النص المفهرس
صفحات 1-20
كَارِ الْقُرآن الْحَامْعُ لَهُـ وَأَلُبَيِّنُ لِمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَي القُرْقَانِ تَأليفُ أَبِي عَبْدِاللَّهِ مُحَمَّدِيْنٍ أَحْمَد بْنِ أَبِي بَكِ القُر طُبيِّ ( ت ٦٧١ هـ ) تَحقِيْق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركيّ شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الْجُزْء محمّد رضوان عرفيِوسي الجُزْءُ الثّاني مؤسسة الرسالة 3 الْجَامِعُ أَحْكَامِ الْقُرآنِ وَالمُبَيِّنُ مَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَبِيِ آلْقُرْقَانِ جميع الحقوق محفوظة لِلنّاشِرْ الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م مؤسسة الرسالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بناية المسكن، بيروت - لبنان للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩-٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠ Al-Resalafı BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box:117460 Email:Resalah@Cyberia.net.Ib PUBLISHERS بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَةِ قوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ أَلَِّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْنُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوفٍ بِعَهْدِكُمْ وَإِنََّىَ فَاَرْهُبُونِ قوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَوِيلَ﴾ نداءٌ مضاف، علامةُ النصب فیه الیاءُ، وحُذِفت منه النونُ للإضافة، الواحدُ: ابنٌ، والأصلُ فيه بَنَيٌّ، وقيل: بَنَّوٌ، فمن قال: المحذوفُ منه واوٌ احتجَّ بقولهم: البنوَّة، وهذا لا حجةً فيه، لأنهم قد قالوا: الفتوَّة، وأصلُه الياء. وقال الزجاج(١): المحذوفُ منه عندي ياءٌ، كأنه من: بَنَيْتُ. الأخفش(٢): أختار أن يكون المحذوفُ منه الواو، لأنَّ حذفَها أكثرُ لثقلها. ويقال: ابنٌّ بيِّنُ البُنُوَّة، والتصغير: بُنَيُّ. قال الفراء (٣): يقال: يا بُنَّيِّ ويا بُنَيَّ، لغتان، مثل: يا أبتِ ويا أبتَ، وقُرئ بهما(٤). وهو مشتقٍّ من البناء: وهو وضعُ الشيء على الشيء. والابنُ فرٌ للأب، وهو موضوعٌ علیه. وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. قال أبو الفَرَج الجَوْزيُّ(٥): وليس في الأنبياء من له اسمانٍ غيرُه، إلا نبيّنا محمداً وَّهِ، فإنَّ له أسماءً كثيرة. ذكره في كتاب ((فُهوم الآثار)) له. (١) نقله عنه النحاس في إعراب القرآن ٢١٧/١ . (٢) نقله عنه الأزهري في تهذيب اللغة ١٥/ ٤٩١. (٣) نقله عنه الجوهري في الصحاح (بنى). (٤) قرأ حفص: (يا بُنَيَّ)) بفتح الياء حيث وقع، ووافقه شعبة في هود، والبزِّي في آخر موضع من لقمان. وقرأ ابن كثير: ((يا بُنَّيْ)) بإسكان الياء في الموضع الأول من لقمان، وكذلك قرأ قنبل في الموضع الأخير منها. ولا خلاف عن ابن كثير في كسر الياء مشددةً في الحرف الأوسط من لقمان، وكذا قرأ الباقون: ﴿يا بُنَيِّ﴾ حيث وقع. وقرأ ابن عامر: ((يا أبت)) بفتح التاء حيث وقع، والباقون: ((يا أبتِ)). انظر السبعة ص ٣٣٤ و٣٤٤، والتيسير ص ١٢٤ و١٢٧ و١٧٦. (٥) جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد، ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، البغدادي، الحنبلي، الواعظ، صاحب التصانيف، كان رأساً في التذكير بلا مدافعة، من كتبه: زاد المسير والمنتظم في التاريخ. توفي سنة (٥٩٧هـ). وكتابه الذي ذكره المصنف طبع قطعة منه بعنوان: تلقيح فهوم أهل الأثر، والكلام فيه ص ٤، وينظر السير ٣٦٥/٢١ . ٦ سورة البقرة : الآية ٤٠ قلت: وقد قيل في المسيح: إنه اسمُ عَلَم لعيسى عليه السلام غير مشتقٍّ، وقد سمَّاه الله رُوحاً وكَلِمةً، وكانوا يُسَمُّونه أَبِيل الأَبِيلِينَ(١). ذكره الجوهريُّ في ((الصحاح))(٢) وذكر البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣) عن الخليل بن أحمد: خمسةٌ من الأنبياء ذَوُو(٤) اسمين، محمد وأحمد نبيُّنا وَّر، وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النون، وإلياس وذو الكِفْل، صلى الله عليهم وسلم. قلت: قد ذكرنا أنَّ لعيسى أرْبَعةَ أسماء، وأمَّا نبيُّنَا وَِّ فله أسماءٌ كثيرةٌ، بيانُها في مواضعها(٥). وإسرائيل: اسمٌ أعجميٍّ، ولذلك لم ينصرِف؛ وهو في موضع خفضٍ بالإضافة، وفيه سبعُ لغات: إسرائيل، وهي لغة القرآن. وإسرائيل، بمدَّة مهموزة مختلّسة، حكاها شَنَبوة (٦) عن وَرْش(٧). وإسرائيل، بمدَّة بعد الياء من غير همز، وهي قراءةُ الأعمش وعيسى بنِ عمر(٨)، وقرأ الحسنُ والزهريُّ بغير همزٍ ولا مدّ(٩). وإسرائل، بغير ياء بهمزةٍ مكسورة. وإسراءَل، بهمزة مفتوحة. وتميمٌ يقولون: إسرائين، بالنون(١٠). ومعنى إسرائيل: عبد الله. قال ابن عباس: ((إسرا)) بالعبرانية هو عبد، و((إيل)) (١) في (د): إيل الإيلين، وفي (ز): أنبل الأنبلين، والمثبت من (ظ) و(م). (٢) الصحاح: (مسح) و(روح) و(أبل). (٣) ١٥٩/١. (٤) في النسخ: ذو، والمثبت من (م). (٥) في (ظ): موضعها. (٦) لعل المصنف يريد ابن شَتَبوذ، وهو محمد بن أحمد بن أيوب، أبو الحسن، شيخ المقرئين، توفي سنة (٣٢٨ هـ)، السير ٢٦٤/١٥، وثمة من يُعرف بالشَّنَبُوذي، وهو محمد بن أحمد بن إبراهيم أبو الفرج البغدادي المقرئ، غلام ابن شَنّبُوذ، كان عارفاً بالتفسير وعلل القراءات. توفي سنة (٣٨٨هـ). معرفة القراء الكبار ٢/ ٦٤٠. (٧) هو عثمان بن سعيد بن عبد الله، أبو سعيد الإفريقي، شيخ الإقراء بالديار المصرية، لقَّبه نافع بورش لشدة بياضه، توفي سنة (١٩٧ هـ). السير ٢٩٥/٩. والقراءة التي حكاها المصنف عنه شاذة، فقراءته كقراءة الجماعة. (٨) ذكرها ابن جني في المحتسب ٧٩/١، وزاد نسبتها للحسن والزهري وابن أبي إسحاق. (٩) أي: إسرال. ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٥ ونسبها للحسن فقط. (١٠) إعراب القرآن للنحاس ٢١٧/١، وينظر أيضاً المعرّب للجواليقي ص ٦٢. ٧ سورة البقرة : الآية ٤٠ هو الله(١). وقيل: ((إسرا)) هو صفوةُ الله، و((إيل)) هو الله. وقيل: ((إسرا)) من الشَّدِّ، فكأنَّ إسرائيل: الذي شدَّه الله وأتقَنَ خلقَه. ذكره المهدَويُّ(٢). وقال السُّهيليُّ(٣): سُمي إسرائيل؛ لأنه أَسْرَى ذات ليلة حين هاجر إلى الله تعالى، فسُمي إسرائيل، أي: سرى(٤) إلى الله، ونحو هذا. فيكون بعضُ الاسم عِبرانيّاً وبعضُه موافقاً للعرب(٥). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿أَذْكُرُواْ نِصَْفِىَ الَِّ أَنْعُمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ الذِّكْر اسمٌ مشترك، فالذِّكرُ بالقلب ضدُّ النسيان. والذِّكْرُ باللسان ضدُّ الإنصات، وذكرتُ الشيءَ بلساني وقلبي ذِكْراً، واجْعَلْه منك على ذُكْرٍ - بضم الذال - أي: لا تَنْسَه. قال الكسائيُّ: ما كان بالضمير فهو مضمومُ الذال، وما كان باللسان فهو مكسورُ الذال، وقال غيره: هما لغتان، يقال: ذِكْر وذُكْر، ومعناهما واحد. والذَّكَر، بفتح الذال: خلافُ الأنثى. والذِّكر أيضاً: الشَّرَف(٦)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤]. قال ابن الأنباريِّ: والمعنى في الآية: اذْكُروا شُكْرَ نعمتي، فحذف الشكر اكتفاءً بذِكر النعمة. وقيل: إنه أراد الذِّكر بالقلب، وهو المطلوب، أي: لا تغفُلُوا عن نعمتي التي أنعمتُ علیکم، ولا تناسوها، وهو حسن. والنعمة هنا اسم جنس، فهي مفردةٌ بمعنى الجمع، قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ الَّهِ لَا تُخْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، أي: نِعمَه، ومن نِعَمِه عليهم أن أنجاهم من آل فرعون، وجَعَل منهم أنبياء، وأنزلَ عليهم الكتُبَ والمَنَّ والسَّلْوى، وفجَّرَ لهم من الحجر الماء، إلى ما استودَعَهم من التوراة التي فيها صفةٌ محمد ◌ِّله ونعتُه ورسالتُه، والنِّعَمُ على الآباء نعمٌ على الأبناء؛ لأنهم يشرُفُون بشرف آبائهم(٧). تنبيه: قال أرباب المعاني: ربَطَ سبحانه وتعالى بني إسرائيل بذِكر النعمة، وأسقطّه (١) أخرجه الطبري في تفسيره ٥٩٣/١. (٢) المحرر الوجيز ١٣٣/١. (٣) التعريف والإعلام ص ٢٠. (٤) في (م): أسرى. (٥) ينظر مرآة الزمان ٣١٥/١، والدر المصون ٣١٠/١. (٦) مجمل اللغة ٣٦٠/٢، والنكت والعيون ١١١/١. (٧) النكت والعيون ١/ ١١١. ٨ سورة البقرة : الآية ٤٠ عن أمة محمد رَّه، ودعاهم إلى ذِكْره، فقال: ﴿فَأَذْكُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] ليكونَ نَظَرُ الأمم من النِّعمة إلى المُنْعِم، ونظرُ أمةٍ محمد ◌َّ من المنعم إلى النِّعمة. قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَّدِىٌ أُوْفٍ بِّدِكُمْ﴾ أمرٌ وجوابُه. وقرأ الزُّهريُّ: ((أُوَفِّ)) بفتح الواو وشدٌ(١) الفاء؛ للتكثير(٢). واختلف في هذا العهد ما هو، فقال الحسن: عهدُه قوله: ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّقٍ﴾ [البقرة: ٦٣](٣)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ بَنِي إِسْرَِّيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَىّ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢]، وقيل: هو قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٨]. وقال الزَّجَّاج: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ﴾ الذي عَهِدْتُ إليكم في التوراة من اتِّباع محمد زَّلِ﴾، ﴿أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بما ضمنتُ لكم على ذلك، إن أوفيتُم به فلكم الجنة. وقيل: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في أداء الفرائض على السنَّة والإخلاص، ﴿أوفٍ﴾ بقَبولها منكم ومجازاتِكم عليها. وقال بعضهم: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في العبادات، ﴿أُوِ پھیگُمْ﴾أي: أوصِلكم إلى منازل الرِّعايات. وقيل: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في حفظ آدابِ الَّواهر، ﴿أُوْفِ يِعَهْدِكُمْ﴾ بتزيين (٤) سرائركم. وقيل: هو عامٌّ في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه، فيدخلُ في ذلك ذِكْر محمد وَل الذي في التوراة وغيره. هذا قولُ الجمهور من العلماء، وهو الصَّحيح. وعهدُه سبحانه وتعالى هو أن يُدخِلَهم الجنةَ(٥). قلت: وما طُلب من هؤلاء من الوفاء بالعهد هو مطلوبٌ منَّا. قال الله تعالى: ﴿أَفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿وَأَوَفُواْ بِعَهْدِ اَللَّهِ﴾ [النحل: ٩١]، وهو كثيرٌ. ووفاؤهم بعهد الله أمَارةٌ لوفاء الله تعالى لهم لا علةٌ له، بل ذلك تفضُّلٌ منه عليهم. (١) في (ظ): وتشدید. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢١٨/١، والقراءات الشاذة ص ٥، والمحتسب ٨١/١، والمحرر الوجيز ١٣٤/١. (٣) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ١/ ٢٠٧. (٤) في (ظ): في تزیین. (٥) المحرر الوجيز ١٣٤/١. ٩ سورة البقرة : الآية ٤١ قوله تعالى: ﴿وَإِيَّنَ فَأَرْهَبُونٍ﴾ أي: خافُونِ. والرُّهْبُ والرَّهْبُ والرَّهْبَةُ: الخوف. ويتضمَّن الأمرُ به معنى التهديد، وسقطت الياءُ بعد النون لأنَّها رأسُ آية. وقرأ ابنُ أبي إسحاق: ((فارهبوني)) بالياء، وكذلك ((فاتَّقوني))، على الأصل (١). ((وإِيَّايَ)) منصوبٌ بإضمار فعلٍ، وكذا الاختيارُ في الأمر والنهي والاستفهام، التقدير: وإيايَ ارهبوا فارهبونٍ. ويجوز في الكلام: وأنا فارهبونٍ، على الابتداء والخبر، ويكون(٢) ((فارهبون)) الخبرَ على تقدير الحذف، المعنى (٣): وأنا ربُّكم فارهبونٍ. قوله تعالى: ﴿وَءَامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوْ أَوَّلَ كَِرٍ بِّ، وَلَا ٤١ تَشْتَرُواْ بِتَابَتِى ثَمَنَّا قَلِيلًا وَإِنَىَ فَتَّقُونِ قوله تعالى: ﴿وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ﴾ أي: صدِّقوا، يعني بالقرآن. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ من الضمير في ((أنزلتُ)) التقدير: بما أنزلتُه مصدِّقاً، والعاملُ فيه ((أنزلتُ)). ويجوزُ أن يكونَ حالاً من ((ما)»، والعاملُ فيه ((آمِنُوا))، التقدير: آمِنُوا بالقرآن مصدِّقاً، ويجوزُ أن تكونَ مصدريّةً، التقدير: آمِنُوا بإنزال . ﴿لِّمَا مَعَكُمْ﴾ يعني من التوراة. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِّ﴾ الضمير في ((به)) قيل: هو عائدٌ على محمد بن له. قاله أبو العالية. وقال ابن جُرَيْج: هو عائدٌ على القرآن، إذ يتضمَّنه(٤) قوله: ((بمَا أَنْزَلْتُ))(٥). وقيل: على التوراة، إذ تضمَّنها قولُه: ((لِما معكم)). فإن قيل: کیف قال: ((کافر)، ولم يقل: کافرین؟ قيل: التقدير: ولا تكونوا أوَّل فريقٍ كافرٍ به. وزعم الأخفش والفرَّاء(٦) أنه (١) إعراب القرآن للنحاس ١١٨/١، والمحرر الوجيز ١٣٤/١، وهي أيضاً قراءة يعقوب من العشرة. ينظر النشر ٢٣٧/٢. (٢) في (د): فيكون، وفي (ز) و(م): وكون، والمثبت من (ظ). (٣) في النسخ: كان المعنى، والمثبت من (م). (٤) في (م): تضمنه. (٥) قول أبي العالية وابن جريج أخرجهما الطبري في تفسيره ٦٠٢/١. وذكرهما الماوردي في النكت والعيون ١١٢/١. (٦) معاني القرآن ٣٢/١-٣٣. ١٠ سورة البقرة : الآية ٤١ محمولٌ على معنى الفعل، لأنَّ المعنى: أوَّل من كفَرَ به. وحكى سيبويه(١): هو أظرفُ الفتيان وأجملُه، وكان ظاهر الكلام: هو أظرف فتّی وأجملُه. وقال: ((أوّلَ كافرٍ به)) وقد كان قد كفر قبلَهم كفَّارُ قريش، فإنما معناه: من أهل الكتاب، إذ هم منظورٌ إليهم في مثل هذا، لأنهم حجةٌ مظنونٌ بهم عِلْمٌ(٢). و ((أوَّل)) عند سيبويه(٣) نصب على خبر كان، وهو مما لم يُنطق منه بفعل، وهو على أفعل، عينه وفاؤه واوٌ، وإنما لم يُنطق منه بفعل، لئلاّ يعتلَّ من جهتين: العين والفاء، وهذا مذهب البصريين، وقال الكوفيون: هو مِن وَأَلَ: إذا نجا، فأصله: أَوْأَل، ثم خُفِّفت الهمزة، وأُبدلت واواً وأدغمت، فقيل: أوّل، كما تُخفَّف همزةٌ خطيئة، فيقال: خطيّة (٤). قال الجوهريّ(٥): والجمعُ: الأوائل، والأوالي أيضاً على القلب، وقال قوم: أصلُه: وَوَّل، على فَوْعَل، فقُلبت الواو الأُولى همزةً، وإنما لم يُجمع على أواوِل؛ لاستثقالهم اجتماعَ الواوين بينهما ألفُ الجمع. وقيل: هو أفعلُ، من: آلَ يؤول، فأصله: أَأُوَل، قُلبّ فجاء أعْفَل مقلوباً من أفعل، فسُهِّل، وأُبدل وأُدغم(٦). مسألة: لا حُجَّة في هذه الآية لمن يمنعُ القولَ بدليل الخطاب(٧)، وهم الكوفيون ومن وافقهم، لأن المقصود من الكلام النهيُ عن الكفر أوَّلاً وآخِراً، وخصَّ الأوّل (١) الكتاب ٨٠/١. ونقل المصنف أقوال الأخفش والفراء وسيبويه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢١٨/١. (٢) المحرر الوجيز ١٣٤/١. (٣) الكتاب ١٩٥/٣، ونقله بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢١٩/١. (٤) قوله: فيقال: خطيّة، ليس في (د) و(م). (٥) الصحاح: (وأل). (٦) ينظر تهذيب اللغة ٤٥٥/١٥-٤٥٧. (٧) هو قصر حكم المنطوق به على ما تناوله، والحكم للمسكوت عنه بما خالفه. وهو المسمى بمفهوم المخالفة. الحدود في الأصول للباجي ص٥٠. ١١ سورة البقرة : الآية ٤١ بالذِّكر لأنَّ التقدُّم فيه أغلظُ، فكان حكمُ المذكور والمسكوتِ عنه واحداً، وهذا واضح. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِكَابَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ فيه أربعُ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلا تَشتَرُوا﴾ معطوفٌ على قوله: ﴿وَلا تُگُونُوا﴾. نهاهم عن أن يكونوا أوَّلَ من كفر، وألا يأخذوا على آيات الله ثمناً، أي: على تغيير صفة محمد ﴿ رُشّى، وكان الأحبار يفعلون ذلك، فنُهوا عنه. قاله قومٌ من أهل التأويل، منهم الحسنُ وغيره(١). وقيل: كانت لهم مآكلُ يأكلونها على العلم، كالراتب، فنُهوا عن ذلك. وقيل: إنَّ الأحبار كانوا يعلِّمون دينَهم بالأجرة، فنُهوا عن ذلك. وفي كتبهم: يا ابنَ آدمَ، عَلِّم مَجَّاناً كما عُلِّمتَ مَجَّاناً، أي: باطلاً بغير أُجرة. قاله أبو العالية(٢). وقيل: المعنى: ولا تشتروا بأوامري ونَواهِيَّ وآياتي ثمناً قليلاً، يعني: الدنيا ومدَّتَها، والعيشَ الذي هو نَزْرٌ لا خطَرَ له(٣)، فسمَّى ما اعتاضوه عن ذلك ثمناً؛ لأنهم جعلوه عِوَضاً، فانطلق عليه اسمُ الثمن وإن لم يكن ثمناً. وقد تقدَّم هذا المعنى. وقال الشاعر (٤): إن كنتَ حاولتَ ذنباً(٥) أو ظَفِرَتَ به فما أصبتَ(٦) بترك الحجِّ مِن ثَمَنِ قلت: وهذه الآيةُ وإن كانت خاصةً ببني إسرائيل، فهي تتناولُ مَنْ فِعلَ فعلَهم، فمن أخذَ رِشْوةً على تغيير حقِّ أو إبطالهِ، أو امتنعَ من تعليم ما وَجَبَ عليه، أو أداءٍ ما عَلِمَه - وقد تَعيَّنَ عليه - حتى يأخذَ عليه أجراً، فقد دخلَ في مقتضى الآية. والله أعلم. (١) النكت والعيون ١١٢/١، والمحرر الوجيز ١٣٥/١. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٦٠٣/١-٦٠٤. (٣) المحرر الوجيز ١٣٥/١. (٤) هو عمر بن أبي ربيعة والبيت في ديوانه ص ٢٨٤، والأغاني ١١١/١ و٢١١/٨. (٥) في (ظ): دَيْناً، وفي الديوان والأغاني: دنيا. (٦) في الديوان: أخذت. ١٢ سورة البقرة : الآية ٤١ وقد روى أبو داود(١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ: ((مَنْ تَعَلَّم عِلْماً مما يُبتغَى به وجهُ الله عزَّ وجلَّ، لا يتعلَّمُه إلا لِيُصِيبَ به عَرَضاً من الدنيا، لم يَجِدْ عَرْفَ الجنة يومَ القيامة)) يعني : ريحَها. الثانية: وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم؛ لهذه الآية وما كان في معناها، فمنع ذلك الزُّهريُّ وأصحابُ الرأي، وقالوا: لا يجوزُ آخذٌ الأجرة على تعليم القرآن، لأن تعليمَه(٢) واجبٌ من الواجبات التي يُحتاجُ فيها إلى نيَّةِ التقرُّب والإخلاص، فلا يُؤْخَذُ عليها أجرةٌ، كالصلاة والصيام. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بَِابَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا﴾. وروى ابن عباس أن النبيَّ نَّه قال: ((معلِّمُو صبيانِكم شِرارُكم، أقلُّهم رحمةً باليتيم، وأغلظُهم على المسكين))(٣). وروى أبو هريرة قال: قلتُ: يا رسول الله، ما تقول في المعلِّمين؟ قال: ((درهمُهم حرامٌ، وثوبُهم سُختٌ، وكلامُهم رياء»(٤). وروى عُبَادةُ بنُ الصّامت قال: علَّمتُ ناساً من أهل الصُّفَّة القرآنَ والكتابةَ، فأهدى إليَّ رجلٌ منهم قوساً، فقلتُ: ليست بمالٍ، وأرمي عنها(٥) في سبيل الله، فسألتُ عنها رسولَ الله وَّهِ، فقال: ((إنْ سَرَّك أن تُطَوَّقَ بها طَوْقاً من نارٍ فَاقْبَلْها))(٦). وأجاز أخذَ الأجرة على تعليم القرآن مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمد، وأبو ثورٍ، وأكثرُ العلماء، لقوله عليه السلام في حديث ابن عباس - حديث الرُّقْيَة -: ((إنَّ أحقَّ ما أخذتُم عليه أجراً كتابُ الله)). أخرجه البخاريُّ(٧)، وهو نصٌّ يرفَعُ الخلافَ، فينبغي أن يُعوّل عليه. وأمّا ما احتجَّ به المخالفُ من القياس على الصلاة والصيام ففاسدٌ؛ لأنه في (١) في سننه (٣٦٦٤). وأخرجه ابن ماجه كذلك (٢٥٢)، وهو في المسند (٨٤٥٧). (٢) في (د) و(ظ): تعلمه. (٣) أخرجه ابن عدي ١٩٨٦/٥، وهو حديث موضوع، وسيتكلم عنه المصنف قريباً. (٤) موضوع، وسيتكلم عنه المصنف. (٥) في (ظ): بها. (٦) سيرد تخريجه ص١٤. (٧) رقم (٥٧٣٧). ١٣ سورة البقرة : الآية ٤١ مقابلة النصِّ، ثم إنَّ بينهما فُرقاناً(١): وهو أنَّ الصلاةَ والصوم عباداتٌ مختصّة بالفاعل، وتعليم القرآن عبادةٌ متعدِّية لغير المعلِّم، فتجوزُ الأجرةُ على محاولةٍ(٢) النقل، كتعليم كتابة القرآن. قال ابن المنذر: وأبو حنيفة يكره تعليمَ القرآن بأجرةٍ، ويجوِّز أن يستأجر الرجلَ يكتبُ له لوحاً أو شِعراً أو غناءً معلوماً بأجرٍ معلوم، فيجوِّزُ الإجارةَ (٣) فيما هو معصية، ويُبطِلُها فيما هو (٤) طاعة. وأما الجواب عن الآية: فالمراد بها بنو إسرائيل، وشَرْعُ مَنْ قبلَنا هل هو شَرْعٌ لنا؟ فیه خلافٌ، وهو لا یقولُ به. جواب ثانٍ: وهو أن تكونَ الآيةُ فيمن تَعيَّنَ عليه التعليمُ، فأبى حتى يأخذَ عليه أجراً، فأمَّا إذا لم يتعيَّن عليه(٥)، فيجوز له أخذُ الأجرة، بدليل السُّنَّة في ذلك، وقد يتعيَّن عليه، إلا أنه ليس عنده ما ينفقُه على نفسه ولا على عياله، فلا يجبُ عليه التعليمُ، وله أن يُقِبلَ على صنعته وحِرْفتِه، ويجبُ على الإمام أن يُعيِّن لإقامة الدِّين إعانتَه، وإلا؛ فعلى المسلمين، لأن الصِّدِّيق رضي الله عنه لمَّا وَلَيَ الخلافةَ وعُيِّنَ لها، لم يكن عنده ما يقيمُ(٦) به أهلَه، فأخذَ ثياباً وخرج إلى السوق، فقيل له في ذلك، فقال: ومن أين أُنفقُ على عِيالي؟ فردُّوه، وفَرَضوا له كفايته(٧). وأما الأحاديث؛ فليس شيءٌ منها يقوم على ساق، ولا يصحُّ منها شيء عند أهل العلم بالنقل: أما حديثُ ابن عباس؛ فرواه سَعْد(٨) بنُ طَريف، عن عكرمة، عنه، وسَعْدٌ متروك(٩). (١) في النسخ: فرقان، والمثبت من (م). (٢) في (م): محاولته. (٣) في (ظ): فتجوز الأجرة. (٤) في (د): فيه، في الموضعين. (٥) لفظة: عليه، ليست في (د) و(م). (٦) في (د): يقوم. (٧) طبقات ابن سعد ١٨٤/٣، وسنن البيهقي ٣٥٣/٦. (٨) في النسخ و(م): سعيدَ، وهو خطأ. (٩) وقال ابن حبان في المجروحين ٣٥٧/١: كان يضع الحديث على الفور. اهـ وأسند الحاكم (كما في= ١٤ سورة البقرة : الآية ٤١ وأما حديث أبي هريرة فرواه عليُّ بنُ عاصم، عن حمَّاد بن سَلَمة، عن أبي جُرْهم، عنه، وأبو جُرْهم مجهولٌ لا يُعرف، ولم يرو حمّاد بنُ سَلَمة عن أحدٍ يقال له: أبو جُرْهم، وإنما رواه عن أبي المُهَزِّم، وهو متروكُ الحديث أيضاً، وهو حديثٌ لا أصل له. وأما حديثُ عُبادةَ بنِ الصَّامت؛ فرواه أبو داود(١) من حديث المغيرة بن زياد المَوْصِليِّ، عن عُبادةَ بنِ نُسَيٍّ، عن الأسود بن ثعلبة، عنه، والمغيرةُ(٢) معروفٌ بحَمْل العلم (٣)، ولكنه له مناكير، هذا منها. قاله أبو عمر(٤). ثم قال: وأما حديثُ القوسِ فمعروفٌ عند أهل العلم؛ لأنه رُوِيَ عن عُبادةَ من وجهين(٥)، ورُوي عن أُبيِّ بن كعب، من حديث موسى بن عُلَيٍّ، عن أبيه، عن أُبيِّ، وهو منقطعٌ (٦)، وليس في الباب حديثٌ يجب العملُ به من جهة النقل، وحديث عبادةَ وأُبيِّ يَحتمِلُ التأويل؛ لأنه جائزٌ أن يكون عَلَّمَه لله، ثم أخذَ عليه أجْراً. ورُويَ عن النبيِّ وَّرِ أنه قال: ((خيرُ الناس وخير مَنْ يمشي على جديدِ الأرض المعلِّمون، كلَّما خَلَق الدِّينُ جدَّدوه، أعطُوهم، ولا تستأجروهم فتُحرجوهم(٧)؛ فإنَّ المعلمَ إذا قال للصبيِّ: قل: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فقال الصبيُّ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ كتب الله براءةً للصبيِّ وبراءةً للمعلِّم وبراءةً لأبويه من النار))(٨). = ظفر الأماني للكنوي ص٤٣١) عن سيف بن عمرو التميمي قال: كنت عند سعد بن طريف، فجاء ابنه من عند الكتَّاب يبكي، فقال: مالك؟ قال: ضربني المعلم، فقال: لأخزينهم اليوم: حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً: معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المسكين. (١) في سننه (٣٤١٦)، وأخرجه كذلك ابن ماجه (٢١٥٧)، وهو في المسند (٢٢٦٨٩). (٢) في النسخ: وأبو المغيرة، وهو خطأ، والمثبت من (م). (٣) في (د) و(م): معروف عند أهل العلم، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في التمهيد. (٤) هو ابنُ عبد البَرّ، وكلامُه في التمهيد ١١٤/٢١. (٥) والوجه الثاني الذي أشار إليه: أخرجه أبو داود (٣٤١٧) من طريق بشر بن عبد الله بن يسار السلمي، عن عبادة بن نُسَيّ، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، وهو في المسند (٢٢٧٦٦). (٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٢٥/٦. (٧) في (د): فتحوجوهم. (٨) أخرجه ابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف ٢١٩/٢ من حديث ابن عباس، وقال عقبه : = ١٥ سورة البقرة : الآية ٤١ الثالثة: واختلف العلماءُ في حكم المصلِّي بأجرة: فَرَوَى أشهبُ عن مالكٍ أنه سُئل عن الصلاة خلفَ من استُؤْجِر في رمضان يقومُ للناس، فقال: أرجو ألا يكون(١) به بأسٌ، وهو أشدُّ کراهةً له في الفریضة، وقال الشافعيُّ وأصحابُه وأبو ثور: لا بأس بذلك، ولا بالصلاة خلفه، وقال الأوزاعيُّ: لا صلاةً له، وكَرِهَهُ أبو حنيفة وأصحابُه، على ما تقدَّم. قال ابن عبد البرِّ(٢): وهذه المسألةُ معلّقةٌ من التي قبلَها، وأصلُهما واحد. قلت: ويأتي لها (٣) أصلٌ آخر من الكتاب في براءة إن شاء الله تعالى. وكره ابنُ القاسم أخْذَ الأجرةِ على تعليم الشِّعر والنَّحْو. وقال ابنُ حبيب: لا بأس بالإجارة على تعليم الشّعر والرسائل وأيام العرب، ويُكره من الشِّعر ما فيه الخمرُ والخَنا والهجاء. قال أبو الحسن اللَّخْمِيُّ(٤): ويَلزم على قوله أن يُجيز الإجارةَ على كَتْبه، ويُجيزَ بيعَ كُتُبِهِ. وأما الغِناءُ والنَّوْحُ؛ فممنوعٌ على كلِّ حال. الرابعة: روى الدارميُّ أبو محمد في («مسنده))(٥): أخبرنا يعقوب بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمد بنُ عمر(٦) بن الكُمَيْت قال: حدَّثنا عليُّ بنُ وَهْبِ الهَمْدَانيُّ قال: أخبرنا الضخَّاكُ بنُ موسى قال: مرَّ سليمان بنُ عبد الملك بالمدينة وهو يريدُ مكة، فأقامَ بها أياماً، فقال: هل بالمدينة أحدٌ أدرك أحداً من أصحاب النبيِّ وَّ؟ قالوا له: أبو حازم(٧)، فأرسلَ إليه، فلما دخلَ عليه قال له: يا أبا حازم، ما هذا الجَفاءُ؟ قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين، وأيُّ جفاء رأيتَ منِّي؟ قال: أتاني وجوهُ أهل المدينة = وهذا الحديث لا يجوزُ الاحتجاج به؛ لأنه من عمل أحمد بن عبد الله الهروي، وهو الجويباري، وكان كذاباً يضعُ الحديث. (١) في (ظ): أنه لا يكون. (٢) التمهيد ١١٥/٢١. (٣) في (م): لهذا. (٤) علي بن محمد الربعي، المعروف باللخمي القيرواني، رئيس الفقهاء في وقته، توفي سنة (٤٧٨هـ). شجرة النور الزكية ص ١١٧. (٥) برقم (٦٧٣). (٦) في (د) عمران، وفي (ظ): عمرو. (٧) هو سلمة بن دينار، شيخ المدينة النبوية، الواعظ، قيل: توفي سنة (١٣٣ هـ). السير ٩٦/٦. ١٦ سورة البقرة : الآية ٤١ ولم تأتني! قال: يا أمير المؤمنين، أُعِيذُك بالله أن تقولَ ما لم يكن، ما عَرَفْتَني قبلَ هذا اليوم، ولا أنا رأيتُك! قال: فالتفتَ إلى محمد بنِ شهابِ الزُّهريِّ، فقال: أصابَ الشيخُ وأخطأتُ . قال سليمان: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموتَ؟ قال: لأنكم أخربتُم الآخرةَ، وعمرتُم الدنيا، فكرهتُم أن تنتقلوا من العُمْران إلى الخَراب. قال: أصبتَ يا أبا حازم، فكيف القُدُوم غداً على الله تعالى؟ قال: أمَّا المحسنُ؛ فكالغائب يَقْدَمُ على أهله، وأمَّا المسيءُ؛ فكالآ بق یَقْدَمُ على مولاه. فبکی سلیمانُ وقال: ليتَ شِعْري! ما لنا عند الله؟ قال: إِغْرِضْ عملك على كتاب الله. قال: وأيّ مكانٍ أجدُه؟ قال: ﴿إِنَّ اَلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴾ وَإِنَّ الْفُبَّارَ لَفِى ◌َِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣-١٤]. قال سليمان: فأين رحمةُ الله يا أبا حازم؟ قال أبو حازم: رحمةُ الله قريبٌ من المحسنين. قال له سليمان: يا أبا حازم، فأيُّ عبادِ الله أكرمُ؟ قال: أُولو المروءة والنُّهَى. قال له سليمان: فأيُّ الأعمال أفضلُ؟ قال أبو حازم: أداءُ الفرائض مع اجتنابِ المحارم. قال سليمان: فأيُّ الدعاء أسمعُ؟ قال: دعاء المحسَنِ إليه للمحسِن. فقال: أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: للسائل البائس، وجُهْدُ المُقِلِّ، ليس فيها مَنٌّ ولا أذِّى. قال: فأيُّ القول أعدلُ؟ قال: قولُ الحقِّ عند مَنْ تخافُه أو ترجُوه. قال: فأيُّ المؤمنين أكْيَسُ؟ قال: رجلٌ عَمِلَ بطاعة الله، ودَلَّ الناسَ عليها. قال: فأيُّ المؤمنين أحمقُ؟ قال: رجلٌ انحطّ في هوى أخيه وهو ظالم، فباع آخرتَه بدنيا غيرِه . قال [له] سليمان: أصبت، فما تقول فيما نحن فيه؟ قال: يا أمير المؤمنين، أَوَتُعِفِيني؟ قال له سليمان: لا. ولكن نصيحةٌ تُلقيها إليَّ. قال: يا أمير المؤمنين، إن آباءك قَهَرُوا الناس بالسيف، وأخذُوا هذا الملك عَنْوَةٌ على غير مَشُورة من المسلمين ولا رضاهم، حتى قَتلوا منهم مَقْتَلةً عظيمة، فقد ارتحلوا عنها، فلو شعرتَ ما قالوه (١) وما قيل لهم! فقال له رجل من جلسائه: بئس ما قلتَ يا أبا حازم! قال أبو حازم: كذبتَ، إن الله أخذَ ميثاقَ العلماء لَيُبَيِّنَّه للناس ولا يكتمونَه . (١) في النسخ: قالوا، والمثبت من (م) والدارمي. ١٧ سورة البقرة : الآية ٤١ قال [له] سليمان: فكيف لنا أن نُصلح؟ قال: تَدَعُون الصَّلَف(١)، وتَمَسَكُون بالمروءة، وتَقسِمُون بالسَّوِيَّة. قال له سليمان: كيف لنا بالمأخَذ به؟ قال أبو حازم: تأخُذُه مِن حِلُّه، وتضعُه في أهله. قال له سليمان: هل لك يا أبا حازم أن تَصْحَبنا، فتُصيبَ منَّا ونُصيبَ منك؟ قال: أعوذ بالله! قال له سليمان: ولم ذاك؟ قال: أخشى أن أركَنَ إليكم شيئاً قليلاً، فيُذيقَني الله ضِعفَ الحياة وضعفَ الممات . قال له سليمان: إِرفع إلينا حوائجك. قال: تُنجيني من النار وتُدخلُني الجنة! قال له سليمان: ليس ذاك إليَّ! قال أبو حازم: فما لي إليك حاجةٌ غيرها. قال: فادعُ لي. قال أبو حازم: اللَّهُمّ إن كان سليمانُ وَلِيَّك، فيَسِّرْه لخير(٢) الدنيا والآخرة، وإن كان عدوّك، فخذ بناصيته إلى ما تحبُّ وترضى. قال له سليمان: قَطّ! قال أبو حازم: قد أوجزتُ وأكثرتُ إن كنتَ من أهله، وإن لم تكن من أهله فما ينبغي أن أرميّ عن قَوسٍ ليس لها وَتَر . قال له سليمان: أَوْصني، قال: سأُوصيك وأُوجِز: عَظّمْ ربَّك، ونَزِّهْهُ أن يراك حيث نهاك، أو يَفْقِدَكَ حيث(٣) أمرَك. فلما خرج من عنده بعثَ إليه بمئة دينار، وكتب [إليه]: أن أنفِقْها ولك عندي مثلُها كثير. قال: فردَّها عليه وكتب إليه: يا أميرَ المؤمنين، أُعيذك بالله أن يكون سؤالُك إِيَّايَ هَزْلاً، أو ردِّي عليك بَذْلاً، وما أرضاها لك، فكيف [أرضاها] لنفسي؟! إنَّ موسى بنَ عِمران لما وَرَد ماءَ مَذْين وجد عليه رِعاءً يَسقون، ووجد من دونهم جاريتين تَذُودان، فسألهما، فقالتا: ﴿لَا نَسْقِى حَّ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخُ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلََّ إِلَى اَلْظِلِ فَقَالَ رَبِّ إِنِ لِمَّآ أَنْزَلْتَ إِلَنَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣ -٢٤]. وذلك أنه كان جائعاً خائفاً لا يأمن، فسأل ربَّه، ولم يسألِ الناس، فلم يفطن الرِّعاء، وفطنتٍ الجاريتان، فلما رجعتا إلى أبيهما، أخبرتاه بالقصَّة وبقوله، فقال أبوهما وهو شُعیبٌ عليه السلام: هذا رجلٌ جائع. فقال(٤) لإحداهما: إِذهبي فاذْعِيْهِ. فلما أتَتْه عَّمَتْه (١) يعني: مجاوزة قدر الظرف، والادعاء فوق ذلك تكبراً. مختار الصحاح: (صلف). (٢) في (د): لخيري. (٣) في النسخ: من حيث، والمثبت من (م). (٤) في النسخ: قال، والمثبت من (م). ١٨ سورة البقرة : الآية ٤١ وغطّت وجهَها، وقالت: ﴿إِنَّ أَبِىِ يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥]. فشقَّ على موسى حين ذكرت: ((أجْرَ ما سقَيْتَ لنا))، ولم يَجِدْ بُدّاً من أن يتبَعَها؛ لأنه كان بين الجبال جائعاً مستوحشاً، فلما تبعَها هبَّتِ الريحُ، فجعلت تَصْفِقُ ثيابَها على ظهرها، فتصِفُ له عَجِيزتَها - وكانت ذاتَ عَجُز - وجعل موسى يُعرِض مَرَّة ويغضُّ أُخرى، فلما عِيْلَ صبرُه ناداها: يا أَمَةَ الله، كوني خلفي، وأَرِينِي السَّمْتَ(١) بقولك. فلما دخل على شُعَيب إذا(٢) هو بالعَشاء مُهَيَّأ، فقال له شعیب: اجلس یا شابُّ فتعشَّ، فقال له موسى عليه السلام: أعوذ بالله! فقال له شعيب: لِمَ؟ أما أنت جائعٌ؟؟ قال: بلى، ولكني أخاف أن يكون هذا عِوَضاً لِمَا سقيتُ لهما، وأنا من أهل بيتٍ لا نبيعُ شيئاً من ديننا بملء الأرض ذهباً. فقال له شُعيب: لا يا شابُّ، ولكنَّها عادتي وعادةُ آبائي: نَقْرِي الضيفَ، ونُطعمُ الطعام، فجلسَ موسى فأكل . فإن كانت هذه المئةُ دينار عوضاً لما حدَّثتُ، فالميتةُ والدَّمُ ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحلُّ من هذه، وإن كان لِحَقِّ في(٣) بيت المال، فلي فيها نُظراء، فإن ساوَيْتَ بيننا، وإلا ؛ فليس لي فيها حاجةٌ. قلت: هكذا يكون الاقتداءُ بالكتاب والأنبياء، انظروا إلى هذا الإمام الفاضلِ والخَبْرِ العالم؛ كيف لم يأخذ على عمله عِوَضاً، ولا على وصيَّته بَذْلاً، ولا على نصيحته صَفَداً (٤)، بل بَيَّنَ الحقَّ وصَدَع، ولم يلحقه في ذلك خوفٌ ولا فَزَّع. قال رسول الله ◌َ﴾: ((لا يمنعنَّ أحدكم هيبةُ أحدٍ أن يقولَ - أو يقومَ - بالحقِّ حيث كان))(٥). وفي التنزيل: ﴿يَُهِدُونَ فِى سَبِيلِ الَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةً لَآيِرٍ﴾ [المائدة: ٥٤]. (١) يعني: الطريق. (٢) في (م): إذ. (٣) في (د): وإن كانت بحق لي في، وفي (ز): لحق لي في. (٤) أي: عطاءً. (٥) أخرجه أحمد (١١٠١٧)، والترمذي (٢١٩١)، وابن ماجه (٤٠٠٧) من حديث أبي سعيد الخدري. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ١٩ سورة البقرة : الآية ٤٢ قوله تعالى: ﴿وَإِنََّ فَتَّقُونِ﴾ قد تقدَّم معنى التقوى(١). وقرئ: ((فاتقوني)) بالياء، وقد تقدَّم(٢). وقال سهل بنُ عبد الله: قوله ﴿وَإِتَّىَ فَتَّقُونِ﴾ قال: موضع علمي السابق فيكم. ﴿وَإِنَنِىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ قال: موضع المكر والاستدراج(٣)، لقول الله تعالى: ﴿سَنَتَدْرِعُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]، وقوله: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، فما استثنى نبيّاً ولا صِدِّيقاً. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُهُواْ أَلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٤٣ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾ اللَّبْس: الخلطُ، لَبَستُ عليه الأمرَ ألبِسُه: إذا مَزَجْتَ بَيِّنَهُ بمُشْكِلِه، وحقَّه بباطِلِه، قال الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمِ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. وفي الأمر لُبْسة، أي: ليس بواضح. ومن هذا المعنى قولُ عليٍّ رضي الله عنه للحارث بن حَوْط(٤): يا حارثُ: إنه ملبوسٌ عليك، إن الحقَّ لا يُعرفُ بالرجال، إِعْرِفِ الحقَّ تَعْرِفْ أهلَه. وقالت الخنساء(٥): رُشْداً وهيهاتَ فانظرْ ما به التَبّسا ترى الجليسَ يقولُ الحقَّ تَحسَبُهُ والْبِسْ عليه أموراً مثلَ ما لَبَسا(٦) صَدِّقْ مقالَتِه واخذَرْ عداوتَه وقال العجاج(٧): لمَّا لَبَسْنَ الحقَّ بالثَّجَنِّي غَنِينَ واستبدَلْنَ زيداً منّي (١) ٢٤٨/١. (٢) ٩/٢. وهي قراءة يعقوب من العشرة. ينظر النشر ٢٣٧/٢. (٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٩٩/١٠، وعنده: ((وإياي فاتقون)) موضع العلم السابق وموضع المكر والاستدراج، ((وإياي فارهبون)) موضع اليقين ومعرفته. (٤) ذكره بأطول مما هنا المناوي في فيض القدير ٢١٠/١. (٥) تماضر بنت عمرو بن الشريد الصحابية، تكنى أم العباس، خزانة الأدب ٤٣٣/١. (٦) أورده السمين الحلبي في الدر المصون ٣٢٢/١. (٧) أورده الطبري في تفسيره ١/ ٦٠٥، والماوردي في النكت والعيون ١/ ١١٢. ٢٠ سورة البقرة : الآية ٤٢ روى سعيد عن قتادة في قوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾، يقول: لا تَلْبِسُوا اليهوديةَ والنصرانيةَ بالإسلام، وقد علمتُم أنَّ دينَ الله الذي لا يَقبلُ غيرَه ولا يَجزي إلا به الإسلامُ، وأنَّ اليهوديةَ والنصرانية بدعةٌ، وليست من الله(١). والظاهر من قول عنترة: وكَتِيبةٍ لَبَّستُها بكتيبةٍ(٢) أنه من هذا المعنى، ويحتملُ أن يكون من اللباس. وقد قيل هذا في معنى الآية، أي: لا تُغَطُوا، ومنه لُبْس الثوب، يقال: لَبِستُ الثوبَ ألْبَسه. ولِباسُ الرجل: زوجتُه، وزوجُها لباسُها. قال الجَعْديُّ(٣): تَثَنّتْ عليه فكانَتْ لِباسا إذا ما الضّجیعُ ثَنَی چِيدَها وقال الأخطل (٤): وقد لَبِستُ لهذا الأمر أعْصُرَه حتى تَجلَّلَ رأسي الشيبُ فاشتعلا واللَّبُوس: كلُّ ما يُلبَسُ من ثيابٍ ودِرْع، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُسٍ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، ولا بستُ فلاناً حتى عرفتُ باطنه، وفي فلان مَلْبَس، أي: مستمتعٌ. قال: ألَّا إنَّ بَعْدَ العُدْمِ للمرء قِنْوةً وبعد المَشِيبِ طُولَ عُمْرٍ ومَلْبَسا(٥) ولِيْس الكعبة والهَوْدَج: ما عليهما من لِياس، بكسر اللام(٦). قوله تعالى: ﴿بَلْبَطِلِ﴾ الباطلُ في كلام العرب: خلافُ الحقِّ، ومعناه الزائلُ. قال لَبید: (١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١٤٧/١، وزاد السيوطي في الدر المنثور ٦٤/١ نسبته إلى عبد بن حميد. (٢) هذا صدر بيت عجزه: حتى إذا التبستْ نفضتُ لها يدي، ولم نجد من نسبه لعنترة، وقد نُسب للفرار السلمي كما في الحماسة شرح المرزوقي ١٩١/١، والحيوان للجاحظ ١٨٥/٥، والعقد الفريد ١٣٩/١. (٣) هو النابغة، والبيت في ديوانه ص٨١. (٤) غياث بن غوث من بني تغلب، يكنى أبا مالك، كان يشبه بالنابغة الذبياني، واشتهر بمدح خلفاء بني أمية إلى أن هلك. الشعر والشعراء ٤٨٣/١. والبيت في ديوانه ص١٤٢. (٥) قائله امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص١٠٨. والقنوة: ما اقتنيتَ من شيء فاتخذتَه أصلَ مال. (٦) مجمل اللغة ٨٠١/٣.