النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١
الُرعُ (٣٠) - الُون: ٨٥ / ١٢-٢٢
وقرأ نافع (محفوظٌ).
الإعراب:
(٥) ﴿اَلْجِيدُ﴾ بالرفع صفة: ﴿ذُو﴾ أو خبر بعد
﴿ذُو الْعَرْشِ المَجِيدُ
خبر، وبالجر: إما وصف للعرش، أو صفة: ﴿رَبِّكَ﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ
﴾ وهذا أولى؛ لأن ﴿الْجِيدُ﴾ من صفات الله.
بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
﴿فَعَالٌ لِّمَا يُرِدُ (4﴾ ﴿فَعَالٌ﴾: إما بدل من ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ أو خبر مبتدأ
محذوف، تقديره: هو فعّال، أو خبر بعد خبر.
: في
فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (®َ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ
١٧
﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ الْجُودِ (
موضع جر على البدل من ﴿اَلْجُنُودِ﴾، وقيل: في موضع نصب بتقدير أعني.
(®) ﴿نَحْفُوظِ﴾ بالجر صفة
﴿بَلْ هُوَ قُوَانٌ تَجِيدٌ ﴿ فِىِ لَوَح ◌َّحْفُوظِ
﴿ لَوْجٌ﴾، وبالرفع صفة ﴿قَُّانٌ﴾.
البلاغة:
﴿ُّدِئُ وَبُعِيدٌ﴾ بينهما طباق.
؟ أسلوب التشويق لاستماع ما يأتي
﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ اٌلْجُودِ
والاعتبار به.
﴿لَشَدِيدٌ﴾، ﴿الْغَفُورُ﴾، ﴿اُلْوَدُودُ﴾، ﴿فَعَالٌ﴾ إلخ: صيغ مبالغة.
المفردات اللغوية:
{بَطْشَ﴾ البطش: هو الأخذ بعنف وشدة، فإذا وصف بالشدة كان نهاية،
والمراد بالآية: أنه تعالى مضاعف عنفه بالكفار بحسب إرادته . ﴿يُّدِئُ وَبُعِيدٌ﴾
يبدئ الخلق ويعيده، فلا يعجزه ما يريد. ﴿اَلْغَفُورُ﴾ لمن تاب من المذنبين.
٥٤٢
الزرعُ (٣٠) - الُرُون: ١٢/٨٥-٢٢
﴿اَلْوَدُودُ﴾ المحب لمن أطاع. ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ خالقه ومالكه وصاحبه. ﴿الْجِيدُ﴾
العظيم الجليل المتعالي، المستحق لكل صفات العلو الكاملة، أو العظيم في
ذاته وصفاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة والحكمة. ومجده: علوه
وعظمته . ﴿فَعَالٌ لِمَا يُرِيدُ (1) لا يعجزه شيء، ويفعل ما يريد.
﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ الْجُدِ
هل بلغك يا محمد خبر الأقوام أو
١٧
الجماعات الذين كذبوا الرسل وما حاق بهم؟ وأصل معنى الجنود: العسكر
أو الأعوان. والمقصود تسلية النبي وَلّر والصبر على تكذيب قومه، وأمره بأن
المراد بفرعون: هو
يحذرهم مثلما أصاب هؤلاء. ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ
وجنوده، أي هؤلاء هم الجنود: فرعون وأتباعه، وقبيلة ثمود من العرب
البائدة، قوم صالح عليه السلام، أهلكهم الله بكفرهم. وهذا تنبيه لمن كفر
بالنبي وَّ والقرآن ليتعظوا.
(19) لما حدث من إهلاك الأقوام، فلا
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ تَكْذِيبٍ
يرعوون عن تكذيبهم، ومعنى الجملة والإضراب: أن حال كفار قريش
أعجب من الأمم السابقة، فإنهم سمعوا قصتهم، ورأوا آثار هلاكهم، وكذبوا
أشد من تكذيبهم . ﴿ وَاللّهُ مِن وَرَآءِهِم تُحِيطٌ ﴾﴾ لا يفوتونه، ولا عاصم لهم
عظيم معظم،
منه، فهم في قبضته وحوزته ، ﴿بَلْ هُوَ قَُّانٌ ◌َِيدٌ
والمعنى: بل هذا الذي كذبوا به كتاب شريف، وحيد في النظم والمعنى . ﴿فِى
(ب) من الزيادة والنقص، والتغيير والتحريف.
لَوْجٌ مَّحْفُوظِ
المناسبة:
بعد بيان وعيد الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، ووعد الذين آمنوا وعملوا
الصالحات، وجزاء كل فريق، أكّد الله تعالى الوعد والوعيد بما يدل على تمام
قدرته على ذلك. ثم بيّن أن حال الكفار في كل عصر، مع الأنبياء، شبيه بحال
أصحاب الأخدود، في إلحاق أذى الكفار بالمؤمنين، فهم دائماً في صراع معهم
٥٤٣
الجزء (٣٠) - البُون: ٨٥ / ١٢-٢٢
وعداوة وإيذاء. والقصد من هذا كله ترهيب الكفار، وتثبيت المؤمنين على
إيمانهم، وشدّ عزائمهم بالصبر، وتطمينهم بأن كفار قريش سيلقون مثلما
أصاب الأقوام السابقة: فرعون وأتباعه وثمود.
التفسير والبيان:
(1) أي إن جزاء ربك وانتقامه من الجبابرة
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
والظلمة، ومن أعدائه الذين كذبوا رسله، وخالفوا أمره، لشديد عظيم
قوي، مضاعف إذا أراد، فإنه تعالى ذو القوة المتين، الذي ما شاء كان،
ويكون ما يريد مثل لمح البصر أو هو أقرب. وفي هذا تأكيد للوعيد، وإرهاب
لكفار قريش وأمثالهم.
ثم زاد الأمر تأكيداً بقوله:
أي إنه تعالى تام القدرة، فهو الذي يبدأ
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىُّ وَبُعِدُ (ا)
الخلق ويخلقهم أولاً في الدنيا، ثم يعيدهم أحياء بعد الموت. أو هو الذي يبدأ
البطش ويعيده، أي يبطش بالجبابرة في الدنيا والآخرة. وفيه وعيد للكفرة بأنه
يعيدهم ليبطش بهم؛ إذ كفروا بنعمة الإبداء إبداء الخلق، وكذبوا بالإعادة.
ثم أكّد الله تعالى الوعد بإيراد خمس صفات لجلاله وكبريائه وهي:
اَ - أَّ: ﴿وَهُوَ اُلْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿1﴾ أي والله سبحانه بالغ المغفرة لذنوب
عباده المؤمنين إذا تابوا وأنابوا إليه، يغفر ذنب من تاب إليه، وخضع لديه،
مهما كان الذنب كبيراً أو صغيراً، وهو تعالى بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه،
بليغ الوداد، والمراد به: إيصال الثواب لأهل طاعته على الوجه الأتم، فيكون
﴿يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة: ٥٤/٥]، أو هو بمعنى مفعول فيكون كقوله:
كقوله تعالى:
﴿وَيُحِبُّوْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٥٤/٥].
٣ - ٤َ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴾﴾ أي هو تعالى ربّ العرش العظيم العالي
٥٤٤
الجزء (٣٠) - الُون: ١٢/٨٥-٢٢
على جميع الخلائق، وصاحب الملك والسلطان، والعظيم الجليل المتعالي،
صاحب النهاية في الكرم والفضل، وبالغ السمو والعلو.
٥ - ﴿فَعَالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾﴾ أي صاحب القدرة المطلقة على فعل ما يريد،
فمهما أراد فعل شيء، لا معقّب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقهره،
وحكمته وعدله. فإذا أراد إهلاك الظالمين الجاحدين، ونصر المؤمنين
الصادقين، فعل دون أن يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يصرفه
عنه صارف.
ثم ذكّر الله تعالى الكفار وغيرهم، وسلّ نبيه وَ ل بقصة فرعون وثمود من
متأخري الكفار ومتقدميهم، فقال:
﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ اٌلْجُدِ
﴾ أي هل أتاك يا محمد خبر
فِرِعَوْنَ وَثُمَوَدْ
١٧
الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم، والتي جندت جنودها لقتالهم؟ أو هل بلغك
ما أحلّ الله بهم من البأس، وأنزل عليهم من النقمة بسبب تماديهم في الكفر
والضلال؟ ومن هؤلاء الجنود وأشهر حديثهم وخبرهم المتعارف: فرعون
وجنوده، وقبيلة ثمود من العرب البائدة قوم صالح عليه السلام. والمراد
بحديثهم: ما وقع منهم من الكفر والعناد، وما حلّ بهم من العذاب. والمراد
بفرعون: هو وجنوده. أما فرعون وأتباعهم فأغرقهم الله في اليمّ: البحر
الأحمر، وأما ثمود الذين عقروا ناقة نبيهم صالح، فدمّر الله بلادهم وأهلكهم
بالطاغية أي الصيحة المجاوزة للحدّ في الشدة.
ثم أشار الله تعالى إلى أن هذا شأن الكفار وصنيعهم في كل زمان، فقال:
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ تَكْذِيبٍ (٣)﴾ أي فالواقع القائم أن هؤلاء المشركين العرب
في تكذيب شديد لك أيها النبي، ولما جئت به، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من
الكفار.
وفي هذا إضراب عن التذكير بقصة الجنود إلى التصريح بتكذيب كفار
قریش.
٥٤٥
الجُرُ (٣٠) - الُون: ١٢/٨٥-٢٢
وبعد تطييب قلب الرسول وَل بحكاية أحوال الأولين وموقفهم من
الأنبياء، سلآّه بعد ذلك من وجه آخر، فقال:
﴿وَاللَّهُ مِن وَرَآءِهِمْ تُحِيطٌ (٣)﴾ أي إن الله تعالى قادر على أن ينزل بهم ما
أنزل بأولئك، قاهر الجبارين لا يفوتونه ولا يعجزونه، فهو مقتدر عليهم،
وهم في قبضته لا يجدون عنها مهرباً. وهذا دليل على أنه تعالى عالم بهم
فيجازيهم، وعلى أنه لا داعي للجزع من تكذيبهم وإصرارهم على الكفر
وعنادهم.
ثم ردّ على تكذيبهم بالقرآن، فقال:
فِى لَوَجِ تَّحْفُوظِ (®﴾ أي إن هذا القرآن الذي
﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ تَجِيدٌ ﴾
كذبوا به شريف الرتبة في نظمه وأسلوبه حتى بلغ حدّ الإعجاز، متناهٍ في
الشرف والكرم والبركة، وليس هو كما يقولون: إنه شعر وكهانة وسحر.
وإنما هو كلام الله المصون عن التغيير والتحريف، المكتوب في اللوح المحفوظ،
وهو أم الكتاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَُّ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ ﴾ فِ كِنَبٍ مَّكْنُونٍ
[الواقعة: ٧٧/٥٦ -٧٨] . أي إن الكتاب المكنون واللوح المحفوظ واحد.
(٧٨)
قال بعض المتكلمين: اللوح شيء يلوح للملائكة، فيقرؤونه، وأمثال هذه
الحقائق مما يجب به التصديق سمعاً، أي إن اللوح المحفوظ شيء أخبرنا الله
به، فيجب علينا الإيمان به كما أخبر الله، وإن لم نعرف حقيقته.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إن عقاب الله وانتقامه، وأخذه الجبابرة والظلمة لشديد قوي، كما
قال جلّ ثناؤه: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اٌلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ
[هود: ١٠٢/١١] .
١٠٣)
شَدِيدٌ
٥٤٦
لُرع (٣٠) - البُرون: ٨٥ / ١٢-٢٢
أَ - إن الله تعالى بدأ خلق الناس أولاً في الدنيا، ثم يعيدهم عند البعث.
ءَّ - لله تعالى صفات عليا لا تتحقق في غيره، فهو الغفور الستور الذنوب
عباده المؤمنين لا يفضحهم بها، الودود المحب لأوليائه، صاحب العرش
الأعظم من كل المخلوقات، وصاحب الملك والسلطان المطلق، المجيد البالغ
النهاية في الكرم والفضل، السامي القدر المتناهي في علوه، الفعال لما يريد،
أي لا يمتنع عليه شيء يريده. قال القفال: فعَّال لما يريد على ما يراه، لا
يعترض عليه معترض، ولا يغلبه غالب، فهو يدخل أولياءه الجنة، لا يمنعه
منه مانع، ويدخل أعداءه النار، لا ينصرهم منه ناصر، ويمهل العصاة على ما
يشاء إلى أن يجازيهم، ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء، ويعذب من شاء
منهم في الدنيا وفي الآخرة، يفعل من هذه الأشياء ومن غيرها ما يريد(١).
٤ - قد أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم، وهذا إيناس
له وتسلية، والجموع: فرعون وأتباعه وثمود، وذكرا لأن حديثهما مشهور
معروف من طريق اليهود في المدينة وغيرهم، فإن ثمود في بلاد العرب،
وقصتهم عندهم مشهورة، وإن كانوا من المتقدمين، وأمر فرعون كان مشهوراً
عند أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك؛ فدلّ الله بهما على
أمثالهما في الهلاك.
والواقع أن كفار قريش في تكذيبهم لرسول الله وير، كدأب من قبلهم.
5 - الله يقدر على أن ينزل بكفار مكة في الدنيا ما أنزل بفرعون، والله عالم
بهم، فهو يجازيهم في الآخرة.
٠٠ ٩ - ليس القرآن كما زعم المشركون أنه سحر أو كهانة أو شعر، بل هو
كتاب متناه في الشرف والكرم والبركة، وهو بيان ما يحتاج إليه الناس من
(١) تفسير الرازي: ١٢٣/٣١-١٢٤.
٥٤٧
الزرع (٣٠) - المُون: ٨٥/ ١٢-٢٢
أحكام الدين والدنيا. وهو مكتوب عند الله في لوح، ومحفوظ عند الله من
وصول الشياطين إليه.
قال ابن عباس: أول شيء كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ: ((إني أنا الله،
لا إله إلا أنا، محمد رسولي، من استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر
نعمائي، كتبته صدِّيقًاً وبعثته مع الصدّيقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ولم
يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ إلهاً سواي))(١).
(١) تفسير القرطبي: ٢٩٨/١٩.
٥٤٨
الُعُ (٣٠) السورة (٨٦) الظَارِق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
سُورَةُ الْظَارِقِ
مكية، وهي سبع عشرة آية
تسميتها:
سميت سورة (الطارق) تسمية لها بما أقسم الله به في مطلعها بقوله: ﴿وَالسَِّ
وَالطَّارِقِ ﴾﴾ ﴿ وَالطَّارِقِ﴾: هو النجم الثاقب الذي يطلع ليلاً، سمي طارقاً؛ لأنه
يظهر بالليل ويختفي بالنهار. وكذلك الطارق: هو الذي يجيء ليلاً.
مناسبتها لما قبلها:
السورة مرتبطة بما قبلها من ناحيتين
اً - ابتداء السورتين بالحلف بالسماء كسورتي (الانشقاق) و(الانفطار).
أَ - التشابه في الكلام عن البعث والمعاد، وعن صفة القرآن للردّ على
المشركين المكذُّبين به وبالبعث، ففي سورة (البروج): ﴿إِنَُّ هُوَ يُبْدِىُ وَبُعِيدُ
﴾، وفي السورة السابقة :
٨
(#)، وفي هذه السورة: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ.
فِى لَوَحَ تَحْفُوظِ (®﴾، وفي هذه السورة: ﴿إِنَّهُ لَقَوَّلٌ
٢١٠
﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ تَجِيدٌ
فَصْلٌ (®َا﴾
ما اشتملت عليه السورة:
إن محور هذه السورة المكية كغيرها من السور المكية الكلام عن الإيمان
٥٤٩
الُعُ (٣٠) السورة (٨٦) الطَارِق
بالبعث والمعاد والحساب والجزاء، وإثباته بخلق الإنسان من العدم؛ لأن
القادر على البدء قادر على الإعادة بعد الموت.
وقد افتتحت السورة بالقسم بالسماء وبالكواكب المضيئة ليلاً على أن كل
[الآيات: ١-٤].
إنسان محفوظ بالملائكة الأبرار: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ
ثم أقام الله تعالى الدليل على إمكان البعث وقدرته عليه بعد الموت والفناء
بخلق الإنسان أول مرة من تراب ثم من نطفة: ﴿فَلْنَظُرِ الْإِنسَنُ مِنَّ خُلِقَ
[الآيات: ٥-٨].
وأعقبت السورة ذلك ببيان كشف الأسرار في الآخرة على نحو كامل تام،
في حالة كون الإنسان بين يدي العدالة الإلهية دون أن يكون له قوة ولا نصير:
﴾ [٩-١٠].
﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَابِرُ
وختمت السورة بالقسم الإلهي بالسماء والأرض على صدق القرآن وأنه
القول المحكم الفصل بين الحق والباطل، وعلى تهديد الكفار المكذبين به
[١١-١٧].
ووعيدهم: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعَ بَا﴾
فضلها:
أخرج الإمام أحمد عن خالد بن أبي حبل العدواني أنه أبصر رسول الله وَاله
في مشرق ثقيف، وهو قائم على قوس أو عصا، حين أتاهم يبتغي عندهم
﴾ حتى ختمها، قال: فوعيتها في
النصر، فسمعته يقول: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَارِقِ
الجاهلية، وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام، قال: فدعتني ثقيف، فقالوا:
ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن
أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقاً لاتبعناه.
وأخرج النسائي عن جابر بن عبد الله قال: صلى معاذ المغرب، فقرأ البقرة
والنساء، فقال النبي وَله: ((أفتّان أنت يا معاذ! ما كان يكفيك أن تقرأ بـ
ونحوها؟)).
ج)، ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ
٥٥٠
لُعُ (٣٠) - الظّارِق: ٨٦ /١-١٠
القسم على أن لكل نفس حافظاً من الملائكة
يراقبها وإثبات إمكان البعث
وَمَا أَذْرَئِكَ مَا الَّارِقُ
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ
يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ
إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّاً
النَّجْمُ الثَّاقِبُ
عَلَيْهَا حَافِظُ
فَيَنْظُرِ اَلْإِنْسَنُ مِمَّ خُلِقَ
خُلِقَ مِن مَّآءِ دَافِقٍ
إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَادِرُ
٨
٧
الصُّلْبِ وَالتَّرَآيِبِ
يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ ﴿ فَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا
نَاصٍِ
القراءات:
قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة (لَّ) وقرأ الباقون (َا).
الإعراب:
﴿وَمَآ أَذْرَئِكَ﴾ جملة ﴿أَذَرَئِكَ﴾ خبر ﴿مَا﴾. ﴿مَا الطَّارِقُ﴾ مبتدأ وخبر في محل
المفعول الثاني لأدرى.
٤
بالتخفيف، فتكون ﴿ مَا ﴾ زائدة،
﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ
و ﴿إِن﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي إنه، واللام فارقة، أي إن كل
بمعنى (ما) النافية، ولما
إِن
نفس لعليها حافظ .وبالتشديد، فتكون
بمعنى (إلا) مثل: نشدتك الله لمّا فعلت، أي إلا فعلت، وتقديره: ما كل
نفس إلا عليها حافظ.
الهاء في ﴿﴿إِنَّهُ﴾ إما أن تعود
يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ
٨
﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَادِرٌ
على الماء، أي على رجع الماء إلى موضعه من الصلب لقادر، وحينئذٍ ينصب
﴿يَوْمَ﴾ بتقدير: اذكر؛ لأن رد الماء لا يكون في الآخرة، وإما أن تعود على
٥٥١
الجُعْ (٣٠) - الطارق: ٨٦ /١-١٠
الإنسان، أي على بعثه القادر، وهو الظاهر، و﴿يَوْمَ﴾ ظرف، ولا يجوز أن
يتعلق بـ ﴿رَجْعِهِ﴾ لأن يؤدي إلى الفصل بين الصلة والموصول بخبر إن، وهو
قوله: ﴿لَقَائِرٌ﴾. وإنما يتعلق بفعل دلّ عليه قوله: ﴿رَجْعِهِ﴾ أي يرجعه يوم تبلی
السرائر، أو يتعلق بقوله: ﴿لَقَادِرٌ﴾ والوجه الأول أوجه؛ لأن الله قادر في
جميع الأوقات، فأي فائدة في تعيين هذا الوقت؟
البلاغة:
(٣) استفهام للتفخيم والتعظيم ورفعة الشأن.
﴿وَمَّ أَذَرَئِكَ مَا اُلْطَّارِقُ
﴿يَخْجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّيِ
وبالترائب عن المرأة.
كناية، كنى بالصلب عن الرجل،
٧
المفردات اللغوية:
﴿وَالسَِّ﴾ كل ما علاك فأظلك. ﴿وَالْطَارِقِ﴾ النجم الطالع ليلاً، وأصله
عرفاً: كل آتٍ ليلاً، أو الذي يجيئك ليلاً، ثم استعمل للبادي فيه، وأطلق
على النجوم لطلوعها ليلاً. ﴿ وَمَآ أَذَرَكَ﴾ وما أعلمك؟ وفيه تعظيم لشأن
المضيء، كأنه يثقب الظلام بضوئه، فینفذ فیه،
الطارق. ﴿النَّجُمُ الثَّاقِبُ (ها)
والمراد به كل نجم، أو الثريا . ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّاً عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾﴾ أي ما كل
نفس إلا عليها حافظ، أو إن الشأن كل نفس لعليها، إذا جعلت ﴿إِن﴾ مخففة
من الثقيلة، و﴿حَافِظٌ﴾: رقيب وهو الله أو الملائكة تحفظ عملها من خير
وشرّ. والجملة على الوجهين جواب القسم، والمراد بالقراءتين واحد.
فلينظر نظر اعتبار واتعاظ وتأمل من أي
﴿فَيْظُرِ الْإِنسَانُ مِنَّ خُلِقَ
شيء خلق؛ لأن وجود الحافظ يستدعي النظر إلى المبدأ ليعلم صحة قضية
إعادته بالبعث، فلا يملي على حافظه إلا ما يسُّه في عاقبته . ﴿خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ
﴾ أي ماء مدفوق منصب بدفع وسرعة سواء من الرجل والمرأة في رحمها،
٥٥٢
الجُرَعُ (٣٠) - الطارق: ٨٦ /١- ١٠
والمراد: الممتزج من الماءين في الرحم، بدليل ما يأتي: ﴿الضُّلْبِ وَالتََّآَيِبِ﴾،
والجملة جواب الاستفهام في قوله: ﴿مَِّّ خُلِقَ﴾. ﴿اُلُّبِ﴾ أي من النخاع
الشوكي في ظهر الرجل، ثم ينصب إلى عروق في البيضتين . ﴿وَالتَّيِّبِ﴾ عظام
صدر المرأة، جمع تريبة، مثل فصيلة وفصائل، والمراد: من الماء المتكون من الدم
في العروق والشعب النازلة إلى الترائب، ويعدّ الصلب والترائب أقرب أوعية
المني، فلذلك خصّا بالذِّكْر.
﴿إِنَُّ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَادِرُ جَ﴾ أي إن الله تعالى على بعث الإنسان بعد موته
لقدير، فإذا تأمل الإنسان في أصله، علم أن القادر على خلقه ابتداء، قادر
على بعثه. ﴿ثُبُلَ﴾ تختبر وتكشف، والمراد: تظهر السرائر وتعرف المكنونات
ويميز بين ما طاب من الضمائر وما خفي من الأعمال، وما خبث منهما.
﴿السَّرَآئِرُ﴾ ضمائر القلوب وما يسرّ فيها من العقائد والنيات وما خفي من
الأعمال، جمع سريرة . ﴿فَا لَهُ﴾ ما لمنكر البعث وهو الإنسان الكافر. ﴿مِن
قُوَّةٍ﴾ يمتنع بها من العذاب. ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾ ينصره ويدفع عنه السوء.
سبب النزول:
نزول الآية (٥):
﴿فَيُنْظُرِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿فَيُنْظُرِ الْإِنسَانُ مِمَ
◌ُلِقَ (٣) قال: نزلت في أبي الأشد بن كَلَدة الْجُمَحي، كان يقوم على الأديم
(الجلد)، فيقول: يا معشر قريش: من أزالني عنه فله كذا، ويقول: إن محمداً
يزعم أن خزنة جهنم تسعة عشر، فأنا أكفيكم وحدي عشرة، واكفوني أنتم
تسعة.
التفسير والبيان:
وَمَآ أَذْرَئِكَ مَا اُلْطَارِقُ
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ
﴾ أي قسماً
النَّجْمُ الثَّاقِبُ
٣
٥٥٣
الُ (٣٠) - الظَارِق: ٨٦ / ١-١٠
بالسماء البديعة، والكوكب النير البادي ليلاً، وما أعلمك ما حقيقته؟ إنه
النجم المضيء الشديد الإضاءة، كأنه يخرق بشدة ضوئه ظلمة الليل البهيم.
والحلف بالسماء والكواكب والشمس والقمر والليل والنهار التي أكثر الله
تعالى في كتابه الحلف بها؛ لأن أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها ومغاربها
عجيبة، وفيها دلالة على أن لها خالقاً مدبراً ينظم أمرها. وقوله: ﴿وَمَّ أَذَرَئِكَ مَا
الطَّارِقُ (٣) يراد به التهويل والتفخيم، كأن هذا النجم البعيد في آفاق السماوات
لا يمكن لبشر إدراكه ومعرفة حقيقته، قال سفيان بن عيينة: كل شيء في القرآن:
﴿وَمَّ أَذَرَئِكَ﴾ فقد أخبر الله الرسول به، وكل شيء فيه ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ لم يخبره به،
كقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧/٤٢].
والطارق: اسم جنس، وسمي طارقاً؛ لأنه يطرق بالليل، ويخفى بالنهار،
وكل ما أتاك ليلاً فهو طارق.
وفسّره بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّقِبُ ﴾﴾ أي هو طارق عظيم الشأن، رفيع
القدر، وهو الذي يضيء ظلمة الليل، ويهتدى به في ظلمات البر والبحر،
وتعرف به أوقات الأمطار وغيرها من أحوال المعايش، وهو الثريا عند
الجمهور، وقال الحسن وقتادة وغيرهما: هو عام في سائر النجوم؛ لأن
طلوعها بليل، وكل من أتاك ليلاً فهو طارق. والظاهر أن المراد جنس النجم
الذي يهتدى به في ظلمات البر والبحر.
ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث الصحيح: نهى النبي ◌ّير أن يطرق الرجل
أهله طروقاً، أي يأتيهم فجأة بالليل. وفي حديث آخر مشتمل على الدعاء:
((أعوذ بك من شرّ طوارق الليل والنهار، إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن)).
ثم ذكر الله تعالى المقسم عليه أو جواب القسم بقوله:
﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّاً عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴿1﴾ أي قسماً بالسماء وبالنجم الثاقب، ما
٥٥٤
لُعُ (٣٠) - الظّارِقِ: ٨٦ /١-١٠
كل نفس إلا عليها من الله حافظ، يحرسها من الآفات، وهم الحفظة من
الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها وفعلها، ويحصون ما تكسب من
خير وشرّ، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ
أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١/١٣]. والحافظ على الحقيقة هو الله عزّ وجلّ، وحفظ
الملائكة: من حفظه؛ لأنه بأمره.
ولم تبين الآية من هو الحافظ، فقال بعض المفسرين: إن ذلك الحافظ هو
الله تعالى، وقال آخرون: إن ذلك الحافظ هم الملائكة، كما قال: ﴿وَيُرْسِلُ
عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١/٦]، وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَخَفِظِينَ ـ كِرَامًا
: ١٠/٨٢-١١]، وقال: ﴿إِذْ يَلَقَى الْمُتَلَفِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ
کَئِینَ
الشِّمَالِ فَعِيدٌ
مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عِيدٌ
﴾ [ق: ١٧/٥٠-١٨]،
وقال: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ﴾ الآية المتقدمة. قال أبو أمامة: قال النبي ◌َّ: ((وُكِّل
بالمؤمن مئة وستون مَلَكاً يَذُبُّون عنه ما لم يُقْدَر عليه، من ذلك البصر، سبعة
أملاك يذبون عنه، كما يُذَبُّ عن قَصْعة العسل الذباب، ولو وكّل العبد إلى
نفسه طرفة عين، لاختطفته الشياطين)) .
ثم نبّه الإنسان إلى مبدأ الخلق ليكون ذلك دليلاً على إمكان المعاد، فقال:
﴿ يَخْرِجُ مِنْ بَيْنِ الضُلْبِ
خُلِقَ مِن مَّآءِ دَافِقٍ
﴿فَيُنْظُرِ الْإِنْسَنُ مِمَ خُلِقَ
وَالْتَرَبِبِ (٣)﴾ أي فعلى الإنسان أن يتفكر في كيفية بدء خلقه، ليعلم قدرة الله على
ما هو دون ذلك من البعث، إنه خلق من ماء مدفوق مصبوب في الرحم، وهو ماء
الرجل وماء المرأة، وقد جعلا ماءً واحداً لامتزاجهما، وإنه ماء يخرج من ظهر
الرجل في النخاع الشوكي الآتي من الدماغ، ومن بين ترائب المرأة، أي عظام
صدرها أو موضع القلادة من الصدر، والولد يتكون من اجتماع الماءين، ثم
يستقر الماء المختلط في الرحم، فيتكون الجنين بإرادة الله تعالى، كما قال تعالى:
﴿ وَنُقِرُّ فِ اٌلْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّى﴾ [الحج: ٥/٢٢].
٥٥٥
الُعُ (٣٠) - الطارق: ٨٦ /١- ١٠
ومعنى خروجه من بين الصلب والترائب: أن أكثره ينفصل من هذين
الموضعين لإحاطتهما بسور البدن، والماء في الحقيقة يشترك في تكوينه جميع
أجزاء البدن، ويتبلور في الْخُصية والمبيض في بدء التكوين، وكلاهما يجاور
الكُلى، ويقع بين الصلب، والترائب، أي ما بين منتصف العمود الفقري
تقريباً ومقابل أسفل الضلوع، وكل ذلك آثار عضوية مولدة من الدماغ،
والنخاع قناة الدماغ، وهو في الصلب، وله شعب كثيرة نازلة إلى مقدم
البدن، وهو الترائب جمع تريبة.
وبعد السؤال والجواب عنه لمعرفة المبدأ الذي هو مقدمة لمعرفة المعاد،
والذي ناسب أن يبدأ الله به، ذكر تعالى النتيجة المترتبة على ذلك وهي بيان
القدرة على الإعادة، فقال:
أي إن الله تعالى على رجع
يَوْمَ تُبْلَى السَّرَابِرُ
﴿إِنَُّ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَادِرٌ.
الإنسان، أي إعادته بالبعث بعد الموت لقادر؛ لأن من قدر على البداءة قدر
على الإعادة، وقد ذكر تعالى هذا الدليل في مواضع متعددة في القرآن الكريم.
وقيل: إنه تعالى على رجع هذا الماء الدافق إلى مقره الذي خرج منه لقادر على
ذلك. والراجح القول الأول بدليل قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ
ويرجعه يوم القيامة يوم تختبر وتعرف السرائر، أي ما يسرّ في القلوب من
العقائد والنيات وغيرها. وحقيقة البلاء في حقه تعالى ترجع إلى الكشف
والإظهار، كقوله: ﴿وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١/٤٧].
· وكيفية دلالة المبدأ على المعاد: أن حدوث الإنسان إنما كان بسبب اجتماع
أجزاء كانت متفرقة في بدن الوالدين، فلما قدر الصانع على جمع تلك الأجزاء
المتفرقة حتى خلق منها إنساناً سوياً، فإنه بعد موته وتفرق أجزائه، لا بدّ وأن
يقدر على جمع تلك الأجزاء، وجعلها خلقاً سوياً(١).
(١) تفسير الرازي: ١٣٠/٣١.
م
٥٥٦
لُعُ (٣٠) - الطارق: ٨٦ /١-١٠
﴿فَ لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ﴾﴾ أي فما للإنسان حين بعثه من قوة في نفسه
يمتنع بها عن عذاب الله، ولا ناصر ينصره، فينقذه مما نزل به، أي فلا قوة
ذاتية له، ولا قوة من غيره، لينقذ نفسه من عذاب الله، فهذا نفي للقوة
الذاتية والقوة العرضية الخارجية عن الإنسان.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات الكريمات على ما يأتي:
اً - أقسم الله تعالى بالسماء وبالكواكب المنيرة المضيئة على أن لكل نفس
حفظة يحفظون عليها رزقها وعملها وأجلها.
وقد أكثر سبحانه في كتابه الكريم الإقسام بالسماوات؛ لأن أحوالها في
مطالعها ومغاربها ومسيراتها عجيبة.
أَ - الدليل على إمكان البعث والمعاد هو بدء الخلق للإنسان. ووجه
الاتصال أو التعلق بين هذا وبين ما قبله: أن الله تعالى حين ذكر أن على كل
نفس حافظاً، أتبعه بوصيته للإنسان بالنظر في أول أمره وسنته الأولى، حتى
يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه؛ فيعمل ليوم الإعادة والجزاء،
ولا يملي على حافظه إلا ما يسرّه في عاقبة أمره.
◌َّ - خلق الله الإنسان ابن آدم من المني المدفوق، مني الرجل والمرأة
المجتمعين، والذي يستقر في رحم المرأة، ولا شك أن الصب فعل الشخص،
والفاعل الحقيقي هو الله، فيكون ذلك من الإسناد المجازي الظاهري.
وتكوّن المني من عملية مشتركة تشترك فيها جميع أجزاء الإنسان، وقد عبَّر
تعالى عن الكل بالأكثر الذي يحسّ به الشخص عادة وهو خروج الماء من بين
الصلب أي الظهر، والترائب أي الصدر، جمع تَريبة: وهي موضع القلادة
من الصدر. والصلب من الرجل، والترائب من المرأة.
٥٥٧
لُعُ (٣٠) - الطارق: ٨٦ /١١-١٧
٤ - إذا كان الخالق الحقيقي للإنسان أولاً هو الله تعالى، فإن الله جلّ ثناؤه
قادر على إعادته وبعثه مرة أخرى بعد الموت، في يوم القيامة، وفي اليوم الذي
تنكشف فيه السرائر وتبدو وتظهر، ويصبح السّ علانية، والمكنون مشهوراً.
والسرائر: كل ما أسرّ في القلوب من العقائد والنيات، وما أخفي من
الأعمال الحسنة أو القبيحة. واختبار هذه السرائر معناه الكشف والإظهار
وترجيح الاتجاه الراجح من الأفعال وتمييز المرجوح، فتنجلي الحقائق،
ويعرف الصحيح من الفاسد، والحق من الباطل.
٥ - نفى الله سبحانه وجود القوة الذاتية والقوة العرضية الخارجية عن
الإنسان يومئذٍ، بقوله: ﴿فَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَ نَاصِرٍ ﴾﴾. والآية دليل على أنه لا
قوة للعبد ذلك اليوم، لا من نفسه ولا من غيره، ولا شك في أن نفي القوة
زجر وتحذير، ويتجه أولاً إلى أصحاب القوة والنفوذ في الدنيا الذين يعتمدون
على الأعوان والأنصار، وهناك يوم القيامة يفقدون كل شيء.
القسم على صدق القرآن والرسالة
وتهديد الكائدين لهما
إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَضْلٌ ﴿٣) وَمَا هُوَ
١٢
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴿ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ
بِالَّلِ ﴿ إِنَهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴿ وَأَكِدُ كَيْدًا ﴿ فَهِّلِ اَلْكَفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا
الإعراب:
﴿رُوَيِّدًا﴾ مصدر مؤكد لمعنى العامل، مصغر رَوْد أو إرواد على الترخيم.
البلاغة:
﴿وَالسَّمَاءِ﴾ و﴿ وَالْأَرْضِ﴾ بينهما طباق، وكذا بين (الفصل .. والهزل).
٥٥٨
الُ (٣٠) - الظَارِق: ٨٦ /١١-١٧
(1) سجع رصين يزيد في جمال
وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ
١٤
(﴿ وَمَا هُوَ بِالْخَلِ
الأسلوب، ومثله ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصُلٌ
يَكِدُونَ كَيْدًا﴾ جناس اشتقاق.
﴿فَهِّلِ الْكَفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيِّدًا (٣)﴾ إطناب بتكرار الفعل مرة أخرى، مبالغة
في الوعید.
المفردات اللغوية:
﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ الرجع: إعادة الشيء إلى ما كان فيه أولاً، والمراد به هنا
المطر: لأنه يعود إلى الأرض من السماء. ﴿ذَاتِ الصَّدّعِ﴾ الشَّق عن النبات
والعيون وغيرهما من كنوز الأرض. ﴿إِنَّهُ﴾ القرآن. ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ يفصل بين
باللعب والباطل،
الحق والباطل، وبين الحلال والحرام. ﴿ وَمَا هُوَ بِالْخَزَّلِ
فإنه جِدٌّ كلُّه.
﴿إِنَّهُمْ﴾ الكفار من أهل مكة وأمثالهم. ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ يدبرون ويعملون
المكايد لإطفاء نور الإسلام، وإبطال أمر النبي وَلٍ. ﴿وَأَكِدُ كَيْدًا
أقابلهم بما يعلي أمره، وأدبِّر أمراً خفياً لهم، وأستدرجهم للانتقام منهم بحيث
لا يحتسبون ولا يعلمون. وليس المقصود بالكيد إذا أسند إلى الله على حقيقته؛
لأن الله تعالى ليس بحاجة إليه، وإنما المراد به جزاء العمل، من قبيل المشاكلة
والمشابهة للجرم المرتكب. ﴿فَهِّلِ﴾ أنْظِرهم أو أعطهم مهلة يا محمد، فلا
تشتغل بالانتقام منهم، أو لا تستعجل بإهلاكهم . ﴿ أَفْهِلَهُمْ رُوَّدًا﴾ أمهلهم
إمهالاً يسيراً، أو قليلاً أو قريباً، وتكرار الفعل وتغيير بنيته للمبالغة في
الوعيد. وقد أخذهم الله تعالى ببدر، وفتح مكة، وتطهرت الجزيرة العربية من
رجس الوثنية.
المناسبة :
بعد إثبات توحيد الله وقدرته على خلق الإنسان أولاً، وإعادته بالبعث
٥٥٩
الجُرُ (٣٠) - الظَارِق: ٨٦ /١١-١٧
والمعاد، أقسم الله قسماً آخر على صحة نزول القرآن من عند الله مشتملاً على
القول الفصل، وصحة رسالة النبي الكريم الذي نزل عليه الوحي القرآني، ثم
أردفه بوعيد المفترين على القرآن والكائدين للرسول بكثير، ووعد هذا النبي
وكل داع إلى الحق بالفوز والغلبة على الأعداء.
التفسير والبيان:
إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴿َ وَمَا هُوَ
DF
وَاْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعَ لَا
بِالْهَزَّلِ ﴾ أي قسماً آخر بالسماء ذات المطر الذي يجيء ويرجع ويتكرر من
السماء، فيحبي الأرض بعد موتها، وينبت النبات، والأرض ذات الصدع:
وهو ما تتصدع وتنشق عنه الأرض من النبات والثمار والشجر والمعدن
اَلْأَرْضَ شَقًّا
شَقَقْنَا
◌ُّ
والكنز والثروة النفطية والمائية، كما قال تعالى:
وَفَكِهَةً وَأَبَّاً
وَحَدَابِقَ غُلَبَ (®َ
وَزَيْتُونَا وَنَّخْلَ (9َ)
٢٨
فَأَنْبَنَا فِيهَا حَبَّ ﴿ وَعِنَبًا وَقَضْبًا
[عبس: ٢٦/٨٠-٣٢] قسماً بالسماء والأرض،
٣٢
مَّشَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ
إن القرآن الكريم لقول حق لا ريب فيه، يفصل بين الحق والباطل، ولم ينزل
باللعب واللهو، فهو جِدٌّ حقٌّ ليس بالهزل، ولا بالشعر ولا بالسحر ولا
بالكهانة، تنزيل من حكيم حميد. فقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ فَصْلُ (٣)﴾ جواب
القسم. وسمي المطر رجعاً من ترجيع الصوت وهو إعادته، لكونه عائداً مرة
بعد أخرى، ولأنه ينشأ من تبخر بحار الأرض ثم يعود إلى الأرض.
أخرج الترمذي والدارمي عن علي كرم الله وجهه قال: سمعت رسول الله
وَله يقول: ((إنها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال:
كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحَكَم ما
بينكم، هو الفَصْل ليس بالهزل، من تركه من جَبَّار قَصَمَه الله، ومن ابتغى
الهدى في غيره أضله الله. وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، وهو الذِّكر
الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به
٥٦٠
الزُعُ (٣٠) - الطارق: ٨٦ / ١١-١٧
الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء،
ولا يخلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن لمّا سمعته
أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا، يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ١/٧٢-٢]، من
علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به
أُجِر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم)).
ثم أوعد الله تعالى المكذبين بالقرآن الكائدين للمؤمنين بقوله :
وَأَكِيدُ كَيْدًا (٣) أي إن الكفار زعماء مكة
﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (9)
وأمثالهم يدبرون المكائد للنبي ويّ لإبطال ما جاء به من الدين الحق، وللصد
عن سبيل الله وعن القرآن، بالقول بأن القرآن أساطير الأولين، وبأن محمداً
ساحر أو مجنون أو شاعر، ويتآمرون على قتله، كما أخبر تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ
يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠/٨].
ولكني أدبر لهم تدبيراً آخر، فأستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأجازيهم
جزاء كيدهم. وقد سمى جزاء الكيد بالاستدراج والإمهال المؤدي إلى زيادة
الإثم الموجبة لشدة العذاب كيداً.
ثم وعد رسوله بالنصر عليهم، وأمره بالصبر والتمهل، فقال:
أي أخّرهم وأنظرهم، ولا تَدْعُ
﴿فَهِّلِ اَلْكَفِينَ أَمْعِلْهُمْ رُوَيًِّا
١٧
بهلاكهم، ولا تستعجل به، وارض بما يدبره الله لك في أمورهم.
ثم كرر ذلك المعنى للمبالغة، فقال: أمهلهم إمهالاً يسيراً قليلاً، أو قريباً،
وسترى ما يحل بهم من العذاب والنكال، والعقوبة والهلاك، كما قال تعالى:
[لقمان: ٢٤/٣١] .
﴿ نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَادٍ غَلِيظٍ
وهذا وعيد شديد، تحقق يوم بدر، ويعقبه عذاب يوم القيامة، وفيه تحذير
عن مثل سيرتهم، وترغيب في خلاف طريقتهم.