النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
الُ (٢٩) - المُسِلَات: ٧٧ / ١-١٥
ثم بيَّن الله سبحانه وقت وقوعه وأشراطه، فقال:
وَإِذَا الِْبَالُ نُِفَتْ (9﴾ أي
﴿فَإِذَا النُّجُومُ ظُمِسَتْ ﴿ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (3)
فإذا محي نور النجوم وذهب ضوءها، وفتحت السماء وشقت وصدعت
ووهت أطرافها، وقلعت الجبال من مكانها، وذهب بها، وطارت في الجو
هباء، فلا يبقى لها عين ولا أثر، واستوى مكانها بالأرض.
[التكوير: ٢/٨١]
٢
ونظير الآية في النجوم: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ أَنكَدَرَتْ
وقوله: ﴿ وَإِذَا اُلْكَوَاكِبُ اُنَثَرَتْ
(٢)) [الانفطار: ٢/٨٢]. وفى السماء :
إِذَا السَّمَاءُ
١٩
ماق: ١/٨٤] وقوله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَبًا
أُنشَقَّتْ (®]
[النبأ: ١٩/٧٨] وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ﴾ [الفرقان: ٢٥/٢٥]. وفي
[طه: ٢٠ / ١٠٥] .
١٠٥)
الجبال: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنِسِفُهَا رَبِى نَسْفًا
ووجه الجمع بين الرياح في الثلاثة الأول، وبين الملائكة في الرابع
والخامس هو اللطافة وسرعة الحركة.
وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا
١٣
﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِنَتْ ﴿ لِأَنِّ يَوْمٍ أُعِلَتْ ا لِيَوْمِ الْفَصْلِ
أي وإذا الرسل جمعت وجعل لها وقت للفصل والقضاء
يَوْمُ الْفَصْلِ @
بينهم وبين الأمم، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩/٥]
ويقال لتعجيب العباد من هول ذلك اليوم: لأي يوم عظيم أخرت الأمور
المتعلقة بهؤلاء الرسل: وهي تعذيب من كذبهم، وتعظيم من صدّقهم، وظهور
ما كانوا قد أوعدوا به الأمم، وخوفوهم من العرض والحساب ونشر
الدواوين، ووضع الموازين. والمراد بذلك تهويل أمر هذا اليوم وتعظيم شأنه،
وهو يوم القيامة.
ثم أجاب الله تعالى بأنهم أجِّلوا ليوم الفصل بين الخلائق، يفصل فيه بين
الناس بأعمالهم، فيُفرَّقون إلى الجنة والنار.

٣٤٢
لُرءُ (٢٩) - المرسلات: ٧٧ / ١-١٥
﴾ أيْ
١٤
ثم عظم تعالى ذلك اليوم ثانياً، فقال: ﴿وَمَآ أَذْرَئِكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ
٥
وما أعلمك بيوم الفصل، وأيّ شيء شدته ومهابته؟ يعني أنه أمر هائل لا
يعرف وصفه، ولا يقدر قدره.
ثم عقبه الله تعالى بتهويل ثالث، فقال:
﴿ وَيْلٌ يَؤْمِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ أي ويل لهم من عذاب الله غداً، في ذلك
اليوم المصحوب بالأهوال لمن كذب الله ورسله وكتبه، والويل تهديد بالهلاك،
ولا يصح أنه واد في جهنم، كما قال ابن كثير.
وقد كرر هذا التهويل في السورة في تسعة مواضع أخر، لمزيد التأكيد
والتقرير، كما مرَّ في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَتِّ ءَالَاءٍ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَنِ
٢٣)
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - أقسم الله تعالى بالرياح وبالملائكة جامعاً بينهم بسبب اللطافة وسرعة
الحركة، على أن يوم القيامة والبعث حق كائن لا محالة، تحقيقاً لما أوعد الله به
الظالمين في السورة السابقة.
والمقصود بالقسم: التنبيه على جلالة المقسم به، ومعروف مدى تأثير
الرياح، سواء لإنزال المطر أو لإصابة العذاب، كما أن شرف الملائكة وعلو
رتبتهم أمر ظاهر من وجوه: هي شدة مواظبتهم على طاعة الله تعالى، ولتنوع
طوائفهم، فمنهم الموكل بإنزال الوحي على الأنبياء، ومنهم المرسل ليلاً أو
نهاراً لرصد أعمال بني آدم وكتابتها، والعمل يشمل القول من اللسان والفعل

٣٤٣
الجُعُ (٢٩) - المرسلات: ٧٧ / ١٦-٢٨
الصادر من الجوارح (الأعضاء) ومنهم الموكل بقبض الأرواح، ومنهم الذين
ينزلون من البيت المعمور إلى الكعبة (١).
أَ - ثم ذكر الله تعالى متى يقع يوم القيامة وعلاماته (أو أشراطه) وهو يوم
ذهاب ضوء النجوم ومحو نورها، كطمس الكتاب، وتشقق السماء (أو
انفطارها) وزوال معالمها، ونسف الجبال والذهاب بها دون بقاء أثر لها حتى
تسوى بالأرض، وجمع الرسل ليوم القيامة في الميقات المخصص لهم للفصل
والقضاء بينهم وبين الأمم. والخلاصة: هذه مقدمات البعث.
◌َّ - عيَّن الله تعالى ميعاد جمع الرسل: وهو يوم الفصل الذي أجِّلوا إليه،
فيفصل الله تعالى فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة أو إلى النار.
٤ - عظّم الله تعالى ذلك اليوم وأشاع عنه التهويل ثلاث مرات: في قوله:
(١٣)) وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ
لِيَّوْمِ الْفَصْلِ
﴿لِأَِّّ يَوْمٍ أُعْلَتْ
﴾ وقوله: ﴿وَبِلٌ يَوَمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (9)﴾ أي العذاب والخزي لمن كذّب بالله
وبرسله وبكتبه وبيوم الفصل، فهو وعيد شديد.
تخويف الكفار وتحذيرهم من الكفر
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ
١٦
﴿أَمْ نُهْلِكِ اُلْأَوَّلِينَ
) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
فَجَعَلْنَهُ فِ قَرَارٍ مُّكِينٍ
وَيْلٌ يَوَّمَيِّدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٣ أَلَمْ نَخْلُفَكُم مِّن مَّآءِ قَهِينٍ
فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ ◌ََّـ
إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ
وَيْلٌ يَوَمَِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿ أَ نَجْعَلِ
اُلْأَرْضَ كِفَانًا (٥َ أَحْيَاءَ وَأَمْوَانًا
(٣٦
وَجَعَلْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ شَمِخَتٍ وَأَسْفَيْنَكُم مَّآءَ فُرَاتًاً
وَيْلٌ يَؤْمِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
٢٧
٢٨
(١) تفسير الرازي: ٢٦٥/٣٠

٣٤٤
المُعُ (٢٩) - المُرسِلات: ٧٧ / ١٦-٢٨
القراءات:
فَقَدَرْنا
وقرأ نافع، والكسائي (فَقَدَّرنا).
الإعراب:
)): إنما لم يجزم فعل نتبع
١٧
ثُمَّ تُتْبِعُهُمُ الْآخِينَ
١٦
﴿أَمْ نُهْلِكِ اُلْأَوَّلِينَ
بالعطف على ﴿نُهْلِكِ﴾ لأنه في نية الاستئناف، وتقديره: ثم نحن نتبعهم.
﴿كِفَانًا﴾ و﴿ وَأَمْوَتَا﴾ إما
٢٦
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا (٥َ أَحْيَاءً وَأَمْوَانًا
منصوبان على الحال، أي نجمعهم في هاتين الحالين، أو أن يكونا بدلاً من
﴿اَلْأَرْضَ﴾ على معنى أن تكون ﴿كِفَانًا﴾ إحياء نبت، و﴿ وَأَمْوَتَا﴾ لا تنبت،
وتقديره: ألم نجعل الأرض ذات نبات وغير ذات نبات.
البلاغة:
﴿اَلْأَوَِّينَ﴾ و﴿الْآَخِرِينَ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿أَحْيَاءً﴾ و﴿ وَأَمْوَتًا﴾.
﴿أَمْ نُهْلِكِ اُلْأَوَّلِينَ ﴾﴾ استفهام تقريري، ومثله: ﴿أَلَمْ نَخْلُفَكُم مِّن مَّآءٍ
مَّهِینٍ
(نَهِينٍ﴾ ﴿مَّكِينٍ﴾ جناس ناقص غير تام.
المفردات اللغوية:
کقوم نوح وعاد وثمود، وقرئ (نهلك) من هلكه
١٦
﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَِّينَ
بمعنى أهلكه. ﴿ثُمّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ (٣)﴾ أي ثم نحن نتبعهم نظراءهم ككفار
مكة، وقرئ بجزم الفعل، عطفاً على ﴿نُهْلِكِ﴾ فيكون المراد من ﴿اُلْآَخِرِينَ﴾
المتأخرين من المهلكين، كأقوام لوط وشعيب وموسى عليهم السلام. ﴿كَذَلِكَ

٣٤٥
الُزُ (٢٩) - المرسلات: ٧٧ / ١٦-٢٨
﴾ أي مثل ذلك الفعل نفعل بالمجرمين أي بكل من أجرم.
١٨
نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
بآيات الله وأنبيائه، والتكرار للتأكيد، أو إن
١٩
﴿وَيْلٌ يَوَّمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
الويل الأول لعذاب الآخرة، وهذا للإهلاك في الدنيا.
﴿ مِّنْ مَّآءِ تَهِينٍ﴾ من نطفة مذرة ذليلة، أو من ماء ضعيف، وهو المني . ﴿فِى
قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ أي مستقر حريز حصين، وهو الرحم. ﴿إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (®]) إلى
زمان معلوم، أو إلى مقدار معلوم من الوقت، وهو وقت الولادة، قدره الله
تعالى. ﴿فَقَدَرْنَا﴾ على تصويره وخلقه. ﴿فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ﴾ نحن. ﴿وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ
لِلْمُكَّذِّبِينَ ﴿1﴾ بقدرتنا على ذلك، أو على الإعادة. ﴿كِفَانًا﴾ ضامة جامعة،
من كفت الشيء: إذا ضمه وجمعه . ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (®َ﴾ الأحياء: ما ينبت،
والأموات: ما لا ينبت.
﴿رَوَسَِ شَمِخَتٍ﴾ جبالاً مرتفعة. ﴿فُرَاتًا﴾ عذباً.
المناسبة:
بعد تحذير الكفار وإنذارهم بأهوال يوم القيامة، أعقبه بتخويفهم وتحذيرهم
من الكفر، بالإهلاك كإهلاك الأمم المتقدمة، ثم هددهم بإنكار إحسانه
إليهم، مبيناً أمثلة ومظاهر لقدرة الله عز وجل، كخلق الإنسان وحواسه،
والأرض وتثبيتها بالجبال الشامحات، وتزويدها بينابيع المياه العذبة، وذلك
كله يستدعي شكر نعم الله في النفس والآفاق.
التفسير والبيان:
هدد الله تعالى الكفار بقوله :
ثُمَّ تُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ ﴾﴾ أي ألم نهلك الكفار
﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ
المكذبين للرسل المخالفين لما جاؤوهم به من الأمم الماضية، من لدن آدم عليه
السلام كأقوام نوح وعاد وثمود وغيرهم إلى زمن محمد رَّة، بالعذاب في
ے

٣٤٦
الجُزُ (٢٩) - المرسلات: ٧٧ /١٦-٢٨
الدنيا، ثم نتبعهم بأمثالهم وأشباههم، وهم كفار مكة حين كذبوا محمداً وَله،
أهلكهم الله يوم بدر وغيره من المواطن.
وفي هذا وعيد شديد لكل من كفر بالله وتخويف وتحذير من الكفر.
ثم أخبر تعالى بأن تلك سنة الله لا تبديل فيها، مع بيان حكمة الإهلاك،
فقال :
(٣) أي إن سنتنا في جميع الكفار واحدة، فمثل
كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
ذلك الإهلاك للمكذبين بكتب الله ورسله، الذين أجرموا في حق أنفسهم،
نفعل بكل مشرك، إما في الدنيا أو في الآخرة.
(®) أي الخزي والعذاب يوم ذلك الإهلاك
﴿ وَيَّلٌ يَوَمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
للمكذبین بالله ورسله و کتبه واليوم الآخر.
ثم وبخهم بتعداد النعم والامتنان عليهم، وبيان آثار القدرة الإلهية عليهم،
ومحتجاً بالبداءة على الإعادة فقال:
٢٢
إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ
فَجَعَلْتَهُ فِي قَرَارٍ تَكِينٍ ()
٢٠
﴿أَلَّ نَخْلُقُكُمْ مِّن مَّآءِ مَّهِينٍ
؟ أي ألا ترون وتدركون أننا نحن خلقناه من ماء
فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ اٌلْفَدِرُونَ
ضعيف حقير، وهو المني، وضعفه واضح بالنسبة إلى قدرة الباري عز وجل،
وجعلناه وجمعناه في مستقر أو مكان حريز حصين، وهو الرحم، ثم أبقاه الله
إلى مدة معينة هي مدة الحمل من ستة أشهر إلى تسعة أشهر.
ونحن قدَّرنا أعضاءه وصفاته، وجعلنا كل حال على الصفة التي أردنا،
فنعم المقدّر الله، أو فنعم المقدِّرون له نحن. أو على قراءة التخفيف (فقدَرنا) أي
فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا، فنعم أصحاب القدرة نحن، حيث
خلقناكم في أحسن تقويم.

