النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وقال ابن خُواز مَنْدَادُ(١): فأمَّا إذا كان ذِمِّاً فقد اختلفت الروايةُ عن مالك؛ فقال
مَرّةً: يُستتاب وتويتُه الإسلام. وقال مَرّةً: يُقتل وإن أسلم. فأما الحريِيُّ فلا يقُتلُ إذا
تاب، وكذلك قال مالك في ذمِّيٍّ سبَّ النبيَّ وَّهِ: يُستتابُ وتوبتُه الإسلام. وقال مَرَّةً:
يُقتَلُ ولايُستتاب، كالمسلم.
وقال مالكٌ أيضاً في الذِّمِّيِّ إذا سَحَر: يُعاقبُ إلا أن يكون قَتل بسحره، أو
أحدث حَدثاً، فيؤخذُ منه بقَدَرِه. وقال غيره: يُقتل؛ لأنه قد نقضَ العهد.
ولا يرث الساحرَ ورثتُه؛ لأنه كافر إلا أن يكون سِحْره لا يُسمَّى كفراً (٢).
وقال مالك في المرأة تَعقِدُ زوجَها عن نفسها أو عن غيرها: تُتَكَّل ولا تُقتل(٣).
الثالثة عشرة: واختلفوا هل يُسألُ الساحرُ حَلَّ السحر عن المسحور؟ فأجازَه
سعيد بنُ المسيِّب على ما ذكره البخاري (٤)، وإليه مالَ المُزَنِيُّ، وكرهَه الحسنُ
البصريّ(٥). وقال الشّعبيّ: لا بأس بالنُّشْرة(٦).
قال ابن بَطَّال: وفي كتاب وَهْب بنِ مُنَّه: أن يأخذَ سبعَ وَرَقات من سِدْرٍ أخضرَ،
فيدقَّه بين حجرَيْن، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه(٧) آية الكرسيِّ، ثم يَحْسُو منه ثلاثَ
حَسَوات، ويغتسل به، فإنه يَذهبُ عنه كلُّ ما به إن شاء الله تعالى، وهو جيد للرجل
إذا حُبس عن أهله(٨).
(١) في (م): خويز منداد، وانظر ١/ ١٨٠.
(٢) ينظر النوادر والزيادات ٥٣٢/١٤-٥٣٥، والمنتقى شرح موطأ مالك للباجي ١١٧/٧-١١٨.
(٣) الاستذكار ٢٤٤/٢٥.
(٤) في باب هل يستخرج السحر، قبل الحديث (٥٧٦٥).
(٥) المفهم ٥/ ٥٧٥، وأخرج أبو داود في المراسيل (٤٥٣) من طريق أبي رجاء قال: سألتُ الحسن عن
النُّشْرة - وهي ضَرْبٌ من الرُّقية يُعالَج بها مَنْ كان يُظَنُّ به مَسُّ الجنّ - فقال: ذُكر لي عن النبي وَلّ أنه
قال: ((إنَّها من عمل الشيطان)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٩٧٦٣)، وسيذكر المصنف النُّشرة بأوسع مما هنا عند تفسير الآية
(٨٢) من سورة الإسراء.
(٧) في (د) و(م): عليه .
(٨) ذكره عبد الرزاق في مصنفه ١٣/١١ عن وهب بن منبه. وانظر فتح الباري ٢٣٧/١٠.

٢٨٢
سورة البقرة : الآية ١٠٢
الرابعة عشرة: أنكر مُعظم المعتزلة الشياطينَ والجنّ، ودلَّ إنكارُهم على قلّةٍ
مبالاتهم، ورَكاكةٍ دياناتهم، وليس في إثباتهم مستحيلٌ عقليّ، وقد دلَّتْ نصوص
الكتاب والسُّنة على إثباتهم، وحَقُّ على اللبيب المعتصم بحبل الله أن يُثبتَ ما قضى
العقلُ بجوازه، ونصّ الشّرع على ثبوته (١)؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ
كَفَرُوا﴾، وقال: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوُصُونَ لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٢] إلى غير ذلك من
الآي، وسورة الجنّ تقضي بذلك، وقال عليه السلام: ((إن الشيطانَ يجري من ابن
آدَمَ مَجْرَى الدَّم)»(٢). وقد أنكرَ هذا الخبرَ كثيرٌ من الناس، وأَحالُوا رُوحَيْنٍ في
جَسَد، والعقلُ لا يُحيلُ سُلُوكَهم في الإنس إذ(٣) كانت أجسامُهم رقيقةً بسيطة على
ما يقولُه بعضُ الناس بل أكثرُهم، ولو كانوا كِثافاً لصَّ ذلك أيضاً منهم، كما يصحُ
دخولُ الطعام والشراب في الفراغ من الجسم، وكذلك الدِّيدان قد تكونُ في بني آدم
وهي أحياء.
الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ ((ما)) نفي، والواو للعطف
على قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ﴾ وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزلَ جبريل وميكائيل
بالسِّخْر، فنفَى الله ذلك (٤). وفي الكلام تقديمٌ وتأخير، التقدير: وما كفرَ سليمان، وما
أُنزل على المَلَكين، ولكنَّ الشياطينَ كفروا يُعلِّمون الناسَ السحرَ ببابلَ هاروتَ
وماروتَ. فهاروت وماروت بدلٌ من الشياطين في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُوا﴾(٥).
هذا أوْلَى ما حُملت عليه الآية من التأويل، وأصحّ ما قيل فيها، ولا يُلتفتُ إلى سواه (٦).
(١) الإرشاد للجويني ص٢٧٢.
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٣٩)، ومسلم (٢١٧٥)، وفيه قصة، وهي أن صفيةً زوجَ النبيِوَالْ أَتَّتْه وهو
معتكف، فلما رجعت مشى معها، فأبصره رجل من الأنصار، فلما أبصره دعاه، فقال: ((تعال، هي
صفية، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)) قال أبو العباس القرطبي في المفهم ٥٠٥/٥ :
الأكثر على أن معنى هذا الحديث الإخبار عن ملازمة الشيطان للإنسان، واستيلائه عليه بوسوسته
وإغوائه، وحرصه على إضلاله، وإفساد أحواله، فيجبُ الحذر منه، والتحرُّزُ من حيله، وسدُّ طرق
وسوسته وإغوائه، وإن بعدت.
(٣) في (د) و(م): إذا .
(٤) المحرر الوجيز ١٨٦/١.
(٥) تفسير الطبري ٣٣١/٢.
(٦) في (ظ): إلى ما سواه.

٢٨٣
سورة البقرة : الآية ١٠٢
فالسحر من استخراج الشياطينِ للطافةِ جوهرهم، ودِقّةِ أفهامهم، وأكثرُ ما
يَتعاطاه من الإنس النساءُ، وخاصّةً في حال طَمْئِهِنَّ؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ
التَّفَشَتِ فِى الْعُقَدِ﴾، وقال الشاعر:
أعوذ بربِّي من النَّافئات(١)
السادسة عشرة: إن قال قائل: كيف يكون اثنانٍ بدلاً من جمع، والبدلُ إنما يكون
على حدِّ المبدَل منه؟ فالجواب من وجوه ثلاثة:
الأوّل: أن الاثنين قد يُطلق عليهما اسمُ الجمع، كما قال تعالى: ﴿فَإِنِ كَانَ لَهُ
إِخْوَةٌ فَلِأُقِهِ السُّدُّسُِّ﴾ [النساء: ١١] ولا يحجُبُها عن الثلث إلى السُّدُس إلا اثنان من
الإخوة فصاعداً، على ما يأتي بيانُه في ((النساء))(٢).
الثاني: أنهما لمّا كانا الرأسَ في التعليم، نَصَّ عليهما دون أتباعهما، كما قال
تعالى: ﴿عَلَّهَا تِسْعَةَ عَثَرَ﴾ [المدثر: ٣٠].
الثالث: إنما خُصَّا بالذِّكْر من بينهم لِتَمرُّدِهما، كما قال تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخْلٌ
وَانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وقوله: ﴿وَجِبِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وهذا كثيرٌ في القرآن
وفي كلام العرب، فقد ينصُّ بالذكر على بعض أشخاص العموم، إمّا لشرفه وفضله(٣)،
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلى النَّاسِ بِإِنََّهِيمَ لَلَّذِينَ أَثَّبَعُوهُ وَهَذَا النَِّىُّ﴾ [آل عمران: ٦٨] وقولهِ:
﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾، وإما لِطِيبِه، كقوله: ﴿فَكِهَةُ وَخْلٌ وَرَانٌ﴾، وإمَّا لأكثرِيَّتِه،
كقوله ◌َ له: (جُعِلَتْ ليَّ الأرضُ مسجداً وتُربتُها طَهُوراً))(٤)، وإمّا لتمرُّدِه وعُتُوِّه كما في
هذه الآية، والله تعالى أعلم.
(١) وتمامه: في عِضَهِ العَاضِهِ المُعْضِهِ، وسلف ٢/ ٢٧٣.
(٢) في تفسير الآية (١٣) منها.
(٣) في (د) و(م): إما لشرفه وإما لفضله، وفي (ظ): إما لشرفه وفضيلته، والمثبت من (خ) و(ز).
(٤) أخرجه أحمد (١٤٢٦٣)، والبخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر رضي الله عنه، وأحمد
(٧٢٦٦)، ومسلم (٥٢٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. دون قوله: ((وتربتها)). وأخرجه أيضاً
مسلم (٥٢٢) من حديث حذيفة رضي الله عنه بنحو لفظ المصنف. وأخرجه أيضاً أحمد (٢٧٤٢)
و(٧٠٦٨) و(١٩٧٣٥) و(٢١٢٩٩) من حديث ابن عباس وابن عمرو وأبي موسى وأبي ذر رضي الله
عنهم (علی الترتیب) دون قوله: ((وتربتها)).

٢٨٤
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وقد قيل: إنَّ ((ما)) عطفٌ على السِّحر، وهي مفعولة، فعلى هذا يكون ((ما)) بمعنى
((الذي))، ويكون السحر منزلاً على الملكين فتنةً للناس وامتحاناً (١)، ولله أن يمتحنَ
عبادَه بما شاء، كما امتحنَ بنهر طالوت، ولهذا يقول المَلكان: إنما نحن فتنةٌ، أي:
مِحْنَةٌ من الله، نخبرُك أن عَملَ الساحر كُفرٌ، فإن أطعتَنا نجَوْتَ، وإن عصیْتَنا
هلكت(٢).
وقد روي عن عليٍّ وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار والسُّدِّي
والكلبي ما معناه: أنه لما كثُر الفسادُ من أولاد آدم عليه السلام - وذلك في زمن
إدريس عليه السلام - عَيَّرتْهمُ الملائكة، فقال الله تعالى: أما إنكم لو كنتم مكانَهم،
ورَكَّبتُ(٣) فيكم ما رَكَّبتُ فيهم، لَعَمِلْتُم مثل أعمالهم، فقالوا: سبحانك! ما كان
ينبغي لنا ذلك، قال: فاختاروا مَلَكّين من خياركم، فاختاروا هاروت وماروت،
فأنزلهما الله إلى الأرض، فرَّبَ فيهما الشَّهوةَ، فما مرَّ بهما شهرٌ حتى فُتِنا بامرأة
اسمُها بالنَّبطية: (بَيْدَخْت))، وبالفارسية ((ناهيد))(٤)، وبالعربية: ((الزُّهَرَة))، اختصمت
إليهما، وراوداها عن نفسها، فأبَتْ إلا أن يدخُلا في دينها، ويشربا الخمرَ، ويقتلا
النفسَ التي حرَّمَ الله ، فأجاباها، وشربا الخمر، وألمًّا بها؛ فرآهما رجلٌ، فقتلاه،
وسألَّتْهما عن الاسم الذي يصعدانٍ به إلى السماء فعلَّماها، فتكلَّمت به، فعَرَجت
فمُسِخت كوكباً(٥).
وقال سالم عن أبيه عبد الله (٦): فحدّثني كعب الحَبْرُ أنهما لم يستكملا يومهما
حتى عَمِلا بما حَرّم الله عليهما. وفي غير هذا الحديث: فخُيِّرا بین عذاب الدنيا
(١) المحرر الوجيز ١٨٦/١.
(٢) الوسيط للواحدي ١٨٥/١.
(٣) في (ظ): وركبتم، وهو خطأ.
(٤) في (د) و(م): ناهيل، وفي (ظ): ياهند، والمثبت من (خ) و(ز).
(٥) قصة باطلة، وفي متنها نكارة، وهي من قصص كعب الأحبار فيما نقله عن كتب بني إسرائيل، كما هو
مصرح به في تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٣-٥٤، وعنه الطبري ٣٤٣/٢-٣٤٤، وذكر ابن كثير في البداية
والنهاية ٠٣٧/١-٣٨ أن هذه الأخبار من خرافات بني إسرائيل التي لايُعوَّلُ عليها.
(٦) في (ز): سالم بن عبد الله فحدثني، وفي (م): سالم عن أبيه عن عبد الله، وهو خطأ، والمثبت من
(خ) و(د) و(ظ).

٢٨٥
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما يُعذَّبان ببابلَ، في سَرَب من الأرض.
قيل: بابل العراق. وقيل: بابل نهاوند(١).
وكان ابن عمر فيما يُروَى عن عطاء أنه كان إذا رأى الزُّهَرة وسُهيلاً سبّهما
وشتمهما؛ ويقول: إن سُهَيْلاً كان عَشَّاراً باليمن يَظلم الناس، وإن الزُّهَرة كانت
صاحبةَ هاروت وماروت(٢).
قلنا: هذا كلّه ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيرِهِ، لا يصحُّ منه شيء؛ فإنه قول
تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناءُ الله على وَخيه، وسُفراؤه إلى رسله ﴿لَّا
يَعْصُونَ اَللَّهَ مَآ أَمَّرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ لَا
يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] ﴿يُسَبِّحُونَ أَلَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ لَا
يَفْتُّرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. وأما العقلُ؛ فلا يُنكِرُ وقوعَ المعصية من الملائكة، ويُوجَد
فيهم (٣) خِلاف ما كُلِّفُوه، وتخلق فيهم الشهوات؛ إذْ في قدرة الله تعالى كلُّ موهوم؛
ومن هذا خوفُ الأنبياء والأولياء الفضلاء العلماء، لكن وقوعُ هذا الجائز لا يُدرَك
إلا بالسمع ولم يصحّ. ومما يدلّ على عدم صحَّتِه أن الله تعالى خلق النجوم وهذه
الكواكب حين خلق السماء؛ ففي الخبر: أنّ السّماءَ لمّا خُلِقَتْ، خُلق فيها سبعةٌ
دَوَّارة: زُحَل والمُشْتَرِي وبَهْرام وعُطارِد والزُّهَرة والشمس والقمر(٤). وهذا معنى
قولِ الله تعالى: ﴿وَكُلٌ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].
فثبتَ بهذا أن الزُّهَرة وسُهيلاً قد كانا قبل خَلْقِ آدم، ثم إنَّ قولَ الملائكة: ((ما كان
ينبغي لنا» عورة، معناه(٥) لا تقدر على فتنتنا، وهذا گُفرٌ نعوذ بالله منه ومن نسبته إلى
(١) صحيح ابن حبان (٦١٨٦)، وتفسير الطبري ٢/ ٣٥٠، وسلف الكلام أن الخبر تالف. قوله: نهاوند،
کذا في النسخ، والذي في المصادر: دنباوند، ودماوند.
(٢) خبر تالف، وقد أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٠٣) عن عمر، وفي إسناده طلحة بن عمرو المكي،
ضعَّفه ابنُ معين وغيره، وقال الإمام أحمد والنسائي: متروك الحديث، وقال البخاري وابن المديني:
ليس بشيء. ميزان الاعتدال ٢/ ٣٤٠. وأورده السيوطي في اللآلئ المصنوعة ١٤٧/١.
(٣) في (د) و(م): منهم.
(٤) لم نقف عليه. قوله: بهرام، يعني المِرّيخ .
(٥) لفظة: معناه، من (ز) .

٢٨٦
سورة البقرة : الآية ١٠٢
الملائكة الكرام، صلواتُ الله عليهم أجمعين، وقد نزّهناهم وهم المنّزَّهون عن كلِّ ما
ذكّره ونقله المفسِّرون، سبحان ربِّك رَبِّ العِزّة عما يصفون.
السابعة عشرة: قرأ ابنُ عباس وابنُ أَبْزَى والضَّحَّاك والحسن: ((الملِكَيْن)) بكسر
اللام(١). قال ابنُ أَبْزَى: هما داودُ وسليمان(٢). فـ((ما)) على هذا القول أيضاً نافية،
وضَعَّفَ هذا القولَ ابنُ العربي(٣). وقال الحسن: هما عِلْجانٍ كانا ببابلَ مَلِگیْن. فـ((ما)»
على هذا القول مفعولةٌ غيرُ نافية (٤).
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿ِبَابِلَ﴾ ((بابل)) لا ينصرفُ للتأنيث والتعريف
والعُجْمة، وهي قُظْرٌ من الأرض؛ قيل: العراق وما والاه. وقال ابنُ مسعود لأهل
الكوفة: أنتم بين الحيرة وبابل. وقال قتادة: هي من نَصِيبِين إلى رأس العين. وقال
قوم: هي بالمغرب. قال ابن عطية(٥): وهذا ضعيف. وقال قوم: هو جبل نهاوَند (٦)،
فالله تعالى أعلم.
واختلف في تسميته ببابل، فقيل: سُمِّيَ بذلك لتَبَلْبُلِ الألسُنِ بها حين سقط صَرْحُ
نمروز(٧).
وقيل: سُمِّيَ به لأنَّ الله تعالى لمَّا أرادَ أن يُخالِفَ بين ألسنةٍ بني آدمَ بعثَ ريحاً،
فحشرتهم من الآفاق إلى بابل، فبلبلَ الله ألسنتَهم بها، ثم فرَّقَتْهم تلك الريحُ في
البلاد (٨). والبلبلَةُ: التَّفريقُ، قال معناه الخليل(٩).
(١) القراءات الشاذة لابن خالويه ص٨، والمحتسب ١/ ١٠٠.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٠٠٧).
(٣) أحكام القرآن ٢٩/١.
(٤) المحرر الوجيز ١٨٦/١.
(٥) المحرر الوجيز ١٨٦/١-١٨٧، والكلام الذي قبله منه.
(٦) كذا في النسخ، وجاء في تفسير الطبري ٣٥٠/٢، ومعجم البلدان لياقوت ٤٧٥/٢، وتاج العروس
٢١٩/٧: دنباوند، وفي المحرر الوجيز ١٨٧/١، وتفسير البغوي ٩٩/١: دُماوند، وهي لغة فيها
كما ذكر ياقوت في معجم البلدان ٢/ ٤٦٢.
(٧) تفسير البغوي ٩٩/١.
(٨) تهذيب اللغة ٣٤٣/١٥.
(٩) ونقله عنه ابن الجوزي في زاد المسير ١٢٥/١.

٢٨٧
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وقال أبو عمر بن عبد البَرّ(١): من أخْصَرٍ ما قيل في البَلْبَلة وأحسنِه ما رواه
داودُ بنُ أبي هند، عن عِلْبَاءَ بنٍ أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس أن نوحاً عليه
السلام لمَّا هبطَ إلى أسفل الجُودِيِّ، ابتَنَى قَرِيةً، وسمَّاها ثمانين، فأصبح ذات يوم
وقد تَبَلْبَلتْ ألسنتُهم على ثمانين لغة، أحدُها(٢) اللسانُ العربيُّ، وكان لا يفهمُ بعضُهم
عن بعض.
التاسعة عشرة: روى عبدُ الله بنُ بُسْر المازنيّ قال: قال رسولُ اللهِوَله: ((اتقُوا
الدُّنْيا، فوالَّذي نفسي بيده إنَّها لأسحرُ من هاروتَ وماروت))(٣). قال علماؤنا: إنّما
كانت الدُّنيا أسحرَ منهما لأنَّها تسحرك بخَدْعِها، وتكتُمُك فِتْنَتَها، فتدعوك إلى
التَّحارُصِ عليها، والتَّنَافُسِ فيها، والجمع لها والمنع، حتى تفرِّقَ بينك وبين طاعةِ الله
تعالى، وتُفَرِّقَ بينك وبين رؤيةِ الحقِّ وَرَعايته، فالدُّنيا أسحرُ منهما، تأخذُ بقلبك
عن الله، وعن القيام بحقوقه، وعن وعدِه ووعيده. وسحرُ الدُّنيا: محبَّتُها، وتلذُّذُكِ
بشهواتها، وتُمنِيكَ بأمانيها الكاذبة حتى تأخذَ بقلبك؛ ولهذا قال رسول الله وَّه:
((حُبُّك الشيءَ يُعْمِي ويُصِمّ))(٤).
الموفية عشرين: قوله تعالى: ﴿هَرُوتَ وَمَرُوتٍ﴾ لا ينصرف ((هاروت))؛ لأنه
أعجميٍّ معرفة، وكذا ((ماروت))، ويجمع مَواريت ومواريت، مثل: طواغيت،
ويقال: هَوارِتَة وهَوَارٍ، ومَوَارِتَة ومَوَارٍ، ومثله: جالُوت وطالُوت، فاعلم(٥). وقد
تقدم(٦) هل هما مَلَكانٍ، أو مَلِكانٍ (٧)، أو غيرهما؟ خلاف.
(١) القصد والأمم ص٢٥.
(٢) في (م): إحداها.
(٣) نوادر الأصول ص٢٥، وأخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (١٣٢)، والبيهقي في شعب الإيمان
(١٠٥٠٤) من طريق أبي الدرداء الرُّهاوي، عن النبي ◌َ. قال الذهبي في الميزان ٥٢٢/٤: هذا
منکر، الحدیث لا أصل له .
(٤) أخرجه أحمد (٢١٦٩٤) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، والصحيح أنه موقوف، وسلف ١/ ٤٥٧.
وهذه المسألة التي ذكرها المصنف هي في نوادر الأصول ص٢٦.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٢/١.
(٦) في المسألة الخامسة عشرة ص ٢٨٢.
(٧) قوله: أو ملِكان، ليس في (د) و(م).

٢٨٨
سورة البقرة : الآية ١٠٢
قال الزجاج: ورُويَ عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: أيْ: والذي أُنزل على
الملَكَين، وأنَّ المَلَكَّيْنِ يُعلِّمانِ الناسَ تعليمَ إنذارٍ من السِّخْر، لا تعليمَ دعاءٍ إليه.
قال الزَّجَّاج (١): وهذا القولُ الذي عليه أكثرُ أهلِ اللُّغَة والنَّظَر، ومعناه أنَّهما يُعلِّمانِ
النَّاسَ على النَّهي، فيقولانِ لهم: لا تفعلُوا كذا، ولا تحتالوا بكذا لتفرِّقوا بين المرء
وزوجِه. والذي أنزِلَ عليهما هو النَّهيُّ، كأنَّه قُولا للناس: لا تعملُوا كذا، فـ«يُعَلِّمان))
بمعنى: يُعْلِمان، كما قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] أي: أكرمْنا.
الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ ((من)) زائدة للتوكيد،
والتقدير: وما يعلِّمان أحداً.
﴿حَّ يَقُولَا﴾ نُصب بـ((حتى))، فلذلك حُذفت منه النون، ولغةُ هُذَيْل وثَقِيف:
(عَتَّى)) بالعين غير المعجمة(٢). والضمير في ((يُعلِّمانِ)) لهاروت وماروت(٣).
وفي «يُعَلِّمان)) قولان:
أحدهما : أنه على بابه من التعليم.
الثاني: أنه من الإعلام، لا من التعليم، فـ«يُعَلِّمان)) بمعنى: يُعْلِمان.
وقد جاء في كلام العرب تعَلَّمْ بمعنى: اعْلَمْ؛ ذكره ابن الأعرابيّ(٤) وابن
الأنباري. قال كعب بن مالك(٥):
وأنَّ وعيداً منك كالأَخذ باليدِ
تَعَلَّمْ رسولَ الله أنك مُذرِكي
(١) لم نقف عليه ولا على الخبر الذي قبله.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٣/١.
(٣) المحرر الوجيز ١٨٨/١.
(٤) المحرر الوجيز ١٨٧/١، والوسيط للواحدي ١٨٤/١، وانظر تهذيب اللغة ٤١٦/٢-٤١٧.
(٥) وكذلك نسبه لكعب بن مالك السمينُ الحلبي في الدر المصون ٣٤/٢، وابن عادل في اللباب ٣٤٢/٢،
ونسبه لكعب بن زهير المرتضى في أماليه ٤١٨/١، والطبرسي في مجمع البيان ٣٨٥/١، وابن عطية في
المحرر الوجيز ١٨٧/١، ونسبه السكري في شرح أشعار هذيل ٢/ ٦٢٧ لأُسَيْد بن أبي إياس بن زُنّیم،
وروايته :
على كل حيَّ مُتْهِمين ومُنْجِد
تعلّم رسول الله أنك قادر
وأنّ وعيداً منك كالأخذٍ باليدٍ
وأنك كالليل الذي هو مدرکي
ونسبه ابن إسحاق كما في السيرة ٤٢٤/٢ لأنس بن زُنَيم الدِّيلي .

٢٨٩
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وقال القُطَامي(١):
تَعلَّمْ أنَّ بعد الغَيِّ رُشْداً وأنَّ لذلك الغَيِّ انْقِشاعا(٢)
وقال زُهیر :
تَعَلَّمَنْ ها لعمْرُ الله ذا قسماً فاقْدِرْ بِذَرْعِك وانْظُرْ أين تَنْسَلِكُ (٣)
وقال آخر:
تَعَلَّمْ أنَّه لا طَيْرَ إلَّا على مُتَطَيٍِّ وهو الثُّبُورُ(٤)
﴿إِنَّمَا غَخْنُ فِتْنَةٌ﴾ لمَّا أنبأا بفتنتهما كانت الدُّنيا أسْحَرَ منهما حين كتَمَت فتنتَها.
﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ قالت فرقةٌ: بتعليم السِّحر، وقالت فرقةٌ: باستعماله. وحكى
المهدويُّ أنه استهزاء؛ لأنهما إنما يقولانه لمَن قد تحقَّقًا ضلالَه(٥).
الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ قال سيبويه: التقدير: فهم
يتعلَّمون؛ قال: ومثلُه ﴿كُنْ فَيَكُونٌ﴾ [النحل: ٤٠] (٦).
وقيل: هو معطوفٌ على موضع ((مَا يُعَلِّمَانِ))؛ لأنَّ قوله: ((وما يُعَلِّمان)) وإنْ
دخلت عليه ((ما)) النافية، فُمُضَمَّنُه الإيجابُ في التعليم(٧).
(١) بضم القاف وفتحها، واسمُه عُمَيْر بن شُيَيْم التغلبي، وهو شاعر إسلامي مُقِلٌّ مُجيد. الأغاني ٢٤/ ١٧،
وخزانة الأدب ٣٧٠/٢.
(٢) ديوانه ص ٣٥، والبيت في مدح زفر بن الحارث الكلابي، وروايته: وأن لهذه الغُمَمِ ... وانظر خزانة
الأدب ١٢٩/٩.
(٣) ديوانه ص١٨٢ (بشرح ثعلب)، وص٨٨ (بشرح الأعلم الشنتمري)، وهو من شواهد سيبويه ٣/ ٥٠٠،
قوله: فاقدِرْ بذَرْعِك؛ قال الشنتمري: أي: قَدِّرْ بخَطْوِك، والمعنى: لا تكلّف نفسَك ما لا تُطيق منّي،
والانْسِلاكُ: الدخولُ في الأمر، والمعنى: لا تُدْخِلْ نفسَك فيما لا يعنيك ولا يُجْدي عليك.
(٤) البيت في إصلاح المنطق ص٤١٨، وعيون الأخبار ١٤٦/١، والمخصص ٢٩/٣، ونسبه الجاحظ في
البيان والتبيين ٣٠٤/٣ -٣٠٥ والحيوان ٤٤٧/٣ و٥٥٥/٥، وأبو محمد السيرافي في شرح أبيات
إصلاح المنطق ص٥٧٨ لزَبَّان بن سيَّار الفزاري.
(٥) المحرر الوجيز ١٨٧/١.
(٦) الكتاب ٣٨/٣-٣٩، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية ١٨٨/١.
(٧) المحرر الوجيز ١٨٨/١.

٢٩٠
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وقال الفرّاء(١): هي مردودةٌ على قوله: ((يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّخْرَ)) فيتعلَّمون،
ويكون ((فيتعلَّمون)) متَّصلة بقوله: ((إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ)) فيأبَوْن(٢) فَيَتَعَلَّمُون.
قال السُّدِّي: كانا يقولانِ لمَنْ جاءَهما: ((إنَّما نحن فتنةٌ فلا تَكْفُرْ))، فإنْ أَبَى أن
يَرْجِعَ، قالا له: إِئتِ هذا الرَّمادَ، فَبُلْ فيه، فإذا بالَ فيه، خرجَ منه نورٌ يسطَعُ إلى
السماء، وهو الإيمانُ، ثم يخرجُ منه دخانٌ أسودُ، فيدخلُ في أُذُنَيْه، وهو الكفر، فإذا
أخبرَهُما بما رآه من ذلك، علَّماه ما يُفرِّقُ(٣) به بين المرءِ وزوجِه (٤).
ذهبتْ طائفةٌ من العلماء إلى أنَّ الساحرَ ليس يقدرُ على أكثرَ ممَّا أخبرَ الله عنه من
التَّفرقة؛ لأنّ الله ذكرَ ذلك في معرضِ الذَّمِّ للسّحر، والغايةِ في تعليمه، فلو كان يقدرُ
على أكثرَ من ذلك لذكره.
وقالت طائفةٌ: ذلك خرجَ على الأغلب، ولا يُنكَرُ أنَّ السِّخْرَ له تأثيرٌ في القلوب،
بالحبِّ والبُغْض، وبإلقاءِ الشُّرور، حتى يُفَرِّقَ الساحرُ بين المرء وزوجه، ويحولَ بين
المرء وقلبه، وذلك بإدخالِ الآلام، وعظيم الأسقام، وكلُّ ذلك مُدْرَكٌ بالمُشاهَدة،
وإنکارُه معانَدة(٥). وقد تقدَّم هذا(٦)، والحمد لله .
الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
((مَا هُمْ)) إشارة إلى السَّحَرة. وقيل: إلى اليهود، وقيل: إلى الشياطين.
((بِضارِّين بِهِ)) أي: بالسحر.
(١) معاني القرآن ٦٤/١.
(٢) في (خ) و(د) و(ز) و(م): فيأتون، وسقطت من (ظ)، والمثبت من معاني القرآن للفراء، وقد نقله عنه
الزجاج ١٨٥/١، وقال: المعنى: إنما نحن فتنة فلا تكفر، فلا تتعلم ولا تعمل بالسحر، فيأبَوْن
فيتعلمون، وكذا نقله أبو حيان في البحر المحيط ٣٣٣/١. ووقعت بالتاء في إعراب القرآن للنحاس
٢٥٣/١، والدر المصون ٣٩/٢.
(٣) في (خ) و(ظ): يفرقان، وفي (م): يفرقون، والمثبت من (د) و(ز).
(٤) أخرجه الطبري ٢/ ٣٥٥، وذكره البغوي في معالم التنزيل ١٠١/١. وذكر أبو حيان في البحر ٣٣١/١
أن أمثال هذه المحاورات والقصص لا يصحُّ منها شيءٍ .
(٥) المفهم ٥٦٩/٥.
(٦) ٢٧٦/٢-٢٧٨.

٢٩١
سورة البقرة : الآية ١٠٢
﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: أحداً، و ((من)) زائدة.
﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بإرادته وقضائه، لا بأمره؛ لأنه تعالى لا يأمر بالفحشاء
ويقضي على الخَلْق بها(١).
وقال الزجّاج(٢): ((إلَّا بإذن الله)): إلا بعلم الله. قال النحاس: وقولُ أبي إسحاق(٣):
((إلَّا بإذن الله)): إلا بعلم الله، غَلَطُ؛ لأنَّه إنما يُقال في العلم: أَذَنٌ، وقد أَذِنْتُ أَذَناً. ولكن
لمَّا لم يُحَلْ فيما بينهم وبينه، وخُلُّوا(٤) يفعلونه، كان كأنه أباحه(٥) مجازاً.
الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَيَنَعَلَُّونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ يريد في الآخرة وإن
أخذُوا بها نفعاً قليلاً في الدنيا. وقيل: يضرُّهم في الدنيا؛ لأنّ ضَرَر السِّحرِ والتفريقِ
يعودُ على الساحر في الدنيا إذا عُثِر عليه؛ لأنه يُؤْذَّب ويُزجَر، ويلحقُه شُؤْمُ السِّخْر.
وباقي الآي بَيِّنٌ لتقدُّم معانيها. واللامُ في ((وَلَقَدْ عَلِمُوا)) لامُ توكيد.
﴿لَمَنِ أَشْتَرِئُهُ﴾ لامُ يمين، وهي للتوكيد أيضاً. وموضع ((مَنْ)) رفع بالابتداء؛ لأنه
لا يعمل ما قبل اللام فيما بعدها. و ((مَن)» بمعنى ((الذي)). وقال الفراء: هي للمجازاة.
قال الزجَّاج: ليس هذا بموضع شرط، و((مَن)) بمعنى (الذي))، كما تقول: لقد علمت
لَمَنْ جاءك ما له عقل.
﴿مِنْ خَلَقْ﴾ ((من)) زائدة، والتقدير: ما له في الآخرة خلاق، ولا تزاد في
الواجب(٦). هذا قول البصريّين. وقال الكوفيون: تكون زائدة في الواجب، واستدلُّوا
بقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّنِ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١](٧).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٣١/١.
(٢) معاني القرآن له ١٨٦/١.
(٣) يعني الزجاج، وكلام النحاس هو في كتابه إعراب القرآن ٢٥٣/١.
(٤) في (م): وظلوا.
(٥) في (خ) و(د) و(ظ): إباحة.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٣/١، ونقل المصنف بواسطته عن الفراء والزجاج، وانظر معاني القرآن
للفراء ٦٥/١، ومعاني القرآن للزجَّاج ١٨٧/١.
(٧) انظر لزيادة ((مِن)) الأزهيَّة في علم الحروف للهروي ص٢٢٨، وشرح المفصل ١٣/٨، ومغني اللبيب
ص٤٢٧.

٢٩٢
سورة البقرة : الآية ١٠٣
والخلاق: النَّصيبُ؛ قاله مجاهد(١). قال الزجاج: وكذلك هو عند أهلِ اللُّغة،
إلا أنه لا يكادُ يستعملُ إلا للنَّصيب من الخير(٢). وسئل عن قوله تعالى: ﴿وَلَفَذْ
عَلِمُواْ لَمَنِ أَشْتَرُهُ مَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾ فأخبر أنهم قد علموا، ثم قال:
﴿وَلَبِْسَ مَا شَرَوْا بِهِةٍ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ فأخبر أنهم لا يعلمون،
فالجوابُ - وهو قول قُظْرُب والأخفش(٣) - أن يكون الذين يعلمون الشياطين، والذين
شَرَوْا أنفُسَهم - أي باعوها ـ هم الإنس الذين لا يعلمون. قال الزجَّاج: وقال عليٍّ بن
سليمان: الأجودُ عندي أن يكون ((وَلَقَدْ عَلِمُوا)) للملَكَين؛ لأنهما أولى بأن يعلموا.
وقال: ((علموا)) كما يقال: الزيدان قاموا. وقال الزجَّاج: الذين علموا: علماءُ
اليهود، ولكن قيل: ((لَوْ كَانُوا يَعْلِمُونَ» أي: فدخلُوا في محلٌّ مَنْ يقالُ له: لستَ
بعالم؛ لأنهم تركوا العملَ بعلمهم، واسترشَوْا(٤) من الذين عَمِلُوا بالسحر.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَثَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌّ لَوْ كَانُواْ
﴾
يَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَنَّقَوْا﴾ أي: اتَّقَوُا السحر.
﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ المثوبة: الثواب، وهي جواب ((وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا)) عند قوم. وقال
الأخفش سعيد(٥): ليس لـ(لَوْ)) هنا جوابٌ في اللفظ، ولكن في المعنى، والمعنى:
لأُثِيُوا.
وموضعُ ((أنَّ) من قوله: ((وَلَوْ أَنَّهم)) موضعُ رفع، أي: لو وقع إيمانُهم؛ لأنَّ ((لو)
لا يليها إلا الفعلُ ظاهراً أو مضمراً؛ لأنها بمنزلةٍ حرفٍ(٦) الشَّرط، إذ كان لا بدّ له
من جواب؛ وأن يليه فعل. قال محمد بن يزيد (٧): وإنما لم يجازَ بـ((لَوْ)) لأنَّ سبيلَ
(١) أخرجه الطبري ٢/ ٣٦٥.
(٢) معاني القرآن ١٨٦/١، وفيه: الخلاق: النصيب الوافر من الخير.
(٣) معاني القرآن له ٣٢٩/١، وذكر كلامهما الفخر الرازي في تفسيره ٢٢٢/٣.
(٤) في (م): واسترشدوا.
(٥) معاني القرآن ٣٢٩/١، ونقله عنه بواسطة إعراب القرآن ٢٥٤/١.
(٦) في (م): حروف.
(٧) الكامل ص٣٦١-٣٦٢، ونقله المصنف (وما قبله) عنه بواسطة إعراب القرآن ٢٥٣/١- ٢٥٤.

٢٩٣
سورة البقرة : الآية ١٠٤
حروفِ المجازاةِ كلِّها أن تقلبَ الماضيّ إلى معنى المستقبل، فلما لم يكن هذا في
(لَوْ)) لم يَجُزْ أنْ يُجازَى بها.
قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُْنَا وَأَسْمَعُواْ
١٠٤
وَلِلْكَّغِنَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
فيه خمسُ مسائل :
الأولى: قولُه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾ ذكر شيئاً آخرَ من
جَهالاتِ اليهود، والمقصودُ: نَهْيُ المسلمين عن مِثْل ذلك. وحقيقةُ ((رَاعِنَا)) في اللغة:
ارْعَنا وَلْنَرْعَك؛ لأنَّ المفَاعلةَ من اثنين، فتكون من: رعاك الله، أي: احْفَظْنا
وَلْنَحْفَظْك، وارْقُبْنا وَلْنَرْقُبْك. ويجوزُ أن يكون من: أَرْعِنا سَمْعَك، أي: فَرِّغْ سمعَك
لكلامنا. وفي المخاطبة بهذا جَفاءٌ، فَأَمَرَ المؤمنين(١) أن يتخيَّروا من الألفاظ أحسنَها،
ومن المعاني أَرَقَّها(٢).
قال ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبيٍّ وَّو: راعِنا، على جهة الطّلب
والرَّغبة (٣) - من المُراعاة - أي: التفِتْ إلينا، وكان هذا بلسان اليهود سَبًّا، أي: اسمَعْ
لا سَمِعْتَ، فاغتَنَمُوها، وقالوا: كُنَّا نَسُبُّه سِرًّا، فالآن نَسُبُّه جَهْراً، فكانوا يُخاطبون
بها النبيَّ ◌َّهِ، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعدُ بنُ معاذ(٤) - وكان يعرف لُغَتَّهم -
فقال لليهود: عليكم لعنةُ الله! لئن سَمِعتُها من رجلٍ منكم يقولها للنبيِّ وَّ لِأَضْربنَّ
عُنُقَه، فقالوا: أَوَلستُم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونُهُوا عنها لئلا يَقتديَ(٥) بها اليهودُ في
اللَّفظ، وتقصدَ المعنى الفاسدَ فيه (٦).
(١) في (ظ): المؤمنون .
(٢) تفسير الطبري ٣٧٩/٢_٣٨٠.
(٣) في (ظ): الترعية، وفي (د): الرعية.
(٤) أبو عمرو الأنصاري، الأوسي، الأشهلي، البدري، الذي اهتزَّ العرش لموته، رُمي يوم الخندق،
فعاش شهراً، ثم انتقض جرحه فمات. السير ٢٧٩/١.
(٥) في (م) : تقتدي .
(٦) الوسيط ١٨٦/١، والخبر فيه من رواية الكلبي عن ابن عباس، وانظر تفسير البغوي ١٠٢/١، وتفسير
الرازي ٢٢٤/٣.

٢٩٤
سورة البقرة : الآية ١٠٤
الثانية: في هذه الآية دليلان: أحدهما: على تجنُّب الألفاظ المحتملة التي فيها
التعريض للتنقيص والغَضِّ، ويخرج من هذا فهم القذفِ بالتعريض، وذلك يُوجبُ الحدَّ
عندنا خلافاً لأبي حنيفة والشافعيِّ وأصحابِهما حين قالوا: التعريضُ محتملٌ للقذف
وغيره، والحدُّ مما يسقط بالشبهة(١). وسيأتي في ((النور))(٢) بيان هذا إن شاء الله تعالى.
الدليل الثاني: التمسُّكُ بسدِ الذرائع وحمايتها، وهو مذهبُ مالك وأصحابه،
وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وقد دلَّ على هذا الأصلِ الكتابُ والسُّنة. والذَّرِيعةُ
عبارةٌ عن أمرٍ غير ممنوعٍ لنفسه، يُخَافُ من ارتكابه الوقوعُ في ممنوع:
أما الكتابُ؛ فهذه الآية، ووجه التَّمسُّك بها أنَّ اليهود كانوا يقولون ذلك، وهي
سَبِّ بلغتهم، فلما علم الله ذلك منهم مَنَعَ من إطلاقٍ ذلك اللفظ؛ لأنه ذريعةٌ للسَّبِّ.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾
[الأنعام: ١٠٨]، فمنع من سَبِّ آلهتهم مَخافةً مقابلتهم بمثل ذلك. وقولُه تعالى:
﴿وَسْئَلَهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] الآية، فحرَّم
عليهم تبارك وتعالى الصيدَ في يوم السبت، فكانت الحِيتانُ تأتيهم يومَ السبت شُرَّعاً،
أي: ظاهرةً، فسَدُّوا عليها يومَ السبت، وأخذُوها يومَ الأحد، وكان السَّدُّ ذَرِيعةً
للاصطياد، فمسخَهم الله قردةً وخنازيرَ، وذكر الله لنا ذلك في معنى التحذير عن ذلك.
وقولُه تعالى لآدمَ وحوَّاء: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وقد تقدّم (٣).
وأمّا السُّنة؛ فأحاديث كثيرةٌ ثابتةٌ صحيحةٌ، منها حديثُ عائشةَ رضي الله عنها، أنَّ
أَمَّ حبيبةَ وأمَّ سلمةَ رضي الله عنهنَّ ذكرتا كنيسةً - رأتاها (٤) بالحبشة فيها تصاويرُ -
لرسول الله وَّله، فقال رسولُ الله وَله: ((إنَّ أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ، فماتَ
بَنَوْا على قبره مسجداً، وصوَّرُوا فيه تلك الصُّور، أولئك شِرارُ الخَلْقِ عند الله)).
أخرجه البخاري ومسلم(٥).
(١) أحكام القرآن ٣٢/١.
(٢) في تفسير الآية (٤) منها.
(٣) ٤٥٣/١.
(٤) في (ظ): رأينها، وفي (م): رأياها.
(٥) البخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨) واللفظ له، وهو في مسند أحمد (٢٤٢٥٢).

٢٩٥
سورة البقرة : الآية ١٠٤
قال علماؤنا(١): ففعل ذلك أوائلهم ليتأنَّسوا برؤيةٍ تلك الصُّوَر، ويتذكّروا
أحوالَهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عزَّ وجلَّ عند قبورِهم،
فَمضَتْ لهم بذلك أزمانٌ، ثم إنهم خَلَفَ من بعدهم خُلوف (٢) جَهِلوا أغراضهم،
ووسوسَ لهم الشيطانُ أنَّ آباءكم وأجدادَكم(٣) كانوا يعبدون هذه الصورَ(٤)،
فعبدوها، فحذَّر النبيُّ وَّهِ عن مِثْلِ ذلك، وشَدَّد النَّكير والوعيد على من فعلَ ذلك،
وسَدَّ الذرائعَ المُؤَدِّية إلى ذلك، فقال: ((اشتدَّ غَضَبُ الله على قوم اتَّخَذُوا قبورَ
أنبيائهم وصالحيهم مساجدَ)). وقال: ((اللهمَّ لا تجعَلْ قبري وَثَنَاً يُعْبَد))(٥).
وروى مسلمٌ عن النعمانِ بن بَشِير قال: سمعتُ رسولَ الله وَل يقول: ((الحلالُ
بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، وبينهما أمورٌ متشابهاتٌ، فمن اتَّقى الشُّبهات، استبرأ لدينه
وعِرْضِه، ومَنْ وَقَعَ في الشُّبهات، وقعَ في الحرام، كالراعي يَرْغَى حَوْلَ الحِمَى
يُوشِكُ أن يَقَعَ فيه)»(٦) الحديث(٧). فمنعَ من الإقدام على الشُّبهات مخافةً الوقوع في
المُحرَّمات، وذلك سَدٌّ للذَّريعة(٨).
(١) المفهم ١٢٧/٢-١٢٨، وينظر إكمال المعلم ٢/ ٤٥٠.
(٢) في المفهم : خَلْفٌ.
(٣) في (ظ) والمفهم: آباءهم وأجدادهم.
(٤) في (م): الصورة.
(٥) هذا الحديث والذي قبله أخرجهما مالك في الموطأ ١٧٢/١، ومن طريقه ابن سعد في الطبقات
٢٤٠/٢-٢٤١ عن عطاء بن يسار مرسلاً. ولفظه: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله
على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)».
وأخرجه أحمد في المسند (٧٣٥٨) وابن سعد في الطبقات ٢٤١/٢-٢٤٢ من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه ولفظه: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً، لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)». وهو حديث
صحيح.
(٦) في (خ) و(ظ): يرتع، وهي رواية عند مسلم .
(٧) صحيح مسلم (١٥٩٩) ولفظه فيه: ((إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما مُشتبهات لا يعلمهنَّ کثیرٌ
من الناس، فمن اتَّقى الشبهات ... )) وأخرجه أيضاً البخاري (٥٢) و(٢٠٥١) بنحوه، وهو في مسند
أحمد (١٨٣٤٧).
(٨) في (ظ) و(د): الذريعة، وفي (م): سداً للذريعة.

٢٩٦
سورة البقرة : الآية ١٠٤
وقال وَّر: ((لا يبلغ العبدُ أن يكونَ من المُتَّقين حتى يَدَعَ مالا بأسَ به حَذَراً(١)
مما به البأسُ))(٢).
وقال ◌َله: ((إنَّ مِنَ الكبائر شَتْمَ الرجلِ والدَيْه)) قالوا: يا رسولَ الله، وهل يَشْتِمُ
الرجلُ والدَيْه؟! قال: ((نعم، يَسُبُّ أبا الرجل، فَيَسُبُّ أباه، ويَسُبُّ أُمَّه، فَيَسُبُّ
أُمَّه))(٣). فجعلَ التعرُّضَ لِسَبِّ الآباء كسبِّ الآباء.
وقال ◌َله: ((إذا تَبَايَعْتم بالعِيْنةِ، وأخذتم أذناب البقر، ورَضِيتُم بالزَّرْع، وتركتُم
الجهادَ، سَلَّطَ الله عليكم ذُلًّا لا يَنْزِعُه منكم حتى تَرْجِعوا إلى دينكم))(٤).
قال أبو عُبيد الهَرَويُّ: العِيْنَةُ: هو أن يبيعَ الرجلُ من رجل سِلْعةً بثمن معلومٍ إلى
أجلٍ مُسَمَّى، ثم يشتريَها منه بأقلَّ من الثمن الذي باعَها به. قال: فإن اشترى بحضرةٍ
طالبِ العِيْنِةِ سِلْعةً من آخَرَ بثمنٍ معلوم، وقَبَضَها، ثم باعَها من طالب العِيْنةِ بثمنٍ أكثرَ
مما اشتراه إلى أجل مُسَمَّى، ثم باعها المُشتري من البائع الأوَّل بالنَّقد بأقلَّ من
الثمن، فهذه أيضاً عِيْنةٌ، وهي أهونُ من الأُولى، وهو جائزٌ عند بعضهم. وسُمِّيتْ
عِيْنَةً، لحصول النَّقد لصاحب العِيْنة، وذلك لأن العَيْنَ هو المالُ الحاضر، والمُشتري
إنما يشتريها ليِبيعَها بعَيْنٍ حاضرٍ يَصِلُ إليه مِنْ فَوْرِه(٥).
وروى ابن وَهْب عن مالك، أنَّ أُمَّ ولدٍ لزيد بنِ الأَرْقَم ذكَرَتْ لعائشة رضي الله
(١) في (خ): مخافة.
(٢) في (ز): بأس. والحديث أخرجه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥)، والبيهقي في السنن الكبرى
٣٣٥/٥ من حديث عطية السعدي، وعندهم: ((لما)) بدل ((ممّا)). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب
لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
(٣) أخرجه أحمد (٦٥٢٩)، ومسلم (٩٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٤٦٢)، وابن عدي في الكامل ١٩٩٨/٥، وأبو نعيم في الحلية ٢٠٨/٥-٢٠٩ من
طريق أبي عبد الرحمن الخراساني، عن عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر، به. قال أبو نُعيم:
غريب من حديث عطاء عن نافع، تفرد به حيوة عن إسحاق، وأورده الذهبي في ميزان الاعتدال ٤/
٥٤٧ في ترجمه أبي عبد الرحمن الخراساني وذكر أن هذا الحديث من مناكيره.
وأخرجه بنحوه أحمد في المسند (٤٨٢٥) من طريق عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر. وعطاء لم يسمع
من ابن عمر.
(٥) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة ٢٠٧/٣، ولم ينسبه.

٢٩٧
سورة البقرة : الآية ١٠٤
عنها أنها باعَتْ من زيدٍ عبداً بثمان مئة إلى العطاء، ثم ابتاعَتْه منه بستِّ مئة نقداً،
فقالت عائشةُ: بئس ما شرَيْتٍ، وبئس ما اشتريْتِ، أَبْلغي زيداً أنه قد أبطلَ جِهادَه مع
رسول الله وَل﴿ إن لم يَتُبْ(١).
ومثلُ هذا لا يقال بالرأي؛ لأنَّ إبطالَ الأعمالِ لا يُتَوصَّلُ إلى معرفتها إلا
بالوَحْي، فثبت أنه مرفوعٌ إلى النبيِّيَّه. وقال عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه: دَعُوا
الرِّبا والرِّيبة. ونهى ابنُ عباس رضي الله عنهما عن دراهمَ بدراهمَ بينهما حريرة(٢).
قلت: فهذه هي الأدلةُ التي لنا على سدِّ الذرائع، وعليه بَنَى المالكية كتابَ
الآجال وغيرَه من المسائل في البيوع وغيرها. وليس عند الشافعية كتابُ الآجال، لأنَّ
ذلك عندهم عقودٌ مختلفةٌ مستقلة؛ قالوا: وأصلُ الأشياء على الظواهر لا على
الظُّنون. والمالكيةُ جعلوا السِّلعةَ مُحَلِّلة، لِيُتَوَصَّلَ بها إلى دراهمَ بأكثرَ منها، وهذا هو
الرِّبًا بعينه، فاعْلَمه.
الثالثة: قولُه تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَعِنَا﴾ نهيّ يقتضي التحريم، على ما تقدَّم.
قرأ الحسنُ: راعِناً، منوَّنة. وقال: أي: هُجْراً من القول، وهو مصدر، ونصبُه
بالقول؛ أي: لا تقولوا رُعُونة(٣). وقرأ زِرُّ بن حُبَيْش(٤) والأعمشُ: ((راعونا))(٥)؛
يقال لما نَتَأ من الجبل: رَعْنٌ، والجبل أَرْعَن. وجَيْشٌ أَرْعَنُ، أي: مُتفرِّق. وكذا
رجلٌ أَرْعنُ، أي: مُتفرِّق الحُجَج، ليس عقلُه مجتمعاً، عن النحاس(٦). وقال ابنُ
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٤٨١٣)، والدارقطني في سننه ٥٢/٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٣٠/٥-
٣٣١. وسيذكره المصنف بتمامه في تفسير الآية (٢٧٥)، المسألة (٢١).
(٢) يعني خرقة حرير، كما في المغني ٦/ ٢٦١، ووقع في (د): حريزة، وهو خطأ. والأثر ذكره ابن سحنون
في المدونة ١١٨/٤، وعزاه ابن قيم الجوزية في تهذيب السنن ١٠١/٥ لمطيَّن. ويوضّح الخبرَ روايةٌ
أخری له ذكرها ابن القیم أن ابن عباس سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمئة، ثم اشتراها بخمسین،
فقال: دراهم بدراهم متفاضلة، دخلت بينها حريرة.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٥٤/١، والقراءات الشاذة ص٩.
(٤) أبو مريم الأسدي، مقرئ الكوفة، أدرك الجاهلية، مات سنة (٨١هـ)، وهو ابن مئة وعشرين عاماً. وقيل
غير ذلك. السير ١٦٦/٤.
(٥) لم نجدها من قراءة زر بن حبيش والأعمش، والذي في القراءات الشاذة ص٩ أنها قراءة ابن مسعود،
وفي البحر المحيط ٣٣٩/١ من قراءة ابن مسعود وأُبَيّ .
(٦) إعراب القرآن ٢٥٤/١.

٢٩٨
سورة البقرة : الآية ١٠٤
فارس(١): رَعُنَ الرجلُ يَرْعُن رَغْناً، فهو أَرْعَن، أي: أَهْوَج. والمرأةُ رَغْناء وسُمِّيت
البصرةُ رَغْناء، لأنها تُشَبَّه بِرَغْن الجبل(٢)، قال ابنُ دُرَيْد ذلك(٣)، وأنشد للفَرَزْدَق:
ما كانت البصرةُ الرَّعناءُ لي وَطَنَا (٤)
لولا ابنُ عُثْبةَ عمرٌو والرجاءُ له
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ أَنْتُزْنَا﴾ أُمِروا أن يُخاطِبوه ◌َلټ بالإجلال،
والمعنى: أقْبِلْ علينا، وانظُرْ إلينا، فحذف حرف التعدية، كما قال:
ظاهِراتُ الجمال والحُسْنِ يَنْظُر نَ كما يَنظُرُ الأراكَ الظُّبَاءُ(٥)
أي: إلى الأراك. وقال مجاهد: المعنى: فَهِّمنا وبَيِّنْ لنا (٦).
وقيل: المعنى: انتظِرْنا، وتأنَّ بنا(٧)؛ قال:
فإنَّكما إنْ تَنْظُرانيّ ساعةً
من الذَّهر يَنْفَعْنِي لَدَى أُمّ جُنْدَبٍ (٨)
والظاهرُ استدعاءُ نَظَرِ العين المُقترن بتدبُّر الحال، وهذا هو معنى ((راعنا))،
فَبُدُّلتِ اللَّفْظُ للمؤمنين، وزال(٩) تعلُّق اليهود.
وقرأ الأعمشُ وغيرُه: ((أَنْظِرنا)) بقطع الألف وكسر الظاء، بمعنى: أَخِّرْنا،
وأَمْهِلْنا حتى نفهمَ عنك، ونَتَلقَّى منك(١٠)؛ قال الشاعر :
أبا هندٍ فلا تَعْجَلْ علينا وأَنْظِرْنا نُخبِّرْكَ اليقينا (١١)
(١) مجمل اللغة ٣٨٣/٢-٣٨٤.
(٢) في (خ): الحبل، وفي (د) و(ز) و(ظ): الخيل، والمثبت من (م) والمصادر.
(٣) جمهرة اللغة ٣٨٨/٢.
(٤) لم نقف عليه في ديوانه، وهو في جمهرة اللغة ومجمل اللغة (والكلام منه) وأدب الكاتب ص٤٢٩،
وفيه: الحمقاء بدل: الرعناء، وعندئذ فلا شاهد فيه .
(٥) البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات، وهو في ديوانه ص٨٨، وفيه: ((والسرو) بدل ((والحسن)).
(٦) تفسير مجاهد: ٨٥، وأخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ٣٨٣. وذكره الماوردي في تفسيره ١/ ١٧٠.
(٧) ذكره البغوي في تفسيره ١٠٢/١.
(٨) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٤١.
(٩) في (د): وذاك.
(١٠) المحرر الوجيز ١٨٩/١.
(١١) البيت من معلقة عمرو بن كلثوم، وهو في شرح القصائد العشر للتبريزي ص٢٢٥.

٢٩٩
سورة البقرة : الآية ١٠٥
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَأَسْمَعُواْ﴾ لما نَهى وأَمَرَ جلَّ وعَزَّ، حضَّ على السَّمْع
الذي في ضمْنه الطاعة، وأَعْلَمَ أنَّ لمن خالفَ أَمْرَه فَكَفرَ عذاباً أليماً (١)
قوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ
عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو
اُلْفَضْلِ الْعَظِيمِ
قوله تعالى: ﴿مَّا يَوَثُ﴾ أي: ما يتمنَّى، وقد تقدَّم (٢). ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبٍ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوفٌ على ((أهل)) ويجوز: ولا المشركون، تَعْطِفُه على
((الذين)). قاله النخَّاس(٣).
﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ﴾ ((من) زائدةٌ، ((خير)) اسمُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه. و((أن))
في موضع نصب، أي: بأن يُنَزَّلَ.
﴿وَاَللَّهُ يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه:
((يختصُّ برحمته) أي: بنبوَّته، خصَّ بها محمداً وَلثر (٤). وقال قومٌ: الرحمةُ القرآن(٥).
وقيل: الرحمةُ في هذه الآيةِ عامَّةٌ لجميع أنواعِها التي قد مَنَحَها الله عبادَه قديماً
وحديثاً (٦)، يقال: رَحِم يَرْحَم: إذا رَقَّ. والرُّحْمُ، والمَرْحَمَةُ، والرَّحِمةُ بمعنَّى، قاله
ابنُّ فارس (٧). ورحمةُ الله لعباده: إنعامُه عليهم، وعفوُه لهم.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ((ذو)) بمعنى صاحب.
(١) المحرر الوجيز ١٨٩/١ - ١٩٠.
(٢) ٢٥٩/٢.
(٣) إعراب القرآن ٢٥٤/١، والكلام الذي بعده منه أيضاً .
(٤) المحرر الوجيز ١٩٠/١، ولم ينسبه، وذكره الطبرسي في مجمع البيان ٤٠٤/١.
(٥) المحرر الوجيز ١٩٠/١. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣٢١/١ من قول مجاهد.
(٦) المحرر الوجيز ١٩٠/١.
(٧) في مجمل اللغة ٢/ ٤٢٤، ومقاييس اللغة ٤٩٨/٢.

٣٠٠
سورة البقرة : الآية ١٠٦
قوله تعالى: ﴿مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا تَأْتِ هِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَاْ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ
اَللَّهَ عَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ
فيه خمسَ عَشْرةَ مسألة:
الأولى: قولُه تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفِهَا﴾ (نُنْسها)) عطف على ((ننسخ))،
وحُذفت الياء للجزم. ومَنْ قرأ: ((نَنْسَأُها)) حذف الضَّمة من الهمزة للجزم، وسيأتي
معناه(١). (نَأْتِ)) جوابُ الشرط.
وهذه آيَةٌ عُظمى في الأحكام. وسببها أن اليهودَ لمَّا حسدوا المسلمين في التوجُّه
إلى الكعبة، وطعنوا في الإسلام بذلك، وقالوا: إن محمداً يأمر أصحابَه بشيء، ثم
يَنْهاهم عنه؛ فما كان هذا القرآنُ إلا من جهته، ولهذا يُناقِضُ بعضُه بعضاً، فأنزل الله :
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ مَّكَانَ ءَايَةٌ﴾ [النحل: ١٠١] وأنزل: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾(٢).
الثانية: معرفةُ هذا الباب أكيدةٌ، وفائدته عظيمةٌ، لا يستغني عن معرفته العلماء،
ولا يُنكره إلا الجهلةُ الأغبياء، لما يترتَّب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفةٍ
الحلال من الحرام. روى أبو البَخْتَرِيّ قال: دخل عليٍّ رضي الله عنه المسجدَ، فإذا
رجلٌ يُخَوِّفُ الناسَ، فقال: ما هذا؟! قالوا: رجلٌ يُذكِّر الناس، فقال: ليس برجل
يُذَكِّر الناس، لكنه يقول: أنا فلان بن فلان، فاغْرِفوني، فأرسل إليه، فقال: أتعرفُ
الناسخَ من المنسوخ؟ فقال: لا، قال: فاخرج من مسجدنا، ولا تُذكِّر فيه(٣).
وفي رواية أُخرى: أعلمتَ الناسخَ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هَلَكت
وأَهْلكتَ(٤) !. ومثله عن ابن عباس رضي الله عنهما(٥).
(١) في الصفحة ٣٠٩.
(٢) ذكره الواحدي في الوسيط ١/ ١٨٧، والبغوي في تفسيره ١/ ١٠٣ بنحوه.
(٣) أخرجه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ٤٠٩/١، ومختصراً ٤١٦/١.
(٤) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (١)، وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ٤١٠/١ - ٤١١،
والبيهقي في السنن الكبرى ١١٧/١٠ عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه. وزاد نسبته
السيوطي في الدر المنثور ١٠٦/١ لأبي داود في الناسخ والمنسوخ .
(٥) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٢)، وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ٤١٤/١،
والطبراني في الكبير ١٠/ (١٠٦٠٣).