النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
الُ (٣٠) - الغَاشِيَّةِ: ١/٨٨-٧
اً - وصف أهوال القيامة، وما يلقاه الكافر والمؤمن فيها من الشقاء
والسعادة، ووصف أهل الجنة وأهل النار.
أَ - إثبات وحدانية الله وقدرته وحكمته وعلمه بدليل خلق السماء والإبل
والجبال والأرض وغيرها من عجائب الصنعة الإلهية.
◌َّ - ختمت السورة الكريمة بخاتمة تشبه خاتمة السورة المتقدمة وهي تذكير
الناس بالرجوع إلى الله عز وجل للحساب والجزاء، وأمر الرسول و له أصالة
بالتذكير بما أنزل إليه من الشرائع والأحكام.
فضلها:
تقدم في فضل السورة السابقة ما أخرجه مسلم وأهل السنن عن النعمان
))،
بن بشير: أن رسول الله وَ ﴿ كان يقرأ بـ ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَيِّكَ اُلْأَعْلَى
والغاشية في الجمعة والعيدين. وأخرج الإمام مالك ومسلم وأبو داود
والنسائي وابن ماجه عن النعمان بن بشير أيضاً: بِمَ كان رسول الله وَ ل يقرأ
في الجمعة مع سورة الجمعة؟ قال: ﴿هَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ
هول القيامة وأحوال أهل النار
﴿هَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ الْغَيِشِيَةِ
وُجُوهٌ يَؤْمَئِذٍ خَشِمَةُ ﴿ عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ
٣
تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴿ تُتْقَى مِنْ عَيْنٍ ◌َِيَةِ ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيحِ
٧
يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِنْ جُوع
الَ
القراءات:
﴿تَصْلَى﴾ :
وقرأ أبو عمرو (تُصْلى).

٥٨٢
لُعُ (٣٠) - الغَاشِيَّة: ٨٨ /١-٧
الإعراب:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ﴾ المرفوع مبتدأ، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لوقوعه في
موضع التنويع. وقيل: لأن تقدير الكلام أصحاب وجوه، والخبر ما بعد،
والظرف متعلق به.
﴿لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِ مِنْ جُوعِ ﴿٣) صفة للطعام أو للضريع.
البلاغة:
(٤) أسلوب التشويق والتهويل، وهو
﴿هَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ
استفهام أريد به التقرير ولفت النظر إلى هذا الحديث.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَشِعَهُ ﴾﴾ أي أصحابها وهم الكفار، فهو مجاز مرسل
بإطلاق الجزء وهو الوجوه وإرادة الكل وهي الذوات.
٨
(٤) و﴿وُجُوهُ يَؤْمَيِدٍ نَاعِمَةٌ
عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ
٢
﴿وُجُوٌ يَوْمَئِذٍ خَشِعَةٌ
فيهما مقابلة بين وجوه الأبرار ووجوه الفجار.
لِسَعْبِهَا رَاضِيَةٌ
المفردات اللغوية:
﴿الْغَشِيَةِ﴾ يوم القيامة، وهي الداهية التي تغشى الناس بشدائدها
تعمل عملاً في الدنیا،
وأهوالها . (خَشِعَةٌ﴾ ذليلة. ﴿عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ
تتعب فيه وهو لا ينفعها يومئذ، أو تتعب في النار بجر السلاسل والأغلال
وخوضها، فقوله: ﴿نَصِبَةٌ﴾ تعِبة من (نصب فلان): تعب، والنَّصَبُ:
٣) [الشرح: ٧/٩٤] أي إذا
التعب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبُ
فرغت من الصلاة، فاتعب في الدعاء.﴿تَصْلَى نَارًا ﴾ تدخلها، يقال: صلي
النار: قاسى حرها، ﴿حَامِيَةً﴾ متناهية في الحر. ﴿مِنْ عَيْنٍ ،َانِيَةٍ ﴾ العين: ينبوع
الماء، والآنية: الشديدة الحرارة. ﴿ضَرِيعٍ﴾ نوع من الشوك لا ترعاه دابة؛

٥٨٣
الُ (٣٠) - الغَاشِيَّةِ: ١/٨٨-٧
لخبثه وضره وشدة مرارته، أما الرطب منه وهو الشِّبْرِق فترعاه الإبل ما دام
رطباً، والمراد: طعامهم مما تتحاماه الإبل وتتعافاه . ﴿لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِنْ
﴾ لا يتحقق به أحد هذين الأمرين المقصودين من الطعام.
التفسير والبيان:
﴿هَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ الْغَيْشِيَةِ ﴾﴾ أي هل بلغك يا محمد حديث القيامة
وعلمت خبره؟ وسميت غاشية: لأنها تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها،
والمراد: لم يأتك سابقاً حديث هذه الداهية، وقد أتاك الآن فاستمع، فلا يراد
من التعبير حقيقة الاستفهام، وإنما يراد منه تشويق السامع إلى استماعه،
وتعجيبه مما سيذكر بعده. والمعنى: قد جاءك يا محمد حديث الغاشية.
ثم ذكر أحوال الناس فيه وانقسامهم إلى فريقين: أشقياء وسعداء، وبدأ
بوصف الأشقياء؛ لأن مبنى السورة على التخويف، كما ينبئ عنه لفظ
الغاشية، فقال:
﴿وُجُوهٌ يَؤْمَئِذٍ خَشِعَةُ
أى أصحاب وجوه، والمراد
٣
عَامِلَهُ ناصِبة
٢
بالوجه الذات، أي أصحابها، وأصحاب الوجوه وهم الكفار، تكون في ذلك
اليوم ذليلة خاضعة لما هي فيه من العذاب، ونسب الخشوع والذل إلى الوجوه؛
لأن أثره يظهر عليها، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ
رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢/٣٢] وقوله: ﴿وَتَرَنَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيَّهَا
خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾ [الشورى: ٤٥/٤٢].
وقد كان أصحابها في الدنيا يعملون عملاً كثيراً، ويتعبون أنفسهم في
العبادة، ولا أجر لهم عليها؛ لما هم عليه من الكفر والضلال؛ والإيمان بالله
تعالى ورسوله ﴿ شرط قبول الأعمال. والآية في القسّيسين وعُبَّاد الأوثان
وكل مجتهد نشط في كفره (١).
(١) البحر المحيط: ٨/ ٤٦٢

٥٨٤
لُ (٣٠) - الغَاشِيَّةِ: ٨٨ /١-٧
ثم ذكر جزاء هؤلاء في يوم القيامة:
﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةٌ ﴿َ تُتْقَى مِنْ عَيْنٍ ◌َِيَةِ ﴿َ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيحِ
لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِ مِنْ جُوع (٣)﴾ أي تدخل تلك الوجوه ناراً شديدة
الحرارة، وتقاسي حرها، وتعذب بها، لخسارة أعمالها، وتسقى إذا عطشوا
من ماء عين أي ينبوع، آنية، أي متناهية في حرها، فهي لا تطفئ لهم عطشاً.
وليس لهم طعام يتغذون به إلا الضريع: وهو شوك يابس شديد المرارة
والضر، يقال له في لغة أهل الحجاز الشِّبرق إذا كان رطباً، فإذا ييس فهو
الضريع، وهو سم، وشر الطعام، وأبشعه وأخبثه.
ولا يحصل به مقصود ولا یندفع به محذور، فلا يُسمن آكله، ولا يدفع عنه
الجوع. وإنما قدم المشروب على الضريع المطعوم؛ لأن الماء لأهل النار أهم،
ويغلب عليهم العطش إذا أثر فيهم حرّ النار.
وهناك طعام آخر لأهل النار وهو الغِسْلين والزقّوم، قال تعالى: ﴿وَلَا
[الحاقة: ٣٦/٦٩] وقال: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ
طَعَامُّ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ
[الدخان: ٤٤ / ٤٣ -٤٤] .
٤٤)
طَعَامُ الْأَثِمِ
ذكر الحافظ أبو بكر البرقاني عن أبي عمران الجوني قال: مرَّ عمر بن
الخطاب رضي الله عنه بدير راهب، فناداه: يا راهب، فأشرف، فجعل عمر
ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت
قول الله عز وجل في كتابه: ﴿عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ
٣
تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً
ج) فذاك
الذي أبكاني.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
,٠

٥٨٥
الُرُ (٣٠) - الغَاشِيَّةِ: ١/٨٨-٧
اً - القيامة يوم رهيب، يغشى الناس فيه غاشية شديدة من الأهوال
والمخاوف.
اً - تكون وجوه الكفار في ذلك اليوم ذليلة بالعذاب، خاضعة للعقاب،
وقد كان أصحابها في الدنيا يعملون ويتعبون أنفسهم؛ لأن الآخرة ليست دار
عمل، مثل عبدة الأوثان وأصحاب الصوامع والرهبان وغيرهم، خشعت
وجوههم الله، وعملت ونصِبت في أعمالها من غير نفع لهم في الآخرة؛ لأن
أعمالهم مبنية على غير أساس من الدين الحنيفي القائم على التوحيد الخالص
والإخلاص الكامل لله عز وجل، والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان
خالصاً له، قال تعالى واصفاً عمل هؤلاء: ﴿قُلْ هَلْ نُبُِّهُ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْخَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (49)
كَفَرُواْ بِئَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَابِهِ، فَخِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَّا (َّ ذَلِكَ
﴾ [الكهف: ١٠٣/١٨-١٠٦].
١٠٦
جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَأَتَّخَذُوْ ءَايَتِى وَرُسُلِى هُزُوًا
◌َّ - ومكانهم هو النار الشديدة الحر، ومشروبهم هو ﴿مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ﴾ أي
من ينبوع ماء متناه في الحرارة، ومطعومهم الضريع الذي لا يسمن آكله، ولا
يدفع الجوع عنه. جاء في الخبر عن ابن عباس: (الضريع: شيء يكون في النار
يشبه الشَّوْك، أمَرُّ من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حَرّاً من النار)(١).
وقال العلماء: إن للنار دركات، وأهلها على طبقات؛ فمنهم من طعامه
الزَّقوم، ومنهم من طعامه غسلين، ومنهم من طعامه ضريع، ومنهم من
شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصّديد: ﴿لِكُلِّ بَاتٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ تَفْسُومُ﴾
[الحجر: ٤٤/١٥]. ووجود النبت في النار ليس ببدع من قدرة الله، كوجود بدن
الإنسان والعقارب والحيات فيها.
(١) تفسير القرطبي: ٣٠/٢٠

