النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الوعيد على تفسير القرآن بالرأي
ويتلوه عبدُ الله بنُ مسعود، وأُبَيُّ بنُ كَعب، وزيدُ بنُ ثابت، وعبدُ الله بنُ عَمرو بنِ
العاص. وكلُّ ما أُخِذَ عن الصحابة، فَحَسنٌ مقدَّمٌ(١)، لشهودهم التنزيلَ، ونزولِهِ بلغتهم.
وعن عامر بن واثلةً(٢) قال: شَهِدتُ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يخطُبُ،
فسمعتُه يقولُ في خُطبته: سلوني، فوالله، لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة
إلا حدثتُكم به، سلُوني عن كتاب الله، فوالله، ما من آية إلا أنا أعلمُ أبِلَيلٍ نزلَت أم
بنهار، أم في سَهلٍ نزلَت أم في جَبَل، فقامَ إليه ابنُ الگوَّاء، فقال: يا أميرَ المؤمنين،
ما الذَّاريات ذَرْواً؟ وذكر الحديث(٣).
وعن المِنهال بن عمرو قال: قال عبدُ الله بن مسعود: لو أعلمُ أحداً أعلمَ بكتاب
الله مني تَبلُغُه المَطِيُّ، لأتيتُه، فقال له رجلٌ: أما لَقِيتَ عليّ بن أبي طالب ؟ فقال:
بلى، قد لَقِيتُه(٤).
وعن مسروق قال: وجدتُ أصحابَ محمد ◌َّمِثلَ الإخاذ: يُروِي الواحدَ،
والإخاذُ يُروِي الاثنين، والإخاذُ لو وردَ عليه الناسُ أجمعون لأَصْدَرَهُم، وإنَّ
عبدَ الله بنَ مسعود من تلك الإخاذ(٥). ذكر هذه المناقبَ أبو بكر الأنباريُّ في كتاب
((الرَّدّ))، وقال: الإخاذُ عند العرب: الموضع الذي يَحبِسُ الماءَ، كالغدير.
(١) المحرر الوجيز ٤١/١.
(٢) هو أبو الطفيل الليثي، الكناني، الحجازي، آخر من رأى النبي (988 في حجة الوداع، توفي بمكة سنة
(١١٠ هـ). السير ٤٦٧/٣.
(٣) أخرجه بتمامه ومختصراً عبد الرزاق في التفسير ٢٤١/٢، وابن سعد في الطبقات ٣٣٨/٢، والطبري في
التفسير ٤٨١/٢١، والحاكم في المستدرك ٤٦٦/٢. ٤٦٧، والضياء المقدسي في المختارة ١٧٦/٢.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. ابن الكوَّاء: هو عبد الله؛ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في لسان
الميزان ٣٢٩/٣: له أخبار كثيرة مع علي، وكان يلزمه ويُعيِيه في الأسئلة، وقد رجع عن مذهب
الخوارج، وعاود صحبة علي.
(٤) قوله: عن المنهال بن عمرو قال: قال عبد الله، فيه نظر، فقد ذكر ابن سعد الخبر في الطبقات ٦/ ٢٠٢
وقال: المنهال، وليس بابن عمرو، سمع عبد الله يقول: لو أن أحداً أعلم ... فذكره. والمنهال بن
عمرو، من رجال البخاري وأصحاب السنن، وروايته عن كبار التابعين. وقد أخرج الخبر بأتم منه
البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣) من طريق مسروق، عن عبد الله، دون ذكر الرجل.
(٥) قال ابن الأثير في النهاية: جمعهُ أَخُذ، مثل كتاب وكتب، وقيل: هو جمع الإخاذة. قال: يعني أن فيهم
الصغير والكبير، والعالم والأعلم.

٦٢
مقدمة المصنف
قال أبو بكر: حدثنا أحمدُ بنُ الهيثم بن خالد، حدثنا أحمدُ بنُ عبد الله بن
يونس، حدثنا سلَّام، عن زيدِ العَمِّي، عن أبي الصدِّيق الناجي، عن أبي سعيد
الخُدريِّ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أرحمُ أمتي بها أبو بكر، وأقواهم في دين الله
عمرُ، وأصدقُهم حياءً عثمانُ، وأقضاهم عليٍّ، وأفرضُهم زيدٌ، وأقرؤهم لكتاب الله
عزّ وجلّ أُبَيُّ بن كعب، وأعلمُهم بالحلال والحرام معاذُ بن جَبَل، وأمينُ هذه الأمة
أبو عبيدةً بنُ الجرَّاح، وأبو هريرةَ وِعاءٌ من العلم، وسلمانُ بحرٌ من علم لا يُدرَك،
وما أظَلَّتِ الخَضْراءُ، ولا أقلَّتِ الغَبْراءُ - أو قال: البطحاء - من ذي لَهِجَة أصدَقَ من
أبي ذرِ))(١).
قال ابن عطية: ومن المبرِّزِين في التابعين: الحسنُ البصريُّ، ومجاهدٌ، وسعيدُ بنُ
جُبير، وعَلقَمَةُ. قرأ مجاهدٌ على ابنِ عباس قراءةَ تَفَهُّم، ووقوفٍ عند كلِّ آية. ويتلوهم
عِكرمةُ، والضَّحَّاكُ، وإن كان لم يلقَ ابنَ عباس، وإنما أخَذَ عن ابنٍ جُبير. وأما
السُّدِّي(٢)، فكان عامرٌ الشَّعبِيُّ يَطعُنُ عليه، وعلى أبي صالح، لأنه كان يراهما
مُقَصِّرَيْنِ في النَّظَرَ(٣) .
(١) في هذا الحديث تفصيل، فإن إسناده ضعيف جدا. سلَّام - وهو ابنُ سَلْم الطويل - متروك الحديث،
وزيد العَمِّي ضعيف. وقد أخرجه العقيلي في ((الضعفاء الكبير» ١٥٩/٢ من طريق سلام بالإسناد الذي
أورده المصنف. وقوله منه: ((أرحم أمتي بها أبو بكر ... )) إلى قوله: ((وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن
الجراح)»: أخرجه أحمد (١٢٩٠٤)، والترمذي (٣٧٩١) (دون قوله: وأقضاهم علي)، وابن ماجه
(١٥٤) (١٥٥) من حديث أنس بن مالك. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقوله منه: ((وما أظلَّت الخضراء ... )): أخرجه أحمد (٦٥١٩)، والترمذي (٣٨٠١) وحسَّنه، وابن ماجه
(١٥٦) من حديث عبد الله بن عمرو، وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٧٢٦) و(٢٧٤٩٣) من حديث أبي
الدرداء. وأما قوله: ((وأبو هريرة وعاء من العلم، وسلمانُ بحر من علم لا يُدرك)) فضعيف.
وقد أخرج البخاري (٢٧٤٤)، ومسلم (٢٤١٩) من حديث أنس مرفوعاً: ((إنَّ لكل أمة أميناً، وإن أميننا
أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح)). وانظر ما ذكره البيهقي في السنن ٦/ ٢١٠، والحافظ ابن حجر في
الفتح ٩٣/٧ حول وصل الحديث وإرساله. وقد أخرج البخاري (٤٤٨١) عن ابن عباس قال: قال عمر
رضي الله عنه: أقرؤنا أُبيّ، وأقضانا علي.
(٢) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، أبو محمد الحجازي، وهو السُّدِّي الكبير، المفسّر، مات
سنة (١٢٧ هـ) السير ٢٦٤/٥.
(٣) المحرَّر الوجيز ٢٤/١. أبو صالح: هو باذام - ويقال: باذان - مولى أم هانئ بنت أبي طالب.

٦٣
الوعيد على تفسير القرآن بالرأي
قلتُ: وقال يحيى بن مَعِين(١): الكلبيُّ(٢) ليس بشيء. وعن يحيى بن سعيد
القَطَّان(٣)، عن سفيانَ قال: قال الكلبيُّ: قال أبو صالح: كلُّ ما حدَّثْتُك كَذِبٌ. وقال
حَبِيبُ بنُ أبي ثابت: كنا نسميه الدرُوغزَن(٤). يعني أبا صالح مولى أمِّ هانىء.
والدرُوغزَن: هو الكذابُ بلغة الفُرس.
ثم حمل تفسيرَ كتاب الله تعالى عدولُ كلِّ خَلَف، كما قال ◌َلِ: ((يَحمِلُ هذا
العِلمَ مِن كُلِّ خَلَف عُدُولُه، يَنْفُونَ عنه تَحرِيفَ الغالِين، وانْتِحالَ المُبْطِلِين، وتأويلَ
الجاهلين)). خرَّجه أبو عمر وغيره(٥) .
قال الخطيبُ أبو بكر أحمدُ بن علي البغدادي(٦): وهذه شهادةٌ من رسول الله وَّل
بأنهم أعلامُ الدِّين، وأئمةُ المسلمين، لحفظهم الشريعةَ من التحريفِ، والانتحالِ
للباطل، وردّ تأويل الأبلَهِ الجاهلِ، وأنه يجبُ الرجوعُ إليهم، والمعوَّلَ في أمر الدِّين
علیهم، رضي الله عنهم.
قال ابن عطية: وأَلَّفَ الناسُ فيه، كعبدِ الرزاق(٧)، والمُفَضَّل(٨)، وعليٍّ بن أبي طلحة(٩)،
(١) أبو زكريا، البغدادي، الحافظ، المجتهد، مات في طريق الحج سنة (٢٣٣هـ). السير ١١/ ٧١.
(٢) محمد بن السائب بن بشر، أبو النضر الكوفي، النسَّابة المفسر. قال ابن عدي في الكامل: رضُوه في
التفسير، وأما في الحديث ففيه مناکیر.
(٣) التميمي البصري، أمير المؤمنين في الحديث، مات سنة (١٩٨هـ). السير ٩/ ١٧٥.
(٤) في (ظ): الدروغي. وهي نسبة إلى دروغ، بالفارسية، وتعني الكذب، ولم تجود اللفظة في (د) و(ز)،
والمثبت من (م).
(٥) أخرجه أبو عمر بن عبد البر في التمهيد ٥٩/١، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث
ص١١ و٢٩ من حديث أبي هريرة وغيره، ونقل الخطيب البغدادي تصحيحه عن الإمام أحمد.
(٦) صاحبُ تاريخ بغداد وغيره من التصانيف، التي بلغَ عددُها ستة وخمسين مصنفاً. توفي سنة (٤٦٣هـ).
سير أعلام النبلاء ٢٧٠/١٨.
(٧) هو ابنُ همَّام، أبو بكر الصنعاني، صاحب المصنف، توفي سنة (٢١١هـ). ذكره الداودي في طبقات
المفسرين ٢٩٦/١، وترجمته في سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٦٣.
(٨) هو ابنُ سَلَمة، أبو طالب، توفي بعد التسعين ومئتين، ذكره الداودي في طبقات المفسرين ٣٢٨/٢،
وله ترجمة في السير ١٤/ ٣٦٢.
(٩) قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب: روى عن ابن عباس، ولم يسمع منه، وقال:
نقل البخاري من تفسيره رواية معاوية بن صالح، عنه، عن ابن عباس شيئاً كثيراً في التراجم وغيرها،
ولكنه لا یسمیه. مات سنة (١٤٣ هـ).

٦٤
مقدمة المصنف
والبخاري، وغيرهم. ثم إنَّ محمد بنَ جَرِير رحمه الله، جَمَعَ على الناس أشتاتَ
التفسير، وقَرَّبَ البعيدَ منها، وشَفَى في الإسناد. ومن المُبَرِّزين من المتأخرين أبو
إسحاق الزَّجَّاج(١)، وأبو عليٍّ الفارسيُّ(٢). وأما أبو بكر النقَّاشُ(٣)، وأبو جعفر
النحاسُ(٤)، فكثيراً ما استدركَ الناسُ عليهما. وعلى سَنَّنِهِما مكيُّ بنُ أبي طالب
رضي الله عنه. وأبو العباس المَهدَوِيّ(٥) متقنُ التأليف، وكلُّهم مجتهدٌ مأجورٌ،
رحمهم الله، ونَضَّرَ وجوهَهم(٦).
باب تبيين الكتاب بالسنة، وما جاء في ذلك
قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُّبَيْنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ﴾
[النور: ٦٣]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. وفَرَضَ
طاعتَه في غير آية من كتابه، وقَرَنَها بطاعته عزَّ وجلَّ، فقال تعالى: ﴿وَمَآ ءَالَنَّكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَئِكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧].
ذكر ابنُ عبد البَرِّ في كتاب ((العلم)) له، عن عبد الرحمن بن يزيد (٧): أنه رأى
مُخْرِماً عليه ثيابُه، فنهى المُحرِمَ، فقال: ايتني بآية من كتاب الله تَنزِعُ ثيابي، قال:
(١) إبراهيم بن محمد بن السري البغدادي، النحوي، صاحب التصانيف، منها معاني القرآن. مات سنة
(٣١١هـ)، ذكره الداودي في طبقات المفسرين ٧/١، وترجمته في السير ٣٦٠/١٤.
(٢) الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، صاحب الحجة وغيره من التصانيف، مات سنة (٣٧٧هـ). السير
٣٧٩/١٦.
(٣) محمد بن الحسن بن محمد بن زياد الموصلي، له شفاء الصدور في التفسير، مات سنة (٣٥١هـ)، ذكره
الداودي في طبقات المفسرين ١٣١/٢.
(٤) أحمد بن محمد بن إسماعيل المصري النحوي، صاحب إعراب القرآن وغيره من التصانيف، مات سنة
(٣٣٨هـ)، أورده الداودي في طبقات المفسرين ٦٨/١، وله ترجمة في السير ٤٠١/١٥.
(٥) أحمد بن عمار المهدوي، نسبة إلى المهدية بالمغرب، توفي بعد (٤٣٠ هـ). ذكره الداودي في طبقات
المفسرين ٥٢/١.
(٦) المحرر الوجيز١/ ٤٢.
(٧) النخعي، الفقيه، حدث عن عمر وعثمان، وثقه ابن معين، مات بعدالثمانين وقد شاخ. السير ٧٨/٤.

٦٥
باب تبيين الكتاب بالسنة
فقرأ عليه: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنْكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ﴾. وعن هشام بنِ حُجَيرُ(١)
قال: كان طاوسٌ(٢) يُصَلَّ ركعتين بعدَ العصر، فقال ابنُ عباس: اترُكُهُما، فقال:
إنما نهى عنهما أنْ تُتَّخَذا سنة، فقال ابن عباس: قد نهى رسولُ اللهِ وَ ل﴿ عن صلاة بعدَ
العصر، فلا أدري، أتُعَذَّبُ عليهما(٣) أم تُؤْجَرُ؟ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ
وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦](٤).
وروى أبو داودَ، عن المقدام بن مَعدِي كَرِب(٥)، عن رسول الله وَ لو أنه قال:
((ألا وإني قد أوُتِيتُ الكتابَ ومثلَه مَعَه، ألا يُوشِكُ رجلٌ شَبعانُ على أرِيكَتِهِ يقول:
عليكُم بهذا القرآن، فما وَجَدتُم فيه من حلالٍ، فأحِلُّوه، وما وَجَدتُم فيه من حرامِ،
فحَرِّمُوه، ألا لا يَحِلُّ لكم (٦) الحمارُ الأهليُّ، ولا كُلُّ ذي ناب من السِّباع، ولا لُقَطّةُ
معاهَد إلا أن يَستغنيَ عنها صاحبُها، ومَن نَزَلَ بقوم فعليهم أن يَقْرُوه، فإن لم يَقرُوه،
فله أن يُعْقِبَهم بمثلٍ قِراءُ))(٧) .
قال الخطابي (٨): قوله: ((أُوتِيتُ الكتابَ ومثله معه)): يَحتَمِلُ وجهَين من التأويل:
أحدُهما: أن معناه: أنه أُوتِيَ من الوَحي الباطنِ غيرِ المتلوِّ مثلَ ما أُعطيَ من
الظاهر المتلوِّ.
والثاني: أنه أُوتِيَ الكتابَ وَحياً يُتْلَى، وأُوتِيَ من البيانِ مثلَه، أي: أُذِنَ له أن
يُبَيِّنَ ما في الكتاب، فيَعُمَّ ويَخُصَّ، ويزيدَ عليه، ويُشَرِّعَ ما [ليس له] في الكتاب
[ذكرٌ]، فيكونَ [ذلك] في وجوب العمل به، ولزوم قبوله، كالظاهر المتلوّ من القرآن.
(١) المكي، ضعّفه جماعة، وقوّاه آخرون، وروى له البخاري ومسلم. تهذيب التهذيب ٢٦٧/٤.
(٢) ابن كيسان، أبو عبد الرحمن الفارسي، ثم اليمني، الحافظ، الفقيه، مات سنة (١٠٦هـ). السير ٣٨/٥.
(٣) في (ظ): عليها.
(٤) جامع بيان العلم ص٤٩٢.
(٥) الصحابي، يكنى أبا كريمة، وقيل غير ذلك، نزيل حمص، توفي سنة (٨٧هـ). السير ٤٢٨/٣.
(٦) في (د): لكم أكل.
(٧) سنن أبي داود (٤٦٠٤)، وأخرجه أيضاً أحمد في المسند (١٧١٧٤).
(٨) في معالم السنن ٢٩٨/٤، وما بين حاصرتين منه.

٦٦
مقدمة المصنف
وقوله: ((يُوشِكُ رجلٌ شبعانُ)) الحديث. يُحَذِّرُ بهذا القول من مخالفة السُّنن التي
سَنَّها (١) مما ليس له في القرآن ذِكر، على ما ذهبت إليه الخوارجُ والروافضُ، فإنهم
تعلَّقوا بظاهرِ القرآن، وتركوا السننَ التي قد ضَمَّنَت بيانَ الكتاب. قال: فتحيَّروا
وضلُّوا. قال: والأريكةُ: السرير، ويقال: إنه لا يُسَمَّى أريكةً حتى يكون في
حَجَلة(٢). قال: وإنما أرادَ بالأريكة(٣) أصحابَ الثَّرُّهِ والدَّعَةِ، الذين لزموا البيوت،
ولم يطلبوا العِلمَ من مظانِّه.
وقوله: ((إلا أن يستغنيَ عنها صاحبُها)) معناه: أن يتركَها صاحبُها لمن أخَذَها؛
استغناءً عنها، كقوله: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّأَ وَاسْتَغْنَى اَللَّهُ﴾ [التغابن: ٦]. معناه: تركّهم اللهُ
استغناءً عنهم.
وقوله: ((فله أن يُعْقِبَهُم بمثل قِراهُ». هذا في حال المضطرِّ الذي لا يجد طعاماً،
ويخافُ التَّلَفَ على نفسه، فله أن يأخذَ من مالهم بِقَدرِ قِراه عِوَضَ ما حَرَمُوه من قِراه.
و ((يُعقِبُهم) يُروى مُشدَّداً ومُخفَّفاً، من المعاقبة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾
[النحل: ١٢٦] أي: فكانت الغلبةُ لكم، فغنمتُم منهم، وكذلك لهذا أن يغنمَ من
أموالهم بقَدرِ قِراء(٤).
قال: وفي الحديث دلالةٌ على أنه لا حاجةً بالحديث إلى أن يُعرَضَ على
الکتاب، فإنه مهما ثبت عن رسول الله چ# كان حجةً بنفسه. قال: فأما ما رواه
بعضُهم أنه قال: ((إذا جاءكم الحديثُ، فاغْرِضُوه على كتاب الله، فإن وافقَه، فخذُوه،
وإن لم يُوافقه، فرُدُّوه)»، فإنه حديثٌ باطلٌ، لا أصلَ له(٥).
(١) في (د): بيّنها.
(٢) في مختار الصحاح: الحَجَلة - بفتحتين - واحدة حِجال العروس، وهي بيت يُزِيَّنُ بالثياب والأسرَّة
والستور.
(٣) في معالم السنن ٢٩٨/٤: وإنما أراد بهذه الصفة. وهو الأشبه.
(٤) من قوله: ويعقبهم يروى مشددا ومخففا، إلى هذا الموضع، ليس في المعالم.
(٥) إلى هذا الموضع من كلام الخطابي في المعالم، ونقل بعده عن ابن معين قوله: هذا حديث وضعته
الزنادقة. اهـ وقال الشافعي في الرسالة (٦١٨): ما روى هذا أحدٌ يثبت حديثُه في شيء صغر ولا كبر،
وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم ص٤٩٥: هذه الألفاظ لا تصح عنه ولا* عند أهل العلم بصحيح
النقل من سقيمه، ونقل عن عبد الرحمن بن مهدي قوله: الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث.

٦٧
باب تبيين الكتاب بالسنة
ثم البيانُ منهِ ﴿ على ضربين: بيانٌ لمُجمّل في الكتاب، كبيانه للصَّلوات الخمس،
في مواقيتها، وسجودها ورکوعها، وسائرٍ أحکامِها، و کبیانه لمقدار الزكاة ووقتِها، وما
الَّذي تُؤخَذُ منه من الأموال، وبيانِه لمناسِك الحجِّ؛ قال ◌ِّهِ إِذ حَجَّ بالناس: ((خُذُوا
عَنِّي مَناسِكَكُم))(١). وقال: ((صلُّوا كما رأيتُموني أصلِّي)). أخرجه البخاريُّ(٢).
وروى ابنُ المبارك، عن عمران بن حُصَين أنه قال لرجل: إنكَ امرؤٌ(٣) أحمقُ،
أتجد الظُّهر في كتاب الله أربعاً، لا يُجهر فيها بالقراءة ؟! ثم عدَّدَ عليه الصلاةَ
والزكاةَ، ونحوَ هذا، ثم قال: أتجدُ هذا في كتاب الله مفسَّراً ؟! إنَّ كتابَ الله تعالى
أَبِهِمَ هذا، وإن السُّنةَ تفسِّر هذا.
وروى الأوزاعيُّ(٤)، عن حسانَ بن عطيَّةً(٥) قال: كان الوحِيُّ ينزلُ على
رسول الله وٌَّ، ويحضرُه جبريلُ بالسُّنَّة التي تفسِّرُ ذلك.
وروى سعيدُ بنُ منصور(٦): حدثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن الأوزاعيِّ، عن مكحول
قال: القرآنُ أحوجُ إلى السُّنَّة من السُّنَّة إلى القرآن.
وبه عن الأوزاعيِّ، قال: قال يحيى بنُ أبي كثير (٧): السُّنةُ قاضيةٌ على الكتاب،
وليس الكتاب بقاضٍ على السُّنَّة. قال الفضلُ بنُ زياد(٨): سمعتُ أبا عبد الله - يعني
أحمدَ بن حنبل - وسُئلَ عن هذا الحديث الذي رُوي أن السُّنَّةَ قاضیةٌ على الكتاب،
(١) من قوله: ثم البيان منه وَّر على ضربين ... إلى هذا الموضع، من كلام ابن عبد البر في جامع بيان العلم
ص٤٩٤ - ٤٩٥. والحديث أخرجه أحمد في المسند (١٤٤١٩)، ومسلم (١٢٩٧) من حديث جابر
بلفظ: ((لتأخذوا مناسككم))، وأخرجه باللفظ الذي أورده المصنف البيهقيُّ في السنن ١٢٥/٥، وابن
عبد البر في التمهيد ٧/ ٢٧٢.
(٢) صحيح البخاري (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث، وهو في المسند (٢٠٥٣٠).
(٣) في (م): رجل.
(٤) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو، عالم أهل الشام، مات سنة (١٥٧ هـ). السير ٧/ ١٠٧.
(٥) المحاربي، مولاهم، الدمشقي، الفقيه العابد، مات بعد سنة (١٢٠ هـ). السير ٤٦٦/٥.
(٦) أبو عثمان الخراساني، أحد أئمة الحديث، له كتاب السنن، توفي سنة (٢٢٧هـ). السير ٥٨٦/١٠.
(٧) أبو نصر الطائي، مولاهم، اليمامي، الحافظ، توفي سنة (١٢٩هـ). السير ٢٧/٦.
(٨) أبو العباس القطان، البغدادي، من أصحاب الإمام أحمد، وله عنه مسائل جياد. طبقات الحنابلة
للنابلسي ص ١٨٥.

٦٨
مقدمة المصنف
فقال: ما أجسُرُ على هذا أن أقولَه، ولكنِّي أقول: إن السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الكتاب وتُبَيُِّهُ(١).
وبيانٌ آخرُ: وهو زيادةٌ على حكم الكتاب، كتحريم نكاح المرأةِ على عَمَّتها
وخالتها، وتحريم الحُمُرِ الأهليَّةِ، وكلِّ ذي ناب من السِّباع، والقضاءِ باليمين مع
الشاهِد، وغير ذلك، على ما يأتي بيانُه إن شاء الله تعالى.
باب كيفية التعلُّم والفِقهِ بكتاب الله تعالى، وسنَّةٍ نبيِّهِ وَالِ،
وما جاء أنَّ سَّهُلَ على مَن تَقَدَّمَ العملُ به دونَ حفظِه
ذكر أبو عمرو الدَّاني(٢) في كتاب ((البيان)) له بإسناده، عن عثمانَ وابنٍ مسعود
وأُبَيِّ، أنَّ رسول الله وَّلِ كان يُقرِئُهم العَشر، فلا يُجاوِزُونها إلى عَشر أخرى حتى
يَتَعَلَّموا ما فيها من العمل، فيعلِّمُنا(٣) القرآنَ والعمَلَ جميعاً(٤).
وذكر عبدُ الرزَّاق، عن معمر، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن
السُّلَميِّ قال: كنا إذا تَعَلَّمنا عَشْرَ آيَاتٍ مِنَ القُرآن، لم نتعلَّم العَشْرَ التي بعدَها حتى
نعرفَ حلالَها وحرامَها، وأمْرَها ونَهْيَها(٥).
وفي (موطأ)) مالك: أنه بلغَه أنَّ عبدَ الله بن عمر مكثَ على سورة البقرة ثماني
سنينَ يتعلَّمُها(٦).
وذكر أبو بكر أحمدُ بنُ عليٍّ بن ثابت الحافظُ(٧) في كتابه المسمى(٨): ((أسماء مَن
(١) من قوله: وروى ابن المبارك عن عمران بن حصين ... إلى هذا الموضع، من كلام ابن عبد البر في
جامع بيان العلم ص٤٩٥ - ٤٩٦.
(٢) هو عثمان بن سعيد بن عثمان الأموي مولاهم، الأندلسي، ثم القرطبي ثم الداني، إليه المنتهى في
تحرير علم القراءات، مصنف التيسير وجامع البيان وغير ذلك. توفي سنة (٤٤٤هـ). السير ١٨/ ٧٧.
(٣) في (ز) و(ظ): فتعلمنا.
(٤) أخرج الحاكم في المستدرك ١/ ٥٥٧، والبيهقي في شعب الإيمان (١٩٥٣) عن ابن مسعود قال: كنا
إذا تعلمنا من النبي لر عشر آيات من القرآن لم نتعلم من العشر التي أنزلت بعدها حتى نتعلم مافيه.
·· وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٥) مصنف عبد الرزاق (٦٠٢٧).
(٦) الموطأ٢٠٥/١.
(٧) هو الخطيب البغدادي، وكتابه المذكور ((الرواة عن مالك)) ذكره الذهبي في السير ٢٩٠/١٨.
(٨) في النسخ الخطية: المسمى في ذكر، والمثبت من (م).

٦٩
كيفية التعلم والفقه بكتاب الله تعالى
رَوى عن مالك)): عن مِرْدَاس بنِ محمد أبي بلال الأشعريِّ(١) قال: حدثنا مالكٌ، عن
نافع، عن ابن عمرَ قال: تَعَلَّمَ عُمرُ البقرةَ في اثنتي عشرةَ سنة، فلما ختمَها، نَحَر
جَزُوراً(٢).
وذكر أبو بكر الأنباريُّ: حدثني محمدُ بنُ شَهْرَيَار، حدثنا حسينُ بنُ الأسود(٣)،
حدثنا عُبيد الله بنُ موسى، عن زياد بن أبي مسلم أبي عمر(٤)، عن زياد بن مِخراق
قال: قال عبدُ الله بنُ مسعود: إنَّا صَعُبَ علينا حفظُ القرآن(٥)، وسَهُلَ علينا العملُ به،
وإنَّ مَن بَعدَنا يَسهُلُ عليهم حِفْظُ القرآن، ويَصعُبُ عليهم العملُ به.
حدثنا إبراهيمُ بنُ موسى، حدثنا يوسفُ بنُ موسى، حدثنا الفَضْلُ بنُ دُکَیْن،
حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بن المهاجر، عن أبيه، عن مجاهد، عن ابن عمر قال:
كان الفاضلُ من أصحابِ رسولِ اللهِ وَّر في صدر هذه الأمة لا يحفظُ من القرآن إلا
السورةً، أو نحوَها، ورُزِقُوا العملَ بالقرآن، وإنَّ آخِرَ هذه الأمةِ يقرؤونَ القرآنَ، منهم
الصبيُّ والأعجمي(٦)، ولا يُرزَقونَ العملَ به(٧).
حدثني حسنُ بنُ عبد الوهّاب أبو محمد بن أبي العنبر، حدثنا أبو بكر بنُ حماد
المقرىءُ، قال: سمعتُ خَلَفَ بنَ هشام البزَّار يقول: ما أظنُّ القرآنَ إلا عاريَّةً في
أيدينا، وذلك أنا روينا أن عمرَ بنَ الخطاب حفظَ البقرةَ في بضعَ عَشْرةَ سنة، فلما
حَفِظَها، نَحَرَ جَزُوراً شكراً لله، وإن الغلامَ في دهرنا هذا يجلسُ بين يديَّ، فيقرأُ ثُلُثَ
القرآن، لا يُسقِطُ منه حرفاً، فما أحسبُ القرآنَ إلا عارِيَّةً في أيدينا .
(١) ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ٥٠٧/٤ وقال: ضعفه الدار قطني.
(٢) وأخرجه أيضاً البيهقي في شعب الإيمان (١٩٥٧).
(٣) هو الحسين بن علي بن الأسود، نسبه إلى جدِّه. قال الحافظ في التقريب: صدوق يخطىء كثيراً.
(٤) في النسخ و(م): أبي عمرو، والتصويب من تهذيب الكمال، وهو زياد بن مسلم أو ابن أبي مسلم أبو
عُمر الفراء البصري، صدوق فیه لین.
(٥) في (م): ألفاظ القرآن.
(٦) في (م): والأعمى.
(٧) وأخرجه الآجري في أخلاق حملة القرآن (٣٥). إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر وأبوه ضعيفان.

٧٠
مقدمة المصنف
وقال أهلُ العلم بالحديث: لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصرَ على سماع
الحديث وكَتبِهِ، دونَ معرفتِه وفَهمِه، فيكون قد أتعبَ نفسَه من غير أن يظفَرَ بطائل،
وليكُن تَحقّظُه للحديث على التدريج، قليلاً قليلاً مع الليالي والأيام.
وممن وردَ عنه ذلك من حقَّاظ الحديث: شعبةُ، وابنُ عُلَيَّةَ(١)، ومَعمَرٌ (٢). قال
مَعَمَرٌ: سمعتُ الزُّهريّ(٣) يقولُ: مَن طَلَبَ العِلمَ جُملةً، فاتَهُ جُملةً، وإنما يُدرَك العلمُ
حديثاً وحديثين(٤)، والله أعلم.
وقال معاذُ بنُ جَبَل: اعلموا ماشئتُم أن تعلموا، فلن يأجُرَكم الله بعلمه حتَّى
تعملوا(٥).
وقال ابنُ عبد البَرِّ: ورُويَ عن النبيِّ نَ ◌ّهِ مثلُ قولِ معاذ من رواية عبّاد بن عبد
الصمد [عن أنس]. وفيه زيادة: إن العلماءَ هِمَّتُهم الدِّرايةُ(٦)، وإن السفهاءَ هِمَّتُهم
الرِّوايةُ. ورُوي موقوفاً، وهو أولى من رواية من رواه مرفوعاً، وعبَّادُ بنُ عبد الصمد
لیس ممن يُحتجُّ به(٧).
ولقد أحسنَ القائلُ في نظمه في فضل العلم، وشرفِ الكتابِ العزيز والسُّنة الغرّاء
فقال (٨) :
فتاجُها ما به الإيمانُ قد وَجَبا
إنَّ العلومَ وإن جَلَّتْ مَحاسنُها
وبعدَ ذلك عِلمٌ فَرَّجَ الكُرَبا
هو الكتابُ العزيزُ اللهُ يَحفَظُهُ
(١) هو إسماعيل بن إبراهيم، أبو بشر الكوفي، الحافظ، وعُلَيَّة أمه. مات سنة (١٩٣ هـ). السير ١٠٧/٩.
(٢) ابن راشد، أبو عروة، الأزدي، نزيل اليمن، الحافظ، توفي سنة (١٥٣ هـ) السير ٥/٧.
(٣) هو محمد بن مسلم بن شهاب، أبو بكر القرشي، حافظ زمانه، توفي سنة (١٢٤ هـ) السير ٣٢٦/٥.
(٤) الجامع لأخلاق الراوي (٤٤٩) .. (٤٥٣)، وجامع بيان العلم ص ١٣٨.
(٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٢)، والدارمي (٢٦٠)، وأبو نعيم في الحلية ٢٣٦/١، وابن عبد البر
في جامع بيان العلم ص٢٤٤.
(٦) في جامع بيان العلم ص ٢٤٥ : الوعاية.
(٧) جامع بيان العلم ص ٢٤٥، وما بين حاصرتين زيادة منه. عباد بن عبد الصمد؛ قال الذهبي في ميزان
الاعتدال ٣٦٩/٢: واه، ونقل عن الشافعي قوله فيه: منكر الحديث، وذكر عن ابن حبان أن له عن
أنس نسخة أكثرُها موضوعة.
(٨) قوله: فقال، من (ظ).

٧١
معنى السبعة أحرف
نورُ النبوَّةِ سَنَّ الشَّرِعَ والأَدَبا
فذاك فاعلَم حديثَ المصطفى فَبِهِ
فاختَر لنفسك يامَن آثَرَ الظَّلَبا
وبعدَ هذا علومٌ لا انتهاءَ لها
ياأيها الطالبُ ابحَث وانظُرِ الكُتُبا
فالعلمُ كَنزٌ تَجِدہ في مَعادِنِه
كلُّ العلومِ تَدَبَّرْه تَرَ العَجَبا
واتلُ بفهم كتابَ الله فيه أتت
مولاكَ ماتَشتَّهي يقضي لك الأَرَبا
واقرأ هُدِيتَ حَديثَ المصطفى وَسَلَنْ(١)
إذا تَزَّيَّدَ منه قالَ واطَرَبا
مَن ذَاقَ طَعماً لِعِلمِ الدِّينِ سُرَّ به
باب معنى قولِ النبيِّ ◌َّ:
((إِنَّ هذا القُرآنَ أُنزِلَ على سَبعَةٍ أحرُف، فاقرَؤوا ماتَيَسَّرَ منه))
رَوَى مسلمٌ عن أُبيِّ بنِ كَعب، أن النبيَّ وَلِّ كان عند أَضاةِ بني غِفار، فأتاهُ جبريلُ
عليه السلام، فقال: إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أن تَقرَأَ أمَّتُكَ القرآنَ على حَرف، فقال: ((أَسأَلُ اللهَ
مُعَافَاتَه ومَغفِرَتَهُ، وإنَّ أمَّتي لا تُطِيقُ ذلك)). ثم أتاه الثانيةَ، فقال: إنَّ اللهَ يأمُرُكَ أن
تَقرَأَ أمَّتُكَ القُرآنَ على حَرفَينِ، فقال: ((أسألُ اللهَ مُعافاتَه ومَغْفِرَتَهُ، وإنَّ أمَّتي لا تُطِيقُ
ذلك)). ثم جاءَه الثالثةَ، فقال: إن الله يأمُرُكَ أن تَقرَأَ أمَّتُك القُرآنَ على ثلاثة أحرف،
فقال: ((أسألُ الله معافاتَه ومَغْفِرَتَهُ، وإنَّ أمَّتي لا تُطيقُ ذلك)). ثم جاءَه الرابعة، فقال:
إن الله يأمرُكَ أن تَقرَأَ أمَّتُكَ القُرآنَ على سَبعَةٍ أحرُف، فأَيُّما حَرف قرؤوا عليه، فقد
أصابوا(٢).
وروى الترمذيُّ عنه، قال: لَقِيَ رسولُ اللهِ﴿ُ جبريلَ، فقال: ((ياچِبرِيلُ، إني
بُعِثتُ إلى أمَّة أُمِّيَّة، منهم العجوزُ، والشيخُ الكبيرُ، والغُلامُ، والجاريةُ، والرجلُ
الذي لا يقرأ كتاباً قٌّ، فقال لي: يا محمدُ، إنَّ القرآنَ أُنزلَ على سبعة أحرف)). قال:
هذا حديثٌ حسن صحيحٌ(٣).
وثبتَ في الأُمهات: البخاريِّ، ومسلم، والموطأ، وأبي داود، والنسائي،
(١) في (ز): ثم سل.
(٢) صحيح مسلم (٨٢١)، وهو في مسند أحمد (٢١١٧٢). قوله: أضاة بني غِفار؛ قال ابن الأثير في
النهاية (آض): الأضاة بوزن الحصاة: الغدير، وجمعها أضّى وإضاء، كأكّم وإکام.
(٣) سنن الترمذي (٢٩٤٤). ولفظة ((حسن)) ليست في (م).

٧٢
مقدمة المصنف
وغيرها من المصنَّفات والمسنَدات، قصةُ عمرَ مع هشام بنٍ حَكِيم(١)، وسيأتي بكماله
في آخر الباب مبيّناً إن شاء الله تعالى(٢).
وقد اختلف العلماءُ في المراد بالأحرف السَّبعة على خمسة وثلاثين قولاً، ذكرها
أبو حاتم محمدُ بنُ حِبَّنَ البُستيُّ(٣)، نذكر منها في هذا الكتاب خمسةً أقوال:
الأول: وهو الذي عليه أكثرُ أهل العلم، كسفيانَ بنِ عُيَينَة، وعبدِ الله بنِ وَهْب،
والطَّبَريِّ، والطّحاويّ(٤)، وغيرِهم، أن المرادَ سبعةُ أوجُه مِنَ المعاني المتقاربة
بألفاظ مختلفة، نحو: أقبِل، وتَعالَ، وهَلُمَّ(٥).
قال الطحاويُّ: وأَبيَّنُ ماذُكِرَ في ذلك حديثُ أبي بَكرَةَ(٦) قال: جاء جبريلُ إلى
النبيِّ وََّ، فقال: إِقرَأ على حَرف، فقال ميكائيل: إِستَزِدُهُ، فقال: إقرأ على حَرفَين،
فقال ميكائيل: إِسْتَزِدهُ. حتى بلغَ إلى سبعة أحرف، فقال: اقرأ، فكُلٌّ شافٍ كافٍ،
إلا أن تَخلِطَ آيةَ رحمة بآيةٍ عذاب، أو آيةً عذاب بآية رحمة، على نحو: هَلُمَّ، وتَعالَ،
وأقبِلْ، واذهَبْ، وأسرعْ، وعَجِّلْ(٧).
وروى وَرقاءُ، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب
أنه كان يقرأُ ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا﴾ [الحديد: ١٣]: للذين آمنوا أَمهِلُونا، للذين آمنوا
أَخِّرُونا، للذين آمنوا ارقُبُونا. وبهذا الإسناد عن أبي، أنه كان يقرأ ﴿كُلَّمَّ أَضَآءَ لَهُم
مَّشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠]: مَرُّوا فيه، سَعَوا فيه (٨).
(١) الصحابي ابن الصحابي حكيم بن حزام، توفي أول خلافة معاوية. السير ٥١/٣.
(٢) ص ٨١، فصل في ذكر معنى حديث عمر وهشام، ونذكر تخريجه ثمة.
(٣) ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح ٩/ ٢٣ ما أورده المصنف عن ابن حبان في عدد الأقوال في
الأحرف السبعة، وقال: لم أقف على كلام ابن حبان في هذا بعد تتبعي مظانه من صحيحه.
(٤) هو أحمد بن محمد بن سلامة، أبو جعفر، الأزدي، الحافظ، له شرح مشكل الآثار ومعاني الآثار،
وغير ذلك، مات سنة (٣٢١هـ) السير ٢٧/١٥.
(٥) تفسير الطبري ٤٥/١.
(٦) نُفيع بن الحارث، الثقفي، الطائفي، مولى النبيِّ وَّر، وكان من فقهاء الصحابة. مات سنة (٥١هـ).
السير ٥/٣.
(٧) شرح مشكل الآثار (٣١١٨). وفيه: اقرأه، بدل: اقرأ. وقد نقل المصنف كلام الطحاوي بواسطة ابن
عبد البر في التمهيد ٨/ ٢٩٠.
(٨) التمهيد ٢٩١/٨.
٠٠

٧٣
معنى السبعة أحرف
وفي البخاري ومسلم: قال الزُّهريُّ: إنما هذه الأحرفُ في الأمر الواحد، ليس
يختلفُ في حلال ولا حرام (١) .
قال الطحاوي: إنَّما كانت السَّبعةُ(٢) للنَّاس في الحروفِ لعجزهم عن أخذِ القرآن
على غير لُغاتِهم(٣)، لأنَّهم كانوا أمِّيِّين، لا يكتبُ إلا القليلُ منهم، فلما كان(٤) يَشُقُّ
على كل ذي لغة أن يتحوَّل إلى غيرها من اللغات، ولو رامَ ذلك، لم يتهيّأ له إلا
بمشَقَّة عظيمة، فوُسِّعَ لهم في اختلافِ الألفاظ إذ كان المعنى مثَّفِقاً، فكانوا كذلك
حتَّى كثُر منهم مَن يكتبُ، وعادَت لغاتُهم إلى لسانِ رسول الله وَّهِ، فقرؤوا(٥) بذلك
على تحفّظ ألفاظِهِ، فلم يَسَعُهُم حينئذ أن يقرؤوا بخلافِها(٦).
قال ابنُ عبد البر: فبانَ بهذا أنَّ تلك السَّبعَةَ الأحرفِ إنَّما كان في وقت خاصِّ
لضرورة دَعَت إلى ذلك، ثمَّ ارتفعت تلك الضَّرورةُ، فارتفعَ حُكمُ هذه السَّبعةِ
الأحرفِ، وعاد مايُقرأ به القرآنُ إلى(٧) حرف واحد (٨).
وروى أبو داود عن أُبَيِّ قال: قال لي رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يا أُبَيُّ، إنِّي أُقرِئتُ
القرآنَ، فقيلَ لي: على حرف، أو حرفين ؟ فقال المَلَك الذي معي: قُل: على
حرفين. [قلت: على حرفين]، فقيل لي: على حرفَين أو ثلاثة ؟ فقال المَلَك الذي
معي: قُل: على ثلاثة. [قلت: على ثلاثة] حتَّى بلغ سبعةَ أحرُف، ثمَّ قال: ليس
(١) ليس هو في صحيح البخاري، وذكره مسلم بإثر الحديث (٨١٩)، وذكره أيضاً الطبري ١/ ٢٧،
والطحاوي بإثر الحديث (٣١١٦).
(٢) في (ظ) و(م): السعة، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق لشرح مشكل الآثار والتمهيد. (تنظر
التعليقات الثلاثة التالية).
(٣) في (ظ): لغتهم.
(٤) في التمهيد ٢٩٤/٨: ((فكان))، بدل: ((فلما كان))، وهو الأشبه.
(٥) في (م): فقدروا.
(٦) كلام الطحاوي هذا قاله في شرح مشكل الآثار ١٢٥/٨ و١١٧ - ١١٨، وقد نقله عنه ابن عبد البر في
التمهيد ٢٩٤/٨، ونقله المصنف هنا عن ابن عبد البر.
(٧) في (م): على.
(٨) التمهيد ٢٩٤/٨.

٧٤
مقدمة المصنف
منها (١) إلا شافٍ كافٍ، إن قُلتَ: سميعاً عليماً، عزيزاً حكيماً، ما لم تَخلِطْ آيةً عذابٍ
برحمة، أو آيَةً رحمةٍ بعذاب))(٢).
وأسند ثابتُ بن قاسم(٣) نحوَ هذا الحديث، عن أبي هريرة، عن النبيِّ بَّ، وذكر
من كلامٍ ابن مسعود نحوه(٤) .
قال القاضي ابنُ الطَّيِّب(٥): وإذا ثَبتَت هذه الرِّوايةُ - يريدُ حديثَ أُبَيّ - حُمِل على
أنَّ هذا كان مُطلَقاً، ثم نُسِخ، فلا يجوز للنَّاس أن يُبدِّلوا اسماً لله تعالى في موضع
بغيره ممَّا يوافقُ معناه أو يُخالِفُ(٦).
القولُ الثاني: قال قومٌ: هي سبعُ لغات في القرآن على لغاتِ العرب(٧)، يَمَنِها
ونِزارِها، لأنَّ رسول الله ◌َل﴿ لم يَجهَلْ شيئاً منها، وكان قد أُوتِيَ جوامِعَ الگلِم، ولیس
معناه أن يكونَ في الحرفِ الواحدِ سبعةُ أوجُه، ولكنَّ هذه اللُّغاتِ السَّبعَ مُتفرِّقةٌ في
القرآن، فبعضُه بلغةٍ قريش، وبعضُه بلغةِ هُذَيْل، وبعضُه بلغةٍ هَوَازِن، وبعضُه بلغةٍ
اليمن.
قال الخطّابي: على أنَّ في القرآنِ ما قَد قُرىء بسبعَةٍ أوجُه، وهو قولُه: ﴿وَعَبَدَ
اُلَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]، وقوله: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢]. وذكر
(١) في (ظ): فيها.
(٢) سنن أبي داود (١٤٧٧) وما بين حاصرتين منه، وفيه: مالم تختم آية عذاب برحمة ...
(٣) ثابت بن قاسم بن ثابت بن حزم بن عبد الرحمن العوفي، من أهل سَرَقُسطة، حدّث بكتاب أبيه المسمى
الدلائل (وهو في شرح الحديث). توفي سنة (٣٥٢هـ). كذا في تاريخ علماء الأندلس ١/ ١٠٠. وجاء في
ترجمة أبيه قاسم بن ثابت ١/ ٣٦١ صاحب الدلائل: بلغ فيه الغاية من الإتقان، ومات قبل إكماله (سنة
٣٠٢ هـ)، فأكمله أبوه ثابت بعده. وانظر جذوة المقتبس ص٣٣١.
(٤) حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٨٣٩٠)، وكلام ابن مسعود أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن
ص٢٠٧، والطبري ١/ ٤٦.
(٥) في النسخ الخطية: أبو الطيب، والمثبت من (م)، وهو الإمام القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن
محمد، البصري، ثم البغدادي، المعروف بابن الباقلاني، صاحب الانتصار للقرآن وغيره من
التصانيف، كان يضرب المثل بفهمه وذكائه. مات سنة (٤٠٣ هـ). السير ١٧ / ١٩٠.
(٦) من قوله: وأسند ثابت بن قاسم، إلى هذا الموضع، من كلام ابن عطية في تفسيره ١/ ٤٤.
(٧) في (م): لغات العرب كلها.

٧٥
معنى السبعة أحرف
وجوهاً، كأنَّه يذهبُ إلى أنَّ بعضَه أُنزِلَ على سبعةٍ أحرف، لا كُلَّه(١).
وإلى هذا القول - بأنَّ القرآن أُنزل على سبعةِ أحرُف، على سبع لُغات - ذهبَ أبو
عُبيد القاسمُ بنُ سلَّام، واختاره ابنُ عطيّةُ(٢). قال أبو عُبيد: وبعضُ الأحياءِ أسعدُ بها
وأكثرُ حظًّا فيها من بعض، وذكر حديثَ ابنٍ شهاب عن أنَس، أنَّ عُثمان قالَ لهم حين
أمَرَهُم أن يكتبوا المصاحِفَ: ما اختلفتُم أنتم وزيد، فاكتبوه بلغةٍ قُریش، فإنه نزل
بِلُغَتِهِم(٣). ذكره البخاري(٤). وذكرَ حديثَ ابنِ عبَّاس قال: نزلَ القُرآن بِلُغَة الكعبّين:
كعبٍ قُريش، وكعبٍ خُزاعة، قيلَ: وكيف ذلك؟ قال: لأنَّ الدَّارَ واحدةٌ. قال أبو
عُبيد: يعني أنَّ خُزاعة جيرانُ قريش، فأخذوا بِلُغَتِهِم(٥).
قال القاضي ابنُ الطَّيِّب(٦) رضي الله عنه: معنى قولٍ عثمانَ: فإنَّه نزلَ بلسان
قُريش، يريد مُعظّمَهُ وأكثرَه، ولم تَقُم دِلالَةٌ قاطِعةٌ على أنَّ القرآن بأسرِهِ مُنزلٌ بلُغة
قُريش فقط، إذ فيه كلماتٌ وحروفٌ هي خِلافُ لُغةٍ قُريش، وقد قالَ الله تعالى: ﴿إِنَّا
جَعَلْنَهُ قُزْءَنَا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، ولم يقُل: قُرَشِياً، وهذا يدلُّ على أنَّه مُنزلٌ بجميع
لسانِ العَرَب، وليس لأحد أن يقول: إنه أرادَ قُريشاً من العَرب دون غيرها، كما أنَّه
ليس له أن يقولَ: أرادَ لُغةً عَدنانَ دون قَحطانَ، أو ربيعةً دون مُضَرَ، لأنَّ اسمَ العرب
يتناول جميعَ هذه القبائلِ تناولاً واحداً .
وقال ابنُ عبد البَرِّ: قولُ مَن قال: إنَّ القُرآن نزلَ بِلُغة قُريش، معناهُ عندي: في
الأغلبِ. والله أعلم. لأنَّ غيرَ لُغةٍ قُريش موجودةٌ في صحيحِ القراءات، من تحقيقٍ
الهَمَزَاتِ ونحوِها، وقُريشٌ لا تَهمِزُ(٧).
(١) ليس هذا الكلام كلُّه للخطابي، إنما نقل الخطابيُّ عن ابن الأنباري كلامه في الآيتين المذكورتين، ثم
قال: وذكر وجوهاً .. ، كأنه يذهب (يعني ابن الأنباري) في تأويل الحديث ... الخ. انظر معالم السنن
٢٩٣/١.
(٢) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ٢٠٣، والمحرر الوجيز ٤٦/١.
(٣) في فضائل القرآن ص ٢٠٣: فاكتبوه بلسان قريش، فإنه نزل بلسانهم.
(٤) صحيح البخاري (٤٩٨٧).
(٥) فضائل القرآن ص٢٠٤.
(٦) في النسخ الخطية: أبو الطيب، والمثبت من (م).
(٧) التمهيد ٨/ ٢٨٠.

٧٦
مقدمة المصنف
وقال ابن عطيّة: معنى قولِ النبيِّ وَّ: ((أُنزِلَ القرآنُ على سَبعَةٍ أحرف، أي:
فيه (١) عبارةُ سبع قبائِلَ، بِلُغةِ جُملَتِها نزلَ القرآن، فيعبر عن المعنى فيه مَرَّة بعبارة
قريش، ومَرَّة بعبارة هُذَيل، ومَرَّة بغير ذلك، بحسبِ الأفصح، والأوجَزِ في اللفظ.
ألا ترى أنَّ ((فَطَر)) معناه عند غير قريش: ابتدأ، فجاءت في القرآن، فلم تَتَّجِه لابن
عباس، حتَّى اختَصَمَ إليه أعرابيَّان في بئر، فقال أحدُهما: أنا فَطَرْتُها، قال ابنُ
عبَّاس: ففهمتُ حينئذ موقع(٢) قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]. وقال
أيضاً: ما كنتُ أدري معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:
٨٩] حتى سمعتُ بنتَ ذي يَزَن تقول لزوجها: تَعالَ أُفاتِحْكَ، أي: أُحاكِمْكَ.
وكذلك قال عمرُ بنُ الخطاب، وكان لا يفهمُ معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَّهُرْ عَلَى
تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] أي: على تَنَقُّص لهم.
وكذلك اتَّفَقَ لقُطبَةَ بنِ مالك (٣)، إذْ سَمِعَ النبيّوَّو يقرأُ في الصَّلاةِ: ﴿وَاَلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾
[ق: ١٠]. ذكره مُسلمٌ في باب القراءة في صلاة الفجر (٤) إلى غير ذلك من الأمثلة(٥).
القولُ الثالث: أنَّ هذه اللُّغاتِ السَّبعةَ إنَّما تكون في مُضَر. قاله قومٌ، واحتجُوا
بقول عثمان: نزلَ القُرآنُ بِلُغةٍ مُضَر، وقالوا: جائزٌ أن يكونَ منها لقُريش، ومنها
لِكنانَة، ومنها لأَسَد، ومنها لهُذَيل، ومنها لتَمِيم(٦)، ومنها لِضَبَّة، ومنها لِقَيس،
قالوا: هذه قبائلُ مُضَرَ تستوعِبُ سبعَ لُغات على هذه المراتِبِ، وقد كان ابنُ مسعود
يُحبُّ أن يكون الذين يكتُبون المصاحِفَ من مُضَر(٧). وأنكر آخَرونَ أن تكونَ كُلُّها
في (٨) مُضَرَ، وقالوا: في مُضَرَ شَواٌّ لا يجوزُ أن يُقرَأ القرآنُ بها، مثلُ کَشكشَةٍ قَیس،
(١) في (ز): في.
(٢) في (م): موضع.
(٣) الثعلبي، ويقال: الذبياني، من أهل الكوفة، وهو عم زياد بنِ عِلاقة، وهو ممن أخرج لهم مسلم في
الصحابة دون البخاري. الإصابة ١٦٥/٨.
(٤) صحيح مسلم (٤٥٧)، وهو عند أحمد (١٨٩٠٣).
(٥) المحرر الوجيز ٤٦/١ - ٤٧، وانظر إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري ٧١/١ -٧٢.
(٦) في (د) و(ظ) و(م): لتيم، ولم ترد في (ز)، والمثبت من التمهيد ٨/ ٢٧٧.
(٧) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٠٥.
(٨) في (م): من.

٧٧
معنى السبعة أحرف
وعَنْعَنَةٍ (١) تميم. فأمَّا كَشكَشَةُ قيس، فإنَّهم يجعلون كافَ المؤنَّثِ شِيناً، فيقولون في
﴿جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]: ((جعل رَبُّشٍ تحتشِ سَرِيًّا)). وأمَّا عَنْعَنَةُ تميم،
فيقولون [ في أن: عن، فيقولون: ((عَسَى اللهُ عن يأتِيَ بالفتح))، وبعضهم يُبدلُ السينَ
تاءً، فيقولُ ] في النَّاسِ: النَّات، وفي أَكيّاس: أَكَيَات(٢). قالوا: وهذه لُغَاتٌ يُرغَبُ
عن القرآن بها، ولا يُحفَظُ عن السَّلَفِ فيها شيءٌ.
وقال آخرون: أمَّا بدل(٣) الهمزَةِ عَيناً، وبدل حروفِ الحلق بعضِها من بعض،
فمشهورٌ عن الفُصحاء، وقد قرأ به الجِلَّةُ، واحتَجُوا بقِرَاءةِ ابنِ مسعود: ((لَيَسجُنُنَّهُ عتَّى
حِين)). ذكرَها أبو داود(٤)، وبقولِ ذي الرُّمَّة(٥):
فعيناكِ عيناها وجِيدُكِ جِيدُها ولَوْنُكِ إلا عَنَّها غيرُ طائِلٍ
يريدُ: إلا أنَّها.
القولُ الرَّابع: ما حكاهُ صاحبُ ((الدَّلائِل)»(٦) عن بعض العلماء، وحكى نحوَهُ
القاضي ابنُ الطَّيِّب(٧) قال: تَدَبَّرتُ وُجُوهَ الاختلافِ في القراءَةِ، فوجدتُها سبعة:
منها: ما تَتَغيَّرُ حركَتُه، ولا يزولُ معناه ولا صورَتُه، مثل: ﴿هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ﴾
[هود: ٧٨] وأطهَرَ (٨)، ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى﴾ [الشعراء: ١٣] ويَضيقَ(٩).
(١) تحرف في النسخ الخطية و(م) (في الموضعين) إلى: تمتمة، ونقله الزرقاني في مناهل العرفان ١/ ١٧٥.
وعَنعَنَةُ تميم: إبدالهم العين من الهمزة كما سيمثّل له المصنف.
(٢) وهو الوتم في لغة اليمن، كما في المزهر للسيوطي ١/ ٢٢٣.
(٣) في (م) (في الموضعين): إبدال.
(٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٧٨/٨ من طريق أبي داود السجستاني، (وليس هو في سننه). وقراءة
ابن مسعود هذه ذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٦٣. وقد نقل المصنف القول الثالث
بتمامه من التمهید ٢٧٧/٨ .٢٧٨، وما بین حاصرتین منه.
(٥) هو غَيلان بن عقبة بن بُهيش، أبو الحارث، من فحول الشعراء، مات بأصبهان سنة (١١٧ هـ). سير
أعلام النبلاء ٢٦٧/٥، والبيت في ديوانه ٢/ ١٣٤١.
(٦) هو قاسم بن ثابت السَّرَقُسطي، سلفت ترجمته ص٧٤.
(٧) في الانتصار ص ٢٥٢ - ٢٥٥ مخطوط نشرة سزكين.
(٨) بالنصب، وهي قراءة شاذة، ذكرها ابن خالويه في كتابه ص ٦٠، وابن جني في المحتسب ٣٢٥/١،
ونقل أبو حيان في البحر المحيط ٢٤٧/٥ عن سيبويه قوله: هو لحن.
(٩) بالنصب، عطف على (يكذبون)) في الآية قبلها، وهي قراءة يعقوب من العشرة. انظر النشر ٣٣٥/٢.

٧٨
مقدمة المصنف
ومنها: ما لا تَتَغيَّرُ صُورَتُه، ويتغيَّرُ معناه بالإعراب، مثل: ﴿رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾
[سبأ: ١٩]، و[ربُّنا] بَاعَدَ (١).
ومنها: ما تبقى صورتُه، ويتغيَّرُ معناه باختلافِ الحروف، مثل قوله: ﴿نُنِشِرُهَا﴾
[البقرة: ٢٥٩] ونُنْشِرُها(٢).
ومنها: ما تَتَغيَّرُ صورتُه، ويبقى معناه: ﴿كَأَلْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]
وكالصُّوفِ المَنفُوش(٣) .
ومنها: ما تتغيَّرُ صورتُه ومعنَاهُ، مثل: ﴿وَطَلْحٍ تَنْفُورٍ﴾ [الواقعة: ٢٩]: وطَّلعٍ
مَنضُود(٤).
ومنها: بالتَّقديم والتَّأخير، كقوله: ﴿وَجَّمَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]:
وجاءت [سكرةٌ] الحقِّ بالمَوت(٥).
ومنها: بالزِّيادةِ والنُّقصان، مثل قولهِ: ((تِسعٌ وتسعُونَ نَعجَةً أنثى))(٦)، وقولهِ:
((أمَّا الغُلامُ فكان كافِراً وكان أبَواه مؤمنَين))(٧)، وقولهِ: ((فإنَّ اللهَ مِن بَعدِ إكراهِهِنَّ
لهنَّ غفورٌ رحيم)»(٨).
القولُ الخامس: أنَّ المرادَ بالأحرُفِ السَّبعَةِ معاني كتاب الله تعالى، وهي أمرٌ
(١) أي على جهة الخبر، وهي قراءة يعقوب من العشرة. انظر النشر ٢/ ٣٥٠.
(٢) من: أنشَرَ، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو من السبعة، وأبي جعفر ويعقوب من العشرة. انظر
السبعة ص ١٨٩، والتيسير ص ٨٢، والنشر ٢٣١/٢. وذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦
لأبان عن عاصم: نَنشُرُها، بفتح النون، ونسبها صاحب إتحاف فضلاء البشر ص٢٠٨ للحسن.
(٣) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٧٨ لابن مسعود رضي الله عنه.
(٤) ذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٥١، أن علياً رضي الله عنه قرأها على المنبر، فقيل له: أفلا
تغيره في المصحف؟ قال: ما ينبغي للقرآن أن يُهاج، أي: لا يغير.
(٥) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٤٤ لأبي بكر الصديق وأبي رضي الله عنهما.
(٦) المحرر الوجيز ٤٣/١ وقد حكاه ابن عطية عن صاحب الدلائل وابن الطيّب الباقلاني، ونسب ابن خالويه
لابن مسعود رضي الله عنه في القراءات الشاذة ص ١٣٠ قراءة: ولي نعجة أنثى. وانظر التمهيد ٢٩٥/٨.
(٧) ذكرها ابن عطية في تفسير الآية (٨٠) المذكورة من سورة الكهف، ونسبها لأبيّ، وانظر البحر المحيط
١٥٤/٦.
(٨) نسبها ابن جني في المحتسب ١٠٨/٢ لابن عباس، وسعيد بن جبير. وذكرها ابن عطية في تفسيره
١٨٢/٤، ونسبها لابن مسعود وجابر وسعيد بن جبير.

٧٩
معنى السبعة أحرف
ونَهِيٌّ، ووَعدٌ وَوَعيدٌ، وقَصَصٌ، ومُجادَلَةٌ وأمثالٌ. قال ابنُ عطيّة: وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ
هذا لا يُسمَّى أحرُفاً، وأيضاً؛ فالإجماعُ على أن التَّوسِعَةَ لم تَقَع في تحليلِ حلال(١)،
ولا في تغييرِ شيء من المعاني. وذكر القاضي ابنُ الطَّيِّب في هذا المعنى حديثاً عن
النبيِّ ◌َّهِ، ثمَّ قال: ولكن ليست هذه هي التي أجاز لهم القراءةَ بها، وإنَّما الحرفُ في
هذه بمعنى الجهةِ والطريقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾
[الحج: ١١] فكذلك معنى هذا الحديثِ على سبعٍ طرائقَ من تحليل وتحريم، وغيرِ
ذلك(٢).
وقد قيل: إنَّ المرادَ بقوله عليه السلام: ((أُنزل القرآنُ على سَبعَةٍ أحرف)) القراءاتُ
السَّبعُ التي قرأ بها القُرَّاءُ السَّبعةُ، لأنَّها كلّها صَحَّت عن رسولِ الله ◌ِوَّهِ. وهذا ليسَ
بشيء، لظهورِ بُطلانِه على ما يأتي.
فصل
قال كثيرٌ من علمائنا، كالدَّاوُدِي(٣)، وابنٍ أبي صُفْرة (٤)، وغيرِهما: هذه
القراءاتُ السَّبعُ التي تُنسبُ لهؤلاء القرَّاءِ السبعةِ، ليست هي الأحرفَ السَّبعةَ التي
اتَّسعتِ الصحابةُ في القراءة بها، وإنَّما هي راجعةٌ إلى حرف واحد من تلك السَّبعةِ،
وهو الذي جمعَ عليه عثمانُ المصحفَ، ذكره ابنُ النَّحاس وغيرُه. وهذه القراءاتُ
المشهورةُ هي اختياراتُ أولئك الأئمةِ القرَّاء، وذلك أنَّ كلَّ واحد منهم اختارَ - فيما
رَوى، وعَلِمَ وجهَةً من القراءات - ما هو الأحسَنُ عندهَ والأَّولى، فالتزمّه طريقةً،
ورواه وأَقرأَ به، واشتهرَ عنه، وعُرِفَ به، ونُسِب إليه، فقيل: حرفُ نافع، وحرفُ ابنِ
كَثِير، ولم يمنع واحدٌ منهم اختيارَ الآخَر، ولا أنكرَه، بل سؤَّغَه وجَوَّزه، وكلُّ واحد
من هؤلاء السبعةِ رُوي عنه اختياران، أو أكثر، وكلّ صحيح. وقد أجمعَ المسلمون
(١) في المحرر الوجيز ٤٣/١: أن التوسعة لم تقع في تحريم حلال، ولا تحليل حرام.
(٢) المحرر الوجيز ٤٣/١ - ٤٤، وفيه كلام ابن الباقلاني السالف.
(٣) لعله أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي الأسدي؛ ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك ٦٢٣/٤ وقال:
من أئمة المالكية بالمغرب، والمتَّسمين بالعلم، المجيدين للتأليف ... توفي بتلمسان سنة (٤٠٢هـ).
(٤) هو أبو عبد الله محمد بن أبي صفرة أخو أبي القاسم المهلب، سمع من الأصيلي، وكان من كبار
أصحابه، وتوفي بالقيروان. ترتيب المدارك ٤/ ٧٥٢، و٢٠١/٢، وإكمال المعلم ١٩٠/٣.

٨٠
مقدمة المصنف
في هذه الأعصار على الاعتماد على ما صَحَّ عن هؤلاء الأئمةِ مما رَوَوه ورأَوهُ من
القراءات، وكتبوا في ذلك مصنَّفات، فاستَمرَّ الإجماعُ على الصَّواب، وحصلَ ما
وعدَ اللهُ به من حفظ الكتاب، وعلى هذا الأئمةُ المتقدِّمون، والفضلاءُ المحقّقون،
كالقاضي أبي بكر بن الطَّيِّب، والطَّبريِّ، وغيرِهما (١).
قال ابنُ عطيّةٍ: ومَضَتِ الأعصارُ والأمصارُ على قراءة السَّبعةِ، وبها يُصَلَّى، لأنَّها
ثبتت بالإجماع. وأما شاذُّ القراءات(٢)، فلا يُصَلَّى به، لأنَّه لم يُجمِع الناسُ علیه، أما
أنَّ المرويَّ منه عن الصحابة رضي الله عنهم، وعن علماء التابعين، فلا يُعتَقَدُ فيه إلا
أنَّهم رَوَوْه. وأمَّا ما يُؤثَرُ عن أبي السَّمَّال(٣) ومَن قارنَه، فإنَّه لا يُوثَقُ به (٤).
قال غيرُه: أمَّا شاذُّ القراءة عن المصاحف المتواترة، فليست بقرآن، ولا يُعمَلُ
بها على أنَّها منه، وأحسَنُ مَحامِلها أن تكونَ بيانَ تأويلِ مذهَبٍ مَن نُسبِت إليه، كقراءة
ابنِ مسعود: ((فصيامُ ثلاثة أيام مُتَتابعات))(٥). فأما لَو صَرَّح الراوي بسماعها من
رسول الله وَلقر، فاختلفَ العُلماءُ في العمل بذلك على قولين: النَّفي والإثبات، وجهُ
النَّفي (٦): أنَّ الراويّ لم يروه في مَعرِض الخبر، بل في مَعرِض القرآن، ولم يُثبت،
فلا يَثبت. والوجه الثاني: أنَّه وإن لم يَثبت كونُه قرآناً، فقد ثبتَ كونُه سنَّةً، وذلك
يُوجبُ العملَ، كسائر أخبارِ الآحاد.
فصل في ذكر معنى حديثٍ عُمر وهشام
قال ابنُ عطيَّةَ(٧): أباحَ اللهُ تعالى لنبيِّه عليه السلامُ هذه الحروفَ السَّبعةَ،
(١) من قوله: قال كثير من علمائنا ... هو كلام أبي العباس القرطبي في المفهم ٢/ ٤٥٠.
(٢) في النسخ الخطية: القرآن، والمثبت من المحرر الوجيز ٤٨/١.
(٣) في النسخ الخطية: ابن السماك، والمثبت من المحرر الوجيز ٤٨/١، وهو قعنب بن أبي قعنب العدوي
البصري، ذكره ابن الجزري في طبقات القراء ٢٧/٢ وقال: له اختيار في القراءة شاذ عن العامة،
وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ٤/ ٥٣٤ وقال: لا يُعتمد على نقله، ولا يوثق به.
(٤) المحرر الوجيز ٤٨/١، وفيه: قاربه، بدل: قارنه.
(٥) أخرجها عبد الرزاق في المصنف (١٦١٠٢) (١٦١٠٣) (١٦١٠٤)، والطبري في التفسير ٦٥٢/٨.
وقال: ذلك خلاف ما في مصاحفنا.
(٦) في (ز) و(ظ): النافي.
(٧) في المحرر الوجيز ١/ ٤٧.