النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ الُ (٣٠) - النَّازِعَاتَتِ: ٧٩ /١-١٤ أي حين تتحرك الأرض ٧ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاحِفَةُ وتضطرب الجبال، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ اُلْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤/٧٣] ثم تتلوها السماء، فتنشق بما فيها من الكواكب وتنتثر. وقيل: ﴿الرَّحِفَةُ﴾: هي النفخة الأولى التي يموت بها جميع الخلائق، وتليها النفخة الثانية التي يكون عندها البعث. أخرج أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وغيرهم عن أبي بن كعب رضي الله عنه، واللفظ للترمذي، قال: ((إذا ذهب ثلثا الليل قام، فقال: يا أيها الناس، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه)) زاد أحمد: ((فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: إذن يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك)). أَبْصَرُهَا خَشِعَةٌ (4) أي هناك قلوب تكون ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاحِفَةٌ يوم القيامة خائفة مضطربة قلقة؛ لما عاينت من أهوال يوم القيامة، وهي قلوب الكفار، وأبصار أصحابها ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال، بسبب موتهم على غير الإسلام، وإنكارهم البعث، وهذه هي أقوالهم: ﴿ قَالُواْ تِلْكَ ﴿ يَقُولُونَ أَئِنَا لَمَرْدُودُونَ فِى الْحَافِرَةِ ﴿ أَوِذَا كُنَّا عِظَمًا فَخِرَةً إِذَا كَرَّةُ خَاسِرَةٌ ﴾﴾ أي يقول مشركو قريش وأمثالهم المنكرون المعاد، المستبعدون وقوع البعث إذا قيل لهم: إنكم تبعثون: هل نردّ إلى حياتنا الأولى وابتداء أمرنا قبل الموت، فنصير أحياء بعد موتنا، وبعد المصير إلى الحافرة وهي القبور؟ وهو كقولهم: ﴿أَِّنَا لَمَبْعُوُثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨/١٧]. وكيف يتصور أن نرد إلى الحياة بعد تمزق أجسادنا وتفتت عظامنا، وصيرورتها عظاماً بالية ناخرة؟ إن رددنا بعد الموت وصحَّ أَنْ بُعِثْنا يوم القيامة لنخسرنَّ أو لتكونن رَجْعة ذات خسران؛ لتكذيبنا بما أخبر به محمد، وسيصيبنا ما يقوله هذا النبي. ٤٠٢ لُعُ (٣٠) - النَّازِعَاتِ: ٧٩ / ١-١٤ وهذا القول صادر منهم على سبيل الاستهزاء والتهكم، لاعتقادهم أن لا بعث. ثم ردّ الله تعالی علیھم وأفحمهم قائلاً: أي لا تستبعدوا ذلك، (١٤) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ﴿فَإِّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ ﴾ فإنما الأمر يسير، ولا تحسبوا تلك الكرّة صعبة على الله، وما هي إلا صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية التي يبعث الله بها الموتى من القبور، فإذا هم على وجه الأرض أحياء، وحينئذٍ يحاسب الخلائق. والساهرة على الصحيح هي أرض الآخرة، وهي أرض بيضاء مستوية، والمراد بها هنا: وجهها الأعلى، وسطحها الظاهر. وإنما قيل لها ساهرة؛ لأنهم لا ينامون عليها حينئذٍ، وقيل: هي أرض بالشام. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - أقسم الله سبحانه بأنواع خمسة من الملائكة ذوي مهام متنوعة على أن القيامة حق. والقسم بها تعظيم لها وتنويه بها. ولله أن يقسم على ما يشاء في أي وقت يشاء، ولإثبات أو نفي ما يشاء؛ كالتوحيد، وأن القرآن حق والرسول حق والبعث حق. والمقسم به من المخلوقات في القرآن الكريم أحد نوعين: الأول - أن تكون المخلوقات معظمة عند بعض الناس، كالشمس والقمر. الثاني - أن تكون المخلوقات مهملة مذهولاً عنها في أنظار الناس، كمواقع النجوم والرياح والملائكة. أَ - في يوم القيامة الرهيب ترجف الأرض والجبال، وتتحرك وتضطرب، وتتبعها السماء، فتنشق وتنتثر، والأرض: هي الراجفة، والسماء: هي ٤٠٣ الُ (٣٠) - النَّارِعَائِ: ٧٩ / ١٥-٢٦ الرادفة، وقيل: الراجفة هي النفخة الأولى، والرادفة هي النفخة الثانية. والظاهر المعنى الأول، قال مجاهد: الرادفة حين تنشق السماء، وتُحمل الأرض والجبال فتدك دكة واحدة. ◌َّ - تكون قلوب الكفار الذين ماتوا على غير دين الإسلام خائفة وجلة، وأبصار أصحابها منكسرة ذليلة من هول ما ترى. ٤ - أثبت المشركون المكذبون منكرو البعث على أنفسهم إنكار المعاد والبعث بأقوال ثلاثة، فإذا قيل لهم: إنكم تبعثون، قالوا منكرين متعجبين: أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياء كما كنا قبل الموت؟ ولا نتصور أن نعود كما كنا بعد أن نصير عظاماً نخرة، أي بالية متفتِّتة. وزادوا في الاستهزاء والتهكم، فقالوا: إننا إذا بعثنا فتلك رجعة خائبة، كاذبة باطلة. ٥ - ردّ الله تعالى عليهم وأفحمهم فقال: لا تحسبوا تلك الكَرَّة صعبة على الله، فما هي إلا صيحة واحدة، فإذا هم بالساهرة أي على وجه الأرض أو سطحها، بعد أن كانوا في بطونها. قال الثوري: الساهرة: أرض الشام. التهديد بقصة موسى عليه السلام مع فرعون اذْهَبْ إِلَ إِذْ نَادَنُهُ رَبُُّ بِلْوَدِ الْقَدَّسِ ◌ُطُوَّى ١٥ ﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ مُوسَى فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّکَی (جام فِرْهَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ◌َ ١٩) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَخْشَى ٢١ ثُمَّ أَذَبَرَ يَسْعَى فَكَذَّبَ وَعَصَى ٢٠ فَأَرَبُهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَىَ ٢٣ فَحَشَرَ فَنَادَى ٢٣ فَأَخَذَهُ اَللَّهُ تَكَلَ اْآَخِرَةِ وَالْأُولَّ ٢٤ فَقَالَ أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى ) إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَنْ ٣٥ ٢٦ يَخْشَى ٤٠٤ الزُعُ (٣٠) - النَّازِعَائِ: ٧٩ / ١٥-٢٦ القراءات: ﴿ُطُوَّى﴾ : وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (طِوَى). ﴿ إِلَ أَنْ تَزَّكَ﴾: وقرأ نافع، وابن كثير (إلى أن تَزََّّى). الإعراب: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَ﴾ ﴿لَّكَ﴾: جار ومجرور خبر مبتدأ محذوف، أي هل لك ميل أو رغبة؟ وهو استفهام معناه العرض، وهو لطف في الاستدعاء؛ لأن كل عاقل يجيب عن مثل هذا السؤال بنعم، فهو كلام محمول على (أدعو) فكأنه قال: أدعو إلى التزكي: وهو التحلي بالفضائل والتطهر من الرذائل. و ﴿تَزَّكَ﴾ أصله: تتزكى، فحذفت إحدى التاءين للتخفيف، ومنهم من أبدل من التاء الثانية زاياً، وأدغم التاء في الزاي، ولم يدغم الزاي في التاء؛ لأن في الزاي زيادة صوت. ﴿ فَخَذَهُ اللَّهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ (9َ﴾ ﴿نَكَلَ﴾: إما مفعول لأجله، أو منصوب على أنه مصدر، فهو مصدر مؤكد، كـ ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨/٢]، كأنه نكل الله به نكال الآخرة والأولى، والنكال بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم، والمراد الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة. البلاغة: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ مُوسَىَ (هَا﴾ أسلوب التشويق إلى معرفة القصة. المفردات اللغوية: خطاب للنبي ◌ّ﴾ بقصد تسلیته على تكذيب ﴿هَلْ أَنَنَكَ حَدِيثُ مُوسَىَ (9َ﴾ قومه، وتهديدهم عليه بأن يصيبهم مثلما أصاب من هو أعظم منهم. ٤٠٥ الُرعُ (٣٠) - النَّازِعَاتِ: ٧٩ / ١٥-٢٦ الْقَدَّسِ﴾ المبارك المطهر، و﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ وادٍ بأسفل جبل طور سيناء. [ُوَّى﴾ وادٍ بين أَيْلَة ومصر. ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَونَ﴾ على إرادة القول، أي وقال له. ﴿طَغَى﴾ تجاوز الحد في الكفر. ﴿هَل لَّكَ﴾ أدعوك أو هل ترغب فيه؟ ﴿إِلَى أَنْ تَزَكَ﴾ تتحلى بالفضائل وتتطهر من الرذائل، والمراد: هل لك ميل إلى أن تتطهر من الكفر أو الشرك والطغيان بأن تشهد أن لا إله إلا الله؟ وقرئ: ﴿تَرََّ﴾ بتشديد الزاي بإدغام التاء الثانية في الزاي. والتزكي في الأصل: التطهر من العيوب. ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أرشدك إلى معرفته، أو أدلك على معرفته. ﴿فَخْشَى فتخاف؛ بأداء الواجبات وترك المحرمات. ﴿فَرَنَّهُ الْآَيَّةَ الْكُبْرَىَّ (®َ﴾ أي فذهب وبلغ، فأراه المعجزة الكبرى والعلامة الدالة على صدقه في دعوى النبوة، وهي انقلاب العصا حية، أو اليد تخرج بيضاء. ﴿فَكَذَّبَ﴾ فرعون موسى. ﴿وَعَصَى﴾ الله تعالى بعد ظهور الآية وتحقق أمر النبوة. ﴿أَذْبَرَ﴾ ترك موسى وأعرض عن الإيمان والطاعة. ﴿يَتْعَى﴾ في الأرض بالفساد، وفي إبطال أمر موسى ومكايدته . ﴿فَحَشَرَ﴾ جمع السحرة وجُنده. ﴿فَنَادَى﴾ في الجمع بنفسه في ولاية أمركم، لا ربّ فوقي. ﴿فَأَخَذَهُ أو بمناد. ﴿فَقَالَ أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَىَ (9َ) اللَّهُ﴾ أهلكه بالغرق. ﴿نَكَالَ﴾ عقوبة أو عذاب. ﴿الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ﴾ القيامة والدنيا، أي أخذه منكلاً به في الآخرة بالإحراق في جهنم، وفي الدنيا بالإغراق. وقيل: المراد كلمته الآخرة وهي هذه: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وكلمته الأولى قبلها، وهي قوله: ﴿مَا عَلِّمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨/٢٨] وكان بينهما أربعون سنة. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ المذكور. ﴿لَعِبَةً﴾ لعظة. ﴿لِّمَنْ يَخْشَ﴾ لمن شأنه الخشية من الله تعالى. المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى عن الكفار إصرارهم على إنكار البعث، ٤٠٦ الزُ (٣٠) - النَّازِعَائِ: ٧٩ / ١٥-٢٦ واستهزاءهم في قولهم: ﴿تِلْكَ إِذَا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ وكان ذلك يشق على النبي محمد ◌َّ، ذكر له قصة موسى عليه السلام مع فرعون الطاغية، حيث تحمل المشقة الكثيرة في دعوة فرعون، ليكون ذلك كالتسلية للرسول صل18 عن تكذيب قومه وشدة عنادهم وإعراضهم عن دعوته. كما يكون ذلك تهديداً للكفار بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أقوى وأعتى وأشد شوكة وأكثر جمعاً، فإن أصروا على كفرهم، واستمروا في تمردهم أخذهم الله، وجعلهم نكالاً وعبرة، كما جاء في آية أخرى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُّكُمْ صَعِقَةً مِثْلَ صَعِقَةِ ، إِذْ جَ تْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَا تَعْبُدُوَاْ إِلَّا ١٣ عَادٍ وَثَمُودَ اللَّهُ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَمِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ (9)﴾ [فصلت: ١٣/٤١-١٤] . التفسير والبيان: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ مُوسَىَ ﴿َ إِذْ نَادَنُ رَبُّ بِلْوَادِ الْقَدَّسِ طُوَّى (®)﴾ أي ألم يبلغك قصة موسى عليه السلام مع فرعون، حيث ابتعثه الله إليه، وأيَّده بالمعجزات، حين ناداه ربّه ليلاً، مكلماً إياه، مكلِّفاً له بالنبوة والرسالة في الوادي المبارك المطهّر وهو طُوى: وهو الوادي في جبل سيناء الذي نادى الرّب فيه موسى. وإنما ذكَّر الله بقصة موسى عليه السلام؛ لأنه أبهر الأنبياء المتقدمين معجزة، ولأن فيها تسلية للنبي وَل عما يلاقيه من إعراض قومه، ولتهديد كفار قريش بإنزال عذاب مشابه لما أنزل بفرعون وجنوده، مع أنه كان أكثر جمعاً وأشد قوة منهم. ثم أبان الله تعالى مهمة موسى عليه السلام بقوله: ﴿ أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوّنَ إِنَّهُ طَغَى (﴾ أي قال الله له: اذهب إلى فرعون طاغية مصر، فإنه جاوز الحد في العصيان والتكبر والكفر بالله، حيث ادّعى الربوبية، وتجبر على بني إسرائيل، واستعبد قومه. ٤٠٧ لُُ (٣٠) - النَّازِعَاتِ: ٧٩ / ١٥-٢٦ ثم علّمه أسلوب الدعوة فقال: أي فقل ١١٩ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَخْشَى ١٨ ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَّى لفرعون بعد وصولك إليه: هل لك رغبة في التطهر من الشرك والعيوب؟ وإني أرشدك إلى معرفة الله وتوحيده وعبادته، فتخاف عقابه، بأداء ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. والخشية لا تكون إلا من مهتد راشد. وإنما أمره الله بلين القول، ليكون أنجع في الدعوة؛ لأن دعوة الجبابرة تتطلب عادة التلطف والرفق والمداراة، لتخفيف غلوائهم، واستنزال شيء من عتوهم وتجبرهم. وقد تكرر الأمر باللين في هذه القصة في القرآن الكريم، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ فَلَا لَيْنَا لَّعَلَّهُ يَنَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: ٢٠ / ٤٤] . والآية دليل على أن المقصود الأعظم من بعثة الرسل هداية الناس إلى معرفة الله، وأن معرفة الله تستفاد من الهادي. ثم أبان الله تعالى أن موسى أظهر لفرعون معجزته، فقال: ﴿فَرَنَّهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (3﴾ أي فأظهر له العلامة والمعجزة الكبرى الدالة على صدق نبوته، وهي انقلاب العصا حية، أو اليد، ومع ذلك كذَّب وخالف، كما قال تعالى: ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ﴿3﴾ أي فكذب فرعون بموسى وبما ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى جاء به وبالحق، وعصى الله عزّ وجلّ فلم يطعه، وتولى وأعرض عن الإيمان، وأخذ يسعى بالفساد في الأرض، ويجتهد في مكايدة موسى ومعارضة ما جاء به. والجمع بين ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى وعصى بأن أظهر التمرد والتجبر. للدلالة على أنه كذب بالقلب واللسان، ٣٢ ٤٠٨ لُ (٣٠) - النَازِعَاتِ: ٧٩ / ١٥-٢٦ فَقَالَ أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَىِ (®﴾ أي فجمع جنوده للتشاور، ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى أو جمع السحرة للمعارضة، ثم نادى في المقام الذي اجتمعوا فيه معه، أو أمر منادياً ينادي قائلاً: أنا الرّب الأعلى، وصاحب السلطان المطلق، الذي ليس لأحد سواي ولاية أمركم، ولا ربّ فوقي، فكان جزاؤه الإغراق مع جنوده، كما قال تعالى: ﴿ فَخَذَهُ اللَّهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ (9َ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَخْشَ (®﴾ أي أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وانتقم منه انتقاماً جعله به عبرةً ونكالاً لأمثاله المتمردين في الدنيا، ونكّل به نكال الآخرة وهو عذاب النار، ونكال الأولى وهو عذاب الدنيا بالغرق، ليتعظ به من يسمع خبره، وإن فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل به عبرة عظيمة لمن شأنه أن يخشى الله ويتقيه ويتعظ وينزجر، فينظر في أحداث الماضي، ويقيس بها أحوال الحاضر والمستقبل. فقوله: ﴿اَلْأَخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ أي الدنيا والآخرة، وهو الصحيح في معنى الآية كما قال ابن كثير. فقه الحياة أو الأحكام: إن قصة موسى عليه السلام مع فرعون وجنوده عبرة لمن اعتبر، وعظة لمن اتعظ، فقد أرسله الله إليه، وأيَّده بالمعجزات، ومع هذا استمر فرعون في كفره وطغيانه، فانتقم الله منه انتقاماً شديداً، وأغرقه وجنوده في البحر الأحمر. وفي القصة تسلية للنبي وَلقر عما يلاقيه من صدود قومه، وتحذير للكفار المتمردين والعتاة المتجبرين بإنزال عقاب مماثل إن استمروا في كفرهم وعتوهم وإعراضهم عن قبول دعوة الإسلام. فلقد كان فرعون أقوى من كفار أي عصر، فإنه تجاوز الحدّ في العصيان، وأبى قبول دعوة موسى إلى تطهير نفسه من الذنوب والمآثم والكفر، ولم يقبل ما أرشده إليه من طاعة ربّه، ولم يصدِّق بمعجزته وهي انقلاب العصا حية، أو ٤٠٩ الُعُ (٣٠) - النَّازِعَائِ: ٧٩ /٢٧-٣٣ اليد البيضاء تبرُق كالشمس، وكذَّب نبوته وعصى ربّه عزّ وجلّ، وولَّ مدبراً معرضاً عن الإيمان، ساعياً في الأرض بالفساد، وقال لقومه بصوت عال: أنا ربّكم الأعلى، أي لا ربّ لكم فوقي. ولكنه مع كل هذا لم يعجز الله القوي القادر القاهر، فأهلكه الله في الدنيا مع جنوده بالغرق، وسيعذبه في الآخرة بنار جهنم. إن في هذه القصة، وما أحل الله بفرعون من الخزي، وتحقيق العلو والنصر لموسى عليه السلام، لاعتباراً وعظة لمن يخاف الله عزّ وجلّ، ففيها بيان العقاب العادل وأسبابه ومسوغاته، وبها يتبين لكل عاقل ضرورة أن يدع التمرد على الله تعالى، والتكذيب لأنبيائه، خوفاً من أن ينزل به ما نزل بفرعون وجنوده. كما عليه أن يعلم بأن الله تعالى ينصر أنبياءه ورسله. فمن ارتكب ما يوجب العقاب من مثل ذلك قولاً وفعلاً، اشترك في العقاب نفسه في الدنيا والآخرة. إثبات البعث بخلق السماوات والأرض والجبال رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّنَهَا ﴿وَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ السَّمَاءُ بَهَا (مَّ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ٢٨ وَاْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنهَا ٢٩٦ ضُحَتِهَا وَالْجِبَالَ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْ عَنَا (٦) مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُ آَرْسَنھَا الإعراب: بَنَهَا﴾ الجملة صفة للسماء. ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾ الجملة حال بإضمار (قد) أي مخرجاً. ﴿مَنَعًا لَّكُ﴾ مفعول لأجله، لفعل مقدر، أي فعل ذلك متعة، أو منصوب على المصدر، أي تمتيعاً. ٤١٠ الجُعُ (٣٠) - التَّازِ عَائِ: ٧٩ /٢٧-٣٣ البلاغة: ﴿أَمِ السَّمَاءِ بَهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَوَّنَاَ ﴿٢﴾ ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا بينهما مقابلة. أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَنَا (جَا﴾ ٣٠ ﴿اَسَمَ﴾ و﴿ وَاْأَرْضَ﴾ بينهما طباق. ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَنْهَا (٣٦)﴾ استعارة تصريحية في كلمة ﴿وَمَرْعَنْهَا﴾ أي نباتها، شبه أكل الناس برعي الأنعام، واستعير الرعي للإنسان، بجامع الأكل، فإطلاق المرعى على ما يأكله الناس استعارة. ﴿ضُحَنِهَا﴾، ﴿دَحَتِهَاَ﴾، ﴿وَمَرْ عَنْهَا﴾، ﴿أَرْسَنَهَا﴾ سجع مرصع، وهو توافق الفواصل في الحرف الأخير. المفردات اللغوية: ﴿ أَشَدُ خَلْقًا﴾ أصعب خلقاً. ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾ أشد خلقاً. ﴿بَنَهَا﴾ بيان لكيفية خلقها، والمسؤول يجيب، ولا بدَّ أن يكون الجواب: السماء، لما يرى من ديمومة بقائها وعدم تأثرها. ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ تفسير لكيفية البناء، والسمك أو السمت: مقدار الارتفاع من الأسفل إلى الأعلى، والمعنى: جعل الله مقدار ارتفاعها من الأرض وسماكتها باتجاه العلو رفيعاً ثخيناً . ﴿فَوَّنَهَا﴾ جعلها مستوية الخلق معدلة محكمة بلا عيب، بحيث جعل كل جزء في موضعه. ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ أظلمه. ﴿ وَأَخْرَجَ ضُحَهَا﴾ أبرز نور شمسها، والمراد بالضحى: النهار، كقوله: ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَنِهَا ﴾﴾ [الشمس: ١/٩١]، أي النهار. ﴿دَحَلَهَا﴾ بسطها ومهَّدها للإنسان، وجعلها كالبيضة ليست تامة الكروية، كما هو معروف، فهي مفلطحة من جانبها. ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾ أي أخرج مخرجاً منها. ﴿ مَاءَهَا﴾. بتفجير العيون. ﴿وَمَرْعَنْهَا﴾ نباتها، وهو يشمل ما ترعاه الأنعام من الشجر والعشب، وما يأكله الناس من الأقوات والثمار. ﴿مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُ﴾ أي ٤١١ الُجُزْءُ (٣٠) - النَّارِعَاتِ: ٧٩ /٢٧-٣٣ متعة ومنفعة لكم ولأنعامكم، أو تمتيعاً لكم ولمواشيكم، والأنعام: جمع نعم: وهي الإبل والبقر والغنم. المناسبة: بعد بيان قصة موسى وفرعون، عاد إلى مخاطبة منكري البعث محتجاً عليهم ببدء الخلق على إعادته، فإنه تعالى خلق السماوات البديعة، والأرض الوسيعة المعدَّة للاستقرار والحياة عليها بإعداد وسائل المعيشة فيها، وخلق الجبال الرواسي لإرساء الأرض وتثبيتها. التفسير والبيان: رَفَعَ سَمْكَهَا فَوَّنَهَا (®﴾ أي هل أنتم PV ﴿وَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ السَّمَاءِ بَنَهَا ( أيها الناس أصعب خلقاً بعد الموت، وبعثكم أشد عندكم وفي تقديركم من خلق السماء؟ لا شك بأن السماء أشد خلقاً، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧/٤٠] وقال سبحانه: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَّ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١/٣٦] . فمن قدر على خلق السماء ذات الأجرام العظيمة التي يتحدث عنها علماء الفلك والفضاء بدهشة، وفيها من عجائب الصنع وبدائع القدرة ما هو واضح، كيف يعجز عن إعادة الأجسام التي أماتها بعد أن خلقها أول مرة؟! ثم بَيَّن الله تعالى صفة خلق السماوات، وأنه بناها بضم أجزائها بعضها إلى بعض، مع ربطها بما يمسكها حتى صارت بناء واحداً، ورفع ثخانتها في الجو، وجعلها كالبناء المرتفع فوق الأرض بدون أعمدة، وجعلها عالية البناء، مستوية الخلق، معدّلة الشكل، لا تفاوت فيها ولا اعوجاج، ولا فطور ولا شقوق، بأن أبدع في خلق الكواكب العديدة التي تفوق الملايين، وجعل لكل كوكب حجماً معيناً، ومداراً يسير فيه دون تصادم مع غيره، حتى صار من مجموعها ما يسمى بالسماء، وما يشبه البناء. ٤١٢ الُ (٣٠) - الثَّانِعَائِ: ٧٩ / ٢٧-٣٣ )﴾ أي جعل ليل السماء مظلماً، وأبرز ٢٩ ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَنِهَا وأنار نهارها المضيء بإضاءة الشمس، وجعل تعاقب الليل والنهار واختلاف الفصول مناخاً صالحاً للعيش والسكنى. ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنِهَا (®َ﴾ أي بسط الأرض ومهدها وجعلها مفلطحة كالبيضة بعد خلق السماء، إلا أنها كانت مخلوقة غير مدحوة قبل خلق السماء، ثم دحيت بعد خلق السماء، كما جاء في سورة السجدة (فصّلت): ﴿﴿ قُلّ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَّجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَزَكَ فِيَهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءٌ لِلِسَّآِنَ ﴿ ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اثْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآ أَنْنَا طَابِعِينَ (®َ﴾ [٩- ١١] فهذه الآية دليل على أن خلق السماوات كان بعد خلق الأرض، إلا أن دحو الأرض وتمهيدها كان بعد خلق السماوات(١). ثم أوضح ما تَّ في أثناء الدحو من إعداد وسائل الحياة والعيش، فقال : مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْفَِكُمُ وَالْجِبَالَ أَرْسَنُهَا (٣١ ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَنْهَا . أي فجّر من الأرض الأنهار والبحار والعيون والينابيع، وأنبت فيها النبات لبني آدم قوتاً كالحبوب والثمار، وللأنعام مرعى كالأعشاب والحشائش، وجعل الجبال كالأوتاد للأرض لئلا تميد بأهلها، وقررها وثبّتها في أماكنها. وجعل تعالى كل ذلك منفعة وفائدة أو تمتيعاً لكم أيها الناس، ولأنعامكم أكلاً وركوباً، وهي الإبل والبقر والغنم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَنزَلَ (١) تفسير ابن كثير: ٤٦٨/٤ ٤١٣ لِلُعُ (٣٠) - الثَّانِعَاتِ: ٧٩ /٢٧-٣٣ مِنَ الشَّمَآءِ مَءَ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ نُسِيمُونَ ١٠/١٦]. [النحل: فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - أثبت الله تعالى لمنكري البعث قدرته على إعادة الخلق والمعاد، بقدرته على بدء الخلق، وقدرته على خلق السماوات العظيمة، المحكمة البناء، والتي جعل فيها الليل والنهار، وخلق الأرض التي دحاها وبسطها ومهدها بعد خلق السماوات، وفجر منها الأنهار والينابيع، وأرسى الجبال في أماكنها، كل ذلك لتحقيق المنفعة للإنسان ودوابه التي يأكل منها ويركب عليها. ومعنى الكلام التقريع والتوبيخ. فمن قدر على خلق السماء قدر على الإعادة، وإذا كان الله قادراً على إنشاء العالم الأكبر، يكون على خلق العالم الأصغر، بل على إعادته أقدر. أَ - نبّه الله تعالى بهذا الدليل على أمر معلوم بالمشاهدة، وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ في القدرة. ٣ - أشار الله تعالى إلى كيفية خلق السماء بقوله: ﴿بَهَا﴾ وفيه تصوير للأمر المعقول، وهو الإبداع والاختراع، بالأمر المحسوس وهو البناء. ثم ذكر هيئة البناء بقوله: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ وهو الامتداد القائم من السفل إلى العلو، وعكسه يسمى عمقاً. ٤ - دلَّ قوله تعالى: ﴿فَوََّهَا﴾ على أن الأرض كروية، كما دلَّ قوله: ﴿دَحَنَهَا﴾ على أن كروية الأرض ليست تامة، بل هي مفلطحة كالبيضة. ودحو الأرض لا ينافي تقدم خلق الأرض على السماء في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى ٤١٤ لُعُ (٣٠) - النَّازِ عَائِ: ٧٩ /٢٧-٣٣ خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩/٢]. ٥ - إنما نسب الله تعالى الليل والنهار إلى السماء؛ لأنهما يحدثان بسبب غروب الشمس وطلوعها، وهذان إنما يحصلان بسبب حركة الفلك. ٩ - وصف الله تعالى كيفية خلق الأرض بعد وصف كيفية خلق السماء، وذكر صفات ثلاثاً: هي دحو الأرض، أي بسطها وتمهيدها الذي حصل بعد خلق السماء، وإخراج الماء والمرعى من الأرض، والمرعى: يشمل جميع ما يأكله الناس والأنعام، وإرساء الجبال وتثبيتها في أماكنها. قال القُتَبي: دلَّ الماء والمرعى على جميع ما أخرجه من الأرض قوتاً ومتاعاً للأنام من العشب والشجر والحب والتمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح؛ لأن النار من العيدان، والملح من الماء. لاً - امتن الله تعالى على خلقه بأنه إنما خلق هذه الأشياء في السماء والأرض متعة ومنفعة لهم ولأنعامهم، أو تمتيعاً لهم ولأنعامهم. ٨ - دلَّ مجموع الآيات هنا، وفي سورة السجدة (فصلت) وسورة البقرة وغيرها، على أن الله تعالى خلق الأرض أولاً، ثم خلق السماء ثانياً، ثم دحا الأرض بعد ذلك ثالثاً؛ لأنها كانت أولاً كالكرة المجتمعة، ثم إن الله تعالى مدها وبسطها. ٤١٥ لُعُ (٣٠) - الثَّانِعَتِ: ٧٩ / ٣٤-٤٦ جزاء فريقي الناس في الآخرة وتفويض علم الساعة لله تعالى وقصر مدة الدنيا يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَنُ مَا سَعَى ٣٤ ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّمَةُ الْكُبْرَىَ وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ ٣٥ لِمَن يَرَى (9) فَأَمَّا مَن طَغَى ٣١ وَءَاتَّرَ الْخَوَةَ الدُّنْيَا ٣٨ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى ٣٩٦ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَّ يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّنَ مُرُّسَهَا ٤١ فِيَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا ﴿ إِلَى رَبِّكَ مُنَهَنُهَا ٤٢ ٤٤ كَأَنَهُمْ يَوَّمَ يَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ صُحَهَا ٤٥ إِنَّمَا أَنَتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَنهَا ٤٦ القراءات: ﴿اَلْمَأْوَى﴾: وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (الماوى). الإعراب: (®) ﴿يَوْمَ﴾: بدل من قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَنُ مَا سَعَى وما : موصولة أو مصدرية. (٣٤) الطَّمَةُ الْكُبْرَى ﴿ فَمَّا مَنْ طَغَى ﴿4﴾ الفاء في ﴿فَمَّا﴾: جواب إذا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الطَّمَةُ الْكُبْرَىَ ﴿3﴾؟ وهي المأوى له؛ لأنه لا بدَّ من ضمير يعود من الجملة إلى المبتدأ. وذهب الكوفيون إلى أن الألف واللام عوض عن الضمير العائد، والتقدير فيه: مأواه. ويصح أن يكون جواب ﴿فَإِذَا جَاءَتِ﴾ محذوفاً، دلَّ عليه: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾ أو ما بعده من التفصيل. ﴿هِىَ الْمَأْوَى﴾ هي إما ضمير فصل أو مبتدأ. ٤١٦ الُ (٣٠) - النَّازِعَاتِ: ٧٩ / ٣٤-٤٦ البلاغة: وَءَثَرَ الْخَوَةَ الدُّنْيَاَ ﴿٢٨)﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَ ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَىّ بينهما مقابلة. ٤٠ النَّفْسَ عَنِ الْمَوَُّ ﴿ كَّهُمْ يَوَّمَ يَرَوْنَهَا لَ يَلْبَنُواْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَهَا تشبيه مرسل مجمل. ٤٦ ﴿عَشِيَّةٌ﴾ و﴿ضُحَهَا﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿الظَّمَّةُ الْكُبْرَى﴾ الداهية العظمى وهي القيامة، التي تطمّ، أي تعلو على سائر الدواهي، والتي هي أكبر الطامات، أو النفخة الثانية التي يكون معها البعث، أو ساعة سوق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ اُلْإِنسَنُ مَا سَعَى (9) بأن يراه مدوناً في صحيفته، وكان قد نسيه من فرط الغفلة أو طول المدة، والمراد: كل ما عمل في الدنيا من خير أو شر. ﴿وَبُرِّزَتِ﴾ أظهرت. ﴿الْجَحِيمُ﴾ النار المحرقة. ﴿لِمَن يَرَى﴾ لكل راءٍ، بحيث لا تخفى على أحد. ﴿طَغَى﴾ تكبر وتجاوز الحد، حتى كفر. ﴿ وَءَاثَرَ﴾ قَدَّم وفضل. ﴿الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ باتباع الشهوات، ولم يستعد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس. ﴿اَلْمَأْوَى﴾ المستقر، أي مأواه، واللام فيه سادّة مسدّ الإضافة، للعلم بأن صاحب المأوى هو الطاغي . ﴿مَقَامَ رَبِّهِ﴾ مقامه بين يدي ربه لعلمه بالمبدأ والمعاد، أو جلاله وعظمته. ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَ﴾ زجرها وكفّها عن ليس له سواها هواها المردي باتباع الشهوات . ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى مأوى. والحاصل أن العاصي في النار والمطيع في الجنة. ﴿يَسْشَلُونَكَ﴾ أي كفار مكة. ﴿أَيَّنَ مُّسَنَهَا﴾ متى إرساؤها أي وقوعها وقيامها . ﴿فِيمَ﴾ أي في أي شيء. ﴿أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا﴾ أي ما أنت من ذكراها . ٤١٧ لُ (٣٠) - النَّازِعَاتِ: ٧٩ / ٣٤-٤٦ لهم، والمراد: ليس عندك علمها حتى تذكرها. ﴿ مُنْتَهَنَهَا﴾ منتهى علمها، لا يعلمه غيره. ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ مُنذِرُ﴾ إنما ينفع إنذارك. ﴿مَن يَخْشَلُهَا﴾ يخافها، أي إنما بعثت الإنذار من يخاف هولها، وهو لا يناسب تعيين الوقت. وأما تخصيص (من يخشى) فلأنه المنتفع بالإنذار . ﴿لَمْ يَلْبُواْ﴾ في الدنيا أو في القبور. ﴿إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ◌ُحَهَا﴾ أي عشية يوم أو ضحاه، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا سَاعَةٌ مِّن نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥/٤٦]، إنما أضاف الضحى إلى العشية؛ لأنهما من يوم واحد. سبب النزول: نزول الآية (٤٢): : أخرج الحاكم وابن جرير عن ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ مُرُّسَهَا عائشة قالت: كان رسول الله وَل﴿ يَسْألُ عن الساعة، حتى أنزل عليه: ﴿ يَسْشَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّنَ مُرْسَهَا ﴿ فِيَمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَآَ ﴿ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَنَهَا ٤٤ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن مشركي أهل مكة سألوا النبي وَلخير، فقالوا: متى تقوم الساعة؟ استهزاء منهم، فأنزل الله: ﴿يَسَخَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ مُرَّسَهَا (﴿4﴾ إلى آخر السورة. وأخرج الطبراني وابن جرير عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله وَّه يُكثر ذكر الساعة حتى نزلت: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَ ﴿٢﴾ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَتُهَا (٤٤ ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة مثله(١). المناسبة: بعد بيان أدلة القدرة الإلهية على البعث والحشر والنشر، من خلق السماء والأرض، وإثبات إمكان الحشر عقلاً، أخبر الله تعالى بعد ذلك عن وقوعه (١) أسباب النزول للسيوطي بهامش تفسير الجلالين. ٤١٨ لُعُ (٣٠) - النَّارِعَتِ: ٧٩ / ٣٤-٤٦ فعلاً، وما يصحبه من أهوال، وما يترتب عليه من انقسام الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير. وبعد بيان البرهان العقلي على إمكان القيامة، والإخبار عن وقوعها، وذكر أحوالها العامة وأحوال الأشقياء والسعداء فيها، أجاب الله تعالى عن تساؤل المشركين استهزاء وعناداً عن وقت حدوثها، وأوضح أن علمها مفوض إلى الله تعالى، وأن النبي وَ الر مبعوث للإنذار فقط، وأن ما أنكروه سيرونه، حتى كأنهم أبداً فيه، وكأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار، ثم مضت. التفسير والبيان: وَبُرِزَتِ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَنُ مَا سَعَى الشَّـ ﴿فَإِذَا جَتِ اُلْطَّامَةُ الْكُبْرَ اَلْجَحِيمُ لِمَن يَرَى (®﴾ أي إذا حان وقت مجيء الداهية العظمى التي تطم على سائر الطامات، وهي يوم القيامة، أو النفخة الثانية التي يكون معها البعث، أو تسليم أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وينسى الإنسان كل شيء قبلها في جنبها، فَصَل الله تعالى بين الخلائق، فمنهم شقي وسعيد، فجواب (إذا) محذوف وهو: فصل الله .. ولذلك اليوم صفتان: إنه حين يتذكر الإنسان جميع ما عمله من خير أو شر؛ لأنه يشاهده مدوناً في صحائف عمله، كما قال تعالى: ﴿يَوْصِدٍ يَنَذَكَّرُ اُلْإِنِسَنُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣/٨٩] وقال سبحانه: ﴿أَحْصَنَهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦/٥٨]. وفيه تظهر نار جهنم المحرقة إظهاراً لا يخفى على أحد. سواء أكان مؤمناً أم كافراً، كما قال تعالى: ﴿وَبُرِزَتِ [الشعراء: ٩١/٢٦]. قال مقاتل: ((يكشف عنها الغطاء، الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ فينظر إليها الخلق)) فأما المؤمن: فيعرف برؤيتها قدر نعمة الله عليه بالسلامة منها، وأما الكافر: فيزداد غماً إلى غمه، وحسرة إلى حسرته. ثم فصّل الله تعالى ما يحكم به بين الخلائق، فقال: ٤١٩ لِزُُ (٣٠) - النَّارِعَائِ: ٧٩ / ٣٤-٤٦ فإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى ٣٨ وَءَثَرَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاً ( - ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى (١) ٣٩ أي فأما من تكبر وتمرد، وتجاوز الحد في الكفر والمعاصي، وقدَّم الحياة الدنيا على أمر الدين والآخرة، ولم يستعد لها، ولا عمل عملها، فالنار المحرقة هي مأواه ومثواه ومستقره؛ لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة. قيل: نزلت الآية في النضر وابنه الحارث، وهي عامة في كل كافر آثر الحياة الدنيا على الآخرة. - ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَّ ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى ٤١ أي وأما من خاف القيام بين يدي الله عز وجل وخاف حكم الله فيه يوم القيامة، وأدرك عظمة الله وجلاله، ونهى نفسه عن هواها، وزجرها عن المعاصي والمحارم التي تشتهيها، وردها إلى طاعة مولاها، فالجنة مكانه الذي يأوي إليه، ومستقره ومقامه، لا غيرها. والآية نزلت في مصعب بن عمير وأخيه عامر بن عمير، وهي عامة في كل مؤمن خاف الله، ولم يتبع هواه. وهذان الوصفان مضادان للوصفين اللذين وصف الله بهما أهل النار، فقوله: ﴿وَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ ضد قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَفَىّ وقوله : ٣٧ ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىُّ﴾ ضد قوله: ﴿ وَءَاثَرَ الْحَوَةَ الدُّنْيَا (٣٨) والخوف من الله لا بدَّ وأن يكون مسبوقاً بالعلم بالله، على ما قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُأَ﴾ [فاطر: ٢٨/٣٥]. ولما كان الخوف من الله هو السبب المعين لدفع الهوى، لذا قدمه على قوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ اٌلْمُوَ﴾(٢). ثم ذكر الله تعالى تساؤل المشركين على سبيل الاستهزاء عن ميعاد القيامة، فقال : (١) اللام: للعهد الذهني، أي مأواه اللائق به، ولهذا استغنى عن العائد، ولا حاجة إلى تكلف أن الألف واللام بدل من الإضافة. (٢) تفسير الرازي: ٥١/٣١ ٤٢٠ لُ (٣٠) - النَّازِعَاتِ: ٧٩ /٣٤-٤٦ ﴿يَسْشَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّنَ مُرُّسَهَا ﴿4﴾ أي يسألك أيها النبي المشركون المكذِّبون بالبعث عن وقت إرساء القيامة وميعاد وقوعها، متى يقيمها الله ويوجدها، أو ما منتهاها ومستقرها كرسوّ السفينة؟ وذلك حين كانوا يسمعون النبي ◌َّ﴾ يذكر القيامة بأوصافها الهائلة، مثل الطامة والصاخة والآزفة والحاقة والقارعة، فقالوا على سبيل الاستهزاء: ﴿أَيَانَ مُرُّسَنُهَا﴾ أي زمان إرسائها. عن عائشة رضي الله عنها - كما تقدم -: لم يزل رسول الله وَله يذكر الساعة ويسأل عنها، حتى نزلت، فلما نزلت هذه الآية انتهى. وقال ابن عباس: سأل مشركو مكة رسول الله مَ له متى تكون الساعة، استهزاءً؟ فأنزل الله عز وجل الآية. ﴿فِيَمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا ﴿﴿ إِلَى رَبِّكَ مُنْنَهَا (®﴾ أي: في أي شيء أنت يا محمد من ذكر القيامة والسؤال عنها؟ أو في أي شيء أنت من ذكر تحديدها ووقتها؟، أي لست من ذلك في شيء(١). وهذا تعجب من كثرة ذكره لها، كأنه قيل: في أيّ شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها، حرصاً على جوابهم. والمعنى ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق، بل مردها ومرجعها ومنتهى علمها إلى الله عز وجل، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين، ولا يوجد علمها عند غيره، فكيف يسألونك عنها ويطلبون منك بيان وقت قيامها؟ وهم يسألونك عنها، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها. ونظير الآية: ﴿نَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا تَأْتِيَكُمْ إِلَّا بَغْنَهُ يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنْبًّا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧/٧] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤/٣١]. ولهذا لما سأل جبريل عليه السلام رسول الله (١) البحر المحيط: ٤٢٤/٨