النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١
لُعُ (٢٩) - المرسلات: ٧٧ / ٤١-٥٠
ورسله وبما أخبر الله من تكريم هؤلاء المتقين في الآخرة، حيث صاروا في
شقاء عظيم، وصار المؤمنون في نعيم مقيم. وهذا هو النوع الثامن من أنواع
تهديد الكفار.
ثم خاطب الله تعالى المكذبين بيوم الدين، وأمرهم على سبيل التهديد
والوعيد، فقال:
﴾ أي يقال لهم في الدنيا (١): كلوا من
٤٦
﴿كُواْ وَتَمَنَّعُواْ فَلِيلًا إِنَّكُ تُجْرِمُونَ (®
مآكل الحياة ولذائذها، وتمتعوا بخيراتها زماناً قليلاً، ومدة قصيرة تزول بانتهاء
العمر، ثم تساقون إلى نار جهنم، فإنكم مشركون بالله. وهذا إن خوطبوا به في
الآخرة توبيخ وتذكير بحالهم السمجة، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع
القليل على النعيم المقيم، وعلل ذلك بكونهم مجرمين إيعاداً لكل مجرم.
﴿وَيْلٌ يَمَيِذٍ لِلْمُكَّذِّبِينَ ﴾﴾ أي عذاب لأولئك المشركين المكذبين بأوامر
الله تعالى ونواهيه، وبما أخبرهم به أنه فاعل بهم، كما قال تعالى: ﴿نُمِنِعُهُمْ
[لقمان: ٢٤/٣١] .
٢٤٦
قَلِيلًا ◌ُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (
وهذا هو النوع التاسع من أنواع تخويف الكفار، ثم ذكر بعده النوع
﴾ أي وإذا أمروا بالصلاة
العاشر، فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَرْكَعُواْ لَا يَرْكَعُونَ (9)
لا يصلون، فهم مستكبرون عن طاعة الله تعالى. وهذا ذم على ترك الخشوع
والتواضع لله بقبول وحيه وأمره وتكليفه.
بأوامر الله سبحانه ونواهيه.
﴿وَيْلٌ يَوَمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
ثم ختم السورة بالتعجب من الكفار، فقال:
٥٠
﴾ أي إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن وما فيه من
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
(١) البحر المحيط ٤٠٨/٨
٣٦٢
الُرُ (٢٩) - المُرسِلَات: ٧٧ / ٤١-٥٠
الدلائل على وجود الله تعالى وتوحيده وصدق نبيه وَلقر، فبأي كلام بعده
يصدقون؟ فالقرآن فيه كل ما يرشد إلى الخير وسعادة الدارين.
روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة كان إذا قرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا
®) قال: فليقل: آمنت بالله وبما أنزل.
فقرأ : ﴿فَبِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت هذه الآيات الأنواع الثلاثة الأخيرة من أنواع تخويف الكفار
العشرة وتعذيبهم :
النوع الثامن - مضاعفة حسرة الكفار، وتزايد غمومهم وهمومهم: وهو
من جنس العذاب الروحاني، فإنهم إذا وجدوا ما أعد الله للمتقين المؤمنين من
أنواع السعادة والكرامة، تحسروا واغتموا، وكانت حالهم في غاية الذل
والهوان والخزي.
لقد أخبر الله تعالى عما يصير إليه المتقون غداً من الاستمتاع والاستقرار
بظلال الأشجار وظلال القصور، في مواجهة الشعب الثلاث لظل النار،
والتمتع بالفواكه التي يطلبونها ويتمنونها، ويقال لهم غداً: كلوا واشربوا
متهنئين، بدل ما يقال للمشركين: ﴿فَإِنِ كَنَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِدُونِ
(9). وهذا
هو الثواب الذي يثيب الله به الذين أحسنوا في تصديقهم بمحمد بشير وأعمالهم
في الدنیا.
والنوع التاسع - وعيد الكفار وتهديدهم إذ يقال لهم في الدنيا: كلوا وتمتعوا
زمناً قليلاً، فإنكم مجرمون مشركون بالله، ومجازون بسوء أعمالكم، فقد
عرضتم أنفسكم للعذاب لأجل حب الدنيا، والرغبة في طيباتها وشهواتها
القليلة الفانية بالنسبة لتلك الآفات العظيمة التي تلقونها يوم القيامة.
والنوع العاشر - توبيخهم وتقريعهم على جهلهم وكفرهم وتعريضهم
٣٦٣
اِلُعُ (٢٩) - المرسلات: ٧٧ / ٤١-٥٠
أنفسهم للعقاب الشديد، وعدم انقيادهم لطاعة الله، وعدم أداء فريضة
الصلاة، فإذا أمروا بها لم يؤدوها.
V
بعد كل نوع لتأكيد التخويف
وقد كرر تعالى: ﴿وَيِلٌ يَوَمِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
والوعيد.
:
ثم ختم الله السورة بعظة بليغة موجزة وهي أنه إن لم يصدقوا بالقرآن الذي
هو المعجز والدال قطعاً على صدق الرسول وَ ل﴿، فبأي شيء يصدقون؟ !!
انتهى هذا الجزء التاسع والعشرون ولله الحمد
·
٠
٠٠
التّفيَُّ المُ
في العقيدة والشريعة والمنهج
الجُزُ الثََّابُنْ
٣٦٧
الُ (٣٠) السورة (٧٨) النَّبَإِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ النَّبًا
مكية، وهي أربعون آية
تسميتها:
٠
تسمى سورة ﴿عَمَّ﴾ وسورة (النبأ) لافتتاحها بقول الله تبارك وتعالى: ﴿عَمَّ
(®) وهو خبر القيامة والبعث الذي يهتم
عَنِ النَّبَاءِ الْعَظِيمِ
يَتَسَكَةَ لُونَ (4)
بشأنه، ويسأل الناس عن وقت حدوثه.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها وهي المرسلات من وجوه ثلاثة:
اً - تشابه السورتين في الكلام عن البعث وإثباته بالدليل، وبيان قدرة الله
عليه، وتوبيخ الكفار المكذبين به، ففي المرسلات: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَِّينَ
وفي هذه قال :
﴿أَلَ غَخْلُفْكُمْ مِن ◌َّآءٍ ◌َهِينٍ ﴿3﴾ ﴿أَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا (َ)﴾
﴿أَمْ تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا (٣) إلى قوله: ﴿إِلَا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٥) الآيات:
[٦-٢٥].
أَ - اشتراك السورتين في وصف الجنة والنار، ونعيم المتقين وعذاب
الكافرين، ووصف يوم القيامة وأهواله.
1
٣٦٨
الُ (٣٠) السورة (٧٨) التّبإ
سَّ - فصّلت هذه السورة ما أُجْمِلَ في السورة المتقدمة، فقال تعالى في
وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ
١٣
المرسلات: ﴿لِأَِّّ يَوْمِ أُعِلَتْ ﴿ لِيَّوْمِ اٌلْفَصْلِ
[١٢-١٤] وقال سبحانه في هذه السورة: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَتًا
[١٧] إلى آخر السورة.
١٧
ما اشتملت عليه السورة:
إن محور السورة إثبات البعث بالأدلة المختلفة، لذا ابتدأت السورة بوصف
تساؤل المشركين عنه، والإخبار عن يوم القيامة، وما يتبعه من البعث
والنشور والجزاء، وأعقبته بتهديد المشركين على إنكارهم إياه: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ
الَّذِى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴿ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ جَ ثُرَ كَلَا
عَنِ النَّبَاِ الْعَظِيمِ
سَيَعْلَمُونَ (جِ﴾﴾ [١-٥].
ثم أقامت الأدلة والبراهين على إمكان البعث، بتعداد مظاهر قدرة الله على
الخلق والإبداع وإيجاد مختلف عجائب الكون، مما يدل على إمكان إعادة
وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴿ وَخَلَقْتَكُمـ
الناس بعد الموت: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا (
أَزْوَجًا
وَجَعَلْنَا الَِّّلَ لِبَاسًا ﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا
وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا
وَأَنَزَلْنَا مِنَ
١٣
وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَاجًا
وَبَيْنَا فَوْقَّكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (٦)
اُلْمُعْصِرَتِ مَآءَ تَجَّاجًا ﴿ لِّنُخْرِجَ بِهِ، حَبَّا وَنَبَتًا ﴿ وَجَنَّتِ أَلْفَافًا (٦َ﴾﴾ [٦-١٦].
ثم حددت السورة ميقات البعث وميعاده، وهو يوم الفصل بين الخلائق
الذي يجمع فيه الأولون والآخرون: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِقًَّا ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ
وَسُيِرَتِ الْجِبَالُ
فِي الْصُورِ فَأْتُونَ أَفْوَجًا ﴿ وَفُتِحَتِ السَّمَةُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (٦)
١٢٠ ﴾ [١٧-٢٠].
فَكَانَتْ سَرَابًا
ثم وصفت ألوان عذاب الكافرين، وأنواع نعيم التقين، بطريق المقابلة
والموازنة، والجمع بين الترغيب والترهيب: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِنْ صَادًا
٢١
[٢١-٣٨].
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَغَارًا
٣٦٩
الُ (٣٠) - الثَبِّإ: ٧٨ / ١-١٦
وختمت السورة بالإخبار بأن هذا اليوم حق لا ريب فيه، وبإنذار الكفار
بالعذاب الأليم القريب الذي يتمنون من شدته أن يعودوا تراباً.
والسورة كلها يشيع فيها جو التهويل والتخويف، والتهديد والإنذار،
حتى لكأن التالي لها يكاد يلمس الصور الرهيبة لأحداث القيامة، ويتملكه
الذعر والخوف من شدائدها وأحوالها.
الإخبار عن البعث وأدلة إثباته
كَلَّا سَيَعْلَمُونَ
اُلَّذِى هُمُ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ
عَنِ النَّبَةِ الْعَظِيمِ (
﴿عَمَّ يَتَسَآءَ لُونَ
وَخَلَقْنَكُمْ
١) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا أَ
﴿َ أَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا
ثُرَّ كَلَا سَيَعْلَمُونَ
وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا
وَجَعَلْنَا اُلَيْلَ لِبَاسًا
﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُرْ سُبَانًا
أَزْوَجَا
وَأَنَزَلْنَا مِنَ
١٣
وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجَا
وَبَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (49)
اُلْمُعْصِرَتِ مَءَ تَّجَّاجًا ﴿﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ، حَبَّ وَنَبَنًا ﴿ وَجَنَتِ أَلْفَافَا ◌َا﴾
الإعراب:
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴾﴾ ﴿عَمَّ﴾ أصله: عن ما، إلا أنه لما دخلت (عن) على
(ما) الاستفهامية، حذفت ألفها للفرق بين الاستفهام والخبر.
﴿عَنِ النَّبَةِ الْعَظِيمِ ﴾﴾ إما بدل من ﴿عَمَّ﴾ بإعادة الجار، أو متعلق بفعل
مقدر، دلَّ عليه ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾ ولا يكون بدلاً؛ لأنه لو كان بدلاً، لوجب أن
تكرر (عمَّ) .
أي مختلفين، حال من الكاف والميم في
﴿وَخَلَقْنَكُمْ أَزْوَجًا لإ
﴿ وَخَلَقْنَكُمْ﴾.
﴿وَجَنَاتٍ أَلْفَافًا (9َ﴾ ﴿أَلْفَافًا﴾ صفة جنات، وهو إما جمع لِفّ مثل جذع
٣٧٠
لُرُ (٣٠) - النَبإ: ٧٨ / ١-١٦
وأجذاع، أو جمع الجمع لكلمة (لُفّ) جمع ألفّ ولفّاء، وفُعل بضم الفاء يجمع
على أفعال، فيكون جمع الجمع. وقال أبو عبيدة: واحدها لفيف، كشريف
وأشراف.
البلاغة:
إيجاز بحذف الفعل، لدلالة المتقدم عليه، أي
٢
﴿عَنِ النَّبَلِ الْعَظِيمِ
يتساءلون عن النبأ العظيم.
تشبيه بليغ، أي جعلنا
وَالْجِبَالَ أَوْنَادًا
﴿أَلَمَـ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا
الأرض كالمهاد الذي يفترشه النائم، والجبال كالأوتاد التي تثبت غيرها.
، أي كاللباس في الستر.
ومثله: ﴿وَجَعَلْنَا أَلَيْلَ لَِاسًا
بينهما مقابلة،
{وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا (®﴾ ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا
قابل بين الليل والنهار، والراحة والعمل.
﴿أَوْتَادًا﴾ ﴿أَزْوَجًا﴾ ﴿سُبَانًا﴾ ﴿لِبَاسًا﴾ ﴿مَعَاشًا﴾ ﴿شِدَادًا﴾ ﴿وَهَّاجَا﴾.
﴿نَّجَاجًا﴾ ﴿وَبَانًا﴾ ﴿أَلْفَافًا﴾ سجع مرصع.
المفردات اللغوية:
﴿عَمَّ يَتَسَاءَ لُونَ ﴾﴾ أي عن أي شيء يسأل بعض أهل مكة بعضاً، ومعنى
الاستفهام: تفخيم شأن ما يتساءلون عنه، كأنه لفخامته خفي جنسه، فسئل
عنه. وقد كان التساؤل من أهل مكة عن البعث فيما بينهم، أو يسألون
عن خبر يوم
الرسول ◌َ﴿ والمؤمنين عنه استهزاء. ﴿عَنِ النَّبَلِ الْعَظِيمِ
البعث المهم، وهو بيان شأن المفخم . ﴿ الَّذِى هُ فِيهِ مُخْتِفُونَ
(6) يترددون فيه
بين الإقرار والإنكار أو بين الإثبات والنفي.
﴿كَلَّا﴾ ردع لهم وزجر، لرد الكلام المتقدم ونفيه، والردع عن التساؤل
للُءُ
(٣٠) - النَّبّا: ٧٨ / ١-١٦
٣٧١
والوعيد عليه. ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ ما يحل بهم على إنكارهم للبعث. ﴿ثُنَّ كَلَّ سَيَعْلَمُونَ
تأكيد وتكرير للمبالغة، وجيء بكلمة ﴿ثَُّ﴾ للإشعار بأن الوعيد الثاني
٥
أشد من الأول.
ممهدة مذللة فراشاً، كالمهد في قوله تعالى:
﴿أَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا (®)﴾.
﴿اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣/٢٠]. والاستفهام للتقرير، وهذا بدء
ببيان القدرة على البعث بالتذكير ببعض عجائب الكون التي أبدعها الله.
﴿أَوْتَادًا﴾ لتثبيت الأرض، كما تثبت الخيام بالأوتاد: جمع وتِد: وهو ما يدق
في الأرض لربط حبال الخيمة التي تشد بها . ﴿أَزْوَجَا﴾ ذكوراً وإناثاً. ﴿سُبَانًا﴾
راحة الأبدانكم بقطع الحركة وإيقافها. ﴿لِبَاسًا﴾ كاللباس في الستر، وهو ما
يلبسه الإنسان لستر جسمه، أي إنه تعالى جعل الليل غطاء يستتر بظلمته من
أراد الاختفاء.
﴿مَعَاشًا﴾ وقتاً لتحصيل أسباب المعاش أو المعايش. ﴿سَبْعًا﴾ سبع
سماوات . ﴿شِدَادًا﴾ أي سبع سماوات قوية محكمة لا يؤثر فيها مرور الزمان،
ولا تصدع فيها. ﴿سِرَاجًا﴾ ما يضيء وينير. ﴿وَهَاجًا﴾ وقاداً متلألئاً، والمراد به
الشمس.
﴿اَلْمُعْصِرَتِ﴾ السحب والغيوم التي حان لها أن تعصر الماء، فيسقط منها.
﴿نَجَّاجًا﴾ أي مطراً صباباً كثير الهطول، جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي
عن ابن عمر: ((أفضل الحج العَجّ والثَّجّ)) العج: رفع الصوت بالتلبية،
والثج: إراقة دم الهدي .﴿حَبًّا﴾ ما يقتات به الإنسان كالحنطة والشعير والذرة.
﴿وَنَاتًا﴾ ما تقتات به الدواب من التبن والحشيش. ﴿ وَجَنَّتٍ﴾ بساتين
وحدائق، جمع جنة. ﴿أَلْفَافًا﴾ ملتفة الأشجار والأغصان، يلتف بعضها
ببعض.
٣٧٢
الُُ (٣٠) - النَّبّا: ٧٨ / ١-١٦
سبب النزول:
نزول الآية (١):
): أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن البصري
﴿عَمَّ يَتَسَآءَ لُونَ
قال: لما بعث النبي ◌َّ جعلوا يتساءلون بينهم، فنزلت: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَ لُونَ
٢
عَنِ النَّبَاِ الْعَظِيمِ
التفسير والبيان:
ينكر الله تعالى على المشركين تساؤلهم عن يوم القيامة إنكاراً لوقوعها،
فيقول: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ٦ عَنِ النََّاءِ الْعَظِيمِ ﴿ الَّذِى هُ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ أي
عن أي شيء يتساءل المشركون من أهل مكة وغيرهم فيما بينهم؟ ثم أجاب
) أي عن الخبر المهم
﴿عَنِ النَّبَلِ الْعَظِيمِ
الله تعالى عن هذا السؤال بقوله :
الهائل، العظيم الشأن الذي اختلفوا في أمره، بين مكذِّب ومصدِّق، وكافر
ومؤمن به، ومنكر ومُقرّ، وشاكٌ ومُثْبت، وهو يوم البعث بعد الموت، كما
حكى الله عنهم بقوله: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ
﴾ [المؤمنون: ٣٧/٢٣] وقوله: ﴿مَا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا
بِمَبْعُوثِينَ
وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢/٤٥].
وقال مجاهد في تفسير النبأ العظيم: هو القرآن، قال ابن كثير: والأظهر
الأول أي إنه البعث بعد الموت؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِى هُ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ
وقال الرازي: إنه يوم القيامة، وهو الأقرب.
والمراد من الاستفهام تفخيم الأمر وتعظيمه وتعجيب السامعين من أمر
المشركين. وإيراد الكلام في صورة السؤال والجواب، أقرب - كما قال
الرازي - إلى التفهيم والإيضاح، وتثبيت الجواب في نفوس الناس السائلين،
كما في قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦/٤٠].
٣٧٣
◌ِلُعُ (٣٠) - النَّبِّإ: ٧٨ / ١-١٦
ثم ردَّ الله تعالى عليهم متوعداً إنكارهم القيامة بقوله:
ثُّ كَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي لا ينبغي لهم أن يختلفوا في
{كَلَّا سَيَعْلَمُونَ
شأن البعث، فهو حق لا ريب فيه، وسيعلم الذين يكفرون به عاقبة تكذيبهم.
وكلمة ﴿كَلَّا﴾ ردع لهم وزجر، ثم كرر الردع والزجر بالجملة الثانية، أي
فليزدجروا عما هم فيه من الكفر والتكذيب، فإنهم سيعلمون قريباً حقيقة
الأمر إذا حلَّ بهم العذاب.
وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، قال أهل المعاني: تكرير الردع مع الوعيد
دليل على غاية التهديد. وفي ﴿ثَُ﴾ إشارة إلى أن الوعيد الثاني أبلغ من الأول.
ثم أورد الله تعالى بعض مظاهر قدرته العظيمة على خلق الأشياء العجيبة
الدالة على قدرته على أمر المعاد وغيره، فقال معدداً تسعة أشياء تثبت صحة
البعث والحشر الذي أنكروه، وتدل على قدرته على جميع الممكنات وعلمه
بجميع المعلومات:
اَ - أَ - ﴿أَلَمَّ تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا ()
أي كيف
وَالْجِبَالَ أَوْقَادًا ()
تنكرون البعث، وقد عاينتم أدلة قدرة الله التامة، من جعل الأرض ممهدة
مذللة للخلائق، كالمهد للصبي: وهو ما يمهد له من الفراش، فينوَّم عليه،
وجعل الجبال الراسيات كالأوتاد للأرض، لتسكن ولا تتحرك، وتهدأ ولا
﴾ [النازعات: ٣٢/٧٩].
تضطرب بأهلها، كما قال تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَنُهَا
◌َ - ﴿وََقْتَكُمْ أَزْوَجَا جَ﴾ أي وأوجدناكم أصنافاً: ذكوراً وإناثاً،
للأُنس والتعاون والحفاظ على النوع البشري، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ.
أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسَكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةً وَرَحْمَةً
ج
*) [الروم: ٢١/٣٠].
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَنَفَّرُونَ
وَجَعَلْنَا أَلَيْلَ لِبَاسًا ﴾﴾ أي وجعلنا
٤ - ٥ - ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا (ج)
٣٧٤
الُحُ (٣٠) - النَّجل: ٧٨ /١-١٦
نومكم راحة الأبدانكم وقطعاً للحركة ولأعمالكم المتعبة في النهار، فبالنوم
تتجدد القوى، وينشط العقل والجسم، والسبات: أن ينقطع عن الحركة،
والروحُ في بدنه. وجعلنا الليل سكناً وكاللباس الذي يغطي بظلامه الأشياء
والأجسام، فكما أن اللباس يغطي الجسد ويقيه من الحر والبرد، ويستر
العورات، كذلك الليل يستتر فيه من أراد الاختفاء لقضاء مصالح وتحقيق
فوائد لا تتيسر في النهار، كالاستتار من العدو وقضاء بعض الحوائج.
٩ - ﴿وَجَعَلْنَا النََّرَ مَعَاشًا ﴾ أي وجعلنا وقت النهار مشرقاً مضيئاً
ليتمكن الناس من تحصيل أسباب المعايش والتكسب والتجارة والزراعة
والصناعة ونحو ذلك من موارد الرزق.
وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَاجًا (®﴾ أي
١٣
٧ - ٨ - ﴿وَبَيْنَا فَوَقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا
وبنينا فوقكم سبع سماوات قوية الخلق، محكمة البناء، متقنة الصنع، مزينة
بالكواكب الثوابت والسيارات، وجعلنا الشمس سراجاً منيراً على جميع
العالم، يستضاء به، ويستنار بنوره، ويشع بحرارته، فإن الوهج يجمع النور
والحرارة، وبهما تستفيد جميع الكائنات الحية.
) لِتُخْرِجَ بِهِ، حَّا وَنَبَنًا ﴿ وَجَنَّةٍ
١٤
◌َ - ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَآءَ تَّجَّاجًا
أَلْفَافًا لَـ
١) أي وأنزلنا من السحب والغيوم التي تنعصر بالماء ولم تمطر بعد
مطراً منصباً بكثرة، كثير السيلان، لنخرج بذلك الماء الكثير الطيب النافع حباً
يقتات به الناس، كالحبوب المختلفة من قمح وشعير وذرة وأرز، ونباتاً تأكله
الدواب من التبن والحشيش وسائر النبات، وبساتين وحدائق ذات بهجة
وأغصان ملتفة على بعضها وثمرات متنوعة وألوان مختلفة وطعوم وروائح
متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة واحدة، كما قال تعالى: ﴿وَفِ اُلْأَرْضِ قِطَعٌ
مُتَجَوِرَتٌ وَجَنَتٌ مِّنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعُ وَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ
وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِ اَلْأُكُلِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
﴾ [الرعد: ٤/١٣].
٤
٣٧٥
لُزُ (٣٠) - النَّبا: ٧٨ / ١-١٦
والثج: الصب الكثير المتتابع، ومنه قول النبي و # فيما أخرجه الترمذي
عن ابن عمر: ((أفضل الحج: العجُ والنجّ)) أي رفع الصوت بالتلبية، وصب
دماء البُذْن أو الهدي وإراقتها.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - تفخيم شأن البعث وتهويله وتعظيم أمره، وتأكيد وقوعه وأنه حق
ثابت لا ريب فيه.
أَ - سيعلم الكفار المكذِّبون صدق ما جاء به محمد وَلّ من القرآن، ومما
ذكره لهم من البعث بعد الموت، حين يحل بهم العذاب والنكال. وفيه وعيد
بعد وعید.
◌َّ - ردَّ الله تعالى على المشركين منكري البعث، وأثبت لهم قدرته على البعث
والمعاد والحشر والنشر من خلال الإتيان بما هو مشاهد معاين لهم، وهو إيجاد
عجائب المخلوقات، والقدرة على إيجاد هذه الأمور أعظم من القدرة على الإعادة.
٤ - ذكر الله تعالى من عجائب مخلوقاته الدالة على كمال القدرة وتمام العلم
والحكمة أموراً تسعة: هي جعل الأرض ممهدة مذللة كالمهد للصبي، وهو ما
يمهد له فينوّم عليه، وجعل الجبال للأرض كالأوتاد التي تشدّ بها حبال
الخيام، لتسكن وتثبت ولا تميل بأهلها، وخلق الناس أصنافاً: ذكوراً وإناثاً
وأضداداً متقابلين حسناً وقبحاً وطولاً وقصراً ليكتمل الكون، ويزهو
بالجمال والأنس، ويتيسر التعاون، ويستمر بقاء النوع الإنساني.
وتصيير النوم راحة للأبدان وقطعاً للحركة والأعمال التي يكابد بها
الإنسان طوال النهار، فتتجدد قواه، ويستعيد نشاطه، فالنوم يزيل التعب عن
الإنسان.
٣٧٦
الجُرُ (٣٠) - النَّبّل: ٧٨ / ١-١٦
وجعل الليل بظلمته كاللباس ساتراً، أو سكناً للناس، فظلمة الليل تستر
الإنسان عن العيون إذا أراد هرباً من عدو، أو بياتاً له، أو إخفاء ما لا يحب
الإنسان إطلاع غيره عليه، وأيضاً فكما أن الإنسان بسبب اللباس يزداد جماله
وتتكامل قوته، ويندفع عنه أذى الحر والبرد، فكذا لباس الليل، بسبب ما
يحصل فيه من النوم، يزيد في جمال الإنسان، وفي طراوة أعضائه، وفي تكامل
قواه الحسية والحركية، ويندفع عنه أذى التعب الجسماني، وأذى الوساوس
والأفكار الموحشة.
وجَعْل النهار وقت معاش، يتردد فيه الناس لطلب معايشهم: وهي كل ما
يُعاش به من المطعم والمشرب وغير ذلك.
وبناء سبع سماوات محكمات، محكمة الخلق، وثيقة البنيان، وجعل
الشمس سراجاً منيراً مضيئاً وقاداً متلألئاً، وفي كل ذلك خير ونفع للإنسان.
وإنزال الأمطار من السحب المحفلة بالماء، فيحدث منها الغيث الذي يحيي
الأرض بعد جدبها، وينعش النفوس والأجسام بعد عنائها وتكدرها، ويخرج
به الحب للإنسان كالحنطة والشعير وغير ذلك، والنبات للحيوان وهو ما
تأكله الدواب من الحشيش، وتوجد به البساتين والحدائق الغناء التي تلتف
أغصانها بعضها ببعض لكثرة تشعبها، وتزهو بالخضرة والنضرة والجمال،
والثمار والألوان، والطعوم والروائح.
وهذه الأمور التسعة نظراً لحدوثها وإمكانها وتجددها تدل على وجود
الفاعل المختار، كما يدل ما فيها من الإتقان والإحكام على كمال العلم
والحكمة الذاتية، وإذا ثبت كمال الله تعالى في هذه الأوصاف، ثبت قطعاً
إمکان الحشر دون أي شك، ثم في إخراج النبات بعد جفافه ویبسه دليل ظاهر
حسي قريب للأذهان على إمكان إخراج الموتى من القبور، وبعثهم بعد الموت
أحياء.
٠٠
٣٧٧
الُعُ (٣٠) - النَّبإ: ٧٨ / ١٧ -٣٠
وفضلاً عن ذلك، فإن كل أمر من الأمور التسعة نعمة عظمى، يجب أن
تشكر بالتوفر على الطاعة، ولا تُكْفَر بالإقدام على المعصية (١).
وَجَنَتٍ أَلْفَافًا (٣)﴾ تشمل كل أنواع
٥ - آية ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ، حَبَّا وَبَنًا (2)
النبات الثلاثة التي تنبت من الأرض: وهي ما له أكمام وهو الحب، وما لا
يكون له أكمام وهو الحشيش، وهذان النوعان لا ساق لهما، والنوع الثالث:
هو ما له ساق وهو الشجر، فإذا اجتمع منها شيء كثير سميت جنة(٢).
أوصاف يوم القيامة وأماراته ونوع عذابه
يَوْمَ يُنفَعُ فِ الصُّورِ فَأْتُونَ أَفْوَاجًا
١٧
﴿إِنَّ ◌َوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَنًا
وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ
١٩
وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَبًا
مِنْصَادًا
لَِّثِينَ فِهَا أَحْقَابًا ﴿َ لَّا يَذُوقُونَ فِيَهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا
(١) لِّلِطَّعِينَ مَثَابًا
إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَاقًا
٢٤
جَزَّآءُ وِفَاقًّا ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ حِسَابًا
٢٥
وَكَذَّبُواْ بِكَايَلِنَا كِذَابًا
فَذُ وقُواْ فَلَنْ
وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كِتَبًا ◌َا
٢٨
◌َزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا
القراءات:
﴿وَفُتِحَتِ﴾: قرئ:
١- (وَفُتِحت) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي.
٢- (وَفُتِّحت) وهي قراءة الباقين.
﴿لَِّثِينَ﴾:
(١) غرائب القرآن: ٧/٣٠
(٢) تفسير الرازي: ٩/٣١
٣٧٨
لُ (٣٠) - النَّبا: ٧٨ / ١٧ -٣٠
وقرأ حمزة (لبثين).
﴿وَغَسَّاقًا﴾:
قرأ حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف (وغسَّاقاً).
وقرأ الباقون (وغسَاقاً).
الإعراب:
﴿يَوْمَ يُنفَغُ فِىِ الصُورِ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ في قوله
(®) ﴿لَّمِنِينَ﴾ حال مقدر، أي
تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾. ﴿لَّبِتِينَ فِهَا أَحْفَابًا
مقدِّرين اللبث، و﴿أَحْقَابًا﴾ منصوب على الظرف، وعامله ﴿لَّبِثِينَ﴾. وذكر
﴿أَحْفَابًا﴾ للكثرة، لا لتجديد اللبث، كقولك: أقمت سنين وأعواماً.
جَزَآءُ وِفَاقًا
٢٥
إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَاقًا
﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (19)
(®) ﴿لَّا يَذُوقُونَ﴾ جملة في موضع نصب صفة لـ ﴿لَّبِثِينَ﴾، أو حال من
ضمير ﴿لَّبِثِينَ﴾. و﴿حَمِيعًا وَغَسَّاقًا﴾ بدل منصوب من ﴿بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾.
والحميم: يطلق على الحار والبارد من البرودة، فإن كان بمعنى النوم فهو
استثناء منقطع، و﴿جَزَاءٌ﴾ منصوب على المصدر. والخلاصة: ﴿إِلَّا حَمِيمًا
وَغَسَّاقًا (٣٥) استثناء منقطع في قول من جعل البرد: النوم، ومن جعله من
البرودة کان بدلاً منه.
كِذَابًا﴾ منصوب على المصدر لـ (كذّب) وزيدت الألف في ﴿كِذَّابًا﴾ كما
زيدت الهمزة في ((أحسن إحساناً، وأجمل إجمالاً)).
(®) (كِتَبًا﴾ منصوب على المصدر،
﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كِتَبًا
وعامله إما ﴿أَحْصَيْنَهُ﴾ بمعنى كتبنا، وإما فعل مقدر من لفظه دلَّ عليه.
﴿أَحْصَيْنَهُ﴾ أي كتبناه كتاباً.
٣٧٩
لِلُعُ (٣٠) - النَّبَّا: ٧٨ / ١٧ -٣٠
البلاغة:
﴿فَكَانَتْ أَبْوَبًا﴾ تشبيه بليغ، أي كالأبواب في التشقق والتصدع، فحذفت
الأداة ووجه الشبه . ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ﴾﴾ أمر يراد به الإهانة
والتحقير، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب زيادة في التوبيخ. ﴿بَرْدًا﴾ و
(حَيمًا﴾ بينهما طباق.
﴿ أَفْوَاجًا﴾ ﴿أَبَوَابًا﴾ ﴿سَرَابًا﴾ ﴿مَثَابًا﴾ ﴿أَحْقَابًا﴾ ﴿شَرَابًا﴾ ﴿حِسَابًا﴾ سجع
مرصع.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ هو يوم القيامة، وسمي بذلك؛ لأن الله يفصل فيه
بحكمه بين الخلائق . ﴿ كَانَ﴾ أي في علم الله، أو في حكمه. ﴿مِيقَتًا﴾ وقتاً
للثواب والعقاب، وحداً تنتهي عنده الدنيا. ﴿الصُورِ﴾ البوق الذي ينفخ فيه،
فيخرج منه صوت شديد، والنافخ فيه: هو إسرافيل عليه السلام . ﴿ فَأْتُونَ﴾
من قبوركم إلى الموقف. ﴿أَفْوَاجًا﴾ جماعات مختلفة، جمع فوج: أي جماعة.
﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾ شققت وصدّعت. ﴿فَكَانَتْ أَبْوَبًا﴾ ذات أبواب، أو
صارت من كثرة الشقوق كأنها أبواب. ﴿وَسُيِرَتِ الْجَالُ﴾ أزيلت عن أماكنها ،
وأصبحت في الهواء كالهباء. ﴿سَرَابًا﴾ مثل السراب، إذ ترى على صورة الجبال
وليست جبالاً في الحقيقة بل غباراً. ﴿مِنْ صَادًا﴾ موضع رصد، يرصد فيه خزنة
النار الكفار. ﴿لِلطَّغِينَ﴾ الكافرين، الذين طغوا بمخالفة أوامر ربهم.
﴿مَثَابًا﴾ مرجعاً ومأوى. ﴿لَّبِثِينَ﴾ مقيمين. ﴿أَحْقَابًا﴾ دهوراً لا نهاية لها، جمع
حُقُب، وواحدها حِقْبة، وهي مدة مبهمة من الزمان.
﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ برودة الهواء، ويطلق أيضاً على النوم. ﴿ وَلَا شَرَابًا﴾
أي ما يشرب تلذذاً لتسكين العطش. ﴿إِلَّا حَمِيمًا﴾ الحميم: الماء الحارّ الشديد
٤
٣٨٠
الزُعُ (٣٠) - النَّبّ: ٧٨ / ١٧- ٣٠
الغليان .﴿وَغَسَّاقًا﴾ قيح وصديد أهل النار الدائم السيلان من أجسادهم.
﴿جَزَآءَ وِفَاقًا (1) أي جوزوا بذلك جزاء موافقاً لأعمالهم وكفرهم، فلا
ذنب أعظم من الكفر، ولا عذاب أعظم من النار . ﴿لَا يَرَّجُونَ﴾ لا يخافون أو
لا يتوقعون.﴿حِسَابًا﴾ محاسبة على أعمالهم؛ لإنكارهم البعث. ﴿إَِايَئِنَا﴾
القرآن.﴿كِذَابًا﴾ تكذيباً كثيراً. ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ﴾ أي من الأعمال.
﴿أَحْصَيْنَهُ﴾ ضبطناه. ﴿كِتَبًا﴾ أي ضبطناه بالكتابة. ﴿فَذُوقُواْ﴾ أي فيقال
لهم في الآخرة عند وقوع العذاب عليهم: ذوقوا جزاءكم . ﴿فَلَن نَزِيدَكُمْ إِلَّا
عَذَابًا﴾ أي فوق عذابكم.
المناسبة:
بعد إثبات قدرة الله تعالى على تخريب الدنيا، وإيجاد عالم آخر، بإثبات
إمكان الحشر وعموم القدرة والعلم، أخبر تعالى عن يوم الفصل وهو يوم
القيامة أنه مؤقت بأجل معلوم لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته
على التعيين إلا الله عز وجل، ثم ذكر علامات ذلك اليوم من نفخ الصور،
وتصدع السماء، وتسيير الجبال عن أماكنها وصيرورتها هباء كالهواء، ثم
أوضح أن جهنم مرصد للطغاة وهم الكافرون المكذبون بآيات الله، الذين
أحصى الله عليهم كل شيء من أعمالهم، وسيلقون جزاء ما صنعوا.
التفسير والبيان:
أي إن يوم القيامة وقت ومجمع وميعاد
١٧
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَنًا
الأولين والآخرين، ينالون فيه ما وعدوا به من الثواب والعقاب. وسمي يوم
الفصل؛ لأن الله تعالى يفصل فيه بحكمه بين خلقه.
ثم ذكر الله تعالى علامات ثلاثاً لهذا اليوم، فقال:
١ - ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِى الْصُورِ فَأْتُونَ أَفْوَاجًا (٨َ﴾ أي إن يوم الفصل هو اليوم