النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة البقرة : الآية ١ وقال زيد بن أسلم: هي أسماءٌ للسُّوَر(١). وقال الكلبي: هي أقسامٌ أقسمَ الله تعالى بها لِشَرَفِها وفَضْلِها، وهي من أسمائه، عن ابن عباس أيضاً(٢). ورَدَّ بعضُ العلماء هذا القولَ، فقال: لا يصحُّ أن يكونَ قَسَماً؛ لأنَّ القَسَمَ معقودٌ على حروف، مثل: إنَّ، وقد، ولقد، وما، ولم يوجد هاهنا حرفٌ من هذه الحروف، فلا يجوزُ أن يكون يميناً(٣). والجوابُ: أن يقال: موضعُ القَسَم قولُه تعالى: ﴿لَا رَيْبُ فِيهِ﴾. فلو أنَّ إنساناً حلفَ، فقال: والله، هذا الكتابُ لا رَيْبَ فيه، لَكانَ الكلامُ سَديداً، وتكون ((لا)) جوابَ القَسَمِ. فَثَبتَ أنَّ قولَ الكلبيِّ، وما رُوِيَ عن ابنِ عباس، سدیدٌ صحيح. فإن قيل: ما الحكمةُ في القَسَم من الله تعالى، وكان القومُ في ذلك الزمان على صنفين: مصدِّق، ومكذِّب، فالمصدِّقُ يُصدِّقُ بغير قَسَمَ، والمكذِّبُ لا يصدِّقُ مع القَسَم (٤)؟ قيل(٥) له: القرآنُ نزلَ بلغةِ العرب، والعربُ إذا أرادَ بعضُهم أنْ يُؤكِّدَ كلامَه، أقْسَمَ على كلامه، والله تعالى أراد أن يُؤكِّدَ عليهم الحُجَّةَ، فأقْسَمَ أنَّ القرآنَ مِنْ عندِهِ. وقال بعضهم: ((الم)) أي: أنزلتُ عليك هذا الكتابَ من اللوح المحفوظ، وقال قتادة في قوله: ((الم)) قال: اسم من أسماء القرآن(٦). ورُوي عن محمد بن عليٍّ الترمذيِّ أنه قال: إن الله تعالى أوْدَعَ جميعَ ما في تلك السورة من الأحكام والقَصص في الحروف التي ذكرها في أوّل السورة، ولا يَعرِفُ ذلك إلا نبيٍّ أو وَلِيٍّ، ثم بَيَّنَ ذلك في جميع السورةٍ لِيُفَقَِّ الناس(٧). وقيل غير هذا من الأقوال. فالله أعلم. والوقْفُ على هذه الحروف على السكون، لنقصانها، إلا إذا أخبرتَ عنها، أو (١) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٠٦/١، وينظر النكت والعيون ٦٣/١، والمحرر الوجيز ٨٢/١. (٢) أخرجه الطبري ١/ ٢٠٧، وذكره الماوردي في تفسيره ١/ ٦٤. (٣) في (د) و(ز): قسماً. (٤) في (د): والمكذب يكذب مع القسم، وفي (ظ): والمكذب لا يصدق بالقسم. (٥) في (د): قلنا. (٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٩/١ ومن طريقه أخرجه الطبري ٢٠٤/١، وذكره أيضاً الماوردي في تفسيره ٦٣/١. (٧) من قوله: قال الكلبي: هي أقسام ... غالبُه في تفسير أبي الليث ١/ ٨٧. ٢٤٢ سورة البقرة : الآية ٢ عَطَفْتَها، فإنك تُعْرِبُها. واختلف: هل لها محلٌّ من الإعراب؟ فقيل: لا، لأنها ليست أسماءً متمكِّنة، ولا أفعالاً مضارِعة، وإنما هي بمنزلة حروفِ التَّهَجِّي، فهي مَحْكِيَّةٌ. هذا مذهبُ الخليلِ وسيبويه(١). ومن قال: إنها أسماءُ السُّوَر، فموضِعُها عندَه الرفعُ على أنها عندَه خبرُ ابتداء مُضمر، أي: هذه ((الم))، كما تقول: هذه سورة البقرة. أو تكون رفعاً على الابتداء، والخبرُ: ((ذلك))، كما تقول: زيدٌ ذلك الرجل. وقال ابنُ كَيْسان النحوي(٢): ((الم) في موضع نصب، كما تقول: اقرأ ((الم))، أو: عليك ((الم))(٣). وقيل: في موضع خفضٍ بالقسم، لقولِ ابنِ عباس: إنها أقسامٌ أقسمَ الله بها(٤). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾ قيل: المعنى: هذا الكتاب. و((ذلك)) قد تُستعمل في الإشارة إلى حاضر، وإن كان موضوعاً للإشارة إلى غائب، كما قال تعالى في الإخبار عن نفسه جلَّ وعزَّ: ﴿ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: ٦]، ومنه قولُ خُفَاف ابن نُدْبَةِ(٥). أقولُ له والرُّمْحُ يَأُطِرُ مَثْنَهُ تأمَّلْ خُفافاً إِنَّني أنا ذلِكا(٦) أي: أنا هذا. فـ ((ذلك)) إشارةٌ إلى القرآن، موضوعٌ موضعَ هذا، تلخيصُه: الم هذا الكتابُ لا رَيْبَ فيه. وهذا قولُ أبي عُبيدة وعكرمة وغيرهما(٧)، ومنه قوله (١) إعراب القرآن للنحاس ١٧٧/١ ومشكل إعراب القرآن لمكي ٧٣/١. (٢) محمد بن أحمد بن كيسان، أبو الحسن، النحوي، كان يحفظ مذهب البصريين والكوفيين، لأنه أخذ عن المبرد وثعلب، له المهذب في النحو، والمذكر والمؤنث، ومعاني القرآن وغيرها. إنباه الرواة ٥٧/٣، وبغية الوعاة ١٨/١. (٣) ذكره أبو جعفر النحاس في إعراب القرآن ١/ ١٧٧. (٤) سلف تخريج قول ابن عباس في الصفحة قبلها، وانظر المحرر الوجيز ٨٣/١. (٥) خُفاف بن عمير بن عمرو بن الشريد السلمي، الصحابي، يكنى أبا خرشة، ونُذْبَة أمُّه، كان شاعراً مشهوراً، وشَهِدَ مع النبيِّ وَ ﴿ فتحَ مكة، ومعه لواءُ بني سُلَيم. ثبتَ في الرُّدَّة، وبقيَ إلى أيام عمر. الاستيعاب ٢٠٠/٣ بهامش الإصابة. والإصابة ١٤٨/٣. (٦) البيت في مجاز القرآن ٢٩/١ والشعر والشعراء ٣٤٢/١، والكامل ١١٥٠/٣، ومعاني القرآن للزجاج ٦٦/١، والأغاني ٧٤/١٨، والاستيعاب ٢٠١/٣ بهامش الإصابة. قال المبرّد: قوله: يأطر متنه، أي: يثني. (٧) كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٢٨، وأخرج قول عكرمة الطبري في تفسيره ٢٢٨/١. ٢٤٣ سورة البقرة : الآية ٢ تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَّيْنَهَا إَِزَاهِيمَ﴾ [الأنعام: ٨٣]، ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اَللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، أي: هذه، لكنها لما انقضتْ، صارَتْ كأنَّها بَعُدَتْ، فقيل: تلك. وفي ((البخاريٍ)): وقال مَعْمَر: ((ذلك الكتاب)): هذا القرآن. ((هدّى للمتقين)»: بيانٌ ودِلالة، كقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]: هذا حُكْمُ الله(١). قلت: وقد جاء ((هذا)) بمعنى ((ذلك))، ومنه قولُه عليه السلام في حديث أُمِّ حَرَام: (يَرْكَبونَ ثَبَجَ هذا البَحْرِ))(٢) أي: ذلك البحر. والله أعلم. وقيل: هو على بابه، إشارةٌ إلى غائب. واختلف في ذلك الغائب على أقوال عشرة: فقيل: ((ذلك الكتاب)) أي: الكتابُ الذي كتبتُ على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأَجَل والرِّزق، لا رَيْب فیه، أي: لا مُبَدِّلَ له. وقيل: ذلك الكتاب، أي الذي كتبتُ على نفسي في الأَزَل: ((إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبي)). وفي ((صحيح)) مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله وَّ: ((لَمَّا قَضَى الله الخَلْقَ كَتَبَ في كتابه على نَفْسِهِ، فهو موضوعٌ عندَه: إنَّ رحمتي تَغْلِبُ غَضَبي)). في رواية: ((سَبَقَتْ))(٣). وقيل: إنَّ الله تعالى قد كانَ وَعَدَ نبيَّه عليه السلام أن يُنزِلَ عليه كتاباً لا يَمْحُوه الماء، فأشار إلى ذلك الوعد، کما في ((صحیح)) مسلم من حديث عياض بن حمار المُجاشعي أن رسولَ اللهِوَ ﴿ه قال: ((إن الله نَظَرَ إلى أهلِ الأرضِ، فَمَقَّتَهم، عَرَبَهُم وعَجَمَهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتُك لأبْتَلِيَكَ، وأَبْتَلِيَ بك، وأنزلتُ عليك كتاباً لا يَغسِلُه الماءُ، تقرؤه نائماً ويقظانَ)) الحديث (٤). وقيل: الإشارة إلى ما قد نزل من القرآن بمكة. (١) صحيح البخاري قبل الحديث (٧٥٣٠): كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إلَيِّكَ مِن رَّيٌْ وَإِن لَّمْ تَفَعَلْ لَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. (٢) سلف تخريجه ص ٢١٩. (٣) صحيح مسلم (٢٧٥١): (١٤) و(١٥). وهو في صحيح البخاري (٧٤٢٢). ومسند أحمد (٧٥٠٠). (٤) صحيح مسلم (٢٨٦٥). وهو في مسند أحمد (١٧٤٨٤)، وسلف قطعة منه ص ٩١. ٢٤٤ سورة البقرة : الآية ٢ وقيل: إن الله تبارك وتعالى لما أنزل على نبيِّه ◌ِوَه بمكة: ﴿إِنَّا سَنُلِّقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، لم يَزَلْ رسولُ اللهِوَّهِ مُسْتَشْرِفاً لإنجازِ هذا الوَعْدِ من ربِّه عزَّ وجلَّ، فلما أُنزلَ عليه بالمدينة: ﴿الّ ) ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبٌ فِهِ﴾، كان فيه معنى: هذا القرآنُ الذي أنزلتُه عليك بالمدينة، ذلك الكتابُ الذي وعدتُكَ أنْ أُوحِيَه إليك بمكة. وقيل: إنَّ((ذلك)) إشارةٌ إلى ما في التوراة والإنجيل، و((الم)) اسم للقرآن، والتقدير: هذا القرآنُ ذلك الكتاب المفسَّر في التوارة والإنجيل، يعني أنَّ التوراةَ والإنجيلَ يشهدانِ بِصِحَّته، ويستغرقُ ما فيهما، ويزيدُ عليهما ما ليس فيهما. وقيل: إنَّ((ذلك الكتاب))، إشارةٌ إلى التوراة والإنجيل كليهما، والمعنى: الم، ذانِكَ الكتابانِ، أو مثلُ ذَيْنِكَ الكتابَيْنِ، أي: هذا القرآنُ جامعٌ لِما في ذَيْنِكَ الكتابَيْنِ، فعبَّر بـ((ذلك)) عن الاثنين بشاهدٍ من القرآن، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرُ عَوَانُ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، أي: عَوانٌ بينَ تَيْنِكَ الفارِضِ والبِكْرِ، وسيأتي. وقيل: إن ((ذلك)) إشارةٌ إلى اللَّوح المحفوظ. وقال الكسائي: ((ذلك)) إشارةٌ إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعدُ. وقيل: إن الله تعالى قد كانَ وَعَدَ أهل الكتاب أن يُنزلَ على محمد ◌َال# كتاباً ، فالإشارةُ إلى ذلك الوعد. قال المبرّد: المعنى: هذا القرآنُ ذلك الكتابُ الذي كنتُم تستفتحون به على الذين كفروا. وقيل: [إنَّ الإشارةً] إلى حروف المعجم في قول مَن قال: ((الم)) الحروفُ التي تَحَدَّيْتُكُمْ بِالنَّظْمِ منها(١). و((الكتابُ)) مصدر مِن: كَتَبَ يَكْتُبُ: إذا جمع، ومنه قيل: كَتِيبة، لاجتماعها. وتَكَتَّبَتِ الخيلُ: صارت كتائب(٢). وكتَبْتُ البغلةَ: إذا جمعتَ بين شُفْرَيْ رَحِمِها بحلْقة أو سَيْر، قال: (١) تفسير الماوردي ٤٤٨/١، وابن عطية ٨٣/١، ومعاني القرآن للنحاس ٧٨/١، وما بين حاصرتين من تفسير ابن عطية. (٢) وفي الصحاح واللسان: تكتَّبت الخيل، أي: تجمعت. ٢٤٥ سورة البقرة : الآية ٢ لا تَأُمَنَنَّ فَزارِيًّا حَلَلْتَ به على قَلُوصِكَ واكْتُبْها بأَسْيار (١) والكُتْبَةُ، بضم الكاف: الخُرْزَةُ، والجمع كُتَبٌ. والكَتْبُ: الخَرْز. قال ذو الرُّمَّة (٢): وَقْرَاءَ غَرْفِيَّةٍ أَثْأَى خَوارِزُها مُشَلْشَلٌ ضَيَّعَتْهُ بينَها الكُتَبُ (٣) والكتاب: هو خَظُّ الكاتبِ حروف المعجم، مجموعةً، أو متفرِّقةً، وسُمِّي كتاباً، وإنْ كان مكتوباً، كما قال الشاعر(٤): تُوهِّلُ رَجْعةٌ مِنِّي وفيها كتابٌ مثلَ ما لَصِقَ الغِراءُ والكتاب: الفَرْضُ، والحُكْمُ، والقَدَرُ. قال الجَعْدِي(٥): يا ابنةَ عَمِّي كتابُ الله أخرجَني عنكُمْ وهَلْ أَمْنَعَنَّ الله ما فَعَلا قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ﴾: نفيٌّ عام، ولذلك نُصِبَ الرَّيْب به. وفي ((الرَّيْب)) ثلاثةُ معانٍ : أحدُها : الشَّكّ، قال عبد الله بنُ الزِّبَعْرَى(٦): ليس في الحقِّ يا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ إنَّما الرَّيْبُ ما يقولُ الجَهُولُ(٧) (١) قائله سالم بن دارة، والبيت في الشعر والشعراء ١/ ٤٠١، والكامل ٩٨٨/٢، والخزانة ٥٣١/٦. ووقع في اللسان (كتب): على بعيرك، بدل: على قَلُوصك، والقَلُوص: الشابَّة من الإبل. (٢) غَيْلان بنُ عُقبةَ بنِ بُهَيْس، والبيت في ديوانه ١/ ١١ (بشرح أبي نصر الباهلي). (٣) قوله: وفراء: أي: واسعة، وغَرْفيَّة، أي: دُبغت بالغَرْف، وهو شجر، وأَتْأَى خوارزُها؛ الثأيُّ: أن تلتقيَ الخُرْزَتان فتصيرا واحدة، والمشلشل: الذي يكاد يتصل قطره. قاله أبو نصر الباهلي صاحب الأصمعي، وقال البغدادي في الخزانة ٢/ ٣٤٢: الخوارز: فاعل أثأى، وهو جمع خارزة، وهي التي تخيط المزادة. (٤) هو مسلم بن معبد الوالبي، والبيت في تفسير الطبري ٩٣/١، وخزانة الأدب ٣٠٩/٢. (٥) هو النابغة الجَعْدي، أبو ليلى، قيل: اسمُه حيَّان بنُ قيس، عاش إلى حدود سنة (٧٠هـ). سير أعلام النبلاء ١٧٧/٣. والبيت في ((شعر النابغة الجعدي)) ص ١٩٤، وفيه: كرهاً بدل: عنكم. (٦) ابن قيس بن سعد، القرشي السهمي، كان من أشد الناس على رسول الله وَ﴿ وأصحابه، بلسانه ونفسه، ثم أسلم عام الفتح، وحسن إسلامه، واعتذر إلى رسول الله صل*، فقبل عذره. الاستيعاب ٦/ ١٨٠ (بهامش الإصابة). (٧) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١/ ٦٧. ٢٤٦ سورة البقرة : الآية ٢ وثانيها: التُّهَمَة، قالَ جَميل(١): فقلتُ كِلانا يا بُثَيْنَ مُرِيبُ بُثَينةُ قالَتْ يا جَميلُ أَرَبْتَني وثالثها : الحاجة، قال: وخَيْبَرَ ثمَّ أجْمَمْنَا (٢) السُّيُوفا(٣). قَضَیْنا من تِهامَةً كُلَّ رَئْبٍ فكتابُ الله تعالى لا شكَّ فيه، ولا ارتيابَ، والمعنى: أنه في ذاته حقٌّ، وأنه مُنزلٌ من عند الله، وصفةٌ من صفاته، غيرُ مخلوق ولا مُحْدَثٍ، وإنْ وَقَعَ رَيْبٌ للكفَّار. وقيل: هو خبرٌ، ومعناه النَّهْيُ، أي: لا تَرْتَابُوا(٤)، وتمَّ الكلام، كأنَّه قال: ذلك الكتابُ حقًّا. وتقولُ: رابَنِي هذا الأمرُ إذا أدخلَ عليكَ شَكًا وخَوْفاً. وأرابَ: صارَ ذا رِيبة، فهو مُرِيبٌ، ورَابَنِي أمُرُه. ورَيْبُ الدهر: صُرُوفُه(٥). قوله تعالى: ﴿فِهِ هُدًى لِلْنَّقِينَ﴾: فیه ستُّ مسائل : الأولى: قوله تعالى: ((فيه)) الهاء في ((فيه)) في موضع خفضٍ بـ(في))، وفيه خمسةُ أوجه: أجودُها: فيهِ هُدّى. ويليه: فيهُ هُدّى، بضم الهاء بغير واو، وهي قراءةُ الزُّهْرِيِّ، وسلام أبي المنذر(٦). ويليه: فيهِي هُدّى، بإثبات الياء، وهي قراءةُ ابنِ كثير (٧). ويجوزُ: فيهُو هُدّى، بالواو(٨). ويجوز: فيهْ هُدّى، مُدْغماً(٩). (١) ابن عبد الله بن معمر، أبو عمرو العذري، صاحب بُثَيْنة، يقال: مات سنة (٨٢هـ)، وقيل: بل عاش حتى وفد على عمر بن عبد العزيز. سير أعلام النبلاء ١٨١/٤ والبيت المذكور في ((ديوانه)) ص ٢٩. (٢) في (م): أجمعنا. (٣) قائله كعب بن مالك، كما في اللسان والصحاح (ريب). (٤) المحرر الوجيز ٨٣/١. (٥) مجمل اللغة (ريب) ٤٠٨/١. (٦) ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢ لمسلم بن جندب. وسلام أبو المنذر هو ابن سليمان المزني مولاهم، البصري، المقرئ، النحوي، ويعرف بالخراساني. توفي سنة (١٧١ هـ) معرفة القراء الكبار ١/ ٢٧٧. (٧) يعني حالة الوصل، أما عند الوقف فيقف بالهاء الساكنة. السبعة ص ١٣٠، والتيسير ص ٢٩. (٨) قراءة شاذة، ولم نقف عليها إلا عند النحاس حيث نقل عنه المصنف. (٩) قاله النحاس في إعراب القرآن ١٧٩/١. والإدغام المذكور أعلاه هو مذهب أبي عمرو بن العلاء من رواية السوسي. التيسير ص ٢٠. % ٢٤٧ سورة البقرة : الآية ٢ وارتفع ((هدى)) على الابتداء، والخبر: ((فیه)). والهُدَى في كلام العرب معناه الرُّشْد والبيان، أي: فيه كشفٌ لأهل المعرفة، ورُشْدٌ، وزيادةُ بيانٍ وَهُدَى. الثانية: الهُدَى هُديان: هُدَى دَلالة، وهو الذي تقدرُ عليه الرُّسل وأتباعُهم، قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فأثبتَ لهم الهدى الذي معناه الدَّلالةُ، والدعوةُ، والتنبيه، وتفرَّدَ هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييدُ والتوفيق، فقال لِنبيِّه وَلِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبَتَ﴾ [القصص: ٥٦]. فالهُدى على هذا يجيء بمعنى خَلْق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَ هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وقوله: ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [يونس: ٢٥]. والهُدَى: الاهتداء، ومعناها(١) راجعٌ إلى معنى الإرشاد كيفما تصرَّفت. قال أبو المعالي: وقد تَرِدُ الهدايةُ، والمرادُ بها: إرشادُ المؤمنين إلى مسالك الجِنان، والطرقِ المُفْضِيةِ إليها، من ذلك قولُه تعالى في صفة المجاهدين: ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ ، سَيِّهْدِيهِمْ﴾ [محمد: ٥٤]، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَهْدُوهُمْ إِلَ صِرَّطِ الْجَحِ﴾ [الصافات: ٢٣] معناه: فاسلُكُوهم إليها(٢). الثالثة: الهدى لفظ مؤنَّث. قال الفرَّاء: بعضُ بني أسد يُؤْنِّثُ الهُدى، فيقول: هذه هُدَى حسنة(٣). وقال اللحياني: هو مذكَّر، ولم يُعرب، لأنه مقصورٌ، والألِفُ لا تتحرَّك، ويتعدَّى بحرف، وبغير حرف، وقد مضى في ((الفاتحة))(٤)، تقول: هدَيْتُه الطريقَ وإلى الطريق، والدارَ وإلى الدار، أي: عَرَّفْتُه. الأولى لغةُ أهلِ الحجاز، والثانيةُ حكاها الأخفش(٥). وفي التنزيل: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى حَدَنْنَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. (١) في (م): ومعناه. (٢) سيذكره المصنف أيضاً في سورة محمد عند تفسير الآية المذكورة. (٣) نقله عنه النحاس في إعراب القرآن ١/ ١٨٠، ونقله ابن منظور في اللسان (هدى) عن الكسائي. (٤) ص ٢٢٨. (٥) في معاني القرآن ١٦٤/١. ٢٤٨ سورة البقرة : الآية ٢ وقيل: إن الهُدَى اسمٌ من أسماء النهار(١)؛ لأن الناسَ يهتدون فيه لمعايشهم وجميع مآرِبِهم، ومنه قولُ ابن مُقْبِل(٢) : يَخْشَعْنَ في الآلِ غُلْفاً أو يُصَلِّينا](٣) [حتى اسْتَبَنْتُ الهُدَى والچِیدُ هاجمةٌ الرابعة: قولُه تعالى: ﴿لِلْمُنَّقِينَ﴾: خَصَّ الله تعالى المتقين بهدايته وإن كان هدّى للخلق أجمعين تشريفاً لهم؛ لأنهم آمنُوا وصدَّقُوا بما فيه. ورُوِيَ عن أبي رَوْقٍ(٤) أنه قال: ((هدّى للمتقين)) أي: كرامةً لهم، يعني إنما أضافَ إليهم إجلالاً لهم، وكرامةً لهم، وبياناً لفضلهم. وأصل (للمتقين)): للمُوتَقِين، بياءَيْنِ مخفَّفتين، حُذفت الكسرةُ من الياء الأولى لِثقلها، ثم حُذفت الياءُ لالتقاء الساكنين، وأُبدلت الواوُ تاءً على أصلهم في اجتماعِ الواو والتاء، وأدغمت التاء في التاء، فصار: للمثَّقين(٥). الخامسة: التقوى، يقال: أصلُها في اللغة قِلَّهُ الكلام، حكاه ابنُ فارس(٦). قلت(٧): ومنه الحديث: ((التقِيُّ(٨) مُلْجَم (٩))). (١) في المخصص ١٧/١٧: فأما الهدى الذي هو النهار، فمذكر، كقول ابن مقبل: حتى استنبتُ الهدى. (٢) هو تميمُ بنُ أُبَيِّ بن مُقْبِل من بني العجلان، أدرك الإسلام فأسلم، وبلغ مئة وعشرين سنة، ذكره ابن سلَّام في الطبقة الخامسة من فحول الشعراء ١٤٣/١، وقد سقط من النسخ البيتُ المذكور له أعلاه بين حاصرتين، وأشير إلى ذلك في (د) و(ز) بلفظة: كذا، وهو في البحر ٣٣/١، واللسان (هجم) و(هدى) و(قمس) وفي الموضع الأخیر: یقمسن، بدل: يخشعن. (٣) قوله: البِيد، جمع بيداء، وهي المفازة، وقوله: هاجمة، أي: ساكنة. وقوله: الآل، أي: السراب، أو هو خاص بما في أول النهار وآخره. (٤) عطية بن الحارث الهمداني، الكوفي، صاحب التفسير. تهذيب التهذيب ١١٤/٣. (٥) تفسير أبي الليث ١/ ٩٠، والمحرر الوجيز ٨٤/١. (٦) في مجمل اللغة ١٤٩/١. وابن فارس: هو أحمد بن فارس بن زكريا، أبو الحسين القزويني المالكي، اللغوي، المحدث، توفي سنة (٣٩٥هـ). السير ١٧/ ١٠٣. (٧) في (ز) و(د): قال الشيخ المؤلف رحمه الله. (٨) في (د): المتقي. (٩) هو من كلام عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٣٧٤/٥، وأبو نعيم في الحلية ٣٣٩/٥ بلفظ: إن المتقي ملجم. والبيهقي في شعب الإيمان (٥٧٨٨)، وفي = ٢٤٩ سورة البقرة : الآية ٢ والمثَّقي فوق المؤمن والطائع، وهو الذي يتَّقي بصالح عملِه وخالصٍ دعائه عذابَ الله تعالى، مأخوذٌ من اتِّقاء المكروه بما تجعله حاجزاً بينَكَ وبينَه، كما قال النابغة : سَقَطَ النَّصِيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَه فتناولَتْه واتَّقَتْنا باليدِ (١) وقال آخرُ (٢): فألقَتْ قِناعاً دونَّه الشمسُ واتَّقَتْ بأحسنٍ مَوْصُولَيْنِ كَفِّ ومِعْصَمٍ وخرَّج أبو محمد عبدُ الغني الحافظ من حديث سعيد بن زَرْبِيّ أبي عُبَيْدة، عنِ عاصم بن بَهْدَلَة، عن زِرِّ بنِ حُبَيْش، عن ابن مسعود قال: قال يوماً لابن أخيه: يا ابنَ أخي ترى الناسَ ما أكثرهم! قال: نعم، قال: لا خيرَ فيهم إلا تائبٌ أو تقيٍّ. ثم قال: يا ابنَ أخي، تَرى الناسَ ما أكثرَهم! قلتُ: بلى، قال: لا خيرَ فيهم إلا عالمٌ أو متعلّم. وقال أبو يزيد البِسْطامي(٣): المُتَّقي مَن إذا قال، قال له، ومَن إذا عَمِلَ، عملَ لله. وقال أبو سليمان الدَّاراني(٤): المُثَّقون الذين نزعَ الله عن قلوبهم حُبَّ الشهوات(٥). وقيل: المتَّقي الذي اتَّقى الشِّركَ، وبَرِئَ من النِّفاق. قال ابنُ عطية: وهذا فاسدٌ؛ لأنه قد يكون كذلك وهو فاسقٌ (٦). = الزهد الكبير (٩٢٩) ولفظه في الزهد: التقى ملجمة. وقال ابن عبد البر في التمهيد ٢٨٩/٢١: وفي المثل السائر: التقي مُلْجَم، وذكره القاسم بن سلام في الأمثال ص ٤٠، والبكري في فصل المقال ص ٢٢ والميداني في مجمع الأمثال ١٣٩/١. (١) ديوانه ص ٤٠. قوله: النصيف؛ المراد به هنا الخمار، أو ثوب تتجلَّلُ به المرأة فوق ثيابها. ينظر ((معجم متن اللغة)). (٢) هو أبو حية النميري، والبيت المذكور في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٣٦٩/٣. (٣) طَيْفور بنُ عيسى بن شَرْوَسَان، أحد الزهاد. توفي سنة (٢٦١هـ). السير ٨٦/١٣. (٤) عبد الرحمن بن أحمد، الزاهد، توفي سنة (٢١٥هـ)، وقيل: (٢٠٥هـ). السير ١٨٢/١٠. (٥) أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٩٢٢). (٦) قاله الماوردي في تفسيره ٦٨/١. ٢٥٠ سورة البقرة : الآية ٢ وسألَ عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه أُبَيًّا عن التقوى، فقال: هل أخذتَ طريقاً ذا شَوْك؟ قال: نعم، قال: فما عَمِلتَ فيه؟ قال: شمَّرتُ(١) وحَذِرْتُ، قال: فذاك التقوى(٢). وأخذ هذا المعنى ابنُ المُعْتَزّ(٣) فَنَظَمَه: وكبيرَها ذاك الثُّقَى خَلِّ الذنوبَ صَغيرَها ضِ الشَّوْكِ يَخْذَرُ ما يَرَى(٤) واصْنَعْ كماشٍ فوقَ أرْ إنَّ الجبالَ من الحَصَى لا تَخْقِرَنَّ صغيرةً السادسة: التقوى فيها جِماعُ الخيرِ كلِّه، وهي وصيةُ الله في الأوَّلينَ والآخِرِينَ، وهي خيرُ ما يستفيدُه الإنسان، كما قال أبو الدرداء وقد قيل له: إن أصحابَك يقولون الشّعْرَ وأنت ما حُفِظَ عنك شيءٌ، فقال: ويأبى الله إلا ما أرَادا يُريدُ المرء أن يُؤْتَى مُناهُ وتقوى الله أفضلُ ما اسْتَفادا(٥) يقولُ المرءُ فائدتي ومالي وروى ابنُ ماجه في ((سننه)) عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ وَّر أنه كان يقول: ((ما استفادَ المرءُ(٦) بعد تقوى الله خيراً (٧) له من زَوْجةٍ صالحةٍ، إنْ أمَرَها أطاعَتْه، وإنْ نَظَرَ إليها سَرَّتْه، وإِنْ أَقْسَمَ عليها أبَرَّتْه، وإنْ غابَ عنها نَصَحَتْهُ في نفسِها ومالِه))(٨). والأصل في التقوى: وَقْوَى، على وزن فَعْلَى، فقُلبت الواو تاءً، من: وَقَيْتُه أقِيه، (١) في (م): تشمَّرتُ. (٢) أخرج نحوه ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى كما في الدر المنثور ٢٤/١، والبيهقي في الزهد الكبير (٩٦٣) من قول أبي هريرة لرجل سأله عن التقوى. (٣) عبد الله بن المعتزّ بن المتوكّل بن المعتصم بن هارون الرشيد، أبو العباس، الأديب الشاعر، أخذ الأدب عن المبرّد وثعلب وغيرهما، له من التصانيف: الزهر والرياض وطبقات الشعراء وغيرها، توفّي سنة (٢٩٦ هـ). ((وفيات الأعيان)) ٧٦/٣ والأبيات المذكورة في ديوانه ص ٢٦. (٤) في الديوان: ضِ الشَّوْكِ يحذرُ ما يَرَى كن فوق ماشٍ فوق أز (٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢٢٥/١، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ٢٣١/١١ (بهامش الإصابة). (٦) في (م): المؤمن. (٧) في النسخ: خيرٌ، والمثبت من (م). (٨) سنن ابن ماجه (١٨٥٧)، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. ٢٥١ سورة البقرة : الآية ٣ أي: منعتُه، ورجلٌ تقيٍّ، أي: خائف، أصله: وَقيّ، وكذلك: تُقاة، كانت في الأصل: وُقاة، كما قالوا: تُجاه وتُراث، والأصل: وُجاه ووُراث. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ فيها ستٌّ وعشرون مسألة: الأولى: قولُه: ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع خَفْض نَعْت ﴿لِلْمُنَّقِينَ﴾، ويجوز الرفعُ على القطع، أي: هم الذين، ويجوزُ النصبُ على المدح. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدِّقون. والإيمانُ في اللغة: التصديق، وفي التنزيل: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: بمصدِّق، ويتعدَّى بالباء واللام، كما قال: ﴿وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَى﴾ [يونس: ٨٣]. ورَوَى حجَّاجُ بنُ حجَّاج الأحول(١) - ويلقّب بزِقِّ العَسَل - قال: سمعتُ قتادة يقول: يا ابْنَ آدم، إنْ كنتَ لا تريدُ أن تأتيَ الخيرَ إلا عن نشاطٍ، فإن نفسَك مائلةٌ إلى السَّمَةِ والفَتْرَةِ والمَلَّةِ، ولكنّ المؤمنَ هو المُتحامل، والمؤمن هو المُتقوِّي، والمؤمنُ هو المُتشدِّد، وإن المؤمنين هم العجَّاجون(٢) إلى الله الليلَ والنهارَ، واللهِ، ما يزالُ المؤمنُ يقول: ربَّنا ربَّنا في السِّرِّ والعلانيةِ حتى استجابَ لهم في السرِّ والعلانية(٣). الثانية: قولُه تعالى: ﴿يَاَلْغيّبٍ﴾؛ الغيبُ في كلام العرب: كلُّ ما غاب عنك، وهو من ذوات الياء، يقال منه: غابت الشمسُ تَغيب، والغِيبةُ معروفةٌ. وأغابت المرأةُ، فهي مُغِيبة إذا غاب عنها زوجُها: ووقَعنا في غَيْبة وغَيابة، أي: هَبْطة من الأرض، والغابةُ(٤): الأَجَمة، وهي جِماعُ الشجر يُغابُ فيها، ويُسمَّى المطمئنُّ من الأرض: الْغَيْبَ؛ لأنهُ غابَ عن البصر. (١) الباهلي، البصري، الحافظ، وثقه أبو حاتم وغيره، توفي سنة (١٣١هـ). السير ٦/ ١٥١ و٧٦/٧. (٢) في (ظ): العاجون. (٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣٣٦٣٣٥/٢. وقوله: المتحامل: من تحاملت الشيء، إذا تكلفتَه على مشقة. النهاية ١/ ٤٤٣. والعجَّاجون: من العجّ، وهو رفع الصوت بالتلبية. النهاية ٣/ ١٨٤. (٤) في النسخ و(م): الغيابة، والمثبت من مجمل اللغة ٦٨٨/٣، والكلام منه. ٢٥٢ سورة البقرة : الآية ٣ الثالثة: واختلفَ المفسرون في تأويل الغَيْب هنا، فقالت فرقةٌ: الغَيْبُ في هذه الآية: الله سبحانه. وضَعَّفه ابنُ العربي(١). وقال آخرون: القضاء والقَدَر. وقال آخرون: القرآنُ وما فيه من الغُيوب. وقال آخرون: الغَيْبُ كلُّ ما أخبَرَ به الرسولُ وَّيه مما لا تَهتدي إليه العقولُ؛ من أشراطِ الساعة، وعذابِ القبر، والحشر، والنَّشر، والصِّراط، والميزان، والجنة، والنار. قال ابنُ عطية(٢): وهذه الأقوالُ لا تتعارضُ، بل يقعُ الغيبُ على جميعها. قلت: وهذا هو الإيمانُ الشرعيُّ المشارُ إليه في حديث جبريل عليه السلام حین قال للنبيِّ ◌َّهِ: فأخْبِرْني عن الإيمان. قال: ((أنْ تُؤمنَ بالله وملائكته وكُتبهِ ورُسُلِه واليومِ الآخِر، وتُؤْمنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)). قال: صَدَقْتَ. وذكر الحديث(٣). وقال عبدُ الله بنُ مسعود: ما آمنَ مؤمنٌ أفضلَ من إيمانٍ بغيب، ثم قرأ: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ﴾ (٤). قلت: وفي التنزيل: ﴿وَمَا كُنَّا غَيِينَ﴾ [الأعراف: ٧]، وقال: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبٍ﴾ [الأنبياء: ٤٩]، فهو سبحانه غائبٌ عن الأبصار، غيرُ مَرْئيٍّ في هذه الدار، غيرُ غائبٍ بالنظرِ والاستدلالِ، فهم يؤمنون أنَّ لهم ربًّا قادراً يُجازي على الأعمال، فهم يخشَوْنه في سرائرهم وخَلَواتهم التي يَغيبون فيها عن الناس، لِعلمهم باطلاعه عليهم، وعلى هذا تتَّفقُ الآي ولا تتعارض، والحمدُ لله. وقيل: ((بالغيب)) أي: بضمائرهم وقلوبهم بخلافِ المنافقين، وهذا قولٌ حسَنّ. وقال الشاعر(٥): يُصَلُّون للأوثان قَبْلَ(٧) محمدٍ وبالغيب آمنًّا(٦) وقد كان قَوْمُنا (١) في أحكام القرآن ١/ ٨. (٢) المحرر الوجيز ٨٤/١. (٣) أخرجه أحمد في المسند (٣٦٧)، ومسلم (٨) من حديث عمر بن الخطاب، وقد سلفت قطعة منه ص ١٩٣. وأخرج نحوه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة. (٤) سلف ص ٢٣٨. (٥) هو العباس بن مرداس، والبيت المذكور في «ديوانه)) ص ٥٦. (٦) في الديوان: ومن قبل آمنا. (٧) في (ظ): غير. ٢٥٣ سورة البقرة : الآية ٣ الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَيُعِمُونَ الصَّلَوَةَ﴾ معطوف جملة على جملة. وإقامةٌ الصلاة: أداؤها بأركانها وسننِها وهيئاتِها في أوقاتها، على ما يأتي بيانُه. يقال: قامَ الشيءُ، أي: دامَ وثبتَ، وليسَ من القيام على الرِّجْل، وإنما هو من قولك: قام الحقُّ، أي: ظهرَ وثَبَتَ، قال الشاعر: وقامت الحربُ بنا على ساق(١) وقال آخرُ : حتى تُقيمَ الخيلُ سُوقَ طِعانٍ(٢) وإذا يقالُ أتيتُمُ لم يَبْرَحُوا وقيل: ((يُقيمون)): يُديمون، وأَقامَهُ، أي: أَدامَهُ(٣)، وإلى هذا المعنى أشارَ عمرُ بقوله: مَنْ حَفِظَها وحافظَ عليها، حَفِظَ دِينَه، ومَنْ ضَيَّعَها، فهو لما سَواها أضْيعُ(٤). الخامسة: إقامةُ الصلاة معروفةٌ، وهي سُنَّةٌ عند الجمهور، وأنه لا إعادةً على تاركها. وعند الأوزاعيِّ، وعطاء، ومجاهد، وابن أبي ليلى(٥) هي واجبةٌ، وعلى مَنْ تَرَكَها الإعادةُ، وبه قال أهلُ الظاهر(٦)، ورُويَ عن مالك، واختارَهُ ابنُ العربي(٧) قال: لأنَّ في حديث الأعرابي: ((وأقم)) فأمرَه بالإقامةِ كما أمرَهُ بالتكبيرِ، والاستقبالِ، والوضوء. قال: فأما أنتُم الآن وقد وقفتُم على الحديث، فقد تَعيَّن عليكم أن تقولوا بإحدى روايتي مالك الموافقةٍ للحديث، وهي أنَّ الإقامةَ فرضٌ. (١) ذكره الطبري في تفسيره ١٨٧/٢٣، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٤١/٨ وسيذكره المصنف أيضاً فى تفسير الآية (٢٩) من سورة القيامة. (٢) ذكره ابن عطية في تفسيره ١/ ٨٥. (٣) في (ظ): وإقامة، أي: إدامة. (٤) أخرجه مالك في الموطأ ٦/١، وعبد الرزاق في المصنف (٢٠٣٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٩٣/١، والبيهقي في السنن الكبرى ٤٤٥/١، وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٦٨/٥. وابن العربي في أحكام القرآن ١/ ١٠. (٥) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو عيسى الأنصاري، الكوفي، الفقيه، قتل بوقعة الجماجم سنة (٨٣هـ). السير ٢٦٢/٤. (٦) ينظر التمهيد ٣١٩٣١٨/١٨، والاستذكار ٥٠/٤. (٧) عارضة الأحوذي ٩٩/٢ في شرح حديث الأعرابي عند الترمذي (٣٠٢) من حديث رفاعة بن رافع الزرقي، وسيشير إليه المصنف ص ٢٦٢. ٢٥٤ سورة البقرة : الآية ٣ قال ابنُ عبد البَرِّ: قوله وَّهِ: (وتَحريمُها التَّكبيرُ(١)» دليلٌ على أنه لم يَدْخُلْ في الصلاة مَنْ لم يُخْرِمْ، فما كانَ قبلَ الإحرام فَحكمُه ألا تُعادَ منه الصلاةُ، إلا أنْ يُجمِعوا على شيء، فيسلّم للإجماع، كالطهارة، والقِبْلَةِ، والوقت، ونحو ذلك(٢). وقال بعضُ علمائنا: مَنْ تَرَكَها عَمْداً أعادَ الصلاةَ، وليسَ ذلكَ لِوجُوبها، إذْ لو كانَ ذلك، لاستوى سَهْوُها وعَمْدُها، وإنما ذلك للاستخفافِ بالسُّنن، والله أعلم. السادسة: واختلفَ العلماءُ فيمن سَمِعَ الإقامةً، هل يُسرِعُ أَوْ لا؟ فذهبَ الأكثرُ إلى أنه لا يُسْرِعُ، وإنْ خافَ فَوْتَ الركعة؛ لقوله عليه السلام: ((إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ، فلا تَأْتُوها تَسْعَوْنَ، وأُتُوها تَمِشُون، وعليكم السَّكِينَةَ، فما أَدْرَكتُمْ فَصَلُّوا، وما فاتّكم فَأَتِّمُوا)) رواه أبو هريرةَ، أخرجه مسلم(٣). وعنه أيضاً قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((إذا تُوِّبَ بالصَّلاةِ، فلا يَسْعَ إليها أحدُكم، ولكنْ لِيَمْشِ وعليه السَّكِينةُ والوَقارُ، صَلِّ ما أَدْرَكْتَ، واقْضٍ ما سَبَقَكَ)) (٤). وهذا نَصِّ. ومن جهة المعنى: أنه إذا أسرعَ، انبهرَ(٥)، فشوَّشَ عليه دخولَه في الصلاة وقراءتَها وخشوعَها. وذهب جماعةٌ من السَّلف منهم ابنُ عمر وابنُ مسعود - على اختلافٍ عنه - أنه إذا خافَ فواتَها، أَسْرعَ. وقال إسحاقُ: يُسرِعُ إذا خاف فواتَ الركعة، ورُوِيَ عن مالكِ نحوه، وقال: لا بأسَ لمن كان على فَرَس أَنْ يُحَرِّكَ الفرسَ (٦)، وتأوَّله بعضُهم على الفرقِ بين الماشي والراكب؛ لأنَّ الراكبَ لا يكادُ أَنْ يَنْبِهِرَ كما يَنْبَهِرُ الماشي. (١) قطعة من حديث علي رضي الله عنه، سیذكره المصنف ص ٢٦٨. (٢) التمهيد ٣١٨/١٨ -٣١٩. (٣) (٦٠٢)، وهو في مسند أحمد (٧٦٦٢). (٤) أخرجه أحمد في المسند (٩٥١٤)، ومسلم (٦٠٢): (١٥٤). (٥) أي: تتابع نَّفَسُه. الصحاح (بهر). (٦) ذكر هذه الأقوال ابن المنذر في الأوسط ١٤٦/٤ -١٤٧، وابن عبد البر في التمهيد ٢٣٢/٢٠-٢٣٣، والاستذكار ٣٨٣٦/٤. وقول إسحاق عندهما: إذا خاف فوات التكبيرة الأولى فلا بأس أن يسعى. ٢٥٥ سورة البقرة : الآية ٣ قلتُ: واستعمالُ سنةٍ رسول الله ◌ِوَلّ في كلِّ حال أَوْلى، فيمشي كما جاء في(١) الحديث: (وعليه السكينةُ والوَقارُ))، لأنه في صلاة، ومُحالٌ أنْ يكونَ خبرُه ◌َ لِّ على خِلافٍ ما أَخبر، فكما أنَّ الداخلَ في الصلاة يَلْزَمُ(٢) الوَقَارَ والسُّكونَ، كذلك الماشي، حتى يحصُلَ له التَّشَبُّهُ به، فيحصُلَ له ثوابُه. ومما يَدُلُّ على صحة هذا ما ذكرناه من السنَّة، وما خرَّجه الدَّارِمِيُّ في ((مسنده» قال: حدثنا محمدُ بنُ يوسفَ قال: حدثنا سفيانُ، عن محمدٍ بن عَجْلانَ، عن المَقْبُرِيِّ، عن كعب بنِ عُجْرَةَ قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إذا تَوضَّأْتَ، فَعَمَدْتَ إلى المسجدِ، فلا تُشَبِّكَنَّ بين أصابِعِكَ، فإنَّكَ في صلاةٍ (٣)). فمنعَ بَّ في هذا الحديث - وهو صحيحٌ - مما هو أَقلُّ من الإسْراعِ، وجَعَلَهُ كالمصلِّي. وهذه السُّنَنُ تِبَيِّنُ معنى قولِهِ تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وأنه ليس المرادُ به الاشتدادَ على الأقْدام، وإنما عَنَى العملَ والفِعْلَ، هكذا فسَّره مالكٌ. وهو الصوابُ في ذلك، والله أعلم. السابعة: واختلفَ العلماءُ في تأويل قوله عليه السلام: ((وما فاتَكُم فأَتِمُّوا)) وقولِه: ((واقْضٍ ما سَبَقَكَ))، هل هما بمعنّى واحدٍ، أوْ لا؟ فقيل: هما بمعنّى واحدٍ، وأنَّ القضاءَ قد يُطلَقُ، ويُرادُ به الثَّمامُ، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَةُ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مََّاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقيل: معناهما مُختلِفٌ، وهو الصحيح. ويَتَرتَّبُ على هذا الخلافِ خِلافٌ فيما يُدرِكُه الداخلُ: هل هو أوَّلُ صلاتِه، أو آخِرُها؟ فذهبَ إلى الأوَّلِ جماعةٌ من أصحابٍ مالك - منهم ابنُ القاسم - ولكنَّه يَقْضي ما فاتَّه بالحمد وسورة، فيكون بانياً في الأفعال، قاضِياً في الأقوال. قال ابنُ عبد البر (٤). (١) لفظ: في، من (ظ). (٢) في النسخ الخطية: لزم، والمثبت من (م). (٣) سنن الدارمي (١٤٠٥)، وهو في مسند أحمد (١٨١١٥) من طريق قُرَّان بن تمَّام الأسدي، عن محمد بن عجلان، به. (٤) في التمهيد ٢٣٤/٢٠ -٢٣٦، والاستذكار ٤٠/٤ - ٤٣، والكلام منهما حتى آخر المسألة، دون قول القاضي عبد الوهاب. ٢٥٦ سورة البقرة : الآية ٣ وهو المشهورُ من المذهب. وقال ابنُ خُوَيزْ مَنْداد(١): وهو الذي عليه أصحابُنا، وهو قولُ الأوزاعيِّ، والشافعيِّ، ومحمدِ بنِ الحسن، وأحمد بن حنبل، والطبريِّ، وداودَ بنِ عليٍّ. وروى أشھَبُ - وهو الذي ذكره ابنُ عبد الحكم عن مالكٍ، ورواه عيسى(٢)، عن ابن القاسم - عن مالك: أنَّ ما أدركَ فهو آخِرُ صلاته، وأنه يكونُ قاضياً في الأفعال والأقوال، وهو قولُ الكوفيين. قال القاضي أبو محمد عبدُ الوهّاب(٣): وهو مشهورُ مذهب مالك. قال ابنُ عبد البَرِّ: مَنْ جعلَ ما أدركَ أوَّلَ صلاتِه، فأظنُّهم راعَوُا الإحرامَ؛ لأنه لا يكونُ إلا في أَوَّلِ الصلاة، والتشهدُ والتسليمُ لا يكونُ إلا في آخرِها، فَمِنْ هاهنا قالوا: إنَّ ما أدركَ فهو أوَّلُ صلاتِه، مع ما وردَ في ذلك من السنَّة من قوله: ((فَأَتِمُّوا)) والتَّمامُ هو الآخِرُ. واحتجَّ الآخَرون بقوله: ((فَاقْضُوا)) والذي يَقضيه هو الفائتُ، إلا أنَّ روايةَ مَنْ روى ((فَأَتِمُوا)) أكثرُ، وليس يستقيمُ على قولٍ مَنْ قال: إنَّ ما أدركَ أَوَّلُ صلاته، ويَظَّرِدُ، إلا ما قاله عبدُ العزيز بن أبي سَلَمَةَ الماحِشُون(٤)، والمُزَنِيّ(٥)، وإسحاقُ، وداودُ، مِنْ أنه يقرأُ مع الإمام بالحمد وسورةٍ، إنْ أدركَ ذلك معه، وإذا قام للقضاء، قرأَ بالحمد وحدَها، فهؤلاء اطَّدَ على أصلِهم قولُهم وفِعْلُهم، رضي الله عنهم. الثامنة: الإقامةُ تَمنَعُ من ابتداءِ صلاةٍ نافلة، قال رسول الله وَله: ((إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ، فلا صلاةَ إلا المكتوبةُ)) خرَّجه مسلمٌ وغيره (٦)، فأما إذا شَرَعَ في نافلةٍ، فلا (١) في (د) و(ز): خواز منداد، وفي (ظ): حوار بنداد، والمثبت من (م)، وسلف ذكره ص ١٨٠. (٢) ابن دينار، أبو محمد الغافقي، القرطبي، فقيه الأندلس ومفتيها، لزم عبد الرحمن بن القاسم العتقي مدة، وعوَّل عليه، توفي سنة (٢١٢هـ). السير ٤٣٩/١٠. (٣) ابن علي بن نصر التغلبي العراقي، شيخ المالكية، له كتاب التلقين والمعرفة وغير ذلك. توفي سنة (٤٢٢هـ). السير ٤٢٩/١٧. (٤) عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، أبو عبد الله، التيمي مولاهم، المدني. توفي سنة (١٦٤هـ). وقيل: (١٦٦ هـ). السير ٣٠٩/٧. (٥) إسماعيل بن يحيى، أبو إبراهيم، المصري، تلميذ الإمام الشافعي، صاحب المختصر، قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي، توفي سنة (٢٦٤هـ). السير ٤٩٢/١٢. (٦) صحيح مسلم (٧١٠)، من حديث أبي هريرة. وهو في مسند أحمد (٩٨٧٣). ٢٥٧ سورة البقرة : الآية ٣ يَقْطَعُها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وخاصَّةً إذا صَلَّى ركعةً منها. وقيل: يقطّعُها لعموم الحديث في ذلك. والله أعلم. التاسعة: واختلف العلماءُ فيمن دخَلَ المسجدَ، ولم يكُنْ ركعَ ركعتي الفجر، ثم أُقيمَتِ الصلاةُ. فقال مالكٌ: يدخُلُ مع الإمام ولا يركّعُهما، وإنْ كان لم یدخُلٍ المسجدَ، فإنْ لم يَخَفْ فواتَ ركعة، فَلْيَركَعْ خارجَ المسجد، ولا يركّعُهما في شيءٍ من أَفنيةِ المسجد - التي يُصلَّى(١) فيها الجمعةُ - اللَّصقةِ بالمسجد. وإن خاف أَنْ تفوتَه الركعةُ الأولى، فَلْيدخُلْ ولْيُصَلِّ معه، ثم يُصَلِّيهما(٢) إذا طلعت الشمسُ إنْ أحبَّ، ولأَنْ يُصَلِّيهما إذا طلعتِ الشمسُ أحبُّ إليَّ وأفضلُ مِنْ تَرْكِهما(٣). وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: إنْ خَشِيَ أَنْ تفوتَه الركعتان، ولا يدرك الإمامَ قبلَ رَفْعِه من الركوع في الثانية، دخَلَ معه، وإن رجا أن يُدرِكَ ركعةً، صَلَّى ركعتي الفجر خارجَ المسجد، ثم يدخُلُ مع الإمام. وكذلك قال الأوزاعيُّ، إلا أنه يُجَوِّزُ ركوعَهما في المسجد ما لم يَخَفْ فَوْتَ الركعةِ الأخيرة. وقال الثوري: إِنْ خَشِيَ فَوْتَ ركعة، دَخَلَ معهم ولم يُصَلِّهما، وإلا صلَّهما وإن كان قد دخلَ المسجدَ. وقال الحسنُ بن حَيٍّ - ويقال ابن حَيَّان(٤) -: إذا أخذ المقيمُ في الإقامة، فلا تطوُّعَ إلا ركعتي الفجر. وقال الشافعيُّ: مَنْ دخلَ المسجدَ وقد أُقيمتِ الصَّلاةُ، دخلَ مع الإمام، ولم يَرَكَعْهما، لا خارجَ المسجد ولا في المسجد. وكذلك قال الطبريُّ، وبه قال أحمدُ بنُ حنبل، وحُكي عن مالك، وهو الصحيحُ في ذلك؛ لقوله عليه السلام: ((إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ، فلا صلاةً إلا المكتوبة)). وركعتا الفجر إمَّا سنةٌ، وإمَّا فضيلةٌ، وإمَّا رغيبة، والحُجَّةُ عند التنازع السُّنةُ(٥). (١) في (م): تُصلّى. (٢) في (ظ) في الموضعين: يصليها. (٣) في النسخ: تركها، والمثبت من (م). (٤) هو الحسن بن صالح بن صالح بن حيّ، أبو عبد الله الهَمْداني، الثوري، الكوفي، الفقيه، قال الذهبي: هو من أئمة الإسلام لولا تلبّسه ببدعة، توفي سنة (١٦٩هـ). السير ٣٦١/٧. (٥) في (م): حجة السنة. ٢٥٨ سورة البقرة : الآية ٣ ومن حُجَّةٍ قولٍ مالك المشهور وأبي حنيفةً: ما رُوي عن ابن عمرَ، أنه جاء والإمامُ يُصلِّي صلاةَ الصبح، فصلاهما في حُجرةٍ حفصةَ، ثم إنه صلَّى مع الإمام(١). ومن حُجَّةِ الثَّوريّ والأوزاعيّ ما رُويَ عن عبد الله بن مسعود، أنه دخلَ المسجدَ وقد أُقيمَتِ الصَّلاةُ، فصلَّى إلى أُسْطُوانة في المسجد ركعتي الفجر، ثم دخلَ الصَّلاةَ بمحضَرٍ من حذيفةَ وأبي موسى رضي الله عنهما(٢). قالوا: وإذا جاز أن يشتغل بالنافلة عن المكتوبة خارجَ المسجد، جاز له ذلك في المسجد، روى مسلمٌ عن عبد الله بن مالك بن بُحَيْنَةَ قال: أُقيمَتْ صلاةُ الصبح، فرأى رسولُ اللهِوَ ﴿ رجلاً يُصَلِّي والمؤذِّنُ يقيمُ، فقال: ((أَتُصَلِّي الصُّبحَ أربعاً؟!))(٣). وهذا إنكارٌ منه ◌ِوَ ل﴿ على الرجل لصلاته ركعتَي الفجر في المسجدِ والإمامُ يُصلِّي، ويمكن أن يُسْتَدلَّ به أيضاً على أنَّ ركعتَي الفجر إن وقعَتْ في تلك الحال صَحَّتْ؛ لأنه عليه السلام لم يقطع عليه صلاته مع تمكّنه من ذلك، والله أعلم(٤). العاشرة: الصلاةُ أصلُها في اللغة: الدُّعاءُ، مأخوذةٌ مِن صَلَّى يُصلِّي: إذا دعا، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا دُعيَ أَحَدُكم إلى طعام، فَلْيُجِبْ، فإنْ كان مُفِطِراً، فَلْيَطْعَمْ، وإن كان صائماً، فَلْيُصَلِّ)(٥) أي: فَلْيَدْعُ. وقال بعضُ العلماء: إنَّ المرادَ الصلاةُ(٦) المعروفة، فيُصلِّي ركعتين، وينصرِفُ، والأَوَّلُ أشهرُ، وعليه من العلماء الأكثرُ(٧). (١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٧٥، وابن عبد البر في التمهيد ٧٣/٢٢. (٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٧٤. (٣) صحيح مسلم (٧١١)، وهو في صحيح البخاري أيضاً (٦٦٣). وأخرجه الإمام أحمد (٢١٣٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٤) تنظر الأقوال الواردة في هذه المسألة في التمهيد ٦٨/٢٢-٧٤، والاستذكار ٣٠٤/٥ - ٣٠٧. (٥) أخرجه أحمد في المسند (١٠٥٨٥)، ومسلم (١٤٣١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٦) في (د): بالصلاة. (٧) في (ظ): أكثر. ٢٥٩ سورة البقرة : الآية ٣ ولما وَلدَتْ أسماءُ عبدَ الله بن الزبير، أَرسلته إلى النبيِّ وَّهِ. قالت أسماءُ: ثم مَسَحه، وصلَّی علیه(١)، أي: دعا له. وقال تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادعُ لهم. وقال الأعشى(٢): يا ربِّ جَنِّبْ أبي الأَوْصابَ والوَجَعا تقول بِنْتي وقد قَرَّتُ مُرْتَجِلًا يوماً (٤) فإنَّ لجَنْبِ المرء مُضطجَعا عليكِ مثل(٣) الذي صَلَّيتٍ فَاغْتمِضِي وقال الأعشى أيضاً(٥): وقابلَها الرِّيحُ في دَنِّها وصَلَّى على دَنِّها (٦) وارْتَسَمْ ارتسمَ الرجلُ: كَبَّرَ ودعا، قاله في ((الصحاح))(٧). وقال قومٌ: هي مأخوذةٌ من الصَّلا، وهو عِرْقٌ في وَسَطِ الَّهر، ويفترقُ عند العَجْب، فيكتنفُه، ومنه أُخِذَ المُصَلِّي في سَبْقِ الخيل؛ لأنه يأتي في الحَلْبة ورأسُه عند صَلَوي السابق، فاشتُقَّتِ الصَّلاةُ منه؛ إمَّا لأنها جاءَتْ ثانيةً للإيمان، فَشُبِّهَتْ بالمُصَلِّي من الخيل، وإما لأنَّ الراكعَ تُثْنى (٨) صَلَواهُ(٩). والصَّلا: مَغْرِزُ الذَّنَب من الفَرَس. والاثنان صَلَوان. والمُصَلِّ: تالي السابق؛ لأنَّ رأسَه عند صَلاهُ. وقال عليٍّ رضي الله عنه: سَبَقَ رسولُ اللهِوَله، وصَلَّى أبو بكر، وثَلَّثَ عمرُ(١٠). (١) قطعة من حديث أخرجه مسلم في صحيحه (٢١٤٦). (٢) في دیوانه ص ١٥١. (٣) بالرفع أو النصب؛ قال أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٦٢: فمن رفع (مثل)) جعله: عليكِ مثلُ ذلك الذي قلتٍ لي ودعوتٍ لي به، ومن نصبه جعله أمراً يقول: عليكِ بالترحم والدعاء لي. (٤) في (م): نوماً، وهي رواية للبيت. (٥) في ديوانه ص ٨٥. (٦) الذَّنّ: هو وعاء ضخم للخمر ونحوها. (٧) الصحاح (رسم). (٨) في (د): يثنى، وفي (ظ): ينثني. (٩) من قوله: قال قوم ... من المحرر الوجيز ٨٥/١. (١٠) أخرجه أحمد في المسند (٨٩٥)، وسيذكره المصنف عند تفسير الآية (١١) من سورة يوسف، والآية (١٠) من سورة الحديد. ٢٦٠ سورة البقرة : الآية ٣ وقيل: هي مأخوذةٌ من اللُّزوم، ومنه صَلِيَ بالنار: إذا لَزِمَها، ومنه ﴿تَصْلَ نَارًا حَامِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٤]. قال الحارثُ بنُ عُبَادُ(١): لم أكُنْ من جُناتِها عَلِمَ اللّـهُ وإِنِّي بحرِّها اليومَ صالٍ(٢) أي: مُلازِمٌ لحرِّها. وكأنَّ المعنى على هذا: مُلازَمةُ العبادةِ على الحدِّ الذي أمرَ الله تعالى به. وقيل: هي مأخوذةٌ من صَلَّيْتُ العودَ بالنار: إذا قوَّمتَه وليَّنْتَه بالصِّلاء. والصِّلاءُ: صِلاءُ النار، بكسر الصاد ممدود، فإنْ فتحتَ الصادَ قَصَرْتَ، فقلتَ: صَلا النار، فكأنَّ المُصَلِّي يُقَوِّم نفسَه بالمعاناة فيها، ويَلينُ ويخشَع، قال الخارْزَنجي(٣): فلا تَعْجَلْ بأمركَ واسْتَدِمْهُ فما صَلَّى عصاك كَمُستديم والصلاةُ: الدعاء، والصلاةُ: الرحمة، ومنه: ((اللهمَّ صَلِّ على محمد)» الحديث (٤) . والصلاةُ: العبادة، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ اَلْبَيْتِ﴾ [الأنفال: ٣٥] الآية، أي: عبادتُهم. والصلاةُ: النافلة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ﴾ [طه: ١٣٢]. (١) في النسخ: هناد، وهو خطأ، وهو الحارث بن عباد البكري، كان أحلم أهل زمانه وأشدهم بأساً، اعتزل الحرب بين بكر وتغلب - وهي حرب البسوس - ثم دخلها بعد أن قتل المهلهلُ ابنّ أخيه بجير بن عمرو، خزانة الأدب ١/ ٤٧٢. (٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٥٥، والأغاني ٤٧/٥، وخزانة الأدب ٤٧٣/١. (٣) كذا وقع في النسخ، والبيت لقيس بن زهير العبسي، كما في اللسان والصحاح (صلا)، وقد ذكره الخارزنجي، فيما ذكر ابنُ عادل الحنبلي في اللباب ١/ ٢٩٠، ثم قال: وهو مشكل، فإن الصلاة من ذوات الواو، وهذا من الياء. اهـ والخارزنجي هو: أحمد بن محمد، أبو حامد البشتي، إمام أهل الأدب بخراسان في عصره، له كتاب التكملة، كمّل به كتاب العين. توفي سنة (٣٤٨هـ). إنباه الرواة ١٠٧/١. (٤) روي من أحاديث عدد من الصحابة، منهم طلحة بن عبيد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو مسعود الأنصاري وكعب بن عجرة، وأبو حُميد الساعدي. ينظر مسند أحمد (١٣٩٦) و(١١٤٣٣) و(١٧٠٧٢) و (١٨١٠٤) و(٢٣٦٠٠).