النص المفهرس

صفحات 861-880

٨٦١
الجُزُ (٣٠) - المَدِ: ١١١ / ١-٥
لتؤذي بإلقائه في طريق الرسول وَله وأصحابه، لتعقرهم، فذمت بذلك،
وسميت حمالة الحطب.
﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن ◌َّسَلٍ (@) أي في عنقها حبل مفتول من الليف،
من مسد النار، أي مما مسّد من حبالها، أي فتل من سلاسل النار. وقد
صورها الله في حالة العذاب بنار جهنم بصورة حالتها في الدنيا عند النميمة،
وحينما كانت تحمل حزمة الشوك وتربطها في جيدها، ثم تلقيها في طريق النبي
وَالر؛ لأن كل مجرم يعذب بما يجانس حاله في جرمه. وقيل: صورها الله في
الدنيا بصورة حطّابة ممتهنة احتقاراً لها، وإيذاء لها ولزوجها.
ولما سمعت أم جميل هذه السورة أتت أبا بكر، وهو مع رسول الله (ص18 في
المسجد، وبيدها فِهر (حجر) فقالت: بلغني أن صاحبك هجاني، ولأفعلنّ
وأفعلنّ، وأعمى الله تعالى بصرها عن رسول الله وَلطفي، فروي أن أبا بكر رضي
الله تعالى عنه قال لها: هل ترينَ معي أحداً؟ فقالت: أتهزأ بي؟ لا أرى
غيرك(١).
والظاهر هو المعنى الأول؛ قال سعيد بن المسيّب: كانت لأم جميل قلادة
فاخرة، فقالت: واللات والعُزّى لأنفقتّها في عداوة محمد، فأعقبها الله حبلاً
في جيدها من مسد النار.
فقه الحياة أو الأحكام:
اً - أوضحت السورة نوع عذاب أبي لهب وزوجته أم جميل، ومآلهما في
الدارين؛ لشدة عداوتهما لرسول الله له.
أما الآيات الأولى في أبي لهب فقد تضمنت الإخبار عن الغيب من ثلاثة
أوجه :
(١) البحر المحيط: ٥٢٦/٨ وما بعدها، تفسير ابن كثير: ٥٦٤/٤ وما بعدها.

٨٦٢
لُ (٣٠) - المَدِ: ١١١ / ١-٥
أحدها - الإخبار عنه بالتباب والخسار، وبوقوع ذلك فعلاً.
وثانيها - الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده، وبوقوع ذلك فعلاً.
وثالثها - الإخبار عنه بأنه من أهل النار، وقد كان كذلك؛ لأنه مات على
الكفر.
وتكليف أبي لهب بالإيمان في حدّ ذاته لا مانع منه، وإن كان الله قد علم أنه
لا يؤمن، وأخبر أيضاً أنه لا يؤمن، وأنه من أهل النار، قال الآمدي: أجمع
الكل على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون عقلاً، وعلى وقوعه شرعاً،
كالتكليف بالإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن كأبي جهل(١). وأيد ذلك الرازي في
تفسيره(٢). والخلاصة: أنه كلف بتصديق الرسول وَل فقط، لا تصديقه وعدم
تصديقه، حتى يجتمع النقيضان(٣).
وأما الآيتان الأخيرتان: فتصفان عذاب أم جميل بأنها مع زوجها تصلى نار
جهنم، وتذوق حرها وتتلظى بلهبها، وأنها هالكة في الدنيا، ومعذبة في
الآخرة بحبل من نار، وسلاسل من نار جهنم تطوقها، لإيذائها النبي ◌َّر،
فإنها كانت في غاية العداوة له، ولإفسادها بين الناس بالنميمة وتأجيج نار
العداوة بينهم.
قال الضحاك وغيره: كانت تُعيِّ النبي ◌َّ بالفقر، وهي تحتطب في حبل،
تجعله في جيدها من ليف، فخنقها الله جلَّ وعزَّ به في الدنيا، فأهلكها، وهو
في الآخرة حبل من نار.
(١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: ٧٣/١
(٢) تفسير الرازي: ١٧١/٣٢
(٣) غرائب القرآن: ٢١٤/٣٠
٠٤

٨٦٣
اِخُرُ (٣٠) - المُشِدِ: ١١١ / ١-٥
أَ - قال العلماء: في هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة،
، وَأَمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ
فإنه منذ نزل قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لٍَ
اَلْخَطَبِ ﴾ فِ جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن﴾ فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم
يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما، لا ظاهراً ولا باطناً، ولا سراً ولا
علناً، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة (١).
:
(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٦٥