٣٤٧
اِلُعُ (٢٩) - المرسلات: ٧٧ / ١٦-٢٨
﴿ وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَّذِّبِينَ (9)﴾ أي خزي وعذاب في ذلك اليوم الهائل، يوم
القيامة لمن كذب بقدرتنا على ذلك وبهذه المن والنعم.
وهذا توبيخ وتخويف من وجهين:
أحدهما - أن النعمة كلما كانت أعظم، كان كفرانها أفحش.
والثاني - أن القادر على الإبداء (الخلق الأول) قادر على الإعادة، فالمنكر
لهذا الدليل الواضح يستحق غاية التوبيخ.
ثم عدّ عليهم نِعَم الآفاق الثلاثة بعد ذكر الأنفس، فقال:
١ - ﴿أَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَتًا (٣)﴾ أي ألم نجعل الأرض
ضامّة للأحياء على ظهرها في منازلهم، والأموات في بطنها، تضمهم
وتجمعهم؟ قال الشعبي: بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم. والكفات:
اسم ما يكفت أي يضم ويجمع، ويجوز أن يكون اسماً لما يكفت به، مبنياً
للمفعول، كالشداد لصمام يشد به رأس القارورة.
◌َ، ◌َّ - ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَسَِ شَمِخَتٍ وَأَسْقَيْنَكُم مَّآءَ فُرَانًا (
﴾ أي وأوجدنا
٣٧
في الأرض جبالاً ثوابت عاليات، لئلا تميد وتضطرب بكم، وأسقيناكم من
ينابيعها أو من السحاب ماء عذباً زلالاً، وهذا كله أعجب من البعث.
٠
﴿وَيٌُّ يَؤْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أي عذاب شديد في الآخرة لمن كذب أو كفر
بهذه النعم، وويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها، ثم استمر
علی تکذيبه و کفره.
فقه الحياة أو الأحكام:
ذكر الله تعالى عشرة أنواع من تخويف الكفار وتحذيرهم من الكفر، أذكر
منها هنا أربعة وهي:

٣٤٨
الجُرُ (٢٩) - المرسلات: ٧٧ / ١٦-٢٨
النوع الأول من التخويف - أنه أقسم في الآيات السابقة على أن اليوم
الذي يوعدون به، وهو يوم الفصل، واقع.
النوع الثاني - أنه أهلك الكفرة المتقدمين بسبب كفرهم، وأخبر أنه يفعل
مثل ذلك في الأقوام المتأخرين، فلا بدّ أن يهلكهم أيضاً، لتماثلهم مع
المتقدمين في علة الإهلاك، وهي التكذيب بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر.
وذكر تعالى أن هذا الإهلاك إنما نفعله بهم لكونهم مجرمين، فعمم الحكم جميع
المجرمين.
) والمراد أن مالهم
٣٨
ثم أكد تعالى التخويف بقوله: ﴿وَيْلٌ يَؤْمِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (
في الدنيا الهلاك، وفي الآخرة العذاب الشديد، كما قال تعالى: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا
وَالْآَخِرَةُّ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١/٢٢]. وهؤلاء وإن أهلكوا
وعذبوا في الدنيا، فالمصيبة العظمى والطامة الكبرى معدَّة لهم يوم القيامة.
والنوع الثالث من تخويف الكفار - التذكير بعظيم إنعامه عليهم، والتحذير
من مغبة كفران النعمة وإنكار إحسانه إليهم، وهو خلقه الإنسان من النطفة
الضعيفة الحقيرة، ثم إيداعها في مكان حريز وهو الرَّحم إلى أن يتم تصويره
ويحين وقت ولادته، وذلك لا يمكن من غير قادر عليه، فنعم القادر والمقدِّر
وهو الله تعالى.
ووجه التخويف من جانبين كما تقدم:
الأول - أنه كلما كانت نعمة الله عليهم أكثر، كانت جنايتهم في حقه أقبح
وأفحش، وكان العقاب أعظم، لذا قال عقيب هذا الإنعام: ﴿وَيْلٌ يَؤْمِذٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ
٢٨

٣٤٩
الُ (٢٩) - المُرْزِلَت: ٧٧ / ١٦-٢٨
الثاني - أنه تعالى ذكّرهم كونه قادراً على الابتداء، ومن المقرر الظاهر عقلاً
عند البشر أن القادر على الابتداء، قادر على الإعادة، فلما أنكروا هذه
﴾(١).
الدلالة الظاهرة، قال في حقهم: ﴿وَيْلٌ يَوْمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
والنوع الرابع من تخويف الكفار - أنه تعالى بعد أن ذكّرهم بالنعم التي له
عليهم في الأنفس، ذكّرهم بالنعم التي له عليهم في الآفاق، وذكر ثلاثة
أشياء: هي الأرض التي هي كفات الأحياء والأموات، والجبال الرواسي
الشامخات، أي الثوابت على ظهر الأرض فلا تزول، العاليات، والماء
الفرات الذي هو الغاية في العذوبة.
وأعقب التذكير بهذه النعم في الآفاق في آخر الآية: ﴿وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
لأن النعم كما تقدم كلما كانت أكثر، كانت الجناية أقبح، فكان
استحقاق الذم عاجلاً، والعقاب آجلاً أشدَّ، كما قال الرازي.
هذا وقد استنبط العلماء من آية ﴿أَلَمَ تَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًّا (٥)﴾ حكمين(٢):
الأول - إذا كانت الأرض ضامَّة تضم الأحياء على ظهورها، والأموات
في بطنها، فهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه، ودفن شعره وسائر ما
یزیله عنه.
والثاني - روي عن ربيعة في النبّاش (سارق أكفان الموتى) قال: تقطع يده،
فقيل له: لَمَ قلت ذلك؟ قال: إن الله عز وجل يقول: ﴿أَلَّمَّ تَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا
٢٥
؛ فالأرض حِرز. وكانوا يسمّون بقيع الغَرْقد في المدينة
أَحْيَةٌ وَأَمْوَتًا فَبَّ
كَفْتة؛ لأنه مقبرة تضم الموتى، فالأرض تضم الأحياء إلى منازلهم، والأموات
في قبورهم. وأيضاً استقرار الناس على وجه الأرض، ثم اضطجاعهم عليها،
انضمام منهم إليها.
(١) التفسير الكبير للرازي: ٢٧٢/٣٠
(٢) تفسير القرطبي: ١٦١/١٩
،"

٣٥٠
الُرُ (٢٩) - المُرسِلَات: ٧٧ / ٢٩-٤٠
وكذلك استدل الشافعية بالآية على قطع النباش: بأن الله تعالى جعل
الأرض كفاتاً للأموات، فكان بطنها حرزاً لهم، فالنباش سارق من الحرز.
هذا .. وأما بقية أنواع تخويف الكفار وتهديدهم، فمحلها الآيات الآتية.
أنواع ثلاثة أخرى من وجوه تخويف الكفار
كيفية عذابهم في الآخرة
جَ لََّ
أَنَطَلِقُواْ إِلَ ظِلّ ذِى ثَثِ شُعَدٍ
(أَنطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ (9
ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ اَللَّهَبِ
﴿ إِنَّهَا تَرْبِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ
٢*
كَأَنَُّ جِمَلَتُ صُفْرٌ
هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ
٣٤
وَيْلٌ يَوَمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
٣٣
وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغْنَذِرُونَ
٣٥
◌َ فَإِن كَانَ لَكُمْ
هَذَا يَوْمُ اُلْفَصْلِّ جَمَعْنَكُمْ وَالْأَوَِّينَ
وَيْلٌ يَوَمِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
وَيْلٌ يَوَمَيِذٍ لِلْكَذِّبِينَ
كَيْدٌ فَكِيدُونِ (9َ
القراءات:
﴿جِمَلَتٌ﴾:
قرأ حفص، وحمزة، والكسائي (جِمالة) وقد رسمت بالتاء، فوقف الكسائي
بالهاء، والباقون بالتاء.
وقرأ الباقون (جِمالات).
الإعراب:
وقرئ: (جمالات) : جمع جمالة، وجمالة جمع
كَأَنَّمُ جِمَلَتُ صُفْرٌ الَبََّ
جَل، كحَجَر وحِجارة، وذكر وذِكارة، فعلى هذا (جمالات) جمع الجمع.
(٤) ﴿فَيَغْنَذِرُونَ﴾ عطف على
﴿لَا يَنطِقُونَ، وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغْنَذِرُونَ
﴿ يَنطِقُونَ﴾ كأنه قال: لا ينطقون ولا يعتذرون، كقراءة من قرأ: ﴿لَا يُقْضَى

