النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ إعراب القرآن وتعليمه والحث عليه باب ماجاء في إعراب القرآن وتعليمه والحثّ عليه وثوابٍ مَن قَرأَ القرآنَ مُعرَباً قال أبو بكر بنُ الأنباري(١): جاء عن النبيِّ ◌َّ وعن أصحابه وتابعيهم . رضوانُ الله عليهم . من تفضيلٍ إعرابِ القرآن، والحضٍّ على تعليمِه، وذمِّ اللَّحنِ وكراهيتهِ، ما وجبَ به على قُرَّاء(٢) القرآن أن يأخذُوا أنفسهم بالاجتهاد في تعلُّمه(٣). من ذلك ما حدثنا سليمان بن يحيى (٤) الضَّبِّيُّ قال: حدثنا محمد - يعني ابنّ سعدان(٥) - قال: حدثنا أبو معاوية، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن جدِّه، عن أبي هريرة أن النبيَّ وَّهِ قال: (أَعْرِبُوا القُرآنَ، والتَّمِسُوا غَرائِبَه))(٦). حدثني أبي قال: حدثنا إبراهيم بنُ الهيثم قال: حدثنا آدمُ - يعنى ابنَ أبي إياس - قال: حدثنا أبو الطَّيِّب المَرْوَزيُّ قال: حدثنا عبد العزيز بنُ أبي رَوَّاد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مَن قَرأَ القُرآنَ، فلم يُعرِبْهُ، وُكِّلَ به مَلَكٌ، يَكتُبُ له كما أُنزِلَ بكلِّ حَرف عَشرَ حَسَنات، فإنْ أَعرَبَ بَعضَه، [ولم يُعربْ بعضَه](٧)، وُكِّلَ به مَلَكانٍ، يكتُبانِ له بكلِّ حرف عشرينَ حسنة، فإن أَعرَبَه، وُكِّلَ به أربعةُ أملاك، يكتُبُون له بكلِّ حَرف سَبعينَ حَسَنة)»(٨). (١) في كتابه إيضاح الوقف والابتداء ١٤/١، وقد نقل عنه المصنف ما أورده في هذا الباب. (٢) في (ظ): أهل. (٣) في (ز) و(ظ): تعليمه. (٤) في النسخ الخطية و (م): يحيى بن سليمان، والتصويب من الإيضاح ١٥/١، وترجمته في تاريخ بغداد ٦٠/٩، وطبقات القراء ٣١٧/١. (٥) في (د) و(ز) و(م): ابن سعيد، وهو خطأ. والمثبت من (ظ). وترجمته في تاريخ بغداد ٣٢٤/٥، وطبقات القراء ٢/ ١٤٣. (٦) إسناده ضعيف جداً. عبد الله بن سعيد المقبري متروك الحديث. وأخرجه أيضاً أبو عبيد في فضائل القرآن ص٢٠٨، وابن أبي شيبة في المصنف ٤٥٦/١٠، والحاكم في المستدرك ٤٣٩/٢، وقال: صحيح الإسناد على مذهب جماعة من أئمتنا ولم يخرجاه، فتعقبه الذهبي بقوله: بل أُجمع على ضعفه. (٧) ما بین حاصرتين من مصادر الحديث. (٨) إسناده تالف. أبو الطيب المروزي (وهو الحربي) قال ابن حبان في المجروحين ٣/ ١٦٠: يروي عن عبد العزيز بن أبي روَّاد الأعاجيب، لا يجوز الاحتجاج به بحال. ثم أخرج له هذا الحديث، ونقل= ٤٢ مقدمة المصنف ورَوَى جُوَيٍر، عن الضَّحَّاك قال: قال عبد الله بنُ مسعود: جَوِّدُوا القرآنَ، وَزَيِّنُوه بأحسنِ الأصواتِ، وأعرِبُوه، فإنه عَرَبيٍّ، واللهُ يحبُّ أن يُعرَبَ به. وعن مجاهد (١)، عن ابن عمر قال: أَعرِبُوا القرآنَ. وعن محمد بن عبد الرحمن بن زيد(٢) قال: قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: لَبَعضُ إعرابِ القرآنِ، أَحَبُّ إلینا مِن حِفظ حروفِه. وعن الشعبي قال: قال عمر رحمه الله: مَن قَرَأَ القُرآنَ، فأَعرَبَه، كانَ له عند الله أجرُ شهِید. وقال مكحول(٣): بلغني أنَّ مَن قَرَأَ بإعراب، كان له مِنَ الأَجرِ ضِعفانٍ ممَّن قرأ بغير إعراب. وروى ابنُ جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَّهِ: ((أَحِبُّوا(٤) العَرَبَ لثلاث: لأنِّي عربيٍّ، والقرآنَ عَربيٍّ، وكلامَ أهلِ الجنة عَرَبيِّ»(٥). وروى سفيان، عن أبي حمزة قال: قيل للحسن في قوم يَتَعَلَّمونَ العربيَّة، قال: أحسَنُوا، يتعلَّمون لغةً نبيِّهِم ◌َةٍ(٦). وقيل للحسن: إن لنا إماماً يَلحَنُ، قال: أَخِّروه. = الذهبي في ميزان الاعتدال ٥٤١/٤ قول ابن معين فيه: كان في الحديث كذَّاباً. وأخرجه أيضاً أبو الفضل الرازي في فضائل القرآن (١١٠). (١) هو مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي، شيخ القراء والمفسرين، أخذ القرآن والتفسير والفقه عن ابن عباس، توفي سنة (١٠٢ هـ) وقيل غير ذلك. السير ٤٤٩/٤. (٢) في إيضاح الوقف والابتدا ص ٢٠: عن زید. (٣) أبو عبد الله بن أبي مسلم، الدمشقيّ، عالم أهل الشام، من أقران الزهري، توفي سنة (١١٣ هـ) وقيل غير ذلك. السیر ١٥٥/٥. (٤) في (د) و(ظ): أُحبُّ. (٥) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٣٤٨/٣، والحاكم في المستدرك ٨٧/٤، وفي معرفة علوم الحديث ص ١٦١ - ١٦٢، وابن الجوزي في الموضوعات ٣٤٨/١. قال العقيلي: منكر لا أصل له، وقال الحاكم: حديث صحيح، فتعقبه الذهبي بقوله: هو من رواية العلاء بن عمرو الحنفي وليس بعمدة .. وأظن الحديث موضوعاً، وأورد الحديث أيضاً في ميزان الاعتدال ١٠٣/٣ وقال: هذا موضوع، قال أبو حاتم: هذا كذب. (٦) سفيان: هو الثوري، وأبو حمزة: لعله الأعور، واسمه ميمون، والحسن: هو البصري. ٤٣ إعراب القرآن وتعليمه والحث عليه وعن ابنٍ أبي مُلَيكَةَ قال: قَدِمَ أعرابيٍّ في زمان عمرَ بنِ الخطّاب رضي الله عنه، فقال: مَن يُقرِثُني مما أُنزل على محمد بَّله؟ قال: فأقرأَهُ رجلٌ ((براءة))، فقال: ((أن الله بريءٌ من المشركين ورسوله)) بالجرِّ، فقال الأعرابيُّ: أوَقَد بَرِئَ الله مِن رسوله ؟! فإن يكنِ الله بَرِئَ من رسولهِ، فأنا أَبرأُ منه، فبلغَ عُمرَ مقالةُ الأعرابيّ، فدعاه، فقال: يا أعرابيُّ، أتبرأُ من رسول الله وَّ ر؟! فقال: يا أمير المؤمنين، إني قَدِمتُ المدينةَ، ولا عِلمَ لي بالقرآن، فسألتُ: مَن يُقرِتُني؟ فأقرأني هذا سورةَ براءة فقال: ((أن الله بريءٌ من المشركين ورسوله)، فقلت: أوَقَد بَرِئَ اللهُ مِن رَسولهِ؟! إن يكنِ اللهُ بَرِئَ من رسولهِ، فأنا أبرأُ منه، فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابيُّ، قال: فكيف هي يا أميرَ المؤمنين ؟ قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِنَ الْمُشْرِكِينُّ وَرَسُولٌ﴾، فقال الأعرابيّ: وأنا والله أبرأُ مما بَرِىَ الله ورسولُه منه. فأمر عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه ألا يُقرِئَ الناسَ إلا عالمٌ باللغةِ، وأمرَ أبا الأسودِ، فوضَع النَّحو. وعن عليٍّ بنِ الجَعد (١) قال: سمعتُ شُعبةً(٢) يقول: مَثَلُ صاحِبِ الحديثِ الذي لا يعرفُ العربية، مَثَلُ الحمار، عليه مِخلاةٌ، لا عَلَفَ فيها . وقال حمَّاد بنُ سَلَمة(٣): مَن طَلَبَ الحديثَ، ولم يتعلَّم النَّحو - أو قال: العربية . فهو كَمَثَلِ الحمارِ، تُعلَّقُ عليه مِخلاةٌ، ليس فيها شعير (٤). قال ابنُ عَطِيَّةٍ: إعرابُ القرآنِ أَصلٌ في الشَّريعة، لأنَّ بذلك تَقومُ(٥) معانيه التي هي الشّرع(٦). (١) هو أبو الحسن البغدادي، الجوهري، مُسند بغداد، توفي سنة (٢٣٠هـ). السير ٤٥٩/١٠. (٢) هو شعبة بن الحجاج، أبو بسطام الأزدي العتكي مولاهم، الواسطي، عالم أهل البصرة. توفي سنة (١٦٠ هـ). السير ٢٠٢/٧. (٣) أبو سلمة البصري، الإمام، النحوي، ابن أخت حُميد الطويل، توفي سنة (١٦٧هـ). السير ٤٤٤/٧. (٤) أخرج الأخبار السالفة ابن الأنباري في الوقف والابتداء ١/ ١٥ ٦١٠ ونقلها المصنف عنه كما صرح به أول الباب. (٥) في (ظ): ذلك يقوم. (٦) المحرر الوجيز (تفسير ابن عطية) ٤٠/١، ومؤلفه: هو أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي الغرناطي، كان إماماً في الفقه والتفسير والعربية. توفي سنة (٥٤١هـ) وقيل: (٥٤٢). السير ٠٥٨٧/١٩ ٤٤ مقدمة المصنف قال ابنُ الأنباريّ(١): وجاء عن أصحابِ النبيِّ وَّهِ وتابعيهم رضوانُ الله عليهم من الاحتجاجِ على غريب القرآن ومُشكِلِه باللغةِ والشِّعر، ما بَيَّنَ صحةَ مذهبٍ النَّحوِيين في ذلك، وأوضحَ فسادَ مَذهبٍ مَن أنكرَ ذلك عليهم. من ذلك ما حدَّثنا عُبَيدُ بنُ عبد الواحد بنٍ شَريك البزاز قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريم قال: أنبأنا ابنُ فَرُوخ قال: أخبرني أسامة قال: أخبرني عكرمة أنَّ ابنَ عباس قال: إذا سألتموني عن غَرِيبِ القرآنِ، فالتَمِسُوه في الشِّعر، فإن الشِّعر ديوانُ العرب. وحدثنا إدريس بنُ عبد الکریم قال: حدثنا خَلَفٌ قال: حدثنا حمّاد بنُ زید، عن عليٍّ بن زيد بن جُدعان قال: سمعتُ سعيدَ بنَ جُبّير ويوسفَ بنَ مِهرانَ يقولان: سمعنا ابنَ عباس يُسألُ عن الشيء من القرآن، فيقول فيه كذا وكذا، أما سمعتم الشاعر يقول فيه كذا وكذا(٢). وعن عكرمة، عن ابن عباس، وسألَه رجلٌ عن قوله الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَثَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قال: لا تَلْبَس ثيابَك على غَدر، وتَمثَّلَ بقول غَيلانَ الثَّقَفيِّ(٣): لَبِسِتُ ولا مِن سَوأة أَتَّقَنَّعُ(٤) فإِنِّي بحَمِدِ الله لا ثَوبَ غادِرِ وسأل رجل عِكرِمَةً عن الزَّنِيم، فقال(٥): هو ولدُ الزِّنَى، وتمثَّلَ ببيت شعر: بَغِيُّ الأمِّ ذو حَسَب لئيم(٦) زَنِيمٌ ليس يُعرفُ مَن أبوه وعنه(٧) أيضاً: الزَّنیم: الدَّعِيُّ الفاحش اللئيم، ثم قال: (١) في الوقف والابتداء ٦١/١. وما بعدها، مما نقله عنه المصنف حتى آخر الباب. (٢) في (م): يُسألُ عن الشيء بالقرآن، فيقول فيه هكذا وهكذا، أما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا. والمثبت من النسخ، غير قوله: فيقول فيه كذا وكذا، فمن إيضاح الوقف والابتداء ص٦٢. (٣) هو غَيلانُ بنُ سَلَمة بن معتب بن مالك الثقفي، أسلم بعد فتح الطائف، ولم يهاجر، وهو شاعر مقلّ، وقد روى عنه ابنُ عباس شيئاً من شعره. الأغاني ٢٠٠/١٣، والإصابة ٦٣/٨. (٤) ذكره ابنُ قتيبة في تفسير غريب القرآن ص ٤٩٥ عند الآية ﴿وَثَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، وكذا الطبري ٤٠٦/٢٣، والماوردي ١٣٦/٦، وابن منظور في اللسان (طهر). (٥) في (ظ) و(م): قال. (٦) ذكره الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿عُثُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ١٦٤/٢٣. (٧) أي: عن عكرمة، والخبر في الإيضاح ص ٦٥: عن عكرمة عن ابن عباس. ٤٥ إعراب القرآن وتعليمه والحث عليه زَنِيمٌ تداعاهُ الرِّجالُ زيادةً كما زِيد في عَرضِ الأدِيم أكارعُه(١) وعنه في قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَاً أَقٍَْ﴾ [الرحمن: ٤٨] قال: ذواتا ظلِّ وأغصان، ألم تسمع إلى قول الشاعر: تّدعُو على فَنَنِ الغُصونِ حَماما ما هاجَ شوقَكَ من هَدِيلٍ حمامةٍ ذا مِخْلَبَيْنِ من الصُّقُور قَطاما(٢) تَدعُو أبا فَرْخَيْنٍ صادَفَ طائراً وعن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] قال: الأرض. قال(٣) ابن عباس: وقالَ أُمَيَةُ بنُ أبي الصَّلت(٤): عِندَهُم لحمُ بحر ولحمُ ساهِرة قال ابنُ الأنباريِّ: والرواة يروون هذا البيت: وفيها لحمُ ساهِرةٍ وبَحر وما فاهُوا بِه لَهُمُ مُقِيمُ( وقال نافع بن الأزرق(٦) لابن عباس: أخبرني عن قول الله جلَّ وعزَّ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ (١) كذا في النسخ الخطية، وإيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦٥ (والكلام منه)، ووقع في حاشيته وفي المصادر الآتية: الأكارع. وقد ذكره المبرد في ((الكامل)) ١١٤٦/٣، وابن عطية في تفسيره ٣٤٨/٥ ونسباه إلى حسان بن ثابت، وذكره ابن إسحاق (كما في سيرة ابن هشام ١/ ٣٦١)، وابن بري (كما في اللسان) (زنم) ونسباه إلى الخطيم التميمي. (٢) ذكرهما الطبري في التفسير ٢٤٠/٢٢، والماوردي في النكت والعيون ٤٣٨/٥، ونسبهما الأصفهاني في الأغاني ١٤/ ٢٦٢ لثابت قطنة. وعندهما: صادف ضارياً، وأورد الأول منهما ابن منظور في اللسان (هدل) عن ابن پري. (٣) في (م): قاله، وهو خطأ. (٤) شاعر جاهليَّ أدرك الإسلام ولم يُسلِم. قال ابنُ قُتيبة في الشعر والشعراء ص ٤٥٩: قد كان قرأ الكتب المتقدمة من كتب الله عز وجل، ورغب عن عبادة الأوثان، وكان يخبر بأن نبياً يُبعث قد أظلَّ زمانه، ويؤمّل أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج رسول الله ﴿ وقصتُه، كفرَ حَسَداً له. وذكر البغدادي في خزانته ٢٥٢/١ أنه مات في السنة التاسعة، وقال: لم يختلف أصحاب الأخبار أنه مات كافراً. اهـ. وقد أنشد الشَّرِيدُ بنُ سُوَيد رسولَ اللهِ و ◌َ ﴿ مئة بيت من شعر أمية. كما في صحيح مسلم (٢٢٥٥). فقال رسول الله ◌َ﴿: ((إن كادَ لَيُسلِمُ)). (٥) البيت في ديوانه ص ١٢١. وذكره الفراء في معاني القرآن ٢٣٢/٣، والطبري في تفسيره ٧٤/٢٤، والماوردي في النكت والعيون ١٩٦/٦، وسيكرر المصنف هذا البيت وما سلف من الأبيات قبله في المواضع من الآيات المذكورة. (٦) من رؤوس الخوارج، وإليه تنسب طائفة الأزارقة، وكان قد خرج في أواخر دولة يزيد بن معاوية. له أسئلة عن ابن عباس، أخرج الطبراني بعضها في الكبير. لسان الميزان ٦/ ١٤٤. ٤٦ مقدمة المصنف سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ما السِّنة؟ قال: النُّعاس، قال زُهير بنُ أبي سُلمَى(١): لا سِنَةٌ في طَوالِ اللَّيلِ (٢) تأخُذُهُ ولا ينامُ ولا في أمرِهِ فَنْدُ باب ماجاء في فضل تفسير القرآنِ وأهلِهِ قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وأما ما جاء في فضل التفسير عن الصحابة والتابعين : فمن ذلك أن عليَّ بنَ أبي طالب رضي الله عنه ذكر جابرَ بنَ عبد الله، ووصفَه بالعلم، فقال له رجل: جُعلتُ فداءك، تصف جابراً بالعلم، وأنت أنت ! فقال: إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِىِ فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَاتُكَ إِلَى مَعَارٍ﴾ [القصص: ٨٥]. وقال مجاهد: أحَبُّ الخلق إلى الله تعالى أعلمُهم بما أنزل. وقال الحسن: والله ما أنزلَ الله آيةً إلا أَحَبَّ أن يُعلم فيما(٣) أُنزلت، وما يَعني بها . وقال الشعبيُّ: رَحَلَ مسروق(٤) إلى البصرة في تفسير آية، فقيل له: إن الذي يُفسِّرُهَا رَحَلَ إلى الشام(٥)، فَتَجَهَّزَ، ورَحَلَ إلى الشام حتى عَلِمَ تفسيرَها(٦). وقال عكرمة (٧) في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ مُهَاجِرً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠]: طلبتُ اسمَ هذا الرجلِ أربعَ عشرةَ سنة حتى وجدتُّه(٨). (١) شاعر جاهلي، لم يدرك الإسلام، وكان من المقدَّمين على سائر الشعراء. الشعر والشعراء ١/ ١٤١. (٢) في إيضاح الوقف والابتداء ٧٨/١: في طوال الدهر. (٣) في (د) و(ز): أعلم فيمن. (٤) ابن الأجدع، أبو عائشة الوادعي، الهمداني، الكوفي، عداده في كبار التابعين وفي المخضرمين الذين أسلموا في حياة النبي ◌َّر، توفي سنة (٦٢هـ) وقيل: سنة (٦٣هـ). السير ٦٣/٤. (٥) في (د): رجل بالشام. (٦) أورد ابن عطية هذه الأخبار في تفسيره ٤٠/١. (٧) أبو عبد الله القرشي مولاهم، المدني، البربري الأصل، الحافظ المفسر، لازم ابن عباس وأخذ عنه العلم، توفي سنة (١٠٥هـ). السير ١٢/٥. (٨) أورده ابنُ عبد البر في الاستيعاب في ترجمة ضمرة بن العيص بن ضمرة (بهامش الإصابة ٢٠٢/٥ - ٢٠٣). ٠٠ ٤٧ ما جاء في حامل القرآن وقال ابنُ عبد البرّ: هو ضَمرَةٌ(١) بنُ حَبِيب، وسيأتي(٢). وقال ابن عباس: مَكَثتُ سَنَتَين(٣) أُريد أن أسألَ عُمرَ عن المرأتين اللّينِ تَظاهَرَتا على رسول اللهِ وَ﴿، ما يمنعني إلا مهابتُه، فسألتُه، فقال: هي حفصة وعائشة. وقال إياس بن معاوية(٤): مَثَلُ الذين يقرؤون القرآنَ وهم لا يعلمون تفسيرَه، كمَثَل قوم جاءهم كتابٌ من مَلِكِهِم ليلاً، وليس عندَهم مصباح، فتدَاخَلَتُهُم رَوْعَة، ولا يَدْرُون ما في الكتاب، ومَثَلُ الذي يعرفُ التفسيرَ كَمَثلِ رجل جاءهم بمصباح، فقرؤوا ما في الكتاب. باب ما جاء في حامل القرآن، ومَن هو، وفيمن عاداه قال أبو عمر(٥): رُويَ من وجوه فيها لِينٌ عن النبيِّ وَ﴿ أنه قال: ((مِن تَعظيم جَلالِ الله إكرامُ ثلاثة: الإمام المُقسِطِ، وذي الشَّيبةِ المُسلمٍ، وحاملِ القرآن غيرِ الغالي فيه، ولا الجافي عنه))(1). وقال أبو عمر: وحَمَلَةُ القرآنِ هم العالِمُونَ بأحكامِه، وحَلالِهِ وحَرامِه، والعامِلُون بما فيه. ورَوَى أنسٌ أنَّ النبيَّ لَ ◌ّه قال: ((القُرآنُ أفضَلُ من كلِّ شيءٍ، فَمَن (١) في (ز) و(ظ): ضميرة. (٢) سيذكر المصنف الاختلاف في اسمه عند تفسير الآية المذكورة من سورة النساء، وينظر الإصابة ١٩٧/٥ ترجمة ضمرة بن أبي العيص. (٣) في (ظ): سنين، وفي صحيح البخاري (٤٩١٣) وصحيح مسلم (١٤٧٩): مكثت سنة. (٤) أبو واثلة قاضي البصرة، كان يُضرب به المَثَلُ في الدهاء والعقل، توفي سنة (١٢١هـ). السير ١٥٥/٥. وقد أورد ابن عطية قوله في المحرر الوجيز ٤٠/١. (٥) هو ابنُ عبد البر، ولعل قوله هذا في كتابه البيان عن تلاوة القرآن، الذي ذكره هو في الاستذكار ٢٤/٨ و٢٦، والذهبي في السير ١٥٩/١٨. (٦) أخرجه من حديث أبي موسى الأشعري: البخاريُّ في الأدب المفرد (٣٥٧)، وأبو داود (٤٨٤٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٦٨٥) و(١٠٩٨٦)، وحسَّنه الذهبي في ميزان الاعتدال ٤/ ٥٦٥، والنووي في التبيان ص ٣٤. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٦٧٣٢)، وابنُ عدي في الكامل ١٥٩٦/٤ ، والبيهقي في الشعب (٢٦٨٧) من حديث جابر. وأخرجه البيهقي في الشعب أيضاً من حديث ابن عمر موقوفاً. وأخرجه الفريابي في فضائل القرآن (٩١) من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلاً. ٤٨ مقدمة المصنف وَقَّرَ القرآنَ، فقد وَقَّرَ الله، ومَنِ استَخَفَّ بالقرآن، استَخَفَّ بحقِّ الله تعالى، حَمَلَةُ القُرآنِ هم المحفُوفُون(١) برحمةِ الله، المُعظّمون كلامَ الله، المُلبَسون نورَ الله، فَمن وَالَاهم فقد وَالَى الله، ومن عاداهم فقدِ استخفَّ بحقِّ الله تعالى))(٢). باب ما يلزمُ قارىءَ القرآنِ وحاملَه من تعظيم القرآنِ وحُرمَتِه قال الترمذيُّ الحكيمُ أبو عبد الله في ((نوادر الأصول)»(٣): فَمِن حُرمَةِ القرآن أَلَّا يَمَسَّه إلا طاهراً. ومِن حُرْمَتِه أن يقرأَه وهو على طهارة. ومِن حُرْمَتِهِ أن يَستاكَ ويتخلَّلَ، فيُطَيِّبَ فاهُ، إذ هو طريقُه. قال يزيد بن أبي مالك(٤): إن أفواهَكم طُرُقٌ من طُرقِ القرآن، فَطَهِّرُوها ونَظّفُوها ما استطعتُم. ومن حُرْمَتِه أن يستويَ له قاعداً إن كان في غير صلاة، ولا يكون متكئاً (٥). ومِن حُرْمَتِهِ أن يَتَبَّسَ له (٦)، كما يَتَلَبَّسُ للدخول على الأمير، لأنه مُناجٍ . ومِن حُرْمَتِه أن يستقبلَ القِبلَةَ لقراءته. وكان أبو العالية(٧) إذا قرأَ اعتَمَّ، ولبسَ وارتَدَى، واستقبلَ القِبِلَةَ. (١) في مصادر الحديث: المخصوصون. (٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦/ ٤٢ (في ترجمة داود بن محمد المعيوفي الحجوري) وفي إسناده أكثرُ من علة، وأورده ابن عراق الكناني في تنزيه الشريعة ٢٩٤/١، وقال: فيه علي بن الحسن السامي. اهـ وعليَّ هذا؛ قال ابن حبان في المجروحين: لا يحل كتابة حديثه إلا على سبيل التعجب، وقال ابن عدي في الكامل ٥/ ١٨٥٤: ضعيف جداً. وانظر كشف الخفا ١/ ٢٠. (٣) في الأصل (٢٥٣) منه، ص ٣٣٣. (٤) يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهمداني، قاضي دمشق في عهد هشام بن عبد الملك، توفي سنة (١٣٠هـ). السير ٤٣٧/٥، وقوله هذا الذي أورده له المصنف ليس في المطبوع من نوادر الأصول، وهو في الرعاية لمكي ص٨٢. : (٥) قوله: ومن حرمته أن يستوي له قاعداً ... إلى هذا الموضع، ليس في (م). (٦) لفظة: له، ليست في (م). (٧) هو رُفَيعُ بنُ مِهران، أبو العالية الرِّياحي البصري، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي ◌َّه بسنتين، مات سنة تسعين. تهذيب الكمال ٩/ ٢١٤. ٤٩ ما يلزم قارئ القرآن من تعظيمه وحرمته ومن حُرْمَتِه أن يتمضمضَ كلَّما تنخَّع. روى شعبةُ، عن أبي حمزة (١)، عن ابن عباس: أنه كان يكون بين يديه تَوْر(٢)، إذا تَنَخَّع مَضمَضَ، ثم أخَذَ في الذِّكر، وكان كلَّما تنخَّعَ مَضمَضَ. ومِن حُرْمَتِهِ إذا تثاءَبَ أن يُمسِكَ عن القراءة، لأنه إذا قرأَ، فهو مُخاطِبٌ ربَّه ومُناجٍ، والتثاؤبُ من الشيطان. قال مجاهد: إذا تَثاءَبتَ وأنتَ تقرأ القرآن، فأمسِك عن القرآن(٣) تعظيماً حتى يذهبَ تثاؤبُك. وقاله عكرمة. يريدُ أنَّ في ذلك الفعل إجلالاً للقرآن. ومن حُرْمَتِهِ أن يستعيذَ بالله عند ابتدائهِ للقراءةِ من الشيطانِ الرجيمِ، ويقرأ ((بسم الله الرَّحمن الرَّحيم)) إن كانَ ابتدأَ قِراءَته من أولِ السورةِ، أو من حيثُ بلغَ. ومن حُرْمَتِه إذا أخذَّ بسورة، لم يشتغل بشيء حتى يَفرَغَ منها إلا من ضرورة (٤). ومِن حُرْمَتِه إذا أخذَ في القراءة، لم يقطعها ساعة فساعة بكلام الآدميين من غير ضرورة. ومِن حُرْمَتِهِ أن يَخلُوَ بقراءتهِ حتى لا يقطعَ عليه أحدٌ بكلام، فيخلِطَه بجوابه، لأنه إذا فعل ذلك، زالَ عنه سلطانُ الاستعاذةِ الذي استعاذ في البدء. ومِن حُرْمَتِه أن يقرأه على تُؤَدّة وتَرسِيل(٥) وترتيل. ومن حُرْمَتِهِ أن يستعملَ فيه ذِهنَه وفَهمَه حتى يَعقِلَ ما يُخاطَبُ به. ومن حُرْمَتِه أن يقفَ على آيةِ الوَعدِ، فيرغَبّ إلى الله تعالى، ويسألَه من فضلِه، وأن يقف على آيةِ الوَعيد، فيستجيرَ بالله منه. ومن حُرْمَتِهِ أن يقفَ على أمثاله، فَيَمتَئِلَها . ومن حُرْمَتِهِ أن يلتمسَ غَرائبه. (١) هو عمران بن أبي عطاء الأسدي، أبو حمزة القصاب، الواسطي، قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: صدوق له أوهام. (٢) الثَّور إناء يُشرب فيه. (٣) في (ز) و(د): القراءة. (٤) قوله: ومن حرمته إذا أخذ بسورة ... إلى هذا الموضع، ليس في (م). (٥) التَّرسِيلُ في القراءة: الترتيل. القاموس (رسل). ٥٠ مقدمة المصنف ومن حُرْمَتِهِ أن يُؤدِّيَ لكلِّ حرف حقَّه من الأداءِ، حتى يبرزَ الكلامُ باللفظ تماماً، فإنَّ له بكلِ حرف عَشرَ حسنات. ومن حُرْمَتِهِ إذا انتَهَت قراءتُه، أن يُصَدِّقَ ربَّه، ويَشهَدَ بالبلاغ لرسولِهِ وَِّ، ويَشهدَ على ذلك أنه حقٌّ، فيقولَ: صَدَقتَ ربَّنا، وبَلَّغَتْ رُسُلُك، ونحن على ذلك من الشاهدين، اللهمَّ اجعلنا من شهداءِ الحقِّ، القائمين بالقسط. ثم يدعوَ بدعوات. ومِن حُرْمَتِه إذا قرأَه ألا يَلتَقِطَ الآيَ من كلِّ سورة، فيقرأَها، فإنه رُويَ لنا عن رسول الله﴿ أنه مَرَّ ببلال وهو يقرأُ من كلِّ سورة شيئاً، فأَمَرَه أن يقرأَ السورةَ كلَّها(١). أو كما قال عليه السلام. ومِن حُرْمَتِهِ إذا وَضَعَ المصحفَ(٢) ألا يتركَه منشوراً، وألا يضعَ فوقَه شيئاً من الكُتبِ، حتى يكونَ أبداً عالياً لسائرِ الكتبِ، عِلماً كان أو غيرَه. ومن حُرْمَتِه أن يضعَه في حِجرِه إذا قرأه، أو على شيء بين يديه، ولا يضعَه بالأرض. ومن حُرْمَتِه ألا يمحوَه من اللَّوح بالبُصاق، ولكن يغسِلُه بالماء. ومِن حُرْمَتِه إذا غَسَلَه بالماء، أن يَتَوَقَّى النجاساتِ من المواضعِ والمواقع التي تُوطَأُ، فإنَّ لتلك الغُسالة حُرمةً، وكان مَن قَبلَنا مِنَ السلفِ، منهم مَن يستشفي بِغُسَالَتِهِ. ومِن حُرْمَتِهِ ألا يتخذَ الصحيفةَ إذا بَلِيَتِ ودَرَسَت وقايةً للكتب، فإنَّ ذلك جفاءٌ عظیم، ولکن يمحوها بالماء. ومِن حُرْمَتِهِ ألا يُخلِيَ يوما من أيامه من النظرِ في المصحف مَرَّة، وكان أبو موسى [الأشعريُّ] يقول: إني لأستحيي ألا أنظرَ كلَّ يوم في عهدٍ ربي مَرَّة. ومِن حُرْمَتِه أن يُعطِيَ عينَيه حَّهما منه، فإنَّ العينَ تؤدي إلى النفس، وبين النفس (١) في النسخ الخطية: أن يقرأ على السور، والمثبت من (م)، وفي نوادر الأصول ص٣٣٣ (والكلام منه): يقرأ السور كلها، وأخرج الخبر ابن أبي شيبة في المصنف ٥٣٢/٢ و٥٥٢.٥٥١/١٠ عن سعید بن المسیب وزید بن يُثیع مرسلاً وفيه: السورة علی نحوها. (٢) في النسخ الخطية: الصحيفة، والمثبت من (م). ٥١ ما يلزم قارئ القرآن من تعظيمه وحرمته والصَّدر حجابٌ، والقرآنُ في الصدر، فإذا قرأَه عن ظهرٍ قلب، فإنما يُسمِعُ أُذَنَّه، فتؤدِّي إلى النفس، فإذا نَظَرَ في الخطِّ، كانت العينُ والأذنُ قد اشترَكتا في الأداءِ، وذلك أوفرُ للأداء، وكانت العين قد أخذت حظّها(١) كالأُذن. رَوَى زيدُ بنُ أسلمَ(٢)، عن عطاء بن يسار (٣)، عن أبي سعيد الخُدرِيِّ قال: قال رسولُ اللهِ وَليِ: ((أَعطُوا أَعيُنَكُم حَظّها من العبادة)). قالوا: يارسول الله، وما حظّها من العبادة؟ قال: ((النَّظَرُ في المصحفِ، والتفكِّرُ فيه، والاعتبارُ عند عجائبِهِ))(٤). ورَوَى مكحولٌ، عن عُبَادَةَ بن الصامت قال: قال رسول الله وَله: ((أفضَلُ عبادةٍ أُمتي قراءةُ القرآن نظراً))(٥) . ومِن حُرْمَتِه ألا يتأوَّلَه عندما يَعرِضُ له شيءٌ من أمر الدنيا. حدثنا عمرو بنُ زياد الحنظليُّ قال: حدثنا هُشَيمُ بنُ بَشِير، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: كان يكره أن يُتْأوَّلَ شيءٌ من القرآن عندما يَعرِضُ له شيءٌ من أمر الدنيا(٦). والتأويلُ: مثلُ قولك للرجل إذا جاءك: ﴿حِثْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى﴾ [طه: ٤٠]، ومثل قوله تعالى: ﴿كُواْ وَأَشْرَبُواْ هَذِيَأْ بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الَْلِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] هذا عند حضور الطعام، وأشباهِ هذا. ومِن حُرْمَتِه ألا يقال: سورة كذا، كقولك: سورةُ النحل، وسورة البقرة، وسورة النساء، ولكن يقال: السورة التي يُذكر فيها كذا . قلت: هذا يعارضُه قولُه وَّهِ: ((الآيتانِ مِن آخِرِ سورةِ البقرةِ، مَن قَرَأْ بهما في ليلة (١) في (د) و(ز) و(م): وكان قد أخذت العين حظها، والمثبت من (ظ). (٢) أبو عبد الله العدوي، العمري، المدني، الفقيه، حدث عن جمع من الصحابة، وله تفسير رواه عنه ابنه عبد الرحمن، توفي سنة (١٣٦ هـ). السير ٣١٦/٥. (٣) المدني، مولى ميمونة، كان فقيهاً واعظاً ثبتاً، وهو أخو سليمان بن يسار، توفي سنة (١٠٣هـ)، ويقال: قبل المئة. السير ٤٤٨/٤. (٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٢٢٢) وقال: إسناده ضعيف. وضعفه أيضا الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ٤/ ٤٢٤. (٥) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٠٢٢) (دون قوله: نظراً) من حديث النعمان بن بشير، ونسبه الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ١/ ٢٧٣ إلى أبي نعيم في فضائل القرآن من حديث النعمان بن أنس، وضعفه . (٦) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص٥٨ عن هشيم، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥١٥/١٠ عن جرير، عن مغيرة بنحوه. هُشَيم: هو ابنُ بشير، ومُغيرة: هو ابنُ مِقِسَم الضَّبِّ. ٥٢ مقدمة المصنف كَفَتَاه)». خرَّجه البخاريُّ ومُسلم، من حديث عبد الله بن مسعود(١). ومِن حُرْمَتِه ألا يُتْلَى منكوساً، كفعل مُعلِّمي الصِّبيان، يلتمسُ أحدُهم بذلك أن يُرِيَ الحِذقَ من نفسه والمَهارَة، فإن تلك مَجانَةٍ(٢). ومِن حُرْمَتِه ألا يُقَعِّرَ في قراءته، كفعلٍ هؤلاء الهمزيِّين المبتدعين، المتنطّعين في إبرازِ الكلام من تلك الأفواه المنتِنة تكلُّفاً، فإن ذلك مُحدَثٌ، ألقاه إليهمُ الشيطانُ فقَبِلُوه عنه(٣) . ومِن حُرْمَتِه ألا يقرأَه بألحانِ الغِناءِ، كلحونِ أهلِ الفِسق(٤)، ولا بترجيعِ النَّصارى، ولا نَوحِ الرَّهبانيَّة، فإنَّ ذلك كلَّ زَيغٌ. وقد تقدَّم(٥). ومن حُرْمَتِه أن يجلل تخطيطه إذا خطَّه. وعن أبي حُكَيمَة أنه کان یکتبُ المصاحف بالكوفة، فمر عليٍّ رضي الله عنه، فنظرَ إلى كتابتهِ، فقال له: أُجْلُ(٦) قَلمَكَ، فأخذتُ القلمَ فقَطَطتُّه (٧) من طَرَفِهِ قَطًّا، ثم كتبتُ وعليٍّ رضي الله عنه قائمٌ ينظرُ إلى كتابتي، فقال: هكذا، نَوِّرْه كما نوَّرَه الله عزَّ وجلَّ(٨). (١) صحيح البخاري (٤٠٠٨)، وصحيح مسلم (٨٠٧). (٢) من المُجون، وهو قلة الحياء وخلط الجدّ بالهزل، ووقع في (م): مخالفة. (٣) في (د) و(ظ): فتلقوه عنه، والمثبت من (م)، ومن قوله: ومن حرمته ألا يقعر في قراءته ... إلى هذا الموضع، لم يرد في المطبوع من نوادر الأصول. والمقصود بالهمزيين مَن يَغْلُّون في تلاوتهم لحمزة، وقد نقل الذهبي في تاريخ الإسلام ١٧٥/٦ عن الإمام حمزة قوله: إن لهذا التحقيق حدًّا ينتهي إليه، ثم يكون قبيحاً، وعنه قال: إنما الهمز رياضة، فإذا حسَّنَها الرجل سَهَّلَها. اهـ ثم ذكر الذهبي أن الإجماع انعقد على ثبوت قراءة حمزة وصحتها، وقال: وبالجملة إذا رأيتَ الإمامَ في المحراب لَهِجا بالقراءات، وتَتَبُّعٍ غريبها، فاعلم أنه فارٌ من الخشوع، مُحِبٌّ للشهرة والظهور، نسأل الله السلامة في الدين. وانظر جمال القراء لعلم الدين السخاوي ٥٧٤.٥٦٥/٢. (٤) في (ظ): العشق. (٥) ص٣١ -٣٢. (٦) في نوادر الأصول ص٣٣٤ (والكلام منه): اجلل. (٧) في (ظ) ونوادر الأصول ص٣٣٤: فقططت. (٨) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٤٣، وابن أبي شيبة في المصنف ٥٤٤.٥٤٣/١٠، والدولابي في الكنى ١٥٥/١، والبيهقي في الشعب (٢٦٦٣). أبو حُكّيمة - بالتصغير كما في تبصير المنتبه ١/ ٤٥٠ - هو عِصمة البصري. وجاء عند الدولابي: فقططتُ من قلمي ثم كتبت أجلى من ذلك ... وترجم له أبو عبيد بقوله: باب كتابة المصاحف، وما يستحب من عظمها، ويكره من صغرها. اهـ وقوله: فقططتهُ، يعني قَطَعَهُ عرضاً. ٥٣ ما يلزم قارئ القرآن من تعظيمه وحرمته ومن حُرْمَتِهِ ألا يَجهَرَ بعضٌ على بعض في القراءة، فيفُسدَ عليه، حتى يُبغّضَ إليه ما يسمع، ويكونَ كهيئةِ المُغالبةِ. ومِن حُرْمَتِه ألا يُمارِيَ، ولا يجادلَ فيه في القراءات، ولا يقولَ لصاحبه: ليس هكذا هو، ولعله أن تكونَ تلك القراءةُ صحيحةً جائزةً من القرآن، فيكونَ قد جحدَ كتاب(١) الله. ومِن حُرْمَتِه ألا يقرأ في الأسواقٍ، ولا في مواطن اللَّغَط واللَّغو، ومَجمَع السفهاء، ألا تَرَى أنَّ الله تعالى ذَكَرَ عبادَ الرَّحمن، وأَثنى عليهم، بأنَّهم إذا مَرُّوَاَ باللغو مَرُّوا كِراماً؟! هذا لمرورِه بنفسهِ، فكيف إذا مَرَّ بالقرآن الكريم تلاوةً بين ظَهرانَي أهلِ اللَّغو ومجمع السفهاء ؟! ومِن حُرْمَتِه ألا يَتَوسَّدَ المصحفَ، ولا يَعتمِدَ عليه، ولا يَرمِيَ به إلى صاحبه إذا أرادَ أن يُناوِلَه. ومِن حُرْمَتِه ألا يُصَغِّرَ المصحفَ. روى الأعمش، عن إبراهيم، عن علي رضي الله عنه قال: لا يُصغَّرُ المصحف(٢). قلت: ورُوي عن عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه أنه رأَى مصحفاً صغيراً في يد رجل، فقال: مَن كتبَه؟ قال: أنا، فضرَبَه بالدِّرَّة، وقال: عَظّمُوا القرآن(٣). ورُوي عن رسول الله وَّهو أنه نهى أن يقال: مُسَيْجِد، أو مُصَيْحِف(٤). ومِن ◌ُرْمَتِه: ألا يخلط فيه ما ليس منه. ومِن حُرْمَتِه ألا يُحَلَّى بالذَّهبِ، ولا يُكتبَ بالذَّهب، فتُخلَط به زينةُ الدنيا. وروى مغيرةُ، عن إبراهيم(٥)، أنه كان يكرهُ أن يُحَلَّى المصحفُ، أو يُكتَبَ بالذهبِ، أو (١) في (ظ): كلام. (٢) أخرج نحوه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٤٤. (٣) أخرجه أبو عبيد في الفضائل ص٢٤٣. (٤) لم يصح مرفوعاً، فيما ذكر ابن عدي في الكامل ٣٢٥/١، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥٤٤/١٠، وابن أبي داود في المصاحف ١٥٢ - ١٥٣، والبيهقي في الشعب من قول مجاهد، وأخرجه ابن أبي داود أيضاً في المصاحف ص١٥٣ من قول إبراهيم النخعي. وينظر ميزان الاعتدال ٢٠٠/١، و٣٠٨/٣ - ٣٠٩ ترجمة إسحاق بن نجيح الملطي، وعيسى بن إبراهيم بن طهمان. (٥) مغيرة: هو ابنُ مِقْسَم الضَّبِّي، وإبراهيم: هو ابن يزيد النخعي. ٥٤ مقدمة المصنف يعلّم عند رؤوس الآي، أو يُصَغَّرَ. وعن أبي الدرداء قال: قال رسولُ الله وَّهِ: ((إذا زَخْرَفتُم مَساجِدَكم وحَلَّتُم مَصاحِفَکم، فالدَّبارُ علیکم)»(١). وقال ابن عباس وقد رأی مصحفاً زُيِّنَ بفضَّة: تُغْرُونَ به السارقَ، وزِيتُه في جوفه. ومن حُرْمَتِه ألا يُكتبَ على الأرض، ولا على حائط، كما يُفعل بهذه(٢) المساجد المُحدَثَة. حدثنا محمد بنُ علي الشَّقيقيُّ، عن أبيه، عن عبد الله بن المبارك، عن سفيانَ، عن محمد بن الزبير قال: سمعتُ عمرَ بن عبد العزيز يحدثُ قال: مرَّ رسولُ الله ◌َل﴿ بكتاب في أرض، فقال لشابٍّ من هُذَيل: ((ما هذا؟)) قال: من كتاب الله، كتبه يهوديٌّ، فقال: ((لعنَ اللهُ مَن فعلَ هذا، لا تضعوا كتابَ اللهِ إلا مَوضِعَه))(٣). قال محمدُ بن الزبير: رأى عمرُ بنُ عبد العزيز ابناً له يكتبُ القرآنَ على حائط، فضربَه. ومن حُرْمَتِه أنه إذا اغتَسَلَ بكتابته مُستشفياً من سَقَم، ألا يَصُبَّه على كُناسَة، ولا في موضع نجاسة، ولا على موضع يُوطَأ، ولكن ناحية من الأرض في بُقعة، لا يطؤه الناس، أو يَحْفِرَ حَفِيرة في موضع طاهر حتى ينصبَّ من جسده في تلك الحَفيرة، ثم یکِسُها، أو في نهرٍ کبیر يختلط بمائه، فيجري. ومِن حُرْمَتِه أن يَفتَتِحَه كلَّما ختمه، حتی لا یکونَ کھیئة المهجور، وكذلك كان رسولُ اللهِ وَ﴿ إذا ختمَ، يقرأُ من أوَّل القرآنِ قَدرَ خَمسٍ آيات، لئلا يكونَ في هيئة المهجور(٤). وروى ابنُ عباس قال: جاء رجلٌ، فقال: يارسولَ الله، أيُّ العمل أفضلُ؟ قال: ((عليك بالحالِ المُرتَحِل)). قال: وما الحالُّ المُرتَحِلُ؟ قال: ((صاحِبُ القرآن، يَضرِبُ من أوَّلِه حتى يَبْلُغَ آخِرَه، ثم يَضرِبُ في أوَّله، كلَّما حَلَّ ارتَحَلَ))(٥). (١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٩٧)، وأبو عبيد في فضائل القرآن ص٢٤٢، وابن أبي داود في المصاحف ص ١٥٠ عن أبي الدرداء موقوفاً. قال الشوكاني في الفوائد المجموعة ص٢٥: لا يصح رفعه. أهـ قوله: الدَّبار، بالفتح: الهلاك. النهاية (دبر). (٢) في (م): به في. (٣) إسناده ضعيف جداً. محمد بن الزبير. وهو الحنظلي. متروك، ثم إن الخبر مرسل، فعمر بن عبد العزيز. أمير المؤمنين . من التابعين. (٤) ذكر نحوه مكي في الرعاية ص٥٦. (٥) أخرجه الترمذي (٢٩٤٨)، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٦٠، وأبو الفضل الرازي في فضائل القرآن (٨٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٠٠١). قال الترمذي: حديث حسن غريب ... وإسناده ليس بالقوي . = ٥٥ ما يلزم قارئ القرآن من تعظيمه وحرمته قلتُ: ويستحبُّ له إذا ختم القرآنَ أن يَجمَعَ أهلَه: ذكر أبو بكر الأنباري: أنبأنا إدريسُ، حدثنا خَلَف، حدثنا وكيعٌ، عن مِسعَر، عن قتادةَ، أن أنسَ بن مالك كان إذا ختم القرآنَ، جمع أهلَه، ودعا (١). وأخبرنا إدريسُ، حدثنا خَلَفٌ، حدثنا جريرٌ، عن منصور، عن الحَكّم قال: كان مجاهدٌ وعَبْدَةُ بنُ أبي لُبابَةً (٢) وقومٌ يَعرِضُون المصاحفَ، فإذا أرادُوا أن يَخْتِمُوا، وجَّهُوا إلينا: أُحضُرُونا، فإنَّ الرحمةَ تَنزِلُ عند ختم القرآن(٣). وأخبرنا إدريسُ، حدثنا خَلَفٌ، حدثنا هُشَيم، عن العوَّامِ، عن إبراهيم التَّميِّ قال: مَن خَتَمَ القرآنَ أوَّلَ النهار، صَلَّت عليه الملائكةُ حتى يُمسِيَ، ومَن خَتَمَ أوَّلَ الليل، صَلَّت عليه الملائكةُ حتى يُصبحَ. قال: فكانوا يَستحبُّون (٤) أن يَخْتِمُوا أوَّلَ الليل، وأُوَّلَ النهار(٥). ومِن حُرْمَتِه ألا تَكتُبَ التعاويذَ منه، ثم تَدْخُلَ به في الخلاء، إلا أن يكونَ في غلاف من أَدَم، أو فِضَّة، أو غيره، فيكونَ كأنَّه في صدرك. ومِن حُرْمَتِهِ إذا كتبَه وشَرِبَه، سَمَّى اللّهَ على كل نَفَس، وعَظّمَ النيةَ فيه، فإنَّ اللهَ يُؤْتيهِ على قَدْرِ نيَّته. روى ليث، عن مجاهد قال: لا بأس أن يكتبَ القرآنَ، ثم يسقيّه (٦) المريضَ. وعن أبي جعفر قال: مَن وَجَدَ في قلبه قساوة، فَلَكتُب (يس)) في جامٍ بزعفران، ثم يشربه(٧). = وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن ابن عباس مرسلاً، وقال: وهذا عندي أصح. (١) أخرجه في فضائل القرآن أبو عبيد ص٤٨، والفريابي (٨٥) (٨٦)، وابن الضُّريس (٨٤). وإسناده صحيح. (٢) أبو القاسم الأسدي، ثم الغاضري مولاهم، الكوفي التاجر، أحد الأئمة، نزل دمشق، توفي في حدود سنة (١٢٧ هـ). السير ٢٢٩/٥. (٣) أخرجه في فضائل القرآن أيضاً أبو عُبيد ص ٤٧ - ٤٨، والفريابي في (٨٧) و(٨٨) و(٨٩)، وابنُ الضُّريس (٨١)، وهو أثر صحيح. (٤) في (د): يستحسنون. (٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص٤٩، والدارمي في السنن (٣٤٧٧)، وابن الضُّريس في فضائل القرآن (٥٠). (٦) في (م): تكتب ... تسقيه. (٧) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٤٦٨) وقال بإثره: وكان إبراهيم يكره ذلك، ولو صحّ الحديثُ لم يكن للكراهة معنى، إلا أن في صحته نظراً، والله أعلم. اهـ أبو جعفر: هو الباقر. وقوله: جام: هو إناء من فضة. ٥٦ مقدمة المصنف قلتُ: ومن حُزْمَتِه ألا يقال: سورة صغيرة. وكره أبو العالية أن يقال: سورةٌ صغيرة، أو كبيرة، وقال لمن سمعه قالها: أنت أصغرُ منها، وأما القرآنُ، فكلُّه عظيم. ذكره مكيٍّ رحمه الله(١). قلتُ: وقد روى أبو داود ما يُعارضُ هذا من حديث عمرٍو بنٍ شُعَيب(٢)، عن أبيه، عن جدِّه، أنه قال: مامِنَ المُفَصَّلِ سُورةٌ، صغيرةٌ ولا كبيرةٌ، إلا قد سمعتُ رسولَ اللهِ وَِّ يَؤُمُّ بها الناسَ في الصلاة(٣) . باب ماجاء من الوعيد في تفسير القرآن بالرأي والجُرأة على ذلك، ومراتب المفسرين رُوِيَ عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: ما كان رسولُ الله ◌َ يُفسِّرُ من كتاب الله إلا آياً بعدد، عَلَّمَهُ إِيَّاهنَّ جبريلُ(٤). قال ابنُ عطية: ومعنى هذا الحديثِ في مُغيَّات القرآن، وتفسيرٍ مُجمَلِهِ، ونحو هذا مما لا سبيلَ إليه إلا بتوقيف(٥) من الله تعالى، ومن جملةِ مُغَيَّباته ما لم يُعلِمِ اللهُ به، كوقت قيام الساعة، ونحوِها مما يُستَقرَأُ من ألفاظه، كعدد النَّفَخات في الصور، وكرتبةٍ خَلقِ السماوات والأرض(٦). رَوى الترمذيُّ، عن ابن عباس، عن النبيِّ ◌َ ﴿ قال: ((اتَّقُوا الحديثَ عليَّ إلا ما (١) الرعاية ص ٨٣. (٢) هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الله. ورواية أبيه عن جده إنما يعني بها جدَّه الأعلى عبد الله بن عمرو لا محمد بن عبد الله. تهذيب التھذیب ٢٧٩/٣. (٣) سنن أبي داود (٨١٤). قوله: المفضَّل؛ ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٢٥٩/٢ أنها من سورة ق إلى آخر القرآن على الصحيح، وذكر الإمام النووي في شرح مسلم ١٠٦/٦ أنه سمي مفصلاً لقصر سوره، و قرب انفصال بعضهن من بعض. (٤) أخرجه أبو يعلى (٤٥٢٨)، والبزار (٢١٨٥) (زوائد). وإسناده ضعيف، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧٠٣/٦ وقال: فيه راو لم يتحرر اسمه عند واحد منهما، وبقية رجاله رجال الصحيح. (٥) في (م): بتوفيق، وهو خطأ. (٦) المحرر الوجيز ٤١/١. ٥٧ الوعيد على تفسير القرآن بالرأي علمتُم، فَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعمِّداً، فَلْيَتَبوَّأْ مَفْعَدَه منَ النَّارِ، ومَن قالَ في القرآن برأيه، فَليتبوَّأْ مَقعَدَه مِنَ النَّار))(١). ورَوَى أيضاً عن جُنْدُب(٢) قال: قال رسولُ اللهِ وَله: (مَن قالَ في القرآن(٣) برأيه، فأصابَ، فقد أخطأ)). قال: هذا حديثٌ غريبٌ، وأخرجه أبو داود، وتُكُلِّمَ في أحد رواته(٤). وزاد رَزِين: ومَن قال برأيه، فأخطأ، فقد كفرَ. قال أبو بكر محمدُ بن القاسم بنٍ بشار بنٍ محمد الأنباريُّ النَّحويُّ اللغويُّ في كتاب ((الردّ»: فُسِّرَ حديثُ ابنِ عباس تفسيرَين: أحدهما: مَن قالَ في مُشكِلِ القرآنِ بما لا يَعرِفُ مِن مَذهبِ الأوائل من الصحابة والتابعين، فهو مُتعرِّضٌ لِسَخَطِ الله. والجوابُ الآخَر - وهو أثبتُ القولَين وأصُهُما معنى -: مَن قالَ في القرآن قولاً يعلَمُ أنَّ الحقَّ غيرُه، فَليتبوَّأْ مَقعَدَهُ من النار. ومعنى يَتَبَوَّأْ: يَنزِلُ ويَحُلُّ. قال الشاعر(٥): وبُوَّثَتْ في صَميمٍ مَعْشَرِها فَتَمَّ فِي قَومِها مُبَوَّؤُها وقال في حديث جُنْدُب: فحملَ بعضُ أهلِ العلمِ هذا الحديثَ على أنَّ الرأيّ معنيٌّ بِه الهَوَى، مَن قالَ في القرآن قولاً يُوافِقُ هواه، لم يأخُذْه عن أَئِمَّةِ السَّلَف، فأصابَ، فقد أخطأ، لِحُكمه على القرآن بما لا يعرفُ أصلَه، ولا يقفُ على مذاهب أهلِ الأثر والنَّقل فيه. وقال ابنُ عطية: ومعنى هذا أَن يُسأل الرجلُ عن معنّى من(٦) كتاب الله عزَّ وجلَّ، (١) سنن الترمذي (٢٩٥١) وقال: حديث حسن. وفيه: ((اتقوا الحديث عني ... )). وهو في المسند برقم (٢٩٧٤). وسيذكره المصنف مختصراً ص ١٢٦. وقوله: ((مَن كَذَبَ عليَّ متعمِّداً، فليتبوأ مقعده من النار)) من الأحاديث المتواترة. فتح الباري ٢٠٣/١، والأزهار المتناثرة (٢). (٢) هو جندب بن عبد الله بن سفيان، أبو عبد الله البجلي العلقي، الصحابي، نزل الكوفة والبصرة، وعاش إلى حدود سنة (٧٠هـ). السير ١٧٤/٣. (٣) في (د): بالقرآن. (٤) سنن الترمذي (٢٩٥٢)، وسنن أبي داود (٣٦٥٢)، وفي إسناده سهيل بن أبي حزم (مهران أبو عبد الله) القُطّعي، ضعَّفه البخاري وأبو حاتم الرازي والنسائي. (٥) هو إبراهيم بن هَزْمة القُرشي، من شعراء الدولتين . الأموية والعباسية . السير ٢٠٧/٦، والبيت في ديوانه ص٥٧. وأورده الخليل في العين ٤١١/٨، وابن فارس في معجم مقاييس اللغة ١/ ٣١٢ باب الباء والواو (بوأ)، وابن منظور في اللسان (بوأ). (٦) في (م): في. ٥٨ مقدمة المصنف فَيَتَسوَّرَ(١) عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماءُ، واقتَضَته قوانينُ العلم، كالنحو والأصول. وليس يدخلُ في هذا الحديث أن يُفسِّرَ اللغويون لغته، والنَّحویون نحوَه، والفقهاءُ معانيَه، ويقولَ كلُّ واحد باجتهاده المبنيِّ على قوانينٍ علم ونَظَر، فإنَّ القائلَ على هذه الصفة ليس قائلاً بمجرَّدِ رأيِه(٢). قلتُ: هذا صحيحٌ. وهو الذي اختاره غيرُ واحد من العلماء، فإنَّ مَن قال فيه بما سَنَحَ في وَهمه، وخَطَر على باله، من غير استدلال عليه بالأصول، فهو مخطىءٌ، وإنَّ مَنِ اسْتَنْبَطَ معناه بحَملِهِ على الأصول المُحكّمَةِ المتَّفَقِ على معناها، فهو ممدوحٌ. وقال بعضُ العلماء: إنَّ التفسيرَ موقوفٌ على السماعِ، لقوله تعالى: ﴿فَإِن نَنَزَعْهُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وهذا فاسدٌ، لأن النهي عن تفسير القرآن لا يَخلُو: إمَّا أن يكونَ المرادُ به الاقتصارَ على النقل والمسموع، وتَركَ الاستنباط، أو المرادُ به أمراً آخرَ. وباطلٌ أن يكونَ المرادُ به ألا يَتَكلَّمَ أحدٌ في القرآن إلا بما سَمِعَه، فإنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم قد فسَّروا(٣) القرآنَ، واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كلُّ ما قالوه سمعوه من النبيِّ ◌ٍَّ، فإنَّ النبيَّ وَّ دعا لابن عباس، وقال: ((اللَّهمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ، وعَلِّمْهُ التأوِيلَ))(٤). فإن كان التأويلُ مسموعا كالتنزيل، فما فائدةُ تخصيصه بذلك ؟! وهذا بيِّنٌ لا إشكالَ فيه، وسيأتي لهذا مزيدُ بيان في سورة النساء إن شاء الله تعالى(٥) . وإنما النَّهيُ يُحمَلُ على أحدٍ وجھین: أحدهما: أن يكونَ له في الشيء رأيٌ، وإليه مَيلٌ من طبعه وهواه، فيتأوَّلَ القرآنَ على وَفقٍ رأيِه وهواه، ليحتجَّ على تصحيح غرضه، ولو لم يكُن له ذلك الرأيُ والهوى، لكان لا يلوحُ له من القرآن ذلك المعنى. (١) في (ظ): فيتبور. (٢) المحرر الوجيز ٤١/١. (٣) في (م): قرؤوا. (٤) أخرجه البخاري (١٤٣) دون قوله: ((وعلمه التأويل))، من حديث ابن عباس، وأخرجه مسلم من حديثه (٢٤٧٧) بلفظ: ((اللهم فَقَّههُ))، وأخرجه بتمامه أحمد (٢٣٩٧). (٥) في تفسير الآية المذكورة منها. ٥٩ الوعيد على تفسير القرآن بالرأي وهذا النوعُ يكون تارةً مع العلم، كالذي يحتجُّ ببعض آياتِ القرآنِ على تصحيح بِدعَتِه، وهو يعلمُ أَن ليس المرادُ بالآية ذلك، ولكنَّ مقصودَه أن يَلِسَ على خَصمِه. وتارة يكونُ مع الجهل، وذلك إذا كانت الآيةُ مُحتمِلة، فيميلُ فهمُه إلى الوجه الذي يوافقُ غَرَضَه، ويُرجِّحُ ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسَّر برأيه، أي رأيُه حمله على ذلك التفسير، ولولا رأيُه لما كان يترجَّح عنده ذلك الوجهُ. وتارة يكون له غرضٌ صحيح، فيطلبُ له دليلاً من القرآن، ويستدلُّ عليه بما يَعلم أنه ما أُريد به، كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي، فيقول: قال الله تعالى: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعُونَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤] ويشير إلى قلبه، ويومىُ إلى أنه المرادُ بفرعون. وهذا الجنسُ قد يستعملُه بعضُ الوَّاظ في المقاصد الصحيحة تحسيناً للكلام، وترغيباً للمستمع، وهو ممنوعٌ، لأنه قياسٌ في اللغة، وذلك غيرُ جائز. وقد تستعملُه الباطنيَّةُ في المقاصد الفاسدة، لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذاهبهم الباطلة، فينزِّلون القرآنَ على وَفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعاً أنها غيرُ مُرادَة. فهذه الفنونُ أحدُ وَجهَي المنع من التفسير بالرأي. الوجه الثاني: أن يتسارعَ إلى تفسير القرآنِ بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلقُ بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المُبهَمَةِ والمُبدَلة، وما فيه من الاختصار، والحذفِ والإضمار، والتقديم والتأخير، فمن لم يُحكِم ظاهرَ التفسير، وبادرَ إلى استنباط المعاني بمجرَّد فَهمِ العربية، كَثُرَ غَلَطُه، ودخلَ في زُمرةٍ مَن فَسَّر القرآنَ بالرأي. والنقلُ والسماع لابُدَّ له منه في ظاهر التفسير أوَّلاً ليتَّقيّ به مواضعَ الغَلَط، ثم بعد ذلك يتّسعُ الفهمُ والاستنباط . والغرائبُ التي لا تُفهم إلا بالسماع كثيرةٌ، ولا مَطمَعَ في الوصول إلى الباطن قبلَ إحكام الظاهر، ألا ترى أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَءَانَِّ ثَمُودَ النَّقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَاْ﴾ [الإسراء: ٥٩] معناه: آية مُبصِرَة، فظلموا أنفسَهم بقتلها. فالناظرُ إلى ظاهر العربية يظنُّ أنَّ المرادَ به أنَّ الناقةَ كانت مُبصِرة، ولا يدري بماذا ظلمُوا، وأنهم ظلموا غيرَهم وأنفسَهم، فهذا من الحذف والإضمار. وأمثالُ هذا في القرآن كثيرٌ، وما عدا هذين الوجهين، فلا يتطرَّقُ النهيُ إليه. والله أعلم. ٦٠ مقدمة المصنف قال ابن عطية(١): وكان جِلَّةٌ من السلف الصالح، كسعيد بن المسيب، وعامر الشعبيِّ، وغيرِهما، يُعظّمُون تفسيرَ القرآن، ويتوقّفُون عنه تورُّعاً، واحتياطاً لأنفسهم، مع إدراکھم وتقدُّمهم. قال أبو بكر الأنباريُّ: وقد كان الأئمةُ من السلف الماضي يتورَّعون عن تفسير المُشكِلِ من القرآن، فبعضٌ يُقَدِّرُ أنَّ الذي يُفسِّرُه لا يوافقُ مُرادَ الله عزَّ وجلَّ، فَيُحجِمُ عن القول. وبعضٌ يُشفِقُ من أن يُجعَلَ في التفسير إماماً يُبنَى على مذهبه، ويُقتَفَى طريقُه، فلعلَّ متأخِّراً أن يُفسِّرَ حرفاً برأيه، ويُخطىءَ فيه، ويقولَ: إمامي في تفسير القرآن بالرأي فلانٌ الإمامُ من السَّلَف. وعن ابن أبي مُلَیکةً قال: سُئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن تفسیر حرف من القرآن، فقال: أيُّ سماءٍ تُظِلُّني، وأيُّ أَرض تُقِلُّني، وأين أذهَبُ، وكيف أصنعُ، إذا قلتُ في حرف من كتاب الله بغير ما أرادَ تبارك وتعالى (٢). قال ابنُ عطية: وكان جِلَّةٌ منَ السَّلَف كثيرٌ عددُهم يُفَسِّرون القرآنَ، وهم أبْقَوْا على المسلمين في ذلك رضي الله عنهم. فأما صَدرُ المفسِّرين والمؤيَّد فيهم، فعليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه، ويتلُوه عبدُ الله بنُ عباس، وهو تَجرَّدَ للأمر وكمَّله، وتَبِعَهُ(٣) العلماءُ عليه، كمجاهد، وسعيد بنِ جُبير، وغيرِهما. والمحفوظُ عنه في ذلك أكثرُ من المحفوظ عن عليٍّ. وقال ابنُ عباس: ما أخذتُ من تفسير القرآن، فعن عليٍّ بن أبي طالب. وكان عليٍّ رضي الله عنه يُثنِي على تفسير ابنِ عباس، ويَحُضُّ على الأخذِ منه(٤)، وكان ابنُ مسعود(٥) يقول: نِعم تَرجَمانُ القرآنِ عبدُ الله بن عباس(٦). وقال عنه عليٍّ رضي الله عنه: ابنُ عباس؛ كأنما ينظرُ إلى الغَيب من سِتر رقيق. (١) المحرر الوجيز ٤١/١. (٢) أورده البيهقي في شعب الإيمان (٢٢٧٩)، وهو منقطع. ابن أبي مُلیکة - وهو عبد الله بن عبيد الله - ليس له روایة عن أبي بکر. (٣) في (د): وتفقه. (٤) في (م): عنه. (٥) في (م): ابن عباس، وهو خطأ. (٦) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٣٦٦/٢، والطبري في تهذيب الآثار (٢٦٨) (مسند ابن عباس).