النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١
الزُعُ (٣٠) السورة (٨٣) المُطْفِّفِينَ
کَئِینَ
(®) يُجعل في
مّرْقوم
ـط كتبُ
، وذكر هنا ما يكتبه الحافظون :
(@
عليين، أو في سجين.
٤ - ذكر الله تعالى تصنيف الناس إلى فريقين: أبرار وفجار في كل من
السورتين، وذكر مآل كل فريق، إما إلى الجنة، وإما إلى النار. قال أبو حيان:
لما ذكر تعالى السعداء والأشقياء ويوم الجزاء وعظم شأن يومه، ذكر ما أعد
لبعض العصاة، وذكّرهم بأخس ما يقع من المعصية، وهي التطفيف الذي لا
يكاد يجدي شيئاً في تثمير المال وتنميته(١).
ما اشتملت عليه السورة:
عنيت هذه السورة كسائر السور المكية بأمور العقيدة، وعلى التخصيص
أحوال يوم القيامة وأهوالها، وعنيت بأمور الأخلاق الاجتماعية، وهي هنا
تطفيف الكيل والميزان.
بدأت السورة بمطلع مخيف، وهو وعيد المطففين بالعذاب الشديد: ﴿وَيْلٌ
[الآيات ١-٦].
لِلْمُطَفِّفِينَ (@)
ثم أبانت أن كتاب الفجار الأشقياء في ديوان الشر، وفي كتاب مرقوم
بعلامة، وأن مصيرهم أسفل السافلين في نار جهنم: ﴿كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِ
[الآيات ٧-١٧].
٧
لَفِى سِجِینٍ
وأردفت ذلك على سبيل المقارنة والعبرة والجمع بين الترغيب والترهيب
ببيان أن صحائف الأبرار في أعلى عليين، وأنها في كتاب مرقوم بعلامة متميزة
عن صحائف الفجار: ﴿كَلَّ إِنَّ كِنَبَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّينَ
[الآيات
١٨
١٨-٢٨].
(١) البحر المحيط: ٤٣٩/٨.
٤٨٢
الُعُ (٣٠) - المطفْفِينَ: ٨٣ /١-٦
وختمت السورة بوصف موقف المجرمين من المؤمنين، حيث كانوا
يستهزئون ويضحكون منهم في الدنيا لإيمانهم وتقواهم ربهم، ثم انعكاس هذا
الموقف في الآخرة حيث صار المؤمنون يتضاحكون من الأشقياء المجرمين
ويسخرون منهم، وينظرون إليهم وهم يعذبون في النار وما يلقونه من
وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ
٢٩
النكال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ
وَإِذَا أَنْقَلَبُوْ إِلَّ أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ فَكِهِينَ
يَثَغَامَنُونَ
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ اُلْكُفَّارِ
٣١
وَمَا أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ خَفِظِينَ
هَؤُلَاءٍ لَضَالُّونَ
هَلْ تُوَّبَ اُلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
عَلَى الْأَرَابِكِ يَنْظُرُونَ ﴿بَّ
يَضْحَكُونَ ®
وعيد المطففين
وَإِذَا كَالُوُهُمْ أَو
٢
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
وَّزَنُهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣ أَلَا يَظُنُّ أُوْلَِّكَ أَنَّهُم مَّبْعُوتُونٌ ﴿١) لِيَوْمٍ عَظِيمِ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ
النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
الإعراب:
كَالُوُهُمْ أَو وَزَنُهُمْ﴾ الهاء والميم: إما ضمير منصوب بالفعل، وتقديره:
كالوا لهم ووزنوا لهم، فحذفت اللام، فاتصل الفعل به، وإما ضمير مرفوع
مؤكد لواو الجماعة في الفعل. قال ابن كثير: والأحسن أن يجعل كالوا ووزنوا
متعدياً، ويكون ( هم ) في محل نصب. وقال أبو حيان: كال ووزن مما
يتعدى بحرف الجر، فتقول: كلت لك ووزنت لك، ويجوز حذف اللام
كقولك: نصحت لك ونصحتك، وشكرت لك وشكرتك.
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ ﴿ يَوْمَ﴾ الثاني: إما منصوب بفعل مقدر،
﴿لِيَوْمٍ عَظِيمِ الرَ﴾
دلَّ عليه ﴿مَبْعُوُونَ﴾ أي مبعوثون يوم يقوم الناس، وإما بدل من موضع الجار
٥
والمجرور في قوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمِ
٤٨٣
اِلُ (٣٠) - المُطْفِفِينَ: ٨٣ /١-٦
(ج) (أَلَا﴾ هنا: ليست أداة استفتاح،
تحويلا
﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَبْعُوتُونٌ
وإنما الهمزة للإنكار والتعجب، و( لا ) للنفي.
البلاغة:
(4) تنكير ﴿وَيْلٌ﴾ للتهويل والتفخيم.
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
،
﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ و﴿يُخْسِرُونَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَيْلٌ﴾ كلمة عذاب، أي شدة عذاب في الآخرة. ﴿لِلْمُطَّفِّفِينَ﴾
المنقصين، جمع مطفّف: وهو المقل حق صاحبه بنقصانه عن الحق، في كيل أو
وزن، والمراد بالتطفيف هنا: إما الازدياد إن اقتضوا من الناس، وإما
النقصان إن قضوهم. وسمي بذلك لأن ما يبخس شيء حقير طفيف. ﴿اكْتَالُواْ
عَلَى النَّاسِ﴾ أخذوا منهم حقوقهم. ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ يأخذون الكيل وافياً كاملاً.
كَالُوُهُمْ أَو ◌َّزَنُهُمْ﴾ كالوا لهم أو وزنوا لهم. ﴿يُخْسِرُونَ﴾ ينقصون الكيل أو
الوزن.
﴿أَلَا يَظُنُّ﴾ يتيقن، وهو استفهام توبيخ وإنكار وتعجب من حالهم، وعبر
بالظن؛ لأن من ظن ذلك لم يتجاسر على أمثال هذه القبائح، فكيف بمن تیقنه.
﴿لِيَوْمِ عَظِيمِ ﴾﴾ أي يوم القيامة، عظمه لعظم ما يكون فيه. ﴿يَوْمَ يَقُومُ
النَّاسُ﴾ من قبورهم. ﴿لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي رب الخلائق، والمراد: يوم يقف
الناس أمام ربهم لأجل أمره وحكمه وحسابه وجزائه. قال البيضاوي: وفي
هذا الإنكار والتعجب، وذكر الظن، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه
لله، والتعبير برب العالمين مبالغات في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه.
٤٨٤
الزُعُ (٣٠) - المُطْفِفِينَ: ٨٣ /١-٦
سبب النزول:
نزول الآية (١):
أخرج النسائي وابن ماجه بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما قدم النبي
وَّهُ المدينة، كانوا من أبخس الناس كيلاً، فأنزل الله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
فأحسنوا الكيل بعد ذلك. وقال السُّدِّي: كان بالمدينة رجل يكنى أبا جهينة له
مكيالان، يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص فنزلت. وهي آخر سورة نزلت
بمكة، فهي مكية في قول ابن مسعود والضحاك ومقاتل. ويقال: إنها أول
سورة نزلت بالمدينة، فهي مدنية في قول الحسن وعكرمة. روي أن رسول الله
وَ لير قدم المدينة، وكانوا من أخبث الناس كيلاً، فنزلت، فأحسنوا الكيل(١).
وهذا على أن السورة مدنية، أو قرأها عليهم بعد قدومه إن كانت مكية.
التفسير والبيان:
(٤) أي عذاب شديد للمنقصين في الكيل أو الوزن،
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
والتطفيف: الأخذ في الكيل أو الوزن شيئاً طفيفاً، أي نزراً حقيراً أو يسيراً،
والمطفف: هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن. قال ابن
كثير رحمه الله: البخس في المكيال والميزان: إما بالازدياد إن اقتضى من
الناس، وإما بالنقصان إن قضاهم، ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم
بالخسار والهلاك وهو الويل بقوله تعالى:
﴿الَّذِينَ إِذَا أَكَْالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوِ فَزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ
(٣) أي هم الذين إذا اكتالوا من الناس وقبضوا لهم، يأخذون حقهم وافياً
زائداً، وإذا كالوا أو وزنوا لغيرهم من الناس أو أقبضوهم، ينقصون الكيل
أو الوزن.
(١) رواه النَّسَائي عن ابن عباس.
٤٨٥
الُرُ (٣٠) - المطفِفِيرٌ: ٨٣ /١-٦
وقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان، فقال: ﴿وَأَوْفُوْ اُلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ
(وَ﴾ [الإسراء: ٣٥/١٧] وقال
وَزِئُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِمِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
سبحانه: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاُلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِّ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[الأنعام: ١٥٢/٦] وقال عز وجل: ﴿وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ
؛ [الرحمن: ٩/٥٥]. وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا
الْمِيزَانَ
يبخسون الناس في الميزان والمكيال، بعد أن كرر النصح لهم، فقال تعالى:
﴿وَقَوْمِ أَوْفُوْ اَلْمِكْبَالَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ
[هود: ١١ /٨٥] .
١٨٥
وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
ثم توعد الله تعالى المطففين بقوله:
﴿أَا يَظُنُّ أُوْلَكَ أَنَهُم مَّبْعُونُونُ
أي ألا يخطر ببال
لِيَوْمٌ عَظِيمٍ (جم
٤
أولئك المطففين أنهم مبعوثون، فمسؤولون عما يفعلون؟ وأما يخاف أولئك
من البعث والقيام بين يدي ربهم في يوم عظيم الهول كثير الفزع، جليل
الخطب، من خسر فيه أدخل ناراً حامية؟ وهو يوم القيامة.
إنه يوم يقوم الناس فيه حفاة عراة، في موقف صعب حرج، منتظرين لأمر
رب العالمين وجزائه وحسابه. وفي هذا دلالة على عظم ذنب التطفيف، ومزيد
إثمه، وشدة عقابه، لما فيه من خيانة الأمانة وأكل حق الغير. وفي الإشارة
إليهم بأولئك، وقد ذكرهم عما قريب، تبعيد لهم عن رتبة الاعتبار، بل عن
درجة الإنسانية. وفي هذا الإنكار والتعجيب، وكلمة الظن، ووصف اليوم
بالعظيم، وقيام الناس فيه لرب العالمين، بيان بليغ لعظم هذا الذنب.
ويلاحظ أن المطففين إن كانوا من أهل الإسلام، فالظن بمعنى اليقين أو
العلم، وإن كانوا كفاراً منكري البعث، فالظن بمعناه الأصلي، والمراد: هب
أنهم لا يقطعون بالبعث، أفلا يظنونه أيضاً؟ كقوله: ﴿إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا
نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢/٤٥].
%
٤٨٦
الُزُ (٣٠) - المُطفِفِينَ: ٨٣ /١-٦
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
اً - التطفيف: وهو إنقاص حق الآخر في الكيل أو الوزن ونحوهما من
المقاييس، حرام شرعاً، موجب للإثم الشديد والعذاب الأليم في الآخرة،
وهو أيضاً رذيلة اجتماعية ونقيصة وعيب يطعن في الخلق، ويؤدي إلى ابتعاد
الناس عن فاعله.
روي أن أهل المدينة كانوا تجاراً يطففون، وكانت بياعاتهم المنابذة
والملامسة والمخاطرة، يعني بيع الغرر، كالطير في الهواء، فنزلت - على أن
السورة مدنية في رأي جماعة - فخرج رسول الله، فقرأها عليهم، فقال:
(خمسٌ بخمسٍ، ما نقض قوم العهد إلا سُلِّطَ عليهم عدوهم، وما حكموا
بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم
الموت، ولا طَفَّفوا المكيالَ إلّ مُنعوا النَّبَاتَ، وأُخذوا بالسِّنينَ، ولا مَنَعوا
الزكاةَ إلا حُبِس عنهم القَظْر))(١).
أَ - المراد بالتطفيف هنا: الزيادة في الكيل أو الوزن ونحوهما عند استيفاء
الحق، ونقص الكيل أو الوزن ونحوهما عند إيفاء الحق.
◌َّ - قوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبِعُوتُونٌ (١))
توبيخ للمطففین،
وإنكار وتعجيب عظيم من حالهم، في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا
يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة، فمسؤولون عما يفعلون. والظن هنا كما
تقدم بمعنى اليقين، أي ألا يوقن أولئك؟ ولو أيقنوا ما نقصوا في الكيل
والوزن. وهذا دليل على أن التطفيف من الكبائر.
(١) أخرجه الطبراني عن ابن عباس، وهو حديث صحيح. وأخرجه أبو بكر البزار بمعناه،
ومالك بن أنس أيضاً من حديث ابن عمر.
٤٨٧
الجُرُءُ (٣٠) - المُطفِفِيرٌ: ٨٣ /١-٦
وهذا الوعيد يتناول من يفعل ذلك، ومن يعزم عليه؛ إذ العزم عليه أيضاً
من الكبائر(١).
وأكثر العلماء على أن قليل التطفيف وكثيره يوجب الوعيد، وبالغ بعضهم
كما تقدم، حتى عدَّ العزم عليه من الكبائر.
وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه الله: لفظ المطفف يتناول التطفيف
في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف
والانتصاف، ومن لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه، فليس بمنصف،
والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه، فهو من هذه الجملة، ومن
طلب حق نفسه من الناس، ولا يعطيهم حقوقهم، كما يطلب لنفسه، فهو
من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس، ولا يطلب من أحد لنفسه
حقاً(٢).
ويحكى أن أعرابياً قال لعبد الملك بن مروان: إن المطفف قد توجه عليه
الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك، وأنت تأخذ أموال
المسلمین بلا کیل ووزن؟!
٤ - قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ أي للعرض والحساب، فيه
غاية التخويف؛ لأن جلال الله وعظمته يملآن النفس رهبة وهيبة، والقيام له
شيء حقير أمام عظمته وحقه.
أما قيام الناس بعضهم لبعض، ففيه خلاف، فمنهم من أجازه، ومنهم من
منعه، وقد روي أن النبي وَّ قام إلى جعفر بن أبي طالب واعتنقه، وقام طلحة
لكعب بن مالك يوم تِيب عليه، وقال النبي ◌َّ للأنصار، حين طلع عليه سعد
(١) وهذا رأي الرازي، تفسير الرازي: ٨٩/٣١.
(٢) غرائب القرآن: ٤٩/٣٠.
٤٨٨
لُهُ (٣٠) - المُطْفِّفِينٌ: ١/٨٣-٦
ابن معاذ فيما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري: ((قوموا إلى سيِّدكم)).
وقال أيضاً: ((من سرّه أن يتمثل له الناس قياماً، فليتبوأ مقعده من النار)) (١).
قال القرطبي: وذلك يرجع إلى حال الرجل ونيته، فإن انتظر ذلك واعتقده
لنفسه، فهو ممنوع، وإن كان على طريق البشاشة والوصلة، فإنه جائز،
وبخاصة عند الأسباب، كالقدوم من السفر ونحوه(٢).
والخلاصة كما ذكر الرازي: جمع الله سبحانه في هذه الآية أنواعاً من
التهديد، فقال أولاً: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (6) وهذه الكلمة تذكر عند نزول
البلاء، ثم قال ثانياً: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ﴾ وهو استفهام بمعنى الإنكار، ثم قال
ثالثاً: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمِ ﴾﴾ والشيء الذي يستعظمه الله لا شك أنه في غاية
وفيه نوعان من
العظمة، ثم قال رابعاً: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
التهدید :
أحدهما - كونهم قائمين مع غاية الخشوع ونهاية الذل والانكسار.
والثاني - أنه وصف نفسه بكونه رباً للعالمين(٣).
(١) تفسير القرطبي: ٢٥٦/١٩.
(٢) تفسير القرطبي: ٢٥٦/١٩.
(٣) تفسير الرازي: ٩٠/٣١ -٩١.
٤٨٩
الُرُ (٣٠) - المُطْفِفِينَ: ٨٣ /٧-١٧
ديوان الشر وقصة الفجار
كِتَبٌ قَرْقُومٌ
وَمَا أَذَرَئِكَ مَا سِينٌ
﴿كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِينٍ
وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ
الَّذِينَ يَكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الذِينِ
وَيْلٌ يَوْمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا
١٣
مُعْتَدٍ أَثِمٍ ﴿ إِذَا نُثْلَى عَلَيْهِ ءَنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
ثُمَّ إِنَهُمْ لَصَالُواْ الْجَحِيمِ
كَّ إِنَهُمْ عَنْ تَّتِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ رَّ
كَانُواْ يَكْسِبُونَ
١٧)
ثُمَّ بُقَالُ هَذَا الَّذِى كُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
١٦
القراءات:
﴿بَلِّ رَانَ﴾:
سكت حفص سكتة لطيفة من غير تنفس على لام (بل) ويلزم منه الإظهار،
وقرأ غيره بترك السكت مع إدغام اللام في الراء.
الإعراب:
﴿لَفِى سِبِينٍ﴾ ﴿سِجِّينٍ﴾: من السجن، وهو الحبس والتضييق، وقيل:
النون فيه بدلٌ من اللام.
﴿ كِتَبٌّ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو كتاب مرقوم، أي هو في موضع
كتاب مرقوم، وكذا التقدير في قوله بعدئذ: ﴿عِلَيُّونَ﴾ [١٩] ﴿كِنَبُ تَرْقُومٌ
﴾ [٢٠] فحذف المبتدأ والمضاف جميعاً، وإنما وجب هذا التقدير، لقيام
٢٠
الدليل على أن ﴿عِّينَ﴾ مكان، قال النبي ◌َّ: ((إنكم لترون أهل عليين،
كما يُرى الكوكب الذي في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم)) . وعليين:
جمع لا واحد له، کعشرين، شي به.
﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَّوْمِ الدِّينِ (4) بدل أو عطف بيان للمكذبين.
(4) ﴿هَذَا﴾: في موضع رفع مبتدأ،
﴿ثُمَّ بُقَالُ هَذَا الَّذِى كُمْ بِهِ تُكَذِّبُنَ
وخبره ﴿الَّذِى﴾. والجملة في موضع رفع نائب فاعل.
٤٩٠
لُ (٣٠) - المُطْفِفِينَّ: ٨٣ /٧-١٧
البلاغة:
(ج) و﴿كَلَّ إِنَّ كِنَبَ اٌلْأَبْرَارِ لَفِى
﴿ كلّ إِنَّ كِنَبَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ
(٧)
عِلِّينَ
بينهما مقابلة، حيث قابل بين حال ﴿اَلْفُجَّارِ﴾ وحال
﴿اَلْأَبْرَارِ﴾، وبين ﴿سِجِينٍ﴾ و﴿عِلَّتِينَ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿كَلَّ﴾ للردع والزجر عما هم فيه من التطفيف والتكذيب بالنسبة
للكافر، أو الغفلة عن البعث والحساب بالنسبة للمؤمن. ﴿كِنَبَ اُلْفُجَارِ﴾
كتاب أعمال الكفار، وهو ما يكتب فيه من أعمالهم . ﴿سِّينٍ﴾ كتاب جامع
لأعمال الفجرة من الثقلين: الشياطين والفسقة والكفرة، فهو ديوان الشر،
كِتَبُ قَرْقُومٌ (ج) والمعنى أن
بدليل قوله تعالى بعدئذ: ﴿ وَمَآ أَذَرَنِكَ مَا ◌ِينٌ
ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان. وقيل: هو مكان في أسفل
(٤) ليس تفسيراً للسجين، بل التقدير: كلا إن
السافلين، و﴿ كِتَبٌ تَرَقُومُ
كتاب الفجار لفي سجين، وإن كتاب الفجار مرقوم وموقع. لكن قال
الزمخشري: سجين كتاب جامع هو ديوان الشر، دوّن الله فيه أعمال الشياطين
وأعمال الكفرة والفسقة من الجن والإنس، وهو كتاب مرقوم مسطور بيِّن
الكتابة، أو مُعْلَم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، فالمعنى أن ما كتب من أعمال
الفجار مثَّت في ذلك الديوان، وسمي سجيناً فعّيلاً من السجن وهو الحبس
والتضييق؛ لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، فهو اسم علم لا صفة،
منقول من وصف كخاتم، وهو منصرف؛ لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو
التعريف(١).
وقال أبو حيان: والظاهر أن سجيناً هو كتاب، ولذلك أبدل منه ﴿كِنَبٌ
(١) الكشاف: ٣٢٢/٣.
(٢) البحر المحيط: ٤٤٠/٨.
2
٤٩١
اِلُ (٣٠) - المُطِفْفِينَ: ٨٣ /٧-١٧
K
وو
(4) ما كتاب سجين؟
{وَمَآ أَذْرَنَكَ مَا سِّيْنٌ
(٢) كتاب
مرقوم
﴿ كتب
مسطور بيِّن الكتابة، أو مُعْلَم، يعلم من رآه أنه لا خير فيه، كما تقدم،
يقال: رقم الكتاب: إذا جعل له علامة، وتسمى العلامة رقماً . ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
بالحق. ﴿مُعْتَدٍ﴾ متجاوز حدود الشرع والنظر والعقل. ﴿أَثِيرٍ﴾ كثير الآثام أي
المعاصي منهمك في الشهوات المعيبة، صيغة مبالغة.
{ءَيَّنُنَا﴾ القرآن. ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ حكايات وأخبار القدماء، جمع
أسطورة، أو إسطارة، ﴿كَلّ﴾ ردع وزجر لهم عن هذا القول. ﴿بَلْ رَانَ عَلَى
قُلُوبِهِم﴾ غطّاها وغلب عليها، أي اسودت من الذنوب، وهو ردّ لما قالوه
وبيان سبب قولهم، وهو حب المعاصي بالانهماك فيها، حتى صار ذلك صدأ
على قلوبهم، فعمَّى عليهم معرفة الحق والباطل. والرين: الصدأ. ﴿مَّا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ﴾ من المعاصي، فهو كالصدأ.
ردع عن الكسب الزائد. ﴿يَوَسَِدٍ﴾ يوم القيامة. ﴿لَّحْجُوبُونَ﴾ فلا
يرونه، بخلاف المؤمنين، ومن أنكر الرؤية جعله تمثيلاً لإهانتهم بإهانة حجاب
الملوك الذين يمنعون عن الدخول عليهم. ﴿لَصَالُواْ الْجَحِيمِ﴾ لداخلو النار المحرقة
يقول لهم الزبانية: هذا
وملازموها. ﴿ثُمَّ بُقَالُ هَذَا الَّذِى كُتُ بِهِ تُكَذِبُونَ
هو العذاب الذي كنتم تكذبون به.
المناسبة:
بعد بيان عظم ذنب التطفيف، وبيان سببه، وهو إنكار البعث والحساب
أو الغفلة عنهما، ردعهم الله تعالى عن الأمرين معاً، ثم بيّن أن كل ما يعمل
من خير أو شر، فإنه مكتوب مسطر عند الله، وأوعد منكري البعث المكذبين
به، والقائلين بأن القرآن أساطير الأولين، وليس وحياً من عند الله، ثم
زجرهم عن هذه المقولة الباطلة، وأوضح سببها وهو انغماسهم في المعاصي
التي حجبت قلوبهم عن رؤية الحق والباطل، فصاروا لا يميزون بين الخير
٤٩٢
اِلُرُ (٣٠) - المُطْفِفِينَّ: ٨٣ /٧-١٧
والشر، وأعقب ذلك بيان جزائهم، وهو طردهم من رحمة الله ودخولهم نار
جهنم وملازمتهم لها.
وقدّم ديوان الشر عن ديوان الخير؛ لأن المذكور قبله هو وعيد أهل
الفجور، فناسب إيراد حال الأشرار أولاً.
التفسير والبيان:
﴾ أي ارتدعوا وانزجروا عما أنتم
﴿كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِ لَفِى سِينٍ
عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، فإن الفجار ومنهم المطففون
أعمالهم مكتوبة في ديوان الشر وسجل أهل النار وهو السجين، أو في حبس
وضيق شديد، فكلمة ﴿سِتِّينِ﴾ من السجن: وهو الضيق والحبس.
جَ كِتَبُ قَرْقُومُ ﴾﴾ أي وما أعلمك أنت ولا
﴿وَمَّ أَذَرَئِكَ مَا بِينٌ
قومك ما هو السجين؟ إنه الكتاب الذي رصدت فيه أسماؤهم، فهو كتاب
مسطور بيِّن الكتابة، جامع لأعمال الشر الصادر من الشياطين والكفرة
والفسقة. وهذا السجل المسمى بالسجين هو السجل الكبير أو العظيم، الذي
فيه لكل فاجر صحيفة.
وهذا هو الظاهر في معنى كلمة ﴿سِجِينٍ﴾. وقد عرفنا سابقاً أن بعضهم
يرى أن السجين هو مكان وهو جهنم وهي أسفل السافلين، لذا قال محمد بن
(ج) ليس تفسيراً لقوله: ﴿ وَمَاً
كعب القرظي: قوله تعالى: ﴿كِنَبٌ تَرْقُومٌ
أَذَرَنَكَ مَا سِينٌ (®) وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي
مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد، ولا ينقص منه أحد(١). وهو
رأي النحويين كما تقدم.
(١) تفسير ابن كثير: ٤٨٥/٤.
٤٩٣
لُعُ (٣٠) - المطفِفِينَّ: ٨٣ /٧-١٧
١٠
· أي عذاب شديد
الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ
﴿وَيْلٌ يَوْمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
يوم القيامة لمن كذب بالبعث والجزاء وبما جاء به الرسل، فهؤلاء المكذبون
هم الذين لا يصدقون بوقوع الجزاء، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره.
وهذا وعيد للذم لا للبيان؛ لأن كل مكذب فالوعيد يتناوله، سواء كان
مكذباً بالبعث أو بسائر آيات الله تعالى.
ثم أبان الله تعالى صفات من يكذب بيوم الدين وهي ثلاث، فقال:
﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِءَ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِمٍ * إِذَا نُثْلَى عَلَيْهِ ءَايَتُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
﴾ أي لا يكذب بيوم الدين إلا من كان متصفاً بهذه الصفات الثلاث:
وهي أولاً - كونه معتدياً، أي فاجراً جائراً متجاوزاً منهج الحق، ثانياً - أنه
أثيم: وهو المنهمك في الإثم في أفعاله، من تعاطي الحرام وتجاوز المباح، وفي
أقواله: إن حدَّث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر، وثالثاً - أنه
إذا تلي عليه القرآن قال: أساطير الأولين، أي أخبار الأولين المتقدمين
وأكاذيبهم وأباطيلهم التي زخرفوها، تلقاها محمد وَّه من غيره من السابقين،
وهذا يعني في زعمهم أن القرآن ليس وحياً من عند الله تعالى.
وهذه الصفة الثالثة تشبه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبِّكُمْ قَالُواْ
٢٤
[النحل: ٢٤/١٦] وقال سبحانه: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ
أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
اُلْأَوَّلِينَ أُكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةُ وَأَصِيلًا
[الفرقان: ٥/٢٥]
قيل: نزل هذا في الوليد بن المغيرة وأبي جهل ونظرائهما.
ثم بيّن الله تعالى أسباب افترائهم على القرآن، فقال:
﴿كَلَّا بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (٣)﴾ أي ارتدعوا وانزجروا عن
هذه الأقوال، فليس الأمر كما زعمتم أيها المعتدون الآثمون، ولا كما قلتم:
إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله، ووحيه، وتنزيله على رسوله
وَل*، وإنما السبب هو كثرة الذنوب والخطايا التي حجبت قلوبكم عن الإيمان
٤٩٤
الُعُ (٣٠) - المُطفِفِينَ: ٨٣ /٧-١٧
بالقرآن، والتي كوّنت عليها الرَّين الذي منع نفاذ الحق والخير والنور إليها،
فأعماها عن رؤية الحقيقة. والرين: يعتري قلوب الكافرين، فقوله: ﴿رَانَ عَلَى
قُلُوبِهِم﴾ أي غطى عليها. أخرج ابن جرير وأحمد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة
عن النبي وَّ قال: ((إن العبد إذا أذنب ذنباً، نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب
ونزع واستغفر، صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تغلف قلبه، فذلك الرانُ الذي
ذكره الله سبحانه في القرآن)) . قال الحسن البصري عن الران: هو الذنب على
الذنب حتى يعمى القلب، ويسودّ من الذنوب. والطبع: أن يطبع على القلب،
وهو أشد من الرین.
ثم أبان الله تعالى أنهم مطرودون من أي رحمة أو تكريم، فقال:
ثُمَّ إِنَهُمْ لَصَالُواْ الْجَحِيمِ ﴾﴾ أي
﴿كَّ إِنَّهُمْ عَن تَّيْهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ (٣)
ليس الأمر كما يقولون من أن لهم في الآخرة منزلة حسنى، بل إن هؤلاء
الكفار محجوبون عن ربهم يوم القيامة، لا ينظرون إليه كما ينظر المؤمنون،
فكما حجبهم في الدنيا عن توحيده بسبب سوء أعمالهم، حجبهم في الآخرة
عن رؤيته وكرامته.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين
يرونه عز وجل يومئذ(١). وهذا استدلال بمفهوم الآية، يدل عليه منطوق قوله
[القيامة: ٢٢/٧٥-٢٣] .
٢٣
تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوَمَيِذٍ نَاضِرَةٌ ﴿لَ إِلَى يَتِهَا نَاظِرَةٌ
ثم إنهم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن هم من أهل النيران، فهم داخلو
النار، وملازموها غير خارجين منها، ومقاسو حرها، وصِليَّ الجحيم أشد
من الإهانة وحرمان الكرامة.
ويقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ:
(١) تفسير ابن كثير: ٤ /٤٨٥.
٤٩٥
لُعُ (٣٠) - المُطِفْفِينَ: ٨٣ /٧-١٧
﴿ُمَّ بُقَالُ هَذَا الَّذِى كُنُ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٣)﴾ أي تقول لهم خزنة جهنم
وزبانيتها تبكيتاً لهم وتوبيخاً: هذا هو العذاب الذي كنتم تكذبون به في
الدنيا، فانظروه وذوقوه.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
أ - إن أعمال الفجار العصاة الكفرة مرصودة في كتاب مسطور بيِّن
الكتاب، مُعْلَم بعلامة، ومصيرهم السجن والضيق في جهنم والعذاب المهين.
اً - هناك شدة وعذاب أليم يوم القيامة للذين يكذبون بيوم الحساب
والجزاء والفصل بين العباد.
ءًا - لا يصدر التكذيب بالبعث والآخرة إلا من الفاجر المتجاوز حدود
الحق، المعتدي على الخلق في معاملته إياهم، وعلى نفسه، وهو الأثيم العاصي
في ترك أمر الله، وهو القائل عن القرآن إذا تلي عليه: إنه أساطير الأولين،
أي أحاديثهم وأباطيلهم التي كتبوها وزخرفوها.
٤ - ليس القرآن أساطير الأولين كما زعموا، وإنما هو كلام الله الحق
المنزل على قلب نبيه المصطفى وَله. وسبب زعمهم كثرة القبائح والمعاصي التي
غطت قلوبهم بالران وهو الحجاب الكثيف الذي يحدث بسبب تراكم
الذنوب، فمنعتها من رؤية الحق والباطل، والتمييز بين الخير والشر.
٥ - حقاً، إن هؤلاء الكفار المنكرين للبعث المكذبين بالقرآن محجوبون عن
رؤية ربهم يوم القيامة، فلا ينظر إليهم نظرة رحمة، ولا يرونه، ثم إنهم
يلازمون الجحيم (النار المحرقة) فلا يخرجون منها، كلما نضجت جلودهم
بدلهم الله جلوداً غيرها، وكلما خبت نارها زادهم الله سعيراً، ويقال لهم من
خزنة جهنم: هذا هو العذاب الذي كنتم تكذبون به رسل الله في الدنيا.
٤٩٦
لُزُ (٣٠) - المطفِفِينَ: ٨٣ /١٨-٢٨
[5]) : في
أَ - قال الزجاج في آية: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ زَّيْهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ
هذه الآية دليل على أن الله عز وجل يُرَى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في
هذه الآية فائدة، ولا خسّت منزلة الكفار بأنهم يحجبون.
إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
وقال جلّ ثناؤه: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِدٍ نَاضِرَةً
[القيامة: ٧٥/
٢٣
٢٢-٢٣] فأعلم الله جلَّ ثناؤه أن المؤمنين ينظرون إليه، وأعلم أن الكفار
محجوبون عنه.
وقال مالك بن أنس في هذه الآية: لما حجب أعداءه، فلم يروه، تجلى
لأولیائه حتى رأوه.
وقال الشافعي: لما حجب قوماً بالسخط، دلَّ على أن قوماً يرونه بالرضا.
ثم قال: أما والله، لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده
في الدنيا.
ديوان الخير وقصة الأبرار
كَلَّ إِنَّ كِتَبَ اُلْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّينَ
١٨
وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا عِلْيُونَ
١٩
كِتَبُ قَرْقُومٌ
يَشْهَدُهُ الْقُرَبُونَ.
٢٠
تَعْرِفُ فِى
٢٢
عَلَى الْأَرَآئِكِ يَنْظُرُونَ
إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِی نَعِيمٍ
وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ
خِتَمُهُ, مِسْكٌ وَفِ ذَلِكَ
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقِ تَخْتُوٍ ◌َ
٢٤
٢٨
وَمِنَ اجُهُ مِن تَسْنِيمِ ﴿ عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
٢٦)
فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ
القراءات:
﴿خِتَمُهُ﴾ :
وقرأ الكسائي (خاتَمُهُ).
الإعراب:
﴿عَيِّنَا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
﴾ ﴿عَيْنَا﴾: تمييز، أو حال من ﴿تَسْنِيمٍ)
؛
٤٩٧
الُ (٣٠) - المطفِفِينَ: ٨٣ /١٨-٢٨
لأنها بمعنى جارية، على أن (تسنيماً) اسم للماء الجاري من علو الجنة، فهو
معرفة، تقديره: ومزاجه من الماء جارياً من علو، أو منصوب بـ ﴿تَسْنِيمٍ﴾
وهو مصدر، مثل: ﴿أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْرٍ ذِى مَسْغَبَةٍ ﴿ يَتِيمًا﴾ أي ومزاجه من
ماء تسنيم عيناً، أو منصوب بتقدير (أعني عيناً) أو منصوب على المدح و
﴿يَشْرَبُ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الموضع لقوله: ﴿عَيْنًا﴾. وباء
﴿بِهَا﴾ إما زائدة، أي يشربها بمعنى: يشرب منها، أو بمعنى فيها.
البلاغة:
﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا عِلْيُونَ (®)
تفخيم وتعظيم لمراتب الأبرار.
﴿ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ﴾ جناس اشتقاق.
تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَصْرَةَ
٢٣
عَلَى الْأَرَآئِكِ يَنَظُرُونَ
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ (®
﴾ إطناب بذكر أوصاف المتقين ومقر نعيمهم.
٢٤)
اُلَّعِيمِ
خِتَمُهُ مِسْكٌ﴾ تشبيه بليغ، أي كالمسك في الطيب والبهجة، فحذف منه
أداة التشبيه ووجه الشبه.
المفردات اللغوية:
حقاً، أو ردع وزجر عن الباطل . ﴿كِنَبَ الْأَبْرَارِ﴾ ما يكتب من
كُلّا
أعمال المؤمنين الصادقين في إيمانهم . ﴿لَفِى عِلِّينَ﴾ لمثبت في ديوان الخير، فهو
إما أنه الكتاب الجامع لأعمال الخير من الملائكة ومؤمني الثقلين، بدليل
®) وإما أنه مكان
﴿َ كِنَبُ قَرْقُومٌ
تفسيره بعدئذ: ﴿وَمَا أَدْرَئِكَ مَا عِلَيُونَ.
ما أعلمك ما كتاب عليين؟ ﴿ كِنَبُ
عال في الجنة. ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا عِلَيُّونَ
مسطور بيِّن الكتابة أو مُعْلَم بعلامة. ﴿يَشْهَدُهُ اٌلْقُرَبُونَ
يحضرونه فيحفظونه، وهم الملائكة . ﴿لَفِى نَغِيرٍ﴾ جنة.
٤٩٨
لُعُ (٣٠) - المطففين: ٨٣ /١٨-٢٨
﴿عَلَى الْأَرَابِكِ﴾ السرُر أو الأسرّة في الحجال، والحجال: جمع حجلة وهي
كالقبة، ولا تطلق الأريكة على السرير إلا إذا كان في حجلة وهي الكلّة.
﴿يَظُرُونَ﴾ ما أعطوا من نعيم يسرّهم. ﴿نَصْرَةَ الَّعِيمِ﴾ بهجة التنعم وحسنه
وبريقه . ﴿رَّحِيقٍ﴾ شراب خالص لا غش فيه، وهو أجود الخمر غير المسكرة.
﴿مَخْتُومٍ﴾ ختم إناؤه بالمسك، لا يفكه إلا الأبرار تكريماً لهم. ﴿خِتَمُهُ
مِسْكٌ﴾ ختام إنائه المسك، مكان الطين أو غيره . ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَفِسُونَ﴾
فليتسارع أو فليستبق المتسابقون بالمبادرة إلى طاعة الله تعالى، وليجاهدوا
النفوس، ليلحقوا بالركب المتقدم من العاملين المخلصين. وأصل التنافس:
التنازع في الشيء بغية أن ينفرد به أحد المتنازعين دون غيره، أي يضن به.
﴿وَمِنَالجُ﴾ ما يمزج به أو يخلط، فالمزاج والمِزْج: الشيء الذي يمزج بغيره،
والْمَزْج: خلط أحد الشيئين بالآخر . ﴿تَسْنِيمٍ﴾ عين من ماء تجري من الأعلى
إلى الأسفل، وهو أشرف شراب في الجنة . ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ يشرب
منها، أو ضمن يشرب معنى يلتذ، و﴿اُلْمُقَرَُّونَ﴾ هم الأبرار السابق ذكرهم.
المناسبة:
بعد بيان حال المطففين وحال الفجار المكذبين بيوم الدين، وتبيين درجتهم
يوم القيامة، أتبعه ببيان حال الأبرار الذين آمنوا بالله ورسله واليوم الآخر،
وعملوا صالحاً في الدنيا، والتعريف بمنزلتهم عند الله، وأن الله رصد
أعمالهم في كتاب مرقوم هو ﴿عِلُّونَ﴾ وأن لهم الجزاء الحسن على إحسانهم في
الدنيا، حتى يتبين أن كتاب الأبرار ضد كتاب الفجار بجميع معانيه، فيقبل
العاقل على مقوّمات الأولين، ويبتعد عن محاكاة الآخرين.
التفسير والبيان:
(4) أي حقاً، إن كتاب الأبرار،
﴿كَّ إِنَّ كِتَبَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّينَ
٤٩٩
لُرُ (٣٠) - المطففين: ٨٣ /١٨-٢٨
وهم المؤمنون المخلصون العاملون المطيعون، مرصود في كتاب بيِّن مسطور،
أو في أعالي الجنة، ومصيرهم إلى الجنة، وهم بخلاف الفجار، وهو بخلاف
سجين.
يَشْهَدُهُ الْقُرَُّونَ (®َ﴾ أي وما
﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا عِلَيُّونَ ﴿٨َ كِنَبُ غَرْقُومٌ
أعلمك يا محمد أي شيء هو عليون؟ ويراد بذلك تفخيم أمره وتعظيم شأنه،
إنه كتاب مسطور، سطرت فيه أسماؤهم وأعمالهم، وهو السجل الكبير،
الذي تُحضره الملائكة وتحفظه ويرونه كما يحفظ اللوح المحفوظ، أو يشهدون
بما فيه يوم القيامة.
ثم أبان الله تعالى حالهم فقال:
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴿ عَلَى الْأَرَّبِكِ يَنَظُرُونَ ﴿®﴾ أي إن أهل الطاعة
لفي تنعم عظيم يوم القيامة، وفي جنات الخلود، على الأسرَّة التي في الحجال
(ذات القبب الساترة) ينظرون إلى ما أعده الله لهم من أنواع النعيم في الجنة،
وإلى ما لهم من الكرامات المادية والمعنوية، أما الماديات فهي مختلف أنواع
الأطعمة الشهية والأشربة الهنية والحور العين والمراكب الفارهة والمساكن
الفخمة، وأما المعنويات فأنسهم بالله ورؤيتهم له ورضاه عنهم وشعورهم
بالأمن والطمأنينة والسعادة الأبدية.
﴾ أي إذا رأيتهم عرفت آثار النعمة
﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَصْرَةَ التَّعِيمِ (®
والترف والسرور والدعة في وجوههم، التي تتلألأ بالنور والحسن والبياض،
والبهجة والرونق؛ لأن الله تعالى زاد في جمالهم وفي ألوانهم ما لا يصفه
ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
واصف، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوَمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ
٣٩
[عبس: ٣٨/٨٠-٣٩].
خِتَلُهُ مِسْكٌ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ
[يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقِ مَخْتُومٍ
(4) أي يسقون من الخمر التي لا غش فيها ولا يشوبها شيء يفسدها، وقد
٥٠٠
الُعُ (٣٠) - المطففين: ٨٣ /١٨-٢٨
ختم إناؤها بالمسك فلا يفكه إلا الأبرار، ويكون آخر طعمه ريح المسك، وفي
ذلك فليرغب الراغبون، وليتسابق المتسابقون بالمبادرة إلى طاعة الله باتباع
أوامره، واجتناب نواهيه. وهذا يعني أن التسابق أو التنافس يكون فيما يؤدي
إلى النعيم، لا إلى الجحيم، كما قال تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ
﴾ [الصافات: ٦١/٣٧].
٦١
أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً إلى النبي نَّ قال: ((أيما
مؤمن سقى مؤمناً شَرْبة ماء على ظمأ، سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق
المختوم، وأيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما
مؤمن كسا مؤمناً ثوباً على عُري، كساه الله من خُضْر الجنة)) .
عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٣٨)﴾ أي ومزاج ذلك
﴿وَمِنَ اجُهُ مِن تَسْنِيمٍ
الرحيق، وهو ما يخلط به، من تسنيم، وهو شراب ينصب عليهم من علوّ،
وهو أشرف شراب الجنة. ويسقون الرحيق أو التسنيم من عين جارية من
الأعلى إلى الأسفل يمزجون بها كؤوسهم، وهي التي يشرب منها الأبرار
المقربون صرفاً، وتمزج لأصحاب اليمين مزجاً.
سئل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الجُ مِنْ تَسْنِيمٍ
فقال: هذا
(٢٧)
مما قال الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧/٣٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
يتبين من الآيات ما يأتي:
ا - إن صحف أعمال الأبرار مدونة في السجل الكبير، وهو الكتاب
المسطر البيِّن الكتابة، الذي يتميز بعلامته الخاصة، ويشهد عمل الأبرار
مقربو كل سماء من الملائكة. وهذه أضداد كتاب الفجار.
وبالمقارنة بينهما يتبين أن العلو والفسحة والضياء والطهارة من علامات