٣٥١
الُ (٢٩) - المُرسِلَات: ٧٧ / ٢٩-٤٠
عَلَيْهِمْ فَيَمُونُواْ﴾ [فاطر: ٣٦/٣٥] بالياء والنون، كأنه قال: لا يقضى عليهم ولا
يموتون. فلو حملت الآية على ظاهرها لتناقض المعنى؛ لأنه يصير التقدير: هذا
يوم لا ينطقون فيعتذرون، فيكون ذلك متناقضاً؛ لأن الاعتذار نطق. أو
معطوف على يؤذن، ليدل على نفي الإذن، أي لا إذن فلا اعتذار.
البلاغة:
﴿تَرْمِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ تشبيه مرسل مجمل لحذف وجه الشبه، و﴿كَأَنَّهُ
تشبيه مرسل مفصل، وفي التشبيه بالقصر وهو الحصن
وجود
جِمَلَتُ صُفْرٌ
تشبيه من جهتين: من جهة العظم، ومن جهة الارتفاع. وفي التشبيه
بالجمالات وهي القلوس تشبيه من ثلاث جهات: من جهة العظم،
والارتفاع، والصفرة.
﴿ أَنْطَلِقُواْ إِلَى ظِلٍ ذِى تَثِ شُعَبٍ ﴿ لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ اللَّهَبِ
أسلوب التهكم، سمى العذاب ظلّاً تهكماً وسخرية بهم.
(٣١)
سجع مرصع،
﴿هَذَا يَّمُ لَا يَنْطِقُونَ ﴿ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ
وهو توافق الفواصل في الحرف الأخير.
المفردات اللغوية:
﴿أَنطَلِقُواْ﴾ وفي قراءة (انْطَلَقُوا) إخباراً عن امتثالهم للأمر اضطراراً. ﴿إِلَى
ظِلّ ذِى ثَثِ شُعَبٍ﴾ ظل دخان جهنم، إذا ارتفع افترق ثلاث فِرَق، لعظمه،
والشعب: الفروع. ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ لا وقاية فيه مِن حرّ ذلك اليوم، وهو تهكم
بهم، وردّ لما أوهم لفظ الظل. ﴿ وَلَا يُغْنِ مِنَ اللَّهَبِ﴾ لا يفيدهم من حرّ اللهب
شيئاً، واللهب: شعلة النار. ﴿إِنَّهَا﴾ أي النار. ﴿بِشَرَرٍ﴾ ما تطاير من
النار، جمع شرارة. ﴿كَالْقَصْرِ﴾ كالبناء الكبير المشيد في عظمه وارتفاعه.
﴿ِمَلَتٌ﴾ جمع جَل، وقرئ: جمالات: جمع الجمع. (صُفَرٌ﴾ في الهيئة

٣٥٢
الُ (٢٩) - المُسَلاَت: ٧٧ / ٢٩-٤٠
واللون، وقيل: سود، فإن سواد الإبل يضرب إلى الصفرة، والأول تشبيه في
العظم والارتفاع، والثاني في العظم والارتفاع واللون، والكثرة والتتابع
والاختلاط وسرعة الحركة . ﴿هَذَا يَوَّمُ﴾ أي يوم القيامة، وقرئ: يوماً، أي
هذا المذكور واقع يومئذ. ﴿لَا يَنطِقُونَ﴾ فيه بشيء يستحق الذكر، فإن النطق
بما لا ينفع كلا نطق. ﴿اَلْفَصْلِ﴾ بين المحق والمبطل. ﴿جَعْنَكُمْ﴾ أيها المكذبون
من هذه الأمة.﴿ وَاُلْأَوَّلِينَ﴾ من المكذبين قبلكم، فتحاسبون وتعذبون جميعاً.
· أي إن كان لكم حيلة في دفع العذاب
٣٩
﴿فَإِنِ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ
عنكم، فافعلوها واحتالوا علي. وهذا تقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في
الدنيا، وإظهار لعجزهم. ﴿ وَيْلٌ يَؤْمَيِدٍ لِلْمِكَذِّبِينَ (٣) عذاب يوم القيامة لمن
كذب بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، إذ لا حيلة لهم في التخلص من
العذاب.
المناسبة:
بعد أن هدد الله تعالى الكفار بعذاب يوم الفصل والقيامة، أبان كيفية
عذابهم في الآخرة، بزجهم في النيران، وافتضاحهم على رؤوس الأشهاد،
حيث لا عذر لهم ولا حجة في قبائحهم، وتعذيبهم بالتقريع والتخجيل،
وتلك أنواع ثلاثة أخرى من أنواع تخويف الكفار وتهديدهم.
التفسير والبيان:
أخبر الله تعالى عما يقال يوم القيامة للكفار المكذبين بالمعاد والجزاء والجنة
والنار، فقال مبيناً النوع الخامس من أنواع التهديد:
﴿أَنْطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ ﴾ أي يقال للكفار من قبل خزنة
جهنم: اركضوا أو سيروا واذهبوا إلى ما كنتم تكذبون به من العذاب
الأخروي في الدنيا.

٣٥٣
الزُعُ (٢٩) - المُسِلاَت: ٧٧ / ٢٩-٤٠
ثم وصف الله تعالى هذا العذاب بأربع صفات، بقوله :
اً - ﴿أَنْطَلِّقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى ثَثِ شُعَبٍ (®﴾ هذا تهكم بهم، معناه: سيروا إلى
ظل من دخان جهنم متشعب إلى شعب ثلاث أو فِرق، فإن لهب النار إذا ارتفع
وصعد معه دخان، صار له ثلاث شعب من شدته وقوته. والمراد أنهم يتنقلون من
عذاب إلى آخر، وأن العذاب محيط بهم من كل جانب، كما قال تعالى: ﴿أَحَاطَ
بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩/١٨] وسرادق النار: هو الدخان فتكون تسمية النار
بالظل مجازاً من حيث إنها محيطة بهم من كل جانب، كقوله سبحانه: ﴿لَهُم مِّن
فَوْقِهِمْ تُطَلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَخْنِهِمْ ظَلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦/٣٩] وقوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَنُهُمُ
اُلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥/٢٩].
، وهذا أيضاً تهكم بهم
◌َ، ◌َ - ﴿لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ اَللَّهَبِ
وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين، فذلك الظل لا يمنع حرّ الشمس، وليس
فيه برد ظلال الدنيا، ولا يفيد في ردّ حرّ جهنم عنكم شيئاً؛ لأن هذا الظل في
جهنم، فلا يظلهم من حرها، ولا يسترهم من لهيبها، كما جاء في آية أخرى:
[الواقعة:
٤٤
وَظِلٍ مِّنْ يَجْهُمِ ﴿ لَّا بَارِدٍ وَلَ كِيمٍ
٤٣
﴿فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ
٥٦ / ٤٢ -٤٤] .
واللهب: ما يعلو على النار إذا اضطرمت، من أحمر وأصفر وأخضر.
﴾ أي إن هذه
١٣٣
كَأَنَُّ جِمَلَتُ صُفْرٌ
٣٢
٤ - ﴿إِنَّهَا تَرْبِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ !
النار يتطاير منها شرر متفرق، كل شرارة من شررها التي ترمي بها كالقصر
(البناء العظيم) في العظم والارتفاع، وكالإبل الصفر في اللون والكثرة
والتتابع وسرعة الحركة. وقال الفرَّاء: الصفر سود الإبل؛ لأنها مشربة
بصفرة، لذلك سمت العرب سود الإبل صفراً. والأكثرون على أن المراد بهذه
الصفرة سواد يعلوه صفرة. والشرر جمع شرارة: وهو ما تطاير من النار في كل
جهة.

٣٥٤
الجُزُُ (٢٩) - المرسلات: ٧٧ / ٢٩-٤٠
والمقصود بالتشبيه الأول بيان أن تلك النار عظيمة جداً، والمقصود بالتشبيه
الثاني شدة اشتعالها، والتهكم بهم، كأنه قيل: كنتم تتوقعون من وثيتكم
كرامة ونعمة وجمالاً، إلا أن تلك الجمال هي هذه الشرارات التي هي
کالجمال، لذا أعقبه بقوله:
﴾ أي عذاب وخزي في يوم القيامة الهائل
٣٤
﴿وَيْلٌ يَوَمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
للمكذبين لرسل الله وآياته، الذين لا مفر لهم من ذلك العذاب.
ثم وصف تعالى ماذا يكون للكفار في ذلك اليوم من ألوان العذاب الأدبية،
وهو النوع السادس من أنواع التخويف، فقال:
﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ
أي هذا اليوم لا
وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغْنَذِرُونَ
٣٥
يتكلمون فيه، لهول ما يرون، وللحيرة والدهشة التي تعتريهم، ولا يأذن الله
لهم، فيكون لهم اعتذار، بل قد قامت عليهم الحجة، لذا قال تعالى: ﴿لَا
تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرَُّ بَعْدَ إِمَنِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦/٩] وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا
[التحريم: ٦٦ /٧].
تَعْنَذِرُواْ الْيَوْمِّ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُمْ تَعَّمَلُونَ
والمراد بهذا النوع بيان أنه ليس لهم عذر ولا حجة فيما ارتكبوا من المفاسد
والقبائح والمنكرات، وأنه لا قدرة لهم على دفع العذاب عن أنفسهم. وبيان
هذا النوع للدلالة على شدة أهوال القيامة.
وإنما لم يؤذن لهم في الاعتذار؛ لأنه تعالى قدّم الإنذار في الدنيا، بدليل قوله
(®). ولهذا قال في آخر
في مطلع السورة: ﴿فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا جَ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا
هذا الإخبار:
﴿ وَيْلٌ يَّمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣)﴾ أي عذاب يوم القيامة للمكذبين بما أنذرتهم
به الرسل من العذاب في الدنيا، إن استمروا على الكفر، وخالفوا أوامر
الرسل.

٣٥٥
الجُزُ (٢٩) - المُرسِلَات: ٧٧ / ٢٩-٤٠
ثم أخبر الله تعالى عن النوع السابع من أنواع تهديد الكفار، فقال:
﴿هَذَا يَوْمُ اُلْفَصْلِّ جَمَعْنَكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (3)﴾ أي ويقول الخالق لهم: هذا يوم
الفصل الذي يفصل فيه بين الخلائق، ويتميز فيه الحق من الباطل، جمعناكم
بقدرتنا يا معشر كفار قريش وأمثالكم المتأخرين على مرّ الدهور فيه مع الكفار
الأولين، وهم كفار الأمم الماضية، في صعيد واحد، ولجزاء واحد.
﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيْدُونِ (9)﴾ أي إن قدرتم أيها الكفار بحيلة ما على
أن تتخلصوا من العذاب، فافعلوا، فإنكم لا تقدرون على ذلك. وهذا نهاية في
التقريع والتحقير والتخجيل والتعجيز والتوبيخ، وهو من جنس العذاب
الروحاني، لذا قال عقيبه:
﴿ وَيْلٌ يَوَمَيِدٍ لِلْمَكَذِّبِينَ ﴾﴾ أي عذاب يوم القيامة لكل من كذب بالبعث؛
لأنه ظهر لهم عجزهم وفقدوا كل أمل لهم بالنجاة من العقاب.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه ثلاثة أنواع أخرى من تخويف الكفار إضافة للأنواع الأربعة المتقدمة:
النوع الخامس - بيان كيفية عذابهم في الآخرة: يقال للكفار تبكيتاً وتهكماً
وتقريعاً من خزنة جهنم: سيروا إلى ما كذبتم به من العذاب وهو النار، فقد
شاهدتوها عياناً.
وعذاب النار له أوصاف أربعة: يتشعب ظله أو دخانه إلى ثلاث شعب،
كما هو شأن الدخان العظيم إذا ارتفع تشعب، وليس كالظل الذي يقي حرّ
الشمس، ولا يدفع من لهب جهنم شيئاً، وترمي النار بشرارات، كل شرارة
كالقصر: البناء العالي، في العظم والارتفاع، مما يدل على أن تلك النار
عظيمة جداً، وهي أيضاً كالجمالات الصُّفْر: وهي الإبل السود، والعرب
تسمي السُّود من الإبل صفراً، مما يدل على أن تلك النار شديدة الاشتعال
كثيفة، متتابعة، سريعة الالتهاب.

٣٥٦
الُزُجُ (٢٩) - المُرسِلَات: ٧٧ / ٢٩-٤٠
وذكر القرطبي أن في هذه الآية دليلاً على جواز ادخار الