النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سورة البقرة : الآية ٢٥ ﴿رِزْقًا﴾ مصدر، وقد تقدَّم القولُ في الرزق(١). ومعنى ﴿مِن قَبْلٌ﴾: يعني: في الدنيا، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّهم قالوا: هذا الذي وُعِدْنا به في الدنيا. والثاني: هذا الذي رُزِقْنا في الدنيا، لأنَّ لونَها يُشبِهُ لونَ ثمار الدنيا، فإذا أکلُوا وجدوا طعمه غير ذلك. وقيل: ((مِن قبلُ)) يعني في الجنة، لأنَّهم يُرزَقون ثم يُرزَقون، فإذا أُتُوا بطعام وثمار في أوَّل النهار فأكلُوا منها، ثم أُتُوا منها في آخر النهار، قالوا: هذا الذي رُزِقْناً من قَبْلُ، يعني: أُطْعِمْنَا في أوَّل النهار؛ لأنَّ لونَه يُشبِهُ ذلك، فإذا أكلوا منها وجدوا لها طعماً غيرَ طعمِ الأول(٢). ﴿وَأَنُواْ﴾ فُعِلُوا، من: أتيتُ، وقراءةُ(٣) الجماعةِ بضمِّ الهمزة والتاء، وقرأ هارون الأعور: ((وأَتَوا)) بفتح الهمزة والتاء(٤)، فالضميرُ في القراءة الأُولى لأهل الجنة، وفي الثانية للخُذَّام. ﴿بِهِ، مُتَنَِهَا﴾ حالٌ من الضمير في ((به))، أي: يُشبِهُ بعضُه بعضاً في المنظر (٥)، ويختلفُ في الطَّعم. قاله ابنُ عباس ومجاهدٌ والحَسَن وغيرهم. وقال عِكْرمة: يُشبِهُ ثَمَرَ الدنيا، ويُبايِنُه في جُلِّ (٦) الصفات. ابنُ عباس: هذا على وجه التعجُّب، وليس في الدنيا شيءٌ ممَّا في الجنة سوى الأسماء، فكأنَّهم تعجّبوا لِمَا رأَوه من حُسْن الثمرة وعِظَم خَلْقها. وقال قتادة: خِياراً لا رَذْل فيه، كقوله تعالى: ﴿ كِتَبًا مُتَشَبِهَا﴾ [الزمر: ٢٣]، وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه، لأنَّ فيها خِياراً غيرَ خِيار (٧). ﴿وَلَّهُمْ فِيهَآَ أَزْوَجٌ﴾ ابتداءٌ وخبر. وأزواج: جمع زَوْج، والمرأة: زَوْج الرجل، (١) ص ٢٧٣. (٢) تفسير الطبري ٤٠٨/١_٤٠٩، والمحرر الوجيز ١٠٩/١. (٣) في (م): وقرأه. (٤) القراءات الشاذة لابن خالويه ص٣، والمحرر الوجيز ١٠٩/١. (٥) في النسخ: النظر، والمثبت من (م). (٦) في (د) يشبه ثمار الدنيا في كل الصفات. (٧) المحرر الوجيز ١٠٩/١، وتخريج هذه الآثار عند الطبري ٤١٣/١-٤١٦. ٣٦٢ سورة البقرة : الآية ٢٥ والرجل زَوْج المرأة. قال الأصمعيُّ: ولا تكادُ العربُ تقول: زوجة، وحكى الفَرَّاء(١) أنَّه يقال: زوجة، وأنشد الفرزدق: كساعٍ إلى أُسْد الشَّرَى يَسْتَبِيلُها(٢) وإنَّ الذي يسعى لِيُفْسِد زَوْجتي وقال عمَّار بن ياسر في شأن عائشة أُمِّ المؤمنين رضي الله عنها: والله إنّي لأعلَمُ أنَّها زوجتُه في الدنيا والآخرة، ولكنَّ الله ابتلاكم. ذكره البخاريُ(٣)، واختاره الكسائيُّ. ﴿ُطَهَّرَةٌ﴾ نعتٌ للأزوج، ومُظَهَّرةٌ في اللغة أجمعُ من طاهرة وأبلغُ، ومعنى هذه: الطهارةُ من الخَيْض والبُصاق وسائل أقذار الآدِمِيَّات(٤). ذكر عبد الرزاق(٥) قال: أخبرني الثَّوريُّ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ((مطهّرة)) قال: لا يَبُلْنَ، ولا يَتَغوَّظْنَ، ولا يَلِذْنَ، ولا يَحِضْنَ، ولا يُمْنِينَ، ولا يَبْزُقْنَ(٦). وقد أتينا على هذا كلِّه في وَصْفِ أهلِ الجنة وصِفةِ الجنة ونعيمها من كتاب ((التذكرة)»(٧)، والحمد لله. ﴿وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ (هم)) مبتدأٌ. ((خالدون)) خبره، والظرف مُلْغيّ، ويجوز في غير القرآن نصبُ خالدين على الحال(٨). والخلود: البقاء، ومنه جنَّة الخُلْد، وقد تُستعمَلُ مجازاً فيما يطولُ، ومنه قولهم في الدعاء: خلَّد الله مُلگه، أي: طوَّله. قال زُهير: ألَّا لا أرى على الحوادث باقياً ولا خالداً إِلَّ الجبالَ الرَّواسيا(٩) (١) في المذكر والمؤنث ص ٢٦. (٢) البيت في ديوانه ٢/ ٦٠٥، وفي الأضداد لابن الأنباري ص ٣٧٤، والصحاح: (بول)، والمحرر الوجيز ١٠٩/١. ورواية ابن الأنباري: وإن الذي يمشي يحرش زوجتي كماشٍ ... وقوله: يستبيلها، أي: يأخذ بولها في يده. (٣) رقم (٣٧٧٢). (٤) المحرر الوجيز ١٠٩/١. (٥) في تفسيره ١/ ٤١. (٦) في (د): ينزفن، وفي (م): يبصقن، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو موافق لتفسير عبد الرزاق. (٧) ص ٤٣٨ وما بعدها. (٨) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٢/١. (٩) دیوانه ص ٢٨٨. ٣٦٣ سورة البقرة : الآية ٢٦ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِيٌ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَاْ فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاَ يُضِلُ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًاً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِيٍ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لمَّا ضرب الله سبحانه هذَين المَثَلَيْن للمنافقين، يعني: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَّدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّدٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]، قالوا: الله أجلُّ وأعلى من أن يَضْرِبَ الأمثال، فأنزلَ الله هذه الآية (١) وفي رواية عطاءٍ عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا ذكر الله آلهةَ المشركين، فقال: ﴿وَإِن يَسْلُّهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣]، وذكر كيدَ الآلهة، فجعَلَه كبيت العنكبوت، قالوا: أرأيتَ حيث ذَكَرَ الله الذَّبابَ والعنكبوتَ فيما أنزل من القرآن على محمد، أيُّ شيء يصنعُ؟ فأنزل الله الآية. وقال الحسن وقتادةُ: لمَّا ذكر الله الذُّبابَ والعنكبوتَ في كتابه، وضَرَبَ للمشرکین به المَثَل، ضَحِكتِ اليهود، وقالوا: ما يُشبِهُ هذا كلامَ الله، فأنزل الله الآية(٢). و﴿ يَسْتَخِيءَ﴾ أصلُه: يَسْتَخِيُ، عينُه ولامُه حرفا علَّة، أُعِلَّت اللامُ منه بأن استُثقلت الضَّمةُ على الياء فسكنت، واسم الفاعل على هذا: مُسْتَخي، والجمع: مُسْتَحْيُون ومُسْتَحْيِين. وقرأ ابن مُحَيْصن: ((يَسْتَحِي)) بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة(٣)، ورُويَ عن ابن كثير، وهي لغة تميم، وبكرِ بنِ وائلٍ، نُقِلتْ فيها حركةُ الياء الأُولى إلى الحاء، فسكنت، ثم استُثْقِلَت الضمةُ على الثانية فسكنت، فحُذفت إحداهما للالتقاء، واسمُ الفاعل مُسْتَحِ، والجمع: مُسْتَحُون ومُسْتَحِين. قاله الجوهريُّ(٤). (١) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٢٣/١. (٢) الأخبار الثلاثة في أسباب النزول للواحدي عند هذه الآية. وأخرج قول قتادة أيضاً الطبري في تفسيره ٤٢٤/١. (٣) القراءات الشاذة لا بن خالويه ص٤. (٤) صحاح الجوهري (حيا)، ونقله عنه المصنف بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١١٠/١. ٣٦٤ سورة البقرة : الآية ٢٦ واختلف المتأولون في معنى ((يستحيي)) في هذه الآية، فقيل: لا يخشى، ورَجَّحَه الطبريُّ(١)، وفي التنزيل: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، بمعنى تستحي. وقال غيره: لا يَتركُ، وقيل: لا يمتنع. وأصلُ الاستحياء: الانقباضُ عن الشيءُ، والامتناعُ منه، خوفاً من مواقعة القبيح، وهذا محالٌ على الله تعالى. وفي ((صحيح)) مسلم(٢): عن أمِّ سَلَمة رضي الله عنها قالت: جاءت أمُّ سُلَيم (٣) إلى النبيِ وَّ، فقالت: يا رسول الله، إنَّ الله لاَ يَسْتَحِي من الحقِّ. المعنى: لا يأمُرُ بالحیاء فیه، ولا يمتنعُ من ذِكْره. قوله تعالى: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا﴾ ((يضرب)) معناه: يُبيِّن، و((أنْ)) مع الفعل في موضع نصبٍ بتقدير حذف ((من)). ((مثلاً)) منصوبٌ بـ: ((يضرب)). (بَعُوضةً)): في نصبها أربعةُ أوجه: الأوّل: تكون ((ما)) زائدةً، و((بعوضةٌ)) بدلاً من ((مَثَلاً)). الثاني: تكون ((ما)) نكرةً في موضع نصبٍ على البدل من قوله: ((مَثَلاً))، و((بعوضةً)) نعتٌ لـ ((ما))، فوُصِفَت ((ما)) بالجنس المنكَّر لإبهامها، لأنَّها بمعنى قليل. قاله الفرَّاء والزَّجَّاج وثعلب(٤). الثالث: نُصِبت على تقدير إسقاط الجارِّ، المعنى: أن يضرِبَ مثلاً ما بين بعوضةٍ، فحُذِفت (بين)) وأعربت ((بعوضة)) بإعرابها. والفاء بمعنى (إلى))، أي: إلى ما (١) تفسير الطبري ١/ ٤٢٧. وليس فيما قاله الطبري ما يدل على أنه رجح هذا المعنى، ويظهر أن القرطبي قد تابع ابن عطية في هذا. (٢) رقم (٣١٣)، وأخرجه البخاري (٣٣٢٨). (٣) الغميصاء بنت ملحان الأنصارية الخزرجية، أم أنس بن مالك، مات زوجها مالك بن النضر مشركاً، ثم تزوجها أبو طلحة، وشهدت حنيناً وأحداً، وماتت في خلافة عثمان. السير ٣٠٤/٢. (٤) حكاه عنهم المهدوي، فيما ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ١١١/١. وينظر معاني القرآن للفراء ٢١/١، ومعاني القرآن للزجاج ١٠٤/١. ٣٦٥ سورة البقرة : الآية ٢٦ فوقَها. وهذا قولُ الكِسائيّ والفَرَّاءِ(١) أيضاً، وأنشدَ أبو العباس(٢): يا أحسنَ الناسِ ما قَرْناً إلى قَدَمِ ولا حِبالَ مُحِبٍّ وَاصلٍ تَصِلُ أراد: ما بين قَرْنٍ، فلمَّا أسقط ((بين)) نَصَبَ. الرابع: أن يكون ((يضرب)) بمعنى يجعَلُ، فتكون ((بعوضةً)) المفعولَ الثاني. وقرأ الضخَّاك وإبراهيم بنُ أبي عَبْلة ورُؤْبة بنُ العَجَّاجِ: ((بعوضةٌ)) بالرفع (٣)، وهي لغةُ تمیم. قال أبو الفتح(٤): ووجهُ ذلك أنَّ ((ما)) اسمٌ بمنزلة ((الذي))، و((بعوضةٌ)) رفع على إضمار المبتدأ، التقدير: لا يستحيي أن يضربَ الذي هو بعوضةٌ مثلاً، فحذف العائد على الموصول، وهو مبتدأ. ومثلُه قراءةُ بعضهم: ((تماماً على الذي أَحسنُ))(٥) أي: على الذي هو أحسنُ. وحكى سيبويه(٦): ما أنا بالذي قائلٌ لك شيئاً، أي: هو قائلٌ. قال النحاس(٧): والحذف في ((ما)) أقبحُ منه في ((الذي))، لأن ((الذي)) إنَّما له وَجْهٌ واحدٌ، والاسمُ معه أطولُ. ويقال: إنَّ معنى ضربتُ له مَثَلاً: مَثَّلتُ له مَثَلاً، وهذه الأبنيةُ على ضَرْبٍ واحد، وعلى مثال واحد، ونوع واحد، والضَّرْبُ: النَّوْع. (١) معاني القرآن ٢٢/١، وقد نقل المصنف الأوجه الثلاثة عن النحاس في إعراب القرآن ٢٠٣/١. (٢) كذا قال المصنف رحمه الله. وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: وأنكر أبو العباس هذا الوجه (يعني نصب بعوضة على تقدير إسقاط الجار). والبيت في الأضداد ص ٢٥١، وإيضاح الوقف والابتداء ١/ ٣٥٤، وفيه: وأنشد الفراء. ونقله أبو حيان في البحر ١٢٢/١ عن الفراء، عن أعرابي من بني سليم. (٣) ذكرها ابن عطية ١/ ١١١، واقتصر ابن خالويه ص ٤، وابن جني ١ / ٦٤ على نسبتها لرؤية. (٤) المحتسب ٦٤/١. (٥) يعني بالضم، وهي قراءة ابن يعمر فيما ذكر ابن جني في المحتسب ٢٣٤/١. وقراءة العشرة: ﴿تَمَامَا عَلَ الَّذِىّ أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] بالفتح، وانظر القراءات الشاذة لابن خالويه ص ٤١. (٦) الكتاب ١٠٨/٢، وقد حكاه عن الخليل. (٧) إعراب القرآن ٢٠٣/١ و٢٠٤. ٣٦٦ سورة البقرة : الآية ٢٦ والبَعُوضة: فَعُولَة، من: بَعَضَ: إذا قطَعَ اللحمَ، يقال: بَضَعَ وبَعَضَ، بمعنّى، وقد بَعَّضتُه تبعيضاً، أي: جَزَّأْتُه فتبغَّضَ، والبَعُوض: البَقُّ، الواحدة بعوضةٌ، سُمِّيت بذلك لصِغَرها. قاله الجوهريُّ وغيره(١). قوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ قد تقدَّم أنَّ الفاء بمعنى ((إلى))، ومَنْ جعلَ ((ما)) الأُولى صلةً زائدةً فـ ((ما)) الثانية عطفٌ على ((بعوضة))، ومن جعلها اسماً، فـ ((ما)) الثانية (٢) عطفٌ عليها، وقال الكسائي وأبو عُبَيدة(٣) وغيرهما: معنى ((فما فوقَها)) - والله أعلم -: ما دونَها، أي: إنّها فوقَها في الصِّغر، قال الكسائي: وهذا كقولك في الكلام: أتراه قصيراً؟ فيقول القائل: أو فوق ذلك، أي: هو أقصرُ ممَّا ترى، وقال قتادة وابن جُريج (٤): المعنى: في الكِبَر. والضمير في ((أَنَّ)) عائدٌ على المَثَل، أي: إن المثل حقٌّ. والحقُّ خلافُ الباطل، والحقُّ: واحدُ الحقُوق، والحَقَّة - بفتح الحاء - أخَصُّ منه، يقال: هذه حَقَّتي، أي: حَقِّي (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لغةُ بني تميم وبني عامرٍ في ((أمَّا)): أَيْمَا، يُبْدِلُون من إحدى الميمينِ ياءً كراهيةَ التضعيف، وعلى هذا يُنْشَدُ بيتُ عمرَ بنِ أبي ربيعة : رَأْتْ رجلاً أيْمًا إذا الشمسُ عارَضَتْ فَيَضْحَى وأيْما بالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ(٦) (١) الصحاح: (بعض)، وانظر المحرر الوجيز ١١١/١. (٢) من قوله: عطف على بعوضة، سقط من (د) و(م)، وينظر المحرر الوجيز ١١١/١. (٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٥/١. (٤) ذكره ابن عطية ١/ ١١١، وأخرج الطبري ٤٢٦/١ من طريق معمر، عن قتادة، قال: البعوضة أضعف ما خلق الله. وعزا نحوه لابن جريج. (٥) الصحاح: (حقق). (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٤/١، والبيت في ديوان عمر بن أبي ربيعة ص ٦٤، وروايته فيه: ((أما)) بدل: ((أيما)) في الموضعين. قال البغدادي في خزانة الأدب ٣٦٧/١١: أورده أبو العباس المبرد في الكامل في ثلاثة مواضع، فرواه في أول الثلث الثالث بالإبدال في الأول فقط [١١٥٣/٣ ووقع في مطبوعه ((أما)) في الموضعين] ورواه في الثلث الأول [٣٨٤/١] على الأصل في الموضعين بلا إبدال، ورواه في أوائله [٩٨/١] بالإبدال في الموضعين. = ٣٦٧ سورة البقرة : الآية ٢٦ قوله تعالى: ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ اختلفَ النَّحْوِيُّون في ((ماذا))، فقيل: هي بمنزلة اسم واحد بمعنى: أيُّ شيءٍ أرادَ الله؟ فيكون في موضع نصبٍ بـ «أراد)). قال ابن كَيْسان: وهو الجيِّد. وقيل: ((ما)) اسمٌ تامٌّ في موضع رفع بالابتداء، و((ذا)» بمعنى الذي، وهو خبرُ الابتداء، ويكون التقدير: ما الذي أراده الله بهذا مثلاً. ومعنى كلامهم هذا الإنكارُ بلفظ الاستفهام. و((مثلاً)) منصوبٌ على القطع، التقدير: أراد مثلاً. قاله ثعلب، وقال ابنُ كَيْسان: هو منصوب على التمييز الذي وقعَ موقعَ الحال(١). قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾ قيل: هو من قول(٢) الكافرين، أي: ما مرادُ الله بهذا المَثَل الذي يُفرِّق به الناسَ إلى ضلالة وإلى هُدى؟ وقيل: بل هو خبرٌ من الله عزَّ وجلَّ، وهو أشبَهُ؛ لأنَّهم يُقِرُّون بالهُدى أنَّه من عنده، فالمعنى: قل: يُضِلُّ اللهُ به كثيراً، ويهدي به كثيراً، أي: يوفِّق ويَخْذِل، وعليه فيكون فيه رَدٌّ على مَنْ تقدَّم ذِكْرُهم من المعتزلة وغيرهم(٣) في قولهم: إنَّ الله لا يخلُقُ الضَّلال ولا الهُدى؛ قالوا: ومعنى ﴿يُضِلُ بِهِ، كَثِيرًا﴾: التسميةُ هنا، أي: يُسَمِّبِه ضالًّا(٤)، كما يقال: فَسَّقْتُ فلاناً، يعني: سَمَّيْتُه فاسقاً، لأنَّ الله تعالى لا يُضِلُّ أحداً. هذا طريقُهم في الإضلال، وهو خلافُ أقاويلِ المفسِّرين، وهو غيرُ محتَمَلٍ في اللغة؛ لأنَّه يقال: ضَلَّلَه إذا سمَّاه ضالًا، ولا يقالَ: أضَلَّه إذا سمَّاه ضالًّا، ولكنَّ معناه ما ذكره المفسرون أهلُ التأويل من الحقِّ(٥): أنَّه يَخْذُلُ به كثيراً من الناس مجازاةً لكفرهم. = وقال أيضاً في شرحه للبيت: ومعارضة الشمس: ارتفاعها حتى تصير في حيال الرأس، قال صاحب الصحاح: وضَحِيتُ بالكسر ضَحىّ: عرقت اهـ وقوله: فيخصر (كما في المعجم الوسيط) أي: يؤلمه البرد في أطرافه. (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٤/١. (٢) في (د): كلام. (٣) ص ٢٨٥. (٤) في (ز) و(ظ): التسمية أي: سميته ضلالاً. (٥) قوله: من الحق، ليس في ((ظ))، ولا في تفسير أبي الليث والكلام منه ١٠٥/١. ٣٦٨ سورة البقرة : الآية ٢٦ ولا خلافَ أنَّ قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ أنَّه من قول الله تعالى. و ((الفاسقين)) نُصب بوقوع الفعل عليهم، والتقدير: وما يُضلُّ به أحداً إلَّا الفاسقين الذين سَبَقَ في علمه أنَّه لا يهديهم. ولا يجوز أن تَنصِبَهم على الاستثناء؛ لأنَّ الاستثناءَ لا يكون إلَّا بعد تمام الكلام(١). وقال نَوْف البِكاليُّ: قال عُزَيْرٌ فيما يُناجي ربَّه عزَّ وجلَّ: إلهي، تخلُق خلقاً، فتُضِلُّ من تشاءُ وتهدي من تشاء. قال: فقيل: يا عُزَيْر، أغْرِضْ عن هذا، لَتُعْرِضَنَّ عن هذا أو لأَمْحُونَّك(٢) من النبوة، إني لا أُسْألُ عمَّا أفعلُ وهم يُسألون(٣). والضَّلال أصلُه: الهلاك، يقال منه: ضَلَّ الماءُ في اللبن: إذا استُهلك، ومنه قولُه تعالى: ﴿أَِذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] وقد تقدَّم في الفاتحة(٤). والفِسْق أصلُه في كلام العرب: الخروجُ عن الشيء، يقال: فَسَقَتِ الرُّطَبَة: إذا خرجت عن قِشرها، والفأرةُ من جُحْرِها. والفُوَيْسقَة: الفأرة، وفي الحديث: ((خمسٌ فواسِقُ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم: الحيَّةُ، والغُرابُ الأبْقَعُ، والفأرةُ، والكلبُ العَقُور، والحُدَيَّا)). روته عائشة عن النبيِّ وَ﴿، أخرجه مسلم. وفي رواية: ((العقرب)) مكان ((الحية))(٥). فأطلَقَ وَِّ عليها اسمَ الفِسْق لأذِيَّتها، على ما يأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى(٦). (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٥/١. (٢) في (د): أعرض عن هذا وإلا محوتُك. (٣) هذا الخبر من الإسرائيليات. وأخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٣٤٣)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٥٠. ونوف البكالي - راوي الخبر - هو ابن امرأة كعب الأحبار، ولم يذكره أحدٌ بجرح ولا تعديل، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٤٨٣/٥ وقال: يروي القصص، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: مستور. (٤) ص ٢٣١ - ٢٣٢. (٥) صحيح مسلم (١١٩٨) (٦٧)، وأخرجه البخاري أيضاً (٣٣١٤). ورواية: ((العقرب)) عند مسلم (١١٩٨) (٦٨)، وعند البخاري كذلك (١٨٢٩). (٦) ص ٤٧٣ - ٤٧٤، وكذلك عند قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ الْغَنْدَ وَأَنْتُمْ حُرٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. ٣٦٩ سورة البقرة : الآية ٢٧ وفَسَقَ الرجلُ يَفْسُقُ - ويَفْسِقُ أيضاً عن الأخفش - فَسْقاً وفُسوقاً، أي: فَجَر. فأمَّا قوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهٌِ﴾ [الكهف: ٥٠] فمعناه: خرج. وزعم ابنُ الأعرابيِّ أنَّه لم يُسْمَعْ قٌّ في كلام الجاهلية ولا في شعرهم: فاسق. قال: وهذا عجبٌ، وهو كلام عربيٍّ. حكاه عنه ابن فارس والجوهريُّ(١). قلت: قد ذكر أبو بكر بنُ الأنباريِّ في كتاب ((الزاهر)) له لمَّا تكلّم على معنى الفِسْق قولَ الشاعر(٢): يهوين(٣) في نَجْدٍ وغَوْراً غائِرا فَواسِقاً عن قَصْدِهم(٤) جَوائرا والفِسِّيق: الدائمُ الفِسْقِ، ويقال في النداء: يا فُسَقُ، ويا خُبَثُ، يريد: يا أيُّها الفاسقُ، ويا أيُّها الخبيثُ. والفِسْقُ في عُرْفِ الاستعمالِ الشرعيِّ: الخروجُ من طاعة اللهِ عزَّ وجلَّ، فقد يَقعُ على مَنْ خَرَجَ بِكُفْرٍ، وعلى مَنْ خَرَجَ بعصيان(٥). قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنَقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِة أَن يُؤْصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِىِ الْأَرْضِّ أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ V فیه سبعُ مسائل : الأولى: قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ﴾ ((الذين)) في موضع نصبٍ على النَّعت للفاسقين، وإن شئتَ جعلتَه في موضع رفعٍ على أنَّه خبرُ ابتداءٍ محذوفٍ، أي: هم الذين. وقد تقدَّم(٦). الثانية: قولُه تعالى: ﴿يَنْقُضُونَ﴾ النَّقْض: إفسادُ ما أبرمتَه من بناءٍ أو حَبْلٍ أو عَهْد. (١) مجمل اللغة ٣/ ٧٢٠، والصحاح: (فسق). (٢) الزاهر ١٢٠/١. ونسب البيت المذكور إلى رؤبة، ونسبه سيبويه في الكتاب ٩٤/١ إلى العجّاج. (٣) في (د) و(ز) و(ظ): تهوين، وفي (م): يذهَبْن، والمثبت من الزاهر. (٤) في (م): قصدها، وفي الزاهر: قصده. (٥) المحرر الوجيز ١١٢/١. (٦) ص ٢٥١. ٣٧٠ سورة البقرة : الآية ٢٧ والنُّقاضة: ما نُقِضَ من حَبلِ الشَّعر، والمُناقضةُ في القول: أن يتكلّم بما يناقض(١) معناه. والنَّقِيضةُ في الشِّعر: ما يُنْقَض به، والنِّقْض: المنقوض(٢). واختلف الناسُ في تعيين هذا العهد : فقيل: هو الذي أخذَه الله على بني آدمَ حين استخرجَهم من ظهره. وقيل: هو وصيةُ الله تعالى إلى خلقِه، وأمْرُه إيَّاهم بما أَمرَهم به من طاعته، ونَهْيُهُ إِيَّاهم عمَّ نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسنةِ رسُلِه، ونَقْضُهم ذلك: تركُ العملِ به. وقيل: بل نَصْبُ الأدلةِ على وحدانيَّته بالسماوات والأرض وسائِر الصَّنْعة هو بمنزلة العَهْد، ونَقْضُهم: تركُ النظرِ في ذلك. وقيل: هو ما عَهِدَهُ إلى مَنْ أُوتِيَ الكتابَ أنْ يُبيِّنوا نبؤَّةَ محمد ﴿ ولا يكتموا أمرَه، فالآيةُ على هذا في أهل الكتاب(٣). قال أبو إسحاق الزَّجَّاج(٤): عَهْدُه جَلَّ وعَزَّ: ما أخَذَه على النَّبيين ومن اتَّبعهم أَلَّا يكفُروا بالنبي(٥)وَّجَ، ودليلُ ذلك: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِثَقَ النَّبْنَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌ﴾ [آل عمران: ٨١] أي: عهدي. قلت(٦): وظاهر ما قبل وما بعد يدلُّ على أنَّها في الكفار. فهذه خمسةُ أقوال، والقول الثاني يجمعها. الثالثة: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ﴾ الميثاق: العهدُ المؤكَّد باليمين، مِفْعال، من الوَثاقة والمعاهدة(٧): وهي الشِّدِّة في العَقْد والرَّبْط ونحوه، والجمعُ: المواثيق، (١) في (م): أن تتكلم بما تناقض. (٢) الصحاح: (نقض). (٣) المحرر الوجيز ١١٣/١، والنكت والعيون ٨٩/١. (٤) معاني القرآن ١٠٥/١. (٥) في معاني القرآن: بأمر النبيِّ. (٦) في (ز): قال الشيخ المؤلف رحمه الله. (٧) في (ظ): ((المعاقدة). ٣٧١ سورة البقرة : الآية ٢٧ على الأصل - لأنَّ أصلَ مِيثاق: مِوْثاق، صارت الواو ياءً لانكسار ما قبلها - والمیائِقُ والمياثيقُ أيضاً. وأنشد ابنُ الأعرابيّ: ولا نّسْألُ الأقوامَ عَهْدَ المَیائِقِ(١) حِمّى لا يُحَلُّ الدَّهْرَ إلَّا بإذْننا والمَوْثِقِ: المِيثاق، والمُواثقة: المعاهدة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَتَّقَّكُمْ بِهِ﴾ (٢) [المائدة: ٧]. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ﴾ القَطْعُ معروفٌ، والمصدر - في الرَّحِم - القطيعة، يقال: قطعَ رَحِمَهُ قطيعةٌ، فهو رجل قُطَعٌ وقُطَعَة، مثال هُمَزَة. وقطعتُ الحَبْلَ قَطْعاً، وقطعتُ النهر قُطُوعاً، وقَطَعَتِ الطيرُ قُطوعاً وقَطاعاً وقِطاعاً: إذا خرجت من بلدٍ إلى بلد، وأصابَ الناسَ قُطْعَةٌ: إذا قَلَّت مياهُهم، ورجل به قُطْعٌ، أي: انْبِهار(٣). الخامسة: قوله تعالى: ﴿مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِةٍ أَن يُوصَلَ﴾ ((ما)) في موضع نصبٍ بـ ((يقطعون)). و((أَنْ)) إن شئتَ كانت بدلاً من ((ما))، وإن شئتَ من الهاء في ((به))، وهو أَحسنُ، ويجوز أن يكون: لئلّا يُؤْصَلَ، أي: كراهَةً أن يُوصل. واختُلِف: ما الشيءُ الذي أَمَرَ بوصلِهِ؟. فقيل: صِلةُ الأرحام. وقيل: أمَرَ أنْ يُوصَلَ القولُ بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا. وقيل: أمَرَ أن يُوصَلَ التَّصديقُ بجميع أنبيائه، فقطعوه بتصدیق بعضِهم وتكذيب بعضهم. وقيل: الإشارةُ إلى دين الله وعبادته في الأرض، وإقامةٍ شرائعهِ، وحفظٍ (١) البيت في اللسان: (وثق)، وقد نسبه لعياض بن درة الطائي، وكذا جاء منسوباً له في بعض نسخ الصحاح (وثق)، كما ذكر في حواشيه، وهو في إصلاح المنطق ص ١٥٥، وتهذيب اللغة ٢٦٦/٩، والخصائص ١٥٧/٣ من غير نسبة. وفيها: عقد المياثق. (٢) الصحاح: (وثق). (٣) الانبهار، من البُهْر: وهو تتابع النفس. الصحاح: (بهر)، إعراب القرآن للنحاس ٢٠٥/١، والصحاح: (قطع). ٣٧٢ سورة البقرة : الآية ٢٧ حدوده(١) فهي عامَّةٌ في كلِّ ما أمَرَ الله تعالى به أن يُوصل. هذا قولُ الجمهور، والرَّحِمُ جزءٌ من هذا (٢). السادسة: قوله تعالى: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِىِ الْأَرْضِّ﴾ أي: يعبدون غيرَ الله تعالى، ويَجُورون في الأفعال، إذ هي بِحَسَبِ شَهَواتِهم، وهذا غايةُ الفساد. ﴿أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ ابتداءٌ وخبر، و((هم)) زائدة، ويجوز أن تكون (هم)) ابتداء ثانٍ ((الخاسرون)) خبرُه، والثاني وخبرُهُ خبرُ الأول، كما تقدَّم (٣). والخاسر: الذي نقَصَ نفسَه حَظّها من الفلاح والفَوْز، والخُسْران: النُّقصان، كان في ميزان أو غيرهٍ. قال جرير: إنَّ سَلِيطاً في الخَسَارِ إِنَّهْ أولادُ قَومِ خُلِقُوا أقِنَّهْ(٤) يعني بالخَسار: ما ينقُصُ من حظوظهم وشرفهم. قال الجوهريُّ(٥): وَخَسَرتُ الشيءَ - بالفتح - وأخسرتُه: نَقَصْتُه، والخَسَار والخَسارة والخَيْسرى: الضَّلال والهلاك. فقيل للهالك: خاسر؛ لأنَّه خَسِرَ نَفسَه وأهلَه يومَ القيامة، ومُنِعَ منزلَه من الجنة. السابعة: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ الوفاء بالعهد والتزامَه، وكلَّ عهدٍ جائزِ ألزَمَه المرءُ نفسَه، فلا يحلُّ له نقضُه، سواءٌ أكان بين(٦) مسلم أم غيرِهِ، لذمِّ الله تعالى مَنْ نقَضَ عهدَه. وقد قال: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وقالَ(٧) لنبيه عليه السلام: ﴿وَإِمَّا تَخَافَبَ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فنهاه عن الغَدْر، وذلك لا يكون إلَّا بنقض العهد، على ما يأتي بيانُه في موضعه إن شاء الله تعالى. (١) في (د): عهوده. (٢) المحرر الوجيز ١١٣/١. (٤) ديوانه ١/ ١٠٧١. وأقنة، جمع قِنّ، وهو (كما في مختار الصحاح) العبد إذا مُلك هو وأبواه. (٣) ص ٢٧٧. (٥) الصحاح: (خسر). (٦) في (د) و(ظ): من. (٧) في (م): وقد قال. ٣٧٣ سورة البقرة : الآية ٢٨ قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمِّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَمُونَ ((كيف)) سؤالٌ عن الحال، وهي اسمٌ في موضع نصبٍ بـ ((تكفرون))، وهي مبنيةٌ على الفتح، وكان سبيلُها أن تكون ساكنةً، لأنَّ فيها معنَى الاستفهام الذي معناه التعجّبُ، فَأَشْبهت الحروف، واختير لها الفتحُ لحِقَّته(١)، أي: هؤلاء مَمَّن يجبُ أن يُتَعجَّب منهم حين كفروا وقد ثبتَتْ عليهم الحُجَّة. فإن قيل: كيف يجوز أن يكون هذا الخطابُ لأهل الكتاب وهم لم يكفروا بالله؟ فالجواب: ما سبَقَ من أنَّهم لمَّا لم يُثبِتُوا أمرَ محمد بَّه ولم يُصدِّقوه فيما جاء به، فقد أشركوا؛ لأنَّهم لم يُقِرُّوا بأنَّ القرآنَ من عند الله، ومَنْ زعمَ أنَّ القرآنَ كلامُ البشر فقد أشرك بالله، وصارَ ناقضاً للعهد. وقيل: ((كيف)) لفظُه لفظُ الاستفهام، وليس به، بل هو تقريرٌ وتوبيخٌ، أي: كيف تکفرون بالله ونعمُه علیکم(٢) وقدرتُه هذه؟! قال الواسطيُّ(٣): وَبَّخَهم بهذا غايةَ التوبيخ؛ لأنَّ المَوَاتَ والجمادَ لا يُنازِعُ صانعَه في شيء، وإنَّما المنازعَةُ من الهياكل الروحانية. قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ هذه الواوُ واوُ الحال، و((قد)» مضمرةٌ. قال الزجَّاج(٤): التقدير: وقد كنتم، ثم حُذِفت قد. وقال الفرَّاء(٥): ((أمواتاً)) خبر (کنتُم)) (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٦/١. (٢) في (م): ((كيف تكفرون نعمه عليكم))، وفي (د): ((كيف تكفرون ونعمة الله عليكم)). والمثبت من (ظ)، وهو موافق لما في المحرر الوجيز ١١٣/١. (٣) أبو بكر محمد بن موسى، المعروف بابن الفرغاني، من قدماء أصحاب الجنيد وأبي الحسين النوري، وكان عالماً بالأصول والفروع. توفي بمرو سنة ٣٢٠هـ. طبقات الصوفية للسلمي ص ٣٠٢، وحلية الأولياء ٣٤٩/١٠، والوافي بالوفيات ٨٥/٥. (٤) الكلام بنحوه في معاني القرآن للزجاج ١/ ١٠٧، وبلفظه في إعراب القرآن للنحاس ٢٠٦/١. (٥) لم نجد هذا القول في معاني القرآن للفراء، وهو تتمة الكلام السابق في إعراب القرآن للنحاس. ٣٧٤ سورة البقرة : الآية ٢٨ ﴿فَأَخِيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ هذا وقفُ التمام، كذا قال أبو حاتم(١). ثم قال: ﴿ثُمَّ يُحْبِيكُمْ﴾ واختلف أهلُ التأويل في ترتيب هاتَيْن المَوْتَتَيْنِ والحياتَيْن، وكم من مَوْتٍ وحياةٍ للإنسان؟ فقال ابنُ عباس وابنُ مسعود: أي: كنتُم أمواتاً معدُومين قبل أن تُخلَقُوا، فأحياكم - أي: خلقَكم - ثم يُميتُكم عند انقضاء آجالِكم، ثم يُحييكم يوم القيامة(٢). قال ابن عطية (٣): وهذا القولُ هو المرادُ بالآية، وهو الذي لا مَحیدَ للكفار عنه، لإقرارِهم بهما، وإذا أَذْعَنَتْ نفوسُ الكفار لكونهم أمواتاً معدومين، ثم للإحياء في الدنيا، ثم للإماتة فيها، قَوِيَ عليهم لزومُ الإحياء الآخِرِ، وجاء جَحْدُهم له دَغْوَى لا حُجَّةً علیھا. قال غيره: والحياةُ التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا. وقيل: لم يعتدَّ بها كما لم يعتدَّ بموت (٤) مَنْ أماتَه في الدنيا ثم أحياه في الدنيا. وقيل: كنتُم أمواتاً في ظهر آدم، ثم أخرَجكم مِنْ ظهرِهِ كالذَّرِ، ثم يُميتكم موتَ الدنيا، ثم يبعثُكم. وقيل: كنتُم أمواتاً - أي: نُطَفاً - في أصلاب الرجال وأرحام النساء، ثم نقلكم من الأرحام، فأحياكم، ثم يميتُكم بعد هذه الحياةِ، ثم يُحييكم في القبر للمسألة، ثم (١) هو السجستاني، والذي نقله عنه أبو بكر الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ٥١٠/١: أن الوقف التام على قوله: ((فأحياكم)) لأنهم إنما ويخوا بما يعرفونه ويقرون به، وذلك أنهم كانوا يقرون بأنهم كانوا أمواتاً إذ كانوا نطفاً في أصلاب آبائهم ثم أُحيوا من النطف ولم يكونوا يعترفون بالحياة بعد الموت، فقال الله موبخاً لهم: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: ويحكم كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم، ثم ابتدأ فقال: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُمْبِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَمُونَ﴾ وقد تعقبه الأنباري بقوله: وهذا الذي قال تنقضه الآية عليه؛ لأنه زعم أن الله لا يوبخهم إلا على ما يعترفون به، وقد قال: ((كيف تكفرون)» فوبخهم بالكفر ولم يكونوا يعترفون بأنهم كفار. (٢) أخرج قوليهما الطبري في تفسيره ٤٤٣/١. (٣) المحرر الوجيز ١١٤/١. (٤) في (ظ): بموتة. ٣٧٥ سورة البقرة : الآية ٢٨ يُميتُكم في القبر، ثم يُحييكم حياةَ النَّشْر إلى الحَشْرِ، وهي الحياةُ التي ليس بعدها موتٌ. قلتُ: فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتاتٍ، وثلاثُ إحياءات. وكونُهم موتى في ظهر آدم، وإخراجُهم من ظهره والشهادةُ عليهم، غيرُ كونِهم نُطَفاً في أصلاب الرجال وأرحامِ النساء، فعلى هذا تجيءُ أربعُ موتاتٍ وأربعُ إحياءات. وقد قيل: إنَّ الله تعالى أوجدهم قبل خلق آدم عليه السلام كالهباء(١)، ثم أماتَهم، فيكون على هذا خُمس موتاتٍ، وخمس إحياءات، وموتة سادسة للعصاة من أُمَّة محمد وَله إذا دخلوا النار، لحديث أبي سعيد الخُذْريِّ قال: قال رسول الله وَلّه: ((أما أهلُ النار الذين هم أهلُها، فإنَّهم لا يموتون فيها ولا يَحْيَوْن، ولكنْ ناسٌ أصابتهم النارُ بذنوبهم - أو قال: بخطاياهم - فأماتَهم الله إماتةً، حتى إذا كانوا فَحْماً أذِنَ في الشفاعة، فجيء بهم ضَبائرَ ضَبائرَ، فَبُثُّوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم، فَيَنْبُتُون نباتَ الحِبَّة تكون(٢) في حَمِيل السَّيل)). فقال رجلٌ من القوم: كأنَّ رسولَ اللهِوَّه قد كان يَرْعَى بالبادية(٣). أخرجه مسلم(٤). قلتُ: فقوله: ((فأماتَهم الله)) حقيقةٌ في الموت، لأنه أكَّده بالمصدر، وذلك تکریماً لهم. وقيل: يجوز أن يكون ((أماتهم))(٥) عبارةً عن تغييبهم عن آلامها بالنوم، ولا يكون ذلك موتاً على الحقيقة، والأول أصحُ، وقد أجمعَ النَّخويون على أنَّك إذا أكَّدَت الفعل بالمصدر لم يكن مَجازاً، وإنَّما هو على الحقيقة، ومثله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] على ما يأتي بيانُه إن شاء الله تعالى. (١) في (ز) و(ظ): كالبهائم. (٢) في (ز): يكون، وليس في (د) و(ظ). (٣) في (ز) و(ظ): في البادية. (٤) رقم (١٨٥): (٣٠٦). وفيه: قد كان بالبادية. وهو في المسند (١١٠٧٧). وقوله: ضبائر، أي: جماعات في تفرقة، والحِبة، بكسر الحاء، بزر البقول والعشب تنبت في البراري وجوانب السيول، وحَمِيل السيل: هو ما جاء به السيل من طين أو غُثاء، ومعناه: محمول السيل، والمراد التشبيه في سرعة الإنبات وحسنه وطراوته. شرح صحيح مسلم للنووي ٢٣/٣ و ٢٨. (٥) في (ظ) إماتتهم. ٣٧٦ سورة البقرة : الآية ٢٩ وقيل: المعنى: وكنتُم أمواتاً بالخُمول، فأحياكم بأن ذُكِرتُم وشُرِّفتم بهذا الدِّين والنبيِّ الذي جاءکم، ثم يُمیتکم، فیموتُ ذِكْرُکم، ثم يُحييكم للبَعْث. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: إلى عذابه مرجعكم، لكفركم، وقيل: إلى الحياة وإلى المسألة (١)، كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] فإعادتُھم کابتدائهم، فهو رجوٌ. و ((تُرْجَعون)) قراءةُ الجماعة. ويحيى بنُ يَعْمر وابنُ أبي إسحاق ومجاهدٌ وابنُ مُحَيْصِن وسلام ويعقوب(٢) يفتحون حرفَ المضارعة، ويكسرون الجيمَ حیثُ وقعَتْ(٣). قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُمْ مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أَسْتَوَ إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فيه عشرُ مسائل: الأولى: ﴿خَلَقَ﴾ معناه: اخترَعَ، وأوجَدَ بعد العَدَم، وقد يقال في الإنسان: خَلَق، عند إنشائه شيئاً، ومنه قول الشاعر: لُ فجِيلَتي فيه قليلة(٤) مَنْ كان يَخْلُق ما يقو وقد تقدَّم هذا المعنى(٥). وقال ابن كَيْسان: ((خلَقَ لكم)) أي: من أجلكم، وقيل: المعنى: إنَّ جميعَ ما في الأرض مُنْعَمٌ به عليكم، فهو لكم، وقيل: إنَّه دليلٌ على التوحيد والاعتبار. (١) في (د) و(ظ): المساءلة. (٢) في (د) و(ظ) و(م): سلام بن يعقوب وهو خطأ، والمثبت من (ز). يعقوب - وهو ابنُ إسحاق الحضرمي - من العشرة. وينظر النشر ٢٠٨/٢. (٣) المحرر الوجيز ١١٤/١. (٤) نسبه الباقلاني في إعجاز القرآن ص ١٥٤ لبشار، ونُسب في معجم الشعراء ص ٤٩٢ ليحيى بن مروان بن أبي حفصة. ونُسب في معجم الأدباء ١٨٦/١٩، ووفيات الأعيان ٢٩٠/٥، وطبقات الشافعية الكبرى ٤٨٣/٣ لأبي الحسن منصور بن إسماعيل التميمي الفقيه، وهو في الكامل للمبرد ٨٨٢/٢، والمحرر الوجيز ١١٤/١ من غير نسبة. ورواية الكامل ومعجم الشعراء: من كان يكذب ما یرید. (٥) ص ٣٤١. ٣٧٧ سورة البقرة : الآية ٢٩ قلتُ: وهذا هو الصَّحيح على ما نُبيِّنُه، ويجوزُ أن يكون عنى به ما هم إليه محتاجون من جميع الأشياء. الثانية: استدلَّ من قال: إنَّ أصلَ الأشياء التي يُنتَفع بها الإباحةُ بهذه الآية، وما كان مثلُها، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الآية [الجاثية: ١٣]، حتى يقومَ الدليلُ على الحَظْرِ، وعَضَد هذا بأن قال(١): إنَّ المآكِلَ الشهيةَ خُلِقَتْ مع إمكان ألَّا تُخْلَق، فلم تُخلَق عبثاً، فلا بدَّ لها من منفعة، وتلك المنفعةُ لا يصحُّ رجوعُها إلى الله تعالى، لاستغنائه بذاته، فهي راجعةٌ إلينا، ومنفعتنا إمَّا في نّيل لَذَّتها (٢)، أو في اجتنابها لنُخْتَبَر بذلك، أو في اعتبارنا بها، ولا يحصُلُ شيءٌ من تلك الأمور إلَّا بذوقها، فلزِمَ أن تكون مباحةً. وهذا فاسدٌ، لأنَّا لا نُسلِّمُ لُزومَ العَبَث مِنْ خلقها إلَّا لمنفعة، بل خلقها كذلك، لأنَّه لا يجبُ عليه أصلُ المنفعة، بل هو الموجِبُ، ولا نُسلِّم حصرَ المنفعة فيما ذكروه، ولا حصولَ بعض تلك المنافع إلَّ بالذَّوق، بل قد يُستدلُّ على الظُّعوم بأمورٍ أُخَر، كما هو معروف عند الطبائعيين. ثم هو معارَضٌ بما يُخاف أن يكون سموماً مُهلِكةً، ومعارَضُون بشبهات أصحابٍ الحظر. وتوقَّفَ آخرون وقالوا: ما من فعلٍ لا نُدرِكُ(٣) منه حُسناً ولا تُبْحاً إلاَّ ويمكن أن يكون حَسَناً في نفسه، ولا مُعيِّن قبل ورودِ الشرع، فتعيَّنَ الوقفُ إلى ورود الشرع. وهذه الأقاويلُ الثلاثةُ للمعتزلة. وقد أطلق الشيخُ أبو الحَسَن وأصحابهُ وأكثرُ المالكية والصَّيرفيُّ(٤) في هذه (١) في (م): وعضدوا هذا بأن قالوا. (٢) في (د) و(ظ): لذاتها. (٣) في النسخ: يدرك. (٤) أبو بكر محمد بن عبد الله، الشافعي، البغدادي، اشتهر بالحذق في النظر وفي القياس وعلم الأصول، وهو أحد أصحاب الوجوه في المذهب، قال القفال: إن أبا بكر الصيرفي كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي. من تصانيفه: شرح الرسالة وكتاب في الشروط. توفي سنة ٣٣٠هـ. الوافي بالوفيات ٣٤٦/٣، وطبقات الشافعية الكبرى ١٨٦/٣. ٣٧٨ سورة البقرة : الآية ٢٩ المسألة القولَ بالوقف، ومعناه عندهم أن لا حكمَ فيها في تلك الحال، وأنَّ للشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء، وأنَّ العقلَ لا يحكم بوجوبٍ ولا غيره(١)، وإنما حَُه تَعَرُّف الأمور على ما هي عليه. قال ابنُ عطية(٢): وحكى ابن فُورَك عن ابن الصائغ أنَّه قال: لم يَخْلُ العقلُ قِظُ من السمع، ولا نازلةَ إِلَّ وفيها سَمْع، أو لها تعلُّقٌ به، أو لها حالٌ تُستصحَب. قال: فينبغي أن يُعتمد على هذا، ويغني عن النَّظر في حظرٍ وإباحةٍ ووقفٍ. الثالثة: الصَّحيحُ في معنى قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ﴾: الاعتبارُ، يدلُّ عليه ما قبلَه وما بعده من نصبِ العِبَر: الإحياء والإماتة والخَلْق، والاستواء إلى السماء وتسويتها، أي: الذي قَدَر على إحيائكم وخَلْقِكم وخلقِ السموات والأرض لا تَبعُدُ منه القدرةُ على الإعادة. فإن قيل: إنَّ معنى ((لكم)): الانتفاعُ، أي: لتنتفعوا بجميع ذلك. قلنا: المرادُ بالانتفاع الاعتبارُ لما ذكرنا. فإن قيل : وأيُّ اعتبارٍ في العقارب والحيَّات؟ قلنا: قد یتذكَّر الإنسانُ ببعض ما يرى من المؤذيات ما أعدَّ الله للكفار في النار من العقوبات، فيكون سبباً للإيمان وتركِ المعاصي، وذلك أعظمُ الاعتبار. قال ابنُ العربيّ(٣): وليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظراً ولا إباحةً ولا وقفاً، وإنَّما جاء ذِكْرُ هذه الآية في مَعْرِض الدلالةِ والتنبيه ليُسْتَدَلَّ بها على وحدانيته. وقال أرباب المعاني في قوله: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: لَتَقوَّوْا به على طاعته(٤)، لا لتصرفوه في وجوه معصيته. (١) في (د): بغيره. (٢) المحرر الوجيز ١١٥/١. (٣) أحكام القرآن ١/ ١٤. (٤) في (د): لتبقوا على طاعته، وفي (ز): ليتقوا به. ٣٧٩ سورة البقرة : الآية ٢٩ وقال أبو عثمان: وَهَبَ لك الكلَّ وَسَخَّرَه لك لِتستدِلَّ به على سَعَة جُودِه(١)، وتَسْكُنَ إلى ما ضَمِنَ لك من جَزِيل عطائه في المَعَاد، ولا تستكثِرَ كثيرَ بِرِّه على قليلٍ عملك، فقد ابتدأكَ بعظيم النِّعم قبل العمل، وهو التوحيد. الرابعة: روى زيد بنُ أسلم، عن أبيه، عن عمرَ بنِ الخطّاب رضي الله عنه، أنَّ رجلاً أتَى رسولَ اللهِّهِ، فسألَه أن يُعْطِيَه، فقال رسولُ اللهِ وَله: ((ما عندي شيءٌ، ولكن ابْتَعْ عَلَيَّ، فإذا جاء شيءٌ قَضَيْنا)). فقال له عمر: هذا أعطيتَ إذا كان عندك، فما كَلَّفَكَ الله ما لا تَقْدِرُ، فَكِرَهَ رسولُ الله ◌ِ لّه قولَ عمر، فقال رجل من الأنصار: یا رسول الله، أنفِقْ ولا تَخَفْ(٢) من ذي العرش إقلالاً، فتبسَّمَ رسولُ الله ◌ِّهِ، وعُرِفَ السُّرور في وجهه لقول الأنصاريِّ، ثم قال رسول الله (وَله: ((بذلك أُمِرتُ))(٣). قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فخوفُ الإقلال من سوء الظنّ بالله، لأنَّ الله تعالى خلقَ الأرضَ بما فيها لولد آدم، وقال في تنزيله: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. فهذه الأشياءُ كلُّها مسخّرة للآدميِّ قَطْعاً لعُذْرِهِ وحُجَّةً عليه، ليكونَ له عبداً كما خلقَه عبداً، فإذا كان العبدُ حَسَنَ الظنِّ بالله لم يخفِ الإقلال، لأنَّه يُخْلِفُ عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَآَ أَنْفَقْتُم مِن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفَةٌ وَهُوَ خَبْرُ الزَّزِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقال: ﴿فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌ [النمل: ٤٠]. كَرِمُ (١) في النسخ: وجوده. (٢) في (م): ولا تخش. (٣) أخرجه الترمذي في الشمائل (٣٤٨)، والبزار في مسنده (٢٧٣)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي وَ ل * ص ٥٣، والضياء المقدسي في المختارة (٨٨). وقوله: أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالاً، روي من قوله ﴿ ﴿ لبلال في سياق آخر أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٢٠) و(١٠٣٠٠)، وأبو نعيم في الحلية ١٤٩/١، والقضاعي في مسند الشهاب (٧٤٩) من حديث ابن مسعود، وأخرجه أبو يعلى (٦٠٤٠)، والطبراني (١٠٢٤) و(١٠٢٥) من حديث أبي هريرة، وأخرجه البزار في مسنده (١٣٦٦) من حديث بلال، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٤٦٦) من حديث عائشة، وقال المناوي في ((فيض القدير)) ٦١/٣: أطلق الحافظ العراقي أن الحديث ضعيف من جميع طرقه، لكن قال تلميذه الحافظ ابن حجر في ((زوائد البزار)): إسناد حديثه حسن. ٣٨٠ سورة البقرة : الآية ٢٩ وقال رسول الله وَله: ((قال الله تعالى: سَبَقَتْ رحمتي غَضَبي، يا ابنَ آدم، أَنفِقْ أُنفِقْ عليك، يمينُ الله ملأى، سَخَّاءُ لا يَغِيضُها شيءٌ الليلَ والنهارَ))(١). وقال رسول الله وَله: ((ما من يوم يُصْبِحُ العبادُ فيه إلَّا ومَلَكانٍ يَنْزِلان، فيقولُ أحدُهما: اللهمَّ أعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، ويقول الآخر: اللهمَّ أعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً))(٢). وكذا في المساء عند الغروب ينادِيانِ أيضاً. وهذا كلُّه صحيحٌ رواه الأئمة، والحمد لله. فمن استنارَ صدرُه، وعَلِمَ غِنَى ربِّه وكرمَه، أنفَقَ ولم يَخَفِ الإقلالَ، وكذلك من ماتَتْ شهواتُه عن الدنيا، واجتزاً باليسير من القوت المقيم لمهجته، وانقطعت مشيئته لنفسه، فهذا يُعطي مِنْ يُسْرِهِ وعُسْرِهِ، ولا يخافُ إقلالاً، وإنَّما يخافُ الإقلالَ مَنْ له مشيئةٌ في الأشياء، فإذا أعطى اليومَ وله غداً مشيئةٌ في شيء خافَ ألَّا يُصيبَ غداً، فيضيق عليه الأمر في نفقة(٣) اليوم لمخافة إقلاله. روى مسلم (٤) عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال لي رسول الله وَله: ((انْفَحِي - أو انْضَحِي أو أنْفِقي - ولا تُحْصي، فيُحصيَ الله عليك، ولا تُوعِي، فيُوعِيَ الله عليكِ)). وروى النسائيُّ(٥) عن عائشة قالت: دخل عليَّ سائلٌ مرَّةً وعندي رسولُ الله ◌َِّه فأمرتُ له بشيء، ثم دعوتُ به، فنظرتُ إليه، فقال رسول الله وَلِيٍ: ((أَما تريدين ألَّ يدخُلَ بيتَكِ شيءٍ ولا يخرجَ إلَّا بعلمك؟)) قلتُ: نعم. قال: ((مهلاً يا عائشة، لا تُحصي، فيُحصيَ الله عزَّ وجلَّ عليكِ)). الخامسة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىٌ﴾ ((ثم)) لترتيب الإخبارِ، لا لترتيب الأمر في نفسه. والاستواء في اللغة: الارتفاعُ والعُلُوُّ على الشيء، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن مَّعَلَ عَلَى الْقُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]، وقال: ﴿لِتَسْتَوُاْ عَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، (١) قوله: ((سبقت رحمتي غضبي)) أخرجه أحمد (٧٢٩٩)، والبخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١) (١٥)، وقوله: ((يا ابن آدم، أنفق ... )) أخرجه أحمد (٧٢٩٨) والبخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣) (٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأورده بتمامه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص ١٥١. (٢) أخرجه أحمد (٨٠٥٤)، والبخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠) من حديث أبى هريرة رضي الله عنه. (٣) في النسخ: نفقته. (٤) صحيح مسلم (١٠٢٩)، وأخرجه كذلك البخاري (٢٥٩١)، وهو في المسند (٢٦٩٢٢). (٥) المجتبى ٥/ ٧٣، وهو بنحوه في المسند (٢٤٤١٨).