النص المفهرس

صفحات 761-780

٧٦١
الجُرَءُ (٣٠) - الْفَّارَاتِ: ١٠٠ /١-١١
اً - القسم الإلهي بخيل المجاهدين على أن الإنسان كفور جحود لنعم ربه عليه،
وأنه مقر شاهد على ذلك: ﴿﴿ وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا (﴿٢﴾ [الآيات: ١-٧].
اً - التحدث عن غريزة الإنسان في حبه الشديد للثروة والمال: ﴿وَإِنَّهُ
لِحُبِّ الْخَيِّ لَشَدِيدُ
﴾ [الآية: ٨] .
ءَّ - الحض على فعل الخير والعمل الصالح الذي ينفع الإنسان حين رجوع
الخلائق إلى الله للحساب والجزاء، والتهديد بالعقاب الشديد يوم القيامة:
[الآيات: ٩-١١] .
أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى الْقُبُورِ
جحود النعم والبخل لحب الخير
وإهمال الاستعداد للآخرة
﴿ وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا
فَأَثَرَّنَ بِهِ،
فَأْمُغِيرَتِ صُبْحًا
فَالْمُورِبَتِ قَدْحًا
T
نَقْعًا
إِنَّ اُلْإِنسَنَ لِرَبِّهِ، لَكَنُورٌ ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ
فَوَسَطْنَ بِهِ، جَمْعًا (ها
لَشَهِيدٌ
٨
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدُ
أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِ اُلْقُبُورِ
﴿ إِنَّ رَّهُم بِهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّخَبِيرٌ
وَحُصِّلَ مَا فِ الصُّدُورِ
الإعراب:
﴿ وَاَلْعَدِيَتِ ضَبْحًا ﴿ فَالْمُورِنَتِ قَدْحًا (٣): (ضَبْحًا﴾: منصوب على
المصدر في موضع الحال، وهو صوت أنفاس الخيل حين عَذْوها، و﴿قَدْحًا﴾ :
مصدر مؤكد؛ لأن الموريات بمعنى القادحات.
(ج): ﴿صُبْحًا﴾: منصوب على
فَأَثَرَّنَ بِهِ، نَفْعًا
﴿فَاَلْغِيَرَتِ صُبْحًا
الظرف، وأثرن: عطف على قوله: ﴿فَالْغِيرَتِ﴾ لأن المعنى: اللاتي أغرن
صبحاً، فأثرن به نقعاً، أي جاز عطف الفعل على الاسم لأنه في تأويل
الفعل. وهاء ﴿بِهِ،﴾ تعود إلى المكان، وقد دلَّ الحال عليه.

٧٦٢
لُرُ (٣٠) - الْغَازَاتِ: ١٠٠ /١-١١
﴾ جواب القسم، ولام ﴿لِرَبِّهِ﴾ يتعلق بـ
﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لِرَبِّهِ، لَكُنُودٌ
(كنود) أي إن الإنسان لكنود لربه. وقد حسَّن دخولَ لام الجر تقديمُه على اسم
الفاعل، كما مع الفعل الذي يشبهه في قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾
[الأعراف: ١٥٤/٧] وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّغْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣/١٢].
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِّ لَشَدِيدُ (ج) أي، وإنه لأجل حب المال لبخيل،
واللام تتعلق بـ (شديد) أي وإنه لشديد لأجل حب المال، فحذف المضاف،
وأقيم المضاف إليه مقامه.
أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِ اُلْقُبُورِ ﴾﴾ العامل في ﴿إِذَا بُعْثِرَ﴾: ما
دلّ عليه: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّخَبِيرٌ (4). ولا يجوز أن يعمل فيه (خبير)
لأنه لا يجوز أن يعمل ما بعد (إنّ) فيما قبلها، ولا يجوز أن يعمل فيه
﴿ يَعْلَمُ﴾ لأن الإنسان لا يطلب منه العلم في الآخرة، وإنما في الدنيا.
و﴿يَوْمَيِذٍ﴾: ظرف عمل فيه ﴿لَّخَبِيرٌ﴾ وجاز أن يعمل فيما قبله؛ لأن اللام
في تقدير التقديم، بخلاف (إنّ).
البلاغة:
﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لِرَبِّهِ، لَكَنُودٌ ﴿)﴾ ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْ لَشَدِيدُ
رَهُم بِهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّخْبِيٌ ®) التأكيد بإن واللام لزيادة التقرير والبيان.
﴿لَشَهِيدٌ﴾ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ بينهما جناس ناقص، وكذلك بين ﴿ضَبْحًا﴾.
و﴿صُبْحًا﴾.
استفهام إنكاري للتهدید
أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِىِ اُلْقُبُورِ
والوعيد.
﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّخَبِيرٌ ﴾﴾ تضمين، ضمن لفظ ﴿لَّخَبِيٌ﴾ معنى
المجازاة، أي يجازيهم على أعمالهم.

٧٦٣
لُعُ (٣٠) - الغَّارَاتِ: ١٠٠ /١-١١
﴿لَشَهِيدٌ﴾، ﴿لَشَدِيدٌ﴾، ﴿الصُّدُورِ﴾، ﴿اُلْقُبُورِ﴾ سجع مرصع.
المفردات اللغوية:
﴿ وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا (٣) أُقسم بخيل المجاهدين تَعْدو، فتضبح ضبحاً، قال
أبو حيان: والظاهر أن المقسم به هو جنس العاديات، ﴿وَالْعَدِيَتِ﴾ الخيل
التي تعدو وتسرع في العَدْو أي الجري، جمع عادية. والضَّبْح: صوت أنفاس
الخيل حين العَدْو أو الجري. ﴿فَالْمُورِبَتِ﴾ الخيل القادحات التي توري النار،
أي تخرجها، جمع مورية، والإيراء: إخراج النار بزَنْد ونحوه. ﴿قَدْحًا﴾
القدح: إخراج النار، ويلاحظ أن الخيل إذا ركضت أو سارت في أرض ذات
حجارة بالليل تقدح شرارة من النار بحوافرها. ﴿ فَالْغِيرَتِ صُبْحًا (٣)﴾ الخيل
التي تغير أو تهجم على العدو بإغارة أصحابها، وقت الصبح، جمع مغيرة.
﴿فَأَثَرَّنَ بِهِ،﴾ هيجن بمكان عَدْوهن، أو بذلك الوقت وهو الصبح.
﴿نَفْعًا﴾ غباراً، بشدة حركتهن. ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ، جَمْعًا (ج) توسطن بذلك
الوقت أو بالعدو أو بالنقع جمعاً من جموع الأعداء، أي صرن وسط الجمع.
﴿إِنَّ اُلْإِنْسَنَ لِرَبِّهِ، لَكَنُورٌ ﴾﴾ أي لكفور جحود نعمة الله تعالى عليه،
والمراد به جنس الإنسان المتحدث عنه، وقيل: المراد به هنا: الكافر . ﴿وَإِنَّهُ
عَلَى ذَلِكَ
أي وإنه على كنوده لشاهد، يشهد على نفسه بصنعه،
لشهید
لظهور أثره عليه. ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَرِ﴾ المال؛ لقوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾
[البقرة: ١٨٠/٢]. ﴿لَشَدِيدُ﴾ لبخيل، أو لشديد الحب له، فيبخل به.
﴿بُعْثِرَ مَا فِ الْقُبُورِ﴾ أثير وأخرج ما في القبور من الموتى، أي بعثوا.
(٤) جمع محصلاً وأظهر وبيِّن ما في القلوب من
﴿ وَحُصِّلَ مَا فِىِ الصُّدُورِ
الكفر والإيمان، والشر والخير، والعزائم والنوايا، وتخصيص ذلك؛ لأن
القلوب هي الأصل. ﴿إِنَّ رَّهُم بِهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّخَبِيٌ ﴾﴾ لعالم، فيجازيهم على
كفرهم. ويلاحظ أنه أعيد الضمير: ﴿إِنَّ رَّهُم بِهِمْ﴾ جمعاً، نظراً لمعنى الإنسان.

٧٦٤
اِلُعُ (٣٠) - الغَّارِيَاتِ: ١٠٠ /١-١١
وهذه الجملة: دلت على مفعول :﴿يَعْلَمُ﴾، أي إنا نجازيه حينئذ. وتعلق
(خبير) بـ ﴿يَوْمَيِذٍ﴾ مع أنه تعالى خبير دائماً بكل شيء؛ لأنه يوم المجازاة.
سبب النزول:
نزول الآية (١):
أخرج البزار وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس قال: بعث رسول الله
وَ ل﴿ خيلاً، ولبثت شهراً، لا يأتيه منها خبر، فنزلت: ﴿وَاُلْعَدِيَتِ ضَبْحًا
١
التفسير والبيان:
فَالْمُغِيرَتِ﴾ أي قسماً بالخيل
٢
فَالْمُورِبَتِ قَدْحًا
T
﴿ وَاَلْعَدِيَتِ ضَبْحًا
التي تجري وتعدو بفرسانها المجاهدين في سبيل الله إلى العدو، ويسمع لها حينئذ
صوت زفيرها الشديد وأنفاسها المتصاعدة، بسبب شدة الجري. وتخرج شرر
النار بحوافرها أثناء الجري بسبب اصطكاك نعالها بالصخر أو الحجر؛ وتغير
أو تهجم على العدو وقت الصباح.
﴿ فَثَرَّنَ بِهِ، نَفْعًا ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ، جَمْعًا (®) فهيجن في الصبح أو مكان
معترك الخيول غباراً يملأ الجو، ثم توسطن بعَذْوهن جمعاً من الأعداء،
اجتمعوا في مكان، ففرّقنه أشتاتاً ..
وإنما أقسم الله تعالى بالخيل؛ لأن لها في الركض (العَدْو) من الخصال
الحميدة ما ليس لسائر الدواب، ولأن الخيل في نواصيها الخير(١) إلى يوم
القيامة، ولأنها وسيلة الغزو عند العرب، ولا تكاد تخلو في الأغلب من
(١) قال النبي ◌َله: ((الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة)) رواه أحمد والشيخان والنسائي
وابن ماجه عن أبي هريرة.

٧٦٥
لُرُ (٣٠) - الغَّارِيَاتِ: ١٠٠ /١-١١
الخطور ببالهم. والمراد إعلاء شأنها في نفوس المؤمنين، ليُعْنَوا بتربيتها،
وليتدربوا عليها من أجل الجهاد في سبيل الله، وليعتادوا على معالي الأمور،
وظواهر الجد والعمل.
وفي هذا القسم ترغيب باقتناء الخيل لهذه الأغراض النبيلة، لا للسمعة
والمفاخرة والرياء.
وعلى هذا فاللام في العاديات للعهد، ويحتمل وهو الظاهر كما تقدم عن
أبي حيان أن تكون للجنس، وليست أل فيه للعهد، ويدخل فيها خيل الجهاد
والسرية دخولاً أولياً.
وجواب القسم المحلوف عليه هو:
﴿إِنَّ اُلْإِنْسَنَ لِرَبِّهِ، لَكُنُودٌ (٣)﴾ أي إن الإنسان كفور بطبعه للنعمة، كثير
الجحد لها، وعدم الإقرار بمقتضاها الموجب لشكر الخالق المنعم، والخضوع
لشرعه وأحكامه، إلا من جاهد نفسه، وعقل أمر الدنيا والآخرة، فأقبل على
الطاعة والفضيلة، وأحجم عن المعصية والرذيلة.
والظاهر أن المراد بالإنسان هو الجنس، والأكثرون على أن الإنسان هو
الكافر؛ لقوله بعد ذلك: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾. لكنهم قالوا أيضاً: ويحتمل أن يراد
أن جنس الإنس مفطور على ذلك، إلا من عصمه الله بلطفه وتوفيقه، وقوله:
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾ يجوز أن يكون توبيخاً على أنه لا يعمل بعلمه.
﴿وَإِنَُّ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾﴾ أي وإن الإنسان على كونه كنوداً جحوداً
لشهيد، يشهد على نفسه بالجحد والكفران، أي بلسان حاله، وظهور أثر
ذلك عليه في أقواله وأفعاله بعصيان ربه، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ
أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكَفْرِ﴾ [التوبة: ١٧/٩].
وقال قتادة وسفيان الثوري: وإن الله على ذلك لشهيد.

٧٦٦
الجُرُ (٣٠) - الغَّارَاتِ: ١٠٠ /١-١١
﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لَشَدِيدٌ ﴾﴾ أي وإن الإنسان بسبب حبه للمال
البخيل به، أو إن حبه للمال قوي، فتراه مجدّاً في طلبه وتحصيله، متهالكاً
عليه. فصار هناك رأيان في المعنى: أحدهما - وإنه لشديد المحبة للمال، والثاني
- وإنه لحريص بخيل بسبب محبة المال، قال ابن كثير: وكلاهما صحيح.
ثم هدّد الإنسان وتوعده إذا ظلَّ بهذه الصفات، فقال:
وَحُصِّلَ مَا فِى اُلُّدُورِ
أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِ الْقُبُورِ
إِنَّ
١٠
رَهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ﴾﴾ أي أفلا يدري الجاحد إذا أخرج أو نثر ما في
القبور من الأموات، وأبرز وأظهر ما يُسِرُّ الناس في نفوسهم من النوايا
والعزائم، والخير والشر، إن رب هؤلاء المبعوثين لخبير بهم، مطلع على جميع
أحوالهم، لا تخفى عليه منهم خافية في ذلك اليوم وفي غيره، ومجازيهم في ذلك
اليوم على جميع أعمالهم أوفر الجزاء، ولا يظلمون مثقال ذرة. فإذا علموا ذلك
ووعوه، فعليهم ألا يشغلهم حب المال عن شكر ربهم وعبادته والعمل
للآخرة.
وخص أعمال القلوب بالذكر؛ لأن أعمال الأعضاء الأخرى تابعة
لأعمال القلب؛ فإنه لولا البواعث والإرادات في القلوب، لما حصلت أفعال
الجوارح.
وأعاد الضمير في قوله: ﴿إِنَّ رَّهُم بِهِمْ﴾ بصيغة الجمع؛ لأن الإنسان في
معنى الجمع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَانَ لَفِى خُسٍْ
[العصر: ٢/١٠٣] ثم
٢٠
قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [العصر: ٣/١٣].
وإنما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مع أنه تعالى عالم بأحوال الناس في كل وقت،
للتأكيد على أنه عالم بذلك يوم المجازاة.
وعبَّر عن المجازاة بالخبرة والعلم المحيط بهم وبأعمالهم؛ لأن القصد هو
التهديد، كما قال تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ [آل عمران: ١٨١/٣] مع أن كتابة

٧٦٧
لُ (٣٠) - الغَّادِيَاتِ: ١٠٠ /١-١١
أقوالهم وأفعالهم حاصلة فعلاً، وإنما أراد أننا سنجازيهم بما قالوا الجزاء
المناسب. فيكون قوله تعالى: ﴿لَّخَبِيرٌ﴾ وهو تعالى خبير دائماً فيه تضمين
(خبير) معنى مجاز لهم في ذلك اليوم(١).
وهذه الآية تدل على كونه تعالى عالماً بالجزئيات الزمانيات؛ لأنه تعالى نص
على كونه عالماً بكيفية أحوالهم في ذلك اليوم، فيكون منكر ذلك كافراً.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
اً - أقسم سبحانه بالخيل التي تشغل بها أذهان العرب عادة على رداءة
جبلة الإنسان؛ من قلة الشكر والصبر، والحرص على المال، بحيث يكاد يشغله
عن تحصيل الكمال الحقيقي، وعن العمل للمعاد الذي إليه مآل العباد.
فقد طبع الإنسان على كفران النعمة، وحب المال وبخله به، وعليه أن
يروض نفسه على ما يكون له به النجاة والسعادة.
أَ - ثم وبخ الله تعالى بمقتضى العلم التام الأزلي الأبدي الشامل لأحوال
مبدأ الإنسان ومعاده، والتوبيخ أو التهديد مدعاة للعقلاء إلى التأمل في المصير
المحتوم، والاستعداد للآخرة بزاد التقوى والفضيلة، والبعد عن العصيان
والمخالفة والرذيلة.
ولا يختلف العلم وقت المجازاة بالأعمال والأقوال والأحوال عن العلم
الأزلي الله تعالى بذلك، وإنما قال: ﴿يَوْمَيِذٍ﴾ للتأكيد على شمول العلم في
الماضي والحاضر والمستقبل، ولأن الجزاء منوط بالعمل السابق، فيكون
تخصيصه دالاً على التذكر وعدم النسيان، وعلى التزام العدل وتوافر العلم
وقت الجزاء.
(١) البحر المحيط: ٥٠٥/٨

٧٦٨
الُ (٣٠) السورة (١٠١) القَطُعَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحِيمَةِ
سُؤْرَةُ القَطَِّةِ
مكية، وهي إحدى عشرة آية
تسميتها:
سميت سورة القارعة لبدء السورة بها تهويلاً وتخويفاً، كابتداء سورة
الحاقة، والقارعة من أسماء يوم القيامة؛ كالحاقة والطامّة والصاخّة والغاشية
ونحو ذلك. وسميت بهذا؛ لأنها تقرع القلوب بهولها.
مناسبتها لما قبلها:
﴿﴿ أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى
ختمت السورة السابقة بوصف يوم القيامة:
وَحُصِّلَ مَا فِ الصُّدُورِ (٣) إِنَّ رَّهُم بِهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّخَبِيرٌ
اُلْقُبُورِ
وأعقبتها هذه السورة برمّتها بالحديث عن القيامة، ووصفها الرهيب،
وأهوالها المخيفة.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة المكية التخويف بأهوال القيامة، وهي كلها تدور
حول الموضوع نفسه.
فقد بدأت بالحديث عن أهوال القيامة وشدائدها، وانتشار الناس فيها من

٧٦٩
الُ (٣٠) - القَطُعَيِّ: ١٠١ / ١-١١
قبورهم كالفراش المتطاير:
١-٤].
ولا
اُلْقَارعَةَ
مَا الْقَارِعَةُ
٢
[الآيات :
ثم أشارت إلى بعض أمارات الساعة، وهو نسف الجبال وجعلها كالصوف
المندوف، مما يوجد الذعر والهلع والتأثر الشديد في قلوب الناس: ﴿وَتَكُونُ
[الآية: ٥] .
٥
اُلْجِبَالُ كَأَلْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
وكانت خاتمتها الإخبار عن نصب موازين الحساب التي توزن بها أعمال
الناس، فثقيل الميزان بالحسنات إلى الجنة، وخفيف الميزان بالسيئات إلى
، فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ
النار: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ
[الآيات: ٦-١١].
أهوال القيامة وأماراتها وميزان الحساب فيها
﴿اَلْقَارِعَةُ
مَا الْقَارِعَةُ ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْقَارِعَةُ
روا
يَوْمَ يَكُونُ
٣
وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَأَلْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
النَّاسُ كَأَلْفَرَاشِ اٌلْمَبْثُوثِ
۵
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ
فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رََّضِيَةٍ ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَتْ
مولا
نَارُ حَامِيَةٌ
﴿ وَمَا أَدْرَئِكَ مَا هِيَةُ (
فَأُمُُّ هَاوِيَةٌ
٨
مَوَزِينُهُ
الإعراب:
﴾: مبتدأ. و﴿مَا﴾:
﴿اَلْقَارِعَةُ ﴿ مَا الْقَارِعَةُ ﴾﴾ ﴿الْقَارِعَةُ
مبتدأ ثان، وما بعده خبره.
(٤) ﴿مَا﴾ الأولى: مبتدأ، وما بعدها خبره.
﴿وَمَّ أَدْرَئِكَ مَا اُلْقَارِعَةُ
و﴿وَمَا﴾ الثانية: المبتدأ، وخبرها في محل المفعول الثاني لـ (أدراك).

٧٧٠
الُ (٣٠) - القَطُعَةِ: ١٠١ / ١-١١
﴿يَوْمَ﴾ ظرف عامله تقرع، دلّ عليه القارعة.
كَأَلْفَرَاشِ اٌلْمَبْثُوثِ﴾ في موضع نصب؛ لأنه خبر ﴿يَكُونُ﴾. وكذلك
كَأَلْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ في موضع نصب؛ لأنه خبر ﴿يَكُونُ﴾.
﴿فَهُوَ فِىِ عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (٣) الفاء: جواب (أما) التي فيها معنى
الشرط. وهو: مبتدأ، و﴿ فِي عِيشَةٍ﴾: ظرف في موضع رفع؛ لأنه خبر
المبتدأ. و﴿ رَّاضِيَةٍ﴾: أي مرضي بها، وهو مما جاء على وزن فاعل، ويراد
به مفعول.
البلاغة:
﴾؟ الاستفهام للتفخيم والتهويل، وكذلك:
٣
﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اُلْقَارِعَةُ
١٠
﴿وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا هِيَهْ
(٤) وضع الظاهر موضع الضمير
﴿﴿ مَ اُلْقَارِعَةُ
﴿ اَلْقَارِعَهُ.
للتخويف والإرهاب، والأصل أن يقال: القارعة ما هي؟
﴾ تشبيه مرسل مجمل، ذكر
﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَأَلْفَرَاشِ اُلْمَبْثُوثِ
فيه أداة التشبيه، وحذف وجه الشبه، وهو: في الكثرة والانتشار، والضعف
والهوان. ومثله: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ أي في تطايرها وخفة تناثرها.
﴿فَأَمَّا مَن ثَّقُلَتْ مَوَزِينُهُ ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴿﴾ ﴿ وَأَمَّا
بينهما مقابلة.
فَأُمُُّ هَاوِيَةٌ
مَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ ﴾
﴿فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ مجاز عقلي إذا أريد بالراضية اسم الفاعل، أي
راض بها صاحبها.
﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَتْ﴾ فيهما احتباك: وهو أن يحذف في
كلِّ نظير ما أثبته في الآخر، حذف من الأول (فأمه الجنة) وذكر فيها ﴿عِيشَةٍ

٧٧١
الجُرُ (٣٠) - القَطُعَيِّ: ١٠١ /١-١١
رَّاضِيَةٍ﴾ وحذف من الثاني (فهو في عيشة ساخطة) وذكر ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ
٩
﴿ رََّضِيَةٍ﴾، ﴿هَاوِيَةٌ﴾، ﴿مَا هِيَهُ)﴾،
اُلْقَارِعَهُ
﴿حَامِيَةٌ﴾ سجع مرضّع.
المفردات اللغوية:
﴾ من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لأنها تقرع
﴿ اَلْقَارِعَةُ
القلوب والأسماع بأهوالها وأفزاعها الشديدة، من القرع: الضرب بشدة.
(٤) ما أعلمك؟ وهو زيادة تهويل لها. ﴿كَأَلْفَرَاشِ
﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اُلْقَارِعَةُ
اٌلْمَبْثُوثِ﴾ أي كالفراش المنتشر المتفرق في الكثرة والانتشار، والذلة
والاضطراب، يموج بعضهم في بعض للحيرة، إلى أن يُدْعَوا للحساب.
والفراش: طائر معروف أحمق يتهافت على النار.
كالصوف المندوف في
﴿ وَتَكُونُ اُلْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
خفة سيرها وتبددها، حتى تستوي مع الأرض . ﴿ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ﴾ بأن
رجحت حسناته على سيئاته . ﴿فَهُوَ فِ عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (٣) ذات رضا،
أو مرضية لصاحبها في الجنة. ﴿خَفَّتْ مَوَزِينُهُ﴾ بأن رجحت سيئاته على
حسناته. ﴿فَأُمُُّ هَاوِيَةٌ ﴾﴾ فمسكنه أو مأواه الذي يأوي إليه نار
جهنم. ﴿مَا هِيَهْ﴾ ما هي النار؟ وهاء (هيه) للسكت تثبت وصلاً ووقفاً.
والهاوية: من أسماء جهنم. ﴿نَارُ حَامِيَةٌ ﴾﴾ أي هي نار شديدة الحرارة.
التفسير والبيان:
وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا الْقَارِعَةُ
﴿اَلْقَارِعَةُ ﴿ مَا الْقَارِعَةُ
اٌلْقَارِعَةُ ®) من أسماء القيامة؛ لأنها تقرع القلوب بالفزع، وأي شيء
هي، وما أعلمك ما شأن القارعة؟ وقوله: ﴿مَا اُلْقَارِعَةُ (٣) لتعظيم شأنها
1

٧٧٢
الجُرُ (٣٠) - القَمُعَةِ: ١٠١ / ١-١١
تأكيد لشدة هولها، وتعظيم
وتفخيمه، وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اُلْفَارِعَةُ
أمرها، وتهويل شأنها.
ثم فتر ذلك وأبان زمانها وأماراتها، فقال:
. ١ - ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴾﴾ أي يوم يخرج الناس
من القبور، يسيرون على غير هدى في كل اتجاه، شأنهم في ذلك، كالحشرة
الطائرة المعروفة المنتشرة المتفرقة، أو كجميع الحشرات الطائرة، كالبعوض
والجراد، فهم في انتشارهم وتفرقهم وذهابهم ومجيئهم بسبب حيرتهم مما هم
فيه، كأنهم فراش مبثوث، أي متفرق منتشر، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَهُمْ جَرَاٌ
مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧/٥٤]. قال الزمخشري: شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار
والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب، كما يتطاير الفراش إلى
النار.
أَ - ﴿وَتَكُونُ اُلْجِبَالُ كَأَلْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴾﴾ أي وتصير الجبال
كالصوف ذي الألوان المختلفة، المندوف الذي نُفش بالندف؛ لأنها تتفتت
[التكوير: ٣/٨١] وقوله
وتتطاير، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُتِرَتْ
سبحانه: ﴿وَكَنَتِ الْجِبَالُ كَتِيبًا مَّهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤/٧٣].
وفي ذکر هاتين الأمارتین تخويف للناس وتحذير شدید.
ثم ذكر الجزاء على الأعمال وأحوال الناس وتفرقهم فريقين إجمالاً، فقال:
فَهُوَ فِ عِيشَةٍ رََّضِيَةٍ ﴾﴾ أي أما
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ
من ثقلت موازينه بأن رجحت حسناته أو أعماله الصالحة على سيئاته، فهو في
عيشة مرضية يرضاها صاحبها في الجنة. والعيشة: كلمة تجمع النعم التي في
الجنة.
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهٌُ
◌َ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا هِيَةْ
، فَأُمُُّ هَاوِيَةٌ
٩
٨

٧٧٣
الجُرُ (٣٠) - القَطَُّثِّ: ١٠١ /١-١١
نَارَ حَامِيَةٌ (4)﴾ أي وأما من رجحت سيئاته على حسناته، أو لم تكن
١٠
له حسنات يعتد بها، فمسكنه أو مأواه جهنم. وسماها أمه؛ لأنه يأوي إليها
كما يأوي الطفل إلى أمه، وسميت جهنم هاوية وهي الهالكة؛ لأنه يهوي فيها
مع عمق قعرها، ولأنها نار عتيقة.
ونحن نؤمن بالميزان كما ورد في القرآن، دون أن ندري كيفية وزنه وتقديره.
وما أعلمك ما هذه النار؟ والاستفهام للتهويل والتخويف، ببيان أنها
خارجة عن المعهود، بحيث لا يُدرى كنهها. قال الزمخشري: ﴿هِيَةْ﴾ ضمير
الداهية التي دلَّ عليها قوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ
أو ضمير هاوية،
والهاء للسكت، وإذا وصل القارئ حذفها.
هي نار شديدة الحرارة، انتهى حرّها وبلغ في الشدة إلى الغاية، فهي حارة
شديدة الحرارة، قوية اللهب والسعير. وهذا دليل على قوتها التي تفوق جميع
النيران.
أخرج مالك والبخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي وَّ قال: ((نار بني
آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله،
إن كانت لكافية؟ فقال: إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً)).
وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: ((هذه النار
جزء من مئة جزء من جهنم)) .
وأخرج أحمد أيضاً عن أبي هريرة عن النبي وَّ أنه قال: ((إن أهون أهل
النار عذاباً: من له نعلان، يغلي منهما دماغه)) .
وثبت في الصحيحين: ((إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر
من فيح جهنم)) .

٧٧٤
الُرُ (٣٠) - القَمُعَم: ١٠١ / ١-١١
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - القيامة ذات أهوال وشدائد ومخاوف تهز القلوب وتقرع الأسماع، لا
يعلم أحد بكنهها؛ لأنها في الشدة بحيث لا يتصورها عقل أحد، وكيفما
قدرت فهو أعظم من تقديرك، كأنه تعالى قال: قوارع الدنيا في جنب تلك
القارعة كأنها ليست بقوارع، ونار الدنيا في جنب نار الآخرة كأنها ليست
بنار.
وفي هذا تحذير شديد وإرهاب لا مثيل له. قال مقاتل: إنها تقرع أعداء الله
بالعذاب، وأما أولياؤه فهم من الفزع آمنون.
اً - وصف الله يوم القيامة بأمرين:
الأول - كون الناس فيه كالفراش المتفرق المنتشر، وهو الحيوان الذي
يتهافت في النار.
الثاني - صيرورة الجبال فيه كالصوف ذي الألوان، المندوف، الذي ينفش
بعضه عن بعضه.
ويلاحظ أنه تعالى وصف تغير الأحوال على الجبال من وجوه أربعة:
أولها - أن تصير قطعاً، كما قال: ﴿وَحُلَتِ اَلْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّنَا دَلَّةً وَحِدَةً
[١)﴾ [الحاقة: ١٤/٦٩].
وثانيها - أن تصير كئيباً مهيلاً، كما قال ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ
تَمُرُّ مَزَ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨/٢٧].
وثالثها - ثم تصير كالعهن المنفوش، وهي أجزاء كالذر الداخل من
النافذة.

٧٧٥
اِلُعُ (٣٠) - القَطُعَةِ: ١٠١ /١-١١
١٢٠
ورابعها - تصير سراباً، كما قال: ﴿وَسُتِّرَتِ اَلِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا
[النبأ: ٢٠/٧٨](١).
◌َّ - يقسم الناس يوم القيامة إلى قسمين بحسب ثقل موازين أعمالهم
وخفتها، فأما من رجحت حسناته على سيئاته فهو في الجنة في عيشة مرضية،
وأما من رجحت سيئاته على حسناته فهو في نار حامية شديدة الحرارة. وقوله:
﴿نَارُّ حَامِيَةٌ (3) إشارة إلى أن سائر النيران بالنسبة إلى نار الآخرة غير
حامية. وهذا القدر كاف في التنبيه على قوة سخونتها.
والموازين جمع ميزان، فيؤتى بحسنات المطيع في أحسن صورة، فإذا رجح،
فله الجنة، ويؤتى بسيئات الكافر في أقبح صورة، فيخف وزنه، فيدخل النار.
وقال المتكلمون: إن نفس الحسنات والسيئات لا يصح وزنهما، بل المراد أن
الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات توزن، أو يجعل النور علامة
الحسنات، والظلمة علامة السيئات.
قال أبو بكر رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم
الحق في الدنيا وثقله عليهم، وحقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون
ثقيلاً، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفاً.
وقال مقاتل: إنما كان كذلك؛ لأن الحق ثقيل، والباطل خفيف(٢).
(١) تفسير الرازي: ٧٢/٣٢
(٢) تفسير الرازي: ٧٣/٣٢

٧٧٦
◌ِلُعُ (٣٠) السورة (١٠٢) التَّاثِ،
بِسْمِ اللهِ الرََّى الرَّحَمَةِ
سُؤَدَّةُ التَّكَائِ
مكية، وآياتها ثمانٍ
٠
ومُ
و الهنكمـ
سميت سورة التكاثر؛ لقوله تعالى:
التفاخر بالأموال والأولاد والأعوان.
تسميتها:
ـيــ
(١) أى شغلكم
التَّكَاثر
مناسبتها لما قبلها:
أخبرت سورة القارعة عن بعض أهوال القيامة، وجزاء السعداء
والأشقياء، ثم ذكر في هذه السورة علة استحقاق النار، وهو الانشغال بالدنيا
عن الدين، واقتراف الآثام، وهددت بالمسؤولية في الآخرة عن أعمال الدنيا.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة المكية ذم العمل للدنيا فقط، والتحذير من ترك
الاستعداد للآخرة. لذا تناولت مقاصد ثلاثة:
اً - بيان انشغال الناس بملذات الحياة ومغرياتها، والغفلة حتى يأتي
١٢﴾ [الآيات: ١- ٢] .
الموت: ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَائِّرُ ﴿ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ

٧٧٧
الزُعُ (٣٠) - الشَّكَاثِ :: ١٠٢ / ١-٨
أَ - الإنذار بالسؤال عن جميع الأعمال في القيامة: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
[الآيات: ٣ -٤] .
ثُمَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
◌َّ - التهديد برؤية الجحيم يقيناً، ومجابهة أهوال النار، والسؤال عن نعيم
الدنيا: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَفِينِ ﴿ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾ ثُمَّ لَتَرَؤُنَّهَا
عَيْنَ الْيَقِينِ ﴿٣ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (®َ﴾ [الآيات: ٥-٨].
سبب نزول السورة:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن بُريْدَة في قوله: ﴿أَلَهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ
قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار، في بني حارثة وبني الحارث،
تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان بن فلان وفلان؟ وقال
الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور،
فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان؟ يشيرون إلى القبور، ومثل
فلان، وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ
(١) حَتَّى
﴾ لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل.
زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ
التفاخر في الدنيا والسؤال عن الأعمال
﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاؤُ
ثُمَّ
كَلَا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
٤
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَفِينِ جَ لَتَوُنَّ الْجَحِيمَ
ثُمَّ لَتَرَؤُنَّهَا عَيْنَ اُلْيَقِينِ ﴾ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَؤْمَئِذٍ عَنِ اٌلَّعِيمِ
٨
القراءات:
﴿لَتَرَوُنَّ﴾:
وقرأ ابن عامر، والكسائي (لَتُرَوُنَّ).

٧٧٨
الزُعُ (٣٠) - التّكَاثِ،: ١٠٢ / ١-٨
الإعراب:
5) ﴿كَلَّ﴾: حرف معناه الزجر والردع، وليس
﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
اسماً للفعل، لتضمنه معنى ارتدع، كما أن (صه) اسم فعل لدلالته على
السكوت.
﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَفِينِ﴾ ﴿لَوْ﴾: حرف يمتنع به الشيء لامتناع غيره،
وجوابه محذوف، وتقديره: لو علمتم لما ألهاكم، و﴿عِلْمَ الْيَفِينِ﴾: منصوب
على المصدر.
﴿لَتَرَؤُنَّ الْجَحِيمَ ﴿) بفتح التاء، فهو فعل ثلاثي، عُدِّي إلى مفعول
واحد وهو ﴿اَلْجَحِيمَ﴾. وقرئ بضم التاء، فتكون الواو نائب فاعل،
و﴿اَلْجَحِيمَ﴾: مفعول به ثانٍ، وهو فعل رباعي، عدّي بالهمزة إلى مفعولين،
وهو في الأصل يتعدى إلى مفعول واحد؛ لأنه من رؤية العين. و﴿عَيْنَ
اُلْيَقِينِ﴾ مصدر؛ لأن رأى وعاین بمعنى واحد.
﴿لَتُسْئَلُنَّ﴾ حذف منه نون الرفع لتوالي النونات، وواو ضمير الجمع
لالتقاء الساكنين.
البلاغة:
﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاثُ (ج) خبر أريد به التذكير والتوبيخ واللوم.
﴾ التكرار للتهديد
ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
٣
{كَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
للتنبيه على أن الثاني أبلغ من الأول.
والإنذار، وعطف بـ
﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اُلْيَقِينِ﴾ حذف جواب ﴿لَوْ﴾ للتهويل والتفخيم، أي
لرأيتم ما يدهش ويفزع.
﴿لَتَرَوُنَّ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَؤُنَّهَا﴾ إطناب بتكرار الفعل، لبيان شدة الهول.

٧٧٩
الُ (٣٠) - التَّكَاثِ :: ١٠٢ / ١-٨
(٣) كناية، كَّى بزيارة القبور عن الموت، أي حتى
﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ
ويُ
مُتُّم.
﴿الَّعِيمِ﴾ ﴿الْجَحِيمَ﴾ طباق.
﴿تَعْلَمُونَ﴾، ﴿اَلْيَقِينِ﴾ توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات، وكذا
بين ﴿اَلْجَحِيمَ﴾ و﴿النَّعِيمِ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿أَلْهَنَكُمُ﴾ شغلكم، واللهو: الانصراف إلى ما يدعو إليه الهوى.
﴿ اَلْتَّكَاثُرُ﴾ التفاخر بالأموال والأولاد والرجال. ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ
٢
أي حتى مُتّم ودفنتم في القبور. ﴿كَلَّا﴾ ردع وزجر. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ سوء
عاقبة تفاخركم عند النزع وفي القبر وفي الآخرة .﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ﴾
علم الأمر المتيقن، أي لو علمتم يقيناً عاقبة التفاخر ما اشتغلتم به. والعلم
اليقيني: ما نشأ عن اعتقاد مطابق للواقع عن عيان أو دليل قطعي ثابت، دلّ
عليه العقل الصحيح أو النقل الثابت عن النبي تليق.
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (4) النار، جواب قسم محذوف أكد به الوعيد،
للتفخيم.﴿ثُمَّ لَتَرَؤُنَّهَا﴾ تأكيد. ﴿عَيْنَ اُلْيَقِينِ﴾ أي عياناً هي اليقين نفسه.
﴿ثُمَّ لَتُشْشَلُنَّ يَؤْمَيِدٍ﴾ يوم رؤية الجحيم. ﴿عَنِ النَّعِيمِ﴾ ما يلتذ به في الدنيا
من الصحة والفراغ والأمن والطعام والشراب وغير ذلك.
سبب النزول:
تقدم سبب نزول السورة عن ابن أبي حاتم. وأخرج ابن جرير عن علي
قال: كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾﴾ إلى ﴿ثُمَّ
كَلَا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
في عذاب القبر.

٧٨٠
لُعْ (٣٠) - الشّكَاثر: ١٠٢ / ١-٨
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن الشِّخِّير قال:
انتهيت إلى رسول الله وَله، وهو يقول: ((﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاثُّرُ ج) يقول ابن
آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت،
أو تصدقت فأمضيت)).
وقال مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وَى: ((يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو
لبس فأبلى، أو تصدق فأمضى، وما سوى ذلك فذاهب، وتاركه للناس)).
التفسير والبيان:
حََّ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾﴾ أي شغلكم التفاخر
﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكائُ (@)
والتباهي بالأموال والأولاد والأعوان، والاعتناء بكثرتها وتحصيلها، شغلكم
عن طاعة الله والعمل للآخرة، حتى أدرككم الموت، وأنتم على تلك الحال.
أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك قال: قال
رسول الله وَله: ((يَتْبعُ الميتَ ثلاثة، فيرجع اثنان، ويبقى معه واحد: يتبعه
· أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله)) .
وأخرج أحمد وصاحبا الصحيحين عن أنس أن النبي ◌ُّ قال: ((يهرم ابن
آدم، ويبقى معه اثنتان: الحرص والأمل)).
أما زيارة القبور فمباحة بالآداب الشرعية، بأن يبدأ الزائر السلام على
صاحب القبر عند رأسه، ثم يتجه إلى القبلة ويدعو الله عز وجل بالرحمة
والمغفرة للميت ولنفسه وللمسلمين، أخرج ابن ماجه عن ابن مسعود: أن
رسول الله ◌َ﴾ قال: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور، فإنها
تُزهّد في الدنيا، وتُذكِّر الآخرة» وهو صحيح، وأخرج الحاكم في صحيحه عن
أنس رضي الله عنه أن رسول الله وَ الر قال: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا