُباً، ومن أجنب فبقيَ موضعُ إبرة من جَسَده بعد الغسل غيرَ مغسول فهو جُنُب على حاله حتى يعمَّ الغسلُ جسدَه كلَّه، فلذلك نَدَبَهم إلى قصّ الأظافير(٢). والأظافير جمع الأُظفور، والأظفار جمع الّفر. وفي حديث رسول الله وَ له حيثُ سَها في صلاته فقال: ((ومالي لا أَوْهَمُ ورُفْغُ أحدِكم بين ظفره وأَنْمَلتِهِ، ويسألُني أحدُكم عن خبر السماء وفي أظافيره الجنابةُ والتَّفَك))(٣). وذَكر هذا الخبر، أبو الحسن عليُّ بن محمد الطبريّ - المعروف بالكِيًا - في ((أحكام القرآن)) له، عن سليمان بن فَرَج (٤) أبي واصل قال: أتيتُ أبا أيوب رضي الله عنه، فصافحتُه، فرأى في أظفاري طُولاً، فقال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَ ﴿ يسألُه عن خبر السماء، فقال: ((يَجيءُ أحدُكم يسألُ عن خبر السماء وأظفارُه كأظفار الطير حتى يجتمع فيها الوَسَخُ والتَّفَٹ))(٥). وأما قوله: ((ادفنُوا قُلاماتِكم)) فإنَّ جسدَ المؤمن ذو حُرمة، فما سقطَ منه وزالَ عنه، فحظّه(٦) من الحُرمة قائم (٧)، فيحقُّ عليه أنْ يدفنه، كما أنَّه لو مات دُفن، فإذا مات بعضُه، فكذلك أيضاً تقامُ حرمتُه بدفنه، كي لا يتفرَّق، ولا يقعَ في النار، أو في (١) يعني الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول. (٢) في (د) و(ظ) و(م): الأظفار. (٣) نوادر الأصول ص ٤٥. قوله: الرفع، يعني: وسخ الظفر. النهاية ٢٢٤/٢. (٤) كذا وقع في النسخ وأحكام القرآن للكيا الطبري ١٤/١، وهو خطأ، والصواب سليمان بن فُرُّوخ، ذكره ابن حبان في الثقات ٣٩١/٦، وذكره ابنُ حجر في لسان الميزان ٦٦/٣، وسماه سلمان، وقال: لا يعرف. (٥) أحكام القرآن ١٤/١، وأخرجه أحمد (٢٣٥٤٢)، والحديث ضعيف لجهالة أبي واصل كما سلف ذكره، ثم إنه مرسل، فأبو أيوب - وهو العتكي الأزدي - من التابعين، وليس بأبي أيوب الأنصاري الصحابي رضي الله عنه، انظر مسند أحمد (٢٣٥٤٢)، والعلل ٢٨٨/٢ لابن أبي حاتم، والسنن الكبرى للبيهقي ١٧٥/١-١٧٦. (٦) في (م): فحفظه. (٧) نوادر الأصول ص٤٥. ٣٦٠ سورة البقرة : الآية ١٢٤ مزابلَ قذرة. وقد أمرَ رسولُ اللهِوَل﴿ بدفن دمه حيثُ احتجَم كي لا تبحث عنه الكلاب؛ حدَّثنا بذلك أبي رحمه الله تعالى(١) قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل قال: حدَّثنا الهنيد(٢) بن القاسم بن عبد الرحمن بن ماعز قال: سمعت عامرَ بنَ عبد الله بن الزبير أنَّ(٣) أباه حدَّثه أنَّه أتى رسولَ الله وَ له، وهو يحتجم، فلما فرغ قال: (يا عبد الله، اذهب بهذا الدم فأهْرِقه حيث لا يراك أحد)). فلما برز عن رسول الله وَّه عمد إلى الدم فشربه، فلما رجع قال: ((يا عبد الله، ما صنعت به؟)). قال: جعلتُه في أخفى مكان ظننت أنَّه خافٍ (٤) عن الناس. قال: ((لعلك شربته؟)) قال: نعم. قال: ((لَمَ شربتَ الدمَ؟! [وَيْلٌ للناس منك و] ويلٌ لك من الناس))(٥). حدثني أبي قال: حدثنا مالك بن سليمان الهرويّ قال: حدّثنا داود بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله وَل يأمر بدفن سبعة أشياءَ من الإنسان: الشعرِ، والظّفرِ، والدَّم، والحَيْضَة، والسنّ، والقَلَفة، والمشيمة(٦). وأما قوله: (نَقُّوا بَراجِمَكم)) فالبَراجِمُ تلك الغضون من المفاصل، وهي مَجْمَع (٧) الدَّرَن واحِدُها بُرْجُمة، وهو ظَهْرُ عُقدةِ كلِّ مَفصِل، فظهرُ العُقدةِ يسمَّى بُرْجُمة، وما بين العقدتين تسمى راجِبة، وجمعها رواجب، وذلك مما يلي ظهرها، وهي قصبة الأصبع، (١) القائل هو الحكيم الترمذي، وكذلك في الخبر الذي سيورده المصنف بعده. (٢) في (ز) و(د): الهند. (٣) في (م): يقول: إن. (٤) في النسخ الخطية و(م): خافياً، وهو خطأ. (٥) نوادر الأصول ص٤٥، ومابين حاصرتين منه ومن مصادر الحديث، وأخرج الحديث أيضاً البزار (٢٤٣٦) (زوائد)، والحاكم ٥٥٤/٣، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٣٠. وهنيد بن القاسم مجهول فلم يذكروا في الرواة عنه غير موسى بن إسماعيل، وذكره ابن حبان في الثقات ٥١٥/٦ على عادته في توثيق المجاهيل، وسينقل المصنف عن الحكيم الترمذي معاني ألفاظه. (٦) في (خ) و(د) و(م): البشيمة، ولم تجوّد اللفظة في (ظ). والحديث في نوادر الأصول ص٤٥، ومالك بن سليمان الهروي؛ قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/ ٤٢٧: تكلم فيه ابن حبان، وقال العقيلي: يروي مناكير. وأورد السيوطي الحديث في الجامع الصغير ٣١٥/٢، وضعّفه. (٧) في (د) و(م): مجتمع.