النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
سورة البقرة : الآية ٤٢
ألَا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلٌ(١)
وبَطَلَ الشيءُ يبطُلِ بُظْلاً ويُطولاً وبُطلاناً، وأبطلَه غيرُه.
ويقال: ذهب دمُه بُظْلاً، أي: هَذْراً، والباطل: الشيطان، والبَطَّل: الشجاع،
سُمِّيَ بذلك؛ لأنه يُبطِلُ شجاعةَ صاحبِهِ. قال النابغة:
لا يقطعُ الخَرْقَ إلا طرفُه سامي(٢)
لهم لواءٌ بأيدي ماجدٍ بَطَلٍ
والمرأةُ بَطَلة، وقد بَطْلَ الرجل - بالضم - يَبْظُلُ بُطولةٌ وبَطالةً، أي: صار
شجاعاً، وبطل الأجير - بالفتح - بِطالة، أي: تعطّلَ، فهو بطَّال(٣).
واختلف أهل التأويل في المراد بقوله: ﴿اٌلْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾ فرُوي عن ابن عباس
وغيره: لا تَخْلِطُوا ما عندَكم من الحقِّ في الكتاب بالباطل، وهو التغيير والتبديل(٤).
وقال أبو العالية: قالت اليهود: محمد مبعوثٌ، ولكن إلى غيرنا. فإقرارُهم بِبَغْثِهِ
حقٌّ، وجحدُهم أنه بُعِثَ إليهم باطل.
وقال ابن زيد: المرادُ بالحقِّ التوراةُ، والباطل ما بدَّلوا فيها من ذكر محمد عليه
السلام وغيره.
وقال مجاهد: لا تَخْلِطُوا اليهوديةَ والنصرانيةَ بالإسلام(٥). وقاله قتادة، وقد
تقدم(٦).
قلت: وقولُ ابنِ عباس أصوبُ، لأنه عامٌّ، فيدخلُ فيه جميعُ الأقوال. والله
المستعان.
قوله تعالى: ﴿وَتَكْثُوا الْحَقّ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ((تلبسوا))، فيكون
(١) هذا صدر بيت مشهور من قصيدة يرئي بها النعمان بن المنذر، وعجزه كما في ديوانه ص٢٥٦ :
وكل نعيم لا محالة زائل
(٢) ديوانه ص ١٠٦، وفيه: بكفّي ماجد.
(٣) الصحاح: (بطل).
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٦٠٦ بنحوه.
(٥) المحرر الوجيز ١٣٥/١، وقولا ابن زيد ومجاهد أخرجهما الطبري في تفسيره ١/ ٦٠٧.
(٦) في الصفحة السابقة.

٢٢
سورة البقرة : الآية ٤٣
مجزوماً، ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار ((أن))، التقدير: لا يكُنْ(١) منكم لَبْسُ الحقِّ
وكتمانُه، أي: وأن تكتموه. قال ابنُ عباس: يعني كتمانَهم أمْرَ النبيِّ وَّر وهم
يعرفونَهِ(٢).
وقال محمد بنُ سِيرِين: نزل عصابةٌ من ولد هارونَ يثربَ لمَّا أصابَ بني إسرائيل
ما أصابَهم من ظهور العدوِّ عليهم والذّلَّة، وتلك العصابةُ هم حَمَلَةُ التوراة يومئذ(٣)،
فأقاموا بيثرب يرجون أن يخرج محمدٌ وَّهِ بين ظَهْرانَيْهم، وهم مؤمنون مصدِّقون
بنبوَّته، فمضى أولئك الآباءُ وهم مؤمنون، وخَلَفَ الأبناءُ وأبناءُ الأبناء، فأدركوا
محمداً ﴿، فكفروا به وهم يعرفونه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ
كَفَرُوا بِةٍ﴾ [البقرة: ٨٩].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملةٌ في موضع الحال، أي: أن محمداً عليه
السلام حقٌّ، فَكُفْرُهم به (٤) كان كفرَ عِنادٍ، ولم يَشهد تعالى لهم بعلم، وإنما نَهاهم
عن كتمان ما علموا.
ودلَّ هذا على تغليظ الذنب على مَنْ واقَعَه على علم، وأنه أعصى من الجاهل(٥).
وسيأتي بيانُ هذا عند قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِأَلْبِرِ﴾ الآية [٤٤].
٤٣
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَرْكَعُواْ مَعَ الرَّكِينَ
فيه أربع وثلاثون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ أمْرٌ معناه الوجوب، ولا خلافَ فيه،
وقد تقدَّم القول في معنى إقامة الصلاة واشتقاقها، وفي جملةٍ من أحكامها(٦)،
والحمد لله.
(١) في (د) و(ظ): لا يكون.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٦٠٩/١.
(٣) في (ظ): حينئذ.
(٤) لفظة ((به)) من (د).
(٥) المحرر الوجيز ١٣٦/١ .
(٦) ٢٥٣/١ - ٢٥٨.

٢٣
سورة البقرة : الآية ٤٣
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ أمْرٌ أيضاً يقتضي الوجوب، والإيتاء:
الإعطاء. آتيتُه: أعطيتُه، قال الله تعالى: ﴿لَيْنْ ءَاتَئِنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّذَّقَنَّ﴾ [الأعراف:
٧٥]. وأتيتُه - بالقصر من غير مَدِّ ـ: جئتُه، فإذا كان المجيءُ بمعنى الاستقبال مُدَّ،
ومنه الحديث: ((ولآتينَّ رسولَ الله وَّرِ فلأ خبرنَّه))(١). وسيأتي.
الثالثة: الزكاة مأخوذةٌ من زكا الشيء: إذا نما وزاد، يقال: زكا الزرعُ والمالُ
يَزْكُو: إذا كَثُرَ وزادَ، ورجل زكيٍّ، أي: زائدُ الخير، وسُمِّيَ الإخراجُ من المال زكاة،
وهو نقصٌ منه، من حيث ينمو بالبركة، أو بالأجر الذي يُثابُ به المُزَكِّي(٢)، ويقال:
زرعٌ زاكٍ بَيِّنُ الزكاء، وزكأتِ الناقةُ بولدها تزكأُ به: إذا رَمَتْ به من بين رجليها(٣)،
وزكا الفردُ: إذا صار زوجاً بزيادةٍ الزائد عليه حتى صار شفعاً. قال الشاعر:
كانوا خَساً أو زَكاً من(٤) دون أربعة لم يَخْلَقُوا وجدُودُ الناسِ تَعْتَلِجُ(٥)
جمع جَدٍّ: وهو الحّ والبَخْت. تعتلج أي: ترتفع، اعتلجت الأرضُ: طال
نباتُها. فخساً: الفردُ، وزكاً: الزَّوْجِ.
وقيل: أصلُها الثناء الجميل، ومنه: زَّى القاضي الشاهدَ. فكأنَّ مَنْ يُخرجُ
الزكاةَ يُحصِّلُ لنفسه الثناءَ الجميل .
وقيل: الزكاةُ مأخوذةٌ من التطهير، كما يقال: زكا فلانٌ، أي: طَهُرَ من دَنَسٍ
الجَرْحة والإغفال، فكأنَّ الخارجَ من المال يُطهِّره من تَبِعَةِ الحقِّ الذي جعل الله فيه
للمساكين، ألا ترى أنَّ النبيَّ وَّهِ سَمَّى ما يَخرُجُ من الزكاة أوساخَ الناس(٦)، وقد قال
تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
(١) الحديث في قصة تطويل معاذ بالصلاة، وقد أخرجه أحمد (١٤١٩٠)، والبخاري (٧٠٥)، ومسلم
(٤٦٥): (١٧٨) من حديث جابر رضي الله عنه، واللفظ لمسلم.
(٢) المحرر الوجيز ١٣٦/١.
(٣) مجمل اللغة ٢/ ٤٣٧.
(٤) في النسخ: ما، والمثبت من (م) والمصادر.
(٥) البيت في المقصور والممدود للفراء ص ٦٨، وتفسير الطبري ١/ ٦١٢، واللسان: (خسا) من غير نسبة.
(٦) المحرر الوجيز ١٣٦/١، وأخرج أحمد (١٧٥١٨) ومسلم (١٠٧٢): (١٦٨) من حديث المطلب بن
ربيعة مرفوعاً: ((إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمد)».

٢٤
سورة البقرة : الآية ٤٣
الرابعة: واختُلِفَ في المراد بالزكاة هنا، فقيل: الزكاةُ(١) المفروضة، لمقارنتها
بالصلاة، وقيل: صدقةُ الفطر. قاله مالك في سماع ابن القاسم.
قلت: فعلى الأوّل ــ وهو قولُ أكثر العلماء - فالزكاةُ في الكتاب مجملةٌ بَيَّنها النبيُّ
وَل*، فروى الأئمةُ عن أبي سعيد الخدريِّ أن النبيَّ بِ ◌ّه قال: «ليس في حَبِّ ولا تمرٍ
صدقةٌ حتی یبلغَ خمسةً أَوْسُق، ولا فیما دون خمس ذَوْدٍ صدقة، ولا فیما دون خمسٍ
أواقٍ صدقةٌ))(٢). وقال البخاريُّ: ((خَمْسُ أواقٍ من الوَرِق)»(٣). وروى البخاريُّ عن ابن
عمر عن النبيِّ وَّ قال: ((فيما سَقَتِ السماءُ والعيونُ، أو كان عَثَرِيّاً، العُشْرُ، وما سُقي
بالنَّضْحِ نصفُ العُشر))(٤). وسيأتي بيان هذا الباب في الأنعام إن شاء الله تعالى(٥).
ويأتي في ((براءة)) زكاةُ العين والماشية، وبيانُ المال الذي لا يُؤخذ منه زكاةٌ عند
قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣].
وأما زكاةُ الفِطْر؛ فليس لها في الكتاب نصٌّ عليها(٦) إلا ما تأوَّله مالكٌ هنا،
وقولُه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَّكَّى ﴿ وَذَّكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّ﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]،
والمفسرون يذكرون الكلام عليها في سورة الأعلى، ورأيتُ الكلام عليها في هذه
السورة عند كلامنا على آي الصيام، لأنَّ رسول الله ◌َّله فرضَ زكاةَ الفِطر في رمضان،
الحديث. وسيأتي(٧)، فأضافها إلى رمضان.
-
(١) في (د): المراد بالزكاة.
(٢) أخرجه البخاري (١٤٠٥)، ومسلم - واللفظ له - (٩٧٩): (٥).
وأوسق جمع وَسْق: وهو ستون صاعاً. والأصل في الوَسْق: الحِمْلُ، وكل شيء وسقته فقد حملتّه.
النهاية في غريب الحديث: (وسق).
والذود من الإبل: ما بين اثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر. النهاية: (ذود).
(٣) في الرواية رقم (١٤٥٩) و(١٤٨٤). والوَرِق: الفضة.
(٤) صحيح البخاري (١٤٨٣). والعثري: هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي. فتح الباري ٣٤٩/٣.
(٥) عند قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِيمٌ﴾ الآية: ١٤٢.
(٦) في (ز): نص يدل عليها.
(٧) عند قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ مُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، ولم نقف على
كلامه في صدقة الفطر في موضع آخر.

٢٥
سورة البقرة : الآية ٤٣
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَأَزْكَعُواْ﴾ الركوع في اللغة: الانحناءُ بالشخص، وكلُّ
منحنٍ راکٌ. قال ◌َبید:
أَدِبُّ كأني كلَّما قمتُ راكعُ(١)
أُخَبِّرُ أخبارَ القرونِ التي مَضَتْ
قال(٢) ابن دُريد: الركعة: الهُوَّة في الأرض، لغةٌ يمانية(٣). وقيل: الانحناءُ يعمُّ
الركوعَ والسجود، ويُستعارُ أيضاً في الانحطاط في المنزلة. قال الشاعر:
ولا تُعادِ الضعيفَ عَلَّكَ أن تركعَ يوماً والدهرُ قد رَفَعه(٤)
السادسة: واختلفَ الناسُ في تخصيصٍ الركوعِ بالذِّكْرِ، فقالَ قومٌ: جعلَ الركوعَ
لمّا كان من أركان الصلاة عبارةً عن الصلاة(٥).
قلت: وهذا ليس مختصّاً بالركوع وحدَه، فقد جعل الشرعُ القراءةَ عبارةً عن
الصلاة، والسجودَ عبارةً عن الركعة بكمالها، فقال: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ﴾ [الإسراء: ٧٨]
أي: صلاة الفجر، وقال رسول الله وَله: (مَنْ أدْرَكَ سجدةً من الصلاة، فقد أدركَ
الصلاة))(٦). وأهلُ الحجازِ يطلقون على الركعة سجدةً.
وقيل: إنما خصَّ الركوعَ بالذُكر؛ لأنَّ بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع (٧).
وقيل: لأنه كان أثقَلَ على القوم في الجاهلية، حتى لقد قال بعضُ مَنْ أسلم - أظنُّه
عِمْرانَ بنَ حُصين - للنبيِّ وَّهِ: على ألَّ أَخِرَّ إلا قائماً (٨). فمن تأويله: على ألّا أركع،
(١) ديوانه ص ١٧١. وقبله:
أليس ورائي أن تراخت منيتي
لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
(٢) في (م): وقال.
(٣) الجمهرة ٣٨٥/٢، وانظر المجمل ٣٩٧/١.
(٤) البيت للأضبط بن قُرَيْع، وهو في حماسة أبي تمام ١١٥١/٣ (شرح المرزوقي)، والبيان والتبيين
٣٤١/٣، والشعر والشعراء ٣٨٣/١، والأغاني ١٢٩/١٨، وخزانة الأدب ٤٥٢/١١، ورواية
الحماسة والشعر والشعراء: لا تهين الفقير، ورواية البيان: لا تحقرن الفقير.
(٥) المحرر الوجيز ١٣٦/١.
(٦) أخرجه أحمد (٧٦٦٥)، والبخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧) (١٦١) من حديث أبي هريرة.
(٧) أحكام القرآن للكيا الطبري ١/ ٩.
(٨) الحديث أخرجه أحمد (١٥٣١٢)، والنسائي في المجتبى ٢٠٥/٢، وفي الکبری (٦٧٥) من حديث
حكيم بن حزام، وليس عمران بن حصين كما ظنَّ المصنف. وإسناده منقطع، فإنه من رواية يوسف بن
ماهك عنه، ويوسف لم يسمع من حكيم.

٢٦
سورة البقرة : الآية ٤٣
فلما تمكَّن الإسلامُ مِنْ قلبه اطمأنَّتْ بذلك نفسُه(١)، وامثلَ ما أُمِرَ به من الركوع.
السابعة: الركوع الشرعيُّ: هو أن يَحْنيَ الرجلُ صُلْبَه، ويمدَّ ظهرَه وعُنُقَه، ويفتحَ
أصابعَ يديه، ويقبضَ على ركبتيه، ثم يطمئنَّ راكعاً يقول: سبحان ربِّيَ العظيم، ثلاثاً،
وذلك أَدْناه. روى مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله وَّ ه يستفتحُ الصلاةَ بالتكبير
والقراءةَ بـ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، وكان إذا ركعَ لم يُشْخِصْ رأسَه، ولم يُصَوِّبْه،
ولكن بين ذلك(٢). وروى البخاريُّ عن أبي حُمَيْد الساعديِّ قال: رأيتُ رسولَ الله وَله
إذا كَبَّرَ، جعلَ يَدَيَهْ حَذْوَ منكبيه، وإذا ركعَ، أمكّنَ يديه من ركبتيه، ثم هَصَرَ ظهرَه.
الحديث(٣).
الثامنة: الركوعُ فرضٌ، قرآناً وسُنَّة، وكذلك السجودُ؛ لقوله تعالى في آخر
الحج: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الآية: ٧٧]. وزادت السُّنة الطمأنينةَ فيهما، والفصلَ
بينهما، وقد تقدَّم القولُ في ذلك، وبيَّّا صفةَ الركوع آنفاً.
وأما السجودُ؛ فقد جاء مبيَّناً من حديث أبي حُمَيْد الساعديِّ، أنَّ النبيَّ ◌َّ كان
إذا سَجَدَ، مَكَّنَ جَبْهتَه وأنفَه من الأرض، ونَخَّى يَدَيْه عن جَنْبَيْه، ووضعَ كِفَّيْه حَذْوَ
مَنْكِبَيْه. خرَّجه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح(٤). وروى مسلم(٥) عن أنس
قال: قال رسول الله وَّر: ((اعْتَدِلُوا في السجود، ولا يَبْسُطْ أحدُكم ذِرَاعَيْهِ انبساطَ
الكلب».
(١) أحكام القرآن ١/ ٢١ لابن العربي، والكلام منه دون قوله: أظنه عمران بن حصين.
وقد ترجم النسائي للحديث بقوله: باب كيف يخرُّ للسجود، وقال أبو عبيد في غريب الحديث
١٣٠/٢-١٣١: قد أكثر الناسُ في معنى هذا الحديث، وما له عندي وجه إلا أنه أراد بقوله: لا أخرُّ:
لا أموت؛ لأنه إذا مات فقد سقط، وقوله: إلا قائماً: إلا ثابتاً على الإسلام، وكل من ثبت على شيء
وتمسك به فھو قائم علیه.
(٢) صحيح مسلم (٤٩٨)، وقد سلف ١٤٧/١ و٢٦٩. ومعنى: لم يشخص رأسه ولم يصوبه، أي: لم يرفع
رأسه بحيث يُرى أنه شخص، ولم ينزله، وهو من صابَ يصوبُ: إذا نزلَ. المفهم ٩٩/٢.
(٣) صحيح البخاري (٨٢٨). وانظر المسند (٢٣٥٩٩). قوله: هصر ظهره، أي: ثناه في استواء من غير
تقویس. فتح الباري ٣٠٨/٢.
(٤) سنن الترمذي (٢٧٢)، وأخرجه أيضاً أبو داود (٧٣٤).
(٥) رقم (٤٩٣): (٢٣٣)، وأخرجه أيضاً البخاري (٨٢٢). وهو في المسند (١٢١٤٩).

٢٧
سورة البقرة : الآية ٤٣
وعن البراء قال: قال رسول الله وَ﴿: ((إذا سَجَدْتَ، فضَعْ کَفَّيْك، وازْفَعْ
مِرْفَقَيْكَ))(١).
وعن ميمونةً زوج النبيِّ پے قالت: كان رسول الله ێ إذا سجد خوَّی بیدیه - يعني
جَنَّحَ - حتى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ مِنْ وَرائه، وإذا قعدَ اطمأنَّ على فخذه اليُسْرى(٢).
التاسعة: واختلف العلماء فيمن وضعَ جبهته في السجود دون أنفِه، أو أنفه دون جبهته:
فقال مالك: يسجُدُ على جبهته وأنفه. وبه قال الثوريُّ وأحمد، وهو قولُ النَّخَعيِّ.
قال أحمد: لا يُجزئه السجودُ على أحدهما دون الآخر. وبه قال أبو خَيْئَمة(٣)
وابنُ أبي شيبة (٤).
قال إسحاق: إنْ سَجَدَ على أحدهما دون الآخر، فصلاتُه فاسدة.
وقال الأوزاعيُّ، وسعيد بنُ عبد العزيز: [يسجُدُ على سبع، وأشارا بأيديهما:
الجبهة إلى ما دون الأنف، وقالا: هذا من الجبهة).
ورُوِيّ عن ابن عباس، وسعيد بن جُبير، وعكرمة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى،
كلُّهم أَمَرَ بالسجود على الأنف.
وقالت طائفة: يُجزئ أن يسجد على جبهته دون أنفه. هذا قول عطاء، وطاوس،
وعِكْرمة، وابن سِيْرِين، والحسن البصريِّ، وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثور، ويعقوب،
ومحمد. قال ابن المنذر(٥): وقال قائل: إن وضَعَ جبهتَه ولم يَضَعْ أنفَه، أو وضَعَ أنفَه
ولم يضع جبهته، فقد أساء، وصلاتُه تامةٌ. هذا قول النعمان (٦).
(١) أخرجه أحمد (١٨٤٩١)، ومسلم (٤٩٤).
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٨١٨)، ومسلم (٤٩٧): (٢٣٨) وقوله: وضح إبطيه، أي البياض الذي تحتهما. قاله
ابن الأثير في النهاية (وضح).
(٣) زهير بن حرب بن شداد الحَرَشي النسائي، ثم البغدادي، أحد أعلام الحديث، توفي سنة (٢٣٤هـ).
السير ١١/ ٤٩١.
(٤) عبد الله بن محمد بن القاضي أبي شيبة، أبو بكر العبسي مولاهم الكوفي، صاحب الكتب الكبار:
المسند، والمصنف، والتفسير، توفي سنة (٢٣٥هـ). السير ١٢٢/١١.
(٥) الأوسط ١٧٤/٣ - ١٧٧، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٦) هو الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى.

٢٨
سورة البقرة : الآية ٤٣
قال ابنُ المنذر: ولا أعلم أحداً سبقَه إلى هذا القول، ولا تابعَه عليه
قلت: الصحيح في السجود وضعُ الجبهة والأنف، لحديث أبي حُميد، وقد
تقدَّم.
وروى البخاريُ(١) عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((أُمِرْتُ أنْ أسجدَ
على سبعة أعظُمْ: على الجبهة - وأشار بيدِه إلى أنْفِهِ - واليديْنِ، والركبتينِ، وأطرافٍ
القَدَمَيْنِ، ولا نَْفِتَ(٢) الثيابَ ولا الشَّعْرِ(٣)). وهذا كلُّه بيانٌ لمجملِ الصلاة، فتَعيَّنَّ
القولُ به، والله أعلم.
ورُويَ عن مالك: أنه يُجزئُه أن يسجدَ على جبهته دونَ أنفِه، كقول عطاء
والشافعيِّ، والمختارُ عندنا قولُه الأوَّل، ولا يُجزئ عند مالك إذا لم يسجد على جبهته.
العاشرة: ويُكرهُ السجودُ على كَوْرِ العِمامةِ، وإن كان طاقةً أو طاقتين مثلَ الثياب
التي تَستُر الرُّكَب والقدمين؛ فلا بأس، والأفضلُ مباشَرةُ الأرض، أو ما يَسجُدُ عليه،
فإن كان هناك ما يؤذيه، أزالَه قبلَ دخوله في الصلاة، فإن لم يفعلْ؛ فلْيَمْسَحْهُ مسحةً
واحدة. روى مسلم(٤) عن مُعَيْقِيب (٥) أنَّ رسول الله وَّه قال في الرجل يُسوِّي الترابَ
حيث يسجد قال: ((إن كنتَ فاعلاً فواحدٌ)».
ورَوَى(٦) عن أنس بن مالك قال: كنا نُصلِّي مع رسول اللهِ ل﴿ في شدّة الحرِّ،
فإذا لم يستطع أحدُنا أن يُمكِّن جبهتَه من الأرض، بسّطَ ثوبه، فسجد(٧) عليه.
الحادية عشرة: لمَّا قال تعالى: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧] قال بعضُ
(١) صحيح البخاري (٨١٢)، وأخرجه أيضاً مسلم (٤٩٠): (٢٣٠). وهو في المسند (٢٦٥٨).
(٢) في (د): يكفت، وفي (ز): تكفت، وفي (ظ): يكف، والمثبت من (م).
(٣) في (م): والشعر. قوله: ولا نكفتَ الثيابَ والشعر، أي: لا نضمها ونجمعها، من الانتشار، يريد جمع
الثوب باليدين عند الركوع والسجود. النهاية: (كفت).
(٤) رقم (٥٤٦): (٤٩)، وأخرجه أيضاً البخاري (١٢٠٧)، وهو في المسند (١٥٥١١).
(٥) ابن أبي فاطمة الدوسي، من المهاجرين، وكان أميناً على خاتم النبي ◌َّلغيره، وله هجرة إلى الحبشة،
عاش إلى خلافة عثمان، وقيل: إلى سنة أربعين. السير ٢/ ٤٩١ .
(٦) صحيح مسلم (٦٢٠)، وأخرجه البخاري أيضاً (١٢٠٨)، وهو في المسند (١١٩٧٠).
(٧) في (ظ): فصلى.

٢٩
سورة البقرة : الآية ٤٣
علمائنا وغيرُهم: يكفي منهما (١) ما يُسمَّى ركوعاً وسجوداً، وكذلك من القيام، ولم
يشترطوا الظُّمأنينةَ في ذلك، فأخذوا بأقلِّ الاسم في ذلك، وكأنهم لم يسمعوا
الأحاديثَ الثابتة في إلغاء الصلاة.
قال ابنُ عبد البر(٢): ولا يُجزئُ ركوٌ ولا سجودٌ، ولا وقوفٌ بعد الركوع، ولا
جلوسٌ بين السجدتين، حتى يعتدلَ راكعاً وواقفاً، وساجداً وجالساً، و[هذا] هو
الصحيح في الأثر، وعليه جمهورُ العلماء وأهلُ النَّظَر، وهي روايةُ ابنٍ وَهْب وأبي
مُصعب عن مالك.
وقال القاضي أبو بكر بنُ العربيّ(٣): وقد تكاثرت الروايةُ عن ابن القاسم وغيرهٍ
بوجوب الفصل وسقوطٍ(٤) الطمأنينة، وهو وَهَم عظيمٌ؛ لأن النبيَّ ◌َِّ فعلَها وأَمَر بها
وعلَّمها. فإن كان لابن القاسم عذرٌ أن(٥) كان لم يطّلع عليها، فما لكم أنتُم وقد انتهى
العلمُ إليكم، وقامَتِ الحجّةُ به علیکم؟!
روى النسائيُّ، والدَّار قطنيُّ(٦)، وعليُّ بن عبد العزيز (٧)، عن رِفاعة بن رافع قال:
كنتُ جالساً عند رسول الله وَّهِ إذ جاءه رجلٌ، فدخل المسجد فصلَّى، فلما قضى
الصلاةَ، جاء فسلَّم على رسول الله وَّ﴿ وعلى القوم، فقال رسولُ الله وَلّى: ((ارجِعْ
فَصَلٌّ؛ فإنك لم تُصلِّ)) وجعل الرجل يُصلِّي، وجعلنا نرمُقُ صلاته، لا ندري ما يَعِيبُ
منها، فلمَّا جاء فسلَّم على النبيِّ وَّه وعلى القوم، فقال له النبيُّ لَله: ((وعليك، ارجعْ
فصلِّ؛ فإنك لم تُصلِّ)) - قال همَّام(٨): فلا ندري(٩)، أَمَره بذلك مرَّتين أو ثلاثاً - فقال
(١) في (م): منها.
(٢) الكافي ١/ ٢٠٣ وما بین حاصرتين منه.
(٣) هو بنحوه في أحكام القرآن ١/ ٥١٢، وعارضة الأحوذي ٦٧/٢ - ٦٨ .
(٤) في (ظ): ووجوب.
(٥) في (ز) و(ظ): وإن كان، وفي (د): وإن لم يطلع.
(٦) المجتبى ٢٢٥/٢ -٢٢٦، والكبرى (٧٢٦)، وسنن الدار قطني ٩٥/١-٩٦. وهو في المسند (١٨٩٩٥)،
وأخرجه كذلك أبو داود (٨٥٨)، والترمذي (٣٠٢).
(٧) ابن المرزبان، أبو الحسن البغوي، الحافظ، نزيل مكة، توفي سنة (٢٨٦هـ). السير ٣٤٨/١٣.
(٨) هو ابن يحيى العوني، أحد رجال الإسناد.
(٩) في (د) و(ز): فلا أدري.

٣٠
سورة البقرة : الآية ٤٣
له الرجل: ما أَلَوْتُ، فلا أدري ما عِبتَ عليَّ من صلاتي؟ فقال رسول الله وَله: ((إنه
لا تتِمُّ صلاةٌ(١) أحدِكم حتى يُسبغَ الوضوءَ كما أَمَره الله، فيَغْسِلَ وَجْهَه ويَدَيْه إلى
المِرْفَقَين، ويمسحَ برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبِّرَ الله تعالى ويُثنيَ عليه، ثم يقرأ
أُمَّ القرآن، وما أُذِنَ له فيه وتيسَّر، ثم يُكبِّرَ فيركعَ، فيضعَ كفَّيْه على ركبتيه حتى تطمئنَّ
مفاصلُه ويسترخيَ، ثم يقول: سمع الله لمن حَمِدَه، ويستوي قائماً حتى يُقِيمَ صُلْبَه
ويأخذَ كلُّ عظم مأخَذَه، ثم يُكبِّرَ فيسجد، فيُمكِّنَ وجهَه - قال همَّام: وربما قال:
جبهته - من الأرض حتى تطمئنَّ مفاصلُه ويسترخيّ، ثم يكبِّر، فيستويَ قاعداً على
مَفْعَده، ويُقيمَ صُلْبَه)). فوصف الصلاةَ هكذا أربع ركعات حتى فرغ، ثم قال: ((لا تتمُّ
صلاةٌ أحدِكم حتى يفعل ذلك)). ومثلُه حديثُ أبي هريرة؛ خرَّجه مسلم، وقد تقدَّم(٢).
قلت: فهذا بيانُ الصلاة المجمَلَةِ في الكتاب بتعليم النبيِّ عليه السلام، وتبليغِه
إياها جميعَ الأنام، فمن لم يَقِفْ عند هذا البيان، وأخلَّ بما فَرضَ عليه الرحمن، ولم
يمتثل ما بلَغَه (٣) عن نبيِّه عليه السلام، كان مِن جملة مَن دخل في قوله تعالى: ﴿فَلَفَ
مِنْ بَعْدِ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِ﴾ [مريم: ٥٩]. على ما يأتي بيانُه هناك إن شاء
الله تعالى .
روى البخاريُّ(٤) عن زيد بن وَهْب قال: رأى حُذيفةُ رجلاً لا يُتِمُّ الركوعَ
ولا السجودَ، فقال: ما صلَّيتَ، ولو مثَّ لمثَّ على غير الفِظْرة التي فَطَر الله عليها
محمداً وَلـ
الثانيةَ عشرة: قوله تعالى: ﴿مَعَ الزَّكِينَ﴾ ((مع)) تقتضي المعيَّة والجمعيّة، ولهذا
قال جماعة من أهل التأويل بالقرآن(٥): إنَّ الأمرَ بالصلاة أوّلاً لم يقتضٍ شهودَ
الجماعة، فأمرهم بقوله: ((مع)) شهود الجماعة.
(١) في (د): لم یتم صلاته.
(٢) ١٨٥/١.
(٣) في (د): يبلغه.
(٤) رقم (٧٩١).
(٥) في (د): بالقراءة.

٣١
سورة البقرة : الآية ٤٣
وقد اختلف العلماء في شهود الجماعة على قولين، فالذي عليه الجمهورُ أن ذلك
من السُّنن المؤكَّدة، ويجبُ على مَن أدمَنَ التخلُّف عنها من غير عذرِ العقوبةُ. وقد
أوجَبَها بعضُ أهل العلم فرضاً على الكفاية. قال ابن عبد البر(١): وهذا قولٌ صحيح،
لإِجماعهم على أنه لا يجوزُ أن يُجتَمّعَ على تعطيل المساجدِ كلِّها من الجماعات،
فإذا قامتِ الجماعةُ في المسجد؛ فصلاةُ المنفرد في بيته جائزة، لقوله عليه السلام:
((صلاةُ الجماعة أفضلُ من صلاة الفَذِّ بسبعٍ وعشرين درجة)). أخرجه مسلم (٢) من
حديث ابنِ عمر.
ورَوَى(٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله وَ لَه قال: ((صلاةُ الجماعة أفضلُ
من صلاة أحدكم وحدَه بخمسةٍ وعشرين جزءاً)). وقال داود(٤): الصلاةُ في الجماعة
فرضٌ على كلِّ أحدٍ في خاصَّته، كالجمعة، واحتجَّ بقوله عليه السلام: ((لا صلاةً لجار
المسجد إلا في المسجد)». خرَّجه أبو داود، وصحَّحه أبو محمد عبدُ الحقِّ(٥)، وهو قولُ
عطاء بنِ أبي رَباح (٦) وأحمد بن حنبل وأبي ثَوْر، وغيرِهم. وقال الشافعيُّ: لا أُرخّصُ
لمن قَدَرَ على الجماعة في ترك إتيانِها إلا من عُذْرٍ. حكاه ابنُ المنذر(٧).
ورَوى مسلم(٨) عن أبي هريرة قال: أَتى النبيَّ ◌ََّ رجلٌ أعمى، فقال: يا
(١) التمهيد ٣٣٤/١٨.
(٢) رقم (٦٥٠): (٢٤٩). وأخرجه كذلك البخاري (٦٤٥)، وهو في المسند (٥٣٣٢).
(٣) صحيح مسلم (٦٤٩): (٢٤٥)، وأخرجه أيضاً البخاري (٦٤٨)، وهو في المسند (١٠١٢١).
(٤) ينظر المحلى لابن حزم ١٨٨/٤ - ١٩٦، والتمهيد ٣٣٢/١٨.
(٥) الحديث أخرجه الدار قطني ٤١٩/١-٤٢٠ من حديث جابر و٤٢٠/١ من حديث أبي هريرة، ولم يروه
أبو داود كما ذكر المصنف، ولم نقف على تصحيحه لأبي محمد عبد الحق، بل قال في الأحكام
الوسطى ٢٧٥/١ بعد أن أورده: حديث ضعيف. وقال عنه الحافظ في التلخيص ٣١/٢: مشهور بين
الناس، وهو ضعيف، ليس له إسناد ثابت ... وفي الباب عن علي، وهو ضعيف أيضاً. وينظر نصب
الراية ٤/ ٤١٢ - ٤١٣.
(٦) هو عطاء بن أسلم، أبو محمد القرشي مولاهم المكي، مفتي الحرم، ولد في خلافة عثمان، وتوفي
سنة (١١٥ هـ) السير ٧٨/٥.
(٧) الأوسط ١٣٨/٤.
(٨) رقم (٦٥٣)، وما بين حاصرتين منه.

٣٢
سورة البقرة : الآية ٤٣
رسول الله، إنه ليس لي قائدٌ يقودُني إلى المسجد، فسأل رسولَ الله وَ ﴿ أن يُرخِّصَ له،
فيُصلِّيَ في بيته، فرخَّصَ له، فلما ولَّى دعاه، فقال: (([هل] تسمعُ النِّداء بالصلاة؟))
قال: نعم. قال: ((فأجِبْ)). وقال أبو داود(١) في هذا الحديث: ((لا أجدُ لك رُخصةً)).
خَرَّجَه من حديث ابن أُمِّ مَكْتُوم، وذكر أنه كان هو السائل.
ورَوَى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَّ: ((مَنْ سَمِعَ
النِّداءَ، فلم يمنعه من اتِّباعه (٢) عذرٌ - قالوا: وما العُذْر؟ قال: خوفٌ أو مرض - لم
تُقبل منه الصلاةُ التي صلَّى))(٣).
قال أبو محمد عبدُ الحق(٤): هذا يرويه مَغْراء العَبْديُّ. والصحيحُ موقفٌ على ابن
عباس: ((مَنْ سَمِعَ النِّداء، فلم يأتِ، فلا صلاةَ له))(٥). على أن قاسم بنَ أَصْبَغ ذكره
في كتابه، فقال: حدَّثنا إسماعيل بنُ إسحاق القاضي، قال: حدَّثنا سليمان بنُ
حَرْب، حدَّثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أنَّ
النبيَّ ◌َّرِ قال: ((مَنْ سَمِعَ النداء، فلم يُجب، فلا صلاةَ له إلا مِن عُذرٍ))(٦). وحسبُك
بهذا الإسناد صحَّةً. ومَغْراء العبديُّ روى(٧) عنه أبو إسحاق(٨).
وقال ابن مسعود: ولقد رأيتُنا وما يَتَخلَّفُ عنها إلا منافقٌ معلومُ النِّفاق(٩). وقال
عليه السلام: ((بيننا وبين المنافقين شهودُ العَتَمة والصُّبح، لا يستطيعونَهما))(١٠).
(١) في سننه (٥٥٢)، وهو في المسند (١٥٤٩٠).
(٢) في (م): إتيانه.
(٣) سنن أبي داود (٥٥١)، وفيه أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي ضعفوه لكثرة تدليسه فيما قال الحافظ
في التقريب، وهو لم يصرح بالتحديث عند أبي داود.
(٤) الأحكام الوسطى ١/ ٢٧٤.
(٥) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ١٣٦/٤، بزيادة: من غير عذر.
(٦) أخرجه ابن حزم في المحلى ٤/ ١٩٠ من طريق قاسم بن أصبغ، وأخرجه ابن ماجه (٧٩٣) من طريق
هشيم عن شعبة.
(٧) في (د): يرويه.
(٨) ينظر بيان الوهم والإيهام لابن القطان ٢٧٧/٢ - ٢٧٩، و٩٥/٣ - ٩٦.
(٩) سيذكره المصنف بتمامه قريباً.
(١٠) أخرجه مالك ١/ ١٣٠ من حديث سعيد بن المسيب مرسلاً. وقال ابن عبد البر في التمهيد ١١/٢٠: لم=

٣٣
سورة البقرة : الآية ٤٣
قال ابن المنذر: وقد (١) رُوِّينا عن غير واحد من أصحاب النبيِّ يَّر أنهم قالوا:
(مَنْ سمعَ النداء، فلم يُجِبْ من غير عذرٍ، فلا صلاةً له)). منهم ابن مسعود وأبو موسى
2(٢)
الأشعريُ(٢).
ورَوَى أبو داود(٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: ((لقد هَمَمْتُ أن آمُرَ
فِتْيَتِي، فيجمعوا حُزّماً من حطب، ثم آتيَ قوماً يُصلُّون في بيوتهم ليست بهم عِلَّةٌ(٤)،
فأُحَرِّقَها علیھم)).
هذا ما احتجَّ به مَنْ أوجَبَ الصلاةَ في الجماعة فرضاً، وهي ظاهرةٌ في
الوجوب، وحَمَلَها الجمهور على تأكيد أمرٍ شهود الصلوات في الجماعة، بدليل
حديثٍ ابنِ عمر وأبي هريرة، وحملُوا قولَ الصحابة وما جاء في الحديث من أنه ((لا
صلاةً له)) على الكمال والفضل، وكذلك قولُه عليه السلام لابن أُمِّ مكتوم: ((فأَجِبْ))
على الندب، وقولُه عليه السلام: ((لقد هممتُ)) لا يدلُّ على الوجوب الحَتْم؛ لأنه هَمَّ
ولم يفعل، وإنما مَخْرَجُه(٥) مخرجُ التهديد والوعيد للمنافقين الذين كانوا يتخلَّفون عن
الجماعة والجمعة.
يُبيِّن هذا المعنى ما رواه مسلم (٦) عن عبد الله قال: مَنْ سرَّه أن يَلْقَى الله غداً
مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادَى بهنَّ، فإن الله شَرَعَ لنبيِّكم(٧) وَإِ}
سُنّنَ الهُدَى، وإنهنَّ من سُنَنِ الهُدى، ولو أنكم صلَّيتُم في بيوتكم كما يُصلِّي هذا
المتخلِّفُ في بيته، لتركتُم سُنَّةَ نبيِّكُمْ وَّه ولو تركتُم سُنَّةً نبيِّكمْ وَّه لَضَلَلْمُ، وما من
= يُختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث وإرساله، ولا يحفظ هذا اللفظ عن النبي ول# مسنداً، ومعناه
محفوظ من وجوه ثابتة.
(١) في (م): ولقد.
(٢) الأوسط ١٣٦/٤. وقد ذكر إسناده إليهما في الموضع نفسه.
(٣) في سننه (٥٤٩)، وأخرجه كذلك البخاري (٦٤٤)، ومسلم (٦٥١)، وهو في المسند (٧٣٢٨).
(٤) في (ز) و(م): لهم، وفي (ظ): من غير علة، بدل: ليست بهم علّة. والمثبت من (د).
(٥) في (د) و(ظ): يخرجه.
(٦) صحيح مسلم (٦٥٤): (٥٧)، وهو في المسند (٣٩٣٦).
(٧) في (ظ): على هذه ... ينادى لها ... لنبينا.

٣٤
سورة البقرة : الآية ٤٣
رجل يتطهّرُ، فيُحسِنُ الظُّهور، ثم يَعْمِدُ إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتبَ الله له
بكلِّ خُطوةٍ يخطُوها حسنةً، ويرفعُه بها درجةً، ويحظُ عنه بها سيئةً، ولقد رأيتُنا وما
يَتَخَلَّفُ عنها إلا منافقٌ معلومُ النِّفاق، ولقد كانَ الرجلُ يُؤْتَى به يُهادَى بين الرجلين
حتى يُقامَ في الصَّفِّ .
فبيَّن رضي الله عنه في حديثه أن الاجتماع سُنَّةٌ من سُنَنِ الهُدَى، وتَرْكُه ضلالٌ.
ولهذا قال القاضي أبو الفضل عِياضٌ(١): اختُلِف في التمالُؤْ على ترك ظاهر السُّنن:
هل يُقاتَل عليها أَمْ(٢) لا، والصحيحُ قتالُهم؛ لأن في التمالُؤْ عليها إماتتَها.
قلت: فعلى هذا إذا أُقيمت السُّنَّهُ وظَهَرَتْ، جازَتْ صلاةُ المنفرد وصحَّت.
روى مسلم(٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((صلاةُ الرجلِ في جماعة
تزيدُ على صلاته في بيته وصلاتهِ في سُوقه بِضْعاً وعشرين درجةً، وذلك أن أحدَهم إذا
توضَّأ، فأحسَنَ الوضوءَ، ثم أتى المسجدَ، لا يَنْهَزُه إلا الصلاةُ، لا يريد إلا الصلاةَ،
فلم يَخْطُ خُطوةً إلا رُفع له بها درجةٌ، وحُظَّ عنه بها خطيئةٌ، حتى يدخلَ المسجدَ،
فإذا دخلَ المسجدَ، كان في الصلاة ما كانت الصلاةُ هي تَخْبِسُه، والملائكةُ يُصلُّون
على أحدكم ما دامَ في مجلسه الذي صلَّى فيه، يقولون: اللهمَّ ارْحَمْه، اللهمَّ اغْفِرْ
له، اللهُمَّ تُبْ عليه، ما لم يُؤذِ فيه، ما لم يُحْدِث فيه)). قيل لأبي هريرة: ما يُحْدِثُ؟
قال: يَفْسُو أو يَضْرِطُ.
الثالثةَ عشرة: واختلفَ العلماء في هذا الفَضْلِ المضافِ للجماعة: هل لأجل
الجماعةِ فقط حيث كانت، أو إنما يكون ذلك الفضلُ للجماعة التي تكونُ في
المسجد، لِمَا يُلازمُ ذلك من أفعال تختصُّ بالمساجد، كما جاء في الحديث(٤)؟
قولان، والأول أظهرُ؛ لأنَّ الجماعةَ هو الوصفُ الذي عُلِّقَ عليه الحُكم. والله أعلم.
(١) ابن موسى اليحصبي الأندلسي، ثم السَّبْتي، المالكي، الحافظ، صاحب التصانيف، توفي سنة
(٥٤٤هـ). السير ٢١٢/٢٠. والكلام المذكور في كتابه إكمال المعلم بفوائد مسلم ٢/ ٦٢٢.
(٢) في (م): أو.
(٣) رقم (٦٤٩): (٢٧٢) [٤٥٩/١]. وأخرجه كذلك البخاري (٤٧٧). وهو في المسند (٧٤٣٠).
(٤) يعني حديث أبي هريرة المذكور آنفاً.

٣٥
سورة البقرة : الآية ٤٣
وما كان من إكثار الخُطَى إلى المساجد، وقَصْدِ الإتيانِ إليها، والمُكْثِ فيها، فذلك
زيادةُ ثواب خارجٌ عن فضل الجماعة (١). والله أعلم.
الرابعةَ عشرة: واختلفوا أيضاً: هل تَفْضُلُ جماعةٌ جماعةً بالكثرة وفضيلة الإمام؟
فقال مالك: لا. وقال ابنُ حبيب: نعم(٢)؛ لأن النبيَّ وَِّ قال: ((صلاةُ الرجلِ مع
الرجلِ أزكى من صلاته وحدَه، وصلاتُه مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما
كَثُر فهو أحبُّ إلى الله)). رواه أُبيُّ بنُ كعب، وأخرجه أبو داود(٣)، وفي إسناده لين.
الخامسةَ عشرة: واختلفوا أيضاً فيمن صلَّى في جماعة؛ هل يُعيدُ صلاته تلك في
جماعة أُخرى؟ فقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيُّ، وأصحابُهم: إنما يُعيدُ الصلاةَ
في جماعة مع الإمام مَنْ صلَّى وحدَه في بيته وأهلِه، أو في غير بيته، وأمّا مَنْ صلَّى
في جماعة - وإن قَلَّت - فإنه لا يعيدُ في جماعة أكثرَ منها ولا أقلَّ .
وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق بنُ راهويه، وداود بن عليٍّ: جائزٌ لمن صلَّى في
جماعة ووجدَ جماعةً أخرى في تلك الصلاة أن يُعيدَها معهم إن شاء؛ لأنها نافلةٌ وسنة،
ورُوي ذلك عن حُذيفةَ بنِ اليمان، وأبي موسى الأشعريِّ، وأنس بن مالك، وصِلَةَ بنِ
زُفَرِ(٤)، والشَّعبيِّ، والنَّخَعيِّ، وبه قال حماد بنُ زيد(٥)، وسليمان بنُ حَرْب(٦).
احتجَّ مالك بقوله وَّهِ: ((لا تُصلَّى صلاةٌ في يوم مرتين))، ومنهم من يقول: (لا
تُصلُّوا)). رواه سليمان بنُ يَسار عن ابن عمر (٧). واتفقَ أحمدُ وإسحاقُ على أنَّ معنى
(١) المفهم ٢/ ٢٧٥.
(٢) المصدر السابق.
(٣) في سننه (٥٥٤). وأخرجه كذلك النسائي في المجتبى ١٠٤/٢، وفي الكبرى (٩١٩)، وهو في المسند
(٢١٢٦٦). قال ابن عبد البر في التمهيد ٣١٧/٦: حديث ليس بالقوي، لا يحتج بمثله.
(٤) العبسي الكوفي، تابعي كبير، روى له الجماعة، توفي سنة (٧٠هـ). السير ٤/ ٥١٧.
(٥) أبو إسماعيل الأزدي الحافظ، قال ابن حبان: كان ضريراً يحفظ حديثه كله، توفي سنة (١٧٩ هـ). السير
٤٥٦/٧.
(٦) أبو أيوب الواشحي الأزدي البصري، قاضي مكة، توفي سنة (٢٢٤هـ) السير ٣٣٠/١٠. وهذه المسألة
بتمامها في التمهيد ٤/ ٢٤٣ - ٢٤٦.
(٧) أخرجه أحمد (٤٦٨٩) وأبو داود (٥٧٩)، والنسائي في المجتبى ١١٤/٢، وفي الكبرى (٩٣٥).

٣٦
سورة البقرة : الآية ٤٣
هذا الحديث أن يُصلِّيَّ الإنسان الفريضةَ، ثم يقومَ، فيصلِّيّها ثانيةً ينوي بها الفرضَ مرةً
أخرى، فأمّا إذا صلاَّها مع الإمام على أنها سُنَّةٌ، و(١) تطوُّعٌ، فليس بإعادة
للصلاة(٢)، وقد قال رسول الله وَل﴿ه للذين أمَرَهم بإعادة الصلاةِ في جماعة: ((إِنها لكم
نافلةٌ)). من حديث أبي ذرٍّ وغيره(٣).
السادسةَ عشرة: رَوَى مسلم(٤) عن أبي مسعود، عن النبيِّ وَِّ قال: ((يَؤُمُّ القومَ
أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلَمُهم بالسُّنة، فإن كانوا في السُّنَّة
سواءً، فأقدمُهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدَمُهُم سِلْماً، ولا يَؤْمَّنَّ الرجلُ
الرجلَ في سلطانه، ولا يقعدْ في بيته على تَكْرِمَتِه إلا بإذنه. وفي رواية: ((سِنّاً)) مكان
((سِلْماً))(٥).
وأخرجه أبو داود وقال: قال شعبة: فقلتُ لإسماعيل: ما تَكْرِمَتُه؟ قال:
فراشُه(٦) .
وأخرجه الترمذيُّ(٧) وقال: حديث أبي مسعود حديثٌ حسنٌ صحيح، والعملُ
عليه عند أهل العلم.
قالوا: أحقُّ الناسِ بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله، وأعلمُهم بالسُّنَّة، وقالوا:
صاحب المنزلِ أحقُّ بالإمامة.
وقال بعضهم: إذا أُذِنَّ صاحبُ المنزل لغيره، فلا بأس أن يُصَلَِّ به، وكَرِهه
بعضهم، وقالوا: السُّنة أن يصلَِّ صاحبُ البيت.
(١) في (م): أو، وفي التمهيد ٢٤٧/٤: سنة تطوع.
(٢) في النسخ و (م): الصلاة، والمثبت من التمهيد ٢٤٧/٤ (والكلام منه).
(٣) حديث أبي ذر أخرجه أحمد (٢١٣٢٤)، ومسلم (٦٤٨): (٢٣٨). وأخرجه أيضاً أحمد (١٧٤٧٤)،
وأبو داود (٥٧٥)، والترمذي (٢١٩)، والنسائي في المجتبى ١١٢/٢-١١٣، وفي الكبرى (٩٣٣) من
حديث يزيد بن الأسود العامري.
(٤) رقم (٦٧٣): (٢٩٠).
(٥) صحيح مسلم (٦٧٣): (٢٩١)، وفيه: أكبرهم سنًّا.
(٦) سنن أبي داود (٥٨٢). وإسماعيل المذكور هو ابن رجاء الزبيدي أحد رجال الإسناد.
(٧) في سننه (٢٣٥).

٣٧
سورة البقرة : الآية ٤٣
قال ابن المنذر(١): رُوِّينا عن الأشعث بن قَيْس أنه قدَّم غلاماً، وقال: إنما أُقدِّمُ
القرآنَ. وممَّن قال: يؤمُّ القومَ أقرؤهم: ابنُ سِيرِين، والثوريُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ
الرأي.
قال ابن المنذر(٢): بهذا نقول، لأنه موافقٌ للسُّنة.
وقال مالك: يتقدَّم القومَ أعلمُهم إذا كانت حالُه حسنةً، وإنَّ للسنِّ(٣) حقّاً.
وقال الأوزاعيُّ: يؤمُّهم أفقهُهم، وكذلك قال الشافعيُّ وأبو ثور إذا كان يقرأُ
القرآن، وذلك لأنَّ الفقيه أعرفُ بما ينوبُه من الحوادث في الصلاة، وتأوَّلُوا الحديثَ
بأن الأقرأَ من الصحابة كان الأفقةَ، لأنهم كانوا يتفقَّهون في القرآن، وقد كان مِن
عُرفهم الغالبِ تسميتُهم الفقهاءَ بالقرَّاء(٤)، واستدلُّوا بتقديم النبيِّ مَّه في مرضه الذي
مات فيه أبا بكرٍ، لفضله وعلمه(٥).
وقال إسحاق: إنما قدَّمَه النبيُّ ◌َّيه ليدلَّ على أنه الخليفة(٦) بعده. ذكره أبو عمر
في ((التمهيد))(٧).
وروى أبو بكر البزَّار بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((إذا
سافرتُم، فليؤمَّكم أقرؤُكم؛ وإن كان أصغرَكم، وإذا أَمَّكم فهو أميرُكم)). قال: لا
نعلمه يُروى عن النبيِّ وَّه إلا من رواية أبي هريرة بهذا الإسناد (٨).
قلت: إمامةُ الصغير جائزةٌ إذا كان قارئاً، ثبت في ((صحيح)) البخاريِّ(٩) عن
(١) الأوسط ١٤٩/٤ و١٥١.
(٢) الأوسط ٤/ ١٥٠. بنحوه.
(٣) في (ز): للسنن، وفي (ظ): للمُسنِّ.
(٤) الأوسط ٤/ ١٥٠، والمفهم ٢٩٧/٢.
(٥) أخرجه أحمد (٢٤٠٦)، والبخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨): (٩٠) من حديث عائشة، رضي الله عنها.
(٦) في (م): خليفته.
(٧) ١٢٤/٢٢، والكلام فيه لأحمد بن حنبل، وليس لإسحاق.
(٨) كشف الأستار (٤٦٦) و(١٦٧١). وقد حسن إسناده الهيثمي في المجمع ٢/ ٦٤، إلا أنه قال في موضع
آخر ٢٥٥/٥: وفيه من لم أعرفه.
(٩) رقم (٤٣٠٢)، وهو في المسند (٢٠٣٣٣).

٣٨
سورة البقرة : الآية ٤٣
عَمْرٍو بن سَلِمَةَ قال: كنا بماء ممرَّ الناس، وكان يمرُّ بنا الرُّكبان فنسألُهم: ما للناس؟
ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعُمُ أنَّ الله أرسلَه، أوْحَى إليه كذا! أوْحى إليه كذا! فكنتُ
أحفظُ ذلك الكلام، فكأنما يُقَرُّ (١) في صدري، وكانت العربُ تَلَوَّمُ(٢) بإسلامها،
فيقولون: اتركوه وقومَه، فإنه إنْ ظَهَرَ عليهم، فهو نبيٌّ صادق، فلما كانت وقعةُ
الفتح، بادر کلُّ قومٍ بإسلامهم، وبَدَرَ أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم
واللهِ من عند نبيِّ الله حقّاً، قال: ((صلُّوا صلاةَ كذا في حين كذا(٣)، فإذا حضرتِ
الصلاةُ، فليؤذِّنْ أحدُكم، وليؤمَّكم أكثرُكم قرآناً)». فنظروا، فلم يكن أحدٌ أكثرَ منّي
قرآناً؛ لِمَا كنتُ أتَلَقَّى من الرُّكْبان، فقدَّمُوني بين أيديهم وأنا ابنُ ستٍّ - أو سبعٍ -
سنين، وكانت عليَّ بُرْدَةٌ، إذا سجدتُ تقلَّصَتْ عنِّي، فقالت امرأةٌ من الحَيِّ: ألا
تُغَتِطُوا(٤) عنَّا اسْتَ قارئكم! فاشتَرَوْا، فقطَعُوا لي قميصاً، فما فَرِحْتُ بشيءٍ فَرَحي
بذلك القميص.
وممَّن أجازَ إمامةَ الصبيِّ غيرِ البالغ الحسنُ البصريُّ، وإسحاقُ بنُ راهويه،
واختاره ابنُ المنذر(٥) إذا عَقَل الصلاةَ وقام بها، لدخوله في جملة قوله وَّى: ((يؤمُّ
القومَ أقرؤهم))، ولم يَستَثْنِ، ولحديث عَمرو بنِ سَلِمَةً.
وقال الشافعيُّ في أحد قوليه: يؤمُّ في سائر الصلوات، ولا يؤمُّ في يوم الجمعة،
وقد كان قبلُ يقول: ومن أجزأَتْ إمامتُه في المكتوبة، أجزأت إمامتُه في [الجُمَع و]
الأعياد، غير أني أكره فيها (٦) إمامةَ غيرِ الوالي.
وقال الأوزاعيُّ: لا يؤمُّ الغلامُ في الصلاة المكتوبة حتى يحتلم، إلا أن يكون
قومٌ ليس معهم من القرآن شيءٌ، فإنه يؤمُّهُم الغلامُ المراهِقُ. وقال الزُّهْرِيُّ: إن
(١) في (ز) و(ظ): يقرأ.
(٢) أي: تنتظر. النهاية (لوم).
(٣) في (ز) و(ظ): صلوا صلاة كذا وصلاة كذا في حين كذا.
(٤) في (م): ألا تغطون.
(٥) الأوسط ٤/ ١٥٢.
(٦) في (ز) و(ظ): فيهما.

٣٩
سورة البقرة : الآية ٤٣
اضطُرُوا إليه أَمَّهم. ومنعَ ذلك جملةً مالكٌ، والثوريُّ، وأصحابُ الرأي(١).
السابعة عشرة: الائتمام بكلِّ إمام بالغ مسلم حُرِّ [أو عبد](٢) على استقامةٍ جائزٌ من
غير خلاف، إذا كان يعلم حدودَ الصلاة، ولم يكن يلحَنُ في أُمّ القرآن لحناً يُحيل به
المعنى(٣)، مثل أن يكسرَ الكاف من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ويضمَّ التاء في ﴿أَنْعَمْتَ﴾. ومنهم
مَن راعَى تفريقَ الظاء(٤) من الضاد، وإن لم يفرِّق بينهما لا تصحُّ إمامتُه؛ لأن معناهما
يختلفُ(٥)، ومنهم من رشَّص في ذلك كلِّه إذا كان جاهلاً بالقراءة، وأَمَّ مثلَه(٦).
ولا يجوز الائتمامُ بامرأةٍ، ولا خُنْثَى مُشْكِلٍ، ولا كافرٍ، ولا مجنونٍ، ولا أُمِّيِّ،
ولا يكون واحدٌ من هؤلاء إماماً بحال من الأحوال عند أكثر العلماء - على ما يأتي
ذكره - إلا الأُمِّيُّ بمثله(٧).
قال علماؤنا: لا تصحُّ إمامةُ الأُمِّيِّ الذي لا يُحسِنُ القراءة، مع حضور القارئ، له
ولا لغيره، وكذلك قال الشافعيُّ، فإنْ أَمَّ أُمّاً مثلَه، صَحَّتْ صلاتُهم عندنا وعند الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفة: إذا صلَّى الأُمِّيُّ بقوم يقرؤون ويقوم أُمّيِّين، فصلاتُهم كلُّهم
فاسدةٌ. وخالفَه أبو يوسف، فقال: صلاةُ الإمام ومَن لا يقرأ تامَّةٌ. وقالت فرقة (٨):
صلاتُهم كلُّهم جائزة؛ لأنَّ كلاَّ مُؤَدِّ فرضَه، وذلك مثلُ المتيمِّم يُصلِّي بالمتطهِّرين
بالماء، والمصلِّي قاعداً يُصلِّي بقوم قيامٍ، صلاتُهم مجزئةٌ(٩) في قول مَنْ خالَفَنا؛ لأنَّ
كلاَّ مؤدٍّ فَرْضَ نفسِه(١٠).
(١) الأوسط ١٥١/٤-١٥٢، وما بین حاصرتين منه.
(٢) ما بين حاصرتين من الكافي لابن عبد البر ٢١٠/١.
(٣) في (د) و(م): يخل بالمعنى، وفي (ز): يخل به المعنى، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في الكافي.
(٤) في (م): الطاء.
(٥) في (د): مُختلف.
(٦) في (ظ): بمثله.
(٧) في (ز) و(ظ) و(م): لمثله (بلام)، والمثبت من (د)، وهو الموافق للكافي ٢١٠/١.
(٨) في (ظ): طائفة.
(٩) في (د): صلاة مجزئة، وفي (ز): صلاة صح مجزئة (كذا)، وفي (ظ): يجزئه.
(١٠) الأوسط ١٥٨/٤ - ١٥٩.

٤٠
سورة البقرة : الآية ٤٣
قلت: وقد يُحتجُّ لهذا القول بقوله عليه السلام: ((أَلَا ينظُرُ المصَلِّي كيف يُصَلِّي؟!
فإنَّما يُصَلِّي لنفسه)). أخرجه مسلم (١). وأنَّ صلاةَ المأموم ليست مرتبطةً بصلاة الإمام،
والله أعلم.
وكان عطاء بنُ أبي رباح يقول: إذا كانت امرأتُه تقرأُ، كَبَّر هو وتقرأُ هي، فإذا
فرغَتْ من القراءة، كبَّر وركع وسجد، وهي خلفَه تصلّي [بصلاته). ورُويَ هذا المعنى
عن قتادة(٢).
الثامنةَ عشرة: ولا بأس بإمامة الأعمى، والأعرج، والأشَلِّ، والأقطَعِ،
والخَصِيِّ، والعبدِ، إذا كان كلُّ واحد منهم عالماً بالصلاة(٣).
وقال ابنُ وَهْب: لا أرى أن يَؤْمَّ الأقطعُ والأشَلُّ؛ لأنه منتقصٌ عن درجة
الكمال، وكرهتُ إمامتَه لأجل النقص.
وخالفه جمهورُ أصحابه، وهو الصحيح؛ لأنه عضوٌ لا يمنَعُ فَقدُه فرضاً من
فروض الصلاة، فجازت الإمامةُ الراتبة مع فقده، كالعين.
وقد روى أنس أنَّ النبيَّ وَّهَ استخلفَ ابنَ أُمِّ مكتوم، يَؤْمُّ الناسَ وهو أعمى(٤).
وكذا الأعرجُ والأقطَعُ، والأشَلُّ والخَصِيُّ، قياساً ونَظَراً، والله أعلم.
وقد رُوِيّ عن أنس بن مالك أنه قال في الأعمى: وما حاجتُهم إليه(٥)؟!
وكان ابنُ عباس وعِثْبان بنُ مالك(٦) يَؤْمَّان، وكلاهما أعمى(٧)، وعليه عامَّةُ
العلماء.
(١) رقم (٤٢٣) من حديث أبي هريرة رضي الله، وهو في المسند (٩٧٩٦).
(٢) الأوسط ١٥٨/٤، وما بين حاصرتين منه.
(٣) الكافي ١/ ٢١١.
(٤) أخرجه أحمد (١٣٠٠٠)، وأبو داود (٥٩٥).
(٥) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ١٥٤/٤، وقال: وليس في قول أنس بن مالك نهي عن إمامة الأعمى.
(٦) الأنصاري الخزرجي السالمي، آخَى رسول الله ﴿ بينه وبين عمر، وشهد بدراً، وتوفي في خلافة
معاوية. الإصابة ٥/ ٣٧٥.
(٧) الأوسط لابن المنذر ١٥٣/٤.