النص المفهرس
صفحات 681-700
٦٨١ الُرُ (٣٠) - الشرح: ٩٤ / ١-٨ أسرى بدر، وعبوسه في وجه الأعمى ونحو ذلك. وقيل: المراد من قوله: ﴿وِزْرَكَ﴾ تخفيف أعباء النبوة والرسالة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، وأداء واجباتها وحفظ حقوقها، فسهل الله تعالى ذلك عليه، وحطّ عنه ثقلها، بأن صارت يسيرة له. بالنبوة وغيرها، کأن جعلتك تُذکر مع ذِگري في ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (١٦) الأذان والإقامة والتشهد والخُطبة وغيرها. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ﴾ الشدة والضعف والفقر ونحوها من المضايقات ﴿يُسْرًّا﴾ سهولة وتوفيقاً للاهتداء والطاعة، وقد قاسى النبي ◌َّ من كثير من الكفار، وعانى منهم الشدائد، ثم حصل له اليسر، بنصره عليهم. ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من أداء الرسالة وتبليغ الناس بها . ﴿ فَأَنْصَبْ﴾ اتعب في الدعاء والعبادة . ﴿فَرْغَب﴾ تضرع وتوكل، واجعل رغبتك بالله في جميع شؤونك. سبب النزول: نزول الآية (٦): ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ : نزلت لما عتَر المشركون المسلمين بالفقر. وأخرج ابن جرير عن الحسن البصري قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ مَعَ اُلْعُسْرِ يُسْرًا (٦) قال رسول الله وَله: ((أبشروا، أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين)) . التفسير والبيان: ﴿أَلَمَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾﴾ أي قد شرحنا لك صدرك لقبول النبوة، وتحمل أعبائها، وحفظ الوحي. قال الرازي: وقد استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك. والأولى أن يقال كما بينا: الاستفهام تقريري، يراد به إثبات الشرح. ٦٨٢ الجزءُ (٣٠) - الشرح: ٩٤ / ١-٨ والمراد بشرح الصدر تنويره وجعله فسيحاً وسيعاً رحيباً، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ [الأنعام: ١٢٥/٦](١). وقال أبو حيان: شرح الصدر: تنويره بالحكمة، وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه، وهو قول الجمهور، والأولى العموم لهذا ولغيره من مقاساة الدعاء إلى الله تعالى وحده، واحتمال المكاره من إذاية الكفار (٢). والأكثرون على أن الشرح أمر معنوي. وقيل: المراد بذلك شرح صدره ليلة الإسراء، كما رواه الترمذي عن مالك ابن صَعْصَعَة. قال ابن كثير: ولكن لا منافاة، فإن من جملة شرح صدره: الذي فعل بصدره ليلة الإسراء، وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضاً (٣). وروى أيضاً حديث شرح الصدر عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبي بن كعب: أن أبا هريرة كان جريئاً على أن يسأل رسول الله وَ ل عن أشياء، لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله، ما أولُ ما رأيتَ من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله وَّ جالساً، وقال: ((لقد سألت يا أبا هريرة، إني في الصحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذ بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها قط، وأرواح لم أجدها من خَلْق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلي يمشيان، حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأحدهما مسّاً، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري، ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئاً كهيئة العلقة، ثم نبذها، فطرحها، فقال له: أدخل (١) تفسير ابن كثير: ٥٢٤/٤ (٢) البحر المحيط: ٤٨٧/٨ (٣) تفسير ابن كثير، المرجع السابق. ٦٨٣ الُعُ (٣٠) - الشرح: ٩٤ / ١-٨ الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة، ثم هزّ إبهام رِجْلي اليمنى، فقال: اعْدُ واسلم، فرجَعْتُ بها أعْدُو رِقَّة على الصغير، ورحمة على الكبير)). وفي الصحيح عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة - رجلٍ من قومه: أن النبي ◌َّ قال: ((فبينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فأُتيت بطَسْتٍ من ذهب، فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا)) - قال قتادة: قلت: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني - قال: ((فاستخرج قلبي، فغُسل قلبي بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حُشِي إيماناً وحكمة)) . والخلاصة من حديث شق الصدر: إن جبريل عليه السلام أتى محمداً وَله في صغره، وشق صدره، وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علماً وإيماناً، ووضعه في صدره. وقد طعن بعضهم في هذه الرواية؛ لأن هذه الواقعة حدثت في حال الصغر، وذلك من المعجزات، فلا يجوز أن تتقدم نبوته، ولأن تأثير الغسل في إزالة أوساخ الأجسام، والمعاصي ليست بأجسام، فلا يكون للغسل فيها أثر، ولأنه لا يصح أن يملأ القلب علماً، بل الله تعالى يخلق فيه العلوم. وأجاب الإمام فخر الدين الرازي عن ذلك بأن هذا يسمى الإرهاص، وهو مقدمات النبوة وبشائرها، ومثله في حق الرسول وَل# كثير، ولا يبعد أن يكون غسل الدم الأسود من قلب الرسول # علامة للقلب الذي يميل إلى المعاصي، ويحجم عن الطاعات، فإذا أزالوه كان ذلك كالعلامة على كون صاحبه معصوماً، مواظباً على الطاعات، محترزاً عن السيئات، وأيضاً فلأن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد (١). (١) تفسير الرازي: ٢/٣٢ ٦٨٤ لُعُ (٣٠) - الشرح: ٩٤ / ١-٨ الَّذِىّ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴿َ﴾ أي خططنا عنك ما ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ كنت تتصور من وجود ذنوب ومعاصٍ أثقلت كاهلك، وأتعبت نفسك، سواء قبل النبوة أم بعدها مما تفعله خلاف الأولى، وهو لا يتفق مع سمو قدرك، ورفعة منزلتك، وعلو شأنك، كالإذن لبعض المنافقين بالتخلف عن الجهاد في موقعة تبوك، وقبول الفداء من أسرى بدر، والعبوس في وجه الأعمى. وقيل: المراد خططنا عنك حمل أعباء النبوة والرسالة، فسهلناها عليك، حتى تيسرت لك. (٤) أي جعلنا ذِكْرك مرفوعاً عالياً في الدنيا والآخرة، ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ بالنبوة وختم الرسالات بك، وإنزال القرآن العظيم عليك، وتكليف المؤمنين بالقول بعد ((أشهد أن لا إله إلا الله)): ((أشهد أن محمداً رسول الله)) سواء في الأذان أم في التشهد أم في الخطبة وغيرها، وأمرهم بالصلاة والسلام عليه، وأمر الله بطاعته، وجعل طاعته طاعة لله تعالى. قال قتادة: رفع الله ذِكْره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وروى ابن جرير عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله وَالقول أنه قال: ((أتاني جبريل، فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رَفَعتُ ذِكْرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذُكِرتُ ذُكِرتَ معي)) . وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَالر: ((سألت ربي مسألة، وددت أني لم أسأله، قلت: قد كان قبلي أنبياء، منهم من سخّرت له الريح، ومنهم من يحيي الموتى، قال: يا محمد، ألم أجدك يتيماً فآويتك؟ قلت: بلى يا ربّ، قال: ألم أجدك ضالّاً فهديتك؟ قلت: بلى يا ربّ، قال: ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أشرح لك صدرك، ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب)). . ٦٨٥ لُرُ (٣٠) - الشرح: ٩٤ / ١-٨ وبعد التذكير بهذه النعم، ذكر الله تعالى أن ذلك جارٍ على وفق سنته، من إيراد اليسر بعد العسر، فقال ردّاً على المشركين الذين كانوا يعيرون رسول الله دَلله بالفقر: (4) أي إن مع ذلك العسر ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بِسْرًا (٢َ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّا المذكور سابقاً يسراً، وإن مع الضيق فرجاً، وقد أكّد تعالى ذلك في الجملة الثانية. وفي هذا بشارة لرسول الله وَ له وتسلية له أنه سيبدل حاله من فقر إلى غنى، ومن ضعف إلى عزة وقوة، ومن عداوة قومه إلى محبتهم. والأظهر أن المراد باليسرين: الجنس، ليكون وعداً عاماً لجميع المكلفين في كل عصر، ويشمل يسر الدنيا ويسر الآخرة، ويسر العاجل والآجل. قال الفراء والزجاج: العسر مذكور بالألف واللام، وليس هناك معهود سابق، فينصرف إلى الحقيقة، فيكون المراد بالعسر في اللفظين شيئاً واحداً. وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير، فكان أحدهما غير الآخر. يؤيد ذلك ما رواه الحاكم عن ابن مسعود مرفوعاً: ((لو كان العسر في حَجَر، لتبعه اليسر حتى يدخل فيه، فيخرجه، ولن يغلب عسر يسرين، إن الله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرَا ﴾َ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ثم أمره ربه بمهام تتناسب مع مقامه ومع شكر هذه النعم السابقة واللاحقة من اليسر والظفر، فقال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ (٣)﴾ أي إذا فرغت من تبليغ الدعوة، أو من الجهاد، أو مشاغل الدنيا وعلاقاتها، فأتعب نفسك في العبادة، واجتهد في الدعاء، واطلب من الله حاجتك، وأخلص لربِّك النيّة والرغبة. وهذا دليل على طلب الاستمرار في العمل الصالح والخير والمثابرة على الطاعة؛ لأن استغلال الوقت مطلوب شرعاً، وإن الله يكره العبد البطال. ٦٨٦ لُزُ (٣٠) - الشرح: ٩٤ / ١-٨ ﴾ أي أقبل على الله، واجعل رغبتك إلى الله وحده، ﴿ وَإِلَى رَبِّكَ فَرْغَبِ وتضرع إليه راهباً من النار، راغباً في الجنة، ولا تطلب ثواب عملك إلا من الله، فإنه الجدير بالتوجه والتضرع إليه، وبالتوكل عليه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - هذه باقة أخرى من نعم الله على نبيه المصطفى وَل، بالإضافة لما ذكر في سورة الضحى السابقة، وهي: أولاً - شرح الصدر، أي جعله فسيحاً رحيباً، قوياً عظيماً لتحمل أعباء النبوة والرسالة. وثانياً - حظّ الذنوب والمعاصي التي تعد ثقيلة وكبيرة بالنسبة لقدره ومنزلته، وإلا فهي ليست ذنوباً على الحقيقة؛ لأن الأنبياء معصومون منها، ولم يسجد لصنم أو وثن قط، ولم يصدر عنه كفر أصلاً قبل النبوة. وهذا يستدعي كمال عقله وروحه، وتبرئته من الوزر الذي ينشأ عن النفس والهوى، وهو معصوم منهما. وثالثاً - رفع ذكره وإعلاء شأنه ومقامه في الدنيا والآخرة وتنزيه مقامه عن كل وصم، قال ابن عباس: يقول له: لا ذُكِرتُ إلا ذُكِرتَ معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خُطب النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلاً عَبَدَ الله جلّ ثناؤه، وصدّق بالجنة والنار وكل شيء، ولم يشهد أن محمداً رسول الله، لم ينتفع بشيء، وكان كافراً(١). (١) تفسير القرطبي: ١٠٦/٢٠ - ١٠٧ ٦٨٧ الجُزُ (٣٠) - الشرح: ٩٤ / ١-٨ اً - جعل الله تيسيراً ورحمة على العباد يسرين مع كل عسر، قال قوم: إن من عادة العرب إذا ذكروا اسماً معرَّفاً، ثم كرروه، فهو هو، وإذا نگروه فهو غيره، وهما اثنان، ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر. ◌َّ - الحثّ على المواظبة على العمل الصالح واستدامته، وعلى عمل الخير والإقبال على فعله، فعلى العاقل ألا يضيع أوقاته في الكسل والدعة، ويحرص بكل قواه على تحصيل ما ينفعه في الدارين. ٤ - التوكل على الله وحده، والرغبة إليه والتضرع لوجهه الكريم، فإنه أهل التوجه والضراعة، ولا يطلب ثواب العمل الصالح إلا منه سبحانه. قال ابن العربي: روي عن شُريح أنه مرّ بقوم يلعبون يوم عيد، فقال: ما بهذا أمرَ الشارع. وفيه نظر؛ فإن الْخَش كانوا يلعبون بالدَّرَق والْخِراب في المسجد يوم العيد، والنبي وَل ينظر. ودخل أبو بكر بيت رسول الله وَليل على عائشة وعندها جاريتان من جَواري الأنصار تغنِّيان، فقال أبو بكر: أمِزْمارة الشيطان في بيت رسول الله وَ له؟ فقال: ((دعهما يا أبا بكر، فإنه يوم عيد)). وليس يلزم الدُّؤوب على العمل، بل هو مكروه لِلْخَلْقِ(١). (١) أحكام القرآن: ١٩٣٨/٤ ٦٨٨ الُ (٣٠) السورة (٩٥) التّْرّ بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّ سُؤَةُ التّْنِ مكية، وآياتها ثمانٍ تسميتها: سميت سورة ﴿وَالِّينِ﴾؛ لأن الله تعالى أقسم في مطلعها بالتين والزيتون؛ لما فيهما من خيرات وبركات، ومنافع: ﴿وَالِّينِ وَالزَّيْتُونِ مناسبتها لما قبلها: ذكر الله تعالى في السورة المتقدمة حال أكمل الناس خَلْقاً وخُلُقاً، وأنه أفضل العالم، ثم ذكر في هذه السورة حال النوع الإنساني وما ينتهي إليه أمره من التدني ودخول جهنم إن عادى رسول الله وَل ، أو دخول الجنة إن آمن به وعمل صالحاً. ما اشتملت عليه السورة: تضمنت هذه السورة المكية بيان أمور ثلاثة متعلقة بالإنسان وعقيدته: اً - تكريم النوع الإنساني، حيث خلق الله الإنسان في أحسن صورة وشكل، منتصب القامة، سَوِيّ الأعضاء، حسن التركيب: ﴿وَالِّينِ وَالزَّْتُونِ ﴿ وَهَذَا الْبَدِ الْأَمِينِ ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِيِّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وَطُورٍ سِيِنِينَ [الآيات: ١-٤] . ٦٨٩ اِلُعُ (٣٠) - التَّيْرِجْ: ٩٥/ ١-٨ أَ - بيان انحدار مستوى الإنسان وزجّ نفسه في نيران جهنم بسبب كفره بالله تعالى ورسوله وَهه، وإنكاره البعث والنشور، بالرغم من توافر الأدلة القاطعة على قدرة الله عزّ وجلّ بخلق الإنسان في أحسن تقويم: ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ [الآية: ٥] . ف أَسْفَلَ سَفِلِينَ واستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ [الآية: ٦] . فَلَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ ◌َمِنُونٍ ٣ - إعلان مبدأ العدل المطلق في ثواب المؤمنين، وتعذيب الكافرين: ﴿فَمَا ﴾ [الآيات: ٧-٨]. ٨ أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْكَمِ الْحَكِمِينَ V يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ فضلها: أخرج الجماعة في كتبهم ومالك في موطئه عن البراء بن عازب: كان النبي وَال* يقرأ في سفره في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه. حال النوع الإنساني خَلْقاً وعملاً لَقَدْ خَلَقْنَا ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ وَطُورٍ سِينِينَ 1 ﴿وَأَلِّينِ وَاُلْزَّيْتُونِ ٤ اُلْإِنسَنَ فِيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيِّرُ مَنُونٍ أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَحَّكَمِ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ®] اٌلْحَكِمِينَ الإعراب: (٤) ﴿الْأَمِينِ﴾: إما من الأمن أي الآمن، كعليم ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ اَلْأَمِينِ بمعنى عالم، أو بمعنى المؤمِن؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَّأَ﴾ [آل عمران: ٩٧/٣] کحکیم بمعنی مُحكِم، وسمیع بمعنى مسمع. ٦٩٠ المُجُ (٣٠) - التَّيْرِّْ: ٩٥ / ١-٨ فِىّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿أَحْسَنِ﴾: صفة لمحذوف، أي في تقويم أحسن. (٣) (ما): استفهامية في موضع رفع مبتدأ، ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِأَلِدِينِ و﴿ يُكَذِّبُكَ﴾: خبره. البلاغة: ﴿ وَأَلِّينِ وَالزَّْتُونِ (٣) إن أريد موضعهما وهما الشام وبيت المقدس، فهو مجاز مرسل علاقته الحالية بإطلاق الحالّ وإرادة المحل، مثل: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَّفِى نعِیمٍ ﴾ [الانفطار: ١٣/٨٢] فالنعيم مجاز، وهو شيء معنوي يحل في الجنة، ١٣ والجنة محل له، وهو حالّ فيها، فأطلق على سبيل المجاز المرسل الذي علاقته الحالية. ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ و﴿أَسْفَلَ سَفِلِينَ﴾ بينهما طباق. ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة التوبيخ والعتاب. استفهام تقريري. ٨ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحَكَمِ الْحَكِمِينَ ﴿بِأَمَّكَمِ الْحَكِمِينَ﴾ بينهما جناس اشتقاق. ﴿ اَلْبَدِ الْأَمِينِ﴾، ﴿أَسْفَلَ سَفِلِينَ﴾، ﴿بِأَحَكَّرِ الْحَكِمِينَ﴾ سجع مرضَّع. المفردات اللغوية: (4) هما الشجرتان المعروفتان، أو الشام وبيت المقدس وَالِّينِ وَالزَّيْتُونِ موضعا إنبات هاتين الشجرتين، أو جبلان بالشام ينبتان المأكولين، قال أبو حيان: والظاهر أن التين والزيتون هما المشهوران بهذا الاسم، وفي الحديث: مدح التين، وأنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس. وقال البيضاوي: خصَّهما من بين الثمار بالقسم؛ لأن التين فاكهة طيبة، لا فضل (بقايا) لها، ٦٩١ لِلُعُ (٣٠) - الْتَّيْرِِّ: ٩٥/ ١-٨ وغذاء لطيف، سريع الهضم، ودواء كثير النفع، فإنه يلين الطبع، ويحلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل رمل المثانة، ويفتح سدّة الكبد والطحال. والزيتون فاكهة وإدام ودواء، وله دهن لطيف، كثير المنافع، مع أنه قد ينبت حيث لا دهنية فيه كالجبال. الجبل الذي كلم الله تعالى موسى عنده، وناجى عليه ﴿وَطُورٍ سِنِينَ موسى ربّه، و﴿سِينِينَ﴾ وسيناء: اسمان للموضع الذي فيه. ومعنى ﴿ سِنَ﴾: المبارك، أو الحسن بالأشجار المثمرة . ﴿اَلْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ مكة المكرمة التي كرمها الله بالكعبة، و﴿ اَلْأَمِينِ﴾: إما الآمن، أو المأمون فيه، يأمن فيه من دخله. ﴿اَلْإِنسَنَ﴾ أراد به الجنس. ﴿فِيّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ تعديل لصورته وشكله، بأن خصه بانتصاب القامة وحسن الصورة واستجماع خواص الكائنات، يقال: قوَّم الشيء تقويماً: جعله على أعدل وجه وأكمل صورة. والتقويم أيضاً: معرفة قدر الشيء وقيمته . ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ﴾ رددنا بعض أفراده، وهو الكافر، أو بعض الناس . ﴿أَسْفَلَ سَفِينَ﴾ أي جعلناه من أهل النار الذين هم أسفل من كل سافل، وقيل: هو كناية عن الهرم والضعف، وأرذل العمر (أي الخرَف) فيكون: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ استثناء منقطعاً بمعنى لكن. ﴿غَيِرُ ثَمَنُونٍ﴾ غير مقطوع عنهم، جاء في الحديث الذي أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس: ((إذا كبر العبد وضعف عن العمل، كتب له أجر ما كان يعمل في شبيبته)) . ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ أيها الكافر. ﴿بَعْدُ﴾ بعدما ذكر من خلق الإنسان في أحسن صورة، ثم رده إلى أرذل العمر، الدال على القدرة الإلهية على البعث . ﴿ بِالِدِينِ﴾ الجزاء بعد البعث والحساب، أي ما يجعلك مكذباً بالبعث، ولا جاعل ولا موجب لهذا التكذيب؟ ٦٩٢ الجُزءُ (٣٠) - الْتَّبْرَّجْ: ٩٥ / ١-٨ سبب النزول: نزول الآية (٥): ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ﴾: أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ (٤) قال: هم نفر، ردوا إلى أرذل العمر، على عهد رسول الله وَ له، فسئل عنهم حتى سفهت عقولهم، فأنزل الله عذرهم، أن لهم أجرهم الذي عملوا، قبل أن تذهب عقولهم. التفسير والبيان: ﴿وَأَلِّينِ وَالزَّيْتُونِ (٣) أي قسماً بالتين الذي يأكله الناس، وبالزيتون الذي يعصرون منه الزيت، فالمراد من التين والزيتون هذان الشيئان المشهوران، قال ابن عباس: هو تينكم وزيتونكم هذا. وهما كناية عن البلاد المقدسة التي اشتهرت بإنبات التين والزيتون. وإنما أقسم بالتين؛ لأنه غذاء وفاكهة ودواء، فهو غذاء لأنه طعام لطيف، سريع الهضم، لا يمكث في المعدة، يلين الطبع، ويقلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمِّن البدن، ويفتح مسام الكبد والطحال، وهو خير الفواكه وأحمدها. وكونه دواء لأنه يتداوى به في إخراج فضول البدن، وفي الحديث الحسن الذي رواه ابن السني وأبو نعيم عن أبي ذر، وضعفه السيوطي: ((إنه يقطع البواسير، وينفع من النِّقرس)). وكذلك الزيتون فاكهة وإدام ودواء، يعصر منه الزيت الذي هو إدام غالب لبعض أهل البلاد ودهنهم، ويدخل في كثير من الأدوية، قال تعالى: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥/٢٤]. وقالِ وَّل فيما رواه أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة وهو ضعيف: ((كلوا الزيت وادّهنوا به، فإنه من شجرة مباركة)) . ٦٩٣ الجُزءُ (٣٠) - التّْرِّجْ: ٩٥/ ١-٨ (٤) هو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه ﴿وَطُورٍ سِيِنِينَ السلام، وهو طور سيناء. أي مكة المكرمة التي كرمها الله بالكعبة ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ المشرفة، وبميلاد النبي ◌ّل وإرساله فيه، سمي أميناً لأنه آمن ومأمون فيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧/٣]. أقسم الله سبحانه بهذه المواضع الثلاثة؛ لأنها مهابط وحي الله على أولي العزم من الرسل، ومنها أضاءت الهداية للبشر. وجاء في آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء - يعني الذي كلم الله عليه موسى بن عمران - وأشرق من ساعير - يعني جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى - واستعلن من جبال فاران - يعني جبال مكة التي أرسل الله منها محمداً وَ له. وذَكَرَهم مُخْبِراً عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف منه، ثم بالأشرف منهما. ثم ذكر جواب القسم المحلوف عليه، فقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنْسَنَ فِىَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾﴾ أي أقسم بالأشياء الثلاثة المذكورة على أننا خلقنا الإنسان في أحسن صورة وأجمل شكل، منتصب القامة، سويّ الأعضاء، حسن التركيب، يأكل بيده، يتميز بالعلم والفكر والكلام والتدبير والحكمة، فصلح بذلك أن يكون خليفة مستخلفاً في الأرض كما أراد الله له. والخلاصة: خلقناه في أحسن تعديل شكلاً وانتصاباً، كما قال أكثر المفسرين. ذكر القرطبي القصة التالية التي توضح حسن تقويم الإنسان، فقال: كان عيسى بن موسى الهاشمي يحب زوجته حبّاً شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالق ثلاثاً إن لم تكوني أحسن من القمر؛ فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني! وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح، غدا إلى دار المنصور، فأخبره ٦٩٤ ◌ِلُ (٣٠) - الْتَيْرِّْ: ٩٥ / ١-٨ الخبر، وأظهر للمنصور جزءاً عظيماً، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طُلِّقت؛ إلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتاً. فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟ فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَأَلِّينِ وَالَّيْتُونِ ﴿ وَطُورِ سِيِنِينَ ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ٣) لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِىّ أَحْسَنِ تَغْوِيمِ (ج). يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسن الأشياء، ولا شيء أحسن منه. فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك. وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل: أن أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقك. ثم عقب القرطبي على هذا قائلاً: فهذا يدلك على أن الإنسان أحسن خلق الله باطناً وظاهراً، جمال هيئة، وبديع تركيب: الرأس بما فيه، والصدر بما جمعه، والبطن بما حواه، والفرج وما طواه، واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه. ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالَم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات جمع فيه(١). لكنه غفل عن هذه المقومات، وأهمل هذه الميزات، وأخذ يعمل بهواه وشهواته، لذا قال تعالى: قيل: إلى النار التي هي أسفل الدرجات ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ إن لم يطع الله ويتبع الرسل، والأولى أن يقال: رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم والضعف، والخرف ونقص العقل، بعد الشباب والقوة، وجمال النطق، وسلامة الفكر. (١) تفسير القرطبي: ١١٤/٢٠ ٠ ٦٩٥ اِلُ (٣٠) - الْتَّبْرِّجْ: ٩٥/ ١-٨ والقول الأول، أي إلى النار بسبب كفر بعض الناس هو قول الحسن ومجاهد وأبي العالية وابن زيد وقتادة، وعلى هذا يكون الاستثناء الآتي: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ استثناءً متصلاً. والقول الثاني، أي إلى أرذل العمر هو قول ابن عباس وعكرمة والضحاك والنخعي، وعلى هذا يكون الاستثناء التالي منقطعاً. وليس المعنى أن كل إنسان يعتريه هذا، بل في الجنس من يعتريه ذلك. واختار ذلك ابن جرير. ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ عَمَنُونٍ (٦) أي إلا الذين آمنوا بالله ورسله واليوم الآخر، وعملوا صالح الأعمال من أداء الفرائض والطاعات، فلهم ثواب على طاعاتهم دائم غير منقطع. والمعنى كما أشرنا على التفسير الأول وكون الاستثناء متصلاً: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ بأن جمعوا بين الإيمان والعمل في حال الاستطاعة، فلهم ثواب جزيل، ينجون به من النار أسفل السافلين، وهو الجنة دار المتقين. والمعنى على التفسير الثاني وكون الاستثناء منقطعاً وهو الراجح لدينا: لكن المؤمنين المتقين، فإن الله يكافئهم بثواب دائم غير منقطع، بسبب صبرهم على ما ابتلوا به من الشيخوخة والهرم والمواظبة على الطاعات بقدر الإمكان، مع ضعف البنية، وفتور الأعضاء، أي إنهم قد يردون إلى أرذل العمر كغيرهم، لكن لهم أجراً كبيراً دائماً على أفعالهم. قال الألوسي: المتبادر من السياق الإشارة إلى حال الكافر يوم القيامة، وأنه يكون على أقبح صورة وأبشعها، بعد أن كان على أحسن صورة وأبدعها؛ لعدم شكره تلك النعمة وعمله بموجبها(١). (١) تفسير الألوسي: ٤٧٦/٣٠ ٦٩٦ الجُزُ (٣٠) - التَّيْرِجْ: ٩٥ /١-٨ أخرج أحمد والبخاري وابن حبان عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله وَ له: ((إذا مرض العبد أو سافر، كتب الله تعالى له من الأجر مثلما كان يعمل صحيحاً مقيماً)). وفي رواية عنه: ثم قرأ مَله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيِّرُ مَنُونٍ﴾. وأخرج الطبراني عن شدّاد بن أوس قال: سمعت رسول الله وَاللّه يقول: ((إن الله تبارك وتعالى يقول: إذا ابتليت عبداً من عبادي مؤمناً، فحمدني على ما ابتليته، فإنه يقوم من مضجعه كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الربّ عزّ وجلّ: إني أنا قيَّدت عبدي هذا، وابتليته، فأجْروا له ما كنتم تُجرون له قبل ذلك)) وهو حديث صحيح. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية: إذا كَبِرِ العبد، وضعف عن العمل، كتب له أجر ما كان يعمل في شبيبته. ورأى بعضهم أن الاستثناء متصل حتى على القول الثاني، فلا يردُّ المؤمن المتقي إلى أرذل العمر، بدليل ما أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال: من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ قال: إلا الذين قرؤوا القرآن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير نحوه، فقال: من جمع القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. ثم وبَّخ الكفار على التكذيب بالجزاء بعد البعث، فقال: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾﴾ المراد: فأي شيء يلجئك بعد هذه البيانات والأدلة على قدرة الله إلى أن تكون كاذباً، بسبب تكذيب الجزاء؛ لأن كل مكذِّب بالحق فهو كاذب؟ فإذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردّك بسبب الكفر أسفل سافلين، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء؟ لقد علمت البدأة، وعرفت أن من قدر على البدأة، فهو قادر ٦٩٧ الُهُ (٣٠) - التّيْرِجْ: ٩٥/ ١-٨ على الرجعة بطريق أولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد، وقد عرفت هذا؟ ثم أگَد ما سبق بقوله: (ج) أي أما هو أحكم الحاكمين قضاءً ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَخَّكَّمِ الْحَكِمِينَ وعدلاً، الذي لا يجور ولا يظلم، ومن عدله أن يقيم القيامة، فينتصف للمظلوم في الدنيا ممن ظلمه؟! أخرج الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((فإذا قرأ أحدكم: ﴿ وَالِّينِ وَالزَّيْتُونِ ®)، فأتى على آخرها: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعَكَمِ الْحَكِمِينَ ( فليقل: بلى، ٨ وأنا على ذلك من الشاهدين)) . فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: اً - أقسم الله تعالى بمواضع ثلاثة مقدسة: هي أماكن نبات التين والزيتون، التي هي مقام الأنبياء ومهبط الوحي، وطور سيناء الذي كلم الله عليه موسى، ومكة البلد الحرام الآمن على أنه خلق جنس الإنسان في أحسن تقويم، وهو اعتداله واستواء شبابه. ثم يرد بعض النوع الإنساني أسفل سافلين، أي إلى أرذل العمر، وهو الْهَرَم بعد الشباب، والضعف بعد القوة، حتى يصير كالصبي في طوره الأول من أطوار الحياة. قال ابن العربي: ولامتنان الباري سبحانه، وتعظيم النعمة أو المنة في التين، وأنه مقتات مدخر، فلذلك قلنا بوجوب الزكاة فيه (١). (١) أحكام القرآن: ١٩٣٩/٤ ٦٩٨ الُعُ (٣٠) - التَيْ: ١/٩٥ أَ - استثنى الله تعالى الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، فإنه تكتب لهم حسناتهم، وتُمحى عنهم سيئاتهم، وهم الذين أدركهم الكِبَر، لا يؤاخذون بما عملوه في کبرهم. ◌َ - وَخ الله الكافر وألزمه الحجة بكفره بالجزاء بعد البعث بقوله فيما معناه: إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردّك إلى أرذل العمر، وينقلك من حال إلى حال، فما يحملك على أن تكذِّب بالبعث والجزاء، وقد أخبرك محمد وَله به؟ ٤ - أليس الله أتقن الحاكمين صنعاً في كل ما خلق، وأنه أحكم الحاكمين قضاءً بالحق وعدلاً بين الخلق؟! وفي هذا تقدير لمن اعترف من الكفار بالصانع القديم وهو الله تعالى. وهو وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هم أهله. ٦٩٩ الُهُ (٣٠) السورة (٩٦) الْخَلِّقِ) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ سُورَةُ الْخَلِقِّ مكية، وهي تسع عشرة آية تسميتها: سميت سورة العلق، سورة (اقرأ)، أو (القلم)؛ لأن الله سبحانه افتتحها بقوله: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ ﴿ خَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقِ ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٣). والعلق: الدم المتجمد على شكل الدودة الصغيرة. مناسبتها لما قبلها: ذكر الله تعالى في سورة (التين) أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهذا بيان للصورة، وذكر هنا أنه: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقِ ﴾﴾ وهذا بيان للمادة. وذكر تعالى في هذه السورة من أحوال الآخرة بياناً توضيحياً لما ذكر في السورة السالفة. ما اشتملت عليه السورة: هذه السورة المكية أول شيء نزل من القرآن على قلب النبي وَطهو لبيان الأمور الثلاثة التالية: اً - بيان حكمة الله في خلق الإنسان من ضعف إلى قوة، والإشادة بما ٧٠٠ لِلُحُ (٣٠) السورة (٩٦) الْخَلِّقِّ زوّده وأمره به من فضيلة القراءة ﴿آقْرأْ﴾ والكتابة ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ لتمييزه على غيره من المخلوقات: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ (®﴾ [الآيات: ١-٥]. أَ - الإخبار عن مدى طغيان الإنسان وتمرده على أوامر الله، وجحوده نعم الله عليه، وغفلته عنها رغم كثرتها في حال توافر الثروة والمال والغنى لديه، فقابل النعمة بالنقمة، وكان الواجب عليه أن يشكر ربّه على فضله، فجحد ﴾ [الآيات: ٦-٨]. النعمة وتجبّ واستكبر: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْفَيٌ ◌َّ - افتضاح شأن فرعون هذه الأمة أبي جهل الذي کان ینهى رسول الله وَر عن الصلاة، انتصاراً للأوثان والأصنام، وتوعده بأشد العقاب إن استمر على ضلاله وكفره وطغيانه، وتنبيه الرسول وَ لول إلى عدم الالتفات لما كان يتوعده به ويتهدده: ﴿أَرَوَيْتَ الَّذِى يَنْهَىِّ [الآيات: ٩-١٩] . كيفية نزول هذه السورة - حديث بدء نزول الوحي: نزل صدر هذه السورة أول ما نزل من القرآن الكريم، أما بقية السورة فهو متأخر النزول، بعد انتشار دعوته وَله بين قريش، وتحرشهم به وإيذائهم له. أخرج الإمام أحمد والشيخان (البخاري ومسلم) عن عائشة رضي الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ◌َله: الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فکان یأتي حِراء، فيتحنَّث فيه - وهو التعبّد - الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى فاجأه الوحي، وهو في غار حراء، فجاءه الْمَلَك فيه فقال: (اقرأ). قال رسول الله وَ له: ((فقلت: ما أنا بقارئ)) قال: فأخذني فغَطَّني - ضمَّني - حتى بلغ مني الْجَهْد، ثم أرسلني، فقال: (اقرأ)، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطّني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: (اقرأ)، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطّني الثالثة، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني.