النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ القول في الاستعاذة وقد يَشِيطُ على أرماحِنا البَطَلُ (٢) قد نَطعَنُ العَيرَ في مَكنونٍ(١) فائِلِهِ أي: يَهلِكُ. ويرد على هذه الفِرقة أنَّ سيبويهِ حكى أنَّ العربَ تقول: تَشيطَنَ فلانٌ إذا فعل أفعالَ الشياطين، فهذا بَيِّنٌ أنه تَفَيْعَلَ، مِن: شَطَنَ، ولو كان من شاطَ، لقالوا: تَشَيَّطَ، ويرد عليهم أيضاً بيتُ أُمَيَّةَ بنِ أبي الصَّلت: ورَمَاهُ في السِّجنِ والأَغلالِ(٣) أيُّما شاطِنٍ عَصَاه عَکاہُ فهذا شاطِنٌ، من شَطَنَ، لا شكَّ فيه(٤). الثانية عشرة(٥): الرجيمُ، أي: المُبعَدُ من الخير، المُهان. وأصلُ الرَّجْم: الرَّميُّ بالحجارة، وقد رَجَمتُه أَرْجُمُهُ، فهو رجيمٌ ومرجومٌ. والرَّجمُ: القتلُ، واللَّعنُ، والظّردُ، والشَّتم، وقد قيل هذا كلُّه في قوله تعالى: ﴿لَيْن لَّمْ تَنْتَهِ يَلْتُوُ لَتَكُونَنَّ مِنَ اُلْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]. وقولِ أبي إبراهيم: ﴿لَّمْ تَنْتَّهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦]. وسيأتي إن شاء الله تعالى. روى الأعمشُ(٦)، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه: رأيتُ النبيَّ ◌َّهِ عند الصَّفا وهو مُقبِلٌ على شخص في صورة الفيل وهو يَلعَنُه، فقلتُ: ومَن هذا الذي تَلعَنُهُ يارسولَ الله؟ قال: ((هذا الشيطانُ الرجيمُ)) فقلتُ: واللهِ، يا عدوَّ الله، لأَقتُلَنَّكَ(٧)، ولأُرِيحَنَّ الأمَّةَ منك، قال: ما هذا جزائي منك. قلتُ: وما جزاؤك مني ياعدوَّ الله؟ قال: واللهِ ما أبغَضَكَ أحدٌ قطُ إلا شَرِكتُ أباه في رَحِمٍ أمِّهٍ (٨). (١) في (م): تَخضِبُ العير من مكنون . (٢) العَير: حمار الوحش، والفائل؛ قال التبريزي في شرح القصائد العشر ص٣٤٨: هو عرق يجري من الجوف إلى الفخذ، ومكنون الفائل: الدم . (٣) ديوانه ص٤٤٥، وأورده ابن منظور في اللسان (شطن)، وهو في وصف سليمان بن داود عليهما السلام. قوله: عكاه، أي: شدَّه في الحديد . (٤) من قوله: ويرد على هذه الفرقة أن سيبويه ... من تفسير ابن عطية ١/ ٥٩. (٥) في (م): الحادية عشرة . (٦) في (د) و(ظ): الثالثة عشرة روى الأعمش ... وهو مخالف لما صرح به من عدد المسائل أول الكلام. (٧) في (م): یاعدو الله والله لأقتلنك. (٨) خبر موضوع. وقد أخرجه وتكلم فيه الخطيب في تاريخ بغداد ٢٨٩/٣ و٢٩٠، والذهبي في ميزان الاعتدال ١٩٧/١، وفي إسناده إسحاق بن محمد النخعي الأحمر. قال الذهبي: كذَّاب مارقٌ، = ١٤٢ مقدمة المصنف البسملة وفيها ثمان(١) وعشرون مسألة: الأولى: قال العلماءُ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قَسَمٌ من ربِّنا، أنزلَه عند رأس كلِّ سورة، يُقسِمُ لعباده: إنَّ هذا الذي وضعتُ لكم يا عبادي في هذه السورة حقٌّ، وإني أَفي لكم بجميع ما ضَمِنتُ في هذه السورةِ من وَعِدِي ولُطفِي ويِرِّي(٢). و﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ مما أنزله اللهُ تعالى في كتابِنا، وعلى هذه الأمةِ خصوصاً، بعد سليمان عليه السلام. وقال بعضُ العلماء: إنَّ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ تَضَمَّنَت جميعَ الشرع، لأنها تَدُلُّ على الذات وعلى الصِّفات. وهذا صحيحٌ. الثانية: قال سعيد بن أبي سُكّينَة: بلغني أنَّ عليَّ بن أبي طالب رضي اللهُ عنه نَظَرَ إلى رجل يَكتُبُ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فقال له: جَوِّدها، فإنَّ رجلاً جَوَّدَها، فَغُفِرَ له(٣). ومِن هذا المعنى قِصَّةُ بِشرِ الحافي (٤)، فإنه لمَّا رَفَعَ الرُّقعَةَ التي فيها اسمُ الله، وطَيَّها، طُيِّبَ اسمُه. ذكره القُشَيريُّ(٥). وروى النسائي، عن أبي المَلِيح، عن رِدْفٍ رسول الله وَ ﴿ قال: إنَّ رسولَ الله ◌ِوَّه قال: ((إذا عَثَرَت بك الدابَّةُ، فلا تَقُل: تَعَسَ الشيطانُ، فإنه يَتَعاظَمُ حتى يَصِيرَ مثلَ = من الغلاة. وقد اعتذرَ الذهبي لإيراده، فقال: روايتُه إثم مكرر، فأستغفر الله العظيم، بل روايتي له لِهَتكٍ حاله . ثم ساقه من طريق محمد بن مَزيد بن أبي الأزهر، وقال: والحمل فيه عليه . وانظر تنزيه الشريعة المرفوعة ٣٦٠/١، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٣٧٤. (١) في (د) و(ز) و(م): سبع، ووقع في (ظ): سبع ثمان، والمثبت يوافق عدد المسائل الواردة. (٢) هذا كلام الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص ٤٠١. (٣) أخرج البيهقي في شعب الإيمان (٢٦٦٧)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (٥٣٣) عن علي رضي الله عنه قال: تَنَوَّق رجلٌ في ((بسم الله الرحمن الرحيم)) فغُفر له . وقوّاه ابن عراق في تنزيه الشريعة ١/ ٢٦٠ - مع أن في إسناده عمر بنّ حفص العدني، وهو ضعيف - وقال: له حكم الرفع . (٤) المروزي، المحدِّث الزاهد، توفي سنة (٢٢٧ هـ). سير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٦٩. (٥) الرسالة القشيرية ١/ ٨٩. وصاحب الرسالة هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، الخراساني، الشافعي، مات سنة (٤٦٥هـ). السير ١٨/ ٢٢٧. ١٤٣ القول في البسملة البيت، ويقول: بقوَّتي(١) صَنَعتُه، ولكن قُل: بسم الله(٢)، فإنه يَتَصاغَرُ حتى يَصِيرَ مثلَ الذُّبَابِ(٣). وقال عليُّ بنُ الحسين(٤) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَرِ هْ تُفُورً﴾ [الإسراء: ٤٦]؛ قال: معناه: إذا قلتَ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾(٥). وروى وكيعٌ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: مَن أراد أَن يُنجِيَه اللهُ من الزَّبانية التسعةَ عشرَ، فَلْيَقْرَأُ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ليجعلَ اللهُ تعالى له بكلِّ حرف منها جُنَّةً مِن كلِّ واحد (٦). فالبَسمَلةُ تسعةَ عشرَ حرفاً، على عدد ملائكة أهلِ النارِ الذين قال الله فيهم: ﴿عَلَّهَا تِسْعَةَ عَثَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] وهم يقولون في كلِّ أفعالهم: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، فَمِن هنالك قُوَّتُهم(٧)، وببسم الله استضلعوا(٨). قال ابن عطية: ونظيرُ هذا قولُهم في ليلة القدر: إنها ليلةُ سبع وعشرين، مراعاةً للفظة ((هي) من كلمات(٩) ﴿إِنَّ أَنزَلْنَهُ﴾ [القدر: ١]. ونظيرُه أيضا قولُهم في عدد الملائكة الذين ابتدروا قولَ القائل: ربَّنا ولك الحمدُ حمداً كثيراً طَيِّباً مباركاً فيه، فإنها بضعةٌ وثلاثون حرفاً، فلذلك قال النبيُّ وَّهِ: ((لقد رأيتُ بِضعةً وثلاثين مَلَكاً يَبتَدِرونها أيُّهم يكتُبها أوَّل))(١٠). قال ابن عطية: وهذا من مُلَح التفسير، وليس من متين العلم(١١). (١) في (م): بقوته . (٢) في (م): بسم الله الرحمن الرحيم . (٣) سنن النسائي الكبرى (١٠٣١٢)، وهو في مسند أحمد (٢٠٥٩١). وفيه: بقوتي صرعتُه . (٤) ابن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسين، زين العابدين، توفي سنة (٩٢هـ)، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء ٤ / ٣٨٦. (٥) المحرر الوجيز ١/ ٦٠. وسيذكره المصنف عند تفسير الآية (٤٦) من سورة الإسراء. (٦) أورده السيوطي في الدر المنثور ٩/١ ونسبه لوكيع والثعلبي. (٧) في (م): هي قوتهم . (٨) المحرر الوجيز ١/ ٦١. (٩) في (م): كلمات سورة . (١٠) أخرجه أحمد في المسند (١٨٩٩٦)، والبخاري (٧٩٩) من حديث رفاعة بن رافع الزرقي . (١١) المحرر الوجيز ٦١/١. ١٤٤ مقدمة المصنف الثالثة: روى الشعبيُّ والأعمشُ، أنَّ رسولَ اللهِوَله كان يَكْتُبُ: ((باسمك اللهُمَّ)) حتى أُمِرَ أن يَكتُبَ ﴿بسم الله﴾ فكتَبَها، فلما نزلت: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُوا الرَّحْمَنَّ﴾ [الإسراء: ١١٠]، كتب: ﴿بسم الله الرحمن﴾ فلما نزلَت: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَُّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، كتبها(١). وفي ((مصنف)) أبي داود: قال الشعبيُّ وأبو مالك(٢) وقتادةُ وثابتُ بن عُمارةَ(٣): إِنَّ النبيَّ وَّه لم يَكتُب ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ حتى نزلت سورةُ النمل(٤). الرابعة: رُوِيَ عن جعفر الصادق(٥) رضي الله عنه، أنه قال: البسملةُ تِيجانُ السُّورَ(٦). قلت: وهذا يَدُلُّ على أنها ليست بآية من الفاتحة، ولا غيرها . وقد اختلف العلماءُ في هذا المعنى على ثلاثةِ أقوال: الأول: ليست بآية لا في (٧) الفاتحة، ولا غيرها. وهو قولُ مالك. الثاني: أنها آيَةٌ من كلِّ سورة. وهو قولُ عبد الله بنِ المبارك. الثالث: قال الشافعي: هي آيةٌ في الفاتحة. وتَردَّدَ قولُه في سائر السُّوَر، فمرَّةً قال: هي آيةٌ من كلِّ سورة، ومرَّةً قال: ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها. ولا خلافَ بينهم على (٨) أنها آيةٌ من القرآن في سورة النمل(٩). واحتجَّ الشافعي بما رواه الدارقطني(١٠) من حديث أبي بكر الحنفي، عن (١) المحرر الوجيز ٦١/١، وأخرج نحوه عبد الرزاق في التفسير ٨١/٢ عن الشعبي وحده، وانظر الدر المنثور ١٠٦/٥ - ١٠٧. (٢) غزوان الغفاري الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة، من رجال التهذيب، وينظر تحفة الأشراف ١٣/ ٣٣٠. (٣) البصري الحنفي، صدوق، من رجال التهذيب، مات سنة (١٤٩ هـ). (٤) سنن أبي داود بإثر الحديث (٧٨٧)، وهو مرسل . (٥) هو ابن محمد بن علي بن الحسين، أبو عبد الله الهاشمي، وهو من جِلَّة علماء المدينة، توفي سنة (١٤٨ هـ). سير أعلام النبلاء ٦ / ٢٥٥. (٦) المحرر الوجيز ١ /٦٠. (٧) في (م): من . (٨) في (م): في . (٩) الاستذكار ٢٠٥/٤، والتمهيد ٢٠٦/٢٠ -٢٠٧ لابن عبد البر. (١٠) في السنن ٣١٢/١. وأبو بكر الحنفي: هوعبد الكبير بن عبد المجيد. وقد وقع أخطاء في اسمه واسم شيخه في النسخ الخطية . ١٤٥ القول في البسملة عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبُرِيِّ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَ ل﴿ قال: ((إذا قرأتُم: الحمد لله ربِّ العالمين، فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أُمُّ القرآن، وأمُّ الكتاب، والسَّبعُ المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم أحدُ آياتِها (١))). رَفَعَ هذا الحديثَ عبدُ الحميد بن جعفر(٢)، وعبدُ الحميد هذا: وَثَّقَه أحمدُ بنُّ حنبل، ويحيى بنُ سعيد، ويحيى بنُ مَعِين. وأبو حاتم(٣) يقول فيه: مَحلُّه الصِّدق. وكان سفيانُ الثوريُّ يُضَعِّفُه، ويَحمِلُ عليه. ونوحُ بنُ أبي بلال ثقةٌ مشهورٌ. وحُجَّةُ ابن المبارك، وأحدٍ قولي الشافعي، ما رواه مسلمٌ عن أنس قال: بَيْنا رسولُ اللهِوَ﴿ ذاتَ يوم بين أظهرنا، إِذْ أَغْفَى إغفاءةً، ثم رفع رأسَه مُتَبَسِّماً، فقلنا: ما أَضحَكَكَ يا رسولَ الله؟ قال: ((نَزلَت عليَّ آنِفاً سورةٌ))، فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ﴾ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴿ إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْرَ﴾. وذكر الحديث(٤)، وسيأتي بكماله في سورة الكوثر إن شاء الله تعالى. الخامسة: الصحيحُ من هذه الأقوالِ قولُ مالك، لأنَّ القرآنَ لا يَثبُتُ بأخبار الآحاد، وإنما طريقُه التواترُ القطعيُّ الذي لا يُختَلَفُ فيه. قال ابنُ العربي: ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلافُ الناسِ فيها، والقرآنُ لا يُختَلَفُ فيه(٥). والأخبارُ الصِّحاحُ التي لا مَطعَنَ فيها دالَّةٌ على أنَّ البسملةَ ليست بآية من الفاتحة، ولا غيرها، إلا في النمل وحدَها. روى مسلم عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((قال اللهُ عز وجل: قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عَبدي نِصفَين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، قال اللهُ تعالى: حَمِدَني عبدي، وإذا قَال العبدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال اللهُ تعالى: أثنى عَلَيَّ عبدي، وإذا قال العبدُ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مَجَّدَني عبدي - وقال مرَّة: فَوَّضَ إليَّ عبدي - (١) في سنن الدارقطني: إحداها . (٢) ونقل الدارقطني بإثر الحديث عن أبي بكر الحنفي قوله: ثم لقيتُ نوحاً (يعني ابن أبي بلال) فحدثني به عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، بمثله، ولم يرفعه . (٣) محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، الناقد، شيخ المحدّثين، مات سنة (٢٧٧هـ). السير ١٣/ ٢٤٧. (٤) صحيح مسلم (٤٠٠)، وهو في مسند أحمد (١١٩٩٦). (٥) أحكام القرآن ١/ ٢ ووقع في (د) و(ز): لا يختلف الناس فيه. ١٤٦ مقدمة المصنف فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِمَ ا صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل))(١). فقولُه سبحانه: ((قَسَمتُ الصلاةَ)): يريدُ الفاتحةَ، وسَمَّاها صلاة، لأنَّ الصلاةَ لا تَصِحُّ إلا بها، فجعل الثلاثَ الآياتِ الأُوَلَ لنفسه، واختصَّ بها تباركَ اسمُه، ولم يختلف المسلمون فيها. ثم الآيةُ الرابعةُ جعلها بينه وبين عبده؛ لأنها تضمَّنَت تذَلِّلَ العبد، وطلبَ الاستعانةِ منه، وذلك يَتَضَمَّنُ تعظيمَ الله تعالى، ثم ثلاثُ آيات تتمةً سبع آيات. ومما يَدُلُّ على أنها ثلاثٌ قولُه: ((هؤلاء لعبدي)). أخرجه مالك(٢). ولم يَقُل: هاتان، فهذا يَدُلُّ على أنَّ ﴿أَنْعَمْتَ عليهم﴾ آيةٌ. قال ابنُ بُكَير(٣): قال مالكٌ: ﴿أَنْعَمْتَ عليهم﴾ آيةٌ. ثم الآيةُ السابعةُ إلى آخرها. فثبتَ بهذه القِسمةِ التي قَسَمَها اللهُ تعالى، وبقوله عليه السلام لأُبَيِّ: ((كيف تَقرأُ إذا افتَتَحتَ الصلاةَ؟» قال: فقرأتُ: ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ حتى أتيتُ على آخرها(٤) أنَّ البسملةَ ليست بآية منها. وكذا عدَّ أهلُ المدينة وأهلُ الشام وأهلُ البصرة. وأكثرُ القُرَّاء عَدُّوا ﴿أنعمت عليهم﴾ آية. وكذا روى قتادةُ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي هريرةَ قال: الآيةُ السادسةُ: ﴿أنعمت عليهم﴾(٥). وأمَّا أهلُ الكوفة من القُرَّاء والفقهاء، فإنهم عَدُّوا فيها ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ولم يَعُدُّوا ﴿أنعمت علیھم﴾(٦). فإن قيل: فإنها ثَبتَت في المُصحفِ، وهي مكتوبةٌ بخطّه، ونُقِلَت نَقْلَه، كما نُقِلَت في ((النمل))، وذلك متواترٌ عنهم؟ (١) صحيح مسلم (٣٩٥). وهو في مسند أحمد (٧٢٩١). (٢) الموطأ ٨٤/١ -٨٥، وهو في مسند أحمد (٩٩٣٢). (٣) يحيى بن عبد الله المخزومي مولاهم، أبو زكريا المصري، تكلموا في سماعه من مالك، توفي سنة (٢٣١ هـ). تهذيب التهذيب ٤/ ٣٦٨. (٤) قطعة من حديث أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٨٣. (٥) أورده السيوطي في الدر المنثور ١٦/١، ونسبه للثعلبي. (٦) الاستذكار ٢٠٠/٤ - ٢٠٢، والتمهيد ٢٠٠/٢٠ - ٢٠١. ١٤٧ القول في البسملة قلنا: ما ذكرتموه صحيحٌ، ولكن لكونها قرآناً، أو لكونها(١) فاصِلةً بين السور. كما رُويّ عن الصحابة: كُنَّا لا نَعرِفُ انقضاءَ السورة حتى تَنزِلَ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ أخرجه أبو داود(٢). أو تبرُّكاً (٣) بها، كما قد اتَّفقَتِ الأمَّةُ على كتبِها في أوائل الكُتُبِ والرسائل. كل ذلك محتمل. وقد قال الجُرَيْريُّ: سُئل الحسنُ عن ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾؟ قال: في صدور الرسائل (٤). وقال الحسنُ أيضاً: لم تَنزِلْ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في شيء من القرآن إلا في ((طس)): ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٥) [النمل: ٣٠]. والفَيصَلُ أنَّ القرآنَ لا يَثبُتُ بالنظر والاستدلال، وإنما يَثبُتُ بالنقل المتواتر القطعيِّ الاضطراري. ثم قد اضطربَ قولُ الشافعي فيها في أوَّل كلِّ سورة، فَدَلَّ على أنها ليست بآية من كلِّ سورة. والحمد لله. فإن قيل: فقد روى جماعةٌ قراءتها(٦)، وقد تولَّى الدار قطنيُّ جمعَ ذلك في جُزء صَحَّحَهُ(٧). قلنا: لسنا نُنكِرُ الروايةَ بذلك، وقد أشرنا إليها، ولنا أخبارٌ ثابتةٌ في مقابلتها، رواها الأئمةُ الثِّقاتُ، والفقهاءُ الأَثباتُ. رَوَت عائشةُ في ((صحيح)) مسلم قالت: كان رسولُ اللهِ وَل﴿ يَستفتِحُ الصلاةَ بالتكبير، والقراءةَ بالحمدُلله ربِّ العالمين، الحديث. وسيأتي بكماله(٨). (١) في (د) و(ز): ولكونها . (٢) (٧٨٨) من حديث ابن عباس، ولفظه: كان النبي ◌َّ لا يعرفُ فَضْلَ السورة حتى تنزل عليه ((بسم الله الرحمن الرحيم» . (٣) في النسخ الخطية: وتبركاً، والمثبت من (م). (٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١١٢٣). الجُريري: هو سعيد بن إياس أبو مسعود، والحسن: هو البصري . (٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥٣٨/١١ من قول عبد الله بن معبد الزِّمَّاني. (٦) في (م): قرآنيَّتها . (٧) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٣. (٨) صحيح مسلم (٤٩٨). وهو في مسند أحمد (٢٤٠٣٠)، وسيذكره المصنف أيضاً ص ٢٦٩ عند تفسير الآية (٣) في المسألة العشرين، والآية (٤٣) المسألة السابعة، كلتاهما في سورة البقرة. ١٤٨ مقدمة المصنف وروى مسلم أيضاً، عن أنس بن مالك قال: صلَّيتُ خلفَ النبيِّ وَّ وأبي بكر وعمرَ، فكانوا يستفتحون بالحمدُ لله ربِّ العالمين، لا يذكرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ لا في أوَّل قراءة، ولا في آخِرِها(١). ثم إنَّ مذهبَنا يترجَّحُ في ذلك بوجهٍ عظيم، وهو المعقولُ، وذلك أنَّ مسجدَ النبيِّ وَ* بالمدينةِ انقَرضَتْ(٢) عليه العصورُ، ومرَّت عليه الأزمنةُ والدُّهورُ، من لَدُنْ رسولِ اللهِ وَله إلى زمان مالك، ولم يَقرَأُ أحدٌ فيه قَطُ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ اتِّباعاً للسُّنَّةِ، وهذا يَرُدُّ أحاديثَكم. بَيْدَ أنَّ أصحابَنا استحبُّوا قراءَتها في النَّفل. وعليه تُحمَلُ الآثارُ الواردةُ في قراءتها، أو على السَّعةِ في ذلك(٣). قال مالكٌ: ولا بأسَ أن يقرأَ بها في النافلة، ومَن يعرِضُ القرآنَ عَرْضاً. وجُملةُ مذهب مالك وأصحابه: أنها ليست عندهم آيةً من فاتحة الكتاب ولا غيرها، ولا يقرأُ بها المصلِّ في المكتوبة [في فاتحة الكتاب] ولا في غيرها سرًّا ولا جَهْراً (٤)، ويجوزُ أن يقرأَها في النوافل. هذا هو المشهورُ من مذهبه عند أصحابه (٥). وعنه روايةٌ أخرى: أنها تُقرَأُ أوَّلَ السورة في النوافل، ولا تقرأُ أوَّلَ أُمِّ القرآن(٦). وروى عنه ابنُ نافع ابتداءً القراءة بها في الصلاة؛ الفَرضِ والنَّفل، ولا تُتْرَكُ بحال(٧). ومِن أهل المدينة مَن يقولُ: إنه لابُدَّ فيها من ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، منهم ابنُ عمر، وابنُ شهاب. وبه قال الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ(٨)، وأبو ثور(٩)، وأبو (١) صحيح مسلم (٣٩٩): (٥٢) وفيه أيضاً: وعثمان، وهو في المسند (١٣٣٣٧). (٢) في (م): انقضت . (٣) من قوله: ثم إن مذهبنا يترجح ... من أحكام القرآن لابن العربي: ٣/١ بتصرف يسير. (٤) في (ظ): لا يصلي بها المصلي في المكتوبة لا سرًّا ولا جهراً. (٥) الاستذكار ٢٠٥/٤، والتمهيد ٢٠٦/٢٠ - ٢٠٧. وما بين حاصرتين منهما . (٦) النوادر والزيادات ١٧٢/١ - ١٧٣. (٧) الذي في الاستذكار ٢٠٥/٤ أن هذا القول لابنٍ نافع - وهو عبد الله بنُ نافع الصائغ - من رواية يحيى بن يحيى عنه، فلعل الصواب في العبارة أن يقال: ورُوي عن ابن نافع ... (٨) ابن إبراهيم بن مخلد ابن راهويه، أبو يعقوب التميمي، المروزي، نزيل نيسابور، مات سنة (٢٣٨هـ). السير ١١/ ٣٥٨. (٩) هو إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي، الحافظ الفقيه، مات سنة (٢٤٠هـ)، السير ١٢ / ٧٢. ١٤٩ القول في البسملة عُبيد. وهذا يَدُلُّ على أنَّ المسألةَ مسألةٌ اجتهاديَّةٌ، لا قطعيَّةٌ كما ظَنَّهُ بعضُ الجُهَّال من المُتَفَّقِّهةِ، الذي يَلزَمُ على قوله تكفيرُ المسلمين، وليس كما ظَنَّ، لوجودِ الاختلافِ المذکورِ. والحمدُ لله. وقد ذهب جَمعٌ من العلماء إلى الإسرار بها مع الفاتحة، منهم أبو حنيفةً والثَّوريّ، ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وابنٍ مسعود، وعمَّار، وابنِ الزبير. وهو قولُ الحَكّم وحمّاد. وبه قال أحمدُ بنُ حنبل وأبو عُبيد، ورُوِيَ عن الأوزاعيِّ مثلُ ذلك. حكاه أبو عمر بن عبد البَرِّ في ((الاستذكار))(١). واحتجُّوا من الأثر في ذلك بما رواه منصورُ بن زاذان، عن أنس بن مالك قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِّ﴿ِ، فلم يُسمِعنا قراءةَ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾(٢). وما رواه عمَّار بن رُزَيق، عن الأعمش، عن شُعبةَ، عن ثابت، عن أنس قال: صلَّيتُ خلفَ النبيِّ وَّهِ، وخلفَ أبي بكر وعمرَ، فلم أَسمَعْ أحداً منهم يجهرُ ببسم الله الرحمن (٣) الرحيم(٣). قلتُ: هذا قولٌ حسنٌّ، وعليه تَتَّفِقُ الآثارُ عن أنس، ولا تَتَضادُّ، ویُخرَجُ به من الخلاف في قراءة البسملة. وقد رُوي عن سعيد بن جُبير قال: كان المشركون يَحضُرون المسجد(٤)، فإذا قرأ رسولُ اللهِ وَّهِ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قالوا: هذا محمدٌ يذكُر رحمانَ اليمامة - يعنون مُسَيلِمةَ - فَأُمِرَ أن يُخافِتَ ببسم الله الرحمن الرحيم، ونزلَ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠](٥). قال الترمذيُّ الحكيم أبو عبد الله (٦): فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذلك الرَّسم، (١) ٤ / ٢٠٧. (٢) أخرجه النسائي في السنن الصغرى ٢/ ١٣٥. (٣) أخرجه أحمد في المسند (١٣٧٨٤). ومن قول المصنف: واحتجوا من الأثر في ذلك ... من الاستذكار ٢١٠/٤ -٢١١. (٤) في (م): بالمسجد . (٥) أخرجه أبو داود في المراسيل (٣٤). وفي إسناده شريك بن عبد الله النَّخَعي، قال الحافظ في التقريب: يخطىء كثيرا . (٦) في نوادر الأصول ص٣٩٣، وقد نقل منه المصنف من قوله: وقد رُوي عن سعيد بن جبير ... ١٥٠ مقدمة المصنف وإن زالت العِلَّةُ، كما بقيَ الرَّمَلُ في الطّوافِ، وإن زالتِ العِلَّةُ، وبَقِيَت المُخافَتَةُ في صلاة النهار، وإن زالت العِلَّةُ. السادسة: اتَّفقَتِ الأمَّةُ على جواز كَتْبِها في أوَّل كلِّ كتاب من كُتُبِ العلم والرسائل، فإن كان الكتابُ ديوانَ شِعر؛ فروى مُجالدٌ، عن الشَّعبيِّ قال: أَجمَعُوا ألا يكتُبوا أمامَ الشِّعر ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. وقال الزُّهري: مَضَتِ السُّنَّةُ ألا يكتُبُوا في الشعر ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. وذهب إلى رَسْمِ التَّسميةِ في أوَّل كُتُبٍ الشعر سعيدُ بن جُبير، وتابعه على ذلك أكثرُ المتأخّرين. قال أبو بكر الخطيبُ: وهو الذي نختارُه، ونَستَحِبُّه(١). السابعة: قال الماورديُّ(٢): ويقال لمن قال: بسم الله: مُبَسْمِلٌ، وهي لغةٌ مُؤَلَّدةٌ، وقد جاءَت في الشعر، قال عمرُ بن أبي ربيعةً(٣): فيا حَبَّذا ذاك الحبيبُ المُبَسْمِلُ(٤) لقد بَسْمَلَتْ ليلى غَدَاةَ لَقِيتُها قلت: المشهورُ عن أهل اللغة: بَسمَلَ. قال يعقوبُ بن السِّكِّيت(٥) والمُطَرِّز(٦) والثعالبيُّ(٧) وغيرُهم من أهل اللُّغة: بَسمَلَ الرجلُ؛ إذا قال: بسم الله. يقال: قد (١) الجامع لأخلاق الراوي ١ /٤٠٥ - ٤٠٧. (٢) في تفسيره النكت والعيون ١/ ٥٠. والماوردي: هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري، الشافعي، أقضى القضاة، صاحب التصانيف، اتهمه ابن الصلاح بالاعتزال، وقال ابن حجر في لسان الميزان ٢٦٠/٤: ولا ينبغي أن يطلق عليه اسم الاعتزال، مات سنة (٤٠٥ هـ) . سير أعلام النبلاء ١٨ / ٦٤. (٣) أبو الخطاب المخزومي، شاعر قريش، ولد ليلة مقتل عمر رضي الله عنه، واستشهد غازياً في البحر سنة (٩٣ هـ) . السير ٤/ ٣٧٩. (٤) ديوانه ص ١١٧. (٥) أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن السِّكِّيت، البغدادي، النحوي، المؤدب، صاحب إصلاح المنطق . توفي سنة (٢٤٤ هـ). سير أعلام النبلاء ١٢ / ١٦. (٦) محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر الزاهد، اللغوي، المعروف بغلام ثعلب، له من التصانيف: اليواقيت، وشرح الفصيح، وفائت الفصيح، وغريب مسند أحمد، وغيرها. توفي سنة (٣٤٥هـ). بغية الوعاة ١/ ١٦٤. (٧) أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل النيسابوري شيخ العربية، الشاعر . صاحب يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر وفقه اللغة، توفي سنة (٤٣٠هـ). سير أعلام النبلاء ١٧ / ٤٣٧. ١٥١ القول في البسملة أكثرت من البسملة، أي: من قول بسم الله، ومثلُه: حَوْقَلَ الرجلُ؛ إذا قال: لا حَوْلَ ولا قوَّةً إلا بالله، وهَلَّلَ؛ إذا قال: لا إلهَ إلا اللهُ، وسَبْحَلَ؛ إذا قال: سبحانَ الله، وحَمدَلَ؛ إذا قال: الحمدُ لله، وحَيْصَلَ(١)؛ إذا قال: حَيَّ على الصلاة(٢)، وجَعفَلَ(٣)؛ إذا قال: جُعِلتُ فِداكَ، وطَبقَلَ(٤)؛ إذا قال: أطال اللهُ بقاءَك، ودَمْعَزَ؛ إذا قال: أدامَ اللهُ عِزَّكَ، وحَيفَل(٥)؛ إذا قال: حيَّ على الفلاح. ولم يَذكُرِ المُطَرِّزُ الحَيصَلَةَ؛ إذا قال: حيَّ على الصلاة، وجَعفَلَ؛ إذا قال: جُعِلتُ فِداكَ، وطَبقَلَ؛ إذا قال: أطال الله بقاءَك، ودَمعَزَ؛ إذا قال: أدام اللهُ عِزَّكَ. الثامنة: نَدَبَ الشَّرعُ إلى ذِكرِ البسملة في أوَّلِ كلِّ فِعل، كالأكلِ والشُّرب، والنَّحرِ، والجِماع، والطّهارة، وركوبِ البحر، إلى غير ذلك من الأفعال، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]. ﴿وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا بِسْمِ اللَّهِ تَحْرِبِهَا وَمُرْسَهَا﴾ [هود: ٤١]. وقال رسولُ الله وَّيهِ: ((أَغلِق بابَك، واذكُرِ اسمَ الله، وأَطفِئ مِصباحَكَ، واذكُرِ اسمَ الله، وخَمِّر إِناءَك، واذكُرِ اسمَ الله، وأَوٍ سِقاءَك، واذكُرٍ اسمَ الله))(٦)، وقال: ((لو أنَّ أحدكم إذا أرادَ أَن يأتيّ أهلَه قال: بسم الله، اللهمَّ جَنِّنا الشيطانَ، وجَنِّبِ الشيطانَ مارَزَقْتَنا، فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولدٌ في ذلك، لم يَضُرَّه شيطانٌ أبداً))(٧) وقال لعمرَ بنِ أبي سَلَمةَ(٨): ((يا غلامُ، سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ (١) في (د): حيعل . (٢) في فقه اللغة للثعالبي ص ٢٢٥: الحيعلة: حكاية قول المؤذن: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح . (٣) وكذا ذكر ابن القطاع في الأفعال١/ ١٩٧: جعفل. وأورد السيوطي في المزهر ٤٨٣/١ عن ابن السِّكيت وغيره أن حكاية قول القائل: جعلت فداك: الجعفدة . (٤) ذكر الثعالبي في فقه اللغة ص ٢٢٥ أن الطَّلبَقَّةَ حكاية قول القائل: أطال الله بقاءك. (٥) في (ظ): حيعل . (٦) أخرجه أحمد في المسند (١٤٤٣٤)، والبخاري (٣٢٨٠) بأتمَّ منه من حديث جابر رضي الله عنه. (٧) أخرجه أحمد في المسند (١٨٦٧)، والبخاري (٦٣٨٨)، ومسلم (١٤٣٤) من حديث ابن عباس، رضي الله عنهما . (٨) القرشي، المخزومي، الحبشي المولد، زَوَّجَ أَمَّه بالنبي ◌َ لٌ وهو صبي. توفي سنة (٥١هـ). السير ٤٠٦/٣. ١٥٢ مقدمة المصنف مما يَلِيكَ))(١)، وقال: ((إِنَّ الشيطانَ لَيَستَحِلُّ الطّعام ألَّا(٢) يُذكَرَ اسمُ اللهِ عليه))(٣). وقال: ((مَن لم يَذْبَح، فَليَذْبَح باسم الله))(٤)، وشكا إليه عثمانُ بنُ أبي العاص(٥) وَجَعاً يَجِدُه في جسدِه منذ أسلمَ، فقال له رسولُ اللهَ وَّهِ: ((ضَعِ يدَكَ على الذي يألمُ (٦) مِن جَسَدِك، وقُل: بسم اللهِ ثلاثاً، وقُل سبعَ مرَّات: أعوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وقُدرَتِهِ من شَرِّ ما أَجِدُ وأُحاذِرُ))(٧). هذا كلُّه ثابتٌ في الصحيح. وروى ابن ماجه والترمذيُّ عن النبيِّ وَّ قال: ((سَترُ ما بين الجِنِّ وعوراتٍ بني آدَمَ؛ إذا دَخَلَ الكَنِيفَ أن يقولَ: بسم الله))(٨) . وروى الدار قطنيُّ عن عائشةَ قالت: كان رسولُ الله ◌ِّوإذا مَسَّ طَهُورَه، سَمَّى الله تعالى، ثم يُفْرِغُ الماءَ على يديه(٩). التاسعة: قال علماؤنا: وفيها ردِّ على القَدَرِيَّةِ وغيرهم ممن يقول: إنَّ أفعالَهم مقدورةٌ لهم. وموضعُ الاحتجاج عليهم من ذلك أنَّ اللهَ سبحانه أمرَنا عند الابتداء بکلِ فِعلٍ أن نَفتَتِحَ بذلك، كما ذكرنا . فمعنى ((بسم الله)) أي: بالله، ومعنى ((بالله)) أي: بِخَلقِه وتقديرِه يُوصَلُ إلى ما يُوصَلُ إليه. وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ إن شاء اللهُ تعالى. (١) أخرجه أحمد في المسند (١٦٣٣٢)، والبخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (٢٠٢٢) من حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه . (٢) في (ظ): إلا أن . (٣) قطعة من حديث حذيفة رضي الله عنه، أخرجه أحمد (٢٣٢٤٩)، ومسلم (٢٠١٧). (٤) قطعة من حديث جندب بن سفيان البجلي رضي الله عنه، أخرجه أحمد (١٨٨١٥)، والبخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠). (٥) أبو عبد الله الثقفي، الطائفي، وفد مع قومه على النبي ◌َ لل سنة تسع فأسلموا، وأمَّرَه عليهم، وكان أصغرهم سنًّا، توفي سنة (٥١هـ). السير ٢/ ٣٧٤. (٦) في (م): تألم . (٧) أخرجه أحمد (١٦٢٦٨) (دون ذكر التسمية)، ومسلم (٢٢٠٢)، واللفظ له، من حديث عثمان بن أبي العاص، رضي الله عنه . (٨) سنن ابن ماجه (٢٩٧)، وسنن الترمذي (٦٠٦)، وهو من حديث علي رضي الله عنه. قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بذاك القوي . (٩) سنن الدارقطني ١/ ٧٢، وفيه: يسمِّ، بدل: سمَّى. ١٥٣ القول في البسملة وقال بعضُهم: معنى قوله: ((بسم الله)) يعني: بدأتُ بعون الله وتوفيقه وبَرَكّتِه. وهذا تعليمٌ من الله تعالى عبادَه، لِيَذكروا اسمَه عند افتتاح القراءةِ وغيرِها، حتى يكونَ الافتتاحُ ببركةِ اسمِهِ(١) جلَّ وعزَّ. العاشرة: ذَهَبَ أبو عُبيدة مَعمَرُ بنُ المُثَنَّى إلى أنَّ (اسم)) صِلَةٌ زائدةٌ، واستشهدَ بقول لَبِيد(٢) : إلى الحَولِ ثمَّ اسمُ السَّلامِ عليكُما ومَن يَبكِ حَوْلاً كاملاً فقدِ اعتَذَر فَذِكرُ (اسم)) زيادةٌ، وإنما أراد: ثم السلامُ عليكما(٣). وقد استدلَّ علماؤنا بقول لَبِيد هذا على أنَّ الاسمَ هو المسمَّى. وسيأتي الكلامُ فيه في هذا الباب وغيره، إن شاء الله تعالى(٤). الحادية عشرة: اختُلِفَ في معنى زيادةِ ((اسم)). فقال قُطرُبٌ(٥): زِيدَت لإجلال ذِكرِه تعالى وتعظيمِه. وقال الأخفشُ(٦): زِيدَت ليخرجَ بذِكرِها من حُكمِ القَّسَمِ إلى قَصدِ التبرُّك، لأنَّ أصلَ الكلام: بالله. الثانية عشرة: اختلفوا أيضاً في معنى دخولِ الباء عليه، هل دَخَلَت على معنى الأمرِ، والتقديرُ: إِبدَأ بسم الله ؟ أو على معنى الخبرِ، والتقديرُ: إِبتدأتُ بسم الله(٧)؟ قولان: الأوَّلُ للفرَّاء، والثاني للزجَّاجِ(٨). فـ((بسم)) في موضع نصب على التأويلين. وقيل: المعنى: ابتدائي بسم الله، فـ((بسم الله)) في موضع رفعِ خبرُ الابتداء. (١) في (م): ببركة الله . (٢) ابن ربيعة العامري، الصحابي، الشاعر، قال الشعر في الجاهلية دهراً ثم أسلم، وعُمِّرَ طويلاً. مات في الكوفة سنة (٤١ هـ). الإصابة ٩/ ٦. والبيت في ديوانه ص ٧٩. (٣) من قوله: ذهب أبو عبيدة ... من تفسير الماوردي ١/ ٤٧، وقد نقل قولَ أبي عبيدة ابنُ جني في الخصائص ٣/ ٢٩. (٤) ص ١٥٦، وفي المسألة الثالثة من قوله تعالى: ﴿وَلَّهِ آلْأَسْمَاءُ لَلُْْنَ فَدَعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. (٥) محمد بن المستنير أبو علي النحوي اللغوي، أخذ عن سيبويه وعن جماعة من العلماء البصريين . من كتبه معاني القرآن، والاشتقاق. توفي سنة (٢٠٦هـ). إنباه الرواة ٣/ ٢٢١. (٦) سعيد بن مسعدة، أبو الحسن البلخي البصري، إمام النحو، المعروف بالأخفش الأوسط، تلميذ سيبويه، مات سنة نيف عشرة ومئتين. السير ١٠/ ٢٠٨. (٧) في (د) و(ز): وتقديره ابتدأت بسم الله . (٨) النكت والعيون ٤٧/١ - ٤٨. ١٥٤ مقدمة المصنف وقيل: الخبرُ محذوفٌ، أي: ابتدائي مستقرٌّ أو ثابتٌ بسم الله، فإذا أظهرتَه، كان (بسم الله)) في موضعٍ نصبٍ بثابت أو مستقر، وكان بمنزلة قولِكَ: زيدٌ في الدار. وفي التنزيل: ﴿فَلَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِ﴾ [النمل: ٤٠] فـ((عندَه)) في موضعٍ نصبٍ، رُوي هذا عن نُحاةِ أهلِ البصرة. وقيل: التقديرُ: ابتدائي بسم الله موجودٌ، أو ثابتٌ، فـ((باسم)) في موضعٍ نصب بالمصدر الذي هوابتدائي. الثالثة عشرة: ((بسم الله)) تُكتَبُ بغير ألف، استُغنيَ(١) عنها بياء الإلصاقِ(٢) في اللَّفظ والخطّ، لكثرةِ الاستعمال، بخلاف قوله: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، فإنها لم تُحذَف، لقِلَّةِ الاستعمال. واختلفوا في حَذفِها مع الرحمن والقاهر. فقال الكِسائيُّ وسعيدٌ الأخفشُ: تُحذَفُ الألفُ. وقال يحيى بنُ زياد(٣): لا تُحذَفُ إلا مع ((بسم الله)) فقط، لأنَّ الاستعمالَ إنما كَثُرَ فيه(٤). الرابعة عشرة: واختُلِفَ في تخصيص باء الجرِّ بالكسر على ثلاثةِ معانٍ، فقيل: لِيُناسِبَ لفظُها عملَها. وقيل: لمَّا كانت الباءُ لا تَدخُلُ إلا على الأسماء، خُصَّت بالخَفْضِ الذي لا يكون إلا في الأسماءِ. الثالث: لِيُفَرَّقَ بينها وبين ما قد يكونُ من الحروف اسماً، نحو الكاف في قول الشاعر(٥): ورُخْنَا بِكَابْنِ الماءِ يُجْنَبُ وَسْطَنا أي: بمثل ابْنِ الماء، وما (٦) كان مثلُه. الخامسة عشرة: ((اسم)) وزنُه: افْعٌ، والذاهبُ منه الواو؛ لأنه من: سَمّوت، وجَمْعُه (١) في (م): استغناء. (٢) في (ظ): بالإلصاق . (٣) هو أبو زكريا الفرَّاء. وقد تحرفت كلمة ((زياد)) في النسخ و (م) إلى: ((وثاب)). (٤) ينظر المحرر الوجيز ٦٢/١، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٣. (٥) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص ١٧٦. وشطره الثاني: تصوّب فيه العين طوراً وترتقي، قال شارحه: يقول: رُحنا بفرس كأنه ابنُ الماء في خفته وسرعة عَذْوِه . وابن الماء طائر . (٦) في (م): أو ما . ١٥٥ القول في البسملة أسماءٌ، وتصغيره سُمَيٍّ. واختُلِف في تقدير أصله، فقيل: فِعْلٌ، وقيل: فُعْلٌ. قال الجوهريُّ: وأسماءٌ يكون جمعاً لهذا الوزن(١)، وهو مِثلُ جِذْع وأجْذاع، وقُفْل وأقْفال، وهذا لا تُدرَكُ صيغتُه إلا بالسَّماعِ. وفيه أربعُ لغات: اِسْمٌ، بالكسر، وأُسْمٌ، بالضم. قال أحمدُ بنُ يحيى(٢): مَن ضَمَّ الألفَ، أخذَه مِن: سَمَوتُ أَسمُو، ومَن كَسَرَ، أَخَذَه مِن: سَمِيتُ أَسمَى(٣). ويقال: سِمٌّ وسُمُ (٤)، ويُنْشَدُ: واللهُ أَسماكَ سُماً مُبارَكَا أَثَرَكَ اللهُ به إيثارَكَا وقال آخر : وعامُنا أَعجبَنا مُقَدَّمُهْ يُدْعَى أبا السَّمْحِ وقِرضَابٌ سُمُهْ مُبتَرِكاً لكلِّ عَظْمٍ يَلْحُمُه قَرْضَبَ الرجلُ: إذا أكلَ شيئاً يابساً، فهو قِرضابٌ. ◌ُمُهْ: بالضم والكسر جميعاً. ومنه قولُ الآخر: باسم الذي في كلِّ سُورةٍ سُمُهْ(٥) وسُكِّنَتِ السين من ((باسم)) اعتلالاً على غير قياس، وأَلِفُه أَلِفُ وَضْلٍ، وربما جَعَلَها الشاعرُ ألفَ قَطْعِ للضرورة، كقول الأحوص(٦): وما أنا بالمَخْسُوسِ في جِذْمِ مالكِ ولا مَنْ تَسَمَّى ثم يلتزمُ الإسما السادسة عشرة: تقولُ العربُ في النَّسب إلى الاسم: شُمويَّ، وإن شِئْتَ: اسْمِيّ؛ (١) في الصحاح (سما): وأسماء يكون جمعاً لهذين الوزنين . (٢) هو إمام النحو ثعلب، أبو العباس، البغدادي. مات سنة (٢٩١هـ). السير ١٤ / ٥. (٣) في معجم متن اللغة: سَمِيَ، كَرَضِيَ. وسَمَى، كرَمَى: لغتان في سما يسمو. وينظر الصحاح (سما، سلا، علا). (٤) وذكر أبو البركات الأنباري في الإنصاف ١٦/١، وأبو البقاء العكبري في الإملاء ٥/١، وغيرُهما، لغة خامسة، وهي: سُمى، مثل ضحى، وعُلى . (٥) ما سلف من الرجز أورده أبو البركات الأنباري في الإنصاف ١٥/١ -١٦، وابن منظور في اللسان (سما)، وأورد بعضّه ابن جني في المنصف ١/ ٦٠، وابن الشجري في أماليه ٢٨٠/٢ - ٢٨١. (٦) هو عبد الله بن محمد بن عبيد الله، أبو عاصم الأنصاري، من شعراء بني أمية. السير ٤/ ٥٩٣. والبيت في ديوانه ص ١٩٣. ١٥٦ مقدمة المصنف تركتَه على حاله. وجمعُه أسماءٌ، وجمعُ الأسماءِ أسام. وحكى الفرَّاءُ: أُعيذُكَ بأسماواتِ الله(١). السابعة عشرة: اختلفوا في اشتقاق الاسم على وجهين: فقال البصريون: هو مَشْتَقٌّ من السُّمُوّ، وهو العُلُوُّ والرِّفْعة، فقيل: اَسم، لأنَّ صاحبه بمنزلة المُرتَفِع به. وقيل: لأنَّ الاسمَ يسمو بالمُسَمَّى، فيرفَعُه عن غيره. وقيل: إنما سُمَِّ الاسمُ اسماً، لأنه علا بقوَّته على قِسْمَي الكلام: الحرفِ والفعلِ، والاسمُ أقوى منهما بالإجماع، لأنه الأصلُ، فَلِعُلُوِّه عليهما، سُمِّيَ اسماً. فهذه ثلاثةُ أقوال. وقال الكوفيون: إنه مُشتَقٍّ من السِّمَة، وهي العلامةُ، لأنَّ الاسمَ علامةٌ لمن وُضِعَ له. فأصلُ ((اسم)) على هذا: وسم. والأوَّلُ أصحّ؛ لأنه يقال في التصغير: سُمَيٍّ. وفي الجمع: أسماءٌ. والجمعُ والتَّصغيرُ يَرُدَّانِ الأسماء(٢) إلى أصولها، فلا يقال: وُسَيمٌ، ولا أوسامٌ. ويَدُلُّ على صِحَّته أيضا فائدةُ الخلاف، وهي: الثامنة عشرة: فإنَّ مَنْ قال: الاسمُ مُشتَقٌّ من العُلُوِّ، يقول: لم يَزَلِ اللهُ سبحانه موصوفاً قبل وجودِ الخَلْقِ وبعدَ وجودِهم، وعند فنائھم، ولا تأثیرَ لهم في أسمائه ولا صفاته، وهذا قولُ أهلِ السُّنَّة. ومَنْ قال: الاسمُ مُشتَقٌّ من السِّمَةِ، يقول: كان اللهُ في الأَزَلِ بلا اسم ولا صفةٍ، فلما خَلَقَ الخَلقَ، جعلوا له أسماءً وصفاتٍ، فإذا أفناهم، بَقِيَ بلا اسم وَلا صفةٍ، وهذا قولُ المعتزلة. وهو خلافُ ما أَجمعَت عليه الأمَّةُ، وهو أعظمُ في الخطأ مِن قولهم: إنَّ كلامَه مخلوقٌ، تعالى الله عن ذلك. وعلى هذا الخلافِ وقع الكلامُ في الاسم والمُسَمَّى، وهي: التاسعة عشرة: فذهب أهَلُ الحقِّ - فيما نقل القاضي أبو بكر بنُ الطَّيِّب - إلى أنَّ الاسمَ هو المُسَمَّى، وارتضاه ابنُ فُورَك(٣)، وهو قولُ أبي عُبيدةً وسيبويه. فإذا قال قائلٌ: اللهُ عالمٌ، فقوله دالٌّ على الذاتِ الموصوفةِ بكونه عالماً، فالاسمُ كونه عالماً، وهو المُسمَّى بعينه. وكذلك إذا قال: اللهُ خالقٌ، فالخالقُ هو الربُّ، وهو بعينه الاسمُ. فالاسمُ عندهم هو المُسمَّى بعينه مِن غير تَفْصيلٍ. (١) الصحاح للجوهري (سما). وينظر تاج العروس ١٠/ ١٨٤. (٢) في (م): الأشياء. (٣) أبو بكر محمد بن الحسن الأصبهاني، صنف التصانيف الكثيرة، كان أشعريًّا، رأساً في فن الكلام، توفي سنة (٤٠٦). سير أعلام النبلاء ٢١٤/١٧ ووفيات الأعيان ٤/ ٢٧٢. ١٥٧ القول في البسملة قال ابن الحصَّار: مَنْ ينفي الصفاتِ من المبتدِعةِ يَزْعُمُ أَنْ لا مدلولَ للتَّسمياتِ إلا الذاتُ، ولذلك يقولون: الاسمُ غيرُ المُسمَّى، ومَنْ يُثْبِتُ الصفاتِ، يُثْبِتُ للتَّسمياتِ مدلولاتٍ هي أوصافُ الذات، وهي غيرُ العبارات، وهي الأسماءُ عندهم. وسيأتي لهذا(١) مزيدُ بيان في ((البقرة)) و((الأعراف)) إن شاء الله تعالى(٢). المُوفية عشرين: قولُه: الله، هذا الاسمُ أكبرُ أسمائه سبحانه وأجمعُها(٣)، حتى قال بعضُ العلماء: إنه اسمُ الله الأعظمُ(٤)، ولم يَتَسمَّ(٥) به غيرُه، ولذلك لم يُثَنَّ، ولم يُجمَع. وهو أحدُ تأويلَي قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، أي: مَن تَسَمَّى باسمه الذي هو ((الله)). فاللهُ اسمٌ للموجود الحقِّ الجامع لصفات الإلهيَّة، المنعوت بِنُعوت الرُّبوبيَّةِ، المنفرد بالوجود الحقيقيِّ، لا إلهَ إلا هو سبحانه. وقيل: معناه: الذي يَسْتَحِقُّ أن يُعبَدَ. وقيل: معناه: واجبُ الوجود الذي لم يَزَّل ولا يزالُ، والمعنى واحدٌ. الحادية والعشرون: واختلفوا في هذا الاسم: هل هو مُشتَقِّ، أو موضوعٌ للذات عَلَم؟. فذهب إلى الأوَّل كثيرٌ من أهل العلم. واختلفوا في اشتقاقه وأصلِهِ. فروى سيبويهِ عن الخليل(٦)، أنَّ أصلَه إلاه، مثل فِعَال، فأُدخِلَت الألفُ واللامُ بدلاً من الهمزة. قال سيبويهِ: مثل: الناس، أصلُه أناس. وقيل: أصلُ الكلمةِ: لاه، وعليه دَخَلتِ الألفُ واللام للتَّعظيم، وهذا اختيارُ سيبويهِ(٧). وأُنشِدَ: (١) في (م): لهذه. (٢) عند قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، وعند قوله تعالى: ﴿وَلِلَِّ اَلْأَسْمَءُ الْمُسْنَى فَدَعُوهُ بِهَّ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. (٣) نقله البيهقي في الأسماء والصفات ١/ ٥٧ عن الحليمي. (٤) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف ٢٧٣/١٠ عن جابر بن زيد قال: اسم الله الأعظم الله، وحكاه أيضاً الماوردي في تفسيره ١/ ٥٠ عن أبي حنيفة . (٥) في (د) و(ز): يسمَّ . (٦) هو ابنُ أحمد أبو عبد الرحمن الفراهيدي، البصري، صاحب العربية، ومنشىء علم العروض. مات سنة بضع وستين ومئة، وقيل: بقي إلى سنة سبعين ومئة . سير أعلام النبلاء ٧/ ٤٢٩. (٧) ينظر الكتاب ١٩٥/٢ -١٩٦، ومعاني القرآن للزجاج ١٥٢/٥، واشتقاق أسماء الله للزجاجي ٢٣ -٢٩، والخصائص لابن جني ٢٨٨/٢، والأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٥٨. ١٥٨ مقدمة المصنف عنّي ولا أنتَ دَيَّانِي فتَخْزُوني(١) لاهِ ابنُ عَمِّك لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ كذا الرواية: فتخزوني، بالخاء المعجمة، ومعناه: تَسُوسُني. وقال الكِسائيُّ والفرَّاءُ: معنى ((بسم الله)): بسم الإله؛ فحذفوا الهمزةَ، وأدغموا اللَّمَ الأولى في الثانية، فصارتا لاماً مشدّدةً(٢)؛ كما قال عز وجل: ﴿لَّكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِ﴾ [الكهف: ٣٨]. ومعناه: لكنْ أنا، كذلك قرأها الحسنُ(٣). ثم قيل: هو مُشتَقٍّ من ((وَلِهَ)): إذا تحيَّرَ. والوَلَهُ: ذهابُ العقل. يقال: رجلٌ وَالِهٌ، وامرأةٌ والِهةٌ ووالِهٌ. وماءٌ مُؤْلَةٌ: أُرْسِلَ في الصحارَى. فالله سبحانه تَتَحَيَّرُ الألبابُ وتذهبُ في حقائق صفاته، والفِكْرُ في معرفته. فعلى هذا أصلُ ((إلاه)): ((وِلاه)). وأنَّ الهمزةَ مُبدَلَةٌ مِن واو، كما أُبدِلَت في إِشاح وَوِشاح، وإِسادةٍ وَوِسادة. ورُوي عن الخليل(٤). ورُوي عن الضحَّاك أنه قال: إنما سُمِّيَ ((الهُ)) إلهاً؛ لأنَّ الخَلقَ يتألَّهون إليه في حوائجهم، ويتضرَّعون إليه عند شدائِدِهم، وذُكِرَ عن الخليل بن أحمدَ أنه قال: لأنَّ الخَلقَ يَأْلَهُون إليه، بنصب اللام. ويَأْلِهُون أيضاً، بكسرها. وهما لغتان. وقيل: إنه مُشتَقٌّ من الارتفاع، فكانت العربُ تقول لكلِّ شيء مرتفعٍ: لاهاً، فكانوا يقولون إذا طَلَعتِ الشمسُ: لاهَتْ(٥). وقيل: هو مُشتَقٍّ من أَلَهَ الرجلُ: إذا تَعَبَّدَ. وَأَلَّهَ: إذا تنسَّك، ومِن ذلك قوله تعالى: (وَيَذَرِكَ وَإِلا هَتَّكَ) على هذه القراءة(٦)، فإنَّ ابنَ عباس وغيرَه قالوا: وعبادتَك(٧). (١) البيت الذي الإصبع العدواني، وهو في المفضليات ص ١٦٠، والخصائص ٢٨٨/٢ وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٩٥، والإنصاف لأبي البركات ابن الأنباري ١/ ٣٩٤. (٢) ينظر اشتقاق أسماء الله الحسنى ص ٢٣. (٣) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٨٠، وابن جني في المحتسب ٢٩/٢ وزادا نسبتها إلى أبي بن : كعب . (٤) المحرر الوجيز ٦٣/١، وينظر اشتقاق أسماء الله ٢٦ - ٢٧. (٥) من قوله: ورُوي عن الضحاك ... من تفسير أبي الليث السمر قندي ١/ ٧٦. (٦) الأعراف: ١٢٧، وذكر هذه القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٤٥، وابن جني في المحتسب ١/ ٢٥٦. (٧) أخرجه الطبري في تفسيره ١٢١/١-١٢٢، وأورد له قول رؤية: سَبَّحْنَ واستَرجَعْنَ من تألُّهي لله درُّ الغانياتِ المُدَّهِ ١٥٩ القول في البسملة قالوا: فاسمُ اللهِ مُشتَقٌّ من هذا (١)، فاللهُ سبحانه معناه: المقصودُ بالعبادة، ومنه قولُ الموحّدين: لا إلهَ إلا اللهُ، معناه: لا معبودَ غيرُ الله. و((إلا)) في الكلمةِ بمعنى ((غير))، لا بمعنى الاستثناء. وزَعَمَ بعضُهم أنَّ الأصلَ فيه («الهاءُ» التي هي الكنايةُ عن الغائب، وذلك أنهم أثبتوه موجوداً في فِطَرِ عقولهم، فأشاروا إليه بحرفِ الكِناية، ثم زِيدَت فیه لامُ الملك، إذ قد عَلِمُوا أنه خالقُ الأشياء ومالِكُها، فصار ((لَهُ))، ثم زِيدَت فيه الألفُ واللامُ تعظيماً وتفخيماً(٢). القول الثاني ذَهَبَ إليه جماعةٌ من العلماء أيضاً، منهم الشافعيُّ وأبو المعالي(٣) والخطَّابي والغزالي (٤) والمفضَّل وغيرُهم. ورُوِيَ عن الخليلِ وسيبويهِ: أنَّ الألفَ واللامَ لازِمةٌ له، لا يجوزُ حذفُهما منه(٥). قال الخطَّابيُّ: والدليلُ على أنَّ الألفَ واللامَ مِن بِنَّةِ هذا الاسمِ، ولم يدخُلا للتعريف، دخولُ حرفِ النِّداء عليه، كقولك: يا اللهُ، وحروفُ النِّداء لا تَجتمِعُ مع الألف واللام للتعريف، ألا ترى أنَّكَ لا تقولُ: يا الرحمنُ، ولا: يا الرحيمُ، كما تقول: يا اللهُ، فدلَّ على أنهما من بِنَةِ الاسمِ. والله أعلم (٦). الثانية والعشرون: واختلفوا أيضاً في اشتقاقٍ اسمه ((الرحمن))، فقال بعضُهم: لا اشتقاقَ له؛ لأنه من الأسماءِ المُختصَّةِ به سبحانه، ولأنه لو كان مُشتقًّا من الرحمة، لاتَّصلَ بذِكرِ المرحوم، فجاز أن يقال: اللهُ رَحمنٌ بعبادِهِ، كما يقال: رحيمٌ بعبادِه. وأيضاً لو كان مُشتقًّا مِن الرَّحمةِ، لم تُنكِرْه العربُ حين سَمِعُوه، إذ كانوا لا يُنكِرون (١) هو بنحوه في تفسير ابن عطية ١/ ٦٣، وأورد خلاله قول رؤية المذكور في التعليق قبله. (٢) من قوله: قول الموحدين .. من كلام الخطابي، ونقله عنه البيهقي في الأسماء والصفات ١/ ٥٨. (٣) هو عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني، إمام الحرمين، شيخ الشافعية، توفي سنة (٤٧٨هـ) . السير ١٨/ ٤٦٨. (٤) هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد أبو حامد الطوسي، الشافعي، صاحب الإحياء وغيره من التصانيف . توفي سنة (٥٠٥هـ) . السير ١٩/ ٣٢٢. (٥) ذكر قول الخليل البيهقيُّ في الأسماء والصفات ٥٨/١ نقلا عن الخطابي. (٦) نقل كلام الخطابي البيهقيُّ في الأسماء والصفات ١/ ٥٩. ١٦٠ مقدمة المصنف رحمةَ ربِّهم، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ لَسْحُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] الآية(١). ولمَّا كَتّبَ عليٍّ رضي الله عنه في صُلحِ الحُدَيبِيةِ بأمرِ النبيِّ ◌َّهِ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قال سُهَيل بن عمرو: أمَّا ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فما ندري ما ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾! ولكنِ اكتُبْ ما نَعرِفُ: باسمِكَ اللَّهُمَّ. الحديث(٢). قال ابنُ العربي: إنماجَهِلُوا الصِّفةَ دونَ الموصوف، واستدلَّ على ذلك بقوله(٣): ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]؟ ولم يقولوا: ومنِ الرحمنُ؟ قال ابنُ الحصَّار: وكأنَّه رحمه اللهُ لم يَقرَأ الآيةَ الأخرى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَينَ﴾ [الرعد: ٣٠]. وذهب الجمهورُ من الناس إلى أنَّ ((الرحمن)) مُشتَقٌّ مِنَ الرَّحمةِ، مَبنيٍّ على المبالغة، ومعناه: ذو الرَّحمةِ الذي لا نظيرَ له فيها، فلذلك لا يُثَنَّى، ولا يُجمَعُ، كما يُثَنَّى ((الرحيم))، ويُجمَعُ (٤). قال ابنُ الحصَّار: ومما يَدُلُّ على الاشتقاق ما خَرَّجَه الترمذيُّ وصحَّحه عن عبد الرحمن بن عَوفِ، أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ ◌ّهِ يقولُ: ((قال اللّهُ عزَّ وجلَّ: أنا الرحمنُ، خَلَقتُ الرَّحِمَ، وشَقَقتُ لها اسماً من اسمي، فمَنْ وَصَلَها، وَصَلْتُه، ومَنْ قَطَعَها، قَطَعْتُه))(٥). وهذا نصٌّ في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفةِ والشّقاقِ، وإنكارُ العرب له لِجَهلِهم بالله، وبما وَجَبَ له (٦). الثالثة والعشرون: زَعَمَ المُبَرّدُ - فيما ذكر ابنُ الأنباريِّ في كتاب ((الزاهر))(٧) له - (١) من كلام الخطابي، نقله عنه البيهقي في الأسماء والصفات ١٣٥/١ -١٣٦. (٢) أخرجه أحمد في المسند (١٣٨٢٧)، والبخاري (٢٧٣١ - ٢٧٣٢) من حديث المسور ومروان، ومسلم (١٧٨٤) من حديث أنس . (٣) في (م): بقولهم . (٤) الأسماء والصفات ١/ ١٣٦. (٥) سنن الترمذي (١٩٠٧)، وهو في مسند أحمد (١٦٨٦). (٦) وقد ردَّ ابن جرير الطبري في تفسيره ١/ ١٣٠-١٣٢ على من قال: إن العرب كانت لا تعرف ((الرحمن))، وأوردّ من أشعارهم ما يبيِّنُ أن هذه التسمية كانت معروفة عندهم، وأن إنكارهم هذا إنما هو جحود وتعنت في كفرهم . (٧) ٥٩/١، وقال فيه ابنُ الأنباريِّ: سمعتُ أبا العباس ... ويعني به شيخَه ثعلب. فذهب وهم المصنف=