النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
ترتيب سور القرآن وآياته
وغَيَّرتْ حالَها الخُطوبُ
أن بُدِّلَتْ أَهلَها وُحوشاً(١)
كأنَّ شَأنَيهما شَعِيبُ
عَيناكَ دَمعُهُما سَرُوبُ
أراد: عيناكَ دمعُهما سَروبُ لأَنْ تَبدَّلَت من أهلها وُحوشاً، فقَدَّمَ المؤخّر، وأخّرَ
المقدَّمَ. ومعنى سَروب: منصبٍّ على وجه الأرض من كثرته(٢)، ومنه السارِب،
للذاهب على وجهِه في الأرض. قال الشاعر(٣):
أنَّى سَرَبتٍ وكُنتِ غيرَ سَرُوبٍ
وقوله: شَأْنَيهما؛ الشأنُ: واحدُ الشؤون، وهي مَوَاصِلُ قبائلِ الرأس
ومُلتقاها(٤)، ومنها يجيءُ الدمع(٥). شَعِيب: مُتفرِّق.
فصل(٦)
وأما شَكْلُ المصحف ونَقْطُه، فَرُوِيَ أنَّ عبد الملك بن مروان(٧) أمرَ به وعَمِلَه،
فتجرَّد لذلك الحجَّاجُ(٨) بواسِط، وجدَّ فيه، وزادَ تحزيبَه(٩)، وأمرَ - وهو والي العراق -
(١) اضطربت النسخ في هذا الشطر من البيت، فوقع في (ظ): لأن تبدَّلت من أهلها وحوشاً (وعليه شرح
المصنف)، وفي (د): أن يبدل من أهلها ... ، وفي (م): أن بدلت منهم ... ، وما أثبتناه من ديوانه ص٢٤.
وقد اختلفت المصادر في روايته، فوقع في جمهرة أشعار العرب لابن أبي الخطاب القرشي ص ٤٦٠:
أإن تبدَّلت من أهلها ... ، وأعاده ص ٤٦٢: أن بدلت من أهلها. وفي شرح القصائد العشر للتبریزي ص
٣٢٥: وبُدِّلت من أهلها ... ، وفي المعلقات العشر للشنقيطي ص ١٧٠ : ويُدُلَت منهم ... ونقل شارح
ديوانه ص ٢٤ عن ابن كناسة قوله: لم أرَ أحداً يُنشد هذه القصيدة على إقامة العَروض.
(٢) قوله: من كثرته، ليس في (م).
(٣) هو قيس بنُ الخَطِيم، من الأوس، أدرك الإسلام ولم يسلم، ذكره ابن سلَّام في طبقاته ٢١٥/١. وتمام
البیت: وتُقَرِّبُ الأحلامُ غيرَ قريب. وهو في دیوانه ص٥٥.
(٤) في (د) و(ظ): وملتقاهما.
(٥) في (د) و(ظ): الدموع.
(٦) هذا الفصل بتمامه من المحرر الوجيز ٥٠/١.
(٧) ابن الحكم بن أبي العاص، الأموي، الخليفة، من رجال الدهر ودهاة الرجال، مات سنة (٨٦هـ).
السير ٢٤٦/٤.
(٨) ابن يوسف الثقفي، توفي سنة (٩٥هـ). السير ٣٤٣/٤.
(٩) في (ظ): تجزئته.

١٠٢
مقدمة المصنف
الحسنَ ويحيى بنَ يَعمَرَ (١) بذلك، وألَّفَ إثرَ ذلك بوَاسِط كتاباً في القراءات، جمعَ فيه
مارُوي من اختلاف الناس فيما وافق الخطّ، ومشى الناسُ على ذلك زماناً طويلاً،
إلى أن ألَّفَ ابنُ مجاهد كتابَه(٢) في القراءات.
وأسندَ الزُّبيديُّ في كتاب ((الطبقات))(٣) إلى المبرِّد أنَّ أَوَّلَ من نَقَطَ المصحفَ أبو
الأسود الدُّؤلي(٤)، وذكر أيضاً أنَّ ابنَ سِيرِينَ كان له مُصحفٌ، نَقَطَّهُ له يحيى بنُ يَعمَرَ(٥).
فصل
وأما وضعُ الأعشار، فقال ابن عطيَّة: مرَّ بي في بعض التواريخ أنَّ المأمون
العباسي(٦) أمر بذلك، وقيل: إنَّ الحجَّاجَ فعل ذلك(٧).
وذكر أبو عمرو الدَّاني في كتاب ((البيان)»(٨) له عن عبد الله بن مسعود، أنه كَرِه التَّعشيرَ
في المصحف، وأنه كان يَحُكُّه. وعن مجاهد أنه كره التعشيرَ والطَّيبَ في المصحف.
وقال أشهبُ(٩): سمعتُ مالكاً، وسُئلَ عن العُشُور التي تكون في المصحف
بالحُمرة وغيرها من الألوان، فكرهَ ذلك، وقال: تَعشِيرُ المصحف بالحِبر لا بأسَ به.
(١) هو أبو سليمان العدواني البصري المقرىء، قاضي مرو، مات قبل سنة (٩٠هـ). السير ٤٤١/٤.
(٢) في (د): كتاباً، وابن مجاهد: هو أحمد بن موسى بن العباس، أبو بكر البغدادي، المحدث النحوي
شيخ المقرئين، توفي سنة (٣٢٤هـ). السير ٢٧٢/١٥.
(٣) ص٢١، والزُّبيدي: هو محمد بن الحسن بن عبيد الله، أبو بكر الأندلسي، إمام النحو، توفي سنة
(٣٧٩هـ). السير ١٦/ ٤١٧.
(٤) ظالم بن عمرو، كان معدوداً في الفقهاء والشعراء والمحدِّثين، وهو أول من تكلم في النحو، مات سنة
(٦٩هـ). السير ٨١/٤.
(٥) المصدر السالف ص ٢٩.
(٦) هو عبد الله بن هارون الرشيد، أبو العباس، الخليفة، مات سنة (٢١٨هـ) السير ٢٧٢/١٠.
(٧) المحرر الوجيز ٥٠/١.
(٨) لعله البيان في عد آي القرآن، ذكره صاحب هدية العارفين ٦/ ٦٥٣. وقد أخرج أبو عمرو الدَّاني هذه
الآثار أيضاً (التي سیوردها المصنف عنه) في كتابه المحکم في نقط المصاحف ص١٤ - ١٧. وفيه بدل
أشهب: ابنُ وهب، وابن القاسم، وعبد الله بنُ عبد الحكم. وانظر فضائل القرآن لأبي عبيد ص ٢٤٠ .
٢٤٢، والمصنَّف لابن أبي شيبة ٥٤٩.٥٤٨/١٠، والمصاحف لابن أبي داود ص ١٣٩.١٣٨.
(٩) ابنُ عبد العزيز بن داود بن إبراهيم، مفتي مصر، يقال: اسمه مسكين، وأشهب لقب له، سمع مالك بنّ
أنس، مات سنة (٢٠٤هـ). ((السير) ٥٠٠/٩.

١٠٣
ترتيب سور القرآن وآياته
وسُئل عن المصاحف يُكتَبُ فيها خَواتِمَ السُّوَرِ في كلِّ سورة ما فيها من آية، قال: إني
أكرهُ ذلك في أمَّهاتِ المصاحف أن يُكتَبَ فيها شيء، أو يُشكّلَ، فأما ما يَتعلَّمُ به
الغِلمان من المصاحف، فلا أرى بذلك بأساً. قال أشهبُ: ثم أخرج إلينا مُصحفاً
لِجَدِّهِ، كَتَبَهُ إذ كتبَ عثمانُ المصاحفَ، فرأينا (١) خواتِمَهُ من حِبر، على عمل السلسلة
في طول السطر، ورأيتُه معجومَ الآي بالحِبر.
وقال قتادة: بدؤوا فنقَطوا، ثم خَمَّسوا، ثم عَشَّروا.
وقال يحيى بنُ أبي كثير: كان القرآنُ مجرَّداً في المصاحف، فأوَّلُ ما أحدثوا فيه
النَّقْطُ على الباء والتاء والثاء، وقالوا: لا بأسَ بهِ، هو (٢) نورٌ له، ثم أحدثوا نَقْطاً عند
منتهى الآي، ثم أحدثوا الفواتِحَ والخواتيمَ (٣) .
وعن أبي حمزةَ(٤) قال: رأى إبراهيمُ النَّخَعِيُّ في مُصحفي فاتحةً سورة كذا وكذا،
فقال لي: أُمحُهُ، فإنَّ عبدَ الله بن مسعود قال: لا تَخْلِطُوا في كتاب الله ماليس فيه.
وعن أبي بكر السَّرَّاج(٥) قال: قلتُ لأبي رَزِين(٦): أأكتبُ في مُصحفي سورةً كذا
وكذا؟ قال: إني أخافُ أن ينشأ قومٌ لا يعرِفونه، فيظنُّونه من القرآن.
قال الدَّاني رضي الله عنه: وهذه الأخبارُ كلُّها تُؤْذِنُ بأنَّ التعشيرَ والتخميسَ
وفواتِحَ السور ورؤوسَ الآي من عمل الصحابة رضي الله عنهم، قادَهم(٧) إلى عمله
الاجتهادُ. وأرى أنَّ من كَرِه ذلك منهم ومن غيرهم، إنما كَرِه أن يُعملَ بالألوان،
كالحُمْرةِ والصُّفْرة وغيرِهما، على أنَّ المسلمين في سائر الآفاق قد أطبقوا على جواز
ذلك واستعماله في الأمهات وغيرها. والحرَجُ والخطأ مرتفعان عنهم فيما أطبقوا عليه
إن شاء الله تعالى.
(١) في (د): فرأينا قرآناً.
(٢) في (د): ثم هو.
(٣) قال أبو عمرو في المحكم ص١٧: وهذا يدل على التوسعة في ذلك.
(٤) ميمون الأعور الكوفي، صاحب إبراهيم النخعي، من رجال التهذيب.
(٥) هو الزبرقان بن عبد الله الأسدي، كما ذكر ابن أبي داود في المصاحف ص١٣٨، من أهل الكوفة،
وذكره ابن حبان في الثقات ٣٤١/٦.
(٦) لعله مسعود بن مالك، الكوفي، وهو من رجال التهذيب، وانظر غاية النهاية في طبقات القراء ٢٩٦/٢.
(٧) في (د): فأداهم، ولم تجوّد اللفظة في (ظ).

١٠٤
مقدمة المصنف
فصل
وأما عددُ حُروفِه وأحزابه (١)، فروى سلَّام(٢) أبو محمد الحِمَّاني، أن الحجَّاجَ بنَ
يوسف جمع القُرَّاءَ والحُفَّاظَ والكُتَّاب، فقال: أخبروني عن القرآن كلِّه: كم من
حرفٍ هو ؟. قال: وكنتُ فيهم، فحسبنا، فأجمَعنا على أنَّ القرآن ثلاثُ مئة ألفٍ
حرفٍ، وأربعون ألفَ حرف، وسبعُ مئة حرف، وأربعون حرفاً. قال: فأخبروني إلى
أيِّ حرف ينتهي نصفُ القرآن؟ فإذا هو في الكهف: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [١٩] في الفاء.
قال: فأَخبِروني بأثلاثه، فإذا الثُّلثُ الأوَّلُ رأسُ مئة من براءة، والثلثُ الثاني رأسُ
مئة - أو إحدى ومئة - من ((طسم)) الشعراء، والثُّلثُ الثالثُ ما بقي من القرآن. قال:
فأخبروني بأسباعه على الحروف، فإذا أوَّلُ سُبع في النساء: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِ، وَمِنْهُم
مَّن صَدَّ﴾ [٥٥] في الدال، والسُّبعُ الثاني في الأعراف: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾(٣) [١٤٧]
في التاء، والسُّبعُ الثالثُ فِي الرَّعد: ﴿أُكُلُهَا دَآبٌِّ﴾ [٣٥] في الألف من آخِر
﴿أُكُلُهَا﴾، والسُّبعُ الرابعُ في الحجِّ: ﴿وَلِكُلّ أُمٍَّ جَعَلْنَا مَنسَكًا﴾ [٣٤] في
الألف، والسُّبعُ الخامسُ في الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ [٣٦] في الهاء،
والسُّبعُ السادسُ في الفتح: ﴿الَّانِيْنَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [٦] في الواو، والسُّبعُ
السابعُ ما بقي من القرآن.
قال سلَامٌ أبو محمد: عملناه في أربعة أشهر، وكان الحجَّاجُ يقرأُ في كلِّ ليلة
رُبعاً، فأوَّلُ رُبعه خاتِمةُ الأنعام، والرُّبعُ الثاني في الكهف: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [١٩] في
الفاء(٤). والربعُ الثالثُ خاتمةُ الزُّمَر، والربعُ الرابعُ مابقي من القرآن(٥). وفي هذه
الجملة خلافٌ مذكورٌ في كتاب ((البيان)) لأبي عمرو الدَّاني، من أراد الوقوفَ عليه،
وجده هناك.
(١) في (م): وأجزائه.
(٢) قال ابنُ أبي داود في المصاحف ص١١٩: إنما هو راشد. اهـ وهو ابنُ نَجِيح الحِمَّاني، من رجال
التهذيب.
(٣) في النسخ وعند ابن أبي داود: أولئك حبطت، وهو خطأ.
(٤) قوله: في الفاء، ليس في (م).
(٥) أخرجه ابنُ أبي داود في المصاحف ص ١١٩ - ١٢٠.

١٠٥
ترتيب سور القرآن وآياته
فصل
وأما عددُ آي القرآن في المدنيّ الأوَّل(١)، فقال محمدُ بن عيسى(٢): جميعُ عدد
آي القرآن في المدني الأوَّل ستةُ آلاف آية .
قال أبو عمرو: وهو العدد الذي رواه أهلُ الكوفة عن أهل المدينة، ولم يُسَمُّوا
في ذلك أحداً بعينه يُسندونه إليه.
وأما المدنيُّ الأخير، فهو في قول إسماعيل بن جعفر(٣) ستةُ آلاف آية، ومئتا آية،
وأربعَ عَشْرةَ آيَة .
وقال الفضلُ(٤): عددُ آي القرآن في قول المكيِّين ستةُ آلاف آية، ومئتا آية، وتسعَ
عَشْرةَ آية .
قال محمدُ بن عيسى: وجميعُ عددٍ آي القرآن في قول الكوفيِّين ستةُ آلاف آية،
ومئتا آية، وثلاثون وستُّ آيات، وهو العددُ الذي رواه سُليم(٥) والكِسائيُّ(٦)، عن
حمزةً(٧)، وأسنده الکِسائي إلى عليٍّ رضي الله عنه.
(١) نقل السيوطي في الإتقان ص ٦٧ عن أبي عبد الله الموصلي أن لأهل المدينة في عدد آي القرآن
عددَين، الأول: لأبي جعفر يزيد بن القعقاع (وهو من العشرة)، وشيبة بن نصاح مولى أم سَلَمة وختن
أبي جعفر. والثاني: لإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، وسيرد ذكره .
(٢) محمد بن عيسى بن إبراهيم، أبو عبد الله الأصبهاني، إمام في القراءات، وله اختيار في القراءة، صنف
كتاب الجامع في القراءات، وكتاباً في العدد، وغيرهما. مات سنة (٢٥٣هـ). طبقات القراء ٢/ ٢٢٣.
(٣) هو إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، الإمام الحافظ، أبو إسحاق الأنصاري، كان مقرىء المدينة في
زمانه . توفي سنة (١٨٠ هـ). السير ٢٣٠/٨، وطبقات القراء ١/ ١٦٣.
(٤) هو الفضل بن شاذان بن عيسى، أبو العباس الرازي، قال الداني: لم يكن في دهره مثل علمه وفهمه
وعدالته وحسن اطلاعه، مات في حدود (٢٩٠هـ). طبقات القراء ٢/ ١٠.
(٥) هو سُليم بن عيسى بن سليم، أبو عيسى - ويقال: أبو محمد - الحنفي مولاهم الكوفي المقرىء، عرض
القرآن على حمزة، وهو أخصُّ أصحابه، توفي سنة (١٨٨ هـ)، وقيل غير ذلك. طبقات القراء ٣١٨/١
وانظر السير ٩/ ٣٧٥.
(٦) أبو الحسن عليَّ بنُ حمزة شيخُ القراءة والعربية، اختار قراءة اشتهرت وصارت إحدى السَّبع، مات
بالري سنة (١٨٩هـ). السير ١٣١/٩، وطبقات القراء ١/ ٥٣٥.
(٧) هو ابن حبيب بن عمارة بن إسماعيل، أبو عمارة، التيمي، مولاهم، الكوفي، الزيات، شيخ القراء.
توفي سنة (١٥٦ هـ). انظر السير ٧ / ٩٠.

١٠٦
مقدمة المصنف
قال محمد: وجميعُ عددٍ آي القرآن في عدد البصريين ستةُ آلاف، ومئتان، وأربعُ
آيات، وهو العددُ الذي مضى عليه سلفُهم حتى الآن.
وأما عددُ أهل الشام، فقال يحيى بنُ الحارث الذِّماري(١): ستةُ آلاف ومئتان،
وستٍّ وعشرون. وفي رواية: ستةُ آلاف ومئتان وخمسٌ وعشرون، نقصَ آية.
قال ابن ذكوان(٢): فظننتُ أنَّ يحيى لم يعدَّ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
قال أبو عمرو: فهذه الأعدادُ التي يتداولُها الناسُ تأليفاً، ويعدُّون بها في سائر
الآفاق قديماً وحديثاً.
وأما كلماتُه؛ فقال الفضلُ بنُ شاذان: جميعُ كلمات(٣) القرآن - في قول عطاء بن
يسار - سبعةٌ وسبعون ألفاً، وأربعُ مئة، وتسعٌ وثلاثون كلمة. وحروفهُ ثلاثُ مئة ألف،
وثلاثةٌ وعشرون ألفاً، وخمسةَ عشرَ حرفاً .
قلت: هذا يُخالف ما تقدَّم عن الحِمَّاني قبل هذا.
وقال عبدُ الله بن كثير، عن مجاهد قال: هذا ما أَحصَينا من القرآن، وهو ثلاثُ
مئة ألف حرف، وأحدٌ وعشرون ألف حرف، ومئة وثمانون حرفاً، وهذا يخالف ما
ذكره قبل هذا عن الحِمَّاني من عدد(٤) حروفه.
باب ذكر معنى السورة والآية والكلمة والحرف
معنى السُّورةِ في كلام العرب: الإبانةُ لها من سُورة أخرى، وانفصالُها عنها،
وسُمِّيت بذلك لأنه يرتفعُ فيها من منزلة إلى منزلة. قال النَّابغةُ (٥):
أَلَم تَرَ أنَّ اللهَ أعطَاكَ سُورةً تَرىّ كُلَّ مَلْكِ دُونَها يَتَذَبِذَبُ
(١) أبو عمرو الغساني الذّماري، ثم الدمشقي، شيخ المقرئين إمام جامع دمشق، مات سنة (١٤٥هـ). السير
٦ / ١٨٩.
(٢) عبد الله بن أحمد، أبو عمرو، القرشي الدمشقي، شيخ الإقراء بالشام، وإمام جامع دمشق . توفي سنة
(٢٤٢ هـ) . طبقات القراء ١/ ٤٠٤.
(٣) في النسخ الخطية: كلام، والمثبت من (م).
(٤) في (م): عدّ.
(٥) زياد بن معاوية الذبياني، يكنى أبا أمامة، والنابغة لقب له، من فحول الشعراء . والبيت في ديوانه
ص ١٨. وانظر الشعر والشعراء ١ / ١٥٧.

١٠٧
معنى السورة والآية والكلمة والحرف
أي: منزلةَ شَرَف، ارتفعتَ إليها عن مَنزِل الملوك.
وقيل: سُمِّيت بذلك لِشَرَفِها وارتفاعِها، كما يُقال لما ارتفعَ من الأرض: سُور.
وقيل: سُمِّيت بذلك لأنَّ قارئها يُشرِفُ على ما لم يكن عنده، كسُورِ البناء. كلُّه بغير
همز .
وقيل: سُمِّيت بذلك لأنها قُطِعَت من القرآن على حِدَة، من قول العرب للبقيّة:
سُؤر، وجاء في أَسآرِ الناس، أي: بقاياهم، فعلى هذا يكون الأصلُ: سُؤرة بالهمزة،
ثم خُفِّفَت، فأُبدلت واواً، لانضمام ما قبلَها.
وقيل: سُمِّيت بذلك لتمامها وكمالها، من قول العرب للناقة التامَّة: سُورة.
وجمعُ سُورة: سُوَر، بفتح الواو. وقال الشاعر:
سُودُ المَحاجِرِ لا يَقرَأنَ بالسُّوَرِ (١)
ويجوز أن يُجمع على: سُؤْرَات، وسُوَرَات.
وأما الآيةُ، فهي العلامةُ، بمعنى أنها علامةٌ لانقطاع الكلام الذي قبلَها من الذي
بعدَها وانفصالِهِ، أي: هي بائنةٌ من أختها ومنفردةٌ. وتقولُ العَرَبُ: بيني وبين فلان
آيةٌ، أي: علامةٌ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٨].
وقال النابغة (٢):
تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها
لِستّةِ أعوام وذا العامُ سابعُ
وقيل: سُمِّيَت آية، لأنها جماعةُ حروف من القرآن، وطّائفةٌ منه، كما يقال:
خرج القومُ بآيَتِهم (٣)، أي: بجماعتهم. قال بُرْجُ بنُ مُسْهِر الطائي(٤):
بِآيَتِنا(٥) نُزْجي اللِّقاحَ المَطافِلا
خَرَجْنا من الثَّقْبَينِ لا حَيَّ مِعلُنا
(١) قائله الراعي، أبو جندل، عُبيد بن حُصَين النُّميري، من شعراء العصر الأموي. وصدر البيت: هنَّ الحرائرُ
لَا رَبَّاتُ أحمرة. وهو في ديوانه ص ١٢٢. وينظر الشعر والشعراء ١/ ٤١٥. ونُسب البيت أيضاً للقتَّال
الكلابي، وهو في ديوانه ص ٥٣، وسيرد البيت بتمامه عند تفسير الآية (٢٠) من سورة المؤمنون.
(٢) ديوانه ص ٧٩.
(٣) في (م): بآياتهم .
(٤) ابن الجُلاس، أحدُ بني جَديلة، ثم أحدُ بني طَريفٍ، من معمَّري الجاهلية. ينظر المؤتلف والمختلف
للآمدي ص ٨٠، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي ١/ ٦٨١، والبيت في إصلاح المنطق لابن السكيت
ص٣٣٧، والتنبيهات لعلي بن حمزة البصري ص٣٠٨، وانظر اللسان (أيا)، وخزانة الأدب ٦/ ٥١٥.
(٥) في (م): بآياتنا .

١٠٨
مقدمة المصنف
ج-
وقيل: سُمِّيَت آيَةً، لأنها عَجَبٌ، يَعجِزُ البشرُ عن التكلُّم بمثلها(١) .
واختلف النَّحويون في أصل ((آية))، فقال سيبويه(٢): أَيَّة على فَعَلَة، مثل: أَكَمَة،
وشَجَرَة، فلما تحرَّكت الياءُ، وانفتحَ ما قبلَها، انقلَبَت ألفاً، فصارَت آية، بهمزة
بعدَها مدَّة.
وقال الكِسائيُّ: أصلُها آبِيَة، على وزن فاعلة، مثلُ آمِنة، فقُلِبَتِ الياء ألفاً،
لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفَت، لالتباسِها بالجمع(٣).
وقال الفرَّاءَ(٤): أصلُها أيّية؛ بتشديد الياء الأولى، فقُلِبَت ألفاً كراهةً للتشديد،
فصارَت آية(٥) .
وجمعُها آيٌّ، وآياتٌ، وآياءٌ. وأنشدَ أبو زيد (٦):
لم يُبْقِ هذا الدَّهرُ من آيائِه غيرَ أثَافِيه وأَرْمِدَائِهِ (٧)
وأما الكلمةُ، فهي الصورةُ القائمةُ بجميع ما يختلطُ بها من الشُّبُهات، أي:
الحروف. وأطولُ الكَلِم في كتاب الله عزَّ وجلَّ مابلغَ عَشَرةً أحرف، نحو قوله تعالى:
﴿لَيَسْتَخْلِفَهُمْ﴾ [النور: ٥٥]، و﴿أَنْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: ٢٨]، وشبههما. فأما قولُه:
﴿فَلَسْقَيْتَكُمُ﴾ [الحجر: ٢٢]، فهو عشرةُ أحرف في الرسم، وأحدَ عشرَ في اللفظ.
وأقصَرُهُنَّ ما كان على حَرفَين، نحو: ما، ولا، ولك، وله، وما أشبه ذلك.
ومن حروف المعاني ما هو على كلمة واحدة، مثلُ همزة الاستفهام، وواو العطف،
إلا أنه لا يُنطقُ به مفرداً .
(١) وقع قوله: وقيل سميت آية لأنها عجب ... إلى هذا الموضع في (د) قبل قوله: قال برج بن مسهر ..
(٢) عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسي، البصري، إمام النحو، مات سنة (١٨٠هـ). السير ٨/ ٣٥٢.
(٣) الذي نقله ابن عطيّة في تفسيره ١/ ٥٧ عن الكسائي في تعليله هو قوله: حذفت الياء الأولى مخافة أن
يلتزم فيها من الإدغام ما لزم في ((دابَّة)). وينظر البحر المحيط ١٦٠/١، والدر المصون ١/ ٣٠٨.
(٤) يحيى بن زياد، أبو زكريا، الكوفي النحوي، له معاني القرآن، والمذكر والمؤنث، وغيرهما، مات
بطريق الحج سنة (٢٠٧ هـ). السير ١٠/ ١١٨.
(٥) المنقول عن الفرَّاء (كما في المصادر السالفة) أنها فَعْلَة، بسكون العين، ثم أُبدلت الياء الساكنة ألفاً،
استثقالاً للتضعيف .
(٦) سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، النحوي، صاحب كتاب النوادر، مات سنة (٢١٥هـ) . السير
٩ / ٤٩٤.
(٧) هو في أدب الكاتب ص ٥٨٧، والمنصف ١٤٣/٢، وينظر اللسان (رمد، أيا).

١٠٩
معنى السورة والآية والكلمة والحرف
وقد تكون الكلمةُ وحدَها آيةً تامَّة، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾.
﴿وَالْعَصْرِ﴾. وكذلك ﴿الَمَ﴾ و﴿الْمَّصّ﴾ و﴿طه﴾ و﴿يسَ﴾ و﴿حَمَ﴾ في قول
الكوفيِين، وذلك في فواتح السُّور، فأما في حَشْوِهنَّ، فلا .
قال أبو عمرو الدَّاني: ولا أعلم كلمة هي وحدَها آية إلا قولَه في ((الرَّحمن)):
﴿مُدْهَآَمَتَانِ﴾ [٦٤] لا غير(١).
وقد أتت كلمتانٍ متصلتان، وهما آيتان، وذلك في قوله: ﴿حَمّ ) عَسَقّ﴾
[الشورى: ١ و٢]. على قول الكوفيِّين لا غير.
وقد تكون الكلمةُ في غير هذا الآيةَ التامَّةَ، والكلامَ القائمَ بنفسه، وإن كان أكثرَ
أو أقلَّ، قال الله عز وجل: ﴿وَثَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْقَ عَلَ بَقِّ إِسْرَّهِيِلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾
[الأعراف: ١٣٧]. قيل: إنما يعني بالكلمة هاهنا قولَه تبارك وتعالى: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى
الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥] إلى آخر الآيتين، وقال عز وجل:
﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]؛ قال مجاهد: لا إله إلا الله، وقال النبيُّ ◌َّ:
((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتانٍ إلى الرحمن: سبحان اللهِ
وبحمده، سبحان الله العظيم))(٢). وقد تُسمِّي العربُ القصيدةَ بأسرها، والقصةَ كلَّها
كلمة، فيقولون: قال قُسِّ(٣) في كلمته كذا، أي: في خطبته. وقال زُهيرٌ في كلمته
كذا، أي: في قصيدته. وقال فلانٌ في كلمته، يعني في رسالته، فتُسمِّي(٤) جملةَ
الكلام كلمة، إذ كانت الكلمةُ منها، على عادتهم في تسميتهم الشيءَ باسم ما هو
منه، وما قاربَه وجاورَه، وكان بسبب منه، مجازاً واتِّساعاً.
وأما الحرف، فهو الشُّبهةُ القائمةُ وحدَها من الكلمة، وقد يُسمَّى الحرفُ كلمة،
والكلمةُ حرفاً، على ما بيَّنَّه من الاتِّساع والمجاز.
(١) وذكره السيوطيُّ في الإتقان ١/ ٦٦.
(٢) أخرجه أحمد (٧١٦٧) والبخاري (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
(٣) هو قُس بن ساعدة بن عمرو بن إياد، خطيبُ العرب وشاعرُها وحكيمها في عصره، يقال: إنه أول من
علا على شَرَف، وخطب عليه، وأولُ من قال في كلامه: أما بعد، وأول من اتكأ عند خطبته على سيف
أو عصا، أدركه الرسول وَله، ورآه بعكاظ. الأغاني ٢٤٦/١٥، وينظر الأوائل للعسكري ١/ ٨٤.
(٤) في (د): فسمي .

١١٠
مقدمة المصنف
قال أبو عمرو الدَّاني: فإن قيل: فكيف يُسمَّى ماجاء من حروف الهجاء في
الفواتح على حرف واحد، نحو ﴿صَّ﴾ و﴿قَّ﴾ و﴿تّ﴾ حرفاً أو كلمة؟ قلتُ:
كلمة لاحرفاً، وذلك من جهة أنَّ الحرفَ لا يُسكّتُ عليه، ولا ينفردُ وحدَه في
الصورة، ولا ينفصلُ مما يَختلِطُ به، وهذه الحروفُ مسكوتٌ عليها، منفردةٌ منفصلةٌ،
كانفرادِ الكَلِم وانفصالها، فلذلك سُمِّيت كلماتٍ لا حروفاً .
قال أبو عمرو: وقد يكون الحرفُ في غير هذا المَذهبَ والوجهَ، قال الله عز
وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] أي: على وجهٍ ومَذهب، ومن
ذلك قولُ النبيِّ وَّهِ: ((أُنزِلَ القرآنُ على سبعة أحرف))(١) أي: سبعة أوجه من اللغات،
والله أعلم.
باب هل ورد في القرآن كلماتٌ خارجةٌ عن لغات العرب، أو لا
لاخلافَ بين الأمة (٢) أنه ليس في القرآن كلامٌ مرَّبٌ على أساليبٍ غيرِ العرب،
وأنَّ فيه أسماءً أعلاماً لِمن لسانُه غيرُ لسان العرب، كإسرائيلَ، وجبريلَ، وعمرانَ،
ونوح، ولوط.
واختلفوا هل وقعَ فيه ألفاظٌ غيرُ أعلام(٣) مفردةٌ من غير كلام العرب ؟
فذهب القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب والطبريُّ(٤) وغيرُهما إلى أنَّ ذلك لا يُوجد فيه،
وأنَّ القرآنَ عربيٍّ صريحٌ، وما وُجد فيه من الألفاظ التي تُنسب إلى سائر اللُّغات إنما
اتَّفق فيها أن تواردت اللُّغاتُ عليها(٥)، فتكلَّمَت بها العربُ والفُرسُ والحبشةُ
وغيرهم.
وذهبَ بعضُهم إلى وجودها فيه، وأنَّ تلك الألفاظَ لِقِلَّتها لا تُخرِجُ القرآنَ عن كونه
عربيًّا مُبِيناً، ولا رسولَ الله عن كونه مُتكلِّماً بلسان قومه. فالمِشكاةُ: الكَوَّةُ، ونشأً:
(١) سلف تخريجه ص ٧١.
(٢) في (م): الأئمة .
(٣) في (د): وقع فيه أعلام .
(٤) تفسير الطبري ١٤/١ - ٢٠.
(٥) قوله: عليها من (م).

١١١
هل ورد في القرآن كلمات خارجة عن لغات العرب
قامَ من الليل، ومنه: ﴿إِنَّ نَاشِئَةً أََّلِ﴾ [المزمل: ٦]، و﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ [الحديد: ٢٨]
أي: ضِعْفَين، و﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةَ﴾ [المدثر: ٥١]، أي: الأسد، كلَّه بلسان الحبشة.
والغَسَّاقُ: الباردُ المُنتنُ، بلسان التُّرك، والقِسطاسُ: الميزانُ، بلغة الرُّومِ،
والسِّجِّيلُ: الحجارةُ والطين، بلسان الفُرس، والظُورُ: الجبلُ، واليَمُّ: البحرُ،
بالسُّريانية، والتّثُّور: وَجْهُ الأرض، بالعجمية.
قال ابن عطية: فحقيقةُ العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية، لكن
استعملتها العربُ، وعَرَّبَتها، فهي عربيةٌ بهذا الوجه. وقد كان للعرب العاربة التي نزل
القرآنُ بلسانها(١) بعضُ مخالطة لسائر الألسنةِ بتجارات، وبرحلَتَي قريش، وكسفرٍ
مُسافر بن أبي عمرو (٢) إلى الشام، وكسفر عمرَ بن الخطاب، وكسفر عمرو بنٍ
العاصي وعُمارة بن الوليد(٣) إلى أرض الحبشة، وكسفرٍ الأعشى إلى الجِيرة،
وصُحبته لنصاراها، مع كونه حُجَّةً في اللُّغة، فعَلِقت العربُ بهذا كلِّه ألفاظاً أعجمية
غيَّرت بعضَها بالنقص من حروفها، وجَرَت إلى تخفيف ثِقَّلِ العُجْمَة، واستعملَتها في
أشعارها ومحاوراتها، حتى جرت مَجرى العربيِّ الصحيح(٤)، ووقع بها البيانُ،
وعلى هذا الحدِّ نزل بها القرآنُ. فإن جَهِلَها عربيٍّ مَا، فكَجَهله الصريحِ بما في لغة
غيره، كما لم يَعرِف ابنُ عباس معنى ((فاطر))(٥) إلى غير ذلك.
قال ابن عطية(٦): وما ذهب إليه الطبريُّ رحمه الله من أنَّ اللُّغتين اتفقتا في لفظة
لفظة، فذلك بعيدٌ، بل إحداهما أصلٌ، والأخرى فرعٌ في الأكثر(٧)، لأنَّا لا(٨) ندفع
أيضاً جوازَ الاتفاق قليلاً شاذًّا.
(١) في (د): بلغاتها .
(٢) یکنی أبا أمیة، کان سیداً جواداً، وهو أحدُ شعراء قریش، وکان یناقضُ عمارة بن الوليد، وله شعر لیس
بالکثیر . الأغاني ٩/ ٤٩ - ٥٥.
(٣) الجاهلي المخزومي، أحد مَن دعاعليهم النبي وه، ومات كافراً. الإصابة ٨/ ٢٤.
(٤) في المحرر الوجيز (والكلام منه) ١/ ٥١: الصريح .
(٥) سلفت هذه القصة ص ٧٦.
(٦) المحرر الوجيز ١/ ٥١.
(٧) قوله: في الأكثر، من المحرر الوجيز.
(٨) في (ز) و(ظ): لا أنا، وفي (د): لأنا، والمثبت من المحرر الوجيز.

١١٢
مقدمة المصنف
قال غيره: والأوَّلُ أصحُ.
وقوله: هي أصلٌ في كلام غيرهم، دَخيلةٌ في كلامهم، ليس بأولى من العكس،
فإنَّ العربَ لا يخلُو أن تكونَ تخاطَبَت بها، أو لا، فإن كان الأوَّل، فهي من كلامهم،
إذ لا معنى للغتهم وكلامِهم إلا ما كان كذلك عندَهم، ولا يَبعُدُ أن يكونَ غيرُهم قد
وافقَهم على بعض كلماتهم، وقد قال ذلك الإمام الكبير أبو عبيدة(١).
فإن قيل: ليست هذه الكلماتُ على أوزان كلام العرب، فلا تكون منه.
قلنا: ومَن سلَّم لكم أنكم حصرتُم أوزانَهم حتى تُخرجوا هذه منها ؟ فقد بحث
القاضي عن أصول أوزان كلام العرب، وردّ هذه الأسماءَ إليها على الطريقة النَّحوية.
وأما إن لم تكن العربُ تخاطَبَت بها، ولا عَرَفَتها، استحالَ أن يُخاطِبَهم اللهُ بما
لا يَعرِفون، وحينئذ لا يكون القرآنُ عربيًّا مِيناً، ولا يكون الرسولُ مُخاطِباً لقومه
بلسانهم. والله أعلم.
باب ذكرٍ نُكت في إعجاز القرآن، وشرائط المعجزة وحقيقتها
المعجزةُ واحد (٢) معجزات الأنبياءِ الدَّالة على صدقهم، صلواتُ الله عليهم،
وسُمِّيَت مُعجِزةً لأنَّ البشرَ يَعجِزُون عن الإتيان بمثلها .
وشرائِطُها خمسةٌ، فإن اختلَّ منها شرطٌ، لا تكون معجزة:
فالشرطُ الأوَّل من شروطها: أن تكونَ مما لا يَقِدرُ عليها إلا اللهُ سبحانه. وإنما
وجبَ حصولُ هذا الشرطِ للمعجزة، لأنه لو أتى آتٍ في زمانٍ يَصِحُ فيه مجيءُ
الرُّسُل، وادَّعى الرسالةَ، وجعلَ معجزتَه أن يتحرَّكَ ويسكُن، ويقومَ ويقعُدَ، لم يكن
هذا الذي ادَّعاه معجزةً له، ولا دالاً على صدقه، لقدرة الخلق على مثله، وإنما يجبُ
أن تكونَ المعجزاتُ كفَلْقِ البحر، وانشقاقِ القمر، وما شاكلَها مما لا يقدرُ عليها
البشر.
(١) معمر بن المثنى التيمي البصري النحوي، صاحب التصانيف، قال المبرّد: كان هو والأصمعي متقاربين
في النحو، وكان أبو عبيدة أكمل القوم، مات سنة (٢٠٩هـ)، وقيل غير ذلك . السير ٩/ ٤٤٥.
(٢) في (م): واحدة.

١١٣
نكت في إعجاز القرآن وشرائط المعجزة وحقيقتها
والشرطُ الثاني: هو أن تَخرِقَ العادةَ. وإنما وجبَ اشتراطُ ذلك، لأنه لو قال
المدَّعي للرسالة(١): آيتي مجيءُ الليل بعدَ النهار، وطلوعُ الشمسِ من مَشرِقها، لم
يكُن فيما اذَّعاه معجزة، لأنَّ هذه الأفعالَ، وإن كان لا يَقدِرُ عليها إلا اللهُ، فلم تُفْعَل
من أجله، وقد كان قبلَ دَعواه على ما هي عليه في حين دعواهُ، ودعواه في دلالتها
على نبوَّته، كدعوى غيره، فبانَ أنه لا وجهَ له لاستشهاده بها(٢) يَدُلُّ على صِدقه.
والذي يَستَشهِدُ به الرسولُ عليه السلام له وجهٌ يَدُلُّ على صِدقِه، وذلك أن يقول:
الدليلُ على صدقي أن يَخرِقَ اللهُ تعالى العادةَ من أجل دعواي عليه الرسالةَ، فَيَقِلبَ
هذه العصا تُعباناً، ويَشُقَّ الحجرَ، ويُخرِجَ من وَسِطِه ناقة، أو يُنبِعَ الماءَ من بين
أصابعي، كما يُنبِعُه من العين، أو ما سوى ذلك من الآيات الخارقة للعادات، التي
يَنفرِدُ بها جبَّارُ الأرضِ والسماوات، فتقومُ له هذه العلاماتُ مقامَ قولِ الربِّ سبحانه
- لو أَسمَعَنا كلامَه العزيزَ وقال -: صَدَقَ، أنا بعثُه.
ومثالُ هذه المسألةِ - ولله ولرسوله المَثَلُ الأعلى - ما لو كانت جماعةٌ بحضرة
ملك من ملوك الأرض، وهم بمرأى أو مسمع منه، فقال أحد رجاله والملكُ
يَسمَعُهُ(٣): الملكُ - أيها الجماعة(٤) - يأمُرُكم بَكذا وكذا، ودليلُ ذلك أنَّ الملكَ
يُصدِّقُني بفعل من أفعاله، وهو أَن يُخرِجَ خاتِمَهُ من يده قاصداً بذلك تصديقي، فإذا
سمع الملكُ كلامَه لهم، ودعواه فيهم، ثم عَمِلَ ما استَشهَدَ به على صِدقه، قام ذلك
مقامَ قوله - لو قال -: صَدَقَ فيما ادَّعاه عليَّ. فكذلك إذا عَمِلَ اللهُ عملاً لا يَقدِرُ عليه
إلا هو، وخَرَقَ به العادةَ على يدي(٥) الرسول، قام ذلك الفعلُ مقامَ كلامه تعالى لو
أسمَعَناه(٦) وقال: صَدَقَ عبدي في دعوى الرسالةِ، وأنا أرسلتُه إليكم، فاسمعوا له
وأطيعوا .
(١) في (ظ): مدعي الرسالة.
(٢) قوله: لاستشهاده بها، من (د) و(ز)، وفي (ظ): لا وجه يدل ...
(٣) في (م): وقال أحد رجاله وهو بمرأى منه والملك يسمعه .
(٤) في (م): الملك يأمركم أيها الجماعة .
(٥) في (م): ید .
(٦) في (د): سمعناه .

١١٤
مقدمة المصنف
والشرطُ الثالثُ: هو أَن يَستَشهِدَ بها مُدَّعي الرسالةِ على الله عزَّ وجلَّ، فيقولَ:
آيتي أن يَقلِبَ الله سُبحانه هذا الماءَ زَيتاً، أو يُحرِّكَ الأرضَ عند قولي لها: تزلزلي،
فإذا فعلَ اللهُ سبحانه ذلك، حصل المُتَحدَّی به.
الشرطُ الرابعُ: هو أن تقعَ على وَفقِ دعوى المتحدِّي بها، المُستَشهِدِ بكونها
معجزةً له. وإنما وجبَ اشتراطُ هذا الشرطِ؛ لأنه لو قال المدَّعي للرسالة: آيةُ نبؤَّتي
ودليلُ حُجَّتي أن تَنطِقَ يدي، أو هذه الذَّابَّةُ، فنَطَقَت يدُه، أو الدَّابَّةُ، بأَن قالت:
كذبَ، وليس هو بنبي، فإنَّ هذا الكلامَ الذي خَلَقَه اللهُ تعالی دالٌّ علی گذِبٍ ذلك
المدَّعي للرسالة؛ لأنَّ ما فعلَه اللهُ لم يَقَع على وَفقِ دعواه. وكذلك ما يُروَى أنَّ
مُسَيلِمَةَ الكذَّابَ - لعنه الله - تَفَلَ في بئر ليَكثُرَ مَاؤُها، فغارَت البئرُ، وذهبَ ماكانَ فيها
من الماء(١)، فما فعلَ اللهُ سبحانَه من هذا، كان من الآياتِ المُكَذِّبةِ لمن ظَهرَت علىِ
يديه، لأنها وقَعت على خلافٍ ما أراده المُتَنَبِّئُ الكذَّابُ.
والشرطُ الخامسُ من شروط المعجزة: ألا يأتيَّ أحدٌ بمثل ما أتى به المُتحدِّي
على وجهِ المعارضة، فإن تَمَّ الأمرُ المتحدَّى به، المُسْتَشْهَدُ به على النبوّة، على هذا
الشرطِ، مع الشروط المتقدمة، فهي معجزةٌ دالَّةٌ على نُبوَّةٍ مَن ظَهَرَت على يده، فإن
أقامَ الله تعالى مَن يُعارِضُه حتى يأتي بمثل ما أَتى به، ويَعْمَلَ مثلَ ما عَمِلَ، بَطَلَ كونُه
نبيًّا، وخَرَجَ ما ظَهَرَ على يديه(٢) عن كونه مُعجِزاً، ولم يَدُلَّ على صِدقه، ولهذا قال
المولى سبحانه: ﴿فَيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ: إِن كَانُواْ صَدِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤]، وقال:
يَقُولُونَ أَفْتَرَنٌَّ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُورٍ مِثْلِهِ، مُفْتَيَتٍ﴾ [هود: ١٣]. كأنه يقول: إن اذَّعيتُم
أنَّ هذا القرآنَ من نَظم محمد ﴿ وعملِهِ، فاعمَلُوا عَشْرَ سُورٍ من جنس(٣) نَظِهِ، فإذا
عَجَزْتُم بأسركم عن ذلك، فاعلموا أنه ليس مِن نَظْمِهِ، ولا مِن عَمَلِه.
لا يقال: إنَّ المعجزاتِ المقيَّدةَ بالشروط الخمسةِ لا تظهر إلا على أيدي
(١) أورد الطبريُّ هذه القصة في تاريخه ٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥ ضمن خبر مسيلمة.
(٢) قوله: ما ظهر على يديه، ليس في (م).
(٣) في (ظ): حسن .

١١٥
نكت في إعجاز القرآن وشرائط المعجزة وحقيقتها
الصادقین، فهذا المسيح(١) الدَّجَال ـ فیما رویتُم عن نبێکم ◌ُڑ ۔ یظهر على يديه من
الآيات العِظام، والأمورِ الجِسام، ما هو معروفٌ مشهورٌ.
فإنَّا نقول: ذلك يدَّعي الرسالةَ، وهذا يدَّعي الرُّبوبيَّةَ، وبينهما من الفُرقان مابين
البُصَراءِ والعُميانِ، وقد قام الدليلُ العقليُّ على أنَّ بِعثةَ بعضِ الخَلقِ إلى بعض غيرُ
مُمتنعَة، ولا مُستحيلة، فلم يَبعُد أن يُقيمَ الله تعالى الأدلَّةً على صِدق مخلوق أتى عنه
بالشرع والمِلَّةِ.
ودلَّت الأدلَّةُ العقليَّةُ أيضاً على أنَّ المسيح الدَّجَّال فيه التصويرُ والتغييرُ(٢) من
حال إلى حال، وثبت أنَّ هذه الصفاتِ لا تليقُ إلا بالمُحدَثات، تعالى ربُّ البريَّات
عن أَن يُشِهَ شيئاً، أو يُشبِهَهُ شيءٌ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
فصل
إذا ثبتَ هذا، فاعلَمْ أنَّ المعجزاتِ على ضربیْن:
الأول: ما اشْتَهَرَ نقلُه وانقرضَ عصرُه بموت النبيِّ ◌َ﴾.
والثاني: ما تواترتٍ(٣) الأخبارُ بصحته وحصولِه، واستفاضَت بثبوته ووجوده،
ووقع لسامعها العلمُ بذلك ضرورة.
ومن شرطه أَن يكونَ الناقلون له خلقاً كثيراً وجمًّا غَفِيراً، وأن يكونوا عالِمين بما
نقلوه عِلماً ضرورياً، وأن يستويّ في النقل أوَّلُهم وآخِرُهم ووسطُهم في كثرةٍ العدد،
حتى يستحيلَ عليهم التواطؤُ على الكذب. وهذه صفةُ نقلِ القرآن، ونقلٍ وجودِ النبيِّ
عليه الصلاة والسلام، لأنَّ الأمةَ رضي الله عنها لم تَزَل تنقُلُ القرآنَ خَلَفاً عن سَلَف،
وَالسَّلَفُ عن سَلَفِهِ، إلى أن يتَّصِلَ ذلك بالنبيِّ عليه السلام، المعلومِ وجودُه
بالضرورة، وصِدقُه بالأدلَّةِ المُعجِزات، والرسولُ أخذَه عن جبريل عليه السلام، عن
ربِّه عزَّ وجلَّ، فنقَلَ القرآنَ في الأصل رسولانِ معصومانٍ من الزيادة والنُّقصان، ونقلَه
(١) في (د) و(م): المسيخ (بالخاء المعجمة). ويقال له كذلك، وسيذكر المصنف الأقوال في تسميته
بذلك، عند تفسير قوله تعالى من سورة آل عمران: ﴿أَسْمُ اَلْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ﴾ الآية ٤٥.
(٢) في النسخ الخطية: والتغير، والمثبت من (م).
(٣) في النسخ الخطية: تواردت، والمثبت من (م).
١

١١٦
مقدمة المصنف
إلينا بعدَهم أهلُ التواتر، الذين لا يجوزُ عليهم الكذبُ فيما ينقُلونه ويسمَعونه، لكثرةٍ
العدد، ولذلك وقع لنا العلمُ الضروريُّ بصدقهم فيما نقلوه، من وجودٍ محمد ◌َّآ،
ومن ظهور القرآن علی یدیه، وتحدِیه به.
ونظيرُ ذلك من عِلم الدنيا: عِلمُ الإنسانِ بما نُقِلَ إليه من وجود البُلدان، کالبصرة
والشام، والعراقٍ وخُراسان، والمدينةِ ومكَّةَ، وأشباهِ ذلك من الأخبار الكثيرة
الظاهرة(١) المتواترة. فالقرآنُ معجزةُ نبيِّنَا وَ ﴿ الباقيةُ بعدَه إلى يوم القيامة. ومُعجزةٌ
كلِّ نبيِّ انقرضَت بانقراضه، أو دخلَها التبديلُ والتغييرُ، كالتوارة والإنجيل.
ووجوهُ إعجاز القرآن العظيم (٢) عشرة:
منها: النَّظمُ البديعُ المخالِفُ لكلِّ نَظم معهود في لسان العرب وفي غيرها؛ لأنَّ
نَظْمَه ليس من نَظم الشعر في شيء، وكذلك(٣) قال ربُّ العزَّة الذي تَوَلَّى نَظمَه: ﴿وَمَا
عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ﴾ [يس: ٦٩]. وفي ((صحيح)) مسلم: أن أُنَيساً أخا أبي ذَرِّ
قال لأبي ذَرٍّ: لَقِيتُ رجلاً بمكّةَ على دِينك، يَزْعُمُ أنَّ اللهَ أرسلَه، قلتُ: فما يقول
الناسُ ؟ قال: يقولون: شاعرٌ، كاهنٌ، ساحرٌ. وكان أُنيسٌ أحدَ الشعراء، قال أُنيس:
لقد سمعتُ قولَ الكَهَنَةِ، فما هو بقولهم، ولقد وضعتُ قولَه على أَقراء الشِّعر(٤)، فلم
يَلتَئِّم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادقٌ، وإنهم لكاذبون(٥).
وكذلك أقَرَّ عُتبةُ بنُ رَبِيعةَ أنه ليس بسِحر ولا شِعر، لَمَّا قرأ عليه رسولُ اللهِ وَّه:
(حم)) فُصِّلَت، على ما يأتي بيانُه هناك(٦). فإذا اعترفَ عُتبةُ - على موضعِه من
اللسان، وموضعِه من الفصاحة والبلاغة - بأنه ما سَمِعَ مثلَ القرآن قَظُ، كان في هذا
القولِ مُقِرًّا بإعجاز القرآنٍ له، ولضُرَبائه من المتحقِّقين بالفصاحة، والقُدرة على
(١) في (ظ): المتظاهرة .
(٢) في (م): الكريم .
(٣) في (د): ولذلك .
(٤) في النسخ الخطية: الشعراء، والمثبت من (م).
(٥) صحيح مسلم (٢٤٧٣)، وعنده: فما يلتئم. وهو في مسند أحمد (٢١٥٢٥).
(٦) أخرج قصة عتبة بن ربيعة ابنُ إسحاق فيما ذكر ابن هشام ٢٩٣/١ - ٢٩٤، ومن طريقه البيهقي في دلائل
النبوة ٢٠٤/٢ - ٢٠٥، وسترد القصة في أول تفسير سورة فصلت .

١١٧
نكت في إعجاز القرآن وشرائط المعجزة وحقيقتها
التكلُّمِ بجميع أجناسِ القَولِ وأنواعِه.
ومنها: الأسلوبُ المخالِفُ لجميع أساليب العرب.
ومنها: الجَزَالُ التي لا تصحُّ من مخلوق بحال، وتأمَّل ذلك في سورة ﴿قَّ
وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ إلى آخرها، وقوله سبحانه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
[الزمر: ٦٧] إلى آخر السورة. وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا
يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] إلى آخر السورة.
قال ابن الحَضَّار(١): فَمَن عَلِمَ أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى هو الحقُّ، عَلِمَ أنَّ مثلَ هذه
الجَزالةِ لا تصحُّ في خطاب غيره، ولا يصحُّ من أعظم ملوك الدنيا أن يقول: ﴿لِّمَنِ
الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌ﴾ [غافر: ١٦]، ولا أن يقول: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾
[الرعد: ١٣].
قال ابنُ الحَصَّار: وهذه الثلاثةُ من النَّظم، والأسلوب، والجَزالة، لازِمةٌ كلَّ
سورة، بل هي لازِمةٌ كلَّ آية. وبمجموع هذه الثلاثةِ يتميَّزُ مسموعُ كلِّ آية وكلِّ سورة
عن سائر كلام البشر، وبها وقع التَّحدِّي والتعجيزُ. ومع هذا، فكلُّ سورة تنفرِدُ بهذه
الثلاثةِ، من غير أن ينضافَ إليها أمرٌ آخرُ من الوجوه العشرة. فهذه سورةُ الكوثر
ثلاثُ آيات قِصار، وهي أقصرُ سورة في القرآن، وقد تضمَّنَت الإخبارَ عن مُغيّبَين:
أحدهما: الإخبار عن الكوثر، وعِظَمِهِ وسَعتِه، وكثرةٍ أوانيه، وذلك يدُلُّ على أنَّ
المصدِّقين به أكثرُ من أتباع سائر الرُّسُل.
والثاني: الإخبار عن الوليد بن المغيرة، وقد كان عند نزول الآية ذا مال وولد، على
ما يقتضيه قوله الحق: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١ وَجَعَلْتُ لَهُ مَا لَا مَّمْدُودًا * وَيَنِيِنَ شُهُودًا
١٣
وَمَهَّدتُّ لَمُ تَّمْهِيدًا﴾ [المدثر]. ثم أهلكَ اللهُ سبحانه مالَه وولدَه، وانقطعَ نسلُه(٢).
ومنها: التصرُّفُ في لسان العرب على وجه لا يستقلُّ به عربيٍّ، حتى يقعَ منهم
الاتفاقُ من جميعهم على إصابته في وضعٍ كلِّ كلمة وحرف موضعَه(٣).
(١) عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد، أبو المطرُّف، القرطبي المالكي، تفقه بأبي عمر الإشبيلي. توفي سنة
(٤٢٢) سير أعلام النبلاء ١٧ / ٤٧٣.
(٢) في (د): وقطع نسلَه .
(٣) في (ظ): في موضعه .

١١٨
مقدمة المصنف
ومنها: الإخبارُ عن الأمور التي تَقدَّمَت من(١) أوَّل الدنيا إلى وقت نزوله من أمِّيٍّ
ما كان يَتْلُو من قبله من كتاب، ولا يَخُظُه بيمينه، فأخبرَ بما كان من قَصصٍ الأنبياء
مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكّرَ ما سألَه أهلُ الكتاب عنه، وتحذَّوه به،
من قصةِ أهل الكهف، وشأنٍ موسى والخَضِرِ عليهما السلام، وحالٍ ذي القرنين،
فجاءهم - وهو أميٍّ من أمَّة أُمِّيَّة، ليس لها بذلك علمٌ - بما عرَفوا من الكتب السالفة
صِحَّته، فتحقَّقُوا صِدقَه.
قال القاضي ابنُ الطَّيِّب(٢): ونحن نعلَمُ ضرورة أنَّ هذا مما لا سبيلَ إليه إلا عن
تعلُّم، وإذا كان معروفاً أنه لم يكن ملابساً لأهلِ الآثار، وحَمَلَةِ الأخبار، ولا متردِّداً
إلى التعلُّم (٣) منهم، ولا كان ممن يقرأُ، فيجوز أن يقعَ إليه كتابٌ، فيأخُذَ منه، عُلِمَ
أنه لا يصِلُ إلى علمٍ ذلك إلا بتأييد من جهةِ الوَحي.
ومنها: الوفاءُ بالوعدِ المُدرَكِ بالحِسِّ في العِيان، في كلِّ ما وعدَ اللهُ سبحانه،
وهو ينقسمُ (٤) إلى: أخباره المطلقة، كوعده بنصرِ رسوله عليه السلام، وإخراج الذين
أخرجوه من وطنه. وإلى وعد مقيَّد بشرط، كقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ؟﴾
[الطلاق: ٣]، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرَا﴾
[الطلاق: ٢]، و﴿ إِن يَكُن مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَنَيْنَ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وشبه ذلك.
ومنها: الإخبارُ عن المُغيِّبات في المستقبل التي لا يُطَّلَعُ عليها إلا بالوحي. فمن
ذلك: ما وعد اللهُ نبيَّه عليه السلام، أنه سَيُظهِرُ دينَه على الأديان بقوله تعالى: ﴿هُوَ
الَّذِىَ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَيِّ﴾ [التوبة: ٣٣] الآية، ففعلَ ذلك. وكان أبو
بكر رضي الله عنه إذا أغزَى جيوشَه، عَرَّفَهم ما وعدَهم اللهُ في إظهار دينه، ليَثِقوا
بالنصر، ولِيَسْتَيقِنوا بالنُّجْحِ. وكان عمرُ يفعلُ ذلك(٥)، فلم يزل الفتحُ يتوالى شَرقاً
وغَرباً، برًّا وبحراً. قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَيَسْتَخْلِفَتَهُمْ
(١) في (د) و(م): في .
(٢) في إعجاز القرآن ص ٥١.
(٣) في (م): المتعلم .
(٤) في (د) و(ز): وهي تنقسم، وفي (م): وينقسم، والمثبت من (ظ).
(٥) من قوله: فمن ذلك ما وعد الله نبيه، إلى هذا الموضع، من إعجاز القرآن للباقلاني ص ٤٨.

١١٩
نكت في إعجاز القرآن وشرائط المعجزة وحقيقتها
فِي الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥]، وقال: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ
رَسُولَهُ الرُّقْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ مَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وقال:
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، وقال: ﴿الَّ ﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ
١ فيِّ أَدْنَ الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدٍ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم].
فهذه كلُّها أخبارٌ عن الغيوب التي لا يَقِفُ عليها إلا رَبُّ العالمين، أو من أوقفه
عليها ربُّ العالمين، فدَلَّ على أنَّ اللهَ تعالى قد أوقف عليها رسولَه، لتكونَ دلالة على
صدقه .
ومنها: ما تضمَّنه القرآنُ من العلم، الذي هو قِوامُ جميع الأنام في الحلال
والحرام، وفي سائر الأحكام.
ومنها: الحِكَمُ البالغةُ التي لم تَجْرِ العادةُ بأن تصدُرَ في كَثرتِها وشَرَفِها من آدميٍّ.
ومنها: التناسبُ في جميع ما تضمَّنه ظاهراً وباطناً من غير اختلاف. قال الله
تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَِّ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
قلت: فهذه عَشَرةُ أوجه، ذكرها علماؤنا رحمهُ الله عليهم.
ووجهٌ حادي عشرَ قاله النَّظَّامُ(١) وبعضُ أهل (٢) القَدَرِية، أنَّ وجهَ الإعجاز هو
المنعُ من معارضته، والصَّرْفَةُ عند التحدِّي بمثله. وأنَّ المنعَ والصَّرْفةَ هو المعجزةُ
دون ذات القرآن، وذلك أنَّ اللهَ تعالى صَرَفَ هِمَمَهم عن معارضته، مع تحدِّيهم بأن
يأتوا بسورة من مثله. وهذا فاسدٌ؛ لأنَّ إجماع الأمة قبل حدوثِ المخالف أنَّ القرآنَ
هو المُعجِزُ، فلو قلنا: إن المنعَ والصَّرْفةَ هو المُعجِزُ، لخرجَ القرآنُ عن أن يكونَ
مُعجِزاً، وذلك خلافُ الإجماع. وإذا كان كذلك، عُلِمَ أن نفسَ القرآن هو المُعجِزُ؛
لأَنَّ فصاحتَه وبلاغَتَه أمرٌ خارِقٌ للعادة، إذ لم يُوجَد قطُ كلامٌ على هذا الوجهِ، فلما
لم يكن ذلك الكلامُ مألوفاً مُعتاداً منهم، دلَّ على أنَّ المنعَ والصَّرفةً لم يكن معجِزاً.
واختلف مَن قال بهذه الصَّرفَة على قولين:
(١) إبراهيم بن سيار، أبو إسحاق البصري، شيخ المعتزلة، تكلم في القدر، وانفرد بمسائل، مات سنة
بضع وعشرين ومئتين . السير ١٠/ ٥٤١.
(٢) ليست في (م).

١٢٠
مقدمة المصنف
أحدهما: أنهم صُرِفوا عن القُدرة عليه، ولو تعرَّضوا له، لَعجزوا عنه.
الثاني: أنهم صُرِفوا عن التعرُّض له، مع كونه في مقدورهم، ولو تعرَّضوا له،
لجاز أن يَقدِرُوا عليه.
قال ابن عطية: وجهُ الإعجاز(١) في القرآن، إنما هو بِنَظمِه وصِحَّةٍ معانيه،
وتوالي فصاحةِ ألفاظِهِ. ووجهُ إعجازِهِ أنَّ اللهَ تعالى قد أحاط بكلِّ شيء عِلماً، وأحاطَ
بالكلام كلِّه عِلماً، فَعَلِمَ بإحاطته أيَّ لفظة تصلُحُ أن تليَ الأولى، وتُبيِّنَ المعنى بعد
المعنى، ثم كذلك من أوَّلِ القرآن إلى آخره، والبشرُ معهم الجهلُ والنّسيانُ والذُّهولُ،
ومعلومٌ ضرورةً أنَّ بَشَراً لم يكن محيطاً قٌ، فبهذا جاء نَظمُ القرآنِ في الغاية القُصوى
من الفصاحة .
وبهذا النظرِ يَبطُلُ قولُ مَن قال: إنَّ العربَ كان في قُدرتها أن تأتيَ بمثل القرآن في
الغاية القُصوى من الفصاحة، فلما جاء محمدٌ وََّ، صُرِفوا عن ذلك، وعَجَزوا عنه.
والصحيحُ أنَّ الإتيانَ بمثل القرآن لم يكُنْ قَطُ في قُدرةٍ أحد من المخلوقين.
ويَظهَرُ لك قصورُ البشر في أنَّ الفصيحَ منهم يصنعُ(٢) خُطبة، أو قصيدة، يَستفرِغُ فيها
جُهدَهُ، ثم لا يزال يُنَقِّحُها حَولاً كاملاً، ثم تُعطَى لآخَرَ بعدَه، فيأخذُها بقريحة
جامة(٣)، فيبدِّلُ فيها ويُنَفِّحُ، ثم لا تزالُ كذلك(٤) فيها مواضعُ للنظر والبَدَلِ. وکتابُ
الله تعالى لو نُزِعَت منه لَفظَةٌ، ثم أُدِيرَ لسانُ العرب أن يُوجَدَ أحسنُ منها، لم
يُوجَّد(٥).
ومن فصاحةِ القرآنِ أنَّ اللهَ تعالى جلَّ ذِكرُهُ ذَكَرَ في آية واحدة أمرَیْن، ونَهْيَيْن،
وخَبَرَيْن، وبِشارَتَيْن، وهو قولُه تعالى: ﴿وَأَوْحَيْئًا إِلَى أُمِ مُوسَىٌ أَنْ أَرْضِعِيَةِ﴾ [القصص: ٧]
الآية.
وكذلك فاتحة سورة المائدة: أمرَ بالوفاء، ونَهَى عن النَّكْثِ، وحلَّلَ تحليلاً
(١) في (م) والمحرر الوجيز: التحدي .
(٢) في (م): يضع .
(٣) كذا في المحرر الوجيز (والكلام منه)، وفي (ظ): جامدة، وفي (د): جامعة، ولم نتبينها في (ز).
(٤) في (م): بعد ذلك.
(٥) المحرر الوجيز ٥٢/١ باختلاف يسير.