النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
الْجُرُ (٣٠) - الفَجْزِّ: ٨٩ / ٢١-٣٠
أي وجاء الله سبحانه وتعالى لفصل
حَءَ رَتُكَ وَالْمَلَكَ صَفّا صَفّ
:/
القضاء بين عباده، وتصدر أوامره وأحكامه بالجزاء والحساب، وتظهر آيات
قدرته وآثار قهره، ويقف الملائكة مصطفين صفوفاً للحراسة والحفظ والهيبة.
وهذه هي الصفة الثانية من صفات ذلك اليوم.
﴿وَجِأْىَّهَ يَوْمَيِذٍ بِجَهَنَّمْ﴾ أي وكشفت للناظرين بعد غيبتها وتحجبها
[الشعراء: ٩١/٢٦] ،
عنهم، كما قال تعالى: ﴿وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ
[النازعات: ٣٦/٧٩]. وهذه هي
وقال أيضاً: ﴿وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى
الصفة الثالثة من صفات ذلك اليوم.
{يَوْمَئِذٍ يَذَكَّرُ اُلْإِنِسَنُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى، يَقُولُ يَلَيْتَنِ قَدَّمْتُ ◌ِحَاتِ
أي في ذلك اليوم يندم الإنسان على ما قدّم في الدنيا من الكفر
(٢٤)
والمعاصي، وعلى ما عمل من أعمال السوء، وكيف تنفعه الذكرى؟ أي لا
تنفعه، فقد فات الأوان، وإنما كانت تنفعه الذكرى لو تذكر الحق قبل حضور
الموت. ويقول مبيناً تذكره: يا ليتني قدمت الخير والعمل الصالح لحياتي
الأخروية الدائمة الباقية، فهي الحياة الأخيرة لأهل النار ولأهل الجنة جميعاً.
ويصح جعل اللام بمعنى الوقت، أي وقت حياتي في الدنيا.
قال الرازي: فيه دليل على أن قبول التوبة على الله لا يجب عقلاً. والواقع
أن الآية ليست في هذا الجانب، لأنه لا يلزم من عدم قبول التوبة في الآخرة
عدم قبولها في دار التكليف في الدنيا، كإيمان اليأس.
وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ: أَحَدٌ
٢٥
﴿فَيَوَمَيِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابُهُ أَحَدٌ
هذا جواب
٢٦
الشرط السابق في ﴿إِذَا دُكَّتِ﴾ أي فيومئذٍ لا يتولى أحد تعذيب العصاة
وحسابهم وجزاءهم ووثاقهم، ولا يعذب أحد مثل عذاب الله، ولا يوثق
أحد الكافرَ بالسلاسل والأغلال كوثاق الله.
وفي هذا ترغيب بالعمل الصالح والإيمان، وترهيب من الكفر والعصيان.

٦٢٢
الُعُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ /٢١-٣٠
ثم ذكر حال الإنسان المترفع عن أطماعه وملذاته وشهواته في الدنيا،
أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً
وبشارة الأبرار، فقال: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ
وَأَدْخُلِ جَنَِّ (٣)﴾ أي يقول الله للمؤمن،
٢٩
تَرْضِيَّةٌ ﴿ فَادْخُلِ فِ عِبَدِى
بذاته أو على لسان مَلَك: يا أيتها النفس الموقنة بالإيمان والحق وتوحيد الله،
التي لا يخالجها شك في صدق عقيدتها، وقد رضيت بقضاء الله وقدره،
ووقفت عند حدود الشرع، فتجيء يوم القيامة مطمئنة بذكر الله، ثابتة لا
تتزعزع، آمنة مؤمنة غير خائفة، ارجعي إلى ثواب ربك الذي أعطاك، وإلى
محل كرامته الذي منحك إياه، راضية بهذا الثواب عما عملت في الدنيا، وبما
حكم الله، ومرضية عند الله، كما قال تعالى: ﴿رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنَّهُ﴾
[البينة: ٨/٩٨] وهذه هي صفة أرباب النفوس الكاملة.
فادخلي في زمرة عبادي الصالحين، وكوني في جملتهم، وادخلي معهم
جنتي، فتلك هي الكرامة لا كرامة سواها، جعلنا الله من أهلها، والظاهر
العموم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت به الآية.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - زجر الله الناس وردعهم عن انكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها، فإن من
يفعل ذلك يندم يوم تُدَكُ الأرض ولا ينفع الندم.
أَ - وصف الله يوم القيامة بصفات ثلاث هي:
الأولى - دّ الأرض، أي زلزلتها وتحريكها بشدة تحريكاً بعد تحريك،
ومرة بعد مرة.
الثانية - مجيء أمر الله وقضائه وآياته العظيمة واصطفاف الملائكة صفوفاً،
كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَبِكَةُ
[البقرة: ٢ /٢١٠] .
١٣٢٠
وَقُضِىَ اٌلْأَمْرَّ وَإِلَى اللَّهِ تُجَعُ الْأُمُورُ

٦٢٣
الُعُ (٣٠) - الفَجْز: ٨٩ /٢١-٣٠
الثالثة - بروز جهنم وانكشافها وظهورها للناس بعد احتجابها عنهم.
◌ً - في يوم القيامة يتعظ الكافر ويتوب، كما يتعظ من حرصه على الدنيا
دون الآخرة، ولكن من أين له الاتعاظ والتوبة والمنفعة، وقد فرط فيها في
الدنيا. ويقول نادماً متأسفاً: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي
الأخيرة التي لا موت فيها.
٤ - لا يُعذّب أحد كعذاب الله، ولا يُوثق بالسلاسل والأغلال أحد
كوثاق الله، وهذه كناية ترجع إلى الله تعالى، في حق المجرمين من الخلائق،
تعني أن السلطان المطلق في الحساب والجزاء لله، ولا يخرج أحد عن قبضة الله
وسلطانه.
٥ - أما النفس الزكية المطمئنة بالإيمان والعمل الصالح وبوعد الله دون
خوف ولا فزع، فيقال لها: ارجعي إلى رضوان ربِّك وجنته، راضية بما
أعطاك الله من النعم، مرضية عند الله بما قدمت من عمل. وهذا الخطاب
والنداء يكون عند الموت أو الاحتضار، كما ذكر المفسرون، وتتمة المقالة:
فادخلي في زمرة عباد الله الصالحين، وادخلي جنتي دار الأبرار المقربين.

٦٢٤
الجُزُ (٣٠) السورة (٩٠) التُجّلدَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
سُورَةُ التَّلَدَ
مكية، وهي عشرون آية
تسميتها:
سميت سورة البلد؛ لأن الله تعالى أقسم في فاتحتها بالبلد الحرام (مكة)
الذي شرفه الله بالبيت العتيق، وجعله قبلة المسلمين، تعظيماً لشأنه.
مناسبتها لما قبلها:
ترتبط السورة بما قبلها من وجهين:
ا - ذم الله تعالى في السورة السابقة (الفجر) من أحب المال، وأكل
التراث، ولم يحض على طعام المسكين، وذكر في هذه السورة الخصال التي
تطلب من صاحب المال من فك الرقبة (إعتاق العبيد) والإطعام في يوم المسغبة
(المجاعة).
أَ - ختم الله تعالى السورة المتقدمة ببيان حال النفس المطمئنة في الآخرة،
وذكر هنا طريق الاطمئنان، وحذَّر من ضده، وهو الكفر بآيات الله ومخالفة
أوامر الرحمن.

٦٢٥
الُ (٣٠) السورة (٩٠) التَّلدَ،
ما اشتملت عليه السورة:
محور هذه السورة المكية الحديث عن سعادة الإنسان وشقاوته، ومنهجه في
اختيار أحد الطريقين. بدأت بالقسم بالبلد الحرام - مكة أم القرى، التي يأمن
الناس فيها، تنبيهاً على عظمة قدرها، سواء في حال الإحرام أو الحل،
وتنويهاً بموطن النبي ◌َّه وتعظيم تحريم إيذائه في البلد الأمين، ثم ذكرت
المقسم عليه وهو أن حال الإنسان في الدنيا في نصب وتعب: ﴿لَاَ أَقْسِمُ بِهَذَا
اَلْبَلَدِ (®َ﴾ [الآيات: ١-٤].
وأردفت ذلك بالإخبار عن خلق ذميم في الإنسان وهو اغتراره بقوته، مما
حدا بكفار مكة الذين اغتروا بقوتهم أن يعاندوا الحق، ويكذبوا رسول الله
وَلقر، وينفقوا أموالهم في المفاسد والشرور، وهو شأن المفتونين المغرورين
بمالهم وغناهم: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (@))
[الآيات: ٥-٧] .
ثم ذكّرت الإنسان بما أنعم الله عليه من العينين واللسان والشفتين وبيان
طريق الخير والشر له، واختياره أحد السبيلين بعقله وإرادته: ﴿أَلَّمْ نَجْعَل لَّهُ
عَيْنَيْنِ (®َ﴾[الآيات: ٨-١٠].
ثم أبانت للإنسان ما يعترضه من الأهوال والمصاعب يوم القيامة وطريق
اجتيازها بالإيمان والعمل الصالح وإنفاق المال في جهات البر والخير، ليكون
﴾ [الآيات: / ١١-١٨].
من الأبرار السعداء أهل اليمين: ﴿فَلَ أَقْنَحَمَ اُلْعَقَبَةَ
وقابلت ذلك بتوضيح منهج الأشقياء الفجار أهل الشمال، وهو الكفر
بآيات الله، فيتميز المؤمنون عن الكفار، ويتبين مآل الفريقين إما إلى الجنة أو
عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ
١٩
إلى النار: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِشَايَئِنَا هُمْ أَصْحَبُ اَلْمَثْئَمَةِ
[الآيات ١٩ - ٢٠].
٢٠

٦٢٦
الجزءُ (٣٠) - التَّلدَ: ٩٠ /١-٧
ابتلاء الإنسان بالتعب واغتراره بقوته وماله
وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (جَ لَقَدْ
وَأَنْتَ حِلٌ بِهَذَا الْبَدِ
﴿لََّ أُقْسِمُ بِهَذَا اُلْبَلَدِ
يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا
خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِي كَبَدٍ ﴿ أَيَحْسَبُ أَن لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ
أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَهُ أَحَدُّ
أبدًا (3)
القراءات:
﴿أَيَحْسَبُ﴾:
قرأ عاصم، وحمزة، وابن عامر (أيحسَب)، وقرأ الباقون (أيحسِب).
الإعراب:
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أن مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي أنه.
البلاغة:
﴿لَآَ أُقْسِمُ بِهَذَا اُلْبَلَدِ ﴾﴾ أي أقسم بهذا البلد، وزيادة ﴿لَا﴾ لتأكيد
الكلام وتأكيد القسم، تقول: لا والله ما قلت كذا، أي والله. وهذا
مستفيض في لغة العرب.
بينهما جناس اشتقاق، فكل من الوالد والولد
﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ
مشتق من الولاد.
﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ
استفهام إنكاري للتوبيخ، وكذا
۵
٧
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَّمْ يَرَهُ أَحَدُّ
﴿لَّ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴿ وَأَنْتَ حٌِ بِهَذَا الْبَدِ ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَ ﴿ لَقَدْ
توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات.
خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِ كَبَدٍ
-

٦٢٧
الُ (٣٠) - التَّلدَ: ٩٠ / ١-٧
المفردات اللغوية:
﴿لَاَ أُقْسِمُ﴾ أي أقسم. ﴿بِذَا الْبَلَدِ﴾ مكة. ﴿ وَأَنْتَ حِلٌ بِهَذَا الْبَدِ
٢
أي وأنت يا محمد حلال وحالّ مقيم فيه، أقسم سبحانه بالبلد الحرام، وحال
كون النبي ◌َلّ مقيماً فيه، إظهاراً لمزيد فضله، وإشعاراً بأن شرف المكان
بشرف أهله. وهذه الجملة وما بعدها اعتراض بين القسم والمقسم عليه وهو
قوله بعدئذ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِ كَبَدٍ
أي وأُقسم بكل والد كآدم أو إبراهيم وغيرهما،
﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَ لَـ
وبكل مولود من أي شيء آخر، والمراد: أن الله أقسم ببلد النبي ◌َّ الذي هو
مسقط رأسه، وحرم أبيه إبراهيم، ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولد فيه.
والتنكير للتعظيم، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦/٣]
أي بأي شيء وضعت، يعني موضوعاً عظيم الشأن.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنْسَنَ﴾ جنس الإنسان. ﴿فِى كَبَدٍ﴾ أي خلقناه مغموراً في
مكابدة المشاق والشدائد، والتعب والنصب، والإنسان لا يزال في شدائد
مبدؤها ظلمة الرحم ومضيقه، ومنتهاها الموت وما بعده، وهو تسلية وتثبيت
للرسول * مما كان يكابده من قريش، وبَعْث له على احتمال ما كان يكابد
من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته.
﴿ أَيَخْسَبُ﴾ أيظن الإنسان. ﴿أَن لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي أنه يغتر بقوته، ويعتقد
ألا أحد ينتقم منه، ولكن الله قادر عليه، كأبي الأشد بن كلدة، فإنه كان
يُبْسَط تحت قدمه أديم عكاظي، ويجذبه عشرة، فينقطع، ولا تَزِلّ قدماه.
﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالَاً لَّبَدًا (ج) أي وأنه يقول: أنفقت مالاً كثيراً، من تلبد
الشيء: إذا اجتمع، على عداوة محمد، أو سمعة ومفاخرة. ﴿أَيَحِّسَبُ أَنْ لَّمْ يَرَهُد
فيما أنفقه، فيعلم قدره، والله عالم بقدره، وأنه ليس مما يتكثر
أَحَدُ رَ
به، ومجازيه على فعله السيئ.
:

٦٢٨
الدُّءُ (٣٠) - البلد: ٩٠ /١-٧
سبب النزول:
نزول الآية (٥):
﴿أَيَحْسَبُ أَن ◌َّنْ يَقْدِرَ﴾: روي أن هذه الآية: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ
أَحَدٌ جَ﴾ نزلت في أبي الأشدّ بن كَلَدة الْجُمَحي، الذي كان مغتراً بقوته
البدنية. قال ابن عباس: كان أبو الأشدّين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالاً
كثيراً، وهو في ذلك كاذب.
نزول الآية (٦):
﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ﴾: قال مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل،
أذنب، فاستفتى النبي وَله، فأمره أن يُكَفِّر، فقال: لقد ذهب مالي في
الكفّارات والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه يحتمل أن
يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغياناً منه، أو أسفاً عليه، فيكون ندماً منه.
التفسير والبيان:
وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (®َ﴾ أي
﴿لَّ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴿ وَأَنْتَ حٌِ بِهَذَا الْبَدِ
أقسم بالبلد الحرام وهو مكة، تنبيهاً على كرامة أم القرى وشرفها عند الله
تعالى؛ لأن فيها بيته الحرام قبلة المسلمين، وهي بلد إسماعيل ومحمد عليهما
الصلاة والسلام، وفيها مناسك الحج. وقوله: ﴿لَا أَقَسِمُ﴾ قسم مؤكد وليس
نفياً للقسم، كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا،
ولا والله لأفعلن كذا.
أقسم بهذا البلد في حال كون الساكن فيها حلالاً مقيماً به، وهو محمد
وَلَّ، وكل من دخله: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧/٣] تشريفاً لك،
وتعظيماً لقدرك؛ لأنه قد صار بإقامتك فيه عظيماً شريفاً، ولا شك أن
الأمكنة تشرف بأهلها. والحل: الحلال. ورد في الحديث المتفق على صحته:

٦٢٩
الُ (٣٠) - البلد: ٩٠ /١-٧
((إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله
إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه، وإنما أُحلت لي ساعة من
نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد
الغائب)».
والمراد أن مكة عظيمة القدر في كل حال، حتى في حال اعتقاد الكفار أنك
حلال لا حرمة لك، فلا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك. وفي هذا تقريع
وتوبيخ لهم.
وأقسم بكل والد ومولود من الإنسان والحيوان، تنبيهاً على عظم آية
التناسل والتوالد، ودلالتها على قدرة الله وحكمته وعلمه.
ثم ذكر المقسم عليه، فقال:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِ كَبَدٍ ﴾﴾ أي لقد خلقنا الإنسان مغموراً بالتعب
والنصب، وفي مكابدة المشاقّ والشدائد، فهو لا يزال في تلك المكابدة بدءاً
من الولادة، إلى المتاعب المعيشية والأمراض الطارئة، ثم إلى الموت وما يتبعه
في قبره والبرزخ وآخرته من شدائد ومتاعب وأهوال.
وفيه تثبيت لرسول الله وَله، وحمله على احتمال مكائد أهل مكة، وصبره
على المشاق والمتاعب، فذلك لا يخلو منه إنسان، وفيه لوم لهم على عداوته.
ثم وبخ الإنسان على الاغترار بقوته، فقال:
﴿أَيَخْسَبُ أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾﴾ أي أيظن ابن آدم أن لن يقدر عليه،
ولا ينتقم منه أحد، فإن الله هو القادر على كل شيء.
ثم لام الإنسان على الإنفاق مراءاة، فقال:
أي أنفقت مالاً كثيراً مجتمعاً بعضه على
﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالَا لَبَدًا ﴾﴾﴾

٦٣٠
الُهُ (٣٠) - التَّلَ: ٩٠ /١-٧
بعض. والمراد أن الإنسان يقول في يوم القيامة: أنفقت مالاً كثيراً فيما كان
يسميه أهل الجاهلية مكارم، ويدعونه معالي ومفاخر.
ثم عابه على جهله، فقال:
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَّمْ يَرَهُّ أَحَدُ ﴾﴾ أي أيظن الإنسان والمدعي النفقة في سبيل
الخير أن الله سبحانه لم يطلع عليه، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين
أنفقه؟
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - أقسم الله تعالى بالبلد الحرام - مكة أم القرى، وبالوالد والمولود كآدم
وذريته، وكل أب وولده، وما يتوالده الحيوان، على أنه خلق الإنسان
مغموراً في شدة وعناء من مكابدة الدنيا.
ولله أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته لتعظيمها، والمراد تعظيم البلد الحرام
المشتمل على البيت العتيق، وكونه بلد إسماعيل ومحمد عليهما الصلاة
والسلام، ووجود مناسك الحج فيه ومنشأ كل بركة وخير، وتظل الحرمة لهذا
البلد، وإن اعتقد كفار مكة أن محمداً وَير حلال لهم، لا حرمة له.
والقسم بالوالد والولد ونسلهم؛ لأنهم أعجب ما خلق الله تعالى على وجه
الأرض؛ لما فيهم من التِبيان والنطق والتدبير، وفيهم الأنبياء والدُّعاة إلى الله
تعالى.
أَ - وبخ الله تعالى الإنسان على بعض الأفكار والاعتقادات والتصورات،
كظنه ألا قدرة لأحد عليه، وإنفاقه المال الكثير مراءاة، أو مضايقة من أداء
الواجبات المالية الخيرية، وجهله بأن الله عالم به مطلع على جميع أقواله
وأفعاله، وسائله عن ماله من أين كسبه، وفي أي شيء أنفقه؟

٦٣١
الزُ (٣٠) - البلد: ٩٠ / ٨-٢٠
إن الله قادر على كل شيء من الإنسان والحيوان والجماد والنبات، عالم
بقصد كل إنسان حين ينفق ما ينفق رياء وافتخاراً وحباً للانتساب إلى المعالي
والمكارم، أو معاداة لرسول الله وَّير، ويرى كل أحد فيما يعمل ويجني
ویکتسب وينفق.
مبدأ الاختيار وطريق النجاة في الآخرة
فَلَا
وَهَدَيْنَهُ اٌلْنَّجْدَيْنِ
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ﴿ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ
أَقْنَحَمَ اُلْعَقَبَةَ ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اُلْعَقَبَةُ ﴿﴿ فَقُّ رَقَبَةٍ ﴿١) أَوْ إِطْعَمٌ فِ يَوْمٍ ذِى
مَسْغَبٍ
ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ
يَنِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَةٍ
١٤
ءَامَنُواْ وَتَوَصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْ بِلْمَرْحَمَةِ ﴿ أُوْلَِّكَ أَصْحَبُ اٌلْيَمَنَةِ
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
٢٠
عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ
بِئَيَئِنَا هُمْ أَصْحَبُ الْمَشْئَمَةِ
دريم
القراءات:
﴿فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿ أَوْ إِطِعَمٌ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي (فكَّ رقبةً أو أَطْعَم).
{مُؤْصَدَةٌ)
قرأ أبو عمرو، وحفص، وحمزة، وخلف (مؤصدة)، وقرأ الباقون
(موصدة).
الإعراب:
﴿فَلَ أَقْنَحَمَ اٌلْعَقَبَةَ (٣)﴾ أي لم يقتحم، و(لا) في الماضي مثل (لم) في
[القيامة: ٣١/٧٥] أي لم
المستقبل، كقوله تعالى: ﴿فَلَ صَلَّقَ وَلَا صَلَّى
يصدق ولم يصلّ، وكقول الشاعر أبي خراش الهذلي:

٦٣٢
الُرُ (٣٠) - البلد: ٩٠ / ٨-٢٠
إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبدلك لا ألّا
أي لم يُلمّ.
١٤
فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿ أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ
١٣
﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اُلْعَقَبَةُ
يَكِيمًا﴾ ﴿مَا اُلْعَقَبَةُ﴾: تقديره: ما اقتحام العقبة، فحذف المضاف وأقيم
مبتدأ محذوف، تقديره:
خبر
١٣)
المضاف إليه مقامه. و﴿فَكُ رَقَبَةٍ
اقتحامها فك رقبة. ﴿أَوْ إِطْعَمٌ﴾: عطف عليه، و﴿يَتِيمًا﴾: مفعول ﴿إِطْعَمٌ﴾
وهو مصدر (أطعم) أي أن أطعم يتيماً.
﴿ثُّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ اسم كان: ضمير مستتر تقديره هو، أي ثم
كان مقتحمها من الذين آمنوا. وإنما قال ﴿ثُؤَ﴾ وإن كان الإيمان مقدماً في
الرتبة عن العمل؛ لأن ﴿ثُقَ﴾ إذا عطفت جملة على جملة لا تفيد الترتيب،
بخلاف ما إذا عطفت مفرداً على مفرد، فهي ليست هنا للتراخي في الزمان؛ إذ
شرط الأعمال الحسنة الإيمان، وإنما التراخي في الذكر والبيان.
البلاغة:
استفهام تقريري للتذكير
) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ
٨
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ
بالنعم، أي جعلنا له، وفيه مراعاة الفواصل.
(١) الاستفهام للتهويل والتعظيم. و﴿اُلْعَقَبَةُ﴾ :
﴿وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا اُلْعَقَبَةُ
استعارة تبعية لهذا العمل الشاق على النفس من حيث هو بذل مال، تشبيه
بعقبة الجبل: وهو ما صعب منه، أي إن العقبة: الطريق الوعر في الجبل،
استعير للأعمال الصالحة ذات المشقة.
استعارة، استعار النجدين لطريقي الخير
﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
والشر، أو السعادة والشقاوة، وأصل النجد: الطريق المرتفع.
﴿مَقْرَبَةٍ﴾ و﴿ مَتْرَبَةٍ﴾ جناس ناقص لتغير بعض الحروف.

٦٣٣
لُزُ (٣٠) - البلد: ٩٠ / ٨-٢٠
﴿أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْيَمَنَّةِ
﴿4﴾ ﴿أَصْحَبُ الْمَشْتَمَةِ﴾ بينهما مقابلة.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَّمْ تَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ
يبصر بهما، أي جعلنا له . ﴿وَلِسَانًا﴾ يترجم به
٨
عما يريد ضميره . ﴿ وَشَفَتَيْنِ﴾ يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق
والأكل والشرب وغيرها. ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ﴾﴾ بينا له طريقي الخير
والشر، أو السعادة والشقاوة، وأصل النجد: المكان المرتفع .﴿فَلَا أَقْنَحَمَ
﴾ فهلا اجتازها أو دخلها بسرعة وشدة، والعقبة: الطريق
اُلْعَقَبَةَ
الصعب في الجبل. والمراد: مجاهدة النفس لفعل الخير وترك الشر.
﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اُلْعَقَبَةُ (3)﴾ وما أعلمك ما اقتحام العقبة؟ والجملة
اعتراضية لتعظيم شأنها، أي لم تدر صعوبتها وثوابها . ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ
١٣
إعتاقها من الرق، أو المعاونة عليه. ﴿ذِى مَسْغَبَةٍ﴾ مجاعة. ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ قرابة
في النسب .﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ذا فقر، يقال: ترب فلان: إذا افتقر، أي أصبحت
يده ملصقة بالتراب لفقره، والمراد: هم المطروحون على ظهر الطريق قعوداً
على التراب، لا بيوت لهم. وإنما ذكر الإعتاق والإطعام لما فيهما من مجاهدة
النفس.
﴿ثُمَّ﴾ عطف على ﴿آُقْنَحَمَ﴾ و﴿ثُؤَ﴾ للترتيب الذكري لا الزماني،
والمعنى: وكان وقت الاقتحام مؤمناً. ﴿وَتَوَاصَوْا﴾ أوصى ونصح بعضهم
بعضاً. ﴿بِالصَّبْرِ﴾ على الطاعة، وعن المعصية. ﴿بِالْمَرْحَمَةِ﴾ الرحمة على الناس.
﴿ أُوْلِكَ﴾ الموصوفون بهذه الصفات. ﴿أَصْحَبُ اٌلْيَمَنَةِ﴾ اليمين، وأصحاب
طريق النجاة والسعادة. ﴿اُلْمَشْئَمَةِ﴾ الشمال، أصحاب طريق الشقاء.
﴿مُؤْصَدَهُ﴾ مطبقة مغلقة عليهم.
المناسبة:
بعد توبيخ الإنسان وذمه على طبائع غريبة وعجيبة، أقام الله تعالى الدليل

٦٣٤
لُعُ (٣٠) - البلد: ٩٠ / ٨-٢٠
على كمال قدرته بخلق الأعين واللسان والشفتين والعقل المميز بين الخير
والشر، ومنحه الخيار للإنسان ليثبت ذاتيته، ويتحرر من عبودية أهوائه
وشهواته، وليعرف البشر أنه تعالى مصدر لأفضل ما يتمتعون به من البصر
والنطق والعقل.
ثم بَيَّن الله تعالى أنه كان على الإنسان بعدئذ أن يشكر هذه النعم، ويختار
طريق الخير والسعادة، فيبادر إلى الإيمان والعمل الصالح، ومنه إعتاق أو
تحرير الرقاب، وإطعام الأيتام الأقارب والمساكين المحتاجين، والتواصي
بالرحمة على الناس، وأدى اختيار الإنسان بالتالي إلى أن يكون من أحد
الفريقين: أصحاب اليمين والسعادة ومآلهم إلى الجنة، وأصحاب الشمال
والشقاوة ومآلهم إلى النار.
التفسير والبيان:
﴿ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ﴾﴾ أي ألم أمنحك أيها
﴿أَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ
الإنسان الجاهل المغرور بقوتك، المرائي بعملك بإنفاق المال طلباً للشهرة
والسمعة، أمنحك العينين اللتين تبصر بهما، واللسان الذي تنطق به،
والشفتين اللتين تستر بهما ثغرك، وتستعين بهما على الكلام وأكل الطعام،
وجمالاً لوجهك وفمك، والمراد أنني أنا الله الذي منحتك القدرة على البصر
والنطق أو الكلام.
﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ﴾﴾ أي ألم نبين لك ونعرفك طريق الخير والشر،
فأودعنا في فطرتك السليمة أداة التمييز بينهما، وجعلنا لك من العقل والفكر
ما تستطيع به إدراك محاسن الخير، ومفاسد الشر وأبعاد كل منهما. وعبَّر عن
هذين الطريقين بالنجدين: وهما الطريقان المرتفعان، للدلالة على صعوبتهما
ووعورتهما، واحتياجهما إلى مجاهدة النفس لعبورهما بشدة وسرعة.
لذا أردفه ببيان وجوب اختيار الأفضل وشكر تلك النعم، فقال تعالى:

٦٣٥
لُُ (٣٠) - البلد: ٩٠ / ٨-٢٠
أي فهلا نشط واخترق
١٣
وَمَا أَدْرَئِكَ مَا الْعَقَبَةُ
﴿فَلَا أُقْنَحَمَ اٌلْعَقَبَةَ
الموانع المانعة من طاعة الله، من تسويل النفس واتباع الهوى والشيطان، وهلا
جاهد نفسه لاجتياز الطريق الصعب، وأي شيء أعلمك ما اقتحام العقبة؟
استفهام للتفخيم والتعظيم.
ثم أرشد إلى طريق اقتحامها فقال:
أَوْ
يَتِيمَا ذَا مَقْرَبَةٍ
١٤
﴿فَكُ رَقَبَةٍ (٣) أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْرٍ ذِى مَسْغَبَةٍ
مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةِ ﴾﴾ أي إن اقتحام العقبة ودخولها يكون بإعتاق الرقبة من
العبودية، وتخليصها من إسار الرق، أو المعاونة عليه، أو إطعام في يوم المجاعة
الذي يعز فيه الطعام اليتيم القريب: وهو الصغير الذي فقد أباه، وكان قريباً في
نسبه من المطعم، أو إطعام المسكين المحتاج الذي لا شيء له، ولا قدرة على
كسب المال لضعفه وعجزه، كأنه ألصق يده بالتراب، لفقد المال.
فمن حرر الرقبة أو أطعم اليتيم أو المسكين في يوم المجاعة، كان طائعاً لله،
نافعاً عباده، فهو من أصحاب اليمين. وهذا مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة
النفس والهوى والشيطان.
قال الصاوي على الجلالين: إنما قيّد الإطعام بيوم المجاعة؛ لأن إخراج
المال فيه أشد على النفس. وقد يستدل بقوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ
للشافعي: أن المسكين أسوأ حالاً من الفقير، وأنه قد يكون بحيث يملك
شيئاً، وإلا وقع قوله: ﴿ذَا مَتْرَةٍ﴾ تكراراً. وقد استدل أبو حنيفة بتقديم العتق
على أنه أفضل من الصدقة، وعند بعضهم بالعكس؛ لأن في الصدقة إنقاذ
النفس من الهلاك؛ فإن الغذاء قوام البدن، وأما الفك فهو تخليص من القيد
في الأغلب.
أخرج أحمد عن عُقبة بن عامر أن رسول الله وسلّم قال: ((من أعتق رقبة
مؤمنة، فهي فكاكه من النار)) . وأخرج أحمد أيضاً عن البراء بن عازب قال:

٦٣٦
المُءُ (٣٠) - البلد: ٩٠ / ٨-٢٠
((جاء أعرابي إلى رسول الله وَله، فقال: يا رسول الله، علّمني عملاً يُدخلني
الجنة، فقال: لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النَّسَمة،
وفُكَّ الرَّقَبة، فقال: يا رسول الله، أو ليستا بواحدة؟ قال: لا، إن عتق
النسمة: أن تنفرد بعِثْقها، وفُّ الرقبة: أن تُعين في عِثْقُها)).
وأخرج أحمد والترمذي والنسائي عن سَلْمان بن عامر قال: سمعت رسول الله
وَله يقول: ((الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة
وصلة)) .
(٣) أي قام
﴿ِثَُ كَانَ مِنَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِلْمَرْحَمَةِ
بالأفعال الخيرية السابقة بعد أن آمن بالله ورسوله وكتبه واليوم الآخر، فإن
هذه القربات إنما تنفع بشرط الإيمان، فكان من جملة المؤمنين العاملين
صالحاً: المتواصين بالصبر على أذى، وعلى الرحمة بهم، كما قال النبي ◌َّ في
الحديث الثابت: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم
من في السماء))(١) وفي الحديث الآخر: ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)) (٢).
والصبر يكون أيضاً على طاعة الله، وعن المعاصي، وعلى المصائب
والبلايا. والرحمة على عباد الله ترقق القلب، ومن كان رقيق القلب، عطف
على اليتيم والمسكين، واستكثر من فعل الخير بالصدقة.
ثم ذكر الله تعالى جزاء هؤلاء مبشراً بهم، فقال:
؛ أي أولئك المتصفون بهذه الصفات هم من
﴿أُوْلَئِكَ أَضْحَبُ الْيَمَنَةِ (َ
أصحاب اليمين، وهم أصحاب الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَأَصْحَبُ اَلْيَمِينِ مَآ
◌َ فِى سِدْرٍ تَخْضُودِ ﴿٣) وَطَلْحٍ مَّنْضُودِ ﴿ وَظِلِّ ◌َمْدُودِ ﴿٣ وَمَاءٍ
أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ
(١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(٢) أخرجه الشيخان والترمذي عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه.

٦٣٧
الجزء (٣٠) - البلد: ٩٠ / ٨-٢٠
مَسْگُوپٍ
وَفَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ
٣١
لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ
وَفُرُشِ مَرْفُوعَةٍ
[الواقعة: ٢٧/٥٦-٣٤].
ثم ذكر أضداد هؤلاء للمقارنة والعبرة، فقال:
عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (®َ﴾ أي
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِنَا هُمْ أَصْحَبُ اُلْمَشْهَمَةِ (بَ
والذين جحدوا بآياتنا التنزيلية والآيات الكونية الدالة على قدرتنا، هم
أصحاب الشمال، وعليهم نار مطبقة مغلقة، وأصحاب الشمال هم أهل
النار المشؤومة كما قال تعالى: ﴿ وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَآ أَصْحَبُ الشِّمَالِ ﴿٤٣ فِ سَمُومٍ
[الواقعة: ٤١/٥٦-٤٤].
٤٤
وَظِلٍ مِّنْ يَحْمُومِ ﴿١٥٣ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ
٤٣
وَحِمِیمٍ
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
وَهَدَیْنَهُ
، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ
٨
أَ - جيء بآيات ﴿أَلَمّ تَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ
للتذكير بنعم الله تعالى على الإنسان من البصر والنطق والجمال
النَّجْدَیْنِ
والعقل والفكر المميز بين الحق والباطل وبيان طريقي الخير والشر، وللدلالة
على كمال قدرة الله تعالى، ولبيان مبدأ اختيار الإنسان الإيمان والكفر أو
السعادة والشقاوة أو الخير والشر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا
(٣)) [الإنسان: ٣/٧٦].
شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا
أَ - إن هذه النعم تقتضي الشكر عليها والاستعداد للنجاة في الآخرة؛
بالإيمان والعمل الصالح الشامل للتواصي بالصبر على التكاليف الشرعية؛
بطاعة الله، وعن معصيته وعلى البلايا والمحن، والتواصي بالمرخمة على الخَلْق
أي التعاطف والتراحم، وتحرير الرقاب (العبيد) وإطعام اليتامى والأرامل
والمساكين. وإخراج المال في وقت القحط والضرورة والجوع أثقل على
النفس، وأوجب للأجر، لذا قال: ﴿ذِى مَسْغَبَةٍ﴾ كقوله: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى

٦٣٨
الُرُ (٣٠) - البلد: ٩٠ / ٨-٢٠
حُبّهِ،﴾ [البقرة: ١٧٧/٢] وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِيْنًا﴾ [الإنسان:
٨/٧٦] .
والإيمان شرط قبول هذه الأعمال الخيرية، وإنما أخر للترقية من الأدنى إلى
الأعلى، والترتيب ذِكْري، لا زماني.
وهؤلاء أصحاب اليمين أهل الجنة، وهم الذين يُؤْتَون كتبهم بأيمانهم.
ويلاحظ أنه ذكر في باب الكمال أمرين: فك الرقبة والإطعام، والإيمان،
وفي باب التكميل شيئين: التواصي بالصبر على الوظائف الدينية، والتواصي
بالتراحم، وكل من النوعين مشتمل على تعظيم أمر الله، والشفقة على خلق
الله، إلا أنه في الأول قدم جانب الخلق، وفي الثاني قدم جانب الحق(١).
٣ - ذكر الله تعالى للمقابلة والمقارنة والعظة أصحاب الشمال بعد
أصحاب اليمين، والفريق الأول هم الذين كفروا بالقرآن، وهم الذين
يأخذون كتبهم بشمائلهم، ومصيرهم إلى النار التي تطبق وتغلق أبوابها
علیھم.
(١) تفسير الرازي: ١٨٧/٣١، غرائب القرآن: ١٠٢/٣٠

٦٣٩
اِلُرُ (٣٠) السورة (٩١) الشَّمْسِ }
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
سُؤْرَةُ الشَّمْسِّ
مكية، وهي خمس عشرة آية
تسميتها:
سميت سورة الشمس لافتتاحها بالقسم الإلهي بالشمس المنيرة المضيئة
لآفاق النهار.
مناسبتها لما قبلها:
ترتبط السورة بما قبلها من وجهين:
اً - ختم الله سبحانه سورة البلد بتعريف أصحاب الميمنة وأصحاب
المشأمة، ثم أوضح المراد من الفريقين في سورة الشمس بعمل كل منهما حيث
قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنَهَا
اً - أبان الله تعالى في آخر آيات السورة السابقة مصير أو مآل الكفار في
الآخرة وهو النار، وذكر تعالى في أواخر هذه السورة عقاب بعض الكفار في
الدنيا، وهو الهلاك، فاختتمت السابقة بشيء من أحوال الكفار في الآخرة،
واختتمت هذه بشيء من أحوالهم في الدنيا.

٦٤٠
لُعُ (٣٠) - الشّمْسِّ: ٩١ / ١- ١٠
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة الكلام عن موضوعين مهمين هما :
اً - الإقسام بالمخلوقات الكونية العظيمة في العالم العلوي والسفلي وآلة
التفكر في ذلك وهو النفس على أحوال النفس الإنسانية، ودور الإنسان في
تهذيبها، وتعويدها الأخلاق الفاضلة ليفوز وينجو، أو إهمالها وتركها بحسب
هواها فيخيب.
أَ - ضرب المثل بثمود لمن دسّى نفسه وأهملها، فتمادت في الطغيان، فنزل
بها العقاب الشديد وأهلكها ودمرها عياناً في الدنيا.
والخلاصة: المقصود من هذه السورة الترغيب في الطاعات، والتحذير من
المعاصي.
جزاء إصلاح النفس وإهمالها
وَأَلَّيْلِ إِذَا
{ وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا ﴿ وَالْقَمَرِ إِذَا نَا ﴿ وَالتَّهَارِ إِذَا جََّا ◌َ
وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنِهَا
٦
﴿ وَاُلْأَرْضِ وَمَا طَهَا
يَغْشَنَهَا ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا
٧
١٠
، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنْهَا
فَهُمَهَا ثُورَهَا وَتَقْوَنَهَا ﴿® قَدْ أَفَحَ مَن زَّكَّنِهَا
الإعراب:
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا ﴾﴾ الواو الأولى واو القسم، وسائر الواوات عطف
عليها، وجواب القسم: إما مقدر، وهو لتبعثن، أو هو ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا
٩
أي لقد أفلح من زكاها، وحذفت اللام لطول الكلام. وقال
الزمخشري: تقدير الجواب: ليدمدمن الله على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله
وَ ل و كما دمدم على ثمود، أي أطبق عليهم العذاب؛ لأنهم كذبوا صالحاً، وأما
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا ج﴾ فكلام تابع لقوله: ﴿فَهَمَهَا مُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا
٨
على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.