النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
الُعُ (٣٠) - المطفِفِينَ: ٨٣ /١٨-٢٨
السعادة، والسفل والضيق والظلمة من علامات الشقاوة. والمقصود من وضع
كتاب الفجار في أسفل السافلين وفي أضيق المواضع: إذلال الفجار وتحقير
شأنهم. والمقصود من وضع كتاب الأبرار في أعلى عليين وشهادة الملائكة لهم
بذلك: إجلالهم وتعظيم شأنهم(١).
◌َ - بعد أن عظم الله تعالى كتاب الأبرار عظم منزلتهم، فأبان أنهم في
نعيم الجنة. ووصف كيفية ذلك النعيم بأمور ثلاثة:
أولها - على الأرائك ينظرون، أي على الأسرة في الحجال ينظرون إلى ما
أنعم الله به عليهم من الكرامات، ومن أنواع النعيم في الجنة من الحور العين
والولدان، وأنواع الأطعمة والأشربة والملابس والمراكب وغيرها، قال الفتى:
(يلحظ المؤمن، فيحيط بكل ما آتاه الله، وإن أدناهم يتراءى له مثل سعة
الدنيا)).
ثانيها - تعرف في وجوههم نضرة النعيم، أي بهجته وغضارته ونوره،
والنظر المقرون بالنضرة هو رؤية الله عز وجل، على ما قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَدٍ
إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ
[القيامة: ٢٢/٧٥-٢٣].
٢٣
نَاضِرَةً (
ثالثها - يسقون من رحيق مختوم، أي يسقون من شراب لا غِشّ فيه،
والرحيق: صفوة الخمر، وخمر الجنة غير مسكرة، كما قال تعالى: ﴿لَا فِيهَا
[الصافات: ٤٧/٣٧] . وقال عز وجل:
٤٧
غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنَفُونَ
يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُثِرِفُونَ
١٩) ﴾ [الواقعة: ١٩/٥٦].
وهذا النوع من الخمر يختلف عن النوع الآخر الذي يجري في الأنهار،
المشار إليه في قوله تعالى: ﴿ وَأَنْهُرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ﴾ [محمد: ١٥/٤٧] لكن
هذا المختوم أشرف وأفضل من الجاري.
(١) تفسير الرازي: ٩٧/٣١.

٥٠٢
الُعُ (٣٠) - المطفِفِينَ: ٨٣ /١٨-٢٨
وللرحيق صفات أربع هي:
الأولى - أنه شراب مختوم قد ختم عليه تكريماً له بالصيانة على ما جرت به
العادة من ختم ما يكرم ويصان.
الثانية - ختامه مسك، أي عاقبته المسك، بمعنى أن يختم له آخره بريح
المسك. قال الفراء: الختام آخر كل شيء.
الثالثة - أنه محل التنافس والتنازع لرفعته وطيبه، والمراد: فليرغب
الراغبون به إلى المبادرة إلى طاعة الله عز وجل.
الرابعة - ومزاجه من تسنيم، أي مزاج ذلك الرحيق الذي يخلط به من
تسنيم، وهو شراب ينصب عليهم من علوّ، وهو أشرف شراب في الجنة.
وأصل التسنيم في اللغة: الارتفاع، فهي عين ماء تجري من علو إلى أسفل،
ومنه سنام البعير لعلوّه من بدنه، وكذلك تسنيم القبور.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: تسنيم: عين في الجنة يشرب بها
المقرّبون صِرْفاً، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين، فتطيب.
وقال ابن عباس كما تقدم في قوله عز وجل: ﴿وَمِنَ اجُهُ مِن تَسْنِيمٍ
٠ ٠
٢٧
هذا مما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعَيْنٍ﴾ [السجدة:
١٧/٣٢] .
لذا قال تعالى بعدئذ: ﴿عَيِّنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴿﴾ أي يشرب منها
أهل جنة عدنٍ، وهم أفاضل أهل الجنة، صِرْفاً وهي لغيرهم مِزاج.
ويلاحظ أنه تعالى لما قسم المكلفين في سورة الواقعة إلى ثلاثة أقسام:
المقربون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، وذكر كرامة المذكورين في
هذه السورة بأنه يمزج شرابهم من عين يشرب بها المقربون، علمنا أن

٥٠٣
اِلُعُ (٣٠) - المطفِفِينَ: ٨٣ /٢٩-٣٦
المذكورين هنا هم أصحاب اليمين. وهذا يدل على أن الأنهار متفاوتة في
الفضيلة، فتسنيم أفضل أنهار الجنة، والمقربون أفضل أهل الجنة(١).
سوء معاملة الكفار للمؤمنين في الدنيا
ومقابلتهم بالمثل في الآخرة
وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ
٣٩
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ
يَثَغَامَنُونَ
، وَإِذَا أَنْقَلَبُوْ إِلَىَّ أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ
٣١
) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ
قَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ اُلْكُفَّارِ
٣٣
وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ خَفِظِينَ
هَؤُلَاءٍ لَضَاَلُونَ
٣٦
جَ عَلَى الْأَرَابِكِ يَنْظُرُونَ ﴿ هَلْ نُوُّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوْ يَفْعَلُونَ
يَضْحَكُونَ
القراءات:
﴿أَهْلِهِمُ أَنقَبُواْ﴾:
قرأ أبو عمرو (أهلهِم) وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (أهلهُمُ) وقرأ
الباقون (أهلهِمُ).
﴿فَكِهِينَ﴾ :
قرأ حفص (فكهين) وقرأ الباقون (فاكهين).
الإعراب:
هَلْ ثُوِّبَ اُلْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (®﴾ ﴿هَلْ تُوُّبَ
٣٥
﴿عَلَى الْأَرَآئِكِ يَنْظُرُونَ
اُلْكُفَارُ﴾ في موضع نصب بـ ﴿يَنظُرُونَ﴾. وقيل: لا موضع لها من الإعراب؛
لأنها مستأنفة. وقرئ: ((هل ثوِّب)): بإدغام اللام في ﴿هَلْ﴾ في الثاء،
(١) تفسير الرازي: ١٠٠/٣١.

٥٠٤
لُءُ (٣٠) - المطفِفِيٌّ: ٢٩/٨٣-٣٦
وبإظهارها، من أدغم، فلما بينهما من المناسبة؛ لأنهما من حروف اللسان
والثنايا العليا.
البلاغة:
﴿يَكْسِبُونَ﴾ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ ﴿يَنَغَامَنُونَ﴾ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ﴿يَفْعَلُونَ﴾ سجع
مرصع، وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ هم رؤساء قريش ومشركو مكة: أبو جهل والوليد
ابن المغيرة وأمثالهما. ﴿كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ أي يضحكون استهزاء
من عمَّار وصهيب وبِلال وغيرهم من فقراء المؤمنين . ﴿ وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ﴾ مروا
بالمؤمنين. ﴿يَغَامَزُونَ﴾ يغمز بعضهم بعضاً، ويشيرون بأعينهم بالجفن
والحاجب استهزاء. والغمز: إرخاء الجفن والحاجب استهزاء وسخرية، أو
لغرض آخر يعبر به عن شيء بين الناس، إما خير أو شر، وأكثر ذلك إنما
یکون علی سبیل الخبث.
﴿أَنْقَلَبُواْ﴾ رجعوا. ﴿فَكِهِينَ﴾ معجبين بذكرهم المؤمنين، أي ينسبونهم
إلى الضلال، وقرئ: فاكهين، أي ملتذين بالسخرية منهم، والمعنى في
القراءتين واحد . ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ أي رأوا المؤمنين. ﴿ لَضَالُّونَ ﴾ ينسبونهم إلى
الضلال، لإيمانهم بمحمد رٍَّ ﴿وَمَآ أَرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ وما أرسل الكفار على
المؤمنين. ﴿حَفِظِينَ﴾ لهم أو لأعمالهم، أي رقباء يهيمنون على أعمالهم،
شاهدين عليها، يشهدون برشدهم وضلالهم.
﴿ فَالْيَوْمَ﴾ أي يوم القيامة. ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُغَارِ يَضْحَكُونَ ) یهزؤون بهم
حين يرونهم أذلاء مغلولين في النار، ﴿عَلَى الْأَرَابِكِ﴾ على الأسرة في الحجال
في الجنة . ﴿يَظُرُونَ﴾ من منازلهم إلى الكفار، وهم يعذبون، فيضحكون منهم،

٥٠٥
الُ (٣٠) - المطففين: ٨٣ /٢٩-٣٦
كما ضحك الكفار منهم في الدنيا. ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ جوزي، من التثويب
والإثابة: المجازاة، أي هل أثيبوا؟ ﴿مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ نعم.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٩):
ذکر العلماء في سبب النزول وجھین:
الأول - أن المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ أكابر المشركين
كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل السَّهْمي، كانوا يضحكون من
عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمین ويستهزئون بهم.
الثاني - جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين، فسخر
منهم المنافقون، وضحكوا، وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم، فقالوا:
رأينا اليوم الأصلع، فضحكوا منه، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل عليّ إلى
رسول الله ◌َليم (١).
المناسبة:
بعد بيان قصة الفجار وقصة الأبرار وما أعد لكل فئة في الآخرة، حكى
الله تعالى بعض قبائح أفعال الكافرين في الدنيا بالاستهزاء بالمؤمنين،
ومعاملتهم بالمثل في الآخرة، جزاء ما فعلوا في الدنيا. والمقصود منه تسلية
المؤمنين وتقوية قلوبهم.
التفسير والبيان:
حكى الله تعالى عن رؤساء الشرك وأمثالهم أربعة أشياء من المعلومات
القبيحة، فقال :
(١) تفسير الرازي: ١٠١/٣١.

٥٠٦
للجزءُ (٣٠) - المُطْفِفِينَ: ٨٣ /٢٩-٣٦
اً - ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ
أي إن كفار
٢٩
قريش ومن وافقهم على الكفر كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤمنين، ويسخرون
منهم. وهكذا شأن الأقوياء والأغنياء في كل عصر يسخرون من المؤمنين
المصلّين أو الفقراء المتأدبين بآداب الإسلام والقرآن، ويهزؤون من المتدينين
ومن دينهم، اعتماداً منهم على قوتهم، أو سلطتهم ونفوذهم، أو ثروتهم
وغناهم. قال ابن عباس في تفسير ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾: هو الوليد بن
المغيرة، وعُقْبة بن أبي مُعَيط، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث،
والعاص بن هشام، وأبو جهل، والنضر بن الحارث. وأولئك الذين آمنوا من
أصحاب محمد وَّر مثل عمار، وخبَّاب، وصُهيب، وبلال.
﴾ أي وإذا مرَّ الكفار بالمؤمنين يتغامزون
◌َ - ﴿ وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَنَغَامَزُونَ
عليهم محتقرين لهم، يعيرونهم بالإسلام، ويعيبونهم به. والتغامز: صيغة تفاعل
تقتضي المشاركة، من الغمز: وهو الإشارة بالجفن والحاجب استهزاء، ويكون
الغمز أيضاً بمعنى العيب، يقال: غمزه: إذا عابه، وما في فلان غميزة، أي
ما يعاب به، والمعنى: أنهم يشيرون إليهم بالأعين استهزاء، ويعيبونهم،
ويقولون: انظروا إلى هؤلاء يتعبون أنفسهم، ويحرمونها لذاتها، ويخاطرون
بأنفسهم في طلب ثواب لا يتيقنونه.
◌َّ - ﴿وَإِذَا أَنْقَلَبُوْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِينَ (4﴾ أي وإذا رجع الكفار إلى
أهلهم في منازلهم من مجالسهم في السوق، رجعوا معجبين بما هم فيه،
متلذذين به، يتفكهون بما فعلوا بالمؤمنين، وبما قاموا به من طعن فيهم،
واستهزاء بهم، ووصفهم بالسخف والطيش وضعف الرأي وقلة العقل.
٤ - ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَضَاَلُونَ
أي وإذا رأى المشركون
٣٢
المؤمنين، وصفوهم بالضلال؛ لكونهم على غير دينهم وعقائدهم الموروثة،
ولاتباعهم محمّداً، وتمسكهم بما جاء به، وتركهم التنعم الحاضر بسبب طلب
ثواب لا يدرى: هل له وجود أم لا.

٥٠٧
الُ (٣٠) - المطففين: ٨٣ /٢٩-٣٦
فردَّ الله تعالى عليهم ما قالوه بقوله:
﴿وَمَا أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ (®﴾ أي وما بعث هؤلاء المجرمون من قبل الله
رقباء على المؤمنين، يحفظون عليهم أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم، ولا كُلِّفوا
بهم؟ وإنما كلفوا بالنظر في شؤون أنفسهم.
ثم قرر الله تعالى مبدأ المعاملة بالمثل في الآخرة، تسلية للمؤمنين وتقوية
لقلوبهم، فقال:
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَارِ يَضْحَكُونَ (®﴾ أي ففي اليوم الآخر يوم
القيامة، يضحك المؤمنون ويهزؤون من الكفار حين يرونهم أذلاء مغلوبین، قد
نزل بهم ما نزل من العذاب، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، معاملة
بالمثل، وتبياناً أن الكفار الجاحدين هم في الواقع سفهاء العقول والأحلام،
خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. وكلمة ﴿فَالْيَوْمَ﴾ دليل على
أن التكلم واقع في يوم القيامة.
﴿عَلَى الْأَرَآيِكِ يَنْظُرُونَ (®َ﴾
● أي ينظر المؤمنون إلى أعداء الله، وهم يعذبون
في النار، والمؤمنون متنعمون على الأرائك. وهذا دائم خالد لا يعادل بشيء من
المؤقت الفاني.
﴾ أي هل أثيب وجوزي الكفار على
﴿هَلْ تُوِّبَ الْكُغَارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والطعن والتنقيص، أم لا؟ نعم،
قد جوزي الكفار أتم الجزاء بما كان يقع منهم في الدنيا من الضحك من
المؤمنين والاستهزاء بهم. والثواب: من ثاب يثوب: إذا رجع، فالثواب: ما
يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويستعمل في الخير والشر. والاستفهام بمعنى
التقرير للمؤمنين، أي هل جوزوا بها؟
فقه الحياة أو الأحكام:
استدل العلماء بالآيات على ما يأتي:

٥٠٨
الُعُ (٣٠) - المُطْفِفِينَ: ٨٣ /٢٩-٣٦
اً - الكفار دائماً في عداوة وحقد وتغاير مع المؤمنين، فلا يلتقي الإيمان مع
الكفر، ولا الدين الصحيح مع الضلال، ولا الأخلاق العالية مع الأخلاق
المرذولة. فقد كان يصدر من المشركين ألوان متعددة من أذى المؤمنين، منها ما
ذكرته هذه الآيات: وهو الاستهزاء والسخرية من المؤمنين، وتعييبهم
والطعن بهم وتعييرهم بالإسلام، والتفكه بذكر المسلمين بالسوء أمام
أهاليهم، والعُجْب بما هم فيه من الشرك والمعصية والتنعم بالدنيا، وقولهم
بأن المؤمنين في ضلال لتركهم دين الآباء والأجداد واتباعهم محمداً وَله،
وتركهم التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب غير مؤكد الحصول.
أَ - قوبل الكفار في الآخرة بمثل فعلهم وقولهم، تسلية للمؤمنين، وتثبيتاً
لهم على الإسلام، وتصبراً على متاعب التكاليف، وأذية الأعداء، في أيام
معدودة، لنيل ثواب لا نهاية له ولا غاية، ففي الآخرة يهزأ المؤمنون من
الكفار ويضحكون منهم، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، بسبب الضر
والبؤس، فضحك المؤمنون منهم بسبب ما هم فيه من أنواع العذاب والبلاء.
٣٤
قال قتادة في قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَارِ يَضْحَكُونَ
:
ذُكِر لنا أن كعباً كان يقول: إن بين الجنة والنار كُوىً، فإذا أراد المؤمن أن
ينظر إلى عدوّ كان له في الدنيا، اطلع من بعض الكُوى؛ قال الله تعالى في آية
[الصافات: ٥٥/٣٧] قال: ذُکر لنا
۵۵
أخرى: ﴿ فَطَّلَعَ فَرَاهُ فِ سَوَآءِ الْجَحِيمِ
أنه اطلع فرأى جماجم القوم تَغْلي.
ويدخل المؤمنون الجنة، وأجلسوا على الأرائك ينظرون إلى الكفار، كيف
يعذبون في النار، وكيف يصطرخون فيها، ويدعون بالويل والثبور، ويلعن
بعضهم بعضاً.
(٣٦) ﴾ كقوله
ويقال على سبيل التهكم: ﴿هَلْ تُوِّبَ الْكُفَارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
[الدخان: ٤٤ /٤٩] والمعنى:
٤٩
تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ

٥٠٩
لُعُ (٣٠) - المطففين: ٨٣ /٢٩-٣٦
كأنه تعالى يقول للمؤمنين: هل جازينا الكفار على عملهم الذي كان من جملته
ضحكهم بكم واستهزاؤهم بطريقتكم، كما جازيناكم على أعمالكم
الصالحة؟ فيكون هذا القول زائداً في سرورهم؛ لأنه يقتضي زيادة في
تعظيمهم والاستخفاف بأعدائهم.

٥١٠
الُهُ (٣٠) السورة (٨٤) الأَنْشِفَقِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُؤَدَّةُ الأَنْشِفَقِ
مكية، وهي خمس وعشرون آية
تسميتها:
۵﴾أي تشققت
سميت سورة الانشقاق؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أُنشَقَّتْ
وتصدعت مؤذنة بخراب العالم، ومنذرة بهول يوم القيامة.
مناسبتها لما قبلها:
السور الأربع: الانشقاق وما قبلها وهي سورة المطففين والانفطار
والتكوير كلها في صفة حال يوم القيامة، ذكرت على ترتيب ما يقع فيه،
فغالب ما وقع في التكوير، وجميع ما وقع في الانفطار يقع في صدر يوم
القيامة، وأغلب ما ذكر في المطففين في أحوال الأشقياء الفجار والمتقين
الأبرار في الآخرة، وعنيت سورة الانشقاق بالجمع بين ما يحدث من مقدمات
ومشاهد الآخرة الرهيبة وبين ما يعقب ذلك من الحساب اليسير لأهل اليمين
والحساب العسير لأهل الشمال.
وفي السورة المتقدمة ذكر مقر كتب الحفظة، وفي هذه ذكر كيفية عرضها يوم
القيامة.

٥١١
لِلُهُ (٣٠) السورة (٨٤) الأَنْشِقَقِ
ما اشتملت عليه السورة:
محور السورة كالسور المكية الأخرى: شؤون العقيدة، وتصوير أهوال
القيامة. وقد بدئت ببيان بعض التبدلات الكونية الخطيرة عند قيام الساعة:
[الآيات: ١- ٥].
{إِذَا السَّمَاءُ الشَقَّتْ لَّ
وأردفت ذلك حال الإنسان في موقف العرض والحساب يوم القيامة،
وانقسام الناس فريقين: أهل اليمين وأهل الشمال: ﴿يَتَأَيُّهَا الْإِسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ
[الآيات: ٦ -١٥ ].
إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَقِهِ
ثم أقسم الله بالشفق والليل والقمر على ملاقاة المشركين في القيامة أهوالاً
شديدة، وأحوالاً عصيبة: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِالشَفَقِ ﴿1﴾ [الآيات: ١٦-١٩].
وختمت السورة بتوبيخ المشركين والكفار والملاحدة والوجوديين وأمثالهم
على عدم إيمانهم بالله تعالى، وبإنذارهم بالعذاب الأليم، والتنبيه على نجاة
المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، ومنحهم الثواب الدائم
[الآيات:
٣٠
المستمر الذي لا ينقطع ولا ينقص: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
٢٠ -٢٥].
والخلاصة: أن السورة اشتملت على مقصدين: بيان ما يلاقيه الإنسان من
نتائج أعماله يوم القيامة، وانحصار المصير إما في جنات النعيم وإما في نيران
الجحيم.
فضلها:
أخرج مسلم والنسائي: أن أبا هريرة قرأ بهم: ﴿إِذَا اُلسَّمَاءُ أُنشَقَّتْ
فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله وَلهو سجد فيها.
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه عن أبي
رافع قال: صليت مع أبي هريرة العَتَمة (العشاء) فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ
١

٥١٢
الجُزءُ (٣٠) - الأَنْتَقَلِ: ٨٤ / ١-١٥
فسجد، فقلت له، فقال: سجدت خلف أبي القاسم وَل﴾، فلا أزال
أسجد بها، حتى ألقاه.
وزاد النسائي عن أبي هريرة نفسه قال: سجدنا مع رسول الله وَلو في ﴿إِذَا
السّءُ اُنْشَقَّتْ ﴿)﴾ و﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ الَّذِى خَلَقَ
أهوال يوم القيامة وانقسام الناس فريقين
وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَتْ ﴿ وَأَلْقَتْ مَا
وَأَذِنَتْ لِرَتِهَا وَحُقَّتْ
{إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ
فِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴿ وَذِنَتْ لِرَبِهَا وَحُقَّتْ
۵
يَتَأَيُّهَا الْإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا
فَمُلَفِيهِ ﴿ فَمَّا مَنْ أُوْنِّيَ كِنَبَهُ بِيَمِينِهِ،
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا
٨
وَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِنَبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ،
وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٦)
فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُورًا
١٠
إِنَُّ كَانَ فِىّ أَهْلِهِ، مَسْرُورًا (٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّن يَحُورَ (9) بَ
وَيَصْلَى سَعِيرًا
إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ، بَصِيرًا
١٥
القراءات:
:
ویصلى ﴾
قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، والكسائي (ويُصلى)، وقرأ الباقون
(ويَصْلَىَ).
الإعراب:
ظرف، والعامل فيه جوابه، وجوابه إما
إذَا
﴿إِذَا السَّمَاءُ أُنْشَقَتْ
مقدر، أي بعثتم، أو جوابه: ﴿وَأَذِنَتْ﴾ والواو فيها زائدة، والتقدير: إذا
السماء انشقت أذنت. وقيل: جوابه: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ﴾ على تقدير: فيا أيها
لا
بیمینهِے
كتبه
﴿فَأمّا مَنْ أوتِىَ
الإنسان، فحذفت الفاء، أو جوابه:

٥١٣
الُعُ (٣٠) - الأنْشْتَقِاِ: ٨٤ /١-١٥
(ج)﴾ ﴿أَن﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي
﴿إِنَُّ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُورَ
إنه، وقد سدت مسد مفعولي ﴿ظَنَّ﴾. و﴿ظَنَّ﴾ وما عملت فيه: في موضع
رفع خبر: إن.
البلاغة:
﴿السَّمَاءُ﴾ و﴿الْأَرْضُ﴾ بينهما طباق.
﴾ و﴿وَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِنَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهٍ،
٧
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِىَ كِنَبَهُ بِمِينِ
١٠
بينهما مقابلة.
وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا وَحُقَّتْ (٤) إِلَخْ سجع مرصع: وهو
﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ
توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿أَنشَقَّتْ﴾ تشققت وتصدعت.﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا﴾ استمعت له، وانقادت لتأثير
قدرته حين أراد انشقاقها، انقياد المطواع الذي يأذن للأمر، والأَذَن: هو
الاستماع للشيء والإصغاء إليه (١).
ويكون انشقاقها بالغمام، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ وَنُزِلَ
[الفرقان: ٢٥/٢٥] .
٣٢٥
المَكَبِكَةُ تَنزِيلًا
﴿وَحُقَّتْ﴾ وحق لها أن تسمع وتطيع وتنقاد .﴿مُذَتْ﴾ بسطت واتسعت
. رقعتها بزوال جبالها وآكامها وأبنيتها. ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ من الموتى والكنوز إلى
ظاهرها .﴿ وَتَخَلَّتْ﴾ تكلفت في الخلو أقصى جهدها، حتى لم يبق في باطنها
شيء . ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا﴾ سمعت وأطاعت في ذلك، أي في الإلقاء والتخلية.
﴿ وَحُقَّتْ﴾ حق لها أن تسمع وتطيع، وذلك كله يوم القيامة.
(١) قال رَ﴾: ((ما أذِن الله لشيء كأذَنِه لنبي يتغنى بالقرآن)) أي يتلوه يجهر به (النهاية لابن الأثير:
٣٣/١).

٥١٤
◌ِلُعُ (٣٠) - الْأَنْقَوِ: ٨٤ / ١-١٥
وجواب ﴿إِذَا﴾ وما عطف عليها محذوف دلَّ عليه ما بعده تقديره: لقي
الإنسان عمله، أو بعثتم.
{كَائِيعُ﴾ جاهد وُجِدٌّ في عملك. ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى لقاء ربك، وهو الموت.
﴿فَمُلَقِيهِ﴾ ملاق عملك من خير أو شر يوم القيامة. ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِنَبَهُ﴾
أعطي كتاب عمله. ﴿بِيَمِينِةٍ﴾ هو المؤمن. ﴿حِسَابًا يَسِيرًا﴾ سهلاً لا يناقش
فيه، بأن يعرض عليه عمله، كما في حديث الصحيحين، ثم يتجاوز عنه، وفي
الحديث المذكور: ((من نوقش الحساب عُذِّب)). ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِ مَسْرُورًا
) أي يرجع في الجنة إلى عشيرته المؤمنين، مسروراً بحسابه اليسير.
﴿مَنْ أُوْنِىَ كِنَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ ﴾ هو الكافر، يؤتى كتاب عمله بشماله من وراء
ظهره، قيل: غل يمناه إلى عنقه، وجعل يسراه وراء ظهره . ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُرًا
ينادي عند رؤية ما فيه هلاكه، قائلاً: يا ثبوراه، وهو الهلاك. ﴿وَيَصْلَى
سَعِیرًا
يقاسي ناراً مستعرة، ويدخل ناراً شديدة. ﴿إِنَّهُ كَانَ فِىَ أَهْلِهِ.
مَسْؤُورًا
كان في عشيرته في الدنيا فرحاً بطراً باتباعه لهواه . ﴿يَحُرَ﴾
١٣
يرجع، والمراد: أنه لن يرجع إلى ربه .﴿بَى﴾ أي بلى محور ويرجع إليه، فهو
إيجاب لما بعد ﴿لَّنْ﴾ أي جواب لما بعد النفي، أي نعم يرجع. ﴿إِنَّ رَبَُّ كَانَ
بِهِ، بَصِيرًا﴾ عالماً بأعماله وبرجوعه إليه، فلا يهمله، بل يرجعه ويجازيه.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن أهوال يوم القيامة وأماراتها بقوله:
أي إذا تشققت السماء
﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَتِهَا وَحُقَّتْ
وتصدعت مؤذنة بخراب العالم، وانشقاقها من علامات القيامة، وأطاعت
ربها وانقادت له فيما أمر، وحق لها أن تطيع أمره وتنقاد وتسمع؛ لأنه
العظیم القاهر الذي لا يمانع ولا یغالب، بل قد قهر كل شيء، وخضع له كل
شيء.

٥١٥
(٣٠) - الأنْوَق: ٨٤ /١-١٥
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٣) أي وإذا الأرض بسطت
﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَتْ
وسُوِّيت ووسِّعت بزوال جبالها وآكامها، ونسفها حتى صارت قاعاً صفصفاً،
ولفظت وأخرجت ما فيها من الأموات والكنوز، وطرحتهم إلى ظهرها،
وخلت خلواً تاماً عما فيها، وتخلت إلى الله وتبرأت من كل من فيها، ومن
أعمالهم.
ونظير الآية: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنِسِفُهَا رَبِ نَسْفًا (®) فَيَذَرُهَا قَاعًا
صَفْصَفًا ﴿®َ لَّا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَّ أَمْتَّا (َ﴾ [طه: ١٠٥/٢٠-١٠٧].
﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا وَحُقَّتْ جَ﴾ أي استمعت وأطاعت أوامر ربها، وحق لها
أن تتخلى وتستمع لما يريد ربها أن يأمرها به؛ لأنها واقعة في قبضة القدرة
الإلهية. وجواب ﴿إِذَا﴾ محذوف لإرادة التهويل على الناس، والتقدير: إذا
حدث ما حدث، رأيتم أعمالكم من خير أو شر.
﴿ يَأَيُّهَا الْإِنِسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَفِيهِ (٦): أي يا أيها
الإنسان، والمراد به الجنس الذي يشمل المؤمن والكافر، إنك عامل في هذه
الحياة ومجاهد وُجِدٌّ في عملك، ومصير سعيك وعملك إلى ربك، أو إلى لقائه
بالموت، وإنك ستلقى ما عملت من خير أو شر، أو سوف تلقى ربك
بعملك. والكدح: جهد النفس في العمل حتى تأثرت.
روى أبو داود الطيالسي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَلات :
((قال جبريل: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت، فإنك
مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه)).
فقوله: ﴿فَمُلَقِيهِ﴾ يعود الضمير إلى العمل من خير أو شر، وقيل: يعود
الضمير على قوله: ﴿رَبِّكَ﴾ أي فملاق ربك، ومعناه: فيجازيك بعملك
ويكافئك على سعيك.

٥١٦
لُءُ (٣٠) - الإِنْقَقِ: ٨٤ / ١-١٥
ثم ذكر أحوال الناس وانقسامهم إلى فريقين يوم القيامة، فقال: الفريق
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا
الأول - المؤمنون: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِىَ كِنَبَهُ بَِمِينِهِ،
أي فأما من أعطي كتاب أعماله
وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، مَسْرُورًا
يَسِيرًا (4)
بيمينه وهم المؤمنون، فإنه يحاسب حساباً سهلاً، بأن تعرض عليه سيئاته، ثم
يغفرها الله ويتجاوز عنها، من غير أن يناقشه الحساب، فذلك هو الحساب
اليسير.
روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير عن عائشة
رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَل: ((من نوقش الحساب عُذِّب،
قالت: فقلت: أفليس الله تعالى قال: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا
؟
٨
قال: ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العرض، ومن نوقش الحساب يوم
القيامة عُذِّب)) .
وهذا الذي يعطى كتابه بيمينه ويحاسب حساباً يسيراً بالعرض يرجع إلى
أهله وعشيرته في الجنة مغتبطاً فرحاً مسروراً بما أعطاه الله عز وجل وما أوتي
من الخير والكرامة.
روى الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله وَ لو أنه قال: ((إنكم تعملون
أعمالاً لا تعرف، ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله، فمسرور أو مكظوم)).
ونظير الآية قوله: ﴿فَأَّمَا مَنْ أُوْقِيَ كِنَبَهُ بِيَمِنِهِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَءُواْ كِنَلِيَهُ
١٩
﴾ [الحاقة: ١٩/٦٩-٢١].
فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ
إِنِّ ظَنْتُ أَنِى مُلَقِ حِسَابِيَّة
مِنْ أونىَ
· لا
13
فَسَوْفَ يَدْعُواْ
١٠
كِتَبَهُ وَرَاءَ ظهرِهِ،
وَأَمّـ
الفريق الثاني - الكافرون :
وَيَصْلَى سَعِيرًا (٣)﴾ أي وأما من أعطي كتاب أعماله بشماله من
ثبورا
وراء ظهره؛ حيث تثنى يده خلفه، ويعطى كتابه بها، وتكون يمينه مغلولة إلى
عنقه، فإذا قرأ كتابه، نادى يا ثبوراه، أي بالهلاك والخسار، ثم يدخل
جهنم، ویصلی حرَّ نارها وشدتها.

٥١٧
لُ (٣٠) - الإِنْتَقْلِ: ٨٤ /١-١٥
٢٥
ونظير الآية قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِنَهُ بِشِمَالِهِ، فَيَقُولُ يَلَيْنَنِى لَمْ أُوْتَ كِنَبِيَهُ
وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ﴿َ يَلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ﴿ مَآ أَغْنَى عَنّ مَالِيَّةٌ
[الحاقة: ٢٥/٦٩-٢٩].
سُلْطَنِيَهْ
هَلَكَ عَنِى
٣٨
ثم ذكر الله تعالى سببين لعذابه فقال:
اً - ﴿إِنَّهُ كَانَ فِيَّ أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٣)﴾ أي إنه كان في الدنيا فرحاً لا يفكر
في العواقب، ولا يخاف مما أمامه، وإنما يتبع هواه، ويركب شهواته، بطراً
أشِراً لعدم خطور الآخرة بباله، فأعقبه ذلك الفرح اليسير حزناً طويلاً.
◌َ - ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُورَ ﴾ أي إن سبب ذلك السرور والبطر ظنه
بأنه لا يرجع إلى الله، ولا يبعث للحساب والعقاب، ولا يعاد بعد الموت.
ثم ردَّ الله عليه ظنه قائلاً:
أي بلی إنه سیحور ویرجع إلى ربه،
﴿بَّ إِنَّ رَبَُّ كَانَ بِهِ، بَصِيًّا الشَلَّ
وسيعيده الله كما بدأه، ويجازيه على أعماله خيرها وشرها، فإن الله ربه كان
به وبأعماله عالماً خبيراً، لا يخفى عليه منها شيء أو خافية.
وفي هذا إشارة إلى أنه لا بدَّ من دار للجزاء غير دار التكليف؛ لأن ذلك
مقتضى العلم التام والقدرة والحكمة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات الكريمات على ما يأتي:
اً - من علامات القيامة: أولاً - تصدع السماء وتفطرها بالغمام،
والغمام مثل السحاب الأبيض، وثانياً - بسط الأرض ودةٌ جبالها، وإخراج
أمواتها، وتخليها عنهم، وكل من السماء والأرض تصغي وتسمع وتنقاد
وتخضع لأمر ربها، وحق لها أن تسمع أمره.

٥١٨
الُزُ (٣٠) - الأَنْتَقِ: ٨٤ / ١-١٥
أَ - يكدح كل إنسان ويتعب في حياته، ثم يرجع يوم القيامة بعمله إلى ربه
رجوعاً لا محالة، فملاق ربه، أو ملاق عمله. قال قتادة: يا بن آدم، إن
كَدْحَك لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله، فليفعل، ولا
قوة إلا بالله. وهذا دليل على أن الدنيا دار عناء وتعب، ولا راحة ولا فرح
فيها.
◌َّ - الناس فريقان يوم القيامة: سعداء مؤمنون وأشقياء كفار، أما الفريق
الأول - فهم الذين يعطون كتب أعمالهم بأيمانهم، ويعرضون على ربهم
عرضاً لا مناقشة فيه، ويتجاوز الله عنهم، ويرجعون إلى عشيرتهم مسرورين،
فاللهم اجعلنا منهم.
وأما الفريق الثاني - فهم الذين يتناولون كتب أعمالهم بشمائلهم مباشرة،
أو بشمائلهم من وراء ظهورهم، فينادون بالهلاك على أنفسهم، فيقول الواحد
منهم: يا ويلاه، يا ثبوراه، والثبور: الهلاك والخسارة، ثم يدخلون النار حتى
يصلوا حَرَّها.
وسبب خسار هذا الفريق: البطر في الدنيا، وإنكار المعاد والحساب
والجزاء والثواب والعقاب، والله خبير بهم، عليم بأن مرجعهم إليه.
والفرح المنهي عنه: ما يتولد من البطر والترفه، لا الذي يكون من الرضى
بالقضاء ومن حصول بعض الكمالات والفضائل النفسية؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ
◌ِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨/١٠].
قال ابن زيد: وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن والبكاء والشفقة في
الدنيا، فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة، وقرأ قول الله تعالى: ﴿قَالُواْ
إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِىّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴿ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا وَوَقَنْنَا عَذَابَ السَّمُومِ
٢٢٧ ﴾ [الطور: ٢٦/٥٢-٢٧].

٥١٩
الُ (٣٠) - الأنْشِقَقاِ: ٨٤ / ١٦-٢٥
ثم قال: ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا والضحك فيها والتفكه،
فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِىَّ أَهْلِهِ، مَسْرُورًا
٤ - قوله تعالى: ﴿بَلَ﴾ أي ليبعثن: دليل على الجزم بوقوع البعث، وأنه
دار العدل المطلق الذي ينال فيه كل إنسان جزاء عمله خيراً أو شراً.
تأكيد وقوع القيامة وما يتبعها من الأهوال
وَاُلْقَمَرِ إِذَا أَنََّقَ
، وَأَلَيْلِ وَمَا وَسَقَ الَ
١٦
﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ
لَتَرْكَبُنَّ
١٨
طَقًا عَنْ طَبَقِ
فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ﴾
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ ﴿﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُؤْعُونَ
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجُر غَيْرُ مَمْنُونٍ
٢٥
القراءات:
لترکبن
قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف (لتركَبَن)، وقرأ الباقون
(لتركَبُن).
اُلْقُرْءَانُ﴾:
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران).
الإعراب:
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًّا عَنْ طَبَقِ ﴾﴾ أي حالاً بعد حال، و﴿عَنْ﴾ تأتي بمعنى
(بعد) ومنه قولهم: سادوا كابراً عن كابر، أي بعد كابر. وتركبن: أصله
تركبونن، حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال والواو لالتقاء الساكنين.

٥٢٠
الجزءُ (٣٠) - الأنْشْتَقِ: ٨٤ / ١٦-٢٥
﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٥)﴾ ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من
الهاء والميم في ﴿لَّمْ﴾ وعامله معنى الفعل الذي تعلقت به اللام في ﴿لَّمْ﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ﴾ إما استثناء متصل من الجنس، فيكون ﴿الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ في موضع نصب؛ لأنه استثناء من الهاء والميم في ﴿فَبَشِّرُهُمْ﴾ وإما
استثناء منقطع الجنس، فيكون منصوباً؛ لأن الاستثناء المنقطع منصوب.
البلاغة:
﴿وَسَقَ﴾ و﴿أَشََّقَ﴾ بينهما جناس ناقص.
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًّا عَنْ طَبَقِ (٨) كناية، كََّى به عن الشدة والأهوال التي
يتعرض لها الإنسان.
فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (*) أسلوب تهكمي، استعمال البشارة في موضع
الإنذار تهكم وسخرية بالكفار.
وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ﴿ وَالْقَمَرِ إِذَا أَنَّسَقَ
١٦
﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِلشَّفَقِ
١٨
سجع مرضَّع: وهو توافق الفواصل مراعاة
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ
لرؤوس الآيات، كما تقدم.
المفردات اللغوية:
﴿بِالشَفَقِ﴾ الحمرة التي ترى في الأفق الغربي بعد غروب الشمس، وعن
أبي حنيفة رضي الله عنه: إنه البياض الذي يليها، سمي به لرقته، مأخوذ من
الشفقة . ﴿وَسَقَ﴾ ضمَّ وجمع وستر جميع ما دخل عليه من الدواب وغيرها.
﴿ أَنَّسَقَ﴾ اجتمع وتم نوره وصار بدراً وذلك في منتصف الشهر القمري، وهو
ما يعرف بظاهرة القمر الأزرق. ويرى الفلكيون أنه يمكن أن يكتمل القمر
بدراً مرتين في شهر واحد في أوربا وآسيا لوجود القمر في نصف الكرة الغربي،