٥٨٦
اِلُحُ (٣٠) - الْغَاشِيَّةِ: ٨٨ / ٨-١٦
قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيحِ
قال المشركون على سبيل التعنت: إن إبلنا لتسمن بالضَّريع، فنزلت: ﴿لَا يُسْمِنُ
وَلَا يُغْنِى مِنْ جُوعِ ﴾﴾ أي ليس فيه منفعة الغذاء، ولا الإسمان ودفع الجوع.
وهذا دليل على أن طعامهم ليس من جنس طعام الإنس، ولکن من جنس
الشوك الذي ترعاه الإبل ما دام رطباً، فإذا يبس، نفرت عنه؛ لأنه سم قاتل.
ودليل أيضاً على تكذيب الله لهم في قولهم: ((يسَمِّن الضريعُ)) .
والخلاصة: أن وصف أحوال النار على النحو المذكور يستدعي الفرار
منه، وإبعاد النفس عن موجبات هذا العذاب، من العقيدة الفاسدة، والعمل
الخاسر، ولا عقيدة صحيحة إلا بتوحيد الله والإيمان بالقرآن والرسول محمد
وَله، ولا عمل مقبول إلا على وفق ما جاء به الإسلام. ولا أقول هذا لأني
مسلم، وإنما هذا الذي صحَّ دليله.
أحوال المؤمنين المخلصين أهل الجنة
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴿ لَا تَسْمَعُ فِهَا
﴿وُجُوهٌ يَمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ﴿ لِسَعْنِهَا رَاضِيَةٌ
٠بر٪
فِيَهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ
١٢
لَغِيَّةً ﴿ فِيَهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ
وَنَارِقُ
وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ (جـ)
وَزَرَبِىٌ مَبْتُونَةٌ
١٥
مَصْفُّوفَةٌ
القراءات:
﴿َّا تَسْمَعُ فِيَهَا لَغِيَّةً
) : قرئ:
١- (لا تُسمع فيها لاغيةٌ) وهي قراءة نافع.
٢- (لا يُسمع فيها لاغيةٌ) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو.
٣- (لا تَسمعُ فيها لاغيةً) وهي قراءة الباقين.

٥٨٧
الُرعُ (٣٠) - الغَاشِيَة: ٨/٨٨-١٦
الإعراب:
التاء للخطاب، والفعل مبني للمعلوم
﴿لَا تَسْمَعُ فِهَا لَغِيَّةٌ
(للفاعل)، و﴿لَغِيَّةٌ﴾ مفعول ﴿نَسْمَعُ﴾، و﴿لَغِيَةً﴾ مصدر كالعافية والعاقبة.
وقرئ بضم التاء ورفع ﴿لَِيَةٌ﴾ على أن الفعل مبني للمجهول (لما لم يسم
فاعله) و(لا غيةٌ) مرفوع؛ لأنه نائب فاعل . .
ومن قرأ القراءة الثانية، ذكّر اللاغية إما لأنه أراد بها اللغو، وهو مذكر،
وإما لأنه فصل بين الفعل والفاعل، مثل: حَسُن اليوم دارك، واضطرم الليلة
نارك، وحضر القاضي اليوم امرأةٌ. وإذا جاز التذكير مع المؤنث الحقيقي، فمع
غير الحقيقي أولى.
البلاغة:
(ج) سجع
فِي جَّةٍ عَالِيَةٍ ﴿ لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَغِيَةً
٩
﴿لِّسَعْبِهَا رَاضِيَةٌ
رصين غير متكلَّف.
المفردات اللغوية:
(@) أي
﴿نَاعِمَةٌ﴾ ذات بهجة وحسن، أو متنعمة. ﴿لِّسَعِيِهَا رَاضِيَةٌ
راضية في الآخرة بعملها الذي عملته في الدنيا، وهو طاعة الله، لما رأت
عالية المكان والقدر؛ لأن الجنة درجات، كما
ثوابه .﴿فِ جَنَِّ عَالِيَةٍ
أن النار دَرَكات. ﴿لَغِيَةً﴾ لغواً وهذياناً لا فائدة فيه، وكذباً وبهتاناً. ﴿عَيْنٌ
جَارِيَةٌ﴾ ينبوع ماء جارٍ ﴿سُرٌُ﴾ جمع سرير: وهو ما يجلس أو ينام عليه.
{ مَرْقُوعَةٌ﴾ رفيعة ذاتاً وقدراً ومحلاً.
﴿وَأَكْوَابٌ﴾ جمع كوب: إناء لا عروة له. ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ معدّة ومهيأة لشربهم
وبين أيديهم . ﴿وَارِقُ﴾ وسائد، جمع نمرقة - بضم النون وفتحها - وبالكسر في
لغة ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ اصطف بعضها بجنب بعض للاستناد إليها ﴿ وَزَرَابِىُّ﴾ بسط

٥٨٨
الذُّءُ (٣٠) - الْغَاشِيَة: ٨٨ /٨-١٦
فاخرة، وطنافس لها خمل، جمع زِرْبي - بكسر الزاي - أو زُرْبِيّة: وأصل
الزرابي: أنواع النبات الأحمر والأصفر والأخضر ﴿ مَبْتُوثَّةٌ﴾ مبسوطة مفرَّقة في
المجالس.
المناسبة:
بعد بيان وعيد الكفار الأشقياء، وبيان حالهم ومكانهم وطعامهم
وشرابهم، ذكر الله تعالى أحوال المؤمنين السعداء، وما وعدهم به ربهم،
واصفاً ثوابهم وأهل الثواب، ثم وصف دار الثواب، لترغيب الناس
بأعمالهم، وتشويقهم لما يلاقونه من فضل ربهم.
التفسير والبيان:
﴾ أي ووجوه يوم القيامة
لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ
٨
﴿وُجُوهٌ يَوَمَيِذٍ نَّاعِمَةٌ
ذات نعمة وبهجة ونضرة وحسن، يعرف النعيم فيها، أو متنعمة، كما قال
[المطففين: ٢٤/٨٣] وهي وجوه
٢٤٦
تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَصْرَةَ النَّعِيمِ
السعداء، لما شاهدوا من عاقبة أمرهم، وقبول عملهم، فهي لعملها الذي
عملته في الدنيا راضية، أي رضيت عملها؛ لأنها قد أعطيت من الأجر ما
ج
أرضاها، كما قال تعالى: ﴿رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [البينة: ٨/٩٨].
والخلاصة: أن الله تعالى وصف أهل السعادة والثواب بوصفين:
أحدهما - في ظاهرهم وهو قوله: ﴿نَاعِمَةٌ﴾ أي ذات بهجة وحسن، أو
متنعمة.
والثاني - في باطنهم وهو قوله: ﴿لِّسَعْبِهَا رَاضِيَةٌ
ثم وصف دار الثواب وهي الجنة بسبعة أوصاف:
٩

٥٨٩
الزرعُ (٣٠) - الغَاشِيَّة: ٨/٨٨-١٦
· أي إن أصحاب
أَ - أَّ - ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴿ لَّا تَسْمَعُ فِيَهَا لَغِيَةً
الوجوه الناعمة وهم المؤمنون السعداء في جنة رفيعة المكان، بهية الوصف،
آمنة الغرفات؛ لأن الجنة منازل ودرجات بعضها أعلى من بعض، كما أن
النار دركات بعضها أسفل من بعض.
ولا تسمع في كلام أهل الجنة كلمة لغو وهذيان؛ لأنهم لا يتكلمون إلا
بالحكمة وحمد الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم، ولأن الجنة منزل
أحباب الله، ومنازل الصفاء لا تتعكر باللغو والكذب والبهتان، كما قال
تعالى: ﴿لَّا لَغْوٌ فِهَا وَلَا تَأَثٌِّ﴾ [الطور: ٢٣/٥٢] وقال: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا
إِلَّا سَلَمًا﴾ [مريم: ٦٢/١٩] وقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا
[الواقعة: ٢٥/٥٦-٢٦].
(٢٦)
سَلَمًا سَلَمًا
أي في الجنة ينبوع أو
فِهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ
◌َّ - ◌َ - ﴿فِيَهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ
عين ماء تجري مياهها وتتدفق بأنواع الأشربة المستلذة الصافية، وليس المراد
بها عيناً واحدة باعتبارها نكرة في سياق الإثبات، وإنما هذا جنس، يعني فيها
عيون جاريات.
وفيها أسرة عالية مفروشة بما هو ناعم الملمس، كثيرة الفرش، مرتفعة
السُّمك، إذا جلس عليها المؤمن استمتع بها ورأى رياض الجنة ونعيمها، كما
[الواقعة: ٣٤/٥٦].
قال تعالى: ﴿وَفُرُشِ مَّرْنُعَةٍ
وفي ذلك غاية التشريف والتكريم.
®) أي
وَزَرَبِىُّ مَبْثُوَّةُ
١٥
وَارِقُ مَصْفُوفَةٌ
١٤
٥ - ٩ - ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ
وفيها أواني الشرب وأقداح الخمر غير المسكرة معدة مرصودة بين أيديها،
يشربون منها متى أرادوا، وفيها وسائد (مخدات) مصفوفة بعضها إلى بعض،
للجلوس عليها أو الاستناد إليها، وفيها بُسْط مبسوطة في المجالس، وطنافس
(سجّاد) لها خمل رقيق ناعم، مفرَّقة في المجالس، كثيرة، تغري بالجلوس
عليها، ويستمتع الناظر إليها، وفيها معاني الأبهة والفخامة.

٥٩٠
الزُعُ (٣٠) - الغَاشِيَّةِ: ٨٨ / ٨-١٦
فقه الحياة أو الأحكام:
وصف الله تعالى أهل السعادة والثواب، ودار الثواب بأوصاف جميلة
رائعة الجمال والمتعة، لإغراء الناس بها وترغيبهم في الحصول عليها إذا عملوا
عمل أصحابها المستحقين لها.
أما أهل الثوابفلهم صفتان: ظاهرية وباطنية، فوجوه المؤمنين ذات نعمة
وبهجة ونضرة، ولعملها الذي عملته في الدنيا راضية في الآخرة، حيث
أعطيت الجنة بعملها.
وأما دار الثواب فلها صفات سبع كما تقدم:
الأولى - في جنة عالية، أي مرتفعة، وعالية القدر؛ لأن فيها ما تشتهيه
الأنفس وتلذ الأعين.
الثانية - لا تسمع فيها كلاماً ساقطاً غير مرضي، ولا تسمع فيها كلمة لغو.
الثالثة - فيها عين شراب جارية على وجه الأرض، من غير أخدود،
وتجري لهم كلما أرادوا، بماء مندفق وبأنواع الأشربة اللذيذة من خمر وعسل
ولبن.
الرابعة - فيها سرر عالية المكان، مرتفعة السماء.
الخامسة - فيها أكواب، أي كيزان لا عرا لها، أو أباريق وأوان،
والإبريق: هو ما له عُروة وخرطوم، والكوب: إناء ليس له عروة ولا
خرطوم.
٠
السادسة - فيها نمارق، أي وسائد مصفوفة واحدة إلى جنب الأخرى.
السابعة - فيها البُسط المبسوطة، والطنافس التي لها خمل رقيق، والكثيرة
المتفرقة في المجالس.

٥٩١
الزع (٣٠) - الغَاشِية: ١٧/٨٨ -٢٦
إثبات قدرة الله تعالى على البعث
وغيره والتذكير بأدلة ذلك
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (٨) وَإِلَى
فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ
٢٠
اُلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
مُذَكِّرٌ ﴿َ لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ
فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ
٢٣
إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ
٢٢
اُلْعَذَابَ الْأَكْبَرَ
٢٤
إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ
، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم
٢٦
الإعراب:
﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿كَيْفَ﴾ حال مقدم من ضمير ﴿خُلِقَتْ﴾، والجملة
بدل اشتمال من الإبل.
٣٣
إِلَّا مَن تَوَلَى وَكَفَرَ (®َ﴾ قرئ (بمسيطر)
﴿َّسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطٍ
على الأصل، وقرئ بالصاد، بإبدال السين صاداً، لتوافق الطاء في الاستعلاء
والإطباق، مثل (وزَادَهُ بَصْطَةً فِي العِلْم والجِسْم) [البقرة: ٢٤٧/٢] وأصله:
(بسطة) فأبدل من السين صاداً، لتوافق الطاء في الإطباق، وكذلك قالوا:
(الصراط) في (السراط)، و(صطر) في سطر.
و ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴾: في موضع نصب على الاستثناء من غير
الجنس أي استثناء منقطع، وقيل: هو استثناء من الجنس، أي استثناء
متصل، وتقديره: إنما أنت مذكر الناس إلا من تولى وكفر.
﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ()﴾ بتخفيف الباء، آب يؤوب إياباً، نحو: قام يقوم
مقاماً، وأصله: إواباً وقواماً، وقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وقرئ:
(إيّا بهم) بتشديد الياء، قال أبو الفتح ابن جني: يجوز أن يكون أراد: إوّاباً،

٥٩٢
لُرُ (٣٠) - الغَاشِيَة: ٨٨ / ١٧-٢٦
إلا أنه قلبت الواو ياء استحساناً طلباً للخفة، لا وجوباً، مثل اجلوَّذ
اجلياذاً، وإن كان المشهور: اجلواذاً.
البلاغة:
﴿ فَذَكِّرْ﴾ ﴿مُذَكِّرٌ﴾ بينهما جناس الاشتقاق، وكذا بين ﴿فَيُعَّذِّبُهُ﴾ و
العَذَابَ إِ﴾﴾
.
S﴾ ﴿عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ يوجد بينهما طباق في الحرف.
﴿ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ
المفردات اللغوية:
﴿أَفَلَا يَنَظُرُونَ﴾ ينظر أهل مكة ونحوهم نظر اعتبار. ﴿الإِبِلِ﴾ الجِمال، جمع
بعير، ولا واحد لها من لفظه كنساء وقوم ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ خلقاً يدل على
كمال قدرة الله تعالى وحسن تدبيره، بأن جعلت أداة لحمل الأثقال إلى البلاد
النائية، مع احتمال العطش عشراً فأكثر، وخصت بالذكر؛ لأنها أعجب ما
عند العرب من هذا النوع، وبدئ بها لأنهم أكثر مخالطة لها من غيرها.
بلا عمد، وأمسكها بما فيها من الكواكب
﴿ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ
فهي راسخة لا تميل، وهي أعلام للسائرين.
١٩
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ
﴿سُطِحَتْ﴾ بسطت حتى صارت مهاداً موطأة للإقامة عليها. قرئت الأفعال
الأربعة بالبناء للمجهول، وحذف المفعول المنصوب أي خِلْقتها رِفْعتها
نِصْبتها، والمعنى: أفلا ينظرون إلى أنواع المخلوقات من المركبات وغيرها،
ليعرفوا كمال قدرة الخالق ووحدانيته، فلا ينكروا اقتداره على البعث،
ولذلك عقب به أمر المعاد، ورتب عليه الأمر بالتذكير.
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنَتَ مُذَكِّرٌ ﴾﴾ أي فذكرهم نعم الله ودلائل توحيده،
وعظهم والفت نظرهم إلى الكون كله، وما عليك ألا ينظروا أو لا يتذكروا،
فإنما عليك البلاغ فقط.﴿بِعُصَيْطِرٍ﴾ بمسلَّط، لإجبارهم على ما تريد ﴿إِلَّا مَن

٥٩٣
الجُرُ (٣٠) - الغَاشِية: ١٧/٨٨-٢٦
تَوَلَّى وَكَفَرَ
لكن من تولى وكفر بالقرآن ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ
٢٣
عذاب الآخرة، وهو في آية سابقة ﴿النَّارَ الْكُتْرَى﴾ والأصغر عذاب
الدنيا بالقتل والأسر. ﴿إِيَابَهُمْ﴾ رجوعهم بعد الموت. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم
(*) في المحشر، وتقديم الخبر في الجملتين الأخيرتين للتخصيص، والمبالغة
في الوعيد.
سبب النزول:
نزول الآية (١٧):
: أخرج ابن جرير وابن أبي
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
حاتم وعبد بن حميد عن قتادة قال: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك
أهل الضلالة، فأنزل الله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
المناسبة:
بعد أن حكم الله تعالى بمجيء يوم القيامة، وقسم الناس فيها إلى فريقين:
أشقياء وسعداء، ووصف أحوال الفريقين، أقام الدليل على وجوده
ووحدانيته وقدرته بما يشاهدونه من آثار القدرة من السماء العالية، والأرض
التي يسكنون فيها، والإبل التي ينتفعون بها في نقل الأحمال والانتفاع بلحومها
وأوبارها وألبانها، والجبال الراسيات التي ترشد السالكين، فيستدلون بذلك
على قدرته تعالى على بعث الأجساد والمعاد وصحة عقيدة التوحيد.
ثم أمر نبيه * * أن يذكّرهم بهذه الأدلة والبراهين وأمثالها، لينظروا فيها،
وليصبر على معارضتهم، فإنما بعث لذلك دون غيره.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته ووجوده
وتوحيده، فيقول:

٥٩٤
اِلُرءُ (٣٠) - الغَاشِيَّة: ٨٨ / ١٧-٢٦
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (٣)﴾ أي كيف يصح للمشركين
إنكار البعث والمعاد واستبعاد وقوع ذلك، وهم يشاهدون الإبل التي هي
غالب مواشيهم وأكبر المخلوقات في بيئتهم، كيف خلقها الله على هذا النحو
البديع، من عظم الجثة، ومزيد القوة، وبديع الأوصاف، فهي خلق عجيب،
وتركيب غريب، ومع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للولد الصغير،
وتؤكل، وينتفع بوبرها، ويشرب لبنها، وتصبر على الجوع والعطش. وبدأ
تعالى التنبيه بها؛ لأن غالب دواب العرب كانت الإبل، وأيضاً مرافق الإبل
أكثر من مرافق الحيوانات الأُخَر؛ فهي مأكولة، ولبنها مشروب، وتصلح
للحمل والركوب، وقطع المسافات البعيدة عليها، والصبر على العطش، وقلة
العلف، وكثرة الحَمْل، وهي معظم أموال العرب.
﴿ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (®) وألا يشاهدون السماء كيف رفعت فوق
الأرض بلا عمد؟ كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ
(٦)﴾ [ق: ٦/٥٠] .
بَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَا مِن فُرُوُجِ
أي جعلت منصوبة قائمة مرفوعة على
﴿ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ
الأرض، فإنها ثابتة راسية لئلا تميد الأرض بأهلها، والنظر إليها مبعث هيبة
وتعجب، ويستفيد من وجودها وتسلسلها السالكون في البراري والقفار،
والأعجب من هذا أن كثيراً من الينابيع المائية تنبع منها، وفيها منافع كثيرة
ومعادن وفيرة، ويقتطع منها أحجار ضخمة، ورخام ذو ألوان مختلفة بديعة.
﴾ كيف بسطت ومدَّت ومهِّدت، ليستقر
﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
عليها ساكنوها، وينتفعوا بما فيها من خيرات ومعادن دفينة، وما تخرجه من
نباتات وزروع وأشجار متنوعة، بها قوام الحياة والمعيشة.
وتسطيح الأرض إنما هو بالنسبة للناظر والمقيم عليها، ولا يعني ذلك أنها

٥٩٥
الجزء (٣٠) - الغَاشِيَةِ: ١٧/٨٨-٢٦
ليست بكرة؛ لأن الكرة - كما ذكر الرازي - إذا كانت في غاية العظمة يكون
كل قطعة منها كالسطح(١).
وإنما ذكرت هذه المخلوقات دون غيرها؛ لأنها أقرب الأشياء إلى الإنسان
الناظر فيها، فهو يشاهد صباح مساء بعيره، ويرى السماء التي تظلله،
والجبال التي تجاوره، والأرض التي تقلّه.
ثم أمر الله نبيه وَ﴿ل بالتذكير بهذه الأدلة، فقال:
﴾ أي فذکر یا
٢٢
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ
محمد الناس بما أرسلت به إليهم، وعظهم وخوفهم، والفت نظرهم إلى
ضرورة التأمل بهذه الأدلة والبراهين وأمثالها الدالة على قدرة الله على كل
شيء، ومنها البعث والمعاد، وليس عليك إلا التذكير فقط، فإنما بعثت لهذا
الغرض، ولا سلطان ولا سيطرة لك عليهم لحملهم على أن يؤمنوا بالله
وبرسالتك، ولجبرهم على ما تريد، فإن آمنوا فقد اهتدوا، وإن أعرضوا فقد
ضلوا وكفروا، كما قال سبحانه: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:
١٣ /٤٠] .
وقوله: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (3) تأكيد لمهمة التذكير فقط، وتقرير
لها، ونظير الآية قوله: ﴿أَفَأَنَتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:
٩٩/١٠] وقوله: ﴿وَمَّآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِحَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ﴾ [ق:
٤٥/٥٠] .
روى أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن جابر قال: قال رسول الله وله :
((أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني
(١) التفسير الكبير: ١٥٧/٣١ -١٥٨

٥٩٦
لُزُرُ (٣٠) - الْغَاشِيَّةِ: ٨٨ / ١٧-٢٦
دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل)) ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا
أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾﴾(١).
فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ﴿3﴾ أي لكن من
﴿إِلَّا مَن تَوَلَى وَكَفَرَ (3)
تولى عن الوعظ والتذكير، وكفر بالحق بقلبه ولسانه، فيعذبه الله في الآخرة
عذاب جهنم الدائم، عدا عذاب الدنيا من قتل وأسر واغتنام مال؛ لأنه إذا
كان لا سلطان لك عليهم، فإن الله هو المسيطر عليهم، لا يخرجون عن
قبضته وقوته وسلطانه.
أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي: مرّ على خالد بن يزيد بن
معاوية، فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله وَله، فقال: سمعت رسول
الله ◌َّيه يقول: ((ألا كلكم يدخل الجنة، إلا من شرد على الله شراد البعير عن
أهله)).
ثم أكد الله تعالى وقوع البعث والحساب والعذاب، فقال:
﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ﴿َ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم (﴾﴾ أي إن إلينا مرجعهم
ومصيرهم، ونحن نحاسبهم على أعمالهم بعد رجوعهم إلى الله بالبعث، إن
خيراً فخير، وإن شراً فشرّ، فلا مفر للمعرضين، ولا خلاص للمكذبين من
العقاب.
وفائدة تقديم الظرف أو الجار والمجرور في الموضعين الحصر والتشديد
بالوعيد، أي ليس مرجعهم إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام وإيفاء جزاء كل
طائفة، وإن حسابهم ليس بواجب إلا عليه بمقتضى الحكمة البالغة، وهو
الذي يحاسب على الصغير والكبير(٢).
(١) الحديث مخرج في الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة بدون ذكر هذه الآية.
(٢) تفسير الكشاف: ٣٣٤/٣، تفسير الرازي: ١٦٠/٣١

٥٩٧
لُحُ (٣٠) - الغَاشِيَة: ١٧/٨٨-٢٦
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - ذكّر الله تعالى الناس بصنعته وقدرته، وأنه قادر على كل شيء، بعد أن
ذكر أمر أهل الدارين، فتعجب الكفار من ذلك، فكذبوا وأنكروا. وقد
ذكّرهم بخلق الإبل؛ لأنها كثيرة في العرب، وبخلق السماء ورفعها عن
الأرض بلا عَمَد، وبخلق الجبال الراسيات المنصوبة على الأرض، بحيث لا
تزول، وبخلق الأرض كيف بسطت ومدت ومهدت لأهلها كي يستطيعوا
العيش عليها بقرار وأمان.
أَ - أمر الله تعالى نبيه وَ ل﴿ بتذكير قومه وعظتهم وتخويفهم، وطمأنه بأنه
مجرد واعظ، ليس بمسلَّط عليهم، فيقتلهم، أو يجبرهم على الإيمان برسالته.
٣ - حذر الله تعالى من مخالفة دعوة النبي وَلّ ورسالته، فأنذر كل من تولى
عن الوعظ والتذكير بالعذاب الأكبر في الآخرة، وهو عذاب جهنم الدائم،
ووصف العذاب بالأكبر؛ لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقَحْط والأسر
والقتل.
وهذا على أن الاستثناء منقطع، وقيل: هو استثناء متصل، والمعنى: لست
بمسَلَّط إلا على من تولى وكفر، فأنت مسلّط عليه بالجهاد، والله يعذبه بعد
ذلك العذاب الأكبر، فلا نسخ في الآية على هذا التقدير.
والأظهر في رأي بعض المفسرين أن يكون الاستثناء متصلاً، لا باعتبار
الحال، فإن السورة مكية، ولكن بالنظر إلى الاستقبال، أي إلا المصرِّين على
الإعراض والكفر، فإنك تصير مأموراً بقتالهم، مستولياً عليهم بالغلبة
والقهر(١).
(١) .غرائب القرآن: ٨٥/٣٠

٥٩٨
الُ (٣٠) - الْغَاشِيَّةِ: ٨٨ / ١٧-٢٦
والظاهر لدي أن يكون الاستثناء منقطعاً، أي لست بمصيطر ولا بمستول
عليهم، ولكن من تولى وكفر، فإن الله الولاية والقهر عليه، فهو يعذبه
العذاب الأكبر في الآخرة، بعد العذاب الأصغر في الدنيا، وهو القتل
والسبي، كما قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ اٌلْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ
﴾ [السجدة: ٢١/٣٢] . وهذا ما سار عليه أغلب
اُلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
المفسرين، مشيرين إلى القول الثاني بصيغة (قيل) المفيدة للتضعيف.
٤ - تضمنت السورة في خاتمتها ما يصلح للوعد والوعيد والترغيب
والترهيب، فإن مصير جميع الناس ورجوعهم بعد الموت إلى الله عز وجل،
وحسابهم إليه وحده.
والحساب وإن كان حقاً لله تعالى، ولا يجب على المالك أن يستوفي حق
نفسه، إلا أنه تعالى جعل الحساب واجباً عليه، إما بحكم وعده الذي لا
خلف فيه، وإما بمقتضى الحكمة والعدل، فإنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم،
لكان ذلك شبيهاً بكونه تعالى راضياً بذلك الظلم، وتعالى الله عنه، فلهذا
السبب كانت المحاسبة واجبة(١).
(١) تفسير الرازي: ١٦٠/٣١

٥٩٩
اِخُ (٣٠) السورة (٨٩) الفَجْزِ
ـةٍ
بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الـ
سُورَةُ الفَجْزِ
مكية، وهي ثلاثون آية
تسميتها:
وَلَالٍ عَشٍْ
سميت سورة الفجر، لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿ وَالْفَجْرِ
(٤) وهو قسم عظيم بفجر الصبح المنبلج نوره كل يوم على أن الكفار
سيعذبون حتماً.
مناسبتها لما قبلها:
تتعلق السورة الكريمة بما قبلها من وجوه ثلاثة:
اً - إن القسم الصادر في أولها كالدليل على صحة ما ختمت به السورة
(٣٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ
التي قبلها من قوله جل جلاله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ
٢٦
اً - تضمنت السورة السابقة قسمة الناس إلى فريقين: أشقياء وسعداء،
أصحاب الوجوه الخاشعة، وأصحاب الوجوه الناعمة، واشتملت هذه
السورة على ذكر طوائف من الطغاة: عاد وثمود وفرعون الذين هم من الفريق
الأول، وطوائف من المؤمنين المهتدين الشاكرين نعم الله، الذين هم في عداد
الفريق الثاني، فكان الوعد والوعيد حاصلاً في السورتين.

٦٠٠
لُ (٣٠) السورة (٨٩) الفَجْزِ
◌َّ - إن جملة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ () في هذه السورة مشابهة
في السورة المتقدمة.
لجملة: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِلِ كَيْفَ خُلِفَتْ (@)
ما اشتملت عليه السورة:
اشتملت السورة على أغراض ستة:
ا - القسم الإلهي بالفجر والعشر الأوائل من ذي الحجة والشفع والوتر
والليل على أن عذاب الكفار واقع حتماً لا مفر منه: ﴿وَاُلْفَجْرِ ﴿ وَلَيَالٍ عَشْرٍ
[الآيات: ١-٥].
٢
أَ - إيراد قصص بعض الأمم الظالمة البائدة المكذبة رسل الله، كعاد وثمود
وقوم فرعون، لضرب المثل، وبيان ما حلّ بهم من العذاب بسبب طغيانهم:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾﴾ [الآيات: ٦-١٤].
◌َّ - بيان أن الحياة ابتلاء للناس بالخير والشر، والغنى والفقر، والتعرف
على طبيعة الإنسان في حب المال، وتوضيح أن كثرة النعم على عبد ليست
دليلاً على إكرام الله له، ولا الفقر وضيق العيش دليلاً على إهانته: ﴿فَأَمَّا
اَلْإِنسَانُ إِذَا مَا أَبْثَلَنْهُ رَبُّهُ﴾ [الآيات: ١٥-٢٠].
٤ - وصف يوم القيامة وأهواله وشدائده: ﴿كَلََّّ إِذَا ذُكَّتِ اُلْأَرْضُ ذَكَا ذَكًَّ
[الآيات: ٢١ -٢٣].
٥ - بيان انقسام الناس إلى فريقين في الآخرة: سعداء وأشقياء، وتمني
(9)) [الآيات: ٢٤-٢٦].
الأشقياء العودة إلى الدنيا: ﴿يَقُولُ يَلَيْتَنِ قَدَّمْتُ ◌ِحَاتِ
أَ - الإخبار عن ظفر السعداء بالنعيم العظيم في جنان الله: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ
[الآيات: ٢٧ -٣٠].
٣٧°
اُلْمُطْمَئِنَُّ