النص المفهرس
صفحات 721-740
٧٢١ الجُزُ (٣٠) - القَدْرِ: ٩٧ / ١-٥ معنى نزول القرآن في ليلة القدر: معنى نزول القرآن في ليلة القدر، مع العلم بأنه نزل منجَّماً مقسَّطاً على مدى ثلاث وعشرين سنة: أنه ابتدأ إنزاله ليلة القدر؛ لأن بعثة النبي كانت في رمضان. وذلك لأن الله تعالى قال في هذه السورة: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ وقال في سورة الدخان: ﴿حَمّ ﴾ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿ أَمْرًّاً مِّنْ رَحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: ٤٤ /١- ٦] . وأما قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدِّى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥/٢] فمعناه أنه ابتدأ نزول القرآن في شهر رمضان المبارك. وأما آية الأنفال: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ اُلْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَفَى اٌلْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١/٨] فلا تعني تحديد موعد نزول القرآن، وإنما تذكّر المؤمنين بما أنزل على محمد نَله يوم بدر في السابع عشر من رمضان من الآيات المتعلقة بأحكام القتال، والملائكة، والنصر. وسمي يوم بدر يوم الفرقان لأنه فرق فيه بين الحق والباطل. بدء نزول القرآن وفضائل ليلة القدر وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿ لَيْلَةُ اُلْقَدْرِ ﴿إِنَّا أَنَزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ٤ تَغَزَّلُ الْمَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيَهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّن كُلِّ أَمْيِ ٣ ٥ سَلَمَّ هِىَ حَتَّى مَطَلَعِ اٌلْفَجْرِ ٧٢٢ لُعُ (٣٠) - القَدْرِ: ٩٧ / ١-٥ القراءات: ﴿مَطْلَعِ﴾: وقرأ الكسائي (مطلع). الإعراب: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ﴾ يراد بالهاء القرآن، وأضمره وإن لم يجر له ذكر، للعلم به. (جـ) فيه صفة محذوفة، تقديره: خير ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ من ألف شهر، لا ليلة قدر فيه، فحذف الصفة. ﴿َسَلَمُ هِىَ﴾ ﴿هِىَ﴾: مبتدأ، و﴿سَلَمُ﴾: خبره المقدم. ﴿حَتَّى مَطْلَعِ اٌلْنَجْرِ﴾ أي إلى مطلع الفجر. ويقرأ أيضاً ﴿مَطْلَعَ﴾ بكسر اللام، والقياس هو الفتح؛ لأنه من طلَع يطلُّع، بضم عين المضارع، والكسر على خلاف القياس. البلاغة: لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ إطناب لذكرها ثلاث مرات، للتفخيم وزيادة العناية بها. ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ اُلْقَدْرِ (٣) استفهام بقصد التفخيم والتعظيم. ﴿فَنَزَُّ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ ذكر الخاص بعد العام، ذكر جبريل بعد الملائكة، للتنويه بقَدْره. (الْقَدْرِ﴾، ﴿شَهْرٍ﴾، ﴿أَمْيِ﴾، ﴿اُلْفَجْرِ﴾ سجع مرصع: وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿أَنَزَلْنَهُ﴾ القرآن، أضمره من غير سابقة ذكر له، للعلم به، والشهادة ٧٢٣ الُ (٣٠) - القَدْرِ: ٩٧ / ١-٥ بأنه غني عن التصريح والتعريف، وقد عظّمه بإسناد إنزاله إليه، وعظّم الوقت الذي نزل فيه بقوله: ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ اُلْقَدْرِ ﴿أَنَزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي ابتدأ إنزاله فيها، أو أنزله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا على السفرة الكرام البررة، ثم كان جبريل ينزل به على رسول الله و 18 منجّماً مقسطاً على التدريج في ثلاث وعشرين سنة. قال ابن العربي: وهذا باطل؛ ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد عليهما السلام واسطة. ﴿ وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا لَيْلَهُ اُلْقَدْرِ (٣)﴾ أي ما أعلمك يا محمد ما هذه الليلة؟ والاستفهام لتعظيم شأنها، وسميت بذلك لشرفها، أو لتقدير الأمور فيها، كما قال تعالى: ﴿فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: ٤٤ / ٤] . ٤ ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليس فيها ليلة قدر، فالعمل الصالح فيها خير منه في ألف شهر ليست فيها . ﴿نَزَّلُ﴾ أي تتنزل إلى الأرض أو السماء الدنيا، أو تقربهم إلى المؤمنين . ﴿وَالرُّوحُ﴾ جبريل عليه السلام. ﴿فِيهَا﴾ في الليلة .﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ بأمره. ﴿مِّن كُلِّ أَمْرِ﴾ أي كل أمر قضاه الله فيها لتلك السنة إلى قابل، وقوله: ﴿مِّن﴾ سببية، بمعنى الباء، أي من أجل كل أمر قدّر في تلك السنة. والآية: ﴿نَنَزَّلُ﴾ لبيان سبب تفضيلها على ألف شهر. ﴿سَلَمُ هِىَ﴾ أي ما هي إلا سلامة، والمعنى: لا يقدر الله فيها إلا السلامة، وأما في غيرها فيقضي بالسلامة والبلاء، أو لكثرة سلام الملائكة فيها على كل مؤمن ومؤمنة . ﴿حَتَّى مَطْلَعِ اٌلْفَجْرِ﴾ أي إلى وقت مطلعه أو طلوعه. سبب النزول: نزول الآية (١): أخرج الترمذي والحاكم وابن جرير عن الحسن بن علي أن ليلة القدر خير ٧٢٤ لُعُ (٣٠) - القَدْرِ: ٩٧ / ١-٥ من ألف شهر، ونزول السورة هي بسبب ما ساءه من حكم بني أمية الذي دام ألف شهر، ولكنه حديث غريب ومنكر جداً. وأخرج ابن أبي حاتم والواحدي عن مجاهد: أن رسول الله وَلّ ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴿﴿ وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا لَيْلَةُ اُلْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٤) التي لبس ذلك الرجل السلاح فيها في سبيل الله. نزول الآية (٣): أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، فعمل ذلك ألف شهر، فأنزل الله: عملها ذلك الرجل. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ التفسير والبيان: (4) أي إننا نحن الله بدأنا إنزال القرآن في ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ اٌلْقَدْرِ ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى ﴾ [الدخان: ٣/٤٤] وهي في شهر رمضان؛ ٣ لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ لقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥/٢]. ثم أتممنا إنزاله بعد ذلك منجماً في ثلاث وعشرين سنة بحسب الحاجة وما تقتضيه الوقائع والحوادث، تبياناً للحكم الإلهي فيها. قال الزمخشري رحمه الله: عظّم الله القرآن من ثلاثة أوجه: أحدها - أن أسند إنزاله إليه، وجعله مختصاً به دون غيره، والثاني - أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه، والثالث - الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه (١). (١) الكشاف: ٣٥١/٣ ٧٢٥ الُءُ (٣٠) - القَدْرِ: ٩٧ / ١-٥ ثم ذكر الله تعالى فضائل تلك الليلة، فقال: ٣ اً - ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ و ﴿ لَيْلَهُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ أي وما أعلمك ما ليلة القدر؟ وهذا لتفخيم شأنها وتعظيم قدرها، وبيان مدى شرفها، وسميت بذلك؛ لأن الله تعالى يقدر فيها ما شاء من أمره إلى السنة القابلة، أو لعظيم قدرها وشرفها. قال الزمخشري: معنى ليلة القدر: ليلة تقدير الأمور وقضائها، من قوله تعالى: ﴿فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: ٤/٤٤] . وقدرها أيضاً: أن العمل فيها، وهي ليلة واحدة، خير من العمل في ألف شهر. أخرج الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما حضر رمضان قال رسول الله وَلـ: ((قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم)). وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله بَ ل# قال: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه)) . ٣َ - ﴿فَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّن كُلِّ أَمْرِ ﴾ أي تهبط الملائكة وجبريل من السماوات إلى الأرض بكل أمر ومن أجل كل أمر قدِّر في تلك الليلة إلى قابل، قال النبي ◌ََّ: ((إن الله يقدِّر المقدَّر في ليلة البراءة، فإذا كان ليلة القدر يسلِّمها إلى أربابها)). ولا يفعلون شيئاً إلا بإذن الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا نَشَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤/١٩]. والروح: هو جبريل عليه السلام، خصّ بالذكر لزيادة شرفه، فيكون من باب عطف الخاص على العام. ومن فوائد نزول الملائكة: أنهم يرون في الأرض من أنواع الطاعات ما لم ٧٢٦ الجُرُ (٣٠) - القَدْرِ: ٩٧ / ١-٥ يروه في سكان السماوات، ويسمعون أنين العصاة الذي هو أحب إلى الله من زجل المسبّحين، فيقولون: تعالوا نسمع صوتاً هو أحب إلى ربنا من تسبيحنا. ولعلَّ للطاعة في الأرض خاصية في هذه الليلة، فالملائكة أيضاً يطلبونها طمعاً في مزيد الثواب، كما أن الرجل يذهب إلى مكة لتصير طاعاته هناك أکثر ثواباً. مَّ - ﴿سَلَمُ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ اُلْفَجْرِ ﴾﴾ أي هذه الليلة المحفوفة بالخير بنزول القرآن وشهود الملائكة، ما هي إلا سلامة وأمن وخير وبركة كلها، لا شرَّ فيها، من غروب الشمس حتى وقت طلوع الفجر، يستمر فيها نزول الخير والبركة، ونزول الملائكة بالرحمة فوجاً بعد فوج إلى طلوع الفجر. فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: اً - بدأ نزول القرآن العظيم في ليلة القدر من ليالي رمضان المبارك. أَ - ليلة القدر هي ليلة الشرف والتعظيم، وليلة الحكم والتقدير، يقدِّر الله فيها ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة؛ من أمر الموت والأجل والرزق وغيره، ويسلِّمه إلى مدبِّرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبرائيل عليهم السلام. ـّ - العمل في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر. ٤ - تهبط الملائكة من كل سماء، ومن سِذْرة المنتهى، وجبريل حيث مسكنه على وسطها إلى الأرض، ويؤمِّنون على دعاء الناس، إلى وقت طلوع الفجر. وهم ينزلون في ليلة القدر بأمر ربهم من أجل كل أمر قدّره الله وقضاه في تلك ٧٢٧ الُ (٣٠) - القَدْرِ: ٩٧ / ١-٥ السنة إلى قابل، كما قال ابن عباس: وهذه الآية دالة على عصمة الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤/١٩] وقال سبحانه: [الأنبياء: ٢٧/٢١]. ٧ ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ ٥ - تلك الليلة ليلة أمن وسلام، وخير وبركة من الله تعالى، فلا يقدّر الله في تلك الليلة إلا السلامة، وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا والسلامة، وهي ليلة ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة. وليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً ولا أذى. وهي خير كلها، ليس فيها شر إلى مطلع الفجر. والخلاصة: اشتملت هذه الليلة على الخيرات والبركات وتقدير الأرزاق، والمنافع الدينية والدنيوية. يؤيد هذا ما أخرجه الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت أن رسول الله وَليه قال: ((ليلة القدر في العشر البواقي، من قامهن ابتغاء حسبتهن، فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهي ليلة وتر: تسع أو سبع أو خامسة أو ثالثة أو آخر ليلة)). تعيين ليلة القدر: الذي عليه أكثر العلماء أنها ليلة سبع وعشرين من رمضان، كل عام؛ لحديث زِرّ بن حُبَيش الذي أخرجه مسلم والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، قال: قلت لأبيّ بن كعب: إن أخاك عبد الله بن مسعود يقول: من يَقُمِ الحول يُصِب ليلة القدر، فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن! لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين؛ ولكنه أراد ألا يتكل الناس، ثم حلف لا يستثني(١): أنها ليلة سبع وعشرين. قال: قلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالآية التي أخبرنا بها رسول الله وَله، أو بالعلامة: أن الشمس تطلع يومئذ لا شعاع لها. (١) أي جزم في حلفه بلا استثناء فيه، بأن يقول عقب يمينه: إن شاء الله .. ٧٢٨ الجُوعُ (٣٠) - القَدْرِ: ٩٧ / ١-٥ والجمهور على أن هذه الليلة باقية في كل عام، ومختصة برمضان. أماراتها أو علاماتها: من علاماتها أن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها. روى أبو داود الطيالسي عن ابن عباس أن رسول الله وسلم قال في ليلة القدر: «ليلة سَْحة طَلْقة، لا حارّة ولا باردة، وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء)). وروى ابن أبي عاصم النبيل بإسناده عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله وَله قال: ((إني رأيت ليلة القدر، فأُنسيتها، وهي في العشر الأواخر من لياليها، وهي طَلْقة بَلْجَة، لا حارّة ولا باردة، كأن فيها قمراً، لا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها)) . وروي أن النبي رَّ خرج ليخبر عن ليلة القدر، فوجد رجلين يتنازعان، فنسي الخبر. الحكمة في إخفائها بين الليالي: الحكمة في إخفاء ليلة القدر كالحكمة في إخفاء وقت الوفاة، ويوم القيامة، حتى يرغب المكلف في الطاعات، ويزيد في الاجتهاد، ولا يتغافل، ولا يتكاسل، ولا يتكل. ومن الإشفاق أيضاً ألا يعرفها المكلف بعينها لئلا يكون بالمعصية فيها خاطئاً متعمداً. وإذا اجتهد العبد في طلب ليلة القدر بإحياء الليالي المظنونة، باهى الله تعالى ملائكته، ويقول: كنتم تقولون فيهم: ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠/٢] فهذا جِدُّهم في الأمر المظنون، فكيف لو جعلتها معلومة لهم؟ فهنالك يظهر سرّ قوله: ﴿إِنِّيِّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾. فضائلها: أوجز الله تعالى كما تقدم بيان فضائلها بقوله سبحانه: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ ٧٢٩ لِلُعُ (٣٠) - القَدْرِ: ٩٧ / ١-٥ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) وقوله تعالى: ﴿نَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيَهَا﴾. والآية الأولى فيها بشارة عظيمة وفيها تهديد عظيم، أما البشارة: فهي أنه تعالى ذكر أن هذه الليلة خير، ولم يبين قدر الخيرية. وأما التهديد: فهو أنه تعالى توعد صاحب الكبيرة بالدخول في النار، وأن إحياء مئة ليلة من القدر، لا يخلصه عن ذلك العذاب المستحق، بتطفيف حبة واحدة، فدلّ ذلك على تعظيم حال الذنب والمعصية(١). وفي الصحيحين عن أبي هريرة كما تقدم: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدّم من ذنبه)) . وقال الشعبي: وليلُها كيومها، ويومها كليلها. وقال الفرّاء: لا يقدر الله في ليلة القدر إلا السعادة والنعم، ويقدِّر في غيرها البلايا والنقم. وقال سعيد بن المسيب في الموطأ: من شهد العِشاء من ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها. ومثله ومثل ما تقدمه لا يُدْرَك بالرأي. (١) تفسير الرازي: ٣١/٣٢ ٧٣٠ لُ (٣٠) السورة (٩٨) البَيَّنَةِ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحـ سُورَةُ الْبَّيْنَةِ مكية، وهي ثمان آيات تسميتها: سميت سورة البيِّنة؛ لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّيْنَ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ الْبِيِنَةُ ﴾﴾ أي مفارقين ما هم عليه من الكفر، منتهين زائلين عن الشرك، حتى تأتيهم الحجة الواضحة، وهي ذلك الْمُزَلُ الذي يتلوه رسول الله وََّ، وتسمى أيضاً سورة ; ﴿الْرِيَّةِ﴾، أو: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ .. مناسبتها لما قبلها: هذه السورة كالعلة لما قبلها، فكأنه لما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ اُلْقَدْرِ ج) قيل: لم أُنزل القرآن؟ فقيل: لأنه لم يكن الذين كفروا منفكّين عن كفرهم، حتى تأتيهم البينة، فهي كالعلة لإنزال القرآن، المشار إليه في سورة القدر المتقدمة. ما اشتملت عليه السورة: هذه السورة المدنية تحدثت عن الأمور الثلاثة التالية: ١ ٧٣١ اِلُهُ (٣٠) السورة (٣٨) البَّيَّةِ) اً - بيان علاقة أهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمشركين برسالة النبي وَّة، وموقفهم منها، وإقلاعهم عن كفرهم بسببها: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِنَ مُنْفَكِينَ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ الْبَيْنَةُ [الآيات: ١- ٤] . أَ - تحديد الهدف الجوهري من الدين والإيمان، وهو إخلاص العبادة لله عز وجل: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اٌلِينَ حُتَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ [الآية: ٥] . ۵ وَيُؤْثُواْ الزَّكَوَةً وَذَلِكَ دِيْنُ اٌلْقِيِّمَةِ ◌َّ - توضيح مصير كل من الكفار المجرمين الأشقياء شر البرية، والمؤمنين الأتقياء السعداء خير البرية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [الآيات: ٦ -٨] . فضلها: أخرج الإمام أحمد عن مالك بن عمرو بن ثابت الأنصاري قال: ((لما نزلت: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِنَبِ﴾ إلى آخرها، قال جبريل: يا رسول الله! إن ربك يأمرك أن تقرئها أُبيّاً، فقال النبي وَلّ لأبيّ: إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة، قال أبيّ: وقد ذكرت ثّ يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فبكى أبيّ)). وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَ له لأبي بن كعب: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِنَبِ﴾ قال: وسماني لك؟ قال: نعم، فبكى)). وأخرج أحمد والترمذي عن أبي بن كعب قال: إن رسول الله وَّ قال لي: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ: ﴿لَمَّ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِتَبِ﴾ فقرأ فيها: ولو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه لسأل ثانياً، ولو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب ٧٣٢ لُُ (٣٠) - الْبَيْنَةِّ: ٩٨ / ١-٥ الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيراً فلن يُكْفَره)) وقال الترمذي: حسن صحيح. لا تكليف بلا بيان ولا عقوبة دون إنذار ﴿لَمْ يَكُنِّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَّكِيْنَ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ الْبِيِنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اُللَّهِ يَثْلُواْ صُحُفًّا مُطَهَّرَةٌ ﴿ فِيَهَا كُنُبٌّ قَيِّمَةٌ ﴿ وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَنْهُمُ الْبِيِّنَةُ وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اُلِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيْمَةِ الإعراب: ﴿لَّ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿ وَالْمُشْرِكِينَ﴾: معطوف على ﴿أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ و﴿ مُنْفَكِّينَ﴾: خبر كان. ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَثْلُواْ﴾ ﴿رَسُولٌ﴾: بدل مرفوع من ﴿الْبِيِّنَةُ﴾ قبله، أو على تقدير مبتدأ محذوف، تقديره هي رسول، وقرئ: (رسولاً) بالنصب على الحال. . ﴿رِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي الملة القيمة، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، ولولا هذا التقدير، لكان ذلك يؤدي إلى أن يكون ذلك إضافة الشيء إلى نفسه، وذلك لا يجوز. ﴿ مُخْلِصِينَ﴾ منصوب على الحال. البلاغة: ﴿حَّى تَأْنِيَهُمُ الْبِيِنَةُ﴾ ثم قال: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَنْلُواْ مُحُفًا مُطَهَّرَةً إجمال ثم تفصيل. ٢ ٧٣٣ اِلُعُ (٣٠) - البَيْنَةِّ: ٩٨ / ١-٥ ﴿يَتْلُواْ مُفًا مُطَهَّرَةً﴾ استعارة تصريحية في لفظ ﴿مُّطَهَّرَةٌ﴾ حيث شبه تنزه الصحف عن الباطل بطهارتها عن الأنجاس. ﴿ اَلْبِنَةُ﴾، ﴿اَلْقَيِّمَةِ﴾، ﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾، ﴿شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ توافق الفواصل، وهو من المحسنات البديعية. المفردات اللغوية: [مِنْ﴾ للبيان. ﴿أَهْلِ اُلْكِتَبِ﴾ اليهود والنصارى. ﴿ وَاُلْمُشْرِكِينَ﴾ عبدة الأوثان والأصنام . ﴿مُنْفَكِينَ﴾ منتهين عن كفرهم، زائلين عما هم عليه، مفارقين له . ﴿اَلْبِيِنَةُ﴾ الحجة الواضحة التي يتميز بها الحق من الباطل، مأخوذة من البيان: وهو الظهور، والمراد هنا: الرسول أو القرآن، فإنه مبين للحق.﴿صُحُفًا﴾ جمع صحيفة: وهي ما يكتب فيه. ﴿مُطَهَّرَةُ﴾ خالية من الباطل، مبرَّأة من الضلال والزور. ﴿فِيهَا كُنُبٌ قَيِّمَةُ (٣) في الصحف مكتوبات مستقيمة ناطقة بالحق، أي إن الرسول يتلو مضمون الكتب، وهو القرآن. ﴿ وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ اَلْكِنَبَ﴾ عما كانوا عليه، بأن آمن بعضهم بالقرآن، وكفر به بعضهم .﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَنْهُمُ الْبَيْنَةُ﴾ الدليل الواضح الدال على الحق، وهو الرسول وَيهل أو القرآن الجائي به معجزة له. ﴿وَمَّ أُمِرُوَأْ﴾ في كتبهم كالتوراة والإنجيل. ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ﴾ أي إلا أن يعبدوه، فحذفت (أن) وزيدت اللام. ﴿مُخْلِصِينَ لَّهُ الدِّينَ﴾ جاعلين الدين له وحده نقيّاً من الشرك، لا يشركون به. والإخلاص: الإتيان بالعمل خالصاً الله تعالى دون إشراك به. والدين: العبادة. ﴿حُنَفَاءَ﴾ مائلين عن الباطل والعقائد الزائغة، جمع حنيف: وهو في الأصل المائل المنحرف عن الشيء إلى غيره، والمراد هنا: المستقيمين على دين إبراهيم ودين محمد حين مجيئه . ﴿ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ دين الملة المستقيمة. ٧٣٤ لُعُ (٣٠) - الْبَّيْنَةِّ: ٩٨ / ١-٥ التفسير والبيان: أرسل الله تعالى رسوله محمداً وَلّ لجميع العالمين من الإنس والجن، ولجميع الأمم والشعوب في عصره والعصور التالية له، ولكل أهل الملل والأديان، حتى أهل الكتاب والمشركين الذين بعدوا عن الدين الصحيح، لذا قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِينَ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ الْبَيْنَةُ (٤) أي لم يكن الذين جحدوا رسالة النبي ◌ّلل وأنكروا نبوته، من اليهود والنصارى وعبدة الأصنام والأوثان من مشركي العرب وغيرهم، منتهين عما هم عليه من الكفر، مفارقين لكفرهم الموروث، حتى تأتيهم الحجة الواضحة، وهي رسول الله وقليل أو القرآن الكريم. والمراد إخبار الله تعالى عن الكفار أنهم لن ينتهوا عن كفرهم وشركهم بالله، حتى يأتيهم الرسول وَ ل﴿ وما جاء به من القرآن، فإنه بيَّن لهم ضلالتهم وجهالتهم، ودعاهم إلى الإيمان. ثم أوضح المراد بالبيِّنة فقال: فِيَهَا كُنُبٌ قَيِّمَهُ (®﴾ أي تلك البينة ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَنْلُواْ صُحُفًا مُّطَهَّرَةً هي محمد ◌َّ الذي أرسله رحمة للعالمين، يقرأ عليهم ما تتضمنه صحف القرآن، المطهرة من الخلط والكذب، والشبهات والكفر، والتحريف واللَّبْس، بل فيها الحق الصريح الذي يبين لأهل الكتاب والمشركين كل ما يشتبه عليهم من أمور الدين، وفيها الآيات والأحكام المكتوبة المستقيمة المستوية المحكمة، دون زيغ عن الحق، وإنما هي صلاح ورشاد، وهدى وحكمة، كما قال تعالى: ﴿لَّا يَأْيِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( ﴾ [فصلت: ٤٢/٤١] وقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنَزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاً. قَيِّمَا لِّسُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًّاً حَسَنًا (®َ﴾ [الكهف: ١/١٨-٢]. ٧٣٥ الُ (٣٠) - الْبَّنْتَّ: ٩٨ / ١-٥ ١٣ فِي صُحُفٍ مُكَرََّةٍ ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ طَهَّرَةِ ﴿ بِأَيْدِى سَفَرَةِ ﴿ كِرَامِ بَرَةٍ لِيَ) مَّرْفُوعَةِ ﴾ [عبس: ١٢/٨٠-١٦]. ثم أبان تفرُّق الكتابيين، فقال: ﴿ وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوْ اُلْكِنَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَنْهُمُ اَلْبِنَةُ ®﴾ أي لا تتأسف يا محمد على الكتابيين، فإن تفرقهم واختلافهم لم يكن لاشتباه الأمر عليهم، بل كان بعد وضوح الحق، وظهور الصواب، ومجيء الدليل المرشد إلى الدين الحق والبينة الواضحة وهو محمد ل﴿ الذي جاء بالقرآن موافقاً لما في أيديهم من الكتاب بنعته ووصفه، فلما بعث الله محمداً، تفرقوا في الدين، فآمن به بعضهم، وكفر آخرون، وكان عليهم أن يتفقوا على طريقة واحدة، من اتباع دين الله، ومتابعة الرسول الذي جاءهم من عند الله، مصدِّقاً لما معهم. ونظير الآية: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَثُ وَأُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (®﴾ [آل عمران: ١٠٥/٣]. وقد أعذر من أنذر، كما قال تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْبِى مَنْ حَىَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٨ / ٤٢] . وجاء في الحديث المروي من طرق: ((إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هم يا. رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)) (١). ثم وتَّهم على انحرافهم عن الهدف الجوهري من الدين، وهو إخلاص العبادة لله، فقال : (١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٣٧ ٧٣٦ لُ (٣٠) - البَّيْنَةِّ: ٩٨ / ١-٥ ﴿ وَمَّا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةً وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (جَ﴾ أي إنهم تفرقوا واختلفوا، مع أنهم لم يؤمروا في التوراة والإنجيل أو في القرآن الذي جاءهم من عند الله إلا بعبادة الله وحده، وتكون عبادتهم خالصة لا يشركون به شيئاً، ويخلصون العبادة لله عز وجل، مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، ويفعلون الصلوات على الوجه الذي يريده الله في أوقاتها، ويعطون الزكاة لمستحقيها عن طيب نفس عند حلول وقتها. وهذا الذي أمروا به يقتضي الاتحاد والاتفاق، لا الشقاق والافتراق، ولم يجئ محمد وَله إلا بمثل ما أمر به الرسل من ذلك، ومنهجه اتباع ملة إبراهيم عليه السلام الذي مال عن وثنية أهل زمانه إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله كما قال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ صِے حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣/١٦]. وذلك الدين: وهو إخلاص العبادة، وترك كل ما يعبد من دونه، وأداء الصلوات لله في أوقاتها، وبذل الزكاة للمحتاجين، هو دين الملة المستقيمة. وقوله: ﴿وَمَآ أُمِرُوَأْ﴾ أي وما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي، أي إن المشروع في حقهم مشروع في حقنا. والأولى أن يكون المراد كما ذكر الرازي: وما أمر أهل الكتاب في القرآن أو على لسان محمد له إلا بهذه الأشياء، لأن الآية على هذا التقدير تفيد شرعاً جديداً، وحمل كلام الله على ما يكون أكثر فائدة أولى، ولقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَأْنِيَهُمُ الْبَيْنَةُ﴾ أي محمد وَله، ولأن الله تعالى ختم الآية بقوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ وهو شرع محمد حَ له وهذه الآية دالة على أن التفرق والكفر فِعْلُهم بدليل قوله: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآَنْهُمُ الْبِنَةُ﴾. والمقصود من هذه الآية تسلية الرسول وَله، أي لا يحزنك أو لا يغمّنك تفرقهم، فليس ذلك لقصور في الحجة، بل لعنادهم، وهكذا كان ٧٣٧ الُ (٣٠) - الْبَّيْنَةِّ: ٩٨ / ١-٥ سلفهم، تفرقوا في السبت وعبادة العجل بعد قيام البينة عليهم، فهي عادة قديمة لهم. وقوله: ﴿لِيَعْبُدُواْ﴾ اللام في موضع (أن) أي إلا أن يعبدوا، والعرب تجعل اللام في موضع (أن) في الأمر والإرادة كثيراً، مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بُبَيِّنَ [النساء: ٢٦/٤] وقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ﴾ [الصف: ٨/٦١] وقال في الأمر: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ [الأنعام: ٧١/٦]. وبما أن الإخلاص: عبارة عن النية الخالصة، والنية معتبرة، فقد دلت الآية على أن كل مأمور به، فلا بدّ وأن يكون مَنْوياً. قالت الشافعية: بما أن الوضوء مأمور به في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦/٥] ودلت هذه الآية على أن كل مأمور يجب أن يكون مَنْوياً، فيلزم مِن مجموع الآيتين وجوب كون الوضوء مَنْوياً. وعلى هذا لا بدّ في المأمورات جْنَ النية: بأن يقصد الشخص بعمله وجه الله. أما المنهيات فإنْ تَرَكَها بدون نية لم يؤجر في تَرْكِها، وإن تركها ابتغاء وجه الله، كان مأجوراً على تركها، وأما المباحات كالأكل والنوم، فإن فعلها بغير نية لم يؤجر، وإن فعلها بقصد وجه الله والتقوي بها على الطاعة، كان له فيها أجر. واللام في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ تدل على مذهب أهل السنة حيث قالوا: العبادة ما وجبت لكونها مفضية إلى ثواب الجنة أو إلى البعد عن عقاب النار، بل لأجل أنك عبد، وهو رب، فلو لم يكن هناك ثواب ولا عقاب ألبتة، ثم أمرك بالعبادة، وجبت لمحض العبودية. وفيها أيضاً إشارة إلى أنه من عبد الله للثواب والعقاب، فالمعبود في الحقيقة هو الثواب والعقاب، في الحق واسطة. والعبادة هي التذلل، ومن زعم أنها الطاعة فقد أخطأ؛ لأن جماعة عبدوا الملائكة والمسيح والأصنام، وما أطاعوهم. والعبادة بهذا المعنى لا يستحقها إلا من يكون واحداً في ذاته وصفاته الذاتية والفعلية .. ٧٣٨ ◌ِلُ (٣٠) - البَيْنَةِّ: ٩٨ /١-٥ والإخلاص: هو أن يأتي بالفعل خالصاً لداعية واحدة، ولا يكون لغيرها من الدواعي تأثير في الدعاء إلى ذلك الفعل. وقوله: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ تنبيه على ما يجب من تحصيل الإخلاص من ابتداء الفعل إلى انتهائه، والمخلص: هو الذي يأتي بالحسن لحسنه، والواجب لوجوبه، فيأتي بالفعل مخلصاً لربه، لا يريد رياء ولا سمعة ولا غرضاً آخر، بل قالوا: لا يجعل طلب الجنة مقصوداً، ولا النجاة من النار مطلوباً، وإن كان لا بدّ من ذلك. وقالوا أيضاً: من الإخلاص: ألا يزيد في العبادات عبادة أخرى لأجل الغير، مثل الواجب من الأضحية شاة، فإذا ذبحت اثنتين: واحدة لله، وواحدة للأمير، لم يجز؛ لأنه شرك. ثم إن هذه الآية: ﴿وَمَآ أُمِرُوَأْ﴾ دليل على أن الإيمان عبارة عن مجموع القول والاعتقاد والعمل؛ لأن الله تعالى ذكر العبادة المقرونة بالإخلاص وهو التوحيد، ثم عطف عليه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم أشار إلى المجموع بقوله: ﴿وَذَالِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾(١). فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: اً - للإسلام وشارعه فضل على جميع الأمم والخلائق، فلولاه لما عرف إیمان صحیح، ولا دین حق. أَ - من هذه الفضائل والمزايا: أن أهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمشركين عبدة الأوثان والأصنام لم يصيروا منتهين عن كفرهم، مائلين أو زائلين عنه إلا بمجيء البينة وهي الحجة الواضحة، وهي محمد رَلّ بما جاء به من القرآن العظيم، حجة الله على عباده، ومعجزة رسوله مدى الحياة، وهو (١) تفسير الرازي: ٤٣/٣٢ - ٤٨ ٧٣٩ اِلُ (٣٠) - الْبَّيْنَةِّ: ٩٨ / ١-٥ الذي يتلو منه على أسماع البشر صحفاً مطهرة من الزور والشك والنفاق والضلالة، كما قال ابن عباس، وفي تلك الصحف مكتوبات مستقيمة مستوية محكمة، مستقلة بالدلائل. والصحف: القراطيس التي يكتب فيها القرآن، المطهر من النقائص، ومسّ المحدث إياه. ومعنى تلاوة الصحف: إملاؤه إياها. عن جعفر الصادق رضي الله عنه: أنه وَ لو كان يقرأ من الكتاب، وإن كان لا يكتب، ولعلّ هذا من معجزاته. ◌َّ - تقتضي الآية الأولى: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ أن أهل الكتاب منهم كافر، ومنهم مؤمن ليس بكافر. أما المشركون فلا ينقسمون هذه القسمة، وكلهم كفار؛ لأن كلمة ﴿مِنْ﴾ هنا ليست للتبعيض، بل للتبيين، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَلِبُواْ اُلْرِّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ﴾ [الحج: ٣٠/٢٢] فقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ اُلْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ بيان للذين كفروا، والمراد أن الكفار فريقان: بعضهم أهل الكتاب ومن يجري مجراهم كالمجوس، وبعضهم مشركون. وكلمة ﴿ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ وصف لأهل الكتاب؛ لأن النصارى مثلُّثة، وعامة اليهود مشبِّهة، وهذا كله شرك. ٤ - في الآية الأولى أحكام شرعية هي: أولاً - أنه تعالى فتر قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بأهل الكتاب وبالمشركين، وهذا يقتضي كون الكل واحداً في الكفر، لذا قال العلماء: الكفر كله ملة واحدة، فالمشرك يرث اليهودي وبالعكس. ثانياً - أن العطف أوجب المغايرة، فلذلك نقول: الذمي ليس بمشرك. وقال ◌َله عن المجوس فيما أخرجه الشافعي عن عبد الرحمن بن عوف: ((سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم)) فأثبت التفرقة بين الكتابي والمشرك. لكن قوله: ((غير ناكحي)) إلخ، زيادة ضعيفة. ٧٤٠ الُ (٣٠) - البَّيْنَةَّ: ٩٨ / ١-٥ ثالثاً - نبّه بذكر الكتاب على أنه لا يجوز الاغترار بأهل العلم؛ إذ قد حدث في أهل القرآن مثلما حدث في الأمم الماضية(١). ٥ - خصَّ الله تعالى أهل الكتاب بظهور التفرق فيهم دون غيرهم، وإن اشتركوا مع بقية الكفار في الكفر؛ لأنه مظنون بهم علم، فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف. ٩ - حدثت ظاهرة تفرق أهل الكتاب بعد البعثة النبوية، وذلك أنهم كانوا مجتمعين متفقين على نبوته، فلما بعث محمد وَلقر، جحدوا نبوته وتفرقوا، فمنهم من كفر بغياً وحسداً، ومنهم من آمن، كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَفَرَّقُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤/٤٢]. لا - ما أمر هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل والقرآن إلا أن يوحّدوا الله تعالى، ويخلصوا له العبادة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ﴾ [الزمر: ١١/٣٩] وأن يكونوا حنفاء، أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام المرضي وحده عند الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ اُلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩/٣] وأن يقيموا الصلاة بحدودها في أوقاتها، ويعطوا الزكاة عند حلول أجلها، وذلك الدين الذي أمروا به دين القيمة، أي الدين المستقيم، أو دين الملة القيمة، أو دين الأمة القيمة القائمة بالحق. ٨ - قوله تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الِينَ﴾ دليل على وجوب النية في العبادات؛ فإن الإخلاص من عمل القلب، وهو الذي يراد به وجه الله تعالى، لا غيره. ج - الإخلاص لبّ العبادة، جاء في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه غیري، تركته وشركه)) . (١) تفسير الرازي: ٤١/٣٢