النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها) ناسياً في ركعة من صلاةٍ رُباعيَّة أو ثُلاثيَّة، فقال مرَّة: يُعيد الصلاةَ، وقال مرَّةً أخرى: يسجدُ سجدتي السهو، وهي روايةُ ابنِ عبد الحكم (١) وغيرِه عن مالك. قال ابن خُوَیز مَنداد: وقد قيل: إنه يُعيدُ تلك الركعةَ، ويسجدُ للسهو بعد السلام. قال ابن عبد البرّ: الصحيحُ من القول إلغاءُ تلك الركعة، ويأتي بركعة بدلاً منها، كمن أسقط سجدة سواء(٢). وهو اختيارُ ابنِ القاسم. وقال الحسنُ البصري وأكثرُ أهل البصرة والمغيرةُ بن عبد الرحمن المخزومي المدني(٣): إذا قرأَ بأُمّ القرآن مرَّةً واحدةً في الصلاة، أجزأه، ولم يكن عليه إعادةٌ، لأنها صلاةٌ قد قرأَ فيها بأُمّ القرآن، وهي تامَّةٌ، لقوله عليه السلام: ((لا صلاةَ لِمَن لَم يَقرَأُ بأُمّ القرآن»(٤)، وهذا قد قرأ بها(٥) . قلت: ويَحتمِلُ: لا صلاةَ لِمَنْ لم يقرأ بها في كلِّ ركعة، وهو الصحيح على مايأتي. ويحتمل: لاصلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقرَأُ بها في أكثر عددِ الرَّكَعَات، وهذا هو سببُ الخلاف، والله أعلم. وقال أبو حنيفة والثوريُّ والأوزاعيُّ: إن تَرَكَها عامداً في صلاته كلِّها، وقرأَ غَيرَها، أَجزَأَه، على اختلافٍ عن الأوزاعيِّ في ذلك. وقال أبو يوسُف(٦) ومحمدُ بنُ الحسن(٧): أقلُّه ثلاثُ آيات، أو آيَةٌ طويلةٌ، كآية الدَّیْن. (١) هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أبو عبد الله المصري، تفقه بمذهب مالك، ولزمه مدة، وهو في عداد أصحابه الكبار، له تصانيف كثيرة، منها: الرد على الشافعي وأحكام القرآن . توفي سنة (٢٦٨هـ) . سير أعلام النبلاء ١٢ / ٤٩٧. (٢) في (د): سراً، وفي (م): سهواً . (٣) أبو هاشم، ويقال: أبو هشام، كان فقيه أهل المدينة بعد مالك، وعرض عليه الرشيد القضاء فامتنع، مات سنة خمس أو ست وثمانين ومئة. تهذيب التهذيب ٤/ ١٣٥. (٤) أخرجه أحمد (٢٢٧٤٣)، ومسلم (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت . (٥) التمهيد ١٩٢/٢٠ -١٩٣ و١٩٨، والاستذكار ١٤٥/٤ و ١٩٣ - ١٩٤ و ١٩٨ - ١٩٩. (٦) يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، الكوفي، القاضي، صاحب أبي حنيفة، توفي سنة (١٨٢هـ). السير ٨/ ٥٣٥. (٧) أبو عبد الله الشيباني الكوفي، فقيه العراق، وصاحب أبي حنيفة، توفي سنة (١٨٩ هـ). السير ٩/ ١٣٤. ١٨٢ سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها) وعن محمدِ بنِ الحَسَن أيضاً قال: أُسَوِّغُ الاجتهادَ في مقدار آيةٍ، ومقدار كلمةٍ مفهومةٍ، نحو: ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَِّ﴾، ولا أُسوِّغُه في حرف لا يكونُ كلاما(١). وقال الطبريُّ: يقرأُ المصلِّي بأُمّ القرآن في كلِّ ركعةٍ، فإن لم يقرأُ بها، لم يَجْزِهِ إلا مثلُها من القرآن، عددَ آيِها وحروفِها(٢) . قال ابنُ عبد البَرّ: وهذا لا معنى له؛ لأنَّ التعيينَ لها والنصَّ عليها، قد خَصَّها بهذا الحكمِ دونَ غيرِها، ومُحالٌ أن يجيءَ بالبَدَل منها مَنْ وَجَبَتْ عليه، فتركها وهو قادِرٌ عليها، وإنما عليه أن يجيءَ بها، ويعودَ إليها، كسائر المفروضاتِ المتعيّناتِ في العبادات (٣). السادسة: وأما المأمومُ: فإنْ أدركَ الإمامَ راكعاً، فالإمام يَحمِلُ عنه القراءةَ، لإجماعهم على أنه إذا أدرَكه راكعاً، أنه يُكَبِّرُ ويركَعُ، ولا يقرأُ شيئاً. وإن أدركه قائماً، فإنه يقرأُ، وهي المسألة: السابعة: ولا ينبغي لأحدٍ أن يَدَعَ القراءةَ خَلفَ إمامِه في صلاة السِّرِّ، فإن فعلَ، فقد أساءً، ولا شيءَ عليه عند مالك وأصحابه(٤). وأما إذا جَهَرَ الإمام، وهي المسألة: الثامنة: فلا قراءةَ بفاتحة الكتاب، ولا غيرِها في المشهور من مذهب مالك(٥)، لقولِ الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وقولٍ رسولِ اللهِ وَلِ: ((مالي أُنَازَعُ القرآنَ؟))(٦) وقولِهِ في الإمام: ((إذا قَرَأَ، فَأَنصِتُوا))(٧) وقولِهِ: ((مَنْ كانَ له إمامٌ، فقراءةُ الإمام له قراءةٌ)»(٨) . (١) مختصر اختلاف العلماء للجصاص ١/ ٢٠٧. (٢) التمهيد ١٩٣/٢٠، والاستذكار ١٤٥/٤ - ١٤٦ و١٩٤ - ١٩٥. (٣) التمهيد ١٩٨/٢٠ - ١٩٩، والاستذكار ٤/ ٢٠٠. (٤) التمهيد ١١/ ٥٣. (٥) الاستذكار ٤/ ٢٢٨. (٦) قطعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه أحمد في المسند (٧٢٧٠). (٧) قطعة من حديث أبي موسى الأشعري أخرجه أحمد (١٩٧٢٣)، ومسلم (٤٠٤)(٦٣)، وأخرجه أحمد أيضا (٨٨٨٩) من حديث أبي هريرة، وسيذكره المصنف أيضاً في ص ١٨٧. (٨) أخرجه أحمد في المسند (١٤٦٤٣) من حديث جابر، وسيتكلم عليه المصنف في ص ١٨٨. ١٨٣ سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها) وقال الشافعيُّ فيما حكى عنه البُوَيْطِيُّ(١)، وأحمدُ بنُ حنبل: لا تُجزئُ أحداً صلاةٌ حتى يقرأَ بفاتحة الكتاب في كلِّ ركعة، إماماً كان أو مأموماً، جَهَرَ إمامُه، أو أسَرَّ(٢). وكان الشافعيُّ بالعراق يقول في المأموم: يقرأُ إذا أسَرَّ، ولا يقرأُ إذا جَهَرَ، کمشهورٍ مذهب مالك(٣). وقال بمصر: فيما يَجهَرُ فيه الإمامُ بالقراءة قولان: أحدهما أن يقرأَ، والآخرُ يُجزِئه ألا يقرأ، ويكتفي بقراءة الإمام. حكاه ابن المُنذر(٤). وقال ابنُ وهْب، وأشهَبُ، وابنُ عَبد الحَكّم، وابنُ حَبِيب(٥)، والكوفيون: لا يقرأُ المأمومُ شيئاً، جَهَرَ إمامُه، أو أسَرَّ، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((فقراءةُ الإمامِ له قراءةٌ»(٦) وهذا عامٌ، ولقولٍ جابر: مَنْ صلَّى ركعةٌ لم يقرَأُ فيها بأمِّ القرآن، فلم يُصَلِّ، إلا وراءَ الإمام(٧) . التاسعة: الصحيحُ من هذه الأقوال: قولُ الشافعيِّ، وأحمدَ، ومالك في القول الآخر، وأنَّ الفاتحةَ متعيِّنةٌ في كلِّ ركعة لكلِّ أحدٍ على العموم، لقولِهِ وَّهِ: ((لا صلاةَ لِمَنْ لَم (٨) يَقرَأ فيها بفاتحة الكتابِ))، وقولِهِ: ((مَنْ صَلَّى صلاةً لم يَقرَأُ فيها بأمِّ القرآن، فهي خِداجٌ)) ثلاثاً(٩). وقال أبو هريرة: أَمَرَني رسولُ اللهِ وَليل أن أناديّ أنه: ((لا صلاةَ إلا بقراءةٍ فاتحةِ الكتابِ، فما زادَ)). أخرجه أبو داود(١٠). (١) هو يوسف بن يحيى، أبو يعقوب المصري، صاحب الإمام الشافعي. توفي سنة (٢٣١هـ). سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٨. (٢) الاستذكار ١٤٥/٤، والتمهيد ٤١/١١، والأوسط ٣/ ١٠٦. (٣) في (ظ): كمذهب مالك. (٤) الأوسط ٣/ ١٠٦. (٥) هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان، أبو مروان السُّلمي العباسي الأندلسي، فقيه الأندلس، ولد في حياة الإمام مالك، من كتبه: تفسير الموطأ، وطبقات الفقهاء، توفي سنة (٢٣٨هـ). السير ١٢/ ١٠٢. (٦) سلف قريباً، وانظر النوادر والزيادات ١٧٨/١ - ١٧٩. (٧) أخرجه مالك في الموطأ ٨٤/١، والترمذي (٣١٣) وعنده: إلا أن يكون وراء الإمام. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح . (٨) في (ظ): لا . (٩) أخرجه أحمد في المسند (٧٢٩١)، ومسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة . (١٠) سنن أبي داود (٨٢٠)، وهو في مسند أحمد (٩٥٢٩). ١٨٤ سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها) وكما لا ينوبُ سجودُ ركعةٍ، ولا ركوعُها، عن ركعةٍ أخرى، فكذلك لا تنوبُ قراءةُ ركعةٍ عن غيرها(١). وبه قال عبدُ الله بنُ عَون(٢)، وأيوبُ السَّخِياني(٣)، وأبو ثَور، وغيرُه من أصحاب الشافعيّ، وداودُ بنُ عليٍّ. ورُوِيَ مثلُه عن الأوزاعيِّ، وبه قال مكحولٌ (٤). ورُويَ عن عمرَ بن الخطاب، وعبدِ الله بنِ عبَّاس، وأبي هريرة، وأُبيِّ بنِ كعب، وأَبي أيوبَ الأنصاري، وعبدِ الله بنِ عمرو بن العاص، وعُبادةَ بنِ الصامت، وأبي سعيد الخُدرِي، وعثمانَ بن أبي العاص، وخَوَّاتٍ بن جُبير(٥)، أنهم قالوا: لا صلاةَ إلا بفاتحة الكتاب. وهو قولُ ابن عمرَ (٦)، والمشهورُ من مذهب الأوزاعي(٧). فهؤلاء الصحابةُ بهم القُدوةُ، وفيهم الأُسوةُ، كلُّهم يُوجِبُون الفاتحةً في كلِّ ركعة. وقد أخرَج الإمامُ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القَزويني في ((سننه)) ما يَرفَعُ الخلافَ، ويُزِيلُ كلَّ احتمال، فقال: حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا محمدُ بن فُضَيل. (ح): وحدثنا سُوَيدُ بن سعيد، حدثنا عليُّ بنُ مُسهِر جميعا عن أبي سفيان السَّعْدي، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((لا صَلاةَ لِمَنْ لَم يَقرَأُ في كلِّ ركعة بالحمد لله، وسورةٍ، في فريضة، أو غيرِها))(٨). وفي صحيح مسلم عن أبي (١) هذا كلام الشافعي، نقله عنه ابن عبد البر في الاستذكار ١٩٩/٤، والتمهيد ٢٠/ ١٩٨. (٢) أبو عون المزني مولاهم، الحافظ، عالم البصرة، توفي سنة (١٥١هـ). السير ٦/ ٣٦٤. (٣) ابن أبي تميمة كيسان، أبو بكر العنزي مولاهم، البصري، الحافظ، توفي سنة (١٣١ هـ) السير ٦/ ١٥. (٤) الاستذكار ١٩٩/٤، والأوسط ٣/ ١١٠. (٥) ابن النعمان الأنصاري، أبي عبد الله ويقال: أبو صالح، قيل: إنه شهد بدراً، مات سنة (٤٠هـ) أو بعدها . تهذيب التهذيب ١ / ٥٥٦. (٦) كذا في الاستذكار ١٩٥/٤، ووقع في التمهيد ١٩٣/٢٠ : ابن عون. (٧) هذه الأقوال في الاستذكار ١٩٥/٤، والتمهيد ١٩٣/٢٠، والأوسط ١٠٨/٣ - ١١٠، والمفهم ٢/ ٢٥. (٨) سنن ابن ماجه (٨٣٩). أبو سفيان السعدي - وهو طريف بن شهاب أو ابن سعد - ضعيف، وقد توبع، فقد أخرج الإمام أحمد في المسند (١٠٩٩٨) من طريق قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا رسول الله * أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر. ١٨٥ سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها) هريرةَ، أنه مَّه قال للذي علَّمه الصلاةَ: ((وافعَلْ ذلك في صلاتك كلِّها))(١) وسيأتي(٢). ومن الحُجَّةِ في ذلك أيضاً مارواه أبو داود، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري قال: أبطأ عُبادةُ بن الصامت عن صلاة الصُّبح، فأقام أبو نُعيم المؤذِّنُ الصلاةَ، فصلَّى أبو نُعيم بالناس، وأقبل عُبادةُ بن الصامت وأنا معه حتى صَفَفْنا خلفَ أبي نُعيم، وأبو نُعيم يَجهَرُ بالقرءاة، فجعل عُبادةُ يقرأ بأُمّ القرآن، فلما انصرفَ، قلتُ لِعُبادةَ: سمعتُك تقرأُ بأمِّ القرآن وأبو نُعيم يجهَرُ؟ قال: أجل، صلَّى بنا رسولُ الله ◌َّ بعضَ الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فالتبسَتْ عليه، فلما انصرف، أقبل علينا بوجهه، فقال: ((هل تقرؤون إذا جَهَرتُ بالقراءة)»؟ فقال بعضُنا: إنا نصنع ذلك، قال: ((فلا، وأنا أقولُ: مالي يُنازِ عني القرآنُ، فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جَهَرتُ إلا بأُمِّ القرآن))(٣). وهذا نصٌّ صريحٌ في المأموم. وأخرجه أبو عيسى الترمذيُّ من حديث محمد بن إسحاقَ بمعناه، وقال: حديثٌ حسنٌّ، والعملُ على هذا الحديث في القرءاة خلفَ الإمام عند أكثرِ أهل العلم من أصحاب النبيِّ وَّهِ والتابعين. وهو قولُ مالك بن أنس، وابنِ المبارك، والشافعيِّ، وأحمد، وإسحاقَ: يَرَونَ القراءةَ خلفَ الإمام(٤). وأخرجه أيضاً الدارقطني، وقال: هذا إسنادٌ حسنٌ(٥)، ورجالُه كلُّهم ثِقاتٌ. (١) صحيح مسلم (٣٩٧)، وهو في مسند أحمد (٩٦٣٥). (٢) ص ١٩٠، وسيذكره أيضاً ص ٢٦٢ في تفسير الآية (٣) من سورة البقرة في المسألة الرابعة عشرة، وفي تفسير الآية (١٤٢) من سورة النساء . (٣) سنن أبي داود (٨٢٤). وسلف حديث أبي هريرة ص ١٨٢. قال صاحب عون المعبود ٣٦/٣: مالي ينازعني، أي: يعالجني، ولا يتيسر. القرآن، بالرفع، أي: لا يتأتى لي، فكأني أجاذبه، فيعصى، ويثقل عليّ. قاله الطيبي، وبالنصب، أي: ينازعني من ورائي فيه بقراءتهم على التغالب، يعني تشوش قراءتهم على قراءتي. (٤) سنن الترمذي (٣١١)، وروايته من طريق محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة . ونقل البيهقي في القراءة خلف الإمام ص ٦٥ - ٦٦ عن أبي علي الحسين بن علي قوله: مكحول سمع هذا الحديث من محمود بن الربيع ومن ابنه نافع، ونافع وأبوه سمعاه من عبادة رضي الله عنه . والحديث في المسند (٢٢٦٩٤) . (٥) في (د) و(ز): صحيح . ١٨٦ سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها) وذكر أنَّ محمودَ بن الربيع (١) كان يَسِكُنُ إيلياءَ، وأنَّ أبا نُعيم أوَّلُ مَن أَذَّنَ في بيت المقدس(٢) . وقال أبو محمد عبد الحق(٣): ونافعُ بن محمود لم يَذكره البخاريُّ في ((تاريخه))، ولا ابنُ أبي حاتم، ولا أخرجَ له البخاريُّ ومسلمٌ شيئاً. وقال فيه أبو عمر: مجهول (٤) . وذكر الدار قطنيُّ عن يزيدَ بنِ شَريك قال: سألتُ عمرَ عن القرءاة خلفَ الإمام، فأمَرَني أن أقرأَ، قلتُ: وإن كنتَ أنتَ؟ قال: وإن كنتُ أنا، قلتُ: وإن جَهَرْتَ ؟ قال: وإن جَهَرْتُ. قال الدار قطنيُّ: هذا إسنادٌ صحيحٌ(٥). ورَوَى عن جابر بن عبد الله قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((الإمامُ ضامِنٌ، فما صَنَعَ، فاصنعوا)). قال أبو حاتم: هذا يصحح(٦) لمن قال بالقراءة خلفَ الإمام(٧) . وبهذا أفتى أبو هريرة الفارسيَّ أن يقرأ بها في نفسه حين قال له: إني أحياناً أكونُ وراءَ الإمام، ثم استدَلَّ بقوله تعالى: ((قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نِصْفَيْن، فنِصْفُها لي، ونِصْفُها لعبدي، ولعبدي ما سأل)). قال رسولُ الله وَله: ((اقرؤوا، يقولُ العبدُ: الحمدُ لله ربِّ العالمين)). الحديث(٨). (١) هو ابن سراقة الأنصاري الخزرجي، أبو محمد ويقال: أبو نعيم، أدرك النبي ◌َ *، وعقل منه مَجَّةً مجَّها في وجهه، وهو يومئذ ابن أربع سنين، وكان ختن عبادة بن الصامت، توفي سنة (٩٩هـ) . السير ٣/ ٥١٩. (٢) سنن الدارقطني ٣١٨/١ و٣١٩ و٣٢٠. (٣) ابن عبد الرحمن بن عبد الله، الأزدي، الأندلسي، الإشبيلي، المعروف في زمانه بابن الخراط، له الأحكام الصغرى والوسطى والكبرى توفي سنة (٥٨١هـ). سير أعلام النبلاء ٢١/ ١٩٨. (٤) التمهيد ١١/ ٤٦. (٥) سنن الدارقطني ١/ ٣١٧. (٦) في (م): يصح، وفي سنن الدارقطني (وفيه قول أبي حاتم): تصحيح . (٧) سنن الدارقطني ٣٢٢/١، وفي إسناده موسى بن شيبة، نقل ابن الجوزي في العلل المتناهية ٤٣٦/١، والذهبي في الميزان ٤/ ٢٠٧ عن الإمام أحمد قوله فيه: أحاديثه مناكير . (٨) أخرجه أحمد في المسند (٧٢٩١)، ومسلم (٣٩٥). وسلف ص ١٤٥. ٦ ١٨٧ سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها) العاشرة: أَمَّا ما استدَلَّ به الأوَّلون بقوله وَ له: ((وإذا قرأَ، فأنْصِتُوا)). فأخرجه(١) مسلم من حديث أبي موسى الأشعريِّ، وقال: وفي حديث جرير، عن سليمان، عن قتادة من الزيادة: ((وإذا قَرَأَ، فَأَنْصِتُوا))(٢). قال الدار قطنيُّ: هذه اللفظَةُ، لم يُتابَع سليمانُ التَّيميُّ فيها عن قتادةَ، وخالفه الحُفَّاظُ من أصحاب قتادةَ، فلم يذكُروها، منهم شعبةُ، وهشامٌ، وسعيدُ بنُ أبي عَرُوبةً، وهَمَّامٌ، وأبو عَوانةً، ومَعمَرٌ، وعَدِيُّ بن أبي عُمارةَ. قال الدارقطني: فإجماعُهم يَدُلُّ على وهمِهِ. وقد رُويّ عن عمر بن عامر (٣)، عن قتادةَ متابعةُ التَّيميِّ، ولكن ليس هو بالقويِّ، تركه القَطَّان(٤). وأخرج أيضاً هذه الزيادةَ أبو داود من حديث أبي هريرةً، وقال: هذه الزيادةُ: ((إذا قَرَأَ، فَأَنْصِتُوا)) ليست بمحفوظة(٥). وذكر أبو محمد عبد الحق، أنَّ مسلماً صَحَّحَ حديثَ أبي هريرةً، وقال: هو عندي صحيحٌ(٦). قلت: ومما يَدُلُّ على صِحَّتها عنده إدخالُها في كتابه من حديث أبي موسى، وإن كانت مما لم يُجمعوا عليها. وقد صَحّحَها الإمام أحمدُ بن حنبل، وابنُ المنذر(٧). وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فإنه نزل بمكّةَ، وتحريمُ الكلام في الصلاة نزل بالمدينة. كما قال زيد بن أرقم(٨). فلا حُجَّةً (١) في (م): أخرجه . (٢) صحيح مسلم (٤٠٤)(٦٣)، وهو في مسند أحمد (١٩٧٢٣). (٣) في (م): عبد الله بن عامر، وهو خطأ . (٤) يحيى بن سعيد، وانظر علل الدارقطني ٧/ ٢٥٢ - ٢٥٤، وسننه ٣٣٠/١، وذكر في العلل ٢٥٤/١ رواية عمر بن عامر، عن قتادة، وأعلها بسالم بن نوح الراوي عن عمر . (٥) سنن أبي داود (٦٠٤). (٦) قاله مسلم (٣٠٤/١)، بإثر حديث أبي موسى الأشعري (٤٠٤)(٦٣) وقال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعتُه ههنا، إنما وضعتُ ههنا ما أجمعوا عليه . (٧) نقل ابنُ عبد البر في التمهيد ٣٤/١١ عن الإمام أحمد تصحيحه لحديثي أبي موسى وأبي هريرة، وقال ابن المنذر في الأوسط ١٠٧/٣: إذا زاد الحافظ في الحديث حرفاً وجب قبوله، وتكون زيادة، كحديث ينفرد به، وهذا مذهب كثير من أهل العلم في كثير من أبواب الشهادات، وغير ذلك . (٨) الأنصاري الخزرجي، نزيل الكوفة من مشاهير الصحابة، ردّه رسول الله وَ ل * يوم أحد لصغر سنه، = ١٨٨ سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها) فيها. فإنَّ المقصودَ كان المشركين، على ما قال سعيد بن المسيَّب. وقد روى الدار قطني عن أبي هريرةً، أنها نَزلتْ في رفع الصوت خلفَ رسول الله وَّ في الصلاة. وقال: عبدُ الله بنُ عامر ضعيفٌ(١). وأما قولُهُ مَّهِ: ((مالي أُنَازَعُ القرآنَ»، فأخرجه مالكٌ، عن ابن شهاب، عن ابنِ أُكَيمَةَ اللَّيني(٢). واسمُه - فيما قال مالكٌ - عمرو، وغيره يقول: عامر، وقيل: يزيد، وقيل: عُمارة، وقيل: عباد(٣)، يُكنَى أبا الوليد، تُوُفِّيَ سنةً إحدى ومئة، وهو ابنُ تسعٍ وسبعين سنة، لم يَرْوِ عنه الزهريُّ إلا هذا الحديث الواحدَ، وهو ثقةٌ، وروى عنه محمدُ بن عمرو وغیرُه(٤). والمعنى في حديثه: لا تجهّروا إذا جَهَرتُ، فإنَّ ذلك تنازعٌ وتجاذبٌ وَخالُجٌ، إقرؤوا في أنفسكم. يُبَيِّنُهُ حديثُ عُبادةَ، وفُتيا الفاروق، وأبي هريرةً الراوي للحديثين. فلو فَهِمَ المنعَ جملةً من قوله: ((مالي أُنَازَعُ القرآنَ»، لَما أفتى بخلافه . وقولُ الزهريِّ في حديث ابن أُكَيمةَ: فانتهى الناسُ عن القراءة مع رسولِ الله ◌َِّ فيما جَهَرَ فيه رسولُ اللهِوَ ﴿ بالقراءة، حين سَمِعُوا ذلك من رسولِ الله وَّ﴾. يريدُ بالحمد، على ما بَيّنًّا. وبالله توفيقنا. وأما قولُهُ وَّهِ: (مَنْ كان له إمامٌ، فقراءةُ الإمام له قراءةٌ))، فحديثٌ ضعيفٌ، أسنده الحسنُ بن عُمارةَ، وهو متروكٌ، وأبو حنيفة، وهو ضعيفٌ(٥)، كلاهما عن = وشهد مؤتة وغيرها، توفي سنة (٦٦ هـ). السير ٣/ ١٦٥. وينظر صحيح البخاري (١٢٠٠)، وصحيح مسلم (٥٣٩) . (١) سنن الدارقطني ١/ ٣٢٦. عبد الله بن عامر: هو أبو عامر المدني الأسلمي، روى له ابن ماجه. (٢) يعني عن أبي هريرة، وهو في الموطأ ٨٦/١ - ٨٧. ومسند أحمد (٨٠٠٧). (٣) في (ظ): عبادة، ولم يُذكر له هذا الاسم في المصادر . (٤) التمهيد ٢٢/١١ -٢٣، والاستذكار ٢٢٦/٤ -٢٢٧، وذكر له ابن عبد البر فيهما اسم عمر أيضاً، ولم يذكر له اسم يزيد، ولا ورد في المصادر. وكذلك لم يُذكر له اسم ((عباد))، فلعله محرف عن ((عمار)) فقد أوردوا له هذا الاسم . (٥) ليس هذا مناسباً في إمام من أئمة المسلمين، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ١/ ٢ -٣: وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحداً لجلالتهم في الإسلام، وعظمتهم في النفوس، مثل أبي حنيفة والشافعي والبخاري، فإن ذكرتُ أحداً منهم، فأذكرُه على الإنصاف، ومايضره ذلك عند الله ولا عند الناس . ١٨٩ سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها) موسى بن أبي عائشة، عن عبدالله بن شدَّاد، عن جابر. أخرجه الدار قطنيُّ، وقال: رواه سفيانُ الثَّوريُّ، وشُعبةُ، وإسرائيلُ بنُ يونُس، وشَريكٌ، وأبو خالد الدَّالاني، وأبو الأَحوص، وسفيانُ بنُ عُيّينَةَ، وجَرِير بنُ عبد الحميد، وغيرُهم، عن موسى بن أبي عائشةَ، عن عبد الله بن شدَّاد، مُرسلاً، عن النبيِّ وَّر، وهو الصواب(١). وأما قولُ جابر: مَنْ صلَّى ركعةً لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن، فلم يُصَلِّ إلا وراءَ الإمام، فرواه مالكٌ، عن وَهْبٍ بن كَيْسان، عن جابر، قوله(٢). قال ابنُ عبد البَرّ: ورواه يحيى بنُ سلاَم صاحبُ ((التفسير)) عن مالك، عن أبي نُعيم وَهْبٍ بن كَيْسان، عن جابر، عن النبيِّ وَِّ. وصوابُه موقوفٌ عن جابر، كما في ((الموطأ)). وفيه من الفِقْهِ إبطالُ الرَّكْعةِ التي لا يُقرأُ فيها بأُمِّ القرآن، وهو يشهدُ لصِحَّةٍ ما ذهب إليه ابنُ القاسم، ورواه عن مالك، في إلغاء الرَّكعةِ، والبناءِ على غيرها، وألا يعتدَّ المصلِّي بركعة لا يقرأُ فيها بفاتحة الكتاب. وفيه أيضاً: أنَّ الإمامَ قراءتُه لمن خَلْفَه قراءةٌ. وهذا مذهبُ جابر، وقد خالفَه فيه غيرُه(٣). الحادية عشرة: قال ابنُ العربي: لما قالَ بِّهِ: ((لا صَلاةَ لِمَنْ لَم يَقرَأُ بفاتحة الكتاب)) واختلف النَّاسُ في هذا الأصلِ: هل يُحمَلُ هذا النفيُ على التَّمام والكمال، أو على الإجزاء؟ اختلفتِ الفتوى بحسب اختلافِ حالِ الناظر، ولما كان الأشهرُ في هذا الأصل والأقوى أنَّ النفيَ على العموم، كان الأقوى من رواية مالك أنَّ مَنْ لَم يَقرَأ الفاتحةَ في صلاته، بَطَلَتْ. ثم نظرنا في تكرارها في كل ركعة، فَمَن تأوَّلَ قولَ النبي ◌َِّ: ((إِفعَل ذلك في صلاتك كلِّها))، لَزِمَهُ أَن يُعيدَ القراءةَ، كما يُعيدُ الركوعَ والسجود. والله أعلم. الثانية عشرة: ما ذكرناه في هذا الباب من الأحاديث والمعاني في تعيين الفاتحة يَرُدُّ على الكوفيين قولَهم في أنَّ الفاتحةَ لا تتعيَّنُ، وأنها وغيرها من آي القرآن سواءٌ. (١) سنن الدارقطني ٣٢٣/١ و٣٢٥، وسلف هذا الحديث ص ١٨٢، وينظر مسند أحمد (١٤٦٤٣). (٢) الموطأ ٨٤/١، وقد سلف ص ١٨٣. (٣) الاستذكار ١٨٨/٤ - ١٨٩. ١٩٠ سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها) وقد عَيَّنَها النبيُّ وَّلـ بقوله كما ذكرنا، وهو المُبيِّنُ عن الله تعالى مُرادَه في قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقد رَوى أبو داود، عن أبي سعيد الخُدريِّ قال: أُمِرْنا أن نقرأَ بفاتحة الكتاب، وما تَسَّرَ (١). فدلَّ هذا الحديثُ على أنَّ قولَه وَّهِ للأعرابي: ((إِقْرَأْ ما تَسَّرَ معك من القرآن»(٢) ما زاد على الفاتحة، وهو تفسيرُ(٣) قوله تعالى: ﴿فَأَقْرَهُوا مَا يَبِتَرَ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقد روى مسلم، عن عُبادةَ بنِ الصَّامت، أنَّ رسولَ الله وَّى: قال ((لا صلاةَ لِمَنْ لم يَقرَأُ بأُمِّ القرآن)»(٤). زاد في رواية: ((فصاعداً)(٥). وقوله ◌َّهِ: ((هيَ خِدَاجٌ (ثلاثاً) غيرُ تَمام)»(٦) أي: غير مُجزِئةٍ بالأدلّة المذكورة. والخِداجُ: النَّقْصُ والفسادُ. قال الأخفشُ: خَدَجَتِ الناقةُ: إذا أَلقَتْ ولدَها لغير تَمام، وأَخْدَجَتْ: إذا قَدْفَتْ به قبلَ وقتِ الولادة، وإن كان تامَّ الخَلْقِ. والنظرُ يُوجِبُ في النُّقْصان ألا تَجوزَ معه الصلاةُ؛ لأنها صلاةٌ لم تَتِمَّ، ومَن ◌َخَرَجَ من صلاته وهي لم تَّتِمَّ، فعليه إعادتُها كما أُمِرَ، على حسبٍ حُكمِها. ومَنِ اذَّعَى أنها تَجوزُ مع إقراره بِنَقْصِها، فعليه الدليلُ، ولا سبيلَ إليه من وجه يلزم، والله أعلم(٧) . الثالثة عشرة: رُويَ عن مالك، أنَّ القراءةَ لا تجبُ في شيء من الصلاة(٨)، وكذلك كان الشافعيُّ يقول بالعراق فيمن نَسِيَها، ثم رَجَعَ عن هذا بمصر، فقال: لا تُجزِئُ صلاةٌ (١) سنن أبي داود (٨١٨)، وهو في مسند أحمد (١٠٩٩٨). (٢) قطعة من حديث المسيء صلاته، أخرجه أحمد (٩٦٣٥)، ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة، وقد سلفت قطعة أخرى منه ص ١٨٥. (٣) في (د) و(ز): يفسر. (٤) صحيح مسلم (٣٩٤)، وهو في مسند أحمد (٢٢٧٤٣). (٥) صحيح مسلم (٣٩٤): (٣٧)، وهو في مسند أحمد (٢٢٧٤٩). (٦) أخرجه أحمد في المسند (٩٨٩٨)، ومسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة . (٧) التمهيد ١٩١/٢٠ - ١٩٢، والاستذكار ١٩٢/٤ - ١٩٣. (٨) التمهيد ١٩٨/٢٠، والاستذكار ١٩٩/٤ وقال ابن عبد البر: وروي عن مالك قول شاذ لا يعرفه أصحابه: أن الصلاة تجزئ بغير قراءة على ما روي عن عمر، وهي رواية منكرة . ١٩١ سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها) مَنْ يُحسِنُ فاتحةَ الكتاب إلا بها، ولا يُجزِئُه أن يَنقُصَ حرفاً منها، فإن لم يَقرَأُها، أو نَّقَصَ منها حرفاً، أعاد صلاته، وإنْ قرأَ بغيرها . وهذا هو الصحيحُ في المسألة. وأما ما رُوِيّ عن عمرَ رحمه الله، أنه صلَّى المغربَ، فلم يَقرَأُ فيها، فذُكِرَ ذلك له، فقال: كيف كان الركوعُ والسجودُ؟ قالوا: حسنٌ. قال: لا بأسَ إذاً. فحديثٌ مُنكرُ اللَّفِظِ، مُنقَطِعُ الإسناد؛ لأنه يرويه [محمد بن] إبراهيم بن الحارث التَّيميُّ، عن عمرَ. ومَرَّة يرويه [محمد بن](١) إبراهيم، عن أبي سَلَمةَ بن عبد الرحمن، عن عمرَ، وكلاهما مُنقَطِعٌ، لا حُجَّةَ فيه(٢). وقد ذكره مالكٌ في ((الموطأ»، وهو عند بعض الرواة(٣)، وليس عند يحيى وطائفة معه؛ لأنه رماه مالكٌ من كتابه بأَخَرَة، وقال: ليس عليه العملُ؛ لأنَّ النبيَّ نَّهِ قال: ((كلُّ صلاةٍ لا يُقرَأُ فيها بأمِّ القرآن، فهي خِداجٌ)). وقد رُوِيَ عن عمرَ، أنه أعاد تلك الصلاةَ، وهو الصحيحُ عنه. روى يحيى بنُ يحيى النَّيسابوريُّ قال: حدثنا أبو معاويةً، عن الأعمش، عن إبراهيم النَّخَعيِّ، عن هَمَّام بن الحارث، أنَّ عمرَ نَسِيَ القراءةَ في المغرب، فأعاد بهم الصلاةَ(٤). قال ابنُ عبد البَرِّ: وهذا حديثٌ مُتَّصِلٌ شَهِدَه هَمَّامٌ من عمر، رُوِيَ ذلك من وجوه. ورَوى أشهبُ، عن مالك قال: سُئِلَ مالكٌ عن الذي نَسِيَ القرءاةَ: أَيُعجِبُكَ ما قال عُمرُ؟ فقال: أنا أُنِكرُ أن يكون عُمرُ فَعَلَه. وأنكر الحديثَ، وقال: يَرى الناسُ عُمرَ يصنعُ هذا في المغرب، ولا يُسبِّحون به؟! أرى أن يعيدَ الصلاةَ مَن فعل هذا(٥). (١) ما بين حاصرتين في الموضعين سقط من النسخ الخطية، و(م)، واستُدرك من التمهيد ١٩٣/٢٠ - ١٩٤. (٢) أخرج الخبر عبد الرزاق (٢٧٤٨)، وابن أبي شيبة ٣٩٦/١، والبيهقي في السنن ٣٨١/٢ من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن عمر . وأما رواية محمد بن إبراهيم عن عمر، فأخرجها الطحاوي في شرح معاني الآثار ١ / ٤١١. وذكر البيهقي أن الشافعي رواه أيضاً عن رجل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عمر . وهذا منقطع أيضاً على إبهام في سنده . (٣) الموطأ ص ١٧٩ برواية القعنبي . (٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١ / ٤١١. (٥) التمهيد ١٩٣/٢٠ - ١٩٤ والاستذكار ١٤٢/٤ - ١٤٤. ١٩٢ سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها) الرابعة عشرة: أجمعَ العلماءُ على أنْ لا صلاةَ إلا بقراءة، على ما تقدَّمَ من أصولهم في ذلك. وأجمعوا على أنْ لا توقيتَ في ذلك بعد فاتحة الكتاب، إلا أنهم يَستحِبُّون ألا يُقرَأَ مع فاتحة الكتاب إلا سورةٌ واحدةٌ؛ لأنه الأكثُر مما جاء عن النبيِّ وَطه . قال مالكٌ: وسُنَّةُ القراءة أن يقرأَ في الركعتين الأُولَيَينِ بأمِّ القرآن وسورة، وفي الأُخرَيَينِ بفاتحة الكتاب. وقال الأوزاعيُّ: يقرأُ بأمِّ القرآن، فإن لم يَقرَأ بأمِّ القرآن، وقرأ بغيرها، أجزأَه، وقال: وإن نَسِيَ أن يقرأَ في ثلاث رَكَعات، أعاد. وقال الثوريُّ: يقرأُ في الركعتين الأُولَيَين بفاتحة الكتاب وسورة، ويُسبِّحُ في الأُخرَيَين إن شاء، وإن شاء قَرَأَ، وإن لم يقرَأُ، ولم يُسبِّخ، جازَت صلاتُه، وهو قولُ أبي حنيفةَ وسائر الكوفيين(١). قال ابنُ المنذر: وقد رَوَينا عن عليٍّ بن أبي طالب رضي اللهُ عنه أنه قال: إِقْرَأْ في الأُولَيَين، وسَبِّح في الأُخرَيَين. وبه قال النَّخَعِيُّ(٢). قال سفيانُ: فإنْ لم يقرَأُ في ثلاث رَكَعات، أعادَ الصلاةَ؛ لأنه لا تُجزِتُه قراءةُ ركعة. قال: وكذلك إن نَسِيَ أن يقرأ في ركعة من صلاة الفجر. وقال أبو ثور: لا تُجزِئ صلاةٌ إلا بقراءة فاتحة الكتاب في كلِّ ركعةٍ، كقول الشافعي المصري، وعليه جماعة أصحابِ الشافعي. وكذلك قال ابنُ خُوَيز مَنداد المالكي؛ قال: قراءةُ الفاتحة واجبةٌ عندنا في كلِّ ركعة، وهذا هو الصحيحُ في المسألة(٣). روى مسلم، عن أبي قَتَادَةُ(٤) قال: كان رسولُ اللهِ وَلَهِ يُصلِّي بنا، فيقرأُ في الظهر والعصر في الركعتين الأَولَيَين بفاتحة الكتاب، وسورتَينٍ، ويُسمِعُنا الآيةَ أحياناً، (١) الاستذكار ١٣٩/٤ - ١٤٨ و١٩٧. وينظر التمهيد ١٩٥/٢٠ - ١٩٦. (٢) الأوسط ٣/ ١١٤. وحديث علي أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٧٢. (٣) الاستذكار ٤/ ١٤٥. (٤) الحارث بن رِبْعي الأنصاري السلمي، فارس رسول الله في شهد أحداً والحديبية، توفي بالمدينة سنة (٥٤هـ) . السير ٢ / ٤٤٩. ١٩٣ سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها) وكان يُطَوِّلُ في الركعة الأولى من الظهر، ويَقصرُ الثانيةَ، وكذلك في الصُّبحِ. وفي رواية: ويقرأُ في الركعتين الأُخرَيَينِ بفاتحة الكتاب(١). وهذا نصّ صریحٌ، وَحدیثٌ صحيحٌ لما ذهبَ إليه مالكٌ. ونصٌّ في تَعيِّنِ الفاتحة في كلِّ ركعة، خلافاً لِمَن أَبَى ذلك، والحُجَّةُ في السُّنَّةِ، لا فيما خالفَها. الخامسة عشرة: ذهب الجمهورُ إلى أنَّ ما زادَ على الفاتحة من القراءة ليسَ بواجب، لما رواه مسلمٌ، عن أبي هريرة قال: في كلِّ صلاة قراءةٌ، فما أَسمَعَنا النبيُّ وَ﴿، أَسمَعناكم، وما أَخفَى مِنَّا، أَخِفَينا منكم(٢)، فمن قرأَ بأمِّ القرآن، فقد أَجزَأَت عنه، ومَن زاد، فهو أفضلُ(٣). وفي البخاري: ((وإن زِدتَ فهو خيرٌ))(٤). وقد أبى كثيرٌ من أهل العلم تركّ السُّورة، لضرورة، أو لغير ضرورة، منهم عِمرانُ بن حُصَين، وأبو سعيد الخُدرِي، وَخَوَّاتُ بنُ جُبير، ومجاهدٌ، وأبو وائل(٥) وابنُ عمر، وابنُ عباس، وغيرُهم، قالوا: لا صلاةَ لِمَن لم يَقرَأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء مَعَها من القرآن، فمنهُم مَن حَدَّ آيَتَين، ومنهم مَن حدَّ آية، ومنهم مَن لم يَحُدَّ، وقال: شيءٌ من القرآن معها، وكلُّ هذا مُوجِبٌ لتعلُّم ما تَيسَّرَ من القرآن على كلِّ حال، مع فاتحة الكتاب، لحديث عُبادةَ، وأبي سعيد الخُدرِيِّ(٦) وغيرِهما. وفي ((المُدَوَّنة))(٧): وكيعٌ، عن الأعمش، عن خَيثَمَة قال: حدثني مَن سَمِعَ عمرَ بن الخطاب يقول: لا تُجزئ صلاةٌ لم(٨) يُقرَأ فيها بفاتحة الكتاب، وشيءٍ معها. واختلف المذهبُ في قراءة السورة على ثلاثة أقوال: سنة، فضيلة، واجبة. (١) صحيح مسلم (٤٥١): (١٥٤)(١٥٥). والرواية الأولى في مسند أحمد (١٩٤١٨)، والرواية الثانية في المسند (٢٢٦٢٧). (٢) في ظـ: أخفيناكم . (٣) صحيح مسلم (٣٩٦): (٤٤)، وهو في مسند أحمد (٧٥٠٣). (٤) صحيح البخاري (٧٧٢) . (٥) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، مخضرم، أدركَ النبي وَ ﴿ ولم يره، شهد صفِّين مع علي رضي الله عنه توفي سنة (٨٢هـ). السير ٤/ ١٦١. (٦) تقدما ص ١٩٠. (٧) ١/ ٦٨. (٨) في (ظ): لا، وفي (م): صلاةُ مَن لم . ١٩٤ سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها) السادسة عشرة: مَن تَعَذّرَ ذلك عليه بعد بلوغ مجهودِه، فلم يَقدِر على تعلَّم الفاتحة، أو شيءٍ من القرآن، ولا عَلِقَ منه بشيء، لَزِمَه أن يَذكُرَ اللهَ في موضع القراءة بما أمكّنَه، من تَكبيرٍ، أو تَهلِيل، أو تَحمِيد، أو تَسبِيح، أو تَمجِيد، أو: لا حولَ ولا قوَّةً إلا بالله، إذا صلَّى وحدَه، أو مع إمام فيما أسَرَّ فيه الإمام، فقد روى أبو داود وغيرُه عن عبد الله بن أبي أَوفَى(١) قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّ، فقال: إني لا أستطيعُ أن آخُذَ من القرآن شيئاً، فَعَلِّمني ما يُجزِتُني منه، قال: ((قُل: سبحان اللهِ، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حَولَ ولا قُوَّةً إلا بالله)). قال: يا رسولَ الله، هذا اللّهِ، فما لي؟ قال: ((قُل: اللَّهُمَّ ارحَمْني وعافني واهدِني وارزقني))(٢). السابعة عشرة: فإن عَجَزَ عن إصابةِ شيء من هذا اللَّفِظِ، فلا يَدَعُ الصلاةَ مع الإمام جُهدَه، فالإمامُ يَحمِلُ ذلك عنه إن شاء الله. وعليه أبداً أن يَجهَدَ نفسَه في تعلّم فاتحة الكتاب، فما زاد، إلى أن يحولَ الموتُ دون ذلك وهو بحالِ الاجتهاد، فيَعذِرَه اللهُ. الثامنة عشرة: مَن لم يُواِهِ لسانُه إلى التكلُّم بالعربية من الأَعجَمِينَ وغيرِهم، تُرجِمَ له الدعاءُ العربيُّ بلسانه الذي يَفقَّهُ، لإقامة صلاَتَه، فإنَّ ذلك يُجزِئه، إن شاء الله تعالى. التاسعة عشرة: لا تُجزِىءُ صلاةُ مَن قرأ بالفارسيَّةِ وهو يُحسنُ العربيةَ في قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: تُجزِئهُ القراءة بالفارسية، وإن أحسن العربيةَ؛ لأنَّ المقصودَ إصابةُ المعنى(٣). قال ابنُ المنذر(٤): لا يُجزِئه ذلك؛ لأنه خلافُ ما أَمَرَ اللهُ به، وخِلافُ ما عَلَّمَ النبيُّ نَّهِ، وخِلافُ جماعاتِ المسلمين. ولا نَعلَمُ أحداً وافقَه على ما قال. المُوفية عشرين: مَنِ افتتحَ الصلاةَ كما أُمِرَ، وهو غيرُ عالم بالقراءة، فطرأ عليه العِلمُ بها في أثناء الصلاة - ويُتصوَّرُ ذلك بأن يكونَ سَمِعَ مَن قرأها، فعَلِقَت بِحِفْظِهِ من مجرَّد السَّماع - فلا يستأنفُ الصلاةَ؛ لأنه أدَّى ما مضى على حسب ما أُمِرَ به، فلا وجهً لإبطاله. قاله في كتاب ابن سَحنون(٥) . (١) صحابي وابن صحابي، شهد الحديبية وغيرها، وهو آخِر من مات بالكوفة من الصحابة سنة (٨٦هـ). السير ٣/ ٤٢٨. (٢) سنن أبي داود (٨٣٢). وهو في مسند أحمد (١٩١١٠). (٣) ينظر المبسوط السرخسي ٣٧/١، وقد ذكر ابن عابدين في حاشيته أن الأصح رجوعه عن هذا القول. (٤) الأوسط ٣/ ١١٧. (٥) هو محمد ابن فقيه المغرب عبد السلام سحنون، أبو عبد الله، القيرواني، شيخ المالكية، له كتاب= ١٩٥ سورة الفاتحة (التامين) الباب الثالث في التأمين وفيه ثمان مسائل : الأولى: يُسَنُّ لقارئ القرآن أن يقولَ بعد الفراغ من الفاتحة بعد سَكتةٍ على نون ﴿وَلَ الضَّآلّينَ﴾: آمين، لِيَتَمَيَّزَ ما هو قرآنٌ ممَّا ليس بقرآن. الثانية: ثبتَ في الأُمَّهات من حديث أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَه قال: ((إذا أَمَّنَ الإمامُ، فَأَمِّنُوا، فإنه مَن وافَقَ تَأمينُه تأمينَ الملائكة، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنِهِ))(١). قال علماؤنا رحمةُ الله عليهم: فترتَّبَتِ المغفرةُ للذنب على مُقَدِّماتٍ أربع تَضَمَّنَها هذا الحديثُ: الأولى: تأمينُ الإمام. الثانية: تأمينُ مَن خَلْفَه. الثالثة: تأمينُ الملائكة. الرابعة: موافقةُ التأمين؛ قيل: في الإجابة، وقيل: في الزَّمن، وقيل: في الصفة من إخلاص الدعاء، لقوله عليه السلام: ((ادعوا اللهَ وأنتم مُوقِنُونَ بالإجابةِ، واعلَمُوا أنَّ اللهَ لا يَستَجِيبُ دُعاءً مِن قَلبٍ غافلٍ لاهٍ)(٢) . الثالثة: روى أبو داود، عن أبي مُصَبِّح المَقرَائيّ قال: كُنَّا نَجلِسُ إلى أبي زهير النُّميريِّ- وكان من الصحابة - فيُحَدِّثُ أحسنّ الحديث، فإذا دعا الرجلُ منَّا بدعاء، قال: إِخْتِمَهُ بآمينَ. فإنَّ ((آمينَ)) مثلُ الطَّابَع على الصحيفة. قال أبو زهير: ألا أُخبِرُكم عن ذلك؟ خَرَجنا مع رسولِ اللهِ وَ ◌ّل ذاتَ لَيلة، فَأَتَينا على رجل قد أَلَحَّ في المسألة، فوقَفَ النبيُّ ◌َّهِ يَسمَعُ (٣) منه، فقال النبيُّ ◌َِّ: ((أَوْجَبَ إِن خَتَمَّ)). فقال له رجلٌ من القوم: بأيِّ شيء يَختِمُ؟ قال: ((بآمينَ، فإنه إِن خَتَمَ بآمينَ، فقد أَوْجَبَ)). فانصرفَ الرجلُ الذي سأل النبيَّ ◌َّ، فأتى الرجلَ، فقال له: اختِم يا فلانُ، وأَبْشِر (٤). = السير عشرون مجلداً، وكتاب التاريخ. توفي سنة (٢٦٥هـ). سير أعلام النبلاء ١٣ / ٦٠. (١) أخرجه البخاري (٧٨٠)، ومسلم (٤١٠). وهو في مسند أحمد (٩٩٢١). (٢) أخرجه الترمذي (٣٤٧٩) بلفظه من حديث أبي هريرة، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وأخرج الإمام أحمد (٦٦٥٥) نحوه أطول منه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما . (٣) في (ظ): فسمع . (٤) سنن أبي داود (٩٣٨). وفي إسناده صُبَيْح بن مُخرِز المَقْرئي، تفرَّدَ بالرواية عنه محمد بن يوسف= ١٩٦ سورة الفاتحة (التامين) قال ابنُ عبد البَرّ (١): أبو زهير النُّميري، اسمُه يحيى بنُ نُفَير، روى عن النبيِّ وَ ل﴾ (٢): ((لا تقتُلوا الجرادَ، فإنه جند الله الأعظم))(٣). وقال وَهبُ بن مُنَبِّه: ((آمينَ)) أربعةُ أحرف، يخلُقُ اللهُ من كلِّ حرف مَلَكا يقول: اللهمَّ اغفِر لكلِّ مَن قالَ: آمين(٤). وفي الخبر: ((لَقَّنَني جبريلُ آمينَ عند فراغي من فاتحة الكتاب، وقال: إنه كالخاتَم على الكتاب))(٥). وفي حديثٍ آخرَ: ((آمينَ خاتَمُ ربِّ العالمين))(٦). قال الهَرَوي(٧): قال أبو بكر: معناه أنه طابَعُ اللهِ على عبادِه؛ لأنه الفِرْيابيّ. وذكر ابنُ عبد البر هذا الحديث في الاستيعاب ٣٦٤/١١ بهامش الإصابة في ترجمة أبي زهير = الأنماري، وقال: ليس إسناد حديثه بالقائم . (١) الاستيعاب بهامش الإصابة ٢٦٥/١١، لكن ابن عبدالبر لم يذكر في ترجمة أبي زهير النميري حديثه المذكور في التأمين، إنما أورده في ترجمة أبي زهير الأنماري، وترجم أيضاً لثالث، وهو أبو الأزهر الأنماري، وقد جعلهم الحافظ ابن حجر في الإصابة اثنين، وأما المزي فقد أشار في تهذيبه إلى حديث أبي زهير النميري في ترجمة أبي الأزهر الأنماري، وقال: لا أدري هو هذا أو غيره . وقال ابنُ أبي حاتم في الجرح والتعديل ٩/ ٣٧٤: ذُكر لأبي أنَّ رجلاً سمَّاه، فقال: يحيى بن نُفير، فلم يعرفه، وقال: إنه غير معروف بكنيته، فكيف يُعرف اسمُه ؟ (٢) في (د) و(ز) زيادة: أنه قال. (٣) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٢/ (٧٥٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠١٢٧)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٩/٤، وقال: فيه محمد بن إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف. وأورده السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٦٤٠، ورمز لضعفه. قال البيهقي: هذا إن صح، فإنما أراد به - والله أعلم - إذا لم يتعرض لإفساد المزارع، فإذا تعرض له، جاز دفعه بما يقع به الدفع من القتال والقتل، أو أراد به تعذر مقاومته بالقتال والقتل . (٤) هذا الخبر من الإسرائيليات، ونسبه النووي في تهذيب الأسماء واللغات ١٢/٣ إلى الثعلبي. (٥) لم نقف له على مصدر، وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ٤٢٥/٢، عن أبي ميسرة أن جبريل عليه السلام أقرأ النبي ◌َ ﴿ فاتحة الكتاب، فلما قال: ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: قل آمين، فقال: آمين . وأورده ابن عطية في تفسيره ١/ ٧٩. وهو مرسل . (٦) أخرجه الطبراني في الدعاء (٢١٩)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء ٢٤٣٢/٦، والأزهري في تهذيب اللغة ٥١٢/١٥ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي إسناده مؤمَّل بن عبد الرحمن، وإسماعيل بن يعلى أبو أمية، وهما ضعيفان، وقال ابن عدي في مؤمَّل: عامة حديثه غير محفوظة . وقد أورد ابن عطية هذا الحديث في تفسيره ٧٩/١ من قول علي رضي الله عنه . (٧) محمد بن أحمد بن الأزهر، أبو منصور، اللغوي الشافعي، صاحب تهذيب اللغة توفي سنة (٣٧٠هـ) .= ١٩٧ سورة الفاتحة (التأمين) يدفَعُ [به عنهم] الآفاتِ والبلايا، فكان كخاتَم (١) الكتاب الذي يَصُونُه، ويمنّعُ من إفسادِهِ، وإظهارِ ما فيه. وفي حديث آخرَ: ((آمينَ درجةٌ في الجنة))(٢). قال أبو بكر: معناه أنه حرفٌ يَكتسِبُ به قائلُه درجةً في الجنة. الرابعة: معنى ((آمينَ)) عند أكثر أهل العلم: اللهمَّ استجِب لنا، وُضِعَ موضعَ الدعاء. وقال قومٌ: هو اسمٌ من أسماء الله: رُوِيَ عن جعفر بن محمد، ومجاهد، وهلال بن بِسَاف. ورواه ابنُ عباس، عن النبيِّ وَ ﴿، ولم يَصِحَّ. قاله ابنُ العربي(٣) . وقيل: معنى ((آمين)»: كذلك فَلْيَكن، قاله الجوهري(٤). وروى الكلبيُّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: سألتُ رسولَ الله ◌ِصَلآت: ما معنى آمين؟ قال: ((رَبِّ افعَل))(٥). وقال مُقاتِلٌ: هو قوَّةٌ للدُّعاء(٦)، واستنزالٌ للبركة(٧). وقال الترمذي: معناه: لا تُخَيِّبْ رجاءَنا(٨). الخامسة(٩): وفي آمينَ لغتان: المَدُّ على وزن فاعيل، كياسين. والقَصر على وزن يمين. قال الشاعر(١٠) في المَدِّ (١١): = وهو هَرَويٌّ أزهريٌّ، لكنه مشهور بالأزهري، وكلامه هذا في تهذيب اللغة ٥١٢/١٥ -٥١٣، وما بين حاصرتين منه، وأبو بكر المذكور: هو أحد رجال الإسناد في روايته . (١) في (د) و(ز): خاتم. (٢) کذا أورده الأزهري في تهذيبه ٥١٣/١٥، ونسبه لأبي هريرة، ولم نعثر له على مصدر آخر . (٣) أحكام القرآن ١/ ٦. وينظر مصنف ابن أبي شيبة ٤٢٦/٢، والمحرر الوجيز ١/ ٧٩. (٤) الصحاح (أمن) . (٥) تفسير أبي الليث ١/ ٨٤، وإسناد الخبر ضعيف جدًّا من أجل الكلبي وأبي صالح، وقد أورده السيوطي في الدر المنثور ١٧/١، ونسبه للثعلبي. وقد سلف ذكره في باب ما جاء من الوعيد في تفسير القرآن بالرأي . (٦) في (ظ): الدعاء . (٧) في (د) و(ز): البركة. وذكر الخبر أبو الليث السمرقندي في تفسيره ٨٤/١، وفيه: واستنزال للرحمة، وأورده النووي في التبيان ص ١٢٥، ونسبه لأبي بكر الورَّاق . (٨) في (ز): أملنا . (٩) قوله: الخامسة، ليس في (د) و(ز). (١٠) هو مجنون ليلى، قيس بن معاذ، ويقال: قيس بن الملوّح. والبيت في ديوانه ص ٢٨٣، وأورده ابن منظور في اللسان (أمن)، ونسبه لعمر بن أبي ربيعة . (١١) قوله: في المد، ليس في (ظ) . ١٩٨ سورة الفاتحة (التأمين) يا رَبِّ لا تَسلُبَنِّي حُبَّها أبداً ويَرحَمُ اللهُ عَبداً قالَ: آمِينا وقال آخر : آمين آمينَ لا أَرضَى بواحدة حَتَّى أُبلِّغَها ألفَينٍ آمِينا (١) وقال آخر فقصر(٢): تَباعَدَ مِنِّي فُظْحُلٌ إذ سَألْتُهُ أَمِينَ فزاد اللهُ ما بينَنا بُعدا(٣) وتشديدُ الميم خطأٌ. قاله الجوهري(٤). وقد رُوِيّ عن الحسن وجعفر الصَّادق التشديدُ(٥)، وهو قولُ الحسين بن الفَضل، مِن: أَمَّ، إذا قَصَدَ، أي: نحن قاصِدون نحوَك، ومنه قوله: ﴿وَلَآ ءَّقِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]. حكاه أبو نصر عبدُ الرحيم بن عبد الكريم القُشَيرِيُّ(٦). قال الجوهري: وهو مبنيٌّ على الفتح، مثلُ: أينَ وكيفَ، لاجتماع الساكنين. وتقول منه: أَمَّنَ فلانٌ تأمينا . السادسة(٧): اختلفَ العلماءُ: هل يقولُها الإمامُ، وهل يَجْهَرُ بها؟ فذهب الشافعيُّ ومالكٌ في روايةِ المدنيِّين إلى ذلك. وقال الكوفيون وبعضُ المدنيِّين: لا يَجهَرُ بها. وهو قولُ الطبري(٨). وبه قال ابنُ حَبِيب من علمائنا. وقال ابنُ بُكَير: هو مُخَيَّرٌ. وروى ابنُ القاسم، عن مالك، أنَّ الإمامَ لا يقولُ: آمينَ(٩)، وإنما يقولُ ذلك مَن خلفَه، وهو قولُ ابن القاسم والمصريين من أصحاب (١) ذكره ابن عطية في تفسيره ١/ ٨٠. (٢) في (م): في القصر . (٣) أورده الجوهري في الصحاح، وابن منظور في اللسان (أمن) و(فطحل)، وأورده أيضاً ابن منظور في اللسان (فحطل) (بتقديم الحاء)، وبهذا اللفظ وقع في التمهيد ٧/ ١١. (٤) الصحاح (أمن) . (٥) ذكره النووي في التبيان ص ١٢٦، ونسبه للواحدي، واستغربَ التشديد، وقال: عدَّها أكثر أهل اللغة من لحن العوام، وقال جماعة من أصحابنا: من قالها في الصلاة، بطلت صلاتُه . (٦) هو ابنُ أبي القاسم القشيري، النيسابوري، مات سنة (٥١٤هـ). سير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٢٦. (٧) في (د) و(ز): الخامسة . (٨) لم نقف على قول الطبري، ونقله المصنف عن الاستذكار ٢٥٤/٤، والتمهيد ٧/ ١٣. (٩) قال ابن عطية في تفسيره ٧٩/١: رُوي عن مالك أن الإمام يقولها، أسرَّ، أم جَهَرَ، ورُوي عنه أن الإمام لا يؤمِّن في الجهر، وقال ابن حبيب: يؤمِّن، وقال ابن بُكير: هو مخيّر . وينظر أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٧. ١٩٩ سورة الفاتحة (التأمين) مالك(١). وحُجَّتُهم حديثُ أبي موسى الأشعري: إنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ خَطَبَنا، فَبيَّنَ لنا سُنََّنا، وعَلَّمَنا صلاتَنا، فقال: ((إذا صَلَّيْتُم، فأقيموا صُفوفَكُم، ثم لْيَؤُمَّكُم أحدُكم، فإذا كَبَّرَ، فكبِروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ فقولوا: آمينَ، يُجِبْكُم اللهُ). وذكرَ الحديثَ. أخرجه مسلمٌ(٢). ومثلُه حديثُ سُمَيٍّ، [عن أبي صالح السَّمَّان]، عن أبي هريرةَ، أخرجه مالكٌ(٣). والصحيحُ الأوَّلُ، لحديث وائل بنِ حُجرٍ (٤) قال: كان رسولُ الله ◌َّه إذا قرأ: ﴿وَلَ اُلْضَّآلّينَ﴾ قال: ((آمين))، يَرفَعُ بها صوتَه. أخرجه أبو داود والدارقطني. وزاد: قال أبو بكر: هذه سُنَّةٌ تفرَّدَ بها أهلُ الكوفة. هذا صحيحٌ والذي بعدَه(٥). وترجمَ البخاريُّ: باب جَهرِ الإمام بالتأمين، وقال عطاء: آمينَ دعاءٌ، أَمَّنَ ابنُ الزبير ومَن وراءَه حتى إنَّ للمسجدِ لَلَجَّةٍ(٦). قال الترمذي: وبه يقولُ غيرُ واحد من أهل العلم من أصحاب النبيِّ وَلّى [والتابعين] ومَن بعدَهم، يَرَونَ أن يرفعَ الرجلُ صوتَه بالتأمين، لا يُخفِيها. وبه يقولُ الشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ(٧). وفي ((الموطأ)) و((الصحيحين)): قال ابنُ شهاب: وكان رسولُ اللهِ وَ ل ** يقول: ((آمين))(٨). (١) الاستذكار ٤ / ٢٥٣. (٢) صحيح مسلم (٤٠٤)، وهو في المسند (١٩٦٦٥). (٣) الموطأ ٨٧/١، واستُدرك منه مابين حاصرتين الراوي بين سُمّيّ وأبي هريرة، وقد سقط من النسخ الخطية و(م)، وهو في المسند (٩٩٢٢)، وصحيح البخاري (٧٨٢). (٤) الحضرمي، الصحابي، كان من ملوك اليمن، ويقال: كان على راية قومه يوم صفّين مع علي رضي الله · عنه، ثم تابع معاويةً لما دخل الكوفة، ومات في ولاية معاوية . السير ٢/ ٥٧٢. (٥) سنن أبي داود (٩٣٢)، وسنن الدار قطني ٣٣٣/١ -٣٣٤، وعنده: يمدُّ بها صوته، وهو في المسند (١٨٨٤٢). وأبو بكر المذكور: هو عبد الله بن أبي داود السجستاني شيخُ الدارقطني، وقد روى عنه هذا الحديث، وقوله: هذا صحيح والذي بعده، هو من كلام الدارقطني، يعني أن الدارقطني صحَّح هذا الحديث، والحديثَ الذي بعده، وهو بنحوه، وقد ساقه الدارقطني بعده، وفيه: يرفعُ صوتَه بآمين . (٦) صحيح البخاري، باب جهر الإمام بالتأمين، قبل الحديث (٧٨٠). (٧) سنن الترمذي، بإثر الحديث (٢٤٨)، وما بين حاصرتين منه. (٨) الموطأ ٨٧/١، وصحيح البخاري بإثر الحديث (٧٨٠)، وصحيح مسلم بإثر الحديث (٤٤٠). ٢٠٠ سورة الفاتحة (التأمين) وفي (سنن)) ابن ماجه عن أبي هريرةً قال: تَرَكَ الناسُ آمينَ، وكان رسولُ اللهِ وَيهوى إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾، قال: ((آمينَ))، حتى يَسمَعَها أهلُ الصَّفِّ الأوَّلِ، فَرتَجُّ بها المسجدُ(١). وأما حديثُ أبي موسى وسُمَيٍّ، فمعناهما التعريفُ بالموضع الذي يُقال فيه: آمين، وهو إذا قال الإمامُ: ﴿وَلَا الضَّالِينَ﴾ ليكونَ قولُهما معاً، ولا يتقدَّموه بقول: آمين، لما ذكرناه، والله أعلم. ولقوله وَ لاتر: ((إذا أَمَّنَ الإمامُ، فأمِّنوا)). وقال ابنُ نافع في كتاب ابن الحارث(٢): لا يقولُها المأمومُ إلا أن يَسمَعَ الإمامَ يقول: ﴿وَلَ اُلْضَّآلّينَ﴾ وإن(٣) كان يِبُعد لا يَسمَعُه، فلا يَقُل. وقال ابنُ عَبدوس (٤): يَتَحَرَّى قَدرَ القراءة، ويقولُ: آمينَ (٥). السابعة(٦): قال أصحابُ أبي حنيفة: الإخفاءُ بآمين أولى (٧) من الجَهرِ بها؛ لأنه دعاءٌ، وقد قال الله تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ [الأعراف: ٥٥]، قالوا: والدليلُ عليه ما رُوِيَ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِبَت ذَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]، قال: كان موسى يدعُو، وهارونُ يُؤَمِّنُ، فَسَمَّاهُما اللهُ داعِيَين(٨) . (١) سنن ابن ماجه (٨٥٣)، وفي إسناده: بشر بن رافع الحارثي، وهو ضعيف الحديث، وأبو عبد الله الدَّوسي ابنُ عم أبي هريرة، وهو مجهول، فقد تفرد بالرواية عنه بشر بن رافع، قال الذهبي في الميزان ٥٤٥/٤: لا يُعرف . (٢) هو محمد بن حارث بن أسد، الخشني، القيرواني، أبو عبد الله. توفي سنة (٣٦١هـ). ذكر له الذهبي في السير ١٦٦/١٦ عدة كتب، منها الاتفاق والاختلاف في مذهب مالك، ولعل قول ابن نافع (وهو عبد الله) الذي نقله عنه ابن الحارث، هو في كتابه هذا . (٣) في (م): وإذا . (٤) محمد بن إبراهيم، أبو عبد الله، فقيه المغرب، توفي قريباً من سنة ستين ومئتين . سير أعلام النبلاء ١٣/ ٠٦٣ (٥) من قوله: وقال ابن نافع ... من المحرر الوجيز ٧٩/١ - ٨٠. (٦) في (د) و(ز): السادسة. (٧) في (ظ): أفضل . (٨) أخرجه الطبري في تفسيره ١٢/ ٢٧١ من قول عكرمة، ورُوي مرفوعاً بإسناد ضعيف جدًّا.