٨٦٤
لُ (٣٠) السورة (١١٢) الأخْلاَضِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
سُورَةُ الإِخْلَاضِ
مڪية، وهي أربع آيات
تسميتها:
سميت بأسماء كثيرة أشهرها سورة الإخلاص؛ لأنها تتحدث عن التوحيد
الخالص لله عز وجل، المنزه عن كل نقص، المبرأ من كل شرك، ولأنها تخلّص
العبد من الشرك، أو من النار. وسميت أيضاً سورة التفريد أو التجريد أو
التوحيد أو النجاة أو الولاية؛ لأن من قرأها صار من أولياء الله، أو المعرفة،
وتسمى كذلك سورة الأساس؛ لاشتمالها على أصول الدين.
مناسبتها لما قبلها:
المناسبة بينها وبين ما قبلها واضحة، فسورة الكافرين للتبرؤ من جميع
أنواع الكفر والشرك، وهذه السورة لإثبات التوحيد لله تعالى، المتميز بصفات
الكمال، المقصود على الدوام، المنزه عن الشريك والشبيه، ولذا قرن بينهما
في القراءة في صلوات كثيرة، كركعتي الفجر والطواف، والضحى، وسنة
المغرب، وصلاة المسافر.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة أهم أركان العقيدة والشريعة الإسلامية، وهي توحيد

٨٦٥
الُ (٣٠) السورة (١١٢) الأخْلَاضِ
الله وتنزيهه، واتصافه بصفات الكمال، ونفي الشركاء، وفي هذا الرد على
النصارى القائلين بالتثليث، وعلى المشركين الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى.
فضلها:
وردت أحاديث كثيرة في فضل هذه السورة، وأنها تعدل في ثواب قراءتها
ثلث القرآن؛ لأن كل ما جاء في القرآن بيان لما أجمل فيها؛ ولأن الأصول
العامة للشريعة ثلاثة: التوحيد، وتقرير الحدود والأحكام، وبيان الأعمال،
وقد تكفلت ببيان التوحيد والتقديس. أخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن
أبي سعيد الخدري: ((أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾
يرددها، فلما أصبح، جاء إلى النبي وَلَّ، فذكر ذلك له، وكأن الرجل
يتقالها، فقال النبي ◌َّ: والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن)).
وفي رواية أخرى للبخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول
الله وَلّ لأصحابه: ((أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشقّ ذلك
عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: الله الواحد الصمد ثلث
القرآن)).
وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وسلم: ((احشدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فحشد من حشد، ثم خرج
نبي الله وَ، فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ ثم دخل، فقال بعضنا
لبعض: قال رسول الله وَلقول: فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، إني لأرى هذا
خبراً جاء من السماء، ثم خرج نبي الله وَّة، فقال: إني قلت: سأقرأ عليكم
ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن)).
وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي
وَلّه قال: ((أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ
في ليلة، فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن)).
٣
اللَّهُ الصَّمَدُ
اللَّهُ أَخْدُّ (

٨٦٦
الُ (٣٠) - الأخْلَصِ: ١١٢ / ١-٤
سبب نزول السورة:
أخرج الإمام أحمد والترمذي وابن جرير عن أبي بن كعب: أن المشركين
قالوا للنبي وَّله: يا محمد، انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
ـ) وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ
أَحَدُ جَ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)
٤
كُفُوَا أَحَدٌ
زاد ابن جرير والترمذي قال: ((﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لم يلد ولم يولد؛ لأنه
ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله عز
وجل لا يموت ولا يورث .﴿﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ
ولم يكن له
شبيه ولا عِدْل(١)، وليس كمثله شيء)).
وقال قتادة والضحاك ومقاتل: جاء ناس من اليهود إلى النبي وَلا9،
فقالوا: صِفْ لنا ربك، فإن الله أنزل نعته في التوراة، فأخبرنا من أي شيء
هو؟ ومن أي جنس هو؟ أَذَهَبُ هو أم نحاس أم فضة؟ وهل يأكل ويشرب؟
وممن ورث الدنيا ومن يورثها؟ فأنزل الله تبارك وتعالى هذه السورة، وهي
نسبة الله خاصة(٢).
سورة التوحيد والتنزيه لله عز وجل
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ◌َ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَا أَحَدٌّا
. (١) قال الأخفش: العِدْل بالكسر المثل، وقال الفراء: العَدْل بالفتح: ما عَدَل الشيء من غير
جنسه، والعِدْل بالكسر المثل.
(٢) أسباب النزول للواحدي: ص ٢٦٢

٨٦٧
لُ (٣٠) - الأخْلاَصِ: ١١٢ / ١-٤
القراءات:
﴿كُفُوَا﴾:
قرأ حفص (كُفُواً) وقرأ الباقون (كُفُؤَّاً).
الإعراب:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ ﴿هُوَ﴾: ضمير الشأن والحديث، مبتدأ،
و﴿اَللَّهُ﴾: مبتدأ ثانٍ، و﴿أَحَدٌ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والجملة منهما خبر
المبتدأ الأول، ولا حاجة لعائد يعود على المبتدأ الأول؛ لأن ضمير الشأن إذا
وقع مبتدأ، لم يعد من الجملة التي وقعت خبراً عنه ضمير؛ لأن الجملة بعده
وقعت مفسرة له، بدليل أنه لا يجوز تقديمها عليه.
مبتدأ وخبر.
﴿اَللَّهُ الضَّمَدُ ﴾
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُؤْلَدْ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَّا أَحَدٌّ (﴾﴾ ﴿لَمْ
يَلِدْ﴾: أصله (يَوْلِد) فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، كيعد،
ويزن، والأصل: يؤعد ويوزن، ولهذا لم تحذف في ﴿يُولَدْ﴾ لوقوعها بين ياء
وفتحة. و﴿أَحَدُ﴾: اسم ﴿يَكُنْ﴾، و﴿كُفُوَا﴾: خبرها. و﴿لَّهُ﴾:
متعلق بـ (كُفُوَا﴾ وقدم عليه للاهتمام به؛ إذ فيه ضمير الباري تعالى،
والتقدير: ولم يكن أحد كفواً له، أي مكافئه، فهو في معنى المفعول، متعلق بـ
كُفُوَا﴾. وأخّر ﴿أَحَدُّ﴾ رعاية للفاصلة.
البلاغة:
﴿قُلْ هُوَ﴾ ذكر الاسم الجليل بضمير الشأن للتعظيم والإجلال.
﴿اَللَّهُ الصَّمَدُ (٣) تعريف كل منهما لإفادة التخصيص.
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) جناس ناقص، لتغير الشَّكْل وبعض
الحروف.

٨٦٨
الُ (٣٠) - الأَخْلَصِ: ١١٢ / ١-٤
﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ يقتضي نفي الكفء والولد، وقوله: ﴿وَلَمْ
يَكُن لَّمُ كُفُوَا أَحَدٌ (ج) هو تخصيص بعد تعميم، زيادة في الإيضاح
والبيان، وتقرير ما يسمى التجريد أو التفريد.
﴿أَحَدٌ﴾، ﴿اَلْضَمَدُ﴾، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾، ﴿أَحَدٌ﴾ سجع مرصع.
المفردات اللغوية:
﴿أَحَدُّ﴾ أي واحد في ذاته، لم يتركب من جواهر مادية، ولا من أصول
غير مادية، وهو أيضاً وصف بالوحدانية ونفي الشركاء. ﴿الصَّمَدُ﴾
المقصود في جميع الحوائج على الدوام . ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه لم يفتقر إلى ما يعينه،
ولأنه لا مجانسة بينه وبين غيره، فهذا نفي للشبه والمجانسة . ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾
لأنه قديم أولي غير محدث، انتفى الحدوث عنه، فهو وصف بالقدم والأولية.
﴿كُفُوَا﴾ أي مكافئاً ومماثلاً. والكفء والمكافئ: النظير والمثيل، والمراد
أنه لم يكن أحد يكافئه، أي يماثله من صاحبة وغيرها.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ أي قل أيها الرسول لمن سألك عن صفة ربك
ونسبته: هو الله أحد، أي واحد في ذاته وصفاته، لا شريك له، ولا نظير
ولا عديل. وهذا وصف بالوحدانية ونفي الشركاء. والمعنى: هو الله الذي
تعرفونه وتقرّون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم، وهو واحد
متوحد بالألوهية، لا يشارك فيها. وهذا نفي لتعدد الذات.
﴿اللَّهُ الصََّمَدُ ﴾﴾ أي الذي يُصْمَد إليه في الحاجات، أي يقصد،
فهو المقصود في جميع الحاجات؛ لأنه القادر على تحقيقها، والمعنى: هو الله
الذي يقصد إليه كل مخلوق، لا يستغني عنه أحد، وهو الغني عنهم. وهذا
إيطال لاعتقاد مشركي العرب وأمثالهم بوجود الوسائط والشفعاء.

٨٦٩
الجُرُ (٣٠) - الأخْلاَصِ: ١١٢ / ١-٤
قال ابن عباس في تفسير الصمد: يعني الذي يصمد إليه الخلائق في
حوائجهم ومسائلهم، وهو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي
قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل
في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في
حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه،
هذه صفته، لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله
الواحد القهار.
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾﴾ أي لم يصدر عنه ولد، ولم يصدر هو عن
شيء؛ لأنه لا يجانسه شيء، ولأنه قديم غير محدث، لا أول لوجوده، وليس
بجسم، وهذا نفي للشبه والمجانسة، ووصف بالقدم والأولية، ونفي الحدوث.
وفي الجملة الأولى نفي لوجود الولد لله، وردّ على المشركين الذين زعموا أن
الملائكة بنات الله، وعلى اليهود القائلين: عزير ابن الله، وعلى النصارى الذين
قالوا: المسيح ابن الله، وفي الجملة الثانية نفي لوجود الوالد، وسبق العدم.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَا أَحَدٌّ (ج) أي ليس لله أحد يساويه، ولا
يماثله، ولا يشاركه في شيء. وهذا نفي لوجود الصاحبة، وإبطال لما يعتقد به
المشركون العرب من أن لله نِدّاً في أفعاله، حيث جعلوا الملائكة شركاء لله،
والأصنام والأوثان أنداداً لله تعالى.
وللسورة نظائر في آيات أخرى، مثل قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
أَى يَكُونُ لَهُ، وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١/٦] أي هو
مالك كل شيء وخالقه، فكيف له من خلقه نظير؟، وقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ
إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِيِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا
أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا
﴾ [مريم: ١٩/
٢٩٥
لَقَدْ أَحْصَهُ وَعَذَّهُمْ عَدَّا (١٥) وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا
٩٢-٩٥] وقوله: ﴿ وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَنَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ
٢٦
لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ
﴾ [الأنبياء: ٢٦/٢١-٢٧].
٠

٨٧٠
◌ِلُرُ (٣٠) - الأَخْلَصِ: ١١٢ / ١-٤
جاء في صحيح البخاري: ((لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم
يجعلون له ولداً، وهو يرزقهم ويعافيهم)) . وروى البخاري أيضاً وعبد الرزاق
عن أبي هريرة عن النبي وَّ قال: ((قال الله عز وجل: كذّبني ابن آدم، ولم
يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني
كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله:
اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد».
فقه الحياة أو الأحكام:
اً - تضمنت هذه السورة الموجزة إثباتاً ونفياً في آن واحد.
فقد أبانت أن الله تعالى واحد في ذاته وحقيقته، منزه عن جميع أنحاء
التركيب، ونفت عنه كل أنواع الكثرة بقوله: ﴿اَللَّهُ أَحَدُّ﴾.
وأوضحت أن الله غني بذاته كريم رحيم، تحتاج إليه جميع الخلائق في قضاء
الحوائج، متصف بجميع صفات الكمال، ونعوت الجلال، ونفت عنه كل
أنواع الاحتياج إلى الآخرين بقوله: ﴿اَللَّهُ الصََّمَدُ
وقررت أن الله أحد فرد، ليس له شيء من جنسه، ولم يلد أحداً، وليس له
لاحق يماثله، ونفت عن نفسه المجانسة والمشابهة بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾.
وكذلك هو قديم أولي أزلي غير مسبوق بالعدم، فلا والد له، ولا سابق
يُوَلَدُ﴾.
وَلَمْ
له، ونفت عنه الحدوث والأولية بقوله :
وهو سبحانه أيضاً لا مقارن له في الوجود، ولا شبيه له ولا نظير ولا
صاحبة ولا نديد، ونفى عن ذاته العلية الأنداد والأشباه بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ
لَّهُ كُفُوا أَحَدٌّ
وكل إثبات تقرير لعقيدة الإسلام القائمة على التوحيد والتنزيه والتقديس،

٨٧١
لُعُ (٣٠) - الأخْلَاصِ: ١١٢ / ١-٤
وكل نفي ردّ على أصحاب العقائد الباطلة كالثنوية القائلين بوجود إلهين اثنين
للعالم وهما النور والظلمة، والنصارى القائلين بالتثليث، والصابئة القائلين
بعبادة الأفلاك والنجوم، واليهود الذين يقولون: عزير ابن الله، والمشركين
القائلين بأن الملائكة بنات الله.
فقوله: ﴿أَحَدُّ﴾ يبطل مذهب الثنوية، وقوله: ﴿اَللَّهُ الصََّمَدُ
٢
تبطل مذهب من أثبت خالقاً سوى الله؛ لأنه لو وجد خالق آخر، لما كان
الحق مصموداً إليه في طلب جميع الحاجات، وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
٣
يبطل مذهب اليهود في عزير، والنصارى في المسيح، والمشركين في أن
الملائكة بنات الله. وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَا أَحَدٌ
يبطل
مذهب المشركين حيث جعلوا الأصنام أكفاء الله وشركاء.
اً - قال العلماء: هذه السورة في حق الله تعالى، مثل سورة الكوثر في
حق الرسول وَله، لكن الطعن في حق الرسول وَ ل كان بسبب أنهم قالوا: إنه
أبتر لا ولد له، وهنا الطعن بسبب أنهم أثبتوا لله ولداً؛ لأن عدم الولد في
حق الإنسان عيب، ووجود الولد عيب في حق الله تعالى، ولهذا السبب قال
هنا: ﴿قُلْ﴾ ليدفع عن الله، وفي سورة ﴿إِنَّ أَعْطَيْنَكَ﴾ لم يقل (قل) وإنما
قال الله ذلك مباشرة، حتى يدفع بنفسه عن الرسول وَال﴾(١).
(١) تفسير الرازي ١٨٥/٣٢

٨٧٢
الُ (٣٠) السورة (١١٣) الفَلِقِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحـ
سُورَةُ الفَلِقْ
مڪية، وهي خمس آيات
مكيتها أو مدنيتها:
هذه السورة وسورة الناس مكية في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر،
وهو رأي الأكثرين، ومدنية في رواية عن ابن عباس وقتادة وجماعة، قيل:
وهو الصحيح.
تسميتها:
سميت هذه السورة سورة الفلق، لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
اُلْفَلَقِ ﴿4﴾ و﴿ الْفَلَقِ﴾ الشق وفصل الشيء عن بعضه، وهو يشمل كل ما
انفلق من حب ونوى ونبات عن الأرض، وعيون ماء عن الجبال، ومطر عن
السحاب، وولد عن الأرحام، ومنه: ﴿فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦/٦]،
و﴿فَالِقُ اٌلْحَبِّ وَالنَّوَّ﴾ [الأنعام: ٩٥/٦].
مناسبتها لما قبلها:
لما أبان الله تعالى أمر الألوهية في سورة الإخلاص لتنزيه الله عما لا يليق به
في ذاته وصفاته، أبان في هذه السورة وما بعدها وهما المعوذتان ما يستعاذ منه
بالله من الشر الذي في العالم، ومراتب مخلوقاته الذين يصدون عن توحيد الله،

٨٧٣
الُ (٣٠) السورة (١١٣) الفَلِقِ
كالمشركين وسائر شياطين الإنس والجن، وقد ابتدأ في هذه السورة بالاستعاذة
من شر المخلوقات، وظلمة الليل، والسحرة، والحسَّاد، ثم ذكر في سورة
الناس الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن؛ لذا سميت السور الثلاث
(الإخلاص وما بعدها) في الحديث بالمعوِّذات. وقدمت الفلق على الناس
لمناسبة الوزن في اللفظ لفواصل (الإخلاص) مع مقطع ﴿تَبَّتْ﴾.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت السورة الاستعاذة من شر المخلوقات، وبخاصة ظلمة الليل،
والسواحر والنمامين، والْحَسَدة، وهي درس بليغ وتعليم نافع عظيم لحماية
الناس بعضهم من بعض بسبب أمراض النفوس، وحمايتهم من شر ذوات
السموم، وشر الليل إذا أظلم، لما فيه من مخاوف ومفاجآت، وبخاصة في
البراري والكهوف.
فضل المعوذتين:
روى مسلم في صحيحه وأحمد والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر قال:
قال رسول الله وَ له: ((ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط: ﴿قُلْ
ج)﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر قال: ((أمرني
رسول الله ◌َ﴿ أن أقرأ بالمعوِّذات في دُبُر كل صلاة)).
وروى أحمد وأبو داود والنسائي عن عقبة بن عامر قال: ((بينا أنا أقود
برسول الله وَّيّ في نقب من تلك النقاب إذ قال لي: يا عقبة ألا تركب! قال:
فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله وَ ل وركبت هنية ثم ركب،
ثم قال: يا عُقْب (١)، ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟
(١) عقب: منادى مرخم من عقبة، مثل أفاطم من فاطمة.

٨٧٤
الُعُ (٣٠) السورة (١١٣) الفَلِقِ
﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ
قلت: بلى، يا رسول الله، فأقرأني ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
بِرَبِّ النَّاسِ ﴾﴾ ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله وَّر، فقرأ بهما، ثم مرّ
بي، فقال: كيف رأيت يا عُقْب؟ اقرأ بهما كلما نِمْت وكلما قمت)).
وروى النسائي عن أبي عبد الله بن عابس الْجُهَني: أن النبي ێ( قال له: («یا
ابن عابس ألا أدلك - أو ألا أخبرك - بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون؟ قال:
بلى يا رسول الله، قال: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، هاتان
السورتان)) .
وأورد ابن كثير أحاديث كثيرة في معناها ثم قال: فهذه طرق عن عقبة
كالمتواترة عنه، تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث.
وفي حديث صُدَيّ بن عجلان: ((ألا أعلمك ثلاث سور، لم ينزل في
التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلهن: ﴿قُلْ هُوَ
(٤) و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
اللَّهُ أَحَدُّ
.
وروى البخاري وأهل السنن في الاستشفاء بهذه السور الثلاث (المعوذات)
عن عائشة: أن النبي ◌ّ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه، ثم نفث
فيهما وقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ (٣))، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من
جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث
مرات.
سبب نزول المعوذتين:
السبب: قصة سحر لَبيد بن الأعصم اليهودي رسول الله وَّله كما جاء في
الصحيحين عن عائشة، فإنه سحره في جُفّ (قشر الطلع) فيه مشاطة رأسه

٨٧٥
◌ِلُ (٣٠) - الفَلِقَ: ١١٣ /١-٥
وَيثير، وأسنان مشطه، ووتر معقود فيه إحدى عشرة عُقْدة مغروز بالإبر،
فأنزلت عليه المعوذتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد وَلّ في نفسه
خِفّة، حتى انحلت العُقْدة الأخيرة، فقام، كأنما نشط من عِقال(١). وجعل
جبريل يَرْفي رسول الله وَ له، فيقول: ((باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك،
من شر حاسد وعَيْن، والله يشفيك)).
الاستعاذة من شرّ المخلوقات
) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا
مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (9
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
وَقَبَ ﴿﴿ وَمِن شَرِّ النَّفَّئَتِ فِى الْعُقَدِ ﴿ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا
حَسَدَ (@َ﴾
الإعراب:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾﴾ ﴿أَعُوذُ﴾: فعل معتل، ويسمى (أجوف)
وأصله: أعْوُذ على وزن أفْعُل، إلا أنه استثقلت الضمة على الواو لأنه حرف
علة، فنقلت من العين التي هي الواو إلى ما قبلها.
﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (٣) (شَرِّ﴾ بغير تنوين على الإضافة في القراءة
المشهورة، و﴿مَا﴾: مصدرية، وتقديره: من شرّ خلقه. وقرئ ((من شرِّ ما
خلق)) بتنوين ﴿شَرِّ﴾ وهي قراءة مروية عن أبي حنيفة، و﴿مَا﴾: فيها أيضاً
مصدرية، في موضع جر على البدل من ﴿شَرِّ﴾ أي من خلقه.
البلاغة:
الْفَلْقِ﴾ و﴿خلق
• بينهما جناس ناقص.
(١) البحر المحيط: ٥٣٠/٨

٨٧٦
الُهُ (٣٠) - الفَلِق: ١١٣ / ١-٥
﴿شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾ ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّئَتِ﴾ تكرار
كلمة ﴿شَرِّ﴾ مرات إطناب، للتنبيه على قبح وشناعة هذه الأوصاف.
﴿شَرِّ غَاسِقٍ﴾ ﴿شَرِّ التَّفَّشَتِ﴾ (شَرِّ حَاسِدٍ﴾ خاص بعد عام وهو
٢
﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ
﴿حَاسِدٍ﴾ و﴿حَسَدَ﴾ جناس اشتقاق.
﴿اَلْفَلَقِ﴾ ﴿خَلَقَ﴾، ﴿الْعُقَدِ﴾ ﴿حَسَدَ﴾ توافق الفواصل مراعاة
لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿أَعُوذُ﴾ ألجأ. ﴿اٌلْفَلَقِ﴾ شق الشيء وفصل بعضه عن بعض، ومنه
﴿فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦/٦]. و﴿فَالِقُ اٌلْحَبِّ وَالنَّوَىُّ﴾ [الأنعام: ٩٥/٦]،
و﴿اَلْفَلَقِ﴾ يشمل كل ما يفلقه الله عن غيره، كفلق ظلمة الليل بالصبح،
وفلق العيون والأمطار والنبات والأولاد، ويخص الفلق عرفاً بالصبح،
ولذلك فشر به، وتخصيصه لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور
النور، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل
عن العائذ إليه ما يخافه. ولفظ (الرّب) هنا أوقع من سائر أسمائه؛ لأن الإعاذة
من المضارّ تربية وعناية.
﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (٣) من شرّ المخلوقات كلها، وخصّ عالم الخلق
بالاستعاذة منه لانحصار الشرّ فيه، وهو يشمل الحيوان والإنسان والجماد
كالسم وغيره .﴿غَاسِقٍ﴾ ليل اشتد ظلامه. ﴿وَقَبَ﴾ دخل ظلامه، وتخصيصه
لأن المضار تكثر فيه ويعسر الدفع. ﴿اُلتَّفَشَتِ﴾ السواحر من النفوس أو
النساء تنفث. ﴿فِىِ الْعُقَدِ﴾ التي تعقدها في الخيط، والنفث: النفخ مع ريق
يخرج من الفم، و﴿ الْعُقَدِ﴾ جمع عقدة: وهي ما يعقد من حبل أو خيط

٨٧٧
لِلُعُ (٣٠) - الفَلِقِ: ١١٣ / ١-٥
ونحوهما. ﴿حَاسِدٍ﴾ هو الذي يتمنى زوال نعمة المحسود. وخصّ الحاسد
بالذكر؛ لأنه العمدة في الظاهر والسبب في إضرار الإنسان والحيوان وغيرهما.
وذكر هذه الأصناف الثلاثة بعد التعميم الشامل لها ﴿مَا خَلَقَ﴾ لشدة شرّها.
التفسير والبيان:
مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾﴾ أي قل أيها النبي:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
ألجأ إلى الله، وأستعيذ بربِّ الصبح؛ لأن الليل ينفلق عنه، أو بربِّ كل ما
انفلق عن جميع ما خلق الله، من الحيوان، والصبح، والحَبِّ، والنوى، وكل
شيء من نبات وغيره، أعوذ بالله خالق الكائنات من شرّ كل ما خلقه الله
سبحانه من جميع مخلوقاته. وفيه إشارة إلى أن القادر على إزالة الظلمة عن وجه
الأرض قادر على دفع ظلمة الشرور والآفات عن العبد.
أخرج الترمذي وحسنه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري، قال: ((كان
رسول الله ول يتعوّذ من عين الجان، ومن عين الإنس، فلما نزلت سورتا
المعوذتين، أخذ بهما، وترك ما سوى ذلك)) .
وأخرج مالك في الموطأ عن عائشة: ((أن رسول الله وَّ ه كان إذا اشتكى،
يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه، كنت أقرأ عليه، وأمسح
بيده عليه، رجاء بركتهما)) .
وبعد أن عمم الاستعاذة من جميع المخلوقات، خصص بالذكر ثلاثة
أصناف تنبيهاً على أنها أعظم الشرور، وأهم شيء يستعاذ منه، وهي:
١ - ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾﴾ أي وأعوذ بالله من شرّ الليل إذا
أقبل؛ لأن في الليل مخاوف ومخاطر من سباع البهائم، وهوام الأرض، وأهل
الشّرّ والفسق والفساد.
أَ - ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّئَتِ فِى الْعُقَدِ
﴾ أي وأعوذ بالله من شرّ

٨٧٨
لُرُ (٣٠) - الفَلِق: ١١٣ / ١-٥
النفوس أو النساء الساحرات؛ لأنهن كنّ ينفثن (أي ينفخن مع ريق الفم) في
عُقَد الخيوط، حين يسحرن بها. والنّفث: النفخ بريق، وقيل: النفخ فقط.
قال أبو عبيدة: إنهن بنات لبيد بن الأعصم اليهودي اللاتي سحرن النّبي ◌َّ.
◌َّ - ﴿وَ مِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾﴾ أي وأعوذ بالله من شرّ كل
حاسد إذا حسد: وهو الذي يتمنى زوال النعمة التي أنعم الله بها على المحسود.
فقه الحياة أو الأحكام:
اً - دلت السورة الكريمة على تعليم الناس كيفية الاستعاذة من كل شرّ في
الدنيا والآخرة، من شر الإنس والجن والشياطين وشرّ السباع والهوام وشرّ
النار وشرّ الذنوب، والهوى، وشرّ العمل، وغير ذلك من سائر المخلوقات،
حتى المستعيذ نفسه.
أَ - لا مانع يمنع من نزول السورة ليستعيذ بها رسول الله وَله، والحديث
صحيح، ولا يتنافى مع النص القرآني، واقتصر فعل السحر بالنبي ◌َّ على
مجرد كونه قد صار في بعض أمور الدنيا في حالة صداع خفيف، وهو معنى
التخيل في الحديث، وقد يحدث تخيل في اليقظة كالمنام، ولم يؤثر في ملكاته
العقلية على الإطلاق، كما لم يؤثر فيما يتعلق بالوحي والرسالة؛ لأن الله
عصمه من أي سوء، أو اختلاط فكري، أو اضطراب عصبي، كما قال
تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسَِّ﴾ [المائدة: ٦٧/٥](١).
٢ - خصص الله تعالى في إرشادنا وتعليمنا الاستعاذة من أصناف ثلاثة:
هي أولاً - الليل إذا عظم ظلامه؛ لأن في الليل كما ذكر الرازي تخرج السباع
من آجامها، والهوام من مكانها، ويهجم السارق والمكابر، ويقع الحريق،
ويقل فيه الغوث، وينبعث أهل الشرّ على الفساد.
.(١) انظر تفسير الألوسي: ٢٨٣/٣٠

٨٧٩
الُ (٣٠) - الفَلِق: ١١٣ /١-٥
٠
وثانياً - الساحرات اللائي ينفثن (ينفخن) في عُقَد الخيط حين يَرْقين
عليها، شبه النفخ كما يعمل من يرقي.
وثالثاً - الحاسد الذي يحسد غيره، أي يتمنى زوال نعمة المحسود، وإن لم
يَصِرْ للحاسد مثلها. وهذا مذموم، أما الغبطة أو المنافسة فهي مباحة؛ لأنها
تمني مثل النعمة وإن لم تزل عن صاحبها؛ روي أن النّبي ◌َّ قال: ((المؤمن
يَغْبِط، والمنافق يحسُد))(١). وفي الصحيحين: ((لا حسد إلا في اثنتين)) أي لا
غبطة.
قال العلماء: الحاسد لا يضرّ إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول، وذلك بأن
يحمله الحسد على إيقاع الشرّ بالمحسود، فيَتْبَع مساوئه، ويطلب عثراته. والحسد
أول ذنب عُصي الله به في السماء، وأول ذنب عُصي به في الأرض، فحسد
إبليسُ آدَمَ، وحسد قابيلُ هابيلَ. والحاسد ممقوت مبغوض مطرود ملعون.
وقال العلماء أيضاً: لا يضرّ السحر والعين والحسد ونحو ذلك بذاته،
وإنما بفعل الله وتأثيره، وينسب الأثر إلى هذه الأشياء في الظاهر فقط، قال
الله تعالى عن السحر: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:
١٠٢/٢]، وبالرغم من انعدام تأثير هذه الأشياء في الحقيقة، ومنها الأمراض
المعدية كالطاعون والسل، فإنه يطلب شرعاً الحذر والاحتياط وتجنب هذه
الأسباب الظاهرية بقدر الإمكان، عملاً بفعل عمر والصحابة في طاعون
عمواس، والأمر باتقاء العين، والفرار من المجذوم.
٤ - أجاز أكثر العلماء الاستعانة بالرُّقى أو الرُّقية؛ لأن النبي ◌َّ اشتكى،
فرقاه جبريل عليه السلام، وقال: ((بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك،
والله يشفيك)) كما تقدم. وقال ابن عباس: كان رسول الله وَلو يعلمنا من
(١) تفسير القرطبي: ٢٥٩/٢٠

٨٨٠
لِجُ (٣٠) - الفَلِقِ: ١١٣ / ١-٥
١
الأوجاع كلها والحمى هذا الدعاء: ((بسم الله الكريم، أعوذ بالله العظيم من
شرّ كل عرق نعار، ومن شرّ حرّ النار)).
وقال ◌َله: ((من دخل على مريض لم يحضر أجله، فقال: أسأل الله العظيم
ربّ العرش العظيم أن يشفيك - سبع مرات، شفي)).
وعن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله وَل﴿ إذا دخل على مريض
قال: ((أذهب الباس ربَّ الناس، اشفِ أنت الشافي، لا شافي إلا أنت)).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله وَله يعوِّذ الحسن
والحسين يقول: ((أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامّة، ومن
كل عين لامّة)).
وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي قال: قدمت على رسول الله وَله، وبي
وجع قد كاد يبطلني، فقال رسول الله وهي: ((اجعل يدك اليمنى عليه، وقل:
بسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شرّ ما أجد)) سبع مرات، ففعلت ذلك،
فشفاني الله.
وروي أنه سي كان إذا سافر، فنزل منزلاً يقول: ((يا أرض، ربِّ وربّك
الله، أعوذ بالله من شرّك وشرّ ما فيك، وشرّ ما يخرج منك، وشرّ ما يدبّ
عليك، وأعوذ بالله من أسد وأسود، وحية وعقرب، ومن شرّ ساكني البلد
ووالد وما ولد)).
وقالت عائشة في الحديث المتقدم: كان رسول الله وَله، إذا اشتكى شيئاً
من جسده قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
(®) والمعوذتين، في كفه اليمنى، ومسح
بها المكان الذي يشتكي(١).
(١) انظر هذه الأحاديث والأدلة الثمانية في تفسير الرازي: ١٨٩/٣٢ - ١٩٠