النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة البقرة : الآية ٢١ وَظيفاً وَظِيفاً فوق مَوْرٍ مُعَبَّدٍ(١) والعبادةُ: الطّاعة، والتعبُّد: التَّنَسُّك، وعبَّدتُ فلاناً: انَّخذتُه عبداً. قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَگُمْ﴾ خصَّ تعالی خلْقَه لهم من بین سائر صفاته، إذ كانت العربُ مُقِرَّةً بأنَّ الله خلقَها، فذكر ذلك حجَّةً عليهم، وتقريعاً لهم. وقيل: ليُذَكِّرهم بذلك نعمته علیھم. وفي أصل الخَلْق وجهان: أحدُهما: التَّقدير، يقال: خَلَقْتُ الأدِيمَ للسِّقاء: إذا قَدَّرتَه قبل القَطْع. قال الشاعر: ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثمَّ لا يَفْرِي(٢) ولأَنتَ تَفْرِي ما خَلَفْتَ وبَعْ وقال الحَجَّاج: ما خَلَقْتُ إلَّا فَرَيْتُ، ولا وعدتُ إلّا وَفَيْتُ(٣). الثاني: الإنشاءُ والاختراع والإبداع. قال الله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكَا﴾ [العنكبوت: ١٧]. قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فيقال: إذا ثبتَ عندهم خَلْقُهم، ثبتَ عندهم خَلْقُ غيرهم؟ فالجواب: أنَّه إنَّما يجري الكلامُ على التَّنبيه والتَّذكير ليكون أبلغَ في العِظَة، فذكَّرهم مَنْ قبلَهم ليعلموا أنَّ الذي أماتَ مَنْ قبلَهم(٤)، وهو خَلَقَهم، يُميتُهم، وليفكِّروا فيمن مضى قبلَهم كيف كانوا، وعلى أيِّ الأمور مَضَوْا من إهلاك مَنْ أُهلِكَ، وليعلموا أنَّهم يُبْتَلَوْن كما ابتُلُوا. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ((لعلَّ)) متَّصلةٌ بـ ((اعْبُدُوا)) لا بـ ((خَلَقَكم))، لأنَّ مَنْ ذَرَأه الله لجهنّم لم يَخْلُقْه ليتَّقيَ. (١) عجز بيت من معلقته، وصدرُه: تُباري ◌ِتاقاً ناجياتٍ وأَتبعَتْ. وهو في ديوانه ص ٢٢. والوظيف لكل ذي أربع: ما فوق الرسغ إلى مفصل الساق. اللسان (وظف). والمَور: الطريق. اللسان (مور). (٢) البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه ص ١١٩، والصحاح: (خلق). وتَفْري، أي: تقطع. يعني: إنك إذا قدرت لأمر مضیت له وأنفذته ولم تعجز عنه. (٣) الصحاح: (خلق). (٤) في (ز) و(ظ): قبلكم. ٣٤٢ سورة البقرة : الآية ٢١ وهذا وما كان مثلُه ممَّا (١) وَرَدَ في كلام الله تعالى من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢] ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] ﴿لَعَّكُمْ نَّهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] فيه ثلاث تأويلات(٢): الأول: أنَّ (لعلَّ)) على بابِها من الثَّرجّي والتوقُّع، والتَّرجّي والتوقُّعُ إنَّما هو في حيّزِ البشر، فكأنَّه قيلَ لهم: افعلُوا ذلك على الرَّجاء منكم والطّمَع أن تَعْقِلُوا، وأن تَذَكَّروا، وأن تَتَّقوا. هذا قولُ سيبويه ورؤساءِ اللِّسان. قال سيبويه(٣) في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٢) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيْنَا لَعَلَّهُ يَتَذَّكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ . ٤٤]. اذهبا إلى طَمَعِكُما ورجائكما أن يتذَكَّر أو يخشى. واختار هذا القولَ أبو المَعالي. الثاني: أنَّ العربّ استعملتْ ((لعلَّ) مجَرَّدةٌ من الشكّ بمعنى لام ((كي)). فالمعنى: لِتَعْقِلوا، ولِتَذَكَّروا، ولِنَتَّقُوا، وعلى ذلك يدلُّ قول الشاعر: نَكُفُّ وَثَّقْتُم لنا كلَّ مَوْثِقٍ وقلتُم لنا كُفُّوا الحروبَ لعلَّنا فلمَّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانت عهودُكُم كَلَمْعِ سَرَابٍ في المَلَا مُتَألِّقٍ(٤) المعنى: كُقُّوا الحروبَ لنَكُفَّ، ولو كانت ((لعَلَّ) هنا شكًّا لم يُؤَنّقُوا لهم كلَّ مَوْثِقٍ. وهذا القول عن قُظْرُبٍ والطَّبريّ(٥). الثالث: أن تكون ((لعلَّ) بمعنى التعرُّض للشيء، كأنَّه قيل: افعلُوا ذلك متعرِّضين لأن تَعقِلوا، أو لأن تَذَّروا، أو لأن تَتَّقُوا. والمعنى في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ أي: لعلَّكم أنْ تجعلُوا بِقَبول ما أمَرَكُم الله به وِقايةً بينكم وبينَ النار. وهذا من قول العرب: اتَّقاه بحقِّه: إذا (١) في (م): فيما. (٢) أمالي ابن الشجري ٧٦/١ - ٧٧. (٣) الكتاب ٣٣١/١. وقد نقله القرطبي بواسطة ابن الشجري في أماليه ٧٦/١. (٤) البيتان في تفسير الطبري ١/ ٣٨٧، وأمالي ابن الشجري ٧٧/١ (والكلام له)، والحماسة البصرية ٢٥/١ - ٢٦ غير منسوبين. (٥) تفسير الطبري ٣٨٧/١. ٣٤٣ سورة البقرة : الآية ٢٢ استقبَلَه به، فكأنَّه جعلَ دَفْعَه حقَّه إليه وِقايةً له من المُطالبة، ومنه قولُ عليٍّ رضي الله عنه: كنَّا إذا احمرَّ البأُسُ اتَّقَيْنا بالنبيِّ وَّهِ(١). أي: جعلناه وِقايةً لنا من العدوِّ. وقال عنترة(٢) : حتى اتَّقَتْني الخيلُ بابنَيْ حِذْیَم(٣) ولقد كَرَرْتُ المُهْرَ يَدْمَى نَحْرُه قوله تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَاءُ وَأَنَزَّلَ مِنَ الشَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِء مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) قوله تعالى: ﴿اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا﴾ فیه ستُّ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ﴾ معناه هنا: صيَّر؛ لِتَعَدِّيه إلى مفعولين. ويأتي بمعنى خَلَق، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ﴾. [المائدة: ١٠٣]، وقولُه: ﴿وَجَعَلَ الُّلْمَتِ وَالنُّورِ﴾ [الأنعام: ١]. ويأتي بمعنى: سَمَّى، ومنه قوله تعالى: ﴿حمّ ﴾ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَانًّا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ١ - ٣]، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]، ﴿وَجَعَلُواْ الْمَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنًَّا﴾ [الزخرف: ١٩] أي: سَمَّوْهم. ويأتي بمعنى: أخَذَ، كما قال الشاعر : وقد جَعَلَتْ نفسي تطِيبُ لِضَغْمَةٍ لِضَغْمِهِماها يَقْرَعُ العَظْمَ نابُها (٤) وقد تأتي زائدة، كما قال الآخر: (١) أخرجه أحمد في مسنده (١٣٤٧)، والنسائي في الكبرى (٨٥٨٥). (٢) ابن عمرو بن شداد العبسي، الشاعر الفارس المشهور، شهد حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان. الشعر والشعراء ١/ ٢٥٠. (٣) البيت من معلقته، وهو في أشعار الشعراء الستة الجاهليين للأعلم الشنتمري ١٢٣/٢، وانظر المعلّقات العشر وأخبار شعرائها للشنقيطي ص ١٣٤. ابنا حِذْيَم: قيل: هما هرم وحصين ابنا ضمضم المري، كان عنترة قد قتل أباهما ضمضماً، فكانا يتوغَّدانِه. (٤) البيت لمُغَلِّس بن لَقِيط الأسدي. قوله: ضغمة، أي: عضَّة، أراد بها الشدة، وقوله: لضغمهماها، أي: لضغمهما إياها، والبيت من شواهد سيبويه ٣٦٥/٢، وهو في معجم الشعراء ص ٣٠٨. ٣٤٤ سورة البقرة : الآية ٢٢ وقد جَعَلْتُ أرَى الإثنينِ أربعةٌ والواحد (١) اثْنَينِ لمَّا هَدَّنِي الكِبَرُ(٢) وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلْمَتِ وَالنُّورِ﴾: إنَّها زائدةٌ. وجَعَلَ واجتَعَلَ بمعنّى واحدٍ. قال الشاعر: ـلَ كَحَبْلِ العادِيَّةِ المَمْدُودِ (٣) ناطَ أَمرَ الضِّعافِ واجْتَعَلَ اللَّبـ ﴿فِرَشًا﴾ أي: وِطاءً يفترشونَها ويستقرُّون عليها، وما ليس بفراشٍ، كالجبال والأوْعارِ والبحار(٤)، فهي من مصالح ما يُفْتَرَشُ منها؛ لأنَّ الجبالَ كالأوتاد، كما قال: ﴿أَلَرَ تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٦-٧]. والبحارُ تُركَبُ إلى سائر منافعها (٥)، كما قال: ﴿وَأَلْفُلْكِ الَّتِى تَّخْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. الثانية: قال أصحابُ الشافِعيِّ: لو حلَفَ رجلٌ أَلَّ يبيتَ على فراشٍ، أو لا يَسْتَسْرِجَ بِسِراجٍ، فباتَ على الأرض، وجَلَس في الشمس، لم يحنَثْ، لأنَّ اللفظَ لا يرجعُ إليهما عُزَّفاً. وأمَّا المالكيَّةُ؛ فَبَنَوْهُ على أصلِهم في الأَيْمان أنَّها محمولةٌ على النِّيَّة، أو السَّبَبِ، أو البِساطِ(٦) الذي جَرَتْ عليه اليمينُ، فإن عُدِمَ ذلك، فالعُرْفُ(٧). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَّاءٍ﴾ السماء للأرض كالسقف للبيت، ولهذا قال - وقولُه الحقُّ - ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَحْفُوظَاً﴾ [الأنبياء: ٣٢]، وكلُّ ما علا فأظَلَّ قيل (١) في النسخ الخطية: والأربع، والمثبت من (م) والمصادر الآتية. (٢) نسبه القالي في أماليه ٢/ ١٦٣ لعبدٍ من عبيد بجيلة، ونسبه المرزباني كما في الخزانة ٣٥٨/٩ لعمرو بن أحمر الباهلي، وهو عندهما برواية: فقد جعلت أرى الشخصين أربعةً والواحدّ اثنين مما بورك البصرُ (٣) البيت لأبي زُبيد حرملة بن المنذر الطائي. وهو من قصيدة طويلة يرثي بها اللجلاجَ ابنَ أخته، وهو في ديوانه ص ٦٠٤ (شعراء إسلاميون)، وجمهرة أشعار العرب ٢/ ٧٤٢، والاختيارين ص ٥٣٤. قوله: ناط، أي: حمل وكفى، والعاديّة: البئر القديمة، أي: يسير الليل كله لا ينثني. (٤) في (ظ): والنجاد. (٥) المحرر الوجيز ١٠٥/١. (٦) المقصود بالبساط هنا: السبب المثير لليمين لتعرف منه، قال ابن شاس في عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم أهل المدينة ١/ ٥٢٥: وذلك أن القاصد إلى اليمين لا بدَّ أن تكون له نيَّةٌ، وإنما يذكرها في بعض الأوقات، وينساها في بعضها، فيكون المحرِّكُ على اليمين - وهو البساط - دليلاً عليها، لكن قد يظهر مقتضى المحرِّك ظهوراً لا إشكال فيه، وقد يخفى في بعض الحالات، وقد يكون ظهوره وخفاؤه بالإضافة. (٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٣/١ ٣٤٥ سورة البقرة : الآية ٢٢ له: سماءٌ، وقد تقدَّم القولُ فيه (١). والوقفُ على ﴿بِنَاءُ﴾ أحسنُ منه على ﴿تَنَّقُونَ﴾، لأنَّ قوله: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا﴾ نعتٌ للرَّبِّ(٢). ويقال: بَنَى فلانٌ بيتاً، وبَنَى على أهلِهِ - بناءً فيهما - أي: زَنَّها، والعامَّةُ تقول: بَنَّى بأهله، وهو خطأً (٣)، وكان الأصلُ فيه أنَّ الداخلَ بأهله كان يضرِبُ عليها قُبَّةً ليلةً دخولِه بها، فقيل لكلِّ داخلٍ بأهله: بانٍ. وبَتَّى قُصوراً(٤): شُدِّدَ للكثرة، وابْتَنَى داراً وبَنَى بمعنَى، ومنه بُنْيان الحائط، وأصلُه: وَضْعُ لَبِنَةٍ على أُخرى حتى تَثْبُتَ. وأصل ((الماء)»: مَوَه، قُلِبت الواو ألفاً لتحرّكها وتحُرّك ما قبلَها، فقلتَ: ماه، فالتقى حرفان خفيَّان، فأبدلتَ من الهاء همزة، لأنَّها أجلَدُ، وهي بالألف أشبَهُ، فقلت: ماء، الألفُ الأُولى عينُ الفعل، وبعدها الهمزةُ التي هي بدلٌ من الهاء، وبعدَ الهمزة ألفٌ بدلٌ من التَّنوين. قال أبو الحسن(٥): لا يجوز أن يُكتَبَ إلاَّ بألِفَين عند البصريِّين، وإن شئتَ بثلاثٍ، فإذا جمعُوا أو صغَّروا ردُّوا إلى الأصل، فقالوا: مُوَيْهٌ وأَمْواهُ ومِياهٌ، مثلُ جِمال وأجْمال(٦). الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَأَخَجَ بِهِ، مِنَ الثَّعَرَّتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ الثَّمراتُ: جمعُ ثمرة، ويقال: ثَمَر، مثل شَجَر، ويقال: ثُمُر، مثل خُشُب، ويقال: ثُمْر، مثل بُدْن. وثِمار (١) ص ٣٢٦. (٢) إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري ٥٠٢/١. (٣) كذا نقل المصنف عن الجوهري في الصحاح (بنى). وقد تعقّبه غير واحد كما ذكر الزبيدي في تاج العروس، قال ابن الأثير في النهاية: قد جاء في غير موضع من الحديث وغير الحديث، وعاد الجوهري فاستعمله في كتابه! وذكر الزبيدي أنه قد ورد ابنی بأهله» في شعر چِران العود، قال: .. فكان مِحاقاً كلَّه ذلك الشهرُ بنيتُ بها قبل المحاقٍ بليلةٍ (٤) في (م): ((مقصوراً)). (٥) لعله علي بن سليمان الأخفش الصغير. (٦) إعراب القرآن للنحاس ١٩٩/١. : ٣٤٦ سورة البقرة : الآية ٢٢ مثل إكام، جمع ثَمَر (١)، وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ في ((الأنعام)) إن شاء الله(٢). وثمارُ السّياط: عُقَدُ أطرافها. والمعنى في الآية: أخرجنا لكم ألواناً من الثَّمرات، وأنواعاً من النَّبات. ﴿رِزْقًا﴾: طعاماً لكم، وعَلَفاً لدوابُكم، وقد بيَّنَ هذا قولُه تعالى: ﴿أَنَّ صَبِّنَا الْمَّةُ صَبَّا (٥َ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقَّا (٣٦َ فَأَبَّنَا فِيهَا حَبََّ (١٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٨َ وَزَيْتُنَا وَنَخْلا ◌َ وَحَدَآَبِقَ غُلْبَ ﴿ وَفَكِهَةً وَأَبَّا (٣ ◌َنَعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ﴾ [عبس: ٢٥ - ٣٢]. وقد مضى الكلامُ في الرِّزق مستوفىّ، والحمدُ لله(٣). فإن قيل: كيف أطلَقَ اسمَ الرِّزق على ما يخرُجُ من الثَّمرات قبل التملُّكِ؟ قيل له: لأنَّها مُعَدَّة لأَنْ تُملَكَ، ويصحّ بها الانتفاعُ، فهي رزقٌ (٤). الخامسة: قلتُ: ودلَّتِ هذه الآيةُ على أنَّ الله تعالى أغْنَى الإنسانَ عن كلِّ مخلوق، ولهذا قال عليه السلام مشيراً إلى هذا المعنى: ((والله لأَنْ يأخُذَ أحدُكم حَبْلَه، فَيَخْتَطِبَ على ظهرِهِ، خيرٌ له من أن يسأل أحداً، أعطاه أو مَنَعَه)). أخرجه مسلم(٥). ويدخُلُ في معنى الاحتطاب جميعُ الأشغال من الصَّنائع وغيرها، فمن أحوَجَ نفسه إلى بشر مثله بسببِ الحِرْص والأمل والرَّغبة في زُخْرف الدنيا، فقد أخَذَ بطرفٍ مَنْ جَعَلَ للهِ نِدّاً (٦). وقال علماء الصُّوفية: أعلَمَ اللهُ عزَّ وجلَّ في هذه الآية سبيلَ الفقر، وهو أن تجعَلَ الأرضَ وِطاءً، والسماءَ غِطاءً، والماءَ طِيباً، والكلأَ طعاماً، ولا تعبُدَ أحداً في (١) المصدر السابق. (٢) عند قوله تعالى: ﴿أَنْظُرُوّا إِلَى ثَمَرِوِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩]. (٣) ص ٢٧٣. (٤) المحرر الوجيز ١٠٦/١. (٥) صحيح مسلم (١٠٤٢) من حديث أبي هريرة، ولفظه: ((لأن يغدو أحدكم، فيحتطب على ظهره، فيتصدق به، ويستغني من الناس، خير له من أن يسأل رجلاً أعطاه أو منعه ذلك ... )). وكذلك أخرجه البخاري (١٤٧٠) بنحو ما ذكره المصنف. وهو في المسند (٧٣١٧). (٦) المحرر الوجيز ١٠٦/١. ٣٤٧ سورة البقرة : الآية ٢٢ الدنيا من الخلق بسبب الدنيا، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أتاحَ(١) لك ما لا بدَّ لك منه، من غیر مِنَّةٍ فیه لأحدٍ علیك. وقال نَوْف البِكَاليُّ(٢): رأيتُ عليَّ بن أبي طالب خَرَج فنظَرَ إلى النُّجوم، فقال: يا نَوْفُ، أراقِدٌ أنتَ أم رامِقٌ؟ قلتُ: بل رامِقٌ يا أميرَ المؤمنين، قال: طُوبَى للزَّاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة، أولئك قومُ اتَّخذوا الأرضَ بِساطاً، وتُرابَها فِراشاً، وماءها طِيباً(٣)، والقرآنَ والدعاءَ دِثاراً وشِعاراً، فرفضوا(٤) الدُّنيا على منهاج المسيح عليه السلام. وذكر باقي الخبرِ(٥)، وسيأتي تمامُه في هذه السُّورة عند قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [الآية: ١٨٦] إن شاء الله تعالى. السادسة: قولُه تعالى: ﴿فَلَ تَجْعَلُوا﴾ نَهْيٌّ. ﴿لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: أكْفاءً وأمثالاً ونُظَراءَ، واحدُها نِدٌّ، وكذلك قرأ محمد بنُ السَّمَيْفَع: ((نِدّا))(٦). قال الشاعر: نَحْمَّدُ الله ولا نِدَّ له عندَه الخيرُ وما شاءَ فَعَلْ(٧) وقال حَسَّان: أَتَهْجُوهُ ولَسْتَ له بِنِدِ فَشَرُّكُما لِخيركُما الفِداءُ(٨) ويقال: نِدُّ ونَدِيدٌ على المبالغة. قال لَبيد : (١) في النسخ: أباح، والمثبت من (م)، والكلام بنحوه في لطائف الإشارات ٦٨/١. (٢) ابن فضالة الحميري، وهو ابن امرأة كعب الأحبار، قال ابن حبان في الثقات: كان راوية للأخبار، وذكره البخاري في الأوسط في فصل من مات بين التسعين والمئة. تهذيب التهذيب ٢٤٩/٤. (٣) في (ظ): وماءها طيباً وكلأها طعاماً. (٤) في حلية الأولياء و(د) وهامش (ظ) و(ز): فرضوا. (٥) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٧٩/١ و ٥٣/٦. (٦) ذكرها الفخر الرازي في تفسيره ١١٢/٢. (٧) قائله لَپید بن ربيعة العامري، والبيت في ديوانه ص ١٧٤، وروايته فیه: أحمدُ الله فلاندَّ له بيديه الخيرُ ما شاء فعل (٨) هو في ديوانه ص ٩، وفيه: بكفءٍ، بدل: بندًّ. والبيت من قصيدة طويلة قالها حسان في فتح مكة يهجو بها أبا سفيان قبل إسلامه، وكان قد هجا النبي وَّه. ٣٤٨ سورة البقرة : الآية ٢٢ وأجعلَ أقواماً عُموماً عَمَاعِمًا(١) لكيلا يكونَ السَّنْدَرِيُّ نَدِيدَتي وقال أبو عُبَيدة (٢): ﴿أَنْدَادًا﴾: أضداداً. النحاسُ(٣): ﴿أَنْدَادًا﴾ مفعول أول، و﴿لِلّهِ﴾ في موضع الثاني. الجوهريّ(٤): والنَّدُّ - بفتح النون - الثَّلُّ المرتفعُ في السماء، والنَّدُّ: من الطِّيب، ليس بعربيٍّ، ونَدَّ البعيرُ يَنِدُّ نَدّاً ونِداداً ونُدُوداً: نَفرَ وذَهَبَ على وجهِه، ومنه قرأ بعضُهم: ((يَومَ التَّنَادِ))(٥). ونَدَّدَ به، أي: شَهَّرَه وسَمَّعَ به. السابعة: قولُه تعالى(٦): ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ، والجملةُ في موضعٍ الحال، والخطابُ للكفار (٧) والمنافقين. عن ابن عباس (٨). فإن قيل: كيف وصَفَهم بالعلم وقد نَعَتَهم بخلافِ ذلك من الخَتْم والطّبْع والصَّمَم والعمى؟ فالجواب من وجهین : أحدهما: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: يريدُ العلمَ الخاصَّ في أنَّ (٩) الله تعالى خَلَقَ الخلقَ، وأنزل الماءَ، وأنبَتَ الرِّزْقَ (١٠)، فيعلمون أنَّه المُنعِمُ عليهم دون الأنداد. (١) ديوانه ص ٢٨٦، وفيه: لكيما. والسَّنْدَرِي شاعر كان مع علقمة بن عُلاثة، وكان لبيد مع عامر بن الطفيل، فدعي لبيد إلى مهاجاته، فأبى. العماعم: الجماعات المتفرقون. والمعنى: وأجعل أقواماً مجتمعين فِرَقاً. اللسان: (عمم). (٢) مجاز القرآن ٣٤/١. (٣) إعراب القرآن ١٩٩/١. (٤) الصحاح (ندد). (٥) بالتشديد، وهي من سورة المؤمن، الآية ٣٢، ونسبت هذه القراءة لابن عباس والضحاك وأبي صالح والكلبي، وهي قراءة شاذة. القراءات الشاذة لابن خالويه ص ١٣٢، والمحتسب ٢٤٣/٢. (٦) في النسخ: قوله تعالى وهي السابعة، والمثبت من (م). (٧) في (م): للكافرين. (٨) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٩٣/١. (٩) في (م): بأن (١٠) المحرر الوجيز ١٠٦/١. ٣٤٩ سورة البقرة : الآية ٢٣ الثاني: أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون وَحْدائِيَّتَه بالقوّةِ والإمكان لو تَدَبِّرْتُم ونَظَرْتُم، والله أعلم. وفي هذا دليلٌ على الأمر باستعمال حُجَج العقول، وإبطالِ التقليد. وقال ابنُ فُورَك: يَحتَمِلُ أن تتناولَ الآيةُ المؤمنين، فالمعنى: لا تَرتَدُّوا أيُّها المؤمنون وتجعلُوا لله أنداداً بعد عِلْمكم - الذي هو نفيُ الجهل - بأنَّ الله واحدٌ(١). قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ﴾ أي: في شكّ. ﴿مِّمَّا نَزَّلْنَا﴾ يعني القرآنَ، والمرادُ: المشركون الذين تُحُدُّوا، فإنَّهم لمَّا سمِعُوا القرآنَ قالوا: ما يُشبِهُ هذا كلامَ الله، وإنَّ لَفي شكِّ منه، فنزلت الآيةُ. ووجْهُ اتِّصالها بما قبلَها أنَّه سبحانه لمَّا ذَكر في الآية الأُولى الدلالةَ على وحدانيَّته وقُدْرتِهِ، ذكَرَ بعدَها الدلالة على نُبوّة نبيِّه، وأنَّ ما جاء به ليس مُفترَى من عنده. قوله: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني محمداً وَّه، والعبدُ مأخُوذٌ من التعبُّد، وهو التذلُّلُ، فسُمِّيَ المملوكُ - من جنس ما يفعَلُه - عبداً، لتذلُّله لمولاه(٢). قال طَرَفَة: وأُفرِدْتُ إفرادَ البعيرِ المُعَبَّدِ(٣) إلى أنْ تَحامَتْني العشيرةُ كُلُّها أي: المُذَلَّل. قال بعضُهم: لمَّا كانتِ العبادةُ أشرَفَ الخِصال، والتسمِّي بها أشرفَ الخُطَط، سَمَّى نبيَّه عَبْداً، وأنشدوا : يَعرِفُه السامعُ والرَّائي يا قومٍ قلبي عند زَهْراءِ فإنَّه أشرَفُ أسمائي(٤) لا تَدْعُني إلَّا بِيَا عبدَها (١) نفس المصدر. (٢) النكت والعيون للما وردي ١/ ٨٤. (٣) البيت من معلقته، وهو في ديوانه ص ٣١. (٤) البيتان في نفح الطيب ٢/ ٦٦٥ من غير نسبة لقائله، وجاء فيه الشطر الأول من البيت الأول: يا عمرو= ٣٥٠ سورة البقرة : الآية ٢٣ ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ﴾ الفاءُ جوابُ الشَّرط، اثتوا مقصورٌ لأنَّه من باب المجيء؛ قاله ابن كَيْسان(١). وهو أمرٌ معناه التعجيز؛ لأنَّه تعالى عَلِمَ عَجْزَهم عنه. والسورةُ: واحدةُ السُّوَر، وقد تقدَّم الكلام فيها وفي إعجاز القرآن(٢)، فلا معنى للإعادة. و((مِن)) في قوله: ﴿مِّن مِثْلِهِ﴾ زائدةٌ، كما قال: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَوْ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]. والضميرُ في ((مثله)) عائدٌ على القرآن عند الجمهور من العلماء، كقتادةً ومجاهدٍ (٣) وغيرهما. وقيل: يعودُ على التَّوراة والإنجيل، فالمعنى: فَأُتُوا بسورةٍ من كتابٍ مثلِه، فإنَّها تُصَدِّق ما فيه. وقيل: يعود على النبيِّ ◌َّهِ، المعنى: من بَشَرٍ أُمِّيٍّ مثلِه، لا يكتُبُ ولا يقرأ(٤). فـ: ((مِنْ)) على هذين التأويلين للتَّبعيض. والوقفُ على ((مثله)) ليس بتامٌّ؛ لأنَّ ((وادْعُوا)) نَسَقٌ عليه(٥). قوله تعالى: ﴿وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ﴾ معناه أعوانَكم ونُصَرَاءَكم. الفَرَّاءُ(٦): آلهتكم. وقال ابن كَيْسان: فإن قيل: كيف ذَكَرَ الشُّهداءَ ها هنا، وإنَّما يكون الشُّهداء لِيَشْهَدُوا أمْراً، أو لِيُخْبِرُوا بأمْرٍ شَهِدُوه، وإنَّما قيلَ لهم: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ.﴾؟ فالجوابُ: أنَّ المعنى: استعينوا بمن وجدتموه من علمائكم، وأَخْضِروهم لِيُشاهِدُوا ما تأتُون به، فيكون الردُّ على الجميع أوَكَدَ في الحُجَّة عليهم. قلتُ: هذا هو معنى قولِ مجاهد؛ قال مجاهد: معنى ﴿وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ﴾ أي: = نادٍ عبدَ زهراء. (١) إعراب القرآن للنحاس ١٩٩/١. (٢) ص ١٠٦ و١١٢ - ١٢٢. (٣) أخرجه الطبري ٣٩٦/١-٣٩٧. (٤) المحرر الوجيز ١٠٦/١ - ١٠٧. (٥) إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري ١/ ٥٠٣. (٦) معاني القرآن ١٩/١. ٣٥١ سورة البقرة : الآية ٢٤ ادعوا ناساً يشَهدونَ لكم(١)، أي: يشهدون لكم أنَّكم عارَضْتُموه. النخَّاس(٢): ﴿شُهَدَآءَكُمْ﴾ نصب بالفعل، جَمْعُ شهيد، يقال: شاهدٌ وشهيدٌ، مثل قادرٌ وقدیرٌ. قوله: ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من غيره، و((دون)) نقيضُ «فوقَ))، وهو تقصيرٌ عن الغاية، ويكون ظرفاً. والدُّون: الحقيرُ الخَسيِس. قال : إذا ما عَلا المرءُ رامَ العلاءِ وَيَقْنَعُ بالدُّونِ مَنْ كان دُونا(٣) ولا يُشتَقُّ منه فعلٌ، وبعضُهم يقول منه: دان يَدُون دَوْناً، ويقال: هذا دُونَ ذاك، أي: أقربُ منه، ويقال في الإغراء بالشيء: دُونَكُه. قالت تَميم للحجَّاج: أقْبِرنا صالِحاً - وكان قد صَلَبَه - فقال: دُونَكُموه(٤). قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ فيما قلتُم من أنَّكم تَقْدِرون على المعارضة، لقولهم في آية أخرى: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]. والصِّدْقُ: خِلافُ الكذب، وقد صَدَق في الحديث، والصَّدْق: الصُّلب من الرِّماح، ويقال: صَدَقُوهم القتال، والصِّدِّيق: الملازِمُ للصّدق، ويقال: رجلُ صِدْقٍ، كما يقال: نِعْمَ الرجل، والصَّداقةُ مشتقّةٌ من الصِّدق في النُّصْح والوُدِّ(٥). قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ ( ٢٤ قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ يعني فيما مضى ﴿وَلَنْ تَفْعَلُواْ﴾ أي: تُطِيقُوا ذلك فيما يأتي. (١) أخرجه الطبري ٣٩٩/١. (٢) إعراب القرآن ١٩٩/١. (٣) هو في الصحاح واللسان (دون) من غير نسبة. (٤) الصحاح (دون) وأورد هذا الخبر أيضاً ابن السكيت في إصلاح المنطق ١/ ٢٦٢، وابن الأثير في النهاية، وابن منظور في اللسان (قبر) نقلاً عن أبي عبيدة. ومعنى قولهم: أقبرنا صالحاً، أي: أمكِنَّا من دفنه في القبر. وصالح: هو ابن عبد الرحمن، وينظر ما سيرد عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَنَهُ فَأَتْرَهُ﴾ [عبس: ٢١]. (٥) مجمل اللغة لابن فارس (صدق). ٣٥٢ سورة البقرة : الآية ٢٤ والوقفُ على هذا على: ﴿صَدِقِينَ﴾ تامّ، وقال جماعة من المفسِّرين: معنى الآية: وادْعُوا شهداءَكم من دون الله إنْ كنتُم صادقين، ولن تفعلوا، فإن لم تفعلوا فاتَّقوا النار. فعلى هذا التفسيرِ لا يتمُّ الوقفُ على ﴿صَدِقِينَ﴾(١). فإن قيل: كيف دخَلْت ((إن)) على ((لم)) ولا يدخُلُ عاملٌ على عامل؟ فالجوابُ أنَّ ((إنْ)) ها هنا غيرُ عاملةٍ في اللفظ، فدخَلتْ على ((لم)) كما تدخُلُ على الماضي؛ لأنَّها لا تعمَلُ في (لم)) كما لا تعمَلُ في الماضي؛ فمعنى ((إن لم تفعلوا)): إن تركتُم الفِعْلَ(٢). قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُواْ﴾ نصب بـ ((لن)) ومن العرب مَن يجزمُ بها. ذكره أبو عُبيدة(٢)، ومنه بيتُ النابغة: فلن أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفَدِ(٣) وفي حديث ابنِ عمر حين ذُهِبَ به إلى النَّار في منامه: فقيل لي: لن تُرَعْ(٤). هذا على تلك اللغةِ. وفي قوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُواْ﴾ إثارةٌ لِهِمَمِهِم، وتحريكٌ لنفوسهم؛ ليكون عجزُهم بعد ذلك أبدَعَ، وهذا من العيوب التي أخبَرَ بها القرآنُ قبل وُقوعِها(٥). وقال ابن كَيْسان: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُواْ﴾(٦) توقيفاً لهم على أنَّه الحقُّ، وأنَّهم ليسوا (١) إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري ٥٠٣/١. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٠/١. (٣) هذا عجز بيت من معلقته، وصدره: هذا الثناء فإن تسمع به حسناً. و((لن أعرض)) رواية ابن عطية ١٠٧/١، ورواية الديوان ص ٣٧: فلم أعرض، ورواية النحاس في شرح القصائد ٧٦٥/٢: فما عرضت. قوله: الصفد: العطاء، قال الأصمعي: ولا يكون الصفد ابتداءً، إنما هو بمنزلة المكافأة. وسيورد المصنف البيت عند تفسير الآية (٤٩) من سورة الحجر، وروايته: فلم. (٤) أخرجه بهذا اللفظ عبد الرزاق في المصنف (١٦٤٥)، وأخرجه البخاري (١١٢١)، ومسلم (٢٤٧٨) بلفظ: لم ترع، وعند البخاري كذلك (٧٠٣٠) بلفظ: لم تراع. قال الحافظ في الفتح ٧/٣: ووقع في رواية القابسي: لن ترع، بحذف الألف. قال ابن التين: وهي لغة قليلة. أي: الجزم بلن ... وينظر تتمة كلامه. (٥) المحرر الوجيز ١٠٧/١. (٦) في النسخ: وإن لم تفعلوا: والمثبت من (م). ٣٥٣ سورة البقرة : الآية ٢٤ صادقين فيما زعموا من أنَّه كذبٌ، وأنَّه مفترَى، وأنَّه سحرٌ، وأنَّه شِعْر، وأنَّه أساطيرُ الأَوَّلين، وهم يدَّعون العلمَ، ولا يأتون بسورة من مِثْله. وقوله: ﴿فَأَتَّقُواْ النَّارَ﴾ جوابُ ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا﴾ أي: فاتَّقوا النارَ بتصديقِ النبيِّ * وطاعةِ الله تعالى. وقد تقدَّم معنى التقوى (١)، فلا معنى لإعادتها. ويقال: إنَّ لغةً تميم وأسد: ((فَتَقُوا النار))، وحكى سيبويه(٢): تَقَى يَتْقي، مثل: قَضَى يقضي. ((النارَ)) مفعولٌ. ((التي)) من نعتها(٣)، وفيها ثلاثُ لغات: ((التي)) و((اللَّتِ)) بكسر التاء، و((اللَّتْ)) بإسكانها، وهي اسم مُبْهَم للمؤنَّث، وهي معرفةٌ، ولا يجوز نَزْع الألفِ واللام منها للتَّنْكير، ولا تتمُّ إلا بصِلَةٍ. وفي تثنيتها ثلاثُ لغات أيضاً: ((اللَّتانِ)) و((اللَّتا)) بحذف النون، و((اللَّتَانِ)» بتشديد النون. وفي جمعها خمسُ لغات: ((اللَّاتي)»، وهي لغةُ القرآن، و ((اللَّاتٍ)) بكسر التاء بلا ياء، و((اللَّواتي))، و((اللَّواتِ)) بلا ياء. وأنشد أبو عُبَيدة (٤): من اللَّواتي والتي واللَّاتي زَعَمْن أنْ قَدْ كَبِرَتْ لِدَاتي(٥) و ((اللَّوا)) بإسقاط التاء. هذا ما حكاه الجوهريُّ(٦) وزاد ابنُ الشَّجَريّ(٧): ((اللَّائي)) بالهمز وإثبات الياء، و((اللَّاءِ)) بكسر الهمزة وحذف الياء، و((اللَّا)) بحذف الهمزة، فإن جمعتَ الجمعَ قلتَ في ((اللَّاتي)): ((اللَّواتي))، وفي ((اللَّاء)»: ((اللَّوائي)). قال الجوهريُّ: وتصغير (التي)) ((اللَّيًّا)) بالفتح والتشديد. قال الراجز(٨): (١) ص ٢٤٨. (٢) الكتاب ١١٢/٤. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٠ - ٢٠١. (٤) في (ز) و(ظ): أبو عبيد. (٥) البيت في مجاز القرآن ١١٩/١، الشعر والشعراء ٨٨/١، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٤ من غير نسبة. (٦) الصحاح: (لتي). (٧) في أماليه ٣/ ٦٠. (٨) هو العجاج، والشطر الأول من شواهد سيبويه ٣٤٧/٢ و٤٨٨/٣، والبيت في المقتضب ٢٨٩/٢، وأمالي ابن الشجري ٣٤/١. ٣٥٤ سورة البقرة : الآية ٢٤ بعد اللَّتَيَّا واللَّتَيَّا والتي إذا عَلَتْها أنفُسٌ تَرَدَّتِ وبعضُ الشعراء أدخَلَ على ((التي)) حرفَ النِّداء، وحروفُ النِّداء لا تدخُلُ على ما فيه الألفُ واللامُ إلَّا في قولنا: يا الله، وحدَه، فكأنَّه شبَّهها به من حيثُ كانت الألفُ واللامُ غيرَ مفارٍقَتين لها، وقال: مِنَ أَجْلِك يا التي تَيَّمْتٍ قلبي وأنتِ بخيلةٌ بالوُدِّ عنِّي(١) ويقال: وقَعَ فلان في اللَّتِيًّا والتي، وهما اسمان من أسماء الدَّاهية. و (الوَقُود)» بالفتح: الخَطَّب، وبالضمِّ: التَّوقّد. و((الناس)) عمومٌ، ومعناه الخصوصُ فيمن سَبَق عليه القضاءُ أنه يكون حطباً لها، أجارَنا الله منها. و((الحجارة)): هي حجارة الكِبْرِيت الأسودِ؛ عن ابن مسعود والفرَّاء(٢). وخُصَّت بذلك لأنَّها تزيدُ على جميع الأحجار بخمسة أنواعٍ من العذاب: سرعة الاتِّقاد، نَثْنُ الرائحة، كَثْرة الدُّخَان، شدَّة الالتصاق بالأبدان، قوةُ حَرِّها إذا حَمِيَت(٣). وليس في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِجَارَةُ﴾ دليلٌ على أن ليس فيها غيرُ الناس والحجارة، بدليل ما ذَكَره في غير موضعٍ من كَوْن الجنِّ والشياطين فيها. وقيل: المرادُ بالحجارة الأصنامُ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُّدُونَ مِن دُنِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] أي: حطبُ جهنّم، وعليه فتكون الحجارةُ والناسُ وَقُوداً للنار، وذَكَر ذلك تعظيماً للنار أنَّها تُحرِقُ الحجارةَ مع إحراقها للناس. وعلى التأويل الأول يكونون معذَّبين بالنار والحجارة. (١) في الصحاح: بالوصل عني، والبيت من شواهد سيبويه ١٩٧/٢، وهو في المقتضب ٢٤١/٤، واللامات للزجاجي ص ٣٤، والإنصاف ٣٣٦/١ - والرواية فيه: فَديتُكِ يا التي - وشرح المفصل ٨/٢، ولم ينسبوه لقائله. (٢) معاني القرآن ١/ ٢٠، وقول ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٤٠، والطبري ٤٠٣/١ ٤٠٤، والحاكم ٢٦١/٢، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. (٣) المحرر الوجيز ١٠٧/١. ٣٥٥ سورة البقرة : الآية ٢٤ وقد جاء الحديثُ عن النبيِّ وَ﴿ أَنَّه قال: ((كلُّ مُؤذٍ في النار))(١). وفي تأويله وجهان : أحدُهما: أنَّ كلَّ مَنْ آذى الناسَ في الدنيا عذَّبه الله في الآخرة بالنار. الثاني: أنَّ كلَّ ما يُؤذي الناسَ في الدنيا من السِّباع والهَوامٌّ وغيرِها في النار مُعَدَّ لعقوبةِ أهل النار. وذهَبَ بعضُ أهلِ التأويل أنَّ (٢) هذه النارَ المخصوصةَ بالحجارة هي نارُ الكافرين خاصَّةً. والله أعلم. روى مسلم(٣) عن العباس بنِ عبدِ المُطَّلب قال: قلت: يا رسولَ الله، إنَّ أبا طالبٍ كان يَحُوطُك وينصُرُك، فهل نفَعَه ذلك؟ قال: ((نعم، وَجَدْتُه في غَمَراتٍ من النار، فأخرجتُه إلى ضَحْضاح)). في رواية: «ولولا أنا لكانَ في الدَّركِ الأسفلِ من النار)). ((وَقُودُهَا)) مبتدأ، ((الناسُ)) خَبَرُه، ((والحجارةُ)) عطفٌ عليهم، وقرأ الحَسَن ومجاهدٌ وطَلْحة بنُ مُصَرِّف: ((وُقُودها)) بضم الواو(٤)، وقرأْ عُبَيد بنُ عُمَير: ((وَقِيدُها الناسُ))(٥). قال الكِسائيُّ والأخفش(٦): الوَقود بفتح الواو: الحَطَب،، وبالضم: الفعل. يقال: وَقَدَتِ النارُ تَقِدُ وُقُوداً، بالضم، ووَقْداً، وَقِدَةً، [ووَقَداً]، ووَقَداناً، أي: تَوَقَّدَت، وأوْقَدتُها أنا، واستوقدتُها أيضاً، والاتِّقاد(٧) مثلُ التَّوقُّد، والموضع مَوْقِد، (١) أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية ٧٤٩/٢، والخطيب في تاريخ بغداد ٢٩٩/١١ من حديث علي رضي الله عنه، وفيه عثمان بن الخطاب الأشج المعروف بأبي الدنيا، وهو ضعيف. (٢) في (م): إلى أن. (٣) رقم (٢٠٩)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٧٦٨)، والبخاري (٣٨٨٣). (٤) القراءات الشاذة لابن خالويه ص٤، والمحتسب لابن جني ١/ ٦٣. (٥) في (د): وقرأ أبو عبيد بن عمير، ولم نقف على من ذكر هذه القراءة. وأوردها أبو حيان في البحر ١/ ١٠٧. (٦) معاني القرآن ٢١٢/١، ونقله المصنف بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٠٢/١. (٧) في النسخ: والإيقاد، والمثبت من (م). ٣٥٦ سورة البقرة : الآية ٢٤ مثلُ مَجْلِس، والنارُ مُوقَدةٌ. والوَقْدَة: شدَّةُ الحرِّ، وهي عشرةُ أيام، أو نصفُ شهر(١). قال النحاس(٢): يجب على هذا ألا يُقرأ إلَّا: ((وَقُودها)) [بفتح الواو] لأنَّ المعنى: حطبُها، إلّا أنَّ الأخفشَ قال: وحُكِيَ أنَّ بعضَ العرب يجعَلُ الوَقود والوُقود بمعنى الخَطّب والمصدر. قال النحاس: وذهب إلى أنَّ الأوّل أكثرُ. قال: كما أنَّ الوَضُوء الماءُ، والوُضُوء المصدر. قوله تعالى: ﴿أُعِدَتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ ظاهرُه أنَّ غيرَ الكافرين لا يدخُلُها، وليس كذلك؛ بدليل ما ذَكَّرَه في غيرِ موضعٍ من الوعيد للمُذنبين، وبالأحاديث الثابتة في الشفاعة على ما يأتي(٣). وفيه دليلٌ على ما يقولُه أهلُ الحقِّ من أنَّ النارَ موجودةٌ مخلوقةٌ، خلافاً للمبتدعة في قولهم: إنَّها لم تُخْلَق حتى الآن، وهو القولُ الذي سَقَطَ فيه القاضي منذر بنُ سعيد البَلَّوطيُّ الأندلسيُّ(٤). روى مسلم عن عبد الله بن مسعود(٥) قال: كنَّا مع رسول الله ﴿ إذا سمعَ وَجْبَةً فقال النبيُّ ◌َِّ: ((تَدْرُونَ ما هذا؟)) قلنا(٦): الله ورسولُه أعلم، قال: ((هذا حَجَرٌ رُمِيَ به في النَّارِ منذُ سبعينَ خَرِيفاً، فهو يَهْوِي في النار الآن، حتى انتهى إلی فَعْرِها». وروى البخاريُّ عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((احْتَجَّتِ النارُ والجنَّةُ، (١) الصحاح (وقد)، وما بين حاصرتين منه. (٢) إعراب القرآن ٢٠١/١، وما بين حاصرتين منه. (٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنٍِ﴾ (البقرة: ٢٥٥). (٤) المحرر الوجيز ١٠٨/١، ومنذر بن سعيد البلوطي: فقيهٌ محقّق، وخطيب مفوَّه، قاضي الجماعة بقرطبة، وهو من موضع قريب منها، يقال له فحص البلُّوط، توفي سنة (٢٥٥هـ)، السير ١٧٣/١٦. وقال أبو حيان في البحر المحيط ١٠٨/١: وكان قاضي القضاة بالأندلس، وكان معتزلياً في أكثر الأصول، ظاهرياً في الفروع ... وسرى إليه ذلك القول من كثير من المعتزلة. (٥) رقم (٢٨٤٤)، وهو من حديث أبي هريرة لا من حديث ابن مسعود كما قال المصنف. (٦) في (م): قال قلنا. ٣٥٧ سورة البقرة : الآية ٢٤ فقالت هذه: يدخُلُني الجبّارون والمتكبِّرون، وقالت هذه: يدخُلُني الضُّعفاءُ والمساكين، فقال الله عزَّ وجلَّ لهذه: أنتِ عذابي أُعَذِّبُ بكِ من أشاء، وقال لهذه: أنتِ رَحْمَتي أرحَمُ بكِ من أشاء، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلْؤها)). وأخرجه مسلم بمعناه(١). يقال: احتجَّتْ بمعنى تحتجُّ؛ للحديث المتقدِّم حديث ابن مسعود(٢)، ولأنَّ النبيَّ وَل﴿ قد أُرِيَهما في صلاة الكُسُوف(٣)، ورآهما أيضاً في إسرائه(٤)، ودَخَلَ الجنةَ(٥)، فلا معنى لما خالَفَ ذلك. وبالله التوفيق. و﴿أُعِذَتْ﴾ يجوز أن يكون حالاً للنَّار على معنى مُعَدَّة، وأُضْمِرَتْ معه («قد»، كما قال: ﴿أَوْ جَدَهُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، فمعناه: قد حَصِرَتْ صِدُورُهم، فمع(٦) ((حَصِرَتْ)) ((قد)) مضمَرةٌ، لأنَّ الماضيَ لا يكون حالاً إلَّا مع ((قد))، فعلى هذا لا يتمُّ الوقفُ على ((الحجارة». ويجوز أن يكون كلاماً منقطعاً عمَّا قبلَه، كما قال: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتْكُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَيَّكُمْ أَرْدَنَكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣]. وقال السِّجْستانيُّ: ﴿أُعِذَّتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ من صلةِ ((التي))، كما قال في آل عمران: ﴿وَأَتَّقُواْ النَّارَ الَِّيَّ أُعِدَّتْ لِلْكَفِينَ﴾ [الآية: ١٣١]. ابنُ الأنبارِيِّ(٧): وهذا غَلَط، لأنَّ التي في سورة البقرة قد وُصِلَت بقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ فلا يجوز أن تُوصَلَ بصلةٍ ثانية، وفي آل عمران ليس لها صِلةٌ غيرَ ((أُعِدَّت)). (١) صحيح البخاري (٤٨٥٠)، وصحيح مسلم (٢٨٤٦) (٣٤)، غير أن لفظه لمسلم، وهو عند البخاري بمعناه خلافاً لما ذكره المصنف. (٢) سلف أنه من حديث أبي هريرة. (٣) سلف ص ٢٨٠. (٤) أخرجه أحمد (٢٣٢٨٥)، والترمذي (٣١٤٧) من حديث حذيفة بن اليمان. (٥) أخرجه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. (٦) في النسخ: فمعناه حصرت صدورهم، ومع حصرت قد ... ، والمثبت من (م). (٧) إيضاح الوقف والابتداء ٥٠٤/١ - ٥٠٥، والكلام الذي قبله منه. ٣٥٨ سورة البقرة : الآية ٢٥ قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَِ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَا وَلَهُمْ فِهَآَ أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (٢٥) قوله تعالى: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ فيه ثلاثُ مسائل: الأولى: لمَّا ذكر الله عزَّ وجلَّ جزاءَ الكافرين، ذَكَرَ جزاءَ المؤمنين أيضاً. والتبشيرُ: الإخبارُ بما يَظْهَرُ أثرهُ على البَشَرة - وهي ظاهِرُ الجِلْد - لِتغيُّرِها بأوَّلِ خَبَر يَرِدُ عليك، ثم الغالبُ أن يُسْتَعْمَل في السُّرور مُقَيداً بالخبر المُبَشَّر به، وغيرَ مقيَّدٍ أيضاً، ولا يُستعمَلُ في الغَمِّ والشّرِّ إلَّا مُقَيَّداً منصوصاً على الشرِّ المُبَشَّر به، قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾(١) [آل عمران: ٢١] ويقال: بَشَرْتُه وبَشَرْتُه - مخفَّف ومشدَّد(٢) - بِشارةً، بكسر الباء، فأبشَرَ واستبشَرَ، وبَشِرَ يَبْشَر: إذا فَرِح، ووَجْهٌ بشيرٌ إذا كان حَسَناً بَيِّنَ البَشارة، بفتح الباء، والبُشْرَى: ما يُعطاه المُبَشِّر، وتَبَاشِيرُ الشيء: أَوَّلُه. الثانية: أجمعَ العلماءُ على أنَّ المكلَّفَ إذا قال: مَنْ بَشَّرني من عَبِيدي بكذا فهو حُرٍّ، فبَشَّرَهَ واحدٌ من عبيده فأكثرَ، فإنَّ أَوّلَهم يكون حرّاً دون الثاني. واختلفوا إذا قال: مَنْ أخبرني من عَبِيدي بكذا فهو حُرٍّ، فهل يكون(٣) الثاني مثلَ الأول؟ فقال أصحابُ الشافعيِّ: نعم، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم مُخْبِرٌ، وقال علماؤنا: لا ، لأنَّ المكلَّفَ إنَّما قصَدَ خبراً يكون بِشارةً، وذلك يختصُّ بالأوّل، وهذا معلومٌ عُرْفاً، فوجَبَ صَرْفُ القول(٤) إليه (٥)، وفرَّقَ محمد بنُ الحَسَن بين قوله: أخبرني، أو حَذَّثني، فقال: إذا قال الرجل: أيُّ غلام لي أخبَرَني بكذا، أو أعلَمَني بكذا وكذا، فهو حُرُّ - ولا نِيَّة له - فأخبَرَه غلامٌ له بذلك، بكتابٍ أو كلامٍ أو رسول، فإنَّ الغلامَ (١) المحرر الوجيز ١٠٨/١. (٢) في (د): مخففاً ومشدداً. (٣) لفظ: يكون، ليس في النسخ. (٤) في النسخ: الأول. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٥/١. ٣٥٩ سورة البقرة : الآية ٢٥ يَعْتِقُ؛ لأنَّ هذا خبرٌ، وإن أخبَرَه بعد ذلك غلامٌ له، عَتَق، لأنَّه قال: أيُّ غلامِ أخبَرَني فهو حُرٍّ، ولو أخبروه كلُّهم عَتَقوا؛ وإن كان عَنَى - حين حلَفَ - بالخبر كلامَ مشافهةٍ، لم يَعْتِقِ واحدٌ منهم إلاَّ أن يُخبِرُهُ بكلام مشافهةً بذلك الخبر، قال: وإذا قال: أيُّ غلامٍ لي حدَّثني، فهذا على المُشافهة، لاَ يَعْتِقُ واحدٌ منهم (١). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ﴾ رَدُّ على من يقول: إنَّ الإيمانَ بمجرَّدِهِ يقتضي الطاعات؛ لأنَّه لو كان ذلك ما أعادها(٢)، فالجنةُ تُنال بالإيمان والعملِ الصالح، وقيل: الجنةُ تُنال بالإيمان، والدَّرجاتُ تُستَحقُّ بالأعمال الصالحات. والله أعلم. ﴿أَنَّ لَمْ﴾ ((أنَّ) في موضع نصبٍ بـ ((بَشِّرْ))، والمعنى: وبشِّر الذين آمنوا بأنَّ لهم، أو: لأنَّ لهم، فلمَّا سقَطَ الخافضُ عَمِلَ الفعلُ، وقال الكسائيُّ وجماعةٌ من البصريين: ((أنَّ) في موضعٍ خفضٍ بإضمار الباء. ﴿َّهِ﴾ في موضعٍ نصبٍ اسمُ ((أنَّ)، و((أنَّ) وما عملت فيه في موضعِ المفعول الثاني. والجنَّاتُ: البساتين، وإنَّما سُمِّيت جنَّات، لأنَّها تُجِنُّ مَنْ فيها، أي: تستُره بشجرها، ومنه: المِجَنُّ والجَنِينُ والجِنّ(٣) والجِنَّة. ﴿تَجْرِى﴾ في موضعِ النَّعتِ لـ«جنَّات))، وهو مرفوعٌ، لأنَّه فِعْلٌ مستقبلٌ، فحُذِفت الضَّمةٌ من الياء لِثِقَّلها معها (٤). ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت أشجارِها، ولم يَجْرِ لها ذِكْر، لأنَّ الجنَّاتِ دالَّةٌ عليها. ﴿اَلْأَنْهَرٌ﴾ أي: ماءُ الأنهار، فنُسِبَ الجَرْيُ إلى الأنهار تَوَسُّعاً، وإنَّما يجري الماءُ وحدَه، فُحذف اختصاراً، كما قال تعالى: ﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهْلَها. (١) المحدث الفاصل ص ٥١٩، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص ٤٣٧. (٢) المحرر الوجيز ١٠٨/١. (٣) لفظ: والجن، ليس في (م). (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٠١/١. ٣٦٠ سورة البقرة : الآية ٢٥ وقال الشاعر: واسْتَبَّ بعدَكَ يا كُلَيْبُ المجلِسُ (١) نُبِّثْتُ أنَّ النارَ بعدَك أُوقِدَتْ أراد: أهلَ المجلس، فحُذف. والنَّهر: مأخوذٌ من: أنْهَرْتُ، أي: وسَّعتُ، ومنه قولُ قَيْس بنِ الخَطِيم: يَرى قائمٌ مِنْ دونها ما وراءها(٢) مَلَكْتُ بها كَفِّي فأنْهَرْتُ فَتْقَها أي: وسَّعتُها، يصفُ طَعْنة، ومنه قولُ النبيِّ ◌َّهِ: ((ما أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه فكُلُوه)(٣). يعني(٤): ما وَسَّعَ الذبحَ حتى جرى(٥) الدَّمُ كالنهر (٦). وجمع النَّهر: نُهْرٌ وأنهار، ونَهْرٌ نَهِر : كثيرُ الماء، قال أبو ذُؤيب: أقامَتْ به فابْتَنَتْ خَيْمَةً على قَصَبِ وفُراتٍ نَهِرْ(٧) وَرُوِيّ أنَّ أنهار الجنةِ ليست في أخاديدَ، إنَّما تجري على سطح الجنة منضبطةً بالقدرة حيث شاء أهلُها(٨). والوقفُ على ((الأنهار)) حَسَن وليس بتامٌّ، لأنَّ قوله: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَقِ﴾ من وصف الجنَّات(٩). (١) قائله مهلهل بن ربيعة، والبيت في الحماسة ٩٢٨/٢ (بشرح المرزوقي)، والمحرر الوجيز ١٠٨/١. ومعنى الشطر الثاني: إن أهل المجلس تنازعوا الكلام بعدك، حتى صار بعضهم يسب بعضاً، ولا شيء يردعهم. (٢) البيت في ديوانه ص ٤٦، والحماسة ١٨٤/١ (بشرح المرزوقي) ورواية الديوان: يرى قائماً من خلفها ما وراءها. ورواية الحماسة: يرى قائماً من دونها. (٣) أخرجه أحمد (١٥٨٠٦)، والبخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨) من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه. (٤) في (م): معناه. (٥) في (م): يجري. (٦) المحرر الوجيز ١٠٨/١. (٧) البيت في ديوان الهذليين ص ١٤٦، وروايته: وفرات النهر. قوله: القصب، يعني مجاري الماء من العيون. الصحاح (قصب). (٨) المحرر الوجيز ١٠٨/١. وأخرج ابن جرير ٤٠٦/١ من طريق أبي عبيدة، عن مسروق، قال: نخل الجنة نضید من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، کلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وماؤها يجري في غير أخدود. وانظر صفة الجنة لأبي نعيم ٢/ ١٦٧ - ١٦٩ (٩) إيضاح الوقف والابتداء ٥٠٦/١.