النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة البقرة : الآية ٤٤
لا هُمَّ رَبِّ إنَّ بَكْراً(١) دُونَكا يَبَرُّك النَّاسُ ويَفْجُرونَكا(٢)
أراد بقوله: يَرُّكُ النَّاسُ، أي: يُطيعونَك.
ويُقال: إنَّ البِرَّ الفُؤْادُ في قوله:
أكُونُ مكانَ البِرِّ منه ودونَه وأجعلُ ما لي دونَه وأُوامِرُه(٣)
والبُرُّ، بضم الباء: معروفٌ، وبفتحها: الإجلالُ والتَّعظيمُ، ومنه: ولدٌ بَرِّ وبارٌ؛
أي: يُعِّمُ والدَيهِ ویکرِمُهُما.
السَّادسة: قوله تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تَتركون. والنِّسيانُ - بكسر
النُّون - يكونُ بمعنى التَّرك، وهو المُرادُ هنا، وفي قوله تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهُ فَنَسِيَهُمْ﴾
[التوبة: ٦٧]، وقولهِ: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤]، وقولهِ: ﴿وَلَا تَنسَوَأ
اٌلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ويكونُ خِلافَ الذِّكر والحفظِ، ومنه الحديث: ((نَسِيَ
آدمُ، فَسِيَتْ ذُرِّيَّتُه))(٤). وسيأتي. يُقال: رجُلٌ نَسْيان، بفتح النُّون: كثيرُ النِّسيانِ للشَّيء.
وقد نَسِيتُ الشيءَ نِسْياناً، ولا تقلْ(٥): نَسَياناً بالتَّحريك؛ لأنَّ النَّسَيانَ إنَّما هو تثنيةُ نَسَا
العِرْق(٦). وأَنفُس: جمعُ نَفْسٍ، جمع قِلَّة. والنَّفْسُ: الرُّوح، يقال: خرَجَتْ نَفْسُه.
قال أبو خراشٍ:
نجًا سالمٌ والنَّفْسُ منه بِشْقِهِ
ولم يَنْجُ إلَّا جَفْنَ سَيفٍ ومِئْزرًا(٧)
(١) في النسخ: بكوا، والمثبت من المصادر.
(٢) البيت في النكت والعيون ١/ ١١٤ دون نسبة.
(٣) البيت لخداش بن زهير، وهو في ديوانه ص٤٩، والتكملة للصغاني: (برر) برواية: يكون مكان البر
مني ودونه ... قال في التكملة: أي: أجعله مكان فؤادي وأشاوره في الأمور. وهو في تهذيب اللغة
١٨٨/١٥، والمجمل ١١٢/١ برواية المصنف.
(٤) سلف تخريجه ٢٩٣/١ - ٢٩٤، وسيرد عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَقَّى يُؤْمِنُواْ﴾ الآية:
٢٢١، وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُكِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَقَعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
(٥) في (٥) و(ظ): ولا يقال، وفي (ز): نقول، والمثبت من (م) والصحاح.
(٦) الصحاح: (نسي).
(٧) البيت في صحاح الجوهري: (نفس) لأبي خراش الهُذَلي خويلد بن مرة، وفي شرح أشعار الهذليين
٥٥٨/٢ لحذيفة بن أنس، وينظر اللسان وتاج العروس: (نفس).

٦٢
سورة البقرة : الآية ٤٤
أي: بجَفْنِ سَيْفٍ ومئزَرٍ.
ومن الذَّليل على أنَّ النَّفْسَ الرُّوحُ قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾.
[الزمر: ٤٢]، يريدُ الأرواحَ، في قولِ جماعَةٍ من أهل التَّأويلِ على ما يأتي. وذلك بَيِّنٌ
في قولٍ بِلال للنبيِّ وَّ في حديثٍ ابنِ شهابٍ: أَخَذَ بنَفْسي يا رسولَ الله الَّذِي أَخَذَ
بنَفْسِكَ. وقولِه عليه السَّلام في حديثٍ زيدٍ بنِ أسْلَم: ((إنَّ اللهَ قَبَضَ أرواحَنا، ولو شاءَ
لَردَّها إلينا في حِينٍ غيرِ هذا)). رواهُما مالِك(١)، وهو أوْلَى ما يُقالُ به.
والنَّفْسُ أيضاً: الدَّمُ؛ يُقالُ: سالَتْ نفسُه، قال الشّاعر(٢):
تسيلُ على حَدِّ السُّيوفِ نفوسُنا وليسَتْ على غيرِ الظُّبَاتِ(٣) تسيلُ
وقالَ إبراهيمُ النَّخَعيُّ: ما لَيسَ له نَفْسٌ سائِلَةٌ، فإنَّه لا يُنَجِّسُ الماءَ إذا ماتَ
فيه (٤). والنَّفْسُ أيضاً: الجَسَدُ؛ قال الشَّاعر(٥):
نُبِّئْتُ أنَّ بني سُحَيمِ أدخَلُوا أبياتَهم تامُورَ نَفْسِ المُنذِرِ
والتَّامورُ أيضاً: الدَّمُ(٦).
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ﴾ توبيخٌ عظيمٌ لمن فَهِم. وتَتْلُون:
تقرؤون. الكتاب: التَّوراة. وكذا مَنْ فعلَ فِعلَهم كان مثلَهم. وأصْلُ التِّلاوةِ الاتِّباعُ،
ولذلكَ استُعمِلَ في القراءة؛ لأنَّه يُتبعُ بعضَ الكَلامِ ببعضٍ في حروفه حتَّى يأتي على
نَسَقِه، يُقال: تَلَوْتُه: إذا تَبِعتَه تُلُوّاً، وتَلَوتُ القرأَنَ تِلاوَةً. وتَلَوتُ الرَّجلَ تُلُوّاً: إذا
خَذَلْتَه. والتَّلِيَّةُ والتُّلاوَةُ، بضمِّ التَّاء: البَقيَّةُ، يُقالُ: تَلِيَتْ(٧) لي من حقِّي تُلاوة وتَلِيَّةٌ،
(١) الموطأ ١٣/١ -١٤ و١٤ - ١٥، وقد روى مالك الأول منهما عن ابن شهاب الزُّهريّ، عن سعيد بن
المسيب، مرسلاً، ووصله مسلم (٦٨٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) هو السموأل، والبيت في ديوانه ص٩١.
(٣) في (د) و(ظ): حد الضباب، وفي (ز): الطباب، والمثبت من (م).
(٤) أخرجه أبو عبيد بن سلام في الطهور (١٩٠) بنحوه، وانظر التمهيد ٣٣٨/١، والاستذكار ١٢٣/٢.
(٥) هو أوس بن حجر، والبيت في ديوانه ص ٤٧.
(٦) من قوله: والنفس أيضاً الدم ... إلى هنا في صحاح الجوهري (نفس).
(٧) في النسخ: بقيت، والمثبت من (م) والصحاح.

٦٣
سورة البقرة : الآية ٤٤
أي: بَقِيَتْ(١). وأَتْلَيْتُ: أبقَيْتُ. وتَتَلَّيْتُ حقِّي: إذا تَتَبَّعتَه حتَّى تَستَوْفِيَه. قال أبو زيد:
تَلَّى الرجلُ: إذا كان بآخِرِ رَمَق(٢).
الثامنة: قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ تَّعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا تَمنَعون أنفُسَكم من مواقَعَةِ هذه
الحالِ المرديةِ لكم. والعقلُ: المَنْعُ، ومنه: عِقالُ البعير؛ لأنَّ يمنَعُهُ(٣) عن الحرَكَةِ(٤).
ومنه العَقْلُ الدِّيَةِ؛ لأنَّها تمنع(٥) وليَّ المقتولِ عن قَتْلِ الجاني، ومنه اعتِقَالُ البَظْنِ
واللِّسانٍ، ومنه يُقالُ للحصن: مَعْقِل. والعَقْلُ: نقيضُ الجَهْلِ. والعَقْلُ: ثَوبٌ أحمرُ
تَتَّخِذهُ نساءُ العرب تُغشِّي به الهَوادِجَ. قال عَلقمَةُ(٦) :
عَقْلاً ورَقْماً تكادُ الظَّيرُ تَخْطَفُهُ كأنَّهُ مِن دَم الأجوافِ مَدمُومُ(٧)
المَدْمُومُ، بالدال المهملة: الأحمرُ، وهو المراد هنا. والمَدْمُوم: الممتَلِئ شَحماً
من البَعير وغيره(٨). ويُقال: هُما ضَرْبانٍ من البُرود.
قال ابنُ فارس(٩): والعَقْلُ من شِياتٍ (١٠) الثِّيابِ: ما كان نَقْشُه طولاً، وما كانَ
نقشُه مُستديراً فهو الرَّقْم.
وقال الزجَّاج: العاقلُ مَنْ عَمِلَ بما أوجبَ اللهُ عليه، فَمِنْ لم يعمَلْ فهو جاهِلٌ.
التاسعة: أنَّفقَ أهلُ الحقِّ على أنَّ العقلَ كائنٌ موجودٌ ليس بقَديم ولا معدومٍ؛
لأنَّه لو كان معدوماً لما اختصَّ بالاتِّصافِ به بعضُ الذَّوات دونَ بعضَ، وإذا ثبتَ
وُجُودُه فيستحيلُ القولُ بقِدَمِه، إذِ الدَّليلُ قد قام على أنْ لا قَدِيمَ إلا الله تعالى، على
(١) في (د): بقية.
(٢) الصحاح (تلو).
(٣) في (م): يمنع.
(٤) المحرر الوجيز ١٣٧/١.
(٥) في (م): لأنه يمنع.
(٦) ابن عبدة الفحل، والبيت في ديوانه ص ٥١ .
(٧) في الديوان: تظل الطير تتبعه. وانظر الصحاح (عقل).
(٨) الصحاح (دمم).
(٩) مجمل اللغة (عقل) ٦١٨/٣.
(١٠) جمع شِيَة، وهي العلامة، أو هي سوادٌ في بياض، أو بياضٌ في سواد، وأصله من الوَشْي. انظر اللسان
(وشی).

٦٤
سورة البقرة : الآية ٤٤
ما يأتي بيانُه في هذه السُّورةِ وغيرِها، إن شاء الله تعالى.
وقد صارَتِ الفلاسفةُ إلى أنَّ العقلَ قديمٌ، ثُمَّ منهم مَنْ صارَ إلى أنَّه جَوهرٌ لطيفٌ
في البدن ينبثُ(١) شعاعُه منه بمنزلةِ السِّراج في البيت، يُفْصَل به بين حقائقٍ
المعلومات.
ومنهم مَنْ قال: إنَّه جوهرٌ بسيط، أي: غيرُ مرَّب. ثم اختلفوا في محلِّه، فقالت
طائفةٌ منهم: محلُّه الدِّماغ؛ لأنَّ الدِّماغَ محلٌّ(٢) الحِسِّ. وقالت طائفةٌ أخرى: محلُّه
القَلْبُ؛ لأنَّ القلْبَ مَعدِنُ الحياةِ ومادَّةُ الحواسِّ. وهذا القولُ في العقلِ بأنه جوهَرٌ
فاسِدٌ، من حيثُ إنَّ الجواهِرَ متماثِلَةٌ، فلو كان جَوْهَرٌ عَقْلاً، لكان كلُّ جوهَرٍ عَقْلاً.
وقيل: إنَّ العقلَ هو المُدرِكُ للأشياءِ على ما هي عليه من حقائق المعاني. وهذا
القولُ وإنْ كان أقربَ ممَّا قبلَه، فَيَبْعُدُ عن الصَّوابِ من جهةِ أنَّ الإدراكَ من صفاتٍ
الحيِّ، والعقلُ عَرَضٌ يستَحِيلُ ذلك منه، كما يستحيلُ أن يكونَ مُلْتَذّاً ومشتَهِياً.
وقال الشَّيخُ أبو الحسن الأشعريُّ والأستاذ أبو إسحاق الإسفراينيُّ وغيرهما من
المحقّقين: العقلُ هو العِلمُ، بدليل أنَّه لا يُقال: عَقَلْتُ وما عَلِمْتُ، أو عَلِمْتُ وما
عقَلْتُ.
وقال القاضي أبو بكر: العقلُ علومٌ ضروريَّةٌ بوجوب الواجباتِ وجوازٍ الجائزاتِ
واستحالةِ المستحيلاتِ(٣). وهو اختيارُ أبي المعالي في ((الإرشادِ))(٤)، واختار في
((البرهان))(٥) أنَّه صفةٌ يتأتَّى بها دَرْكُ العلوم. واعترضَ على مذهبِ القاضي، واستدلَّ
على فسادٍ مذهَبِهِ. وحكى في ((البرهانِ)) عن المحاسبي(٦) أنَّه قال: العقلُ غريزةٌ.
(١) في النسخ: يثبت، والمثبت من (م).
(٢) في النسخ: محلّه، والمثبت من (م).
(٣) نقله عنه الجويني في البرهان ١/ ٩٥.
(٤) ص٣٦ - ٣٧.
(٥) ٩٦/١.
(٦) هو الحارث بن أسد البغدادي، أبو عبد الله، صاحب التصانيف الزهدية، وقد دخل في شيء يسير من
الكلام فتُقم عليه، توفي سنة (٢٤٣هـ). السير ١١٠/١٢.
٠٠

٦٥
سورة البقرة : الآية ٤٥
وحكى الأستاذ أبو بكر (١) عن الشّافعيّ وأبي عبد الله بنِ مُجاهد(٢) أنَّهما قالا: العقلُ
آلةُ التَّمييز، وحكى عن أبي العبَّاس القَلاَنِسيِّ(٣) أنَّه قال: العقلُ قوَّةُ التَّمييز. وحكى
عن المُحاسبيِّ أنَّه قال: العقلُ أنوارٌ وبَصائِرُ. ثم رتَّب هذه الأقوالَ، وحملَها على
محامِلَ، فقال: والأَوْلى ألَّا يصحَّ هذا النَّقلُ عن الشافعيِّ، ولا عن ابن مجاهد، فإنَّ
الآلةَ إنَّما تُستعملُ في الآلةِ المثبتة، واستعمالُها في الأعراضِ مَجازٌ. وكذلك قول من
قال: إنه قُوَّةٌ، فإنه لا يَعقِلُ منَ القُوَّةِ إلَّ القُدْرَةَ، والقلانسِيُّ أطلقَ ما أطلقَهُ تَوسُّعاً في
العباراتِ، وكذلك المُحاسبي. والعقلُ ليس بصورةٍ ولا نور، ولكن تُستفادُ به الأنوارُ
والبصائرُ. وسيأتي في هذه السُّورة بيانُ فائدتهِ في آية التَّوحيدِ إنْ شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَة وَإِنَّهَا لَكَبِيَرَةُ إِلَّ عَلَى الْخَشِعِينَ
فيه(٤) ثمان مسائل :
٤٥
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَّةِ﴾ الصَّبرُ: الحبْسُ في اللُّغة. وقُتِل
فلانٌ صَبْراً، أي: أُمْسِكَ وحُبِسَ حتى أُتْلِفَ. وصَبَرْتُ نفسي على الشَّيء: حبستُها.
والمَصْبورةُ التي نُهي عنها في الحديث(٥): هي المحبوسةُ على الموت، وهي
المُجَثَّمة(٦). وقال عنترة(٧):
فصَبَرْتُ عارِفةً لذلك حُرّةً تَرْسُو إذا نَفْسُ الجبان تَطلَّعُ
(١) محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني، شيخ المتكلمين، صاحب التصانيف، توفي سنة (٤٠٦ هـ).
السیر ٢١٤/١٧.
(٢) هو محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد، أبو عبد الله الطائي البصري، المتكلم صاحب أبي
الحسن الأشعري، وله كتب حسان في الأصول. تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص ١٧٧ .
(٣) أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي، من معاصري أبي الحسن الأشعري، وهو من جملة
العلماء الكبار. تبیین کذب المفتري ص٣٩٨.
(٤) في (د) و(ز): فيها.
(٥) أخرج الإمام أحمد (١٤٤٢٣)، ومسلم (١٩٥٩) عن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله وَالقر أن
يقتلَ شيءٌ من الدوابّ صبراً.
(٦) مجمل اللغة ٥٤٩/٢ (صبر)، و٢٠٧/١ (جثم).
(٧) ديوانه ص٤٩، وينظر الصحاح (صبر).

٦٦
سورة البقرة : الآية ٤٥
الثانية: أمرَ تعالى بالصبر على الطّاعة وعن المُخالَفة في كتابه، فقال: ﴿وَأَصْبِرُوَأَ﴾
[الأنفال: ٤٦]. يقال: فلانٌ صابرٌ عن المعاصي، وإذا صبرَ عن المعاصي فقد صبرَ على
الطّاعة، هذا أصحُّ ما قيل. قال النَّحاس(١): ولا يُقال لمن صبرَ على المُصيبة(٢):
صابرٌ، إنَّما يُقال: صابرٌ على كذا. فإذا قلتَ: صابرٌ، مطلقاً، فهو على ما ذكرنا،
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا يُوَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالضَّلَوْؤُ﴾ خَصَّ الصَّلاةَ بالذِّكْرِ من بين سائرِ العبادات
تَنويهاً بذكرها. وكان عليه السلام إذا حَزَبَه أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ(٣).
ومنه ما رُويَ أنَّ عبدَ الله بنَ عبَّاس نُعِيَ له أخوه قُثَم(٤) - وقيل: بنتٌ له - وهو في
سفَرٍ، فاسترجعَ وقال: عَوْرةٌ سَتَرها الله، ومُؤنةٌ كفاها الله، وأجْرٌ ساقه الله. ثم تنخَّى
عن الطريق وصلَّى، ثم انصرفَ إلى راحلته وهو يقرأ: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾(٥).
فالصلاةُ على هذا التأويل هي الشّرعيَّة.
وقال قوم: هي الدعاء على عُرْفِها في اللغة، فتكونُ الآيةُ على هذا التأويل مُشبهةً
لقوله تعالى(٦): ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَقْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ [الأنفال: ٤٥]؛ لأنَّ الثَباتَ هو
الصبرُ، والذِّكر هو الدعاء.
وقولٌ ثالث، قال مُجاهد (٧): الصبرُ في هذه الآية الصومُ؛ ومنه قيلَ لرمضان:
شهرُ الصبر، فجاء الصومُ والصَّلاةُ على هذا القولِ في الآية متناسباً في أنَّ الصِّيامَ
يمنعُ الشَّهوات (٨) ويُزَهِّدُ في الدُّنيا، والصَّلاة تَنْهَى عن الفحشاء والمُنكر، وتُخشع،
(١) إعراب القرآن ٢٢٠/١.
(٢) في (د) و(ظ): المعصية.
(٣) سلف تخريجُه ١/ ٢٦٢.
(٤) له صحبة، وكان شبيه النبي ◌َّر، غزا خراسان، واستعمله علي على مكة. واستشهد بسمرقند في أيام
معاوية. السير ٣/ ٤٤٠.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٣١) (التفسير)، والطبري ١/ ٦٢٠، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٦٨٢).
(٦) في (د): شبيهة لقول الله.
(٧) المحرر الوجيز ١٣٧/١، وتفسير البغوي ٦٨/١.
(٨) في (م): من الشهوات.

٦٧
سورة البقرة : الآية ٤٥
ويُقرأ فيها القُرآن الذي يذكّر الآخرة. والله أعلم.
الرابعة: الصبرُ على الأذى والطّاعات من بابٍ جهادِ النَّفْس، وقمعِها عن
شهواتها، ومنعِها من تطاولها، وهو من أخلاقِ الأنبياءِ والصَّالحين.
قال يحيى بنُ اليَمان(١): الصَّبرُ ألا تتمنَّى حالةً سوى ما رزقَكَ الله، والرِّضا بما
قضى الله من أمر دنياك وآخرتك.
وقال الشَّعبيُّ: قال عليٍّ رضي الله عنه: الصبرُ من الإيمانِ بمنزلة الرأس من
الجسدِ (٢). قال الطبري: وصدقَ عليٍّ رضيَ الله عنه، وذلكَ أنَّ(٣) الإيمانَ معرفةٌ
بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالجوارح، فمن لم يصبر على العملِ بجوارحهِ لم
يَستَحِقَّ الإيمانَ بالإطلاق. فالصَّبرُ على العمل بالشَّرائع نظيرُ الرأس من الجَسدِ
للإنسان الذي لا تمامً له إلا به.
الخامسة: وصفَ الله تعالى جزاء الأعمال، وجعلَ لها نهاية وحَدًّا، فقال: ﴿مَن
◌َآءَ بِاَلَْنَةٍ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وجعلَ جزاءً الصدقة في سبيل الله فوق
هذا، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]
الآية، وجعلَ أجرَ الصابرين بغير حساب، ومَدَحَ أهله فقال: ﴿إِنََّا يُؤَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ
بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمرة ١٠]، وقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اُلْأُمُورِ﴾ [الشورى:
٤٣]، وقد قيل: إن المرادَ بالصابرين في قوله: ﴿إِنََّا يُوَّ الصَّْبِرُونَ﴾ أي: الصائمون،
لقوله تعالى في صحيح السُّنّة (٤) عن النبيّ وَِّ: ((الصيام لي وأنا أَجْزِي به))(٥) فلم
يذكر ثواباً مقدَّراً كما لم يذكره في الصبر. والله أعلم.
(١) الحافظ، أبو زكريا العجلي الكوفي، من رجال التهذيب، قال ابن المديني: صدوق، فلجَ فتغير حفظه،
توفي سنة تسع وثمانین ومئة. تهذيب الكمال ٥٥/٣٢.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصبر (٨) من طريق السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق قال: قال
علي ... وأخرجه وكيع في الزهد (١٩٩)، وابن أبي شيبة ٤٧/١١، وأبو نعيم في الحلية ٧٥/١-٧٦،
والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠) من طرق أخرى عن علي رضي الله عنه.
(٣) في (د): لأن.
(٤) في (ظ): صحيح البخاري.
(٥) قطعة من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (١٠٦٩٣)، والبخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١): (١٦١).

٦٨
سورة البقرة : الآية ٤٥
السادسة: مِن فَضْل الصَّبر وصف الله تعالی نفسه به، كما في حديث أبي موسى
عن النبيِّ وَ ﴿ قال: ((ليس أحدٌ - أو ليس شيء - أصبرَ على أذّى سمعه(١) من الله
تعالى، إنهم لَيَدْعُون له ولداً وإِنَّه لِيُعَافيهم ويرزقُهم)). أخرجه البخاري(٢).
قال علماؤنا: وصفُ الله تعالى بالصبر إنَّما هو بمعنى الحِلْم، ومعنى وصفِهِ تعالى
بالحِلْم هو تأخيرُ العقوبةِ عن المستحقِّين لها. ووصفُه تعالى بالصبر لم يَرِد في التنزيل
وإنما ورد في حديث أبي موسى، وتأوَّله أهلُ السُّنة على تأويل الحِلْم، قاله ابنُ فُورَك
وغيره(٣). وجاء في أسمائه ((الصبور)) للمبالغة في الحلم عمن عصاه.
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ اختلف المتأوِّلون في عَوْدِ الضَّمير من
قوله: ((وإنَّها))، فقيل(٤): على الصلاة وحدَها خاصَّة، لأنها تَكْبُرُ على النفس ما لا
يكبُرُ الصوم، والصبرُ هنا: الصوم، فالصلاة فيها سجنُ النفوس(٥)، والصوم إنما فيه
منعُ الشهوة، فليس مَن مُنِعَ شهوةً واحدة أو شهوتين(٦) كمَن مُنِعَ جميعَ الشهوات،
فالصائمُ إنما مُنع شهوةَ النِّساء والطعام والشراب، ثم ينبسطُ في سائر الشهوات من
الكلام والمشي والنَّظرِ، إلى غير ذلك من ملاقاة الخلق، فيتسلَّى بتلك الأشياء عما
مُنِعَ. والمصلِّي يمتنعُ من جميع ذلك(٧)، فجوارحُه كلُّها مقيَّدةٌ بالصلاة عن جميع
الشهوات. وإذا كان ذلك، كانت الصلاةُ أصعبَ على النفس، ومكابدتُها أشدّ،
فلذلك قال: ﴿وَإِنَّهَا لَكِيرَةٌ﴾.
وقيل: عليهما، ولكنه كَنَى عن الأغلب، وهو الصلاة؛ كقوله: ﴿وَالَّذِينَ
يَكْتِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْأ
تَجَرَةً أَوْ لَمْوَ أَنفَضُّواْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]. فردَّ الكنايةَ إلى الفضة؛ لأنها الأغلبُ
والأعمّ، وإلى التجارة؛ لأنها الأفضلُ والأهمُ.
(١) في (ز): يسمعه.
(٢) صحيح البخاري (٦٠٩٩)، وأخرجه أحمد (١٩٥٢٧)، ومسلم (٢٨٠٤).
(٣) مشکل الحدیث وبیانه ص٤٨٥.
(٤) تنظر الأقوال في تفسير الطبري ١/ ٦٢١، والنكت والعيون ١١٦/١، والمحرر الوجيز ١٣٧/١.
(٥) في (د): النفس.
(٦) في (ظ): منع الشهوة الواحدة، فليس من منع الشهوة أو الشهوتين.
(٧) في (د): من جميع ذلك بجوارحه.

٦٩
سورة البقرة : الآية ٤٥
وقيل: إن الصبرَ لمَّا كان داخلاً في الصلاة، أعاد عليها، كما قال: ﴿وَاَللَّهُ
وَرَسُولُ: أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. ولم يقل: يرضُوهما، لأن رضا الرسولِ داخلٌ
في رضا الله جلَّ وعزَّ، ومنه قول الشاعر(١):
إنّ شَرْغَ الشَّبابِ والشَّعَرَ الأسـ
ـودَ ما لم يُعاصَ كان جُنونا
ولم يقل: يُعاصيا، ردَّ إلى الشباب، لأن الشَّعَرَ داخلٌ فيه .
وقيل: رَدَّ الكنايةَ إلى كلِّ واحد منهما، لكن حذف اختصاراً؛ قال الله
تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا أَبْنَ مَرْيَمَ وَأَُّرْ ءَايَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، ولم يقل آيتين، ومنه قول
الشاعر (٢):
فإني وقَيَّارٌ(٣) بها لَغرِيبُ
وقال آخر:
فمَنْ يكُ أمْسَى بالمدينةِ رَحْلُهُ
لكلِّ هَمِّ مِنَ الهُمُومِ سَعَةْ
والصُّبْحُ والمُسْيُّ لا فلاحَ مَعَهْ(٤)
أراد: لَغَرِيبان، لا فلاحَ معهما.
وقيل: على العبادة التي يَتَضَمَّنُها بالمعنى(٥) ذكرُ الصَّبْرِ والصلاة .
وقيل: على المصدر، وهي الاستعانة التي يقتضيها قوله: ((واستَعِينُوا)).
وقيل: على إجابةٍ محمَّدٍ عليه السلام؛ لأنَّ الصبرَ والصلاةَ مما كان يدعو إليه.
وقيل: على الكعبة؛ لأن الأمرَ بالصلاةِ إنما هو إليها(٦).
(١) هو حسان بن ثابت، والبيت في ديوانه ص٤٧٣، وأمالي ابن الشجري ٤٤/٢.
(٢) هو ضابئ بن الحارث البرجمي، والبيت من شواهد الكتاب ٧٥/١، وهو في الأصمعيات ص١٨٤،
وخزانة الأدب ٣١٢/١٠.
(٣) وقع في بعض المصادر: وقياراً، بالنصب، كما في الكامل للمبرد ١/ ٤١٦، قال: ولو رفع لكان جيداً.
(٤) البيت للأَضْبَطِ بن قُرَيْع، كما في البيان والتبيين ٣٤١/٣، والأغاني ١٢٩/١٨، وأمالي القالي ١ / ١٠٧
ورواية البيت فيها: والمُسْيُ والصبح لا فلاح معه.
(٥) في (د): تضمنها المعنى، وفي (ظ): يتضمنهما.
(٦) النكت والعيون ١١٦/١، ومجمع البيان ٢٢٢/١، والمحرر الوجيز ١٣٧/١، وقد رة ابن عطية القولين
الأخیرین.

٧٠
سورة البقرة : الآية ٤٥
((وكبيرةٌ)) معناه: ثقيلةٌ شاقّة، خبر ((إنّ). ويجوز في غير القرآن: وإنه لكبيرةٌ(١).
((إلا على الخاشعين)) فإنها خفيفةٌ عليهم .
قال أربابُ المعاني: إلا على مَنْ أَيِّدَ في الأزَل بخصائص الاجتباء (٢) والهدى.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿عَلَى الْخَشِينَ﴾ الخاشعون جمعُ خاشع، وهو المتواضع.
والخشوعُ: هيئةٌ في النَّفْس يظهرُ منها في الجوارحِ سُكونٌ وتواضع(٣). وقال قتادة:
الخشوعُ في القلبِ (٤)، وهو الخوفُ وغضُّ البَصَرِ في الصلاة. قال الزجَّاج: الخاشع
الذي يُرَى أثرُ الذَّلِّ والخشوع عليه، كخشوعِ الدارِ بعد الإقواء. هذا هو الأصل. قال
النَّابغة:
ونُؤيٌّ كِذْم الحوضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ(٥)
رَمَادٌ ككُخْلِ العَيْنِ لَأُياً أُبِينُه
ومكانٌ خاشعٌ: لا يُهتدَى له. وخَشعت الأصواتُ، أي: سكّنَتْ. وخَشَعتْ
خَراشِيُّ صدرِهِ (٦): إذا ألقَى بُصاقاً لَزِجاً. وخَشَع ببصره: إذا غَضَّه .
والخُشْعَةِ (٧): قطعةٌ من الأرض رِخْوَة، وفي الحديث: ((كانت خُشْعةً على الماء،
ثم دُحِيَتْ بعدُ)) (٨). وبلدةٌ خاشعة: مُغَرَّةٌ لا منزلَ بها(٩).
قال سفيان الثورِيُّ: سألتُ الأعمشَ عن الخشوع، فقال: يا ثوريُّ، أنت تريدُ أن
(١) إعراب القرآن ٢٢٠/١.
(٢) في (ز): الاختيار.
(٣) المحرر الوجيز ١٣٧/١.
(٤) تفسير عبد الرزاق ٤٣/٣، وتفسير الطبري ١٧/ ١٠.
(٥) ديوانه ص٧٩.
(٦) كذا في النسخ الخطية و (م)، وفي مجمل اللغة ٢٨٩/١ (وغالب الكلام فيه): يقال: خَشَعَ خَراشيَّ
صدرِه ... ، وكذا هي في جمهرة اللغة ٢/ ٢٢٣، قال الأزهري في تهذيب اللغة ١/ ١٥٢ : جعل (يعني
ابنَ دريد) خَشَعَ واقعاً (يعني متعدِّياً)، ولم أسمعه لغيره. وقال الفيروز آبادي في القاموس: خَشَعَ فلانٌ
خراشيَّ صدرِهِ، فَخَشَعَتْ هي: إذا ألقى بزاقاً لزجاً. قال شارحه: لازمٌ ومتعدٍّ.
(٧) في (ظ): والخشفة (بفاء).
(٨) لم نقف عليه في مصادر الحديث، وهو في الصحاح (خشع)، وجمهرة اللغة ٢٢٣/٢، وتهذيب اللغة
١٥١/١، والنهاية (خشع).
(٩) مجمل اللغة ٢٨٩/١.

٧١
سورة البقرة : الآية ٤٥
تكونَ إماماً للناس ولا تعرفُ الخشوعَ! سألتُ إبراهيمَ النَّخَعِيَّ عن الخشوع، فقال:
أُعَيْمِشُ! تريد أن تكونَ إماماً للناس، ولا تعرفُ الخشوعَ! ليس الخشوعُ بأكل
الخَشِنِ، ولُبسِ الخَشِن، وتَطأطُؤْ الرأس! لكنَّ الخشوعَ أن تَرى الشريفَ والدنيءَ في
الحقِّ سواءً، وتخشعَ لله في كل فرض افْتَرَضَ عليك.
ونظر عمر بنُ الخطاب إلى شابٍّ قد نَكَسَ رأسَه، فقال: يا هذا! إِرْفَعْ رأسَك،
فإنَّ الخشوعَ لا يزيدُ على ما في القلب.
وقال عليُّ بنُ أبي طالب: الخُشوعُ في القلب، وأن تلينَ كفَّيْك للمرء المسلم،
وألَّا تلتفتَ في صلاتك(١). وسيأتي هذا المعنى مجوَّداً عند قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٢].
فمَنْ أظهرَ للناس خُشوعاً فوقَ ما في قلبه؛ فإنما أظهرَ نِفاقاً على نفاق، قال سهلٌ
ابنُ عبد الله: لا يكون خاشعاً حتى تخشعَ كلُّ شعرةٍ على جَسَده، لقول الله تبارك
وتعالى: ﴿نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣].
قلت: هذا هو الخشوع المحمودُ؛ لأن الخوف إذا سكن القلبَ، أوجبَ خشوعَ
الظاهر، فلا يملك صاحبُه دفعَه، فتراه مُطرِقاً متأدِباً متذلِّلاً. وقد كان السلفُ يجتهدون
في سَتْر ما يظهر من ذلك، وأما المذمومُ: فتكلُّفُه، والتباكي، ومُطأطأةُ الرأسِ، كما
يفعلهُ الجھَّال؛ لِيُرَوْا بعين البِرِّ والإجلال، وذلك خَذْعٌ من الشيطان، وتسويلٌ من نفس
الإنسان. روى الحسن أنَّ رجلاً تَنَفَّسَ عند عمرَ بنِ الخطاب كأنه يتحازنُ، فَلَكَزَه
عمرُ، أو قال: لَكَمَه. وكان عمر رضي الله عنه إذا تكلّم أسمعَ، وإذا مشى أسرعَ، وإذا
ضربَ أوجع، وكان ناسكاً صِدْقاً، وخاشعاً حقّاً(٢).
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٤٨)، ووكيع في الزهد (٣٢٨)، وعبد الرزاق في تفسيره ٤٣/٣،
والطبري في تفسيره ٨/١٧، والحاكم في المستدرك ٣٩٣/٢.
ووقع في زهد ابن المبارك ووكيع وتفسير الطبري: تلين كنفك، وفي تفسير عبد الرزاق: كتفيك، وفي
الحاكم: كتفك.
(٢) أخرج ابن سعد في الطبقات ٢٩٠/٣ عن الشفاء ابنة عبد الله، أنها رأت فتياناً يقصدون في المشي،
ويتكلمون رويداً، فقالت: ما هذا؟ فقالوا: نُسَّاك، فقالت: كان - والله - عمر إذا تكلم أسمع ...

٧٢
سورة البقرة : الآية ٤٦
وروى ابنُ أبي نَجِيح عن مجاهد قال: الخاشعون هم المؤمنون حقّاً (١).
٤٦
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَكُونَ أَنَّهُم مَُّقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنُّونَ﴾ ((الذين)) في موضع خَفْضٍ على النعت للخاشعین،
ويجوز الرفعُ على القَطْع (٢). والظن هنا في قول الجمهور بمعنى اليقين، ومنه قوله
تعالى: ﴿إِّ ◌َنَفْتُ أَنّى مُلَقٍ حِسَالِيَّةٍ﴾ [الحاقة: ٢٠]، وقوله: ﴿فَظَنُّوَاْ أَنَّهُم ◌ُوَافِعُوهَا﴾
[الكهف: ٥٣]. قال دُرَيْد بنُ الصِّمّة(٣):
فقلتُ لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ
سَراتُهُمُ في الفارسيِّ(٤) المُسَرَّدِ(٥)
وقال أبو دُؤاد:
وغيوبٍ كشَّفْتُها بظُنونٍ(٦)
رُبَّ هَمَّ فَرَّجْتُه بغريمٍ
وقد قيل: إنَّ الظنِّ في الآية يصحُّ أن يكون على بابه، ويُضْمَر في الكلام: بذنوبهم،
فكأنَّهم يتوقَّعون لقاءَه مُذنبين، ذكره المهدويُّ والماوَرْدِي(٧). قال ابن عطية(٨): وهذا
تَعَسُّف. وزعم الفَرّاء أن الظنّ قد يقع بمعنى الكذب، ولا يَعرفُ ذلك البصريُّون.
(١) أخرجه الطبري ١/ ٦٢٢، وابن أبي حاتم (٤٩٤).
(٢) ويجوز أيضاً النصبُ على القطع؛ قال العُكْبَري في الإملاء: ويجوز أن يكون في موضع نصب،
بإضمار: أعني، ورفع، بإضمار: هم، وبنحوه قال أبو حيان في البحر ١/ ١٨٥ .
(٣) ويكنى أبا قرة، من فخذ من جشم يقال لهم: بنو غزية، وهو أحد الشجعاء المشهورين وذوي الرأي
في الجاهلية، شهد يوم حنين مع هوازن وهو شيخ كبير وقُتل فيمن قتل من المشركين. الشعر
والشعراء ٧٤٩/٢ .
(٤) في (د): بالفارس، وفي (ز) و(ظ): بالفارسي، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمصادر.
(٥) البيت في تفسير الطبري ٦٢٤/١، والأضداد ص١٤، والأغاني ٨/١٠، وشرح حماسة أبي تمام
المرزوقي ٨١٢/٢ برواية المصنف، وفي ديوانه ص٤٨، والأصمعيات ص١٠٧، وفيه: علانيةٌ ظنّوا.
(٦) الأضداد لابن الأنباري ص١٥، والنكت والعيون ١١٦/١، وتفسير الطبرسي ٢٢٣/١، ورواية ابن
الأنباري والطبرسي: بعزيم، قال ابن الأنباري: معناه: كشفتها بيقين وعلم ومعرفة. وأبو دؤاد هو
جارية بن الحجّاج الحُذاقي الإيادي، وقيل: اسمه حنظلة بن الشَّرْقي، وهو شاعر جاهلي، وأحد نعَّات
الخيل المُجيدين. الشعر والشعراء ٢٣٧/١ - ٢٣٨.
(٧) النكت والعيون ١١٦/١.
(٨) المحرر الوجيز ١٣٨/١.

٧٣
سورة البقرة : الآية ٤٧
وأصلُ الظنِّ وقاعدتُه الشُّ مع ميلٍ إلى أحد معتَقَدَيْهِ، وقد يُوقَع(١) موقعَ اليقين،
كما في هذه الآية وغيرِها، لكنه لا يُوقَع فيما قد خَرَج إلى الحِسِّ، لا تقول العرب في
رجل مرئيٍّ حاضرٍ: أظن هذا إنساناً، وإنما تجدُ الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحِسِّ
بعدُ، كهذه الآية والشعرِ، وكقوله تعالى: ﴿فَظَنُّوَاْ أَنَّهُم ◌ُّوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣].
وقد يجيءُ اليقين بمعنى الظنِّ، وقد تقدَّم بيانُه أوّلَ السورة (٢).
وتقول: سُؤتُ به ظنّاً، وأسأتُ به الظنَّ، يُدخلون الألف إذا جاؤوا بالألف واللام(٣).
ومعنى ﴿قُلَقُواْ رَبِّهِمْ﴾: جزاءَ رَبِّهم. وقيل: جاء على المفاعلة وهو من واحد،
مثل: عافاه الله (٤). ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ بفتح الهمزةِ: عطفٌ على الأوّل، ويجوز (وإنهم))
بكسرها على القطع(٥). ﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى ربهم، وقيل: إلى جزائه (٦). ﴿رَجِعُونَ﴾
إقرارٌ بالبعث والجزاء، والعَرْضِ على الملِك الأعلى.
قوله تعالى: ﴿يَبَنِىَّ إِسْرَِّيَ أَذْكُرُوا نِعْمَتِىَ أَلَِّىَّ أَنْهُمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِي فَضَّلْتَّكُمْ عَلَى
اَلْعَلَمِينَ
قوله تعالى: ﴿يَبِىّ إِسْرَِّيلَ أَذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ تقدّم(٧).
﴿وَأَنِ فَضَّلْتَّكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ يريد على عالَمي زمانِهم، وأهلُ كلِّ زمان عالَمٌ.
وقيل: على كلِّ العالمين، بما جعَلَ فيهم من الأنبياء. وهذا خاصَّةٌ لهم(٨) وليست
لغيرهم(٩).
(١) في (د): يقع.
(٢) ٢٧٦/١.
(٣) إصلاح المنطق ص٣٢٦، والصحاح (سوا).
(٤) المحرر الوجيز ١٣٨/١.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٢١/١.
(٦) تفسير الفخر الرازي ٣/ ٥٠.
(٧) ٦/٢.
(٨) في (د): خاص بهم.
٠٠
(٩) ردَّ المفسرون هذا القول، وذكروا أن أمة محمد﴿ أفضل الأمم بدليل قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّ=

٧٤
سورة البقرة : الآية ٤٨
قوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا
٤٨
يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَ هُمْ يُنصَرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾ أمرٌ معناه الوعيدُ، وقد مضى
الكلام في التقوى(١).
(يوماً)) يريد: عذابَه وهَوْلَه، وهو يومُ القيامة، وانتصَبَ على المفعول بـ ((اتقوا)).
ويجوزُ في غير القرآن: يومَ لا تَجزي، على الإضافة.
وفي الكلام حذفٌ بين النَّخْويين فيه اختلاف؛ قال البصريون: التقدير: يوماً لا
تَجزي فيه نفسٌ عن نفس شيئاً، ثم حذف ((فيه))(٢)، كما قال:
ويوماً شهدناه سُلَيماً وعامِرا(٣)
أي: شهدنا فيه.
وقال الكسائيُّ: هذا خطأً، لا يجوز حذفُ ((فيه))، ولكن التقدير: واتَّقُوا يوماً لا
تَجزيه نفسٌ، ثم حذفَ الهاء. وإنَّما يجوزُ حذفُ الهاء؛ لأن الظروفَ عنده لا يجوز
حذفُها. قال: لا يجوز أن تقول: هذا رجلاً قصدتُ، ولا: رأيتُ رجلاً أرغبُ؛ وأنت
تريد: قصدتُ إليه، وأرغبُ فيه. قال: ولو جاز ذلك لَجاز: الذي تكلَّمتُ زيدٌ،
بمعنى: الذي تكلَّمتُ(٤) فيه زيدٌ. وقال الفرَّاء(٥): يجوز أن تُحذف الهاءُ و((فيه)).
أُخرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. وذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره ٨٩/١ قول القرطبي هذا، وتعقبه بقوله: فيه نظر،
=
لأن العالمين عام يشمل مَن قبلهم ومَن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر
أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضلُ من جميع الخلق، وسيّدُ ولد آدم في الدنيا والآخرة، صلوات الله
وسلامه عليه.
(١) ٢٤٨/١ -٢٥١.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٢١/١.
(٣) هو صدرُ بيتٍ لرجل من بني عامر، وعجزُه:
قليلاً سوى الطعن النِّهالِ نوافِلُه
وهو في الكتاب ١٧٨/١، وأمالي ابن الشجري ٧/١، وعندهما: ويومٍ ... قليلٍ، وفي معاني القرآن
للزجاج ١٢٨/١ بمثل رواية المصنف.
(٤) في (م) و(ز) و(ظ): بمعنى تكلمت، والمثبت من (د).
(٥) معاني القرآن ٣١/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٢١/١.

٧٥
سورة البقرة : الآية ٤٨
وحكى المهدويُّ أن الوجهين جائزان عند سيبويه(١) والأخفش والزجَّاج(٢).
ومعنى ﴿لَّا تَرِى نَفْسُّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾ أي: لا تُؤْخَذُ(٣) نفسٌ بذنبٍ أُخرى، ولا
تَدفعُ عنها شيئاً، تقول: جَزَى عنِّ هذا الأمرَ يَجزي، كما تقول: قَضَى عِّ.
واجتزأتُ بالشيء اجتزاءً: إذا اكتفيتَ به، قال الشاعر (٤):
فإنَّ الغَذْر في الأقوام عارٌ
وإنَّ الحرَّ يَجْزَأُ بالكُراع
أي: یکتفي بها.
وفي حديث عمر: ((إذا أجريتَ الماءَ على الماء جَزَّى عنك))(٥). يريد: إذا صببتَ
الماءَ على البول في الأرض، فَجَرى عليه، ظَهُر المكانُ، ولا حاجةً بك إلى غَسْلِ
ذلك الموضع، ونَشْفٍ (٦) الماء بخرقة أو غيرها، كما يفعل كثيرٌ من الناس.
وفي صحيح الحديث عن أبي بُردَةَ بنِ نِيار (٧) في الأُضْحية: ((ولن تَجزِيَ عن أحدٍ
بعدك»(٨) أي: لن تُغنِيَ.
فمعنى ﴿لَّا تَجْزِى﴾: لا تقضي، ولا تُغني، ولا تكفي، إن لم يكن عليها شيءٌ،
فإن كان، فإنها تَجزي وتقضي وتُغني بغير اختيارها من حسناتها ما عليها من الحقوق،
(١) الكتاب ٣٨٦/١، وذكر حذف ((فيه)) فقط، وقد نقل ابن الشجري جواز الأمرين عن سيبويه والأخفش،
إلا أن ابن هشام تعقّبه في المغني ص٨٠٤، فقال: وهو نقل غريب. ذكر ذلك الأستاذ الطناحي رحمه
الله في تعليقه على أمالي ابن الشجري ١/ ٧.
(٢) معاني القرآن للأخفش ٨٨/١ -٨٩، ومعاني القرآن للزجاج ١٢٩/١.
(٣) في (ظ): لا توجد، وفي (م): لا تؤاخذ، والمثبت من (د) و(ز).
(٤) هو أبو حنبل جارية بن مرّ الطائي، والبيت في المحبّر ص٣٥٣، والدرة الفاخرة في الأمثال السائرة
٢ /٤١٧، ومجمع الأمثال ٢/ ٣٧٧.
(٥) لم نقف عليه، وذكره ابن الأثير في النهاية (جزى).
(٦) في (م): تنشيف.
(٧) واسمه هانئ، شهد العقبة وبدراً والمشاهد النبوية، وكان من الرماة الموصوفين، توفي سنة (٤٢هـ).
السیر ٣٥/٢.
(٨) أخرجه أحمد (١٦٤٨٥)، وأخرجه أيضاً البخاري (٩٥٥)، ومسلم (١٩٦١) من حديث البراء بن عازب
رضي الله عنه، وفيه أن أبا بردة بن نيار - وهو خال البراء - قال: يا رسول الله، فإن عندنا عَناقاً لنا
جَذَعة هي أحبُّ إلي من شاتين، أفتجزي عني؟ قال: ((نعم، ولن تجزيَ عن أحد بعدك)).

٧٦
سورة البقرة : الآية ٤٨
كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله وَ ﴿﴿ قال: ((مَنْ كانت عنده مَظْلِمةٌ لأخيه من
عِرْضِه، أو شيءٌ، فَلْيتحَلَّلْه(١) منه اليومَ قبل ألَّ يكون دينارٌ ولا درهم؛ إنْ كان له عملٌ
صالح أُخِذَ منه بقَدْرٍ مَظْلِمِتِهِ، وإن لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيّئات صاحبِهِ، فحُمِلَ
عليه)). خرَّجه البخاري(٢). ومثلُه حديثُه الآخَرُ في المُفْلِس، وقد ذكرناه في
(التذكرة))(٣) خرَّجه مسلم(٤).
وقرئ: ((تُجزِئ))، بضم التاء والهمز(٥)، ويقال: جَزَى وأجزأ بمعنَّى واحد، وقد
فرَّق بينهما قومٌ، فقالوا: جَزَى بمعنى قضى وكافاً. وأجزا بمعنى: أغنى وكفى،
أجزأني الشيءُ يُجزئني، أي: كفاني، قال الشاعر:
وأجزأتَ أمرَ العالَمين ولم يكن لِيُجزِئَ إلا كاملٌ وابنُ کاملِ(٦)
الثالثة (٧): قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ﴾ الشفاعةُ مأخوذةٌ من الشَّفْع، وهما
الاثنان (٨)، تقول: كان وِتْراً، فشَفَعْتُه شَفْعاً، والشُّفْعَة منه؛ لأنك تضمُّ مِلْكَ شريكِك
إلى مِلْكِك، والشفيعُ: صاحبُ الشُّفْعة، وصاحبُ الشفاعة، وناقة شافعٌ: إذا اجتمعَ
لها حَمْلٌ وولدٌ يتبعُها، تقول منه: شَفَعتِ الناقةُ شَفْعاً، وناقةٌ شَفُوعُ: وهي التي تَجمعُ
بين مِحْلَبين في حَلْبة واحدة، واستشفعتُه إلى فلانٍ: سألتُه أن يشفَعَ لي إليه، وتشفّعتُ
إليه في فلان فَشفَّعَني فيه (٩).
فالشفاعةُ إذاً ضَمُّ غيرِك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق: إظهارٌ لمنزلة
الشفيع عند المشفَّع، وإيصالُ منفعةٍ(١٠) للمشفوع.
(١) في (ظ): فليستحلله.
(٢) صحيح البخاري (٢٤٤٩). وهو في المسند (٩٦١٥)، قوله: ((مظلمة)) بتثليث اللام، انظر فتح الباري ١٠١/٥.
(٣) ص٢٦٧.
(٤) رقم (٢٥٨١)، وهو في المسند (٨٠٢٩).
(٥) هي قراءة أبي السمَّال، كما في القراءات الشاذة لابن خالويه ص٥، والمحرر الوجيز ١٣٩/١.
(٦) . لم نقف عليه، وأورده السمين الحلبي في الدر المصون ٣٣٧/١ من غير نسبة.
(٧) كذا في النسخ، ابتدأ بالثالثة دون ذكر الأولى والثانية.
(٨) المحرر الوجيز ١٣٩/١، وجاء بعد ذلك قوله: لأن الشافع والمشفوع له شَفْعٌ.
(٩) الصحاح: (شفع).
(١٠) في (م): منفعته.

٧٧
سورة البقرة : الآية ٤٨
الرابعة: مذهبُ أهلِ الحقِّ أن الشفاعةَ حقٌّ، وأنكرها المعتزلةُ، وخلَّدوا المؤمنين
من المذنبين الذين دخلُوا النار في العذاب(١)، والأخبارُ متظاهرةٌ بأنَّ مَنْ كان من
العُصاة المذنبين الموحّدين من أُمم النبيين، هم الذين تنالُهم شفاعةُ الشافعين من
الملائكة والنبيِّين والشهداءِ والصالحين(٢).
وقد تمسَّك القاضي في الردِّ عليهم(٣) بشيئين:
أحدهما: الأخبارُ الكثيرة التي تواترت في المعنى.
والثاني: الإجماعُ من السَّلَف على تلقِّي هذه الأخبار بالقَبول، ولم يَبْدُ من أحدٍ
منهم في عصر من الأعصار نكيرٌ، فظهورُ روايتِها، وإطباقُهم على صحتها، وقَبولُهم
لها، دليلٌ قاطعٌ على صحة عقيدة أهلِ الحقِّ وفسادٍ دين المعتزلة.
فإن قالوا: قد وردت نصوصٌ من الكتاب بما يُوجب ردَّ هذه الأخبار، مثلُ
قوله: ﴿مَا لِلِّلِمِينَ مِنْ حَمِيرٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. قالوا: وأصحابُ الكبائر
ظالمون، وقال: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ﴾.
قلنا: ليست هذه الآياتُ عامةً في كلِّ ظالم، والعمومُ لا صيغةً له(٤)، فلا تعمُّ
هذه الآياتُ كلَّ من يعملُ(٥) سوءاً وكلَّ نفسٍ، وإنَّما المرادُ بها الكافرون دونَ
المؤمنين؛ بدليلِ الأخبار الواردة في ذلك، وأيضاً؛ فإنَّ الله تعالى أثبتَ شفاعةً(٦)
(١) ينظر في مسألة الشفاعة تفسير الفخر الرازي ٣/ ٥٥-٦٦.
(٢) حديث أبي سعيد الخدري في الشفاعة عند أحمد (١١٨٩٨)، والبخاري (٧٤٣٩)، ومسلم
(١٨٢).
(٣) في (د) و(ز) و(م): عليهم في الردّ، والمثبت من (ظ).
(٤) قال أبو المظفر السمعاني في قواطع الأدلة ص٢٤٦: للعموم صيغة مقتضية استيعاب الجنس لغة
وشرعاً، وهذا قولُ جملةٍ الفقهاء وكثير من المتكلمين. وقال أبو الحسن الأشعري ومن تبعه: إنه ليس
للعموم صيغة موضوعة في اللغة، والألفاظ التي ترد في الباب تحتملُ العموم والخصوص، فإذا وردت
وجب التوقف فيها حتى يدل الدليل على ما أُريد بها.
(٥) في (ظ): عمل.
(٦) في (ظ): الشفاعة.

٧٨
سورة البقرة : الآية ٤٨
لأقوامٍ ونفاها عن أقوام، فقال في صفة الكافرين: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَِّفِينَ﴾
[المدثر: ٤٨]، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقال: ﴿وَلَا تَنَفَعُ
الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَمْ﴾ [سبأ: ٢٣]، فعلمنا بهذه الجملة أنَّ الشفاعةَ إنما تنفَعُ
المؤمنین دون الکافرین.
وقد أجمع المفسرون على أن المرادَ بقوله تعالى: ﴿وَثَّقُواْ يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن
نَفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ﴾: النفسُ الكافرةُ، لا كلُّ نفسٍ، ونحن وإن قلنا بعموم
العذاب لكلِّ ظالم عاصٍ، فلا نقول: إنهم مخلَّدون فيها، بدليل الأخبار التي
رويناها، وبدليل قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا
يَأَيْكَسُ مِن رَّوْجِ اَللَّهِ إلَّ اٌلْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
فإن قالوا: فقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾، والفاسقُ غير
مُرْتَضَى؟
قلنا: لم يقل: لمن لا يرضى، وإنما قال: ﴿لِمَّنِ ارْتَضَى﴾، ومن ارتضاهُ الله
للشفاعة هم الموحّدون، بدليل قوله: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَنِ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّهَْنِ
عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]. وقيل للنبيِّ وَّله: ما عهدُ الله مع خلقه؟ قال: ((أن يُؤمنوا ولا
يُشركوا به شيئاً))(١). وقال المفسرون: إلا من قال: لا إله إلا الله.
فإن قالوا: المرتَضَى هو التائبُ الذي اتّخذَ عند الله عهداً بالإنابة إليه، بدليل أنَّ
الملائكةَ استغفروا لهم، وقالوا(٢): ﴿فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَقَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧].
وكذلك شفاعةُ الأنبياء عليهم السلام إنَّما هي لأهل التوبة دونَ أهل الكبائر.
قلنا: عندكم يجبُ على الله تعالى قَبولُ التوبة، فإذا قبِلَ الله توبةً المذنب، فلا
يحتاجُ إلى الشَّفاعة، ولا إلى الاستغفار. وأجمعَ أهلُ التفسير على أن المراد بقوله:
(١) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج أحمد (٢١٩٩١)، والبخاري (٧٣٧٣) - واللفظ له - ومسلم (٣٠) من
حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال النبي ◌ِّر: ((يا معاذ، أتدري ما حقُّ الله على العباد؟))
قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((أنْ يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. أتدري ما حقُّهم عليه؟)) قال: الله
ورسوله أعلم. قال: ((أن لا يعذبهم».
(٢) في (ظ) و(م): وقال، والمثبت من (د) و(ز).

٧٩
سورة البقرة : الآية ٤٨
﴿فَأَغْفِّرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾ أي: من الشِّرك ﴿وَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾ أي: سبيلَ المؤمنين، سألوا
الله تعالى أن يغفِرَ لهم ما دون الشِّرك من ذنوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَن يَشَاءُ﴾.
فإن قالوا: جميعُ الأمة يرغبون في شفاعة النبيِّ ◌َ ، فلو كانت لأهل الكبائر
خاصَّةً بَطَلَ سؤالُهم.
قلنا: إنَّما يطلبُ كلُّ مسلم شفاعةَ الرسول، ويرغَبُ إلى الله في أن تنالَه،
لاعتقاده أنه غیرُ سالم من الذنوب، ولا قائم لله سبحانه بکلِ ما افترض علیه، بل كلُّ
واحدٍ مُعْترِفٌ على نفسه بالنَّقص، فهو لذلكَ يخافُ العقابَ، ويرجو النجاةَ، وقال
وَله: ((لا ينجو أحدٌ إلا برحمةِ الله تعالى)) فقيل: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال(١): ((ولا
أنا، إلا أن يتَغَمَّدَني الله برحمته))(٢) .
الخامسة: قولُه تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ﴾ قرأ ابنُ كَثير وأبو عَمرو: ((تُقبل)) بالتاء؛ لأن
الشفاعةَ مؤنثٌ، وقرأ الباقون بالياء على التذكير(٣)، لأنها بمعنى الشَّفيع، وقال
الأخفش(٤): حَسُنَ التذكير؛ لأنك قد فرَّقتَ، كما تقدَّم(٥) في قوله: ﴿فَلَقََّ ءَادَمُ مِن
زَّيِّدِ كَلِمَةٍ﴾ [البقرة: ٣٧].
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُّ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي: فِداء، والعَدل، بفتح العين:
الفِداء، وبكسرها: المِثْل، يقال: عِدْل وعَدِيل للذي يماثلُك في الوزن والقَدْر،
ويقال: عَدْلُ الشيء: هو الذي يُساويه قيمةً وقَدْراً، وإن لم يكن من جنسه، والعِدْل
بالكسر: هو الذي يساوي الشيءَ من جنسه وفي جِرْمه، وحكى الطبريُّ(٦) أنَّ مِن
العرب مَنْ يكسرُ العينَ من معنى الفِذْية، فأما واحدُ الأعدال فبالكسر لا غير.
(١) في (م): فقال.
(٢) أخرجه أحمد (١٠٦٧٧)، والبخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) السبعة في القراءات ص١٥٤. والتيسير ص ٧٣.
(٤) معاني القرآن ٢٦١/١، ونقلها المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٢٢/١.
(٥) ٤٨٤/١ - ٤٨٥.
(٦) تفسير الطبري ٦٣٩/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٣٩/١.

٨٠
سورة البقرة : الآية ٤٩
قوله تعالى: ﴿وَلَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: يُعانون، والنَّصْر: العَوْن، والأنصار:
الأعوان، ومنه قوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، أي: من يضمُّ نُصرتَه
إلى نُصرتي، وانتصَرَ الرجلُ: انتقَّمَ، والنصرُ: الإتيان، يقال: نصرتُ أرضَ بني
فلان: أتيتُها، قال الشاعر(١):
إذا دخلَ الشهرُ الحرامُ فوَدِّعي
بلادَ تميمٍ وانْصُري أرْضَ عامِرٍ
والنَّصرُ: المطر، يقال: نُصِرَت الأرضُ: مُطِرَت.
والنصرُ: العطاء، قال(٢):
إني وأَسطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا لَقَائِلٌ يا نَصْرُ نَصْراً نَصْرا
وكان سببُ هذه الآية - فيما ذكروا _(٣) أنَّ بني إسرائيل قالوا: نحنُ أبناء الله
وأحباؤه، وأبناءُ أنبيائه، وسيشفَعُ(٤) لنا آباؤنا، فأعلمَهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه
لا تُقبَلُ فيه الشفاعاتُ، ولا يُؤخذُ فيه فِذْيةٌ، وإنما خَصَّ الشفاعةَ والفِديةَ والنصرَ
بالذِّكر؛ لأنها هي المعاني التي اعتادَها بنو آدم في الدنيا، فإنَّ الواقع في الشِّدَّة لا
يَتَخلَّصُ إلا بأن يُشْفَعَ له، أو يُنصَرَ(٥)، أو يُفْتَدَى.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَّنَكُمْ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوْءَ الْعَذَّارِ يُذَتِحُونَ
٤٩٦
أَبْتَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَالِكُمْ بَلَهٌ مِّن رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
فيه ثلاثَ عَشْرةَ مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَيَّنَكُمْ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ ((إذ)) في موضع نصبٍ عطفُ
على ﴿أَذْكُرُوا نِعْمَتِىَ﴾ (٦).
(١) هو الراعي النميري، والبيت في ديوانه ص١٣٣، والمجمل ٣/ ٨٧٠ (نصر).
(٢) هو رؤية بن العجاج، والبيت في الكتاب لسيبويه ٢/ ١٨٥، والخصائص ٣٤٠/١، وخزانة الأدب
٢١٩/٢، والمجمل ٣/ ٨٧٠ (نصر).
(٣) المحرر الوجيز ١٣٩/١.
(٤) في (ز): ويستشفع، وفي (ظ): وستشفع.
(٥) في (د): ينتصر.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٢/١.