النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
سورة البقرة : الآية ١٠
وقال الجُنَيد: عِلَلُ القلوبِ من اتِّبَاعِ الهَوَى، كما أنَّ عِلَلَ(١) الجوارح من مرضٍ
البَدَن.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ((أليم)) في كلام العرب معناه: مؤلم، أي:
مُؤْجِع، مثل السَّميع بمعنى المُسْمِع، قال ذو الرُّمَّة يَصِفُ إيلاً :
يَصُلُّ وجوهَها وهَجْ ألِيمُ(٢)
ونرفعُ من صُدورٍ شَمَرْدَلَاتٍ
وآَلَّمَ إذا أَوْجَعَ. والإيلام: الإيجاع. والأَلَم: الوَجَع، وقد أَلِمَ يَأْلَمُ ألماً. والتألُّم:
التوجُّع. ويُجمع أليمٌ على ألَمَاء، مثل: كَريم وكُرَماء، وآلام، مثل: أَشْراف.
قوله تعالى: ﴿بِمَا كانوا يُكَذِّبُون﴾(٣) ما مصدریة، أي: بتكذيبهم الرسلَ، وردهم
على الله جل وعز، وتكذيبهم بآياته، قاله أبو حاتم. وقرأ عاصمٌ وحمزةُ والكسائي
بالتخفيف(٤)، ومعناه: بِكَذِبهم وقولهم: آمنًا، وليسوا(٥) بمؤمنين.
مسألة: واختلف العلماءُ في إمساكِ النبيِّي ◌َّرِ عن قَتْل المنافقين مع عِلْمه بنفاقِهم
على أربعةِ أقوال :
القول الأول: قال بعض العلماء: إنما لم يَقتُلْهم؛ لأنه لم يعلمْ حالَهم أحدٌ
سواه. وقد اتفَّق العلماءُ على بكرة أبيهم على أنَّ القاضيّ لا يَقتُلُ بعلمه، وإن(٦)
اختلفوا في سائر الأحكام.
قال ابن العربي (٧): وهذا مُنتقِضٌ، فقد قُتِل بالمُجَذَّر بن زياد الحارثُ بن سُوَيد بن
الصَّامت؛ لأنَّ المُجَذَّر قتلَ أباه سُوَيداً يومَ بُعاث(٨)، فأسلمَ الحارث، وأغْفلَهُ يومَ
(١) في (ز) و(ظ): علة.
(٢) ديوانه ٢/ ٦٧٧، قال الباهلي في شرحه: شمردلات: هي نوق طوال سِراع. ويصكّ يضرب. ووهج،
أي: حرٍّ شدید.
(٣) بالتشديد، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر. الحجة ٣٢٩/١. والسبعة ص ١٤١،
والتیسیر ص ٧٢.
(٤) الحجة ٣٢٩/١.
(٥) في (ظ): ولم يكونوا.
(٦) في (ظ): وقد، وفي (م): وإنما.
(٧) في أحكام القرآن ١/ ١٢.
(٨) من مشاهير أيام العرب في الجاهلية، كان فيه حرب بين الأوس والخزرج. الأغاني ١١٨/١٧.

٣٠٢
سورة البقرة : الآية ١٠
أُحُد، فقَتَلَه، فأخبر به جبريلُ النبيَّ وَّهِ، فقتَلَه به(١)؛ لأنَّ قَتْلَه كان غِيلةً، وقَتْلُ الغِيلةِ
حَدٌّ من حدودِ الله.
قلت: وهذه غفلةٌ من هذا الإمام؛ لأنه إنْ ثبتَ الإجماعُ المذكورُ، فليس بِمُنْتَقِضٍ
بما ذكر؛ لأنَّ الإجماعَ لا ينعقدُ، ولا يثبُتُ إلا بعد موت النبي ◌َّهِ وانقطاعِ الوحي،
وعلى هذا، فتكون تلك قَضيّةً في عَيْنِ بَوخي، فلا يُحتَجُّ بها، أو منسوخةً بالإجماع.
والله أعلم.
القول الثاني: قال أصحابُ الشافعي: إنما لم يَقتلْهم النبي وَلِ(٢)؛ لأنَّ الزِّندِيقَ
- وهو الذي يُسرُّ الكفرَ ويُظهِرُ الإيمانَ - يُستتابُ، ولا يقتل.
قال ابنُ العربي(٣): وهذا وهمٌ، فإنَّ النبيَّ نَّه لم يَسْتَتِبْهم، ولا نَقَلَ ذلك أحدٌ،
ولا يقولُ أحدٌ: إنَّ استتابةَ الزنديق واجبةٌ(٤). وقد كان النبيُّ ◌َل ◌ِ مُغْرضاً عنهم مع
علمه بهم. فهذا المتأخِّرُ من أصحاب الشافعيِّ الذي قال: إنَّ استتابةَ الزِّنديقِ جائزةٌ،
قال قولاً لم يَصِحَّ لأحد.
القول الثالث: إنما لم يَقتلهم مصلحةً، لتأليف القلوب عليه لئلا تَنْفِرَ عنه، وقد
أشار ◌َّه إلى هذا المعنى بقوله لعمر: ((معاذَ الله أَنْ يتحدَّثَ الناسُ أَنِّي أقتلُ
أصحابي)). أخرجه البخاري ومسلم(٥) . وقد كان يُعطي للمؤلَّفةِ قلوبُهم مع علمه بسوء
اعتقادِهم تألَّفاً، وهذا هو قولُ علمائنا وغيرهم.
قال ابنُ عطية(٦): وهي طريقةُ أصحاب مالك رحمه الله في كفّ رسول الله وَل
(١) ذكر هذه القصة ابن سعد في الطبقات ٥٥٢/٣، وابن عبد البر في الاستيعاب (بهامش الإصابة)
٢١٩/١٠.
(٢) قوله: النبي ◌َ ◌ّر، من (ظ).
(٣) في أحكام القرآن ١/ ١٢.
(٤) في (د) و(ز): إن الزنديق واجبة استتابته، وفي أحكام القرآن: غير واجبة.
(٥) صحيح البخاري (٣٥١٨)، وصحيح مسلم (٢٥٨٤) وهو من حديث جابر رضي الله عنه، ولفظ
البخاري: ((لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه)). وهو في مسند أحمد (١٥٢٢٣).
(٦) في المحرر الوجيز ١ / ٩٤ - ٩٦.

٣٠٣
سورة البقرة : الآية ١٠
عن المنافقين. نَصَّ على هذا محمدُ بنُ الجَهْم (١)، والقاضي إسماعيلُ(٢)
. والأبهري(٣)، وابنُ الماجشون، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿لَِّن لَّمْ يَتَهِ الْمُتَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى
قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠-٦١]. قال قتادة: معناه:
إذا هم أعلنوا النِّفاقَ.
قال مالكٌ رحمه الله: النفاقُ في عهدِ رسول الله وَّ﴿ هو الزَّندقةُ فينا اليوم، فيقتلُ
الزنديقُ إذا شُهِد عليه بها دون استتابة. وهو أحدُ قولَي الشافعي.
قال مالكٌ: وإنما كفَّ رسولُ اللهِوَّهِ عن المنافقين، لِيُبيِّنَ(٤) لأُمَّته أنَّ الحاكمَ لا
يحكُمُ بعلمه، إذ لم يُشْهَدْ على المنافقين.
قال القاضي إسماعيلُ: لم يَشهَدْ على عبدِ الله بن أبي إلا زيد بن أرقم وحدَه، ولا
على الجُلاس بن سُويد إلا عُمَيرُ بنُ سعد رَبِيبُه(٥) ، ولو شَهِدَ على أحد منهم رجلان
بكُفره ونفاقه لَقُتِل(٦).
وقال الشافعيُّ رحمه الله مُحتَجًا للقول الآخر: السنَّةُ فيمن شُهِدَ عليه بالزندقة،
فَجِحَدَ، وأعلن بالإيمان، وتبرَّأَ من كلِّ دين سوى الإسلام، أنَّ ذلك يَمنعُ من إراقةٍ
دمه. وبه قال أصحابُ الرأي، وأحمدُ، والطبريُّ، وغيرهم.
قال الشافعي وأصحابُه: وإنما منعَ رسولَ الله ◌َّ من قتل المنافقين ما كانوا
يُظهِرونه من الإسلامِ مع العلم بنفاقهم؛ لأنَّ ما يُظهِرونه يَجُبُّ ما قبلَه.
(١) أبو بكر، المالكي، له من الكتب: شرح مختصر ابن عبد الحكم الصغير والرد على محمد بن الحسن.
الفهرست ص٢٥٣.
(٢) ابن إسحاق بن إسماعيل ابن محدّث البصرة حماد بن زيد، الأزدي، مولاهم، البصري، المالكي،
صاحب التصانيف. توفي سنة (٢٨٢هـ). السير ٣٣٩/١٣.
(٣) محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح، التميمي، المالكي، أبو بكر، نزيل بغداد. توفي سنة (٣٧٥هـ).
السير ٣٣٢/١٦.
(٤) في (ز) و(ظ): ليسنّ.
(٥) ذكر ابنُ عبد البر قصةً عبد الله بن أبي في الاستيعاب (بهامش الإصابة) ٣٨/٤ - ٣٩، وقصةً الجلاس بن
سويد ١٩١/٢ و٣٢/٩، وستأتي عند المصنف في تفسير الآية (٧٤) من سورة براءة: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا
قَالُوا﴾. وانظر تفسير الآية (١) من سورة ((المنافقون)).
(٦) في (ظ): لقتله.

٣٠٤
سورة البقرة : الآية ١١
وقال الطبريُّ: جعل الله تعالى الأحكامَ بين عباده على الظاهر، وتَولَّى الحكمَ في
سرائرهم دون أحدٍ من خَلْقه، فليس لأحدٍ أن يَحکُمَ بخلاف ما ظهرَ؛ لأنه حكمٌ
بالُّنون، ولو كان ذلك لأحدٍ، كان أولى الناسِ به رسولُ اللهِ وَّهِ، وقد حكّمَ
للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا، ووَكَلَ سرائرَهم إلى الله. وقد كذَّبَ الله
ظاهرَهم في قوله(١): ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُتَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
قال ابن عطية (٢): يَنفصِلُ المالكيُّون عما لزموه من هذه الآية، بأنها لم تُعَيِّنْ
أشخاصَهم فيها، وإنما جاء فيها توبيخٌ لكلِّ مَغْموصٍ عليه بالنِّفاق، وبقيَ لكلِّ واحدٍ
منهم أن يقولَ: لم أُرَدْ بها، وما أنا إلا مؤمنٌ، ولو عُيِّنَ أحدٌ، لما جَبَّ كَذِبُه شيئاً.
قلت: هذا الانفصالُ فيه نظرٌ، فإنَّ النبيَّ وََّ كان يَعْلَمُهم أو كثيراً منهم بأسمائهم
وأعيانهم بإعلام الله تعالى إيَّاه. وكان حُذيفةُ يعلمُ ذلك بإخبارِ النبيِّ وَّ إِيَّاه، حتى
كان عمرُ رضي الله عنه يقول له: يا حذيفةُ، هل أنا منهم؟ فيقول له: لا(٣).
القول الرابع: وهو أنَّ الله تعالى كان قد حَفِظَ أصحابَ نبيِّه عليه الصلاة والسلام
بكونه ثَبَّتَهم أن يُفْسِدَهم المنافقون، أو يُفسِدوا دينَهم، فلم يكن في تَبْقِيَتهم ضَرَرٌ،
وليس كذلك اليوم؛ لأنَّا لا نأمَنُ من الزنادقةِ أن يُفسِدوا عامَّتنا وجُهَّالَنا.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
((إذا)) في موضعٍ نصب على الظرف، والعاملُ فيها ((قالوا))، وهي تُؤْذِنُ بوقوع
الفعل المنتظر. قال الجوهريّ: ((إذا)) اسم يدلُّ على زمانٍ مستقبل، ولم تُستعمَلْ إلا
مضافةً إلى جملة، تقول: أَجِيتُك إذا احمرَّ البُسْرُ، وإذا قَدِمَ فلانٌ، والذي يَدُلُّ على
أنها اسْمٌ وقوعُها موقعَ قولك: آتيكَ يومَ يَقْدَمُ فلانٌ، فهي ظرفٌ، وفيها معنى المجازاةٍ.
وجزاءُ الشرط ثلاثة: الفعل، والفاء، و((إذا)):
فالفعلُ: قولك: إنْ تأتني آتِكَ، والفاء: إنْ تأتني فأنا أُحْسِنُ إليك، و((إذا)):
(١) في (د) و(ز): بقوله.
(٢) في المحرر الوجيز ٩٥/١ - ٩٦.
(٣) ذكره الذهبي في السير ٣٦٤/٢، والهندي في كنز العمال ٣٤٤/١٣، ونسبه إلى رستة.

٣٠٥
سورة البقرة : الآية ١١
كقوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيَِّةٌ بِمَا قَّدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْتَطُونَ﴾(١) [الروم: ٣٦].
ومما جاء من المجازاة بـ ((إذا)) في الشعر قولُ قيس بنِ الخطيم (٢):
إذا قَصُرَتْ أَسيّافُنا كان وَضْلُها خُطانا إلى أعدائنا فنُضَارِبٍ
فعطفَ ((فنضارب)) بالجزم على موضع ((كان)»(٣) لأنه مجزومٌ، ولو لم يكن
مجزوماً، لقال: فنضاربَ، بالنصب.
وقد تزادُ على (إذا)) ((ما)) تأكيداً، فيُجزمُ بها أيضاً، ومنه قولُ الفرزدق(٤):
فقام أبو ليلى إليه ابنُ ظالم وكان إذا مايَسْلُلِ السيفَ يضربٍ
قال سيبويه(٥) : والجيِّدُ ما قال كعب بن زهير(٦):
مغربَ الشمسِ ناشِطاً مَذْعُورا
وإذا ما تشاءُ تبعثُ منها
يعني أنَّ الجيِّدَ ألا يُجزم بـ((إذا)) كما لم يَجزم في هذا البيت.
وحُكي عن المبرِّد أنها في قولك في المفاجأة: خرجتُ فإذا زيدٌ، ظرفُ مكان،
لأنها تضمَّنتْ جُثَّة. وهذا مردودٌ، لأنَّ المعنى: خرجتُ فإذا حضورُ زيد، فإنما تضمّنتِ
المصدرَ كما يَقتضيه سائرُ ظروفِ الزمان، ومنه قولهم: اليومَ خَمْرٌ وغداً أمرٌ (٧)،
فمعناه: وجودُ خمرٍ ووقوعُ أمر (٨) .
(١) الصحاح (إذا).
(٢) هو قيس بن الخطيم بن عدي، شاعر فارس من الأوس مات كافراً، قال ابن حجر في الإصابة: ذكره
علي بن سعد العسكري في الصحابة، وهو وهم. الإصابة ٢٥٩/٧، وخزانة الأدب ٣٤/٧. والبيت في
ديوانه ص٨٨، والكتاب ٦٠/٣.
(٣) في (م): بالجزم على كان.
(٤) هو همام بن غالب بن صعصعة، أبو فراس، التميمي، البصري، شاعر عصره، توفي سنة (١١٠هـ).
السير ٥٩٠/٤. والبيت في ديوانه ١/ ٢١.
(٥) الكتاب ٦٢/٣.
(٦) ابن أبي سلمى صحابي معروف، ذكره ابن سلام في طبقاته ٩٧/١ في الطبقة الثانية من شعراء
الجاهلية، وهو صاحب قصيدة البردة المشهورة. والبيت المذكور في ديوانه ص ٣٣.
(٧) قاله امرؤ القيس حين بلغه قتلُ أبيه وهو يشرب، ذكره أبو عُبيد في الأمثال ص٣٣٤ وأبو الفرج في
الأغاني ٨٨/٩، والعسكري في جمهرة الأمثال ٢/ ٤٣١، والزمخشري في المستقصى ٣٥٨/١، وذكر
صاحب الجمهرة أنه لهمام بن مرة أيضاً.
(٨) المحرر الوجيز ٩٣/١.

٣٠٦
سورة البقرة : الآية ١١
قوله: ﴿قِيلَ﴾: من القَوْل، وأصلُه قُوِل، نُقِلتْ كسرةُ الواو إلى القاف، فانقلبَت
الواو ياءً.
ويجوز : ((قيلْ لَهم)) بإدغام اللام في اللام(١). وجاز الجمعُ بين ساكنين؛ لأنَّ
الیاء حرفُ مدٍّ ولیْن.
قال الأخفشُ: ويجوزُ ((قُيل)) بضم القاف والياء(٢). وقال الكسائي: ويجوزُ
إشمامُ القاف الضمَّ، لِيَدُلَّ على أنه لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُه، وهي لغةُ قَيْس. وكذلك:
«جي+)) و (غیض» و «حیل)) و ((سِیق)) و ((سيء)) و ((سیئت)).
وكذلك روى هشامٌ(٣) عن ابن عامر (٤)، ورُوَيْسٌ(٥) عن يعقوبَ(٦) . وأَشَمَّ منها
نافعٌ ((سيء)) و ((سيئت)) خاصَّة. وزاد ابنُ ذَكوان: ((حِيلَ)) و(سيق))، وكَسَرَ الباقون في
الجميع (٧). فأما هُذَيْلٌ وبنو دُبَيْر من أسد وبنو (٨) فَفْعَس فيقولون: ((قُوْل)» بواو ساكنة(٩).
قوله: ﴿لَا نُفْسِدُوا﴾: ((لا)) نهي. والفسادُ ضدُّ الصَّلاح، وحقيقتُه: العُدولُ عن
الاستقامةِ إلى ضِدِّها. فَسَدَ الشيءُ يَفْسُدُ فَساداً، وفُسُوداً، وهو فاسدٌ، وفَسِيدٌ. والمعنى
في الآية: لا تُفسِدوا في الأرض بالكفرِ ومُوالاةٍ أهله، وتفريقِ الناس عن الإيمان
بمحمدٍ رَّهِ والقرآنِ.
وقيل: كانت الأرضُ قبلَ أن يُبعثَ النبيُّ وَّهِ [يعملون] فيها الفساد، ويُفعَلُ(١٠)
(١) وهي رواية السوسي عن أبي عمرو البصري، السبعة ص ١١٧، والتيسير ص ٢٠.
(٢) في إعراب القرآن للنحاس ١٨٨/١: وبالياء.
(٣) ابن عمار، أبو الوليد السلمي، ويقال: الظّفري، الحافظ المقرئ، عالم أهل الشام، وخطيب دمشق،
توفي سنة (٢٤٥هـ). السير ٤٢٠/١١.
(٤) في (م) و(ظ): ابن عباس وهو خطأ.
(٥) محمد بن المتوكل، أبو عبد الله اللؤلؤي البصري، مقرئ حاذق ضابط، توفي سنة (٢٣٨هـ). طبقات
القراء ٢/ ٢٣٤.
(٦) هو يعقوب بن إسحاق، أبو محمد الحضرمي مولاهم، مقرئ البصرة، أحد العشرة، ورجحه بعض
الأئمة على الكسائي، توفي سنة (٢٠٥ هـ). السير ١٦٩/١٠.
(٧) السبعة ص ١٤١ -١٤٢، والتيسير ص ٧٢، والنشر ٢٠٨/٢.
(٨) في (م) و(ز) و(ظ): بني، والمثبت من (د).
(٩) إعراب القرآن للنحاس ١٨٨/١، والمحرر الوجيز ٩٣/١.
(١٠) في (ز): ويعمل.

٣٠٧
سورة البقرة : الآية ١١
فيها بالمعاصي(١)، فلما بُعثَ النبيُّ وَّل، ارتفعَ الفسادُ، وصَلَحت الأرضُ. فإذا
عَملوا بالمعاصي، فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحِها، كما قال في آية أخرى:
﴿وَلَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾(٢) [الأعراف: ٥٦].
قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: الأرضُ مؤنثة، وهي اسمُ جنس، وكان حقُّ الواحدةِ منها
أن يقالَ: أَرْضة، ولكنهم لم يقولوا. والجمعُ أَرْضاتٌ؛ لأنهم قد يجمعون المؤنَّثَ
الذي ليست فيه هاءُ التأنيث بالتاء، كقولهم: عُرُسات. ثم قالوا: أَرَضون، فجمعوا
بالواو والنون، والمؤنثُ لا يُجمع بالواو والنون، إلا أن يكونَ منقوصاً، كثُبَة وظُبَة،
ولكنهم جعلوا الواو والنون عوضاً من حَذْفهم الألف والتاءً، وتركوا فتحةَ الراء على
حالها، وربما سُگنَتْ، وقد تُجمع على أُرُوض.
وزعم أبو الخطاب(٣) أنهم يقولون: أَرْضٌ، وآراضٌ، كما قالوا: أهل وآمالٌ (٤).
والأراضي أيضاً على غير قياس، كأنهم جَمعوا آرُضاً (٥). وكل ما سَفَلَ فهو أَرْضٌ.
وأَرْضٌ أَرِيضةٌ، أي: زَكِيَّةٌ بَيِّنةُ الأَرَاضةِ. وقد أُرُضَتْ، بالضم، أي: زَکَتْ. قال أبو
عمرو: نزلنا أرضاً أَرِيضةً، أي: مُعجِبةً للعين، ويقال: لا أرضَ لك، كما يقال: لا
أُمَّ لك. والأرضُ: أسفلُ قوائمِ الدابَّةِ، قال حُمَيدٌ (٦) يصفُ فَرَساً:
ولم يُقَلِّبْ أرْضَها البَيْطارُ ولا لِحَبْلَيهِ بها حَبَارُ(٧)
(١) في (ظ): المعاصي.
(٢) تفسير أبي الليث ٩٦/١، وما بين معكوفتين منه.
(٣) عبد الحميد بن عبد المجيد البصري، وهو الأخفش الكبير، تخرج به سيبويه وحمل عنه النحو، قال
الذهبي: ولم أقع له على وفاة. السير ٣٢٣/٧.
(٤) كذا في الصحاح (أرض)، والكلام كله منه. ونقل ابن منظور في اللسان (أرض) عن ابن بري قوله:
الصحيح عند المحققين فيما حكي عن أبي الخطّاب: أرض وأراضٍ، وأهل وأمالٍ.
(٥) ونقل ابن منظور أيضاً في اللسان عن ابن بُّري قوله: صوابه أن يقول: جمعوا أرْضَى، مثل أرْطَى، وأما
آرُض، فقياسه جمع أَوَارِض.
(٦) ابن مالك، الأرقط، من شعراء الدولة الأموية، وسمي الأرقط لآثار كانت بوجهه. خزانة الأدب
٣٩٥/٥.
(٧) ذكره ابن منظور في اللسان (أرض)، وذكر الجوهريُّ شطره الأول، ومعناه (كما في اللسان): أي لم
يقلِّب قوائمها لعلمه بها.

٣٠٨
سورة البقرة : الآية ١١
أي: أثر. والأَرْضُ: النَّفْضَة، والرِّعْدَة، رَوى حمَّادُ بنُ سَلَمةً، عن قتادةَ، عن
عبد الله بن الحارث قال: زُلْزِلَتِ الأرضُ بالبصرة، فقال ابنُ عباس: والله ما أدري،
أَزُلْزِلَت الأرضُ، أَمْ بي أَرْضٌ(١)؟ أي: أَمْ بي رِعْدَةٌ.
وقال ذو الرُّمَّةِ يصفُ صائداً:
إذا تَوَجَّسَ رِکزاً من سَناپکھا
أو كان صاحبَ أرْضٍ أو به المُومُ (٢)
والأرْضُ: الزُّكام. وقد آرضَهُ الله إيراضاً، أي: أَزْكمه، فهو مأُرُوضٌ. وفَسِيلٌ
مُسْتأرِضٌ، وَودِيَّةٌ(٣) مُستأرِضة، بكسر الراء: وهو أن يكونَ له عِرْقٌ في الأرض، فأما
إذا نبتَ على جذْعِ النخل، فهو الراكب. والإراضُ، بالكسر: بِساطٌ ضخمٌ من صوف
أو وَبَر. ورجلٌ أَرِيضٌ، أي: متواضعٌ خَليقٌ للخير. قال الأصمعيُّ: يقال: هو آرَضُهم
أن يفعلَ ذلك، أي: أَخْلَقُهم. وشيءٌ عريضٌ أرِيضٌ، إتباعٌ له، وبعضُهم يُفرِدُه،
ويقول: جَذيٌ أَرِيضٌ، أي: سمين(٤) .
قوله: ﴿فَحْنُ﴾ أصل ((نحن)): نَحُنْ، قُلِبَتْ حركةُ الحاء على النون، وأُسكنت(٥)
الحاء، قاله هشامُ بن معاويةَ النَّخوي(٦). وقال الزَّجَّاج(٧): ((نحن)) لجماعة، ومن
علامةِ الجماعة الواو، والضمةُ من جنس الواو، فلما اضطُرُّوا إلى حركةِ ((نحن))
لالتقاءِ الساكنين، حرَّكوها بما يكونُ للجماعة. قال: ولهذا(٨) ضَمُّوا واوَ الجمعِ في
قوله عز وجل: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَّرَوُاْ الضَّلَلَّةَ﴾ [البقرة: ١٦]. وقال محمدُ بن يزيد:
(نحن)) مثلُ: قَبْلُ، وبعدُ؛ لأنها مُتعلِّقةٌ بالإخبارِ عن اثنين وأكثرَ(٩)، فـ ((أنا)) للواحد،
(١) إصلاح المنطق لابن السكيت ص ٨٤، والتمهيد ٣١٨/٣، والفائق للزمخشري ٣٧/١.
(٢) ديوانه ٤٤٩/١، وقال شارحه: السنبك: طرف الحافر، والموم: البِرْسام. وفي القاموس: البرسام:
علة يُهذَی فیها.
(٣) في (د): واودية. وفي الصحاح (ودى): الوَدِيُّ: صغار الفسيل، واحدها: وَدِيَّة .
(٤) الصحاح: (أرض).
(٥) في (د) و(ز): وسكنت.
(٦) أبو عبد الله، الضرير، الكوفي، صاحب الكسائي، توفي سنة (٢٠٩هـ). إنباه الرواة ٣٦٤/٣.
(٧) معاني القرآن ٨٩/١.
(٨) في (م): لهذا.
(٩) إعراب القرآن للنحاس ١٨٩/١.

٣٠٩
سورة البقرة : الآية ١٢
و((نحن)) للتثنية والجمع، وقد يُخبِرُ به المُتكلِّمُ عن نفسه في قوله: نحن قُمنا، قال الله
تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ﴾ [الزخرف: ٣٢]. والمؤنَّثُ في هذا إذا كانت مُتكلِّمةً
بمنزلة المذكّر، تقول المرأةُ: قُمْتُ، وذهبتُ، وقُمنا، وذهبنا، وأنا فعلتُ ذاك،
ونحن فعلنا. هذا كلامُ العرب فاعلم.
قوله تعالى: ﴿مُصْلِحُونَ﴾: اسمُ فاعل من ((أضْلَح))، والصَّلاح: ضدُّ الفَساد.
وصَلَح الشيء، بضم اللام وفتحها، لغتان، قاله ابنُ السِّكِّيت. والصُّلُوح، بضم
الصاد: مصدر صَلُحَ، بضم اللام. قال الشاعر:
وكيف بأطرافي(١) إذا ما شَتَمْتَني وما بعدَ شَتْمِ الوالِدَيْنِ صُلُّوحُ(٢)
وصَلاحِ من أسماء مكةً. والصِّلْح، بكسر الصاد: نهر (٣).
وإنما قالوا ذلك على ظَنِّهم، لأنَّ إفسادَهم عندهم إصلاحٌ، أي إنَّ ممالأتنا
للكفار إنما نُريدُ بها الإصلاحَ بينهم وبين المؤمنين. قاله ابنُ عباس وغيرُه(٤) .
قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ
قوله عز وجل: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾: ردًّا عليهم وتكذيباً لقولهم.
قال أربابُ المعاني: مَنْ أظهرَ الدعوى كَذَبَ، ألا ترى أنَّ(٥) اللهَ عزَّ وجلَّ يقول:
﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ وهذا صحيحٌ.
وكُسِرَتْ ((إِنَّ))، لأنها مبتدأَةٌ، قاله النحاسُ(٦). وقال عليُّ بن سليمان(٧): يجوزُ
(١) في (ظ) و(م): بإطراقي، وفي (م): فكيف.
(٢) جمهرة اللغة ١٦٤/٢، وإصلاح المنطق ص١٢٤، ومجمل اللغة ٥٣٩/٢، ونسبه ابن دريد لعون بن
عبد الله بن عتبة بن مسعود. قال ابن السكيت: أطرافه: أبواه، وإخوته، وأعمامُه، وكل قريب له
محرم.
(٣) مجمل اللغة ٥٣٩/٢.
(٤) النكت والعيون للماوردي ١/ ٧٥، وأخرجه الطبري ٣٠٠/١.
(٥) لفظ (أن) ليس في (ز) و(ظ).
(٦) إعراب القرآن ١٨٩/١، والكلام الذي بعده منه.
(٧) أبو الحسن، الأخفش الصغير، العلامة، النحوي، لازم ثعلباً والمبرِّد. توفي سنة (٣١٥هـ). السير
٤٨٠/١٤.

٣١٠
سورة البقرة : الآية ١٣
فَتْحُها، كما أجاز سيبويهِ(١): حقًّا أنك منطلِقٌ، بمعنى: ألا. و((هم)) يجوزُ أن يكونَ
مبتدأَ، و(المُفْسِدُونَ)) خبرُه، والمبتدأ وخبرُه خبرُ ((إنَّ). ويجوزُ أن تكونَ ((هم)) توكيداً
للهاء والميم في ((إنهم))، ويجوزُ أن تكونَ فاصلةً، والكوفيون يقولون: عماداً.
و((المفسدون)): خبرُ ((إنَّ)، والتقديرُ: ألا إنهم المفسدون، كما تقدَّمَ في قوله:
﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(٢) [البقرة: ٥].
قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ﴾: قال ابنُ كَيْسان: يقال: ما على مَن لم يعلم أنه
مفسِدٌ من الذَّمِّ، إنما يُذَمُّ إذا علم أنه مفسد، ثم أَفْسدَ على عِلْم. قال: ففيه جوابان:
أحدُهما: أنهم كانوا يعملون الفسادَ سِرًّا، ويُظهِرون الصلاحَ، وهم لا يشعرون أنَّ
أمرَهم يَظهرُ عند النبيِّ وَّهِ. والوجه الآخرُ: أن يكونَ فسادُهم عندَهم صلاحاً، وهم
لا يشعرون أنَّ ذلك فسادٌ، وقد عَصَوا اللهَ ورسولَه في تَرْكِهم تبیینَ الحقِّ واتِباعِهِ(٣).
((ولكنْ)): حرفُ تأكيدٍ واستدراك، ولا بدَّ فيه من نَفْي وإثبات: إن كان قبلَه نفيٌ
كان بعدَه إيجابٌ، وإن كان قبلَه إيجابٌ كان بعدَه نفيٌ. ولا يجوزُ الاقتصارُ بعدَه على
اسمٍ واحدٍ إذا تقدَّمَ الإيجابُ، ولكنك تذكر جملةً مُضادّةً لما قبلَها، كما في هذه
الآيَةِ، وقولِك: جاءني زيدٌ لكن عمرو لم يجئ، ولا يجوزُ جاءني زيدٌ لكن عمرو، ثم
تَسكُت؛ لأنهم قد استغنَوْا بـ ((بل)) في مثل هذا الموضع عن ((لكن))، وإنما يجوزُ ذلك
إذا تقدَّمَ النفيُ، كقولك: ما جاءني زيدٌ لكن عمرٌو(٤).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَّةُ
أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَةُ وَلَكِنْ لَّا يَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ يعني المنافقين في قولِ مُقاتل(٥) وغيرِه. ﴿ءَامِنُواْ كَمَاً
ءَامَنَ النَّاسُ﴾ أي: صَدِّقوا بمحمدٍ نَّهِ وشرعِهِ، كما صدَّقَ المهاجرون والمحقِّقُون من
(١) الكتاب ١٢٢/٣.
(٢) ص ٢٧٧.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٩٣/١.
(٤) المقتضب للمبرد ١٢/١ و١٠٨/٤، والكتاب ٤٣٥/١.
(٥) تفسير أبي الليث ٩٦/١.

٣١١
سورة البقرة : الآية ١٣
أهل يَثْرب(١) .
وألِفُ ((آمنُوا)) ألفُ قَطْع؛ لأنك تقول: يُؤمن، والكافُ في موضع نصب؛ لأنها
نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إيماناً كإيمان الناس(٢).
قوله تعالى: ﴿قَالُوَأْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ النُّفَهَةُ﴾ يعني: أصحاب محمد بَّ، عن ابن
عباس(٣) . وعنه أيضاً: مُؤمِنو أهل الكتاب.
وهذا القولُ من المنافقين إنما كانوا يقولونه في خَفاءٍ واستهزاء، فَأَطْلعَ اللهُ نَبيَّه
والمؤمنين على ذلك، وقرَّرَ أنَّ السَّفَهَ ورِقَّةَ الحُلُوم وفَسادَ البصائر، إنما هي في حَيِّزْهم (٤)
وصِفةٌ لهم، وأخبر أنهم هم السفهاءُ ولكن لا يعلمون، للرَّين الذي على قلوبهم(٥).
وروى الكلبيُّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنها نزلَتْ في شأن اليهود، أي:
إذا(٦) قيل لهم - يعني اليهود - : آمنوا كما آمَنَ الناسُ: عبدُ الله بنُ سَلَام وأصحابُه،
قالوا: أنؤمن كما آمَنَ السفهاءُ؟ يعني الجُهَّال والخُرَقاء(٧) .
وأصلُ السَّفَهِ في كلام العرب: الخفَّةُ والرِّقَّةُ، يقال: ثوبٌ سَفِيهٌ: إذا كان رديءَ
الَّسْجِ خفيفَه، أو كان بالياً رقيقاً. وتَسفَّهَتِ (٨) الريحُ الشجرَ: مالَتْ به، قال ذو الرُّمَّة:
مَشَيْنَ كما اهتزَّتْ رماحٌ تسفَّهَتْ أعالِيَها مَرُّ الرياح النَّاسِمِ(٩)
وتسفَّهت الشيء: استحقَّرْتُه، والسَّفَهُ: ضِدُّ الحِلْم، ويقال: إنَّ السَّفَهَ أنْ يُكثِرَ
(١) المحرر الوجيز ٩٤/١.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٩٠/١.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٠٣/١.
(٤) في (ظ): خبرهم.
(٥) المحرر الوجيز ١/ ٩٤.
(٦) في (م): وإذا.
(٧) تفسير أبي الليث ٩٦/١، وقد ردًّ ابن عطية في المحرر الوجيز ٩٤/١ هذا التفسير، وقال: هذا
تخصيص لا دليل عليه. اهـ وقول المصنف: الخُرَقاء - ووقع عند أبي الليث: الخَّرْقى - يعني جمع
أخرق. والذي في القاموس أن الجمع: خُرْق.
(٨) في النسخ: سفهت، والمثبت من (م) وصحاح الجوهري.
(٩) ديوانه ٧٥٤/٢، وفيه: رويداً، بدل: مَشَيْن. وقال شارحه: النواسم: تنسمت الريح أي: تنفستُ، وهو
أول هبوبها.

٣١٢
سورة البقرة : الآية ١٤
الرجلُ شُربَ الماء، فلا يَرْوَى(١) .
ويجوزُ في همزتَي («السفهاء)) (٢) أربعةُ أوجه:
أجودُها أن تُحقِّقَ الأُولى، وتقلبَ الثانيةَ واواً خالصة، وهي قراءةُ أهل المدينة،
والمعروفُ من قراءةٍ أبي عمرو(٣).
وإن شئتَ خفَّفْتَهما جميعاً، فجعلتَ الأُولى بين الهمزة والواو، وجعلتَ الثانيةً
واواً خالصةً (٤).
وإن شئتَ خفَّفْتَ الأُولى وحقَّقْتَ الثانيةَ(٤).
وإن شئتَ حقَّقْتَهما جميعاً (٥) .
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ مثل: ((ولِكنْ لا يَشْعُرُونَ))، وقد تَقَدَّمَ. والعلمُ
معرفةُ المعلوم على ما هو به، تقول: عَلِمتُ الشيءَ أَعْلَمُه عِلْماً: عَرَفْتُه، وعالَمْتُ
الرجلَ، فَعَلَمْتُهُ أَعْلُمُهُ، بالضم في المستقبل: غَلَبُهُ بالعلم (٦) .
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُوّا
إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ
١٤
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَا﴾ نزلَتْ هذه الآيةُ في ذكر المنافقين.
أصل لَقُوا: لَقِيُّوا، نُقلت الضمةُ إلى القاف، وحُذِفَتِ الياءُ لالتقاء الساكنين.
وقرأ محمد بنُ السَّمَيْفَع اليمانيُّ: ((لاقَوُا الذين آمنوا)»(٧). والأصلُ: لاقَيُوا،
تحرَّكَتِ الياءُ وقبلَها فتحةٌ، انقلبَتْ الياءُ ألفاً (٨)، اجتمع ساكنان: الألف والواو،
(١) مجمل اللغة ٢/ ٤٦٣.
(٢) يعني في قوله: ((السفهاءُ أَلا)).
(٣) وهي أيضاً قراءة ابن كثير. التيسير ص ٣٤.
(٤) وهي قراءة شاذة.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١/ ١٩٠. وقرأ بتحقيق الهمزتين ابن عامر الشامي وعاصم وحمزة والكسائي.
التيسير ص ٣٤.
(٦) الصحاح : (علم).
(٧) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢، والعكبري في الإملاء في موضعها في سورة البقرة.
(٨) في (م): انقلبت ألفاً.

٣١٣
سورة البقرة : الآية ١٤
فَحُذِفتِ الألفُ لالتقاء الساکنین، ثم حُرِّكت الواو بالضم.
فإن(١) قيل: لم ضُمَّت الواوُ في ((لاقَوا) في الإدراج، وحُذفت من ((لَقُوا))؟
فالجواب: أنَّ قبل الواو التي في ((لَقُوا)) ضَمَّةً، فلو حُرِّكتِ الواو بالضم، لَثْقُلَ على
اللسان النُّطقُ بها، فحذفت لثقلها، وحُرِّكتْ في ((لاقَوا))؛ لأنَّ قبلَها فتحةً(٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾: إن قيل: لم وُصِلَتْ ((خَلَوْا))
بـ((إِلى))، وعُرْفُها أن تُوصَلَ بالباء؟ قيل له: ((خَلَوْا)) هنا بمعنى: ذَهَبوا وانصرفوا، ومنه
قولُ الفرزدق(٣):
قد قتلَ الله زياداً عَنِّي(٥)
لما أنزلَه منزلة: صرف (٦).
كيف تَرانِي قالباً(٤) مجنِّي
وقال قومٌ: ((إلى)) بمعنى ((مع))، وفيه ضعفٌ. وقال قومٌ: ((إلى)) بمعنى الباء، وهذا
يأباهُ الخلیلُ وسیبویهِ.
وقيل: المعنى: وإذا خَلَوْا من المؤمنين إلى شياطينهم، فـ ((إلى)) على بابها.
والشياطين جمعُ شيطان، على التكسير، وقد تقدَّم القولُ في اشتقاقه ومعناهُ في
الاستعاذة(٧).
واختلف المفسِّرون في المراد بالشياطين هنا، فقال ابنُ عباس والسُّدِّي: هم رؤساءُ
الكفر (٨). وقال الكَلْبي: هم شياطينُ الجِنِّ(٩). وقال جمعٌ من المفسرين: هم الكُهَّان.
(١) في (م): وإن.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٩٠/١.
(٣) ديوانه ٢ / ٨٨١.
(٤) في (د) و(ز): قالياً. اهـ. أي: هاجراً، كناية عن عدم الحاجة إليه، فيما ذكر محققو المحتسب ٥٢/١.
(٥) قوله: المِجنّ: هو التُّرس، وقال البغدادي في شرح شواهد المغني ٨٦/٨: قلبُ المِجَنِّ عبارةٌ عن رميه
من یده لعدم الاحتیاج إليه.
(٦) قال ابن جني في المحتسب ٥٢/١: استعمال ((عن)) هاهنا لما دخله من معنى: قد صرفه الله عني، لأنه
إذا قتله، فقد صُرف عنه .
(٧) ص ١٣٩ - ١٤٠.
(٨) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٣٠٧.
(٩) قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٩٦/١: وهذا في هذا الموضع بعيد.

٣١٤
سورة البقرة : الآية ١٥
ولفظُ الشَّيْطَنةِ الذي معناه: البعدُ عن الإيمان والخيرِ يَعُمُّ جميعَ مَنْ(١) ذُكِر(٢)،
والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ أي: مُكَذِّبون بما نُدْعَى إليه، وقيل:
ساخرون، والهُزء: السخريةُ واللعب، يقال: هَزِئ به، واستهزأ، قال الراجز:
قالت أُراه مُعْدِماً لا مالَ لَهْ(٣)
قد هَزئَتْ مِنيَّ أمُّ طَيْسَلَةْ
وقيل: أصلُ الاستهزاء: الانتقامُ، كما قال الآخرُ:
سَرَاتُهُمُ وسْطَ الصَّحاصِحِ جُثَّمُ (٤)
قد استهزؤوا منهم بألفي مُدجَّجٍ
١٥
قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُلُّهُمْ فِى كُغْيَيْهِمْ يَعْمَهُونَ
قوله تعالى: ﴿اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِمْ﴾، أي: ينتقمُ منهم ويُعاقِبُهم، ويَسخَرُ بهم،
ويُجازِيهم على استهزائهم، فسمَّى العقوبةَ باسم الذنب. هذا قولُ الجمهور من
العلماء، والعربُ تستعملُ ذلك كثيراً في كلامهم(٥) ، من ذلك قولُ عَمرو بنٍ كُلثوم:
ألا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا فنَجْهَلَ فوقَ جَهْلِ الجاهِلِينا (٦)
فسمَّى انتصارَه جَهْلاً، والجهلُ لا يَفْتَخِرُ به ذو عقل، وإنما قاله لِيَزْدَوِجَ الكلامُ،
فيكونَ ذلك أخفّ(٧) على اللسان من المخالفة بينهما (٨). وكانت العربُ إذا وضعوا
(١) في (د) و(ز): ما.
(٢) المحرر الوجيز ٩٦/١.
(٣) قائله صخر بن عمير الهذلي، كما في أمالي أبي علي القالي ٢٨٤/٢، ولفظه عنده:
قالت أُراه مُبْلَطاً لا شيءَ لَهُ
تهزأ مني أختُ آلٍ طَيْسَلَهْ
وهو في اللسان (طسل)، وفيه: قالت أُراه في الوقار والعَلَه. وانظر تفسير الطبري ٢/ ٧٥.
(٤) لم نهتد إلى قائله، وأورده السمين الحلبي في الدر المصون ١/ ١٥٠.
والصحاصح: جمع صحصح، وهي الأرض الجرداء المستوية، ذات حصى صغار. اللسان (صحح).
(٥) المحرر الوجيز ٩٧/١.
(٦) هو في معلقته ص١١٧ بشرح ابن كَيْسان، وفي شرح القصائد السبع لابن الأنباري ص٤٢٦، وشرح
القصائد التسع للنحاس ص٢/ ٨٣٤.
(٧) في (م): فيكون أخف.
(٨) الأسماء والصفات للبيهقي ٤٣٩/٢.

٣١٥
سورة البقرة : الآية ١٥
لفظاً بإزاء لفظٍ جواباً له وجزاءً، ذكّروه بمثل لَفْظِهِ، وإن كان مخالفاً له في معناه، وعلى
ذلك جاء القرآنُ والسنَّة. قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَجَزَّوُاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]،
وقال: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. والجزاءُ لا
يكون سيئةً. والقِصاصُ لا يكون اعتداءً؛ لأنه حقٌّ وَجَبَ. ومثله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ
اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، و﴿إِنَّهُمْ يَكِدُونَ كَّدًا ﴿ وَأَكِدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ -١٦]، و﴿إِنَّمَا
نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ، اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤ -١٥]، وليس منه سبحانه مَكْرٌ، ولا هُزْءٌ،
ولا كَيْدٌ، إنما هو جزاءٌ لمكرهم واستهزائهم، وجزاءُ كيدِهم. وكذلك ﴿يُحَدِعُونَ اللَّهَ
وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿فَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩].
وقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، ولا يَسأمُ حتى تَسأموا))(١).
قيل: ((حتى)) بمعنى الواو، أي: وتَمَلُّوا. وقيل: المعنى: وأنتم تَمَلُّون. وقيل:
المعنى: لا يَقْطَعُ عنكم ثوابَ أعمالِكم حتى تَقْطَعوا العملَ. وقال قومٌ: إنَّ اللهَ تعالى
يفعلُ بهم أفعالاً هي في تأمُّلِ البشر هُزْءٌ وخَذْعٌ ومَكْرٌ، حسب ما رُوي: إنَّ النارَ تَجمُدُ
كما تَجمُدُ الإهالةُ، فيمشون عليها ويَظنونها مَنْجاً، فَتَخِفُ بهم(٢).
وروى الكلبيُّ عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ قَالْوَاَ ءَامَنًا﴾: هم منافقُو أهلِ الكتاب، فذكرهم، وذكّر استهزاءَهم، وأنهم إذا
خَلَوْا إلى شياطينهم - يعني رؤساءَهم في الكفر، على ما تقدَّم - قالوا: إنا معكم على
دينكم ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ بأصحاب محمد ◌َِّ. ﴿اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِمْ﴾ في الآخرة،
يُفْتَحُ لهم بابُ جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: تعالَوا، فيُقبلون يَسْبَحون(٣) في النار،
والمؤمنون على الأرائك - وهي السُّرُر في الحجَال - ينظرون إليهم، فإذا انتَهَوْا إلى
الباب، سُدَّ عنهم، فَيضحَكُ المؤمنون منهم، فذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: ﴿اللّهُ يَسْتَهْزِئُ
بِمْ﴾ أي: في الآخرة، ويَضحَكُ المؤمنون منهم حين غُلِّقَتْ دونهم الأبوابُ، فذلك
(١) قوله منه: ((إن الله لا يمل حتى تملوا)) قطعة من حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه أحمد (٢٤١٢٤)،
والبخاري (٥٨٦١)، ومسلم (٧٨٢)، وقوله منه: ((ولا يسأم حتى تسأموا)) أخرجه أحمد في ((المسند))
(٢٦٠٩٦)، ومسلم (٧٨٥) من حديثها أيضاً .
(٢) المحرر الوجيز ٩٧/١. والإهالة: هو ما أُذيب من الآلية والشحم. النهاية في غريب الحديث (أهل).
(٣) في (ز): يسيحون، وفي تفسير أبي الليث والأسماء والصفات: يُسحبون.

٣١٦
سورة البقرة : الآية ١٥
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿ عَلَى الْأَرَآيِكِ يَنْظُرُونَ﴾ إلى أهل
النار ﴿هَلْ تُوَّبَ الْكُفَارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾﴾(١) [المطففين: ٣٤ - ٣٦].
وقال قومٌ: الخِداعُ من الله والاستهزاءُ: هو استدارجُهم بِدُرُورِ النّعم الدنيويَّةِ
عليهم، فاللهُ سبحانه وتعالى يُظهِرُ لهم من الإحسان في الدنيا خِلافَ ما يَغيبُ عنهم
ويَسْتُرُ عنهم من عذابِ الآخرة(٢) ، فيظنُّون أنه راضٍ عنهم، وهو تعالى قد حَتَمَ
عذابَهم، فهذا على تأمُّل البشر كأنه استهزاءٌ ومَكرٌ وخداعٌ (٣) .
ودلَّ على هذا التأويل قولُهُ وَّهِ: ((إذا رأيتم الله عزَّ وجلَّ يُعطي العبدَ ما يُحِبُّ
وهو مُقِيمٌ على معاصيه، فإنما (٤) ذلك منه استدارجٌ))، ثم نزعَ بهذه الآيةِ: ﴿فَلَمَّا
نَسُواْ مَا ذُكِرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَّىَ إِذَا فَرِحُواْ بِمَّ أُوْنُواْ لَخَذْنَهُم
بَغْنَةً فَإِذَا هُمْ تُمْلِسُونَ ﴾ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوْ وَاَلْحَمْدُ لِِّ رَبٍ اُلْعَلَمِينَ﴾(٥)
[الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
وقال بعضُ العلماء في قوله تعالى: ﴿سَنَتَدْرِعُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤]:
كلَّما أحدثوا ذنباً، أُحدِثَتْ(٦) لهم نعمة(٧).
قوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ أي: يُطِيلُ لهم المدَّة، ويُمْهِلُهم، ويُمْلي لهم، كما قال:
﴿إِنَّمَا نُعْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] وأصلُه: الزيادة.
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١٠١٨). وأورده مختصراً أبو الليث في تفسيره ١ / ٩٧.
(٢) في (ظ)، والأسماء والصفات: ويستتر من عذاب الآخرة.
(٣) الأسماء والصفات ٢/ ٤٤٠، والمحرر الوجيز ١/ ٩٧.
(٤) في (د): فإنَّ .
(٥) أخرجه أحمد في المسند (١٧٣١١)، والطبري في تفسيره ٢٤٨/٩، والطبراني في الكبير ١٧/ (٩١٣)،
والأوسط (٩٢٦٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٥٤٠)، والأسماء والصفات (١٠٢١) من حديث
عقبة بن عامر رضي الله عنه. وسيأتي عند المصنف في تفسير الآية (٤٤) من سورة الأنعام باختلاف في
بعض ألفاظه.
(٦) في (م) : أحدث.
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (١١٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٢٤).

٣١٧
سورة البقرة : الآية ١٥
قال يونسُ بنُ حَبِيبٍ(١): يقال: مدَّ لهم في الشرِّ، وأمدَّ في الخير(٢)، قال اللهُ
تعالى: ﴿وَأَنْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِنَ﴾ [الإسراء: ٦]، وقال: ﴿وَأَمْدَدْنَهُمْ بِفَكِهَةٍ وَلَحْرٍ مِّنَا
يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢].
وحُكي عن الأخفش: مددتُ له إذا تركتَه، وأَمدَدْتُه إذا أعطيتَه(٣). وعن الفرّاء
واللِّحياني: مددت، فيما كانت زيادتُه من مِثْلهِ، يقال: مدَّ النَّهر(٤)، وفي التنزيل:
﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، وأمددتُ، فيما كانت زيادتُه من
غيرهِ، كقولك: أمددتُ الجيشَ بِمَدَدٍ، ومنه: ﴿يُمْدِذَّكُمْ رَبِّكُمْ بِخَمْسَةٍ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَتَبِكَةِ﴾
[آل عمران: ١٢٥]. وأمدَّ الجُرْحُ، لأن المِدَّة(٥) من غيره، أي: صارت فيه مِدَّة.
قوله تعالى: ﴿فِي ◌ُغْيَكِنِهِمْ﴾: كفرهم وضلالهم. وأصلُ الطغيان مجاوزةُ الحدِّ،
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ◌ٌلْمَآءُ﴾ [الحاقة: ١١] أي: ارتفع، وعلا، وتجاوزَ المقدارَ
الذي قدَّرَتْه الخُزَّان. وقوله في فرعون: ﴿إِنَُّ طَى﴾ [طه: ٢٤] أي: أسرفَ في الدعوى
حيث قال: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. والمعنى في الآية: يمدُّهم(٦) بطولٍ
العمر حتى يزيدوا في الطغيان، فيزيدَهم في عذابهم.
قوله تعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يَعْمَون(٧). وقال مجاهد: أي: يتردّدُون متحيِّرين في
الكفر (٨).
وحكى أهلُ اللغة: عَمِهَ الرجلُ يَعْمَهُ عُمُوهَاً وعَمَهاناً(٩)، فهو عَمِهٌ وعامِهٌ: إذا
(١) أبو عبد الرحمن، الضبي مولاهم، البصري، إمام النحو، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وحماد بن
سلمة، وعنه: الكسائي وسيبويه والفراء، توفي سنة (١٨٣ هـ). السير ٨/ ١٩١.
(٢) معاني القرآن للأخفش ٢٠٦/١، والنكت والعيون ٧٨/١، والمحرر الوجيز ١ / ٩٧.
(٣) معاني القرآن ٢٠٦/١.
(٤) في اللسان (مدد): مدَّ النهرُ النهرَ: إذا جَرَى فيه. قال اللحياني: يقال لكل شيء دخل فيه مثله فكثّره:
مدَّه یمدُّه مدًّا.
(٥) أي: القيح.
(٦) في (د): يمددهم.
(٧) لم ترد لفظة: ((يعمون)) في (د)، ووقع في (ز) بدلاً منها: يعمهون.
(٨) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٢٤/١.
(٩) في (م): عَمَهاً، بدل: وعمهاناً، وكلاهما صحيح.

٣١٨
سورة البقرة : الآية ١٦
حارَ، ويقال: رجل عامِهٌ وعَمِهٌ: حائرٌ متردِّد، وجمعه عُمَّهُ. وذهبَتْ إِلُه العُمَّهَى: إذا
لم يدرِ أين ذهبت. والعَمَى في العين، والعَمَهُ في القلب، وفي التنزيل: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى
الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّ فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبَحَت تَجَرَتُهُمْ وَمَا
١٦
كَانُواْ مُهْتَدِین
قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوْاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى﴾، قال سيبويه: ضُمَّت الواو في
(اشتَروا)) فَرْقاً بينها وبين الواو الأصلية(١)، نحو: ﴿وَأَلَِّ اسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيفَةِ﴾ [الجن:
٦ ١]. وقال ابنُ كَيْسان: الضمةُ في الواو أخفُّ من غيرها، لأنها من جنسها. وقال
الزجَّاجُ(٢): حُرِّكت بالضم، كما فُعل في ((نحن)).
وقرأ ابنُ أبي إسحاق ويحيى بنُ يَعْمَر بكسر الواو على أصل التقاء الساكنَيْن(٣).
وروى أبو زيد الأنصاريُّ، عن قَعْنَب أبي السَّمَّال العَدَويِّ، أنه قرأ بفتح الواو (٤)،
لخفَّة الفتحة، وأن قبلَها مفتوحاً(٥). وأجازَ الكِسائيُّ همزَ الواو وضَمَّها كأدور(٦).
و (اشتروا)): من الشراء. والشراءُ هنا مُستعارٌ، والمعنى: استحبُّوا الكُفرَ على
الإيمان، كما قال: ﴿فَأَسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَ عَلَى اَلْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فعبر عنه بالشراء؛ لأنَّ
الشراءَ إنما يكون فيما يُحبُّه مُشتريه. فأمَّا أن يكونَ معنى الشراءِ المعاوضة، فلا؛ لأنَّ
المنافقين لم يكونوا مؤمنين، فيبيعوا(٧) إيمانهم(٨).
(١) الكتاب ١٥٥/٤.
(٢) في معاني القرآن ٨٩/١. وقد سلف ص ٣٠٨.
(٣) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢، وابن جني في المحتسب ١/ ٥٤.
(٤) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢، وابن جني في المحتسب ٥٤/١، قال الزجاج في معاني
القرآن ٨٩/١: وهو شاذ جداً.
(٥) في النسخ الخطية: وأن ما قبلها مفتوحاً، وفي (م): وإن كان ما قبلها مفتوحاً، والمثبت من إعراب
القرآن للنحاس ١٩٢/١ (والكلام منه).
(٦) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢. قال النحاس: وهذا غلط، لأن همزة الواو إذا انضمت؛ إنما
يجوز فيها إذا انضمت لغير علة. وبنحوه قال الزجاج في معاني القرآن ١/ ٩١، وابن جني في المحتسب ٥٥/١.
(٧) في (ظ): فيضيعوا.
(٨) النكت والعيون ٧٩/١.

٣١٩
سورة البقرة : الآية ١٦
وقال ابن عباس: أَخذوا الضلالة وتركوا الهدى(١). ومعناه: استبدلوا واختاروا
الكفرَ على الإيمان. وإنما أخرجه بلفظ الشراء توسعاً؛ لأنَّ الشراءَ والتجارةَ راجعانٍ إلى
الاستبدال، والعربُ تستعمل ذلك في كلِّ من استبدلَ شيئاً بشيء. قال أبو ذُؤيب(٢):
فإني شَرَيتُ الحِلْمَ بعدكِ بالجهل(٣)
فإنْ تَزْعُمِيني كنتُ أجهَلُ فیکمُ
وأصلُ الضلالة: الحَيْرة. ويُسمَّى النسيانُ ضلالةً، لِما فيه من الحَيْرة، قال جلَّ
وعزَّ: ﴿فَعَلُْهَا إِذَا وَأَنَّا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] أي: الناسين.
ويُسمَّى الهلاكُ ضلالةً، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿ وَقَالُواْ أَهِذَا ضَلَلْنَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ (٤)
[السجدة: ١٠].
قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَت ◌َجَرَتُهُمْ﴾: أسندَ تعالى الربحَ إلى التجارة على عادة
العرب في قولهم: رَبحَ بَيْعُك، وخَسِرَتْ صَفْقتُك، وقولهم: ليلٌ قائمٌ، ونهارٌ
صائم(٥)، والمعنى: رَبِحتَ وخَسِرْتَ في بيعك، وقُمتَ في ليلك، وصُمتَ في
نهارك، أي: فما رَبِحوا في تجارتهم. وقال الشاعر:
كذلك في الدنيا تَعيشُ البهائمُ(٦).
نهارُك هائمٌ وليلُكَ نائمُ
ابن کَیْسان: ويجوزُ: تجارة وتجائر، وضلالة وضلائل(٧).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ في اشترائهم (٨) الضلالةَ. وقيل: في سابق
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٢٥/١.
(٢) خويلد بن خالد بن محرِّث، الهذلي، شاعر جاهلي إسلامي، لم ير النبي ولو، توفي في خلافة عثمان
رضي الله عنه، وقيل: مات في غزوة إفريقية بمصر منصرفاً بالفتح مع ابن الزبير. الاستيعاب (بهامش
الإصابة) ٢٣٢/١١.
(٣) البيت في شرح أشعار الهذليين للسكري ١/ ٩٠.
(٤) معاني القرآن للنحاس ١٠٠/١.
(٥) في (د): ليله قائم، ونهاره صائم.
(٦) لم نجده بهذا اللفظ، وقد أخرج أبو نعيم في الحلية ٣١٩/٥-٣٢٠، والبيهقي في شعب الإيمان
(١٠٧٩٥) عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله في هذا المعنى أبياتاً كان ينشدها، وسيذكر المصنف منها
أربعة عند تفسير الآية (٢٠٧) من سورة الشعراء.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١٩٣/١.
(٨) في (د) و(ز): شرائهم.

٣٢٠
سورة البقرة : الآية ١٧
-:
علم الله. والاهتداءُ ضدُّ الضلال(١)، وقد تقدَّم(٢).
قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِىِ أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ
اَللَّهُ بِنُورِهِمْ وَرَكَّهُمْ فِ ظُلُمَاتٍ لَّ يُبْصِرُونَ
قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ فـ ((مَثَلُهُم)) رُفع بالابتداء، والخبرُ
في الكاف، فهي اسم، كما هي في قول الأعشى:
كالطَّعْنِ يذهبُ فيه الزيتُ والفُثُلُ(٣)
أتنتهونَ ولن ينهى ذَوِي شَطَطِ
وقولِ امرئ القيس(٤):
ورُخنَا بِكَابْنِ الماءِ يُجنَبُ وَسْطَنا
تَصَوَّبُ فيه العَيْنُ طَوْراً وتَرْتَقِي (٥)
أراد: مثل الطّعن، وبمثل ابنِ الماء.
ويجوزُ أن يكونَ الخَبَرُ محذوفاً، تقديرهُ: مَثَلُهم مستقرٌّ كَمَثَل، فالكافُ على هذا حرفٌ.
والمَثَلُ والمِثْلِ والمَثِيلُ واحدٌ، ومعناه: الشِّبْهُ(٦). والمتماثلان: المتشابهان.
هكذا قال أهلُ اللغة(٧).
قوله تعالى: ﴿الَّذِى﴾ يقع للواحد والجمع، قال ابنُ الشَّجَرِي هبةُ الله بنُ
عليّ(٨): ومن العرب من يأتي بالجمع بلفظ الواحد، كما قال(٩):
وإِنَّ الذي حانَتْ بفَلْجِ دماؤهم هُمُ القومُ كلُّ القومِ يَا أَمَّ خالدٍ
(١) في النسخ: الرشاد، وهو خطأ.
(٢) ص ٢٤٧.
(٣) ديوانه ص١١٣ وفيه: هل تنتهون ولا ينهى ذوي شطط. وينظر المحرر الوجيز ٩٩/١.
(٤) هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، من فحول شعراء الجاهلية، ومن الطبقة الأولى، ويقال له: الملك
الضُّلِّيل. الشعر والشعراء ١٠٥/١.
(٥) ديوانه ص١٧٦، وقد سلف شطره الأول ص ١٥٤.
(٦) في (م): الشبيه.
(٧) المحرر الوجيز ٩٨/١ - ٩٩.
(٨) في أماليه ٣/ ٥٧، وهبة الله بن علي الشجري هو أبو السعادات الهاشمي العلوي الحسني البغدادي،
شيخ النحاة، توفي سنة (٥٤٢هـ). السير ١٩٤/٢٠.
(٩) هو الأشهب بن رُمَيْلة، والبيت في الكتاب ١٨٧/١، والمنصف ٦٧/١ وشرح المفصل ١٥٥/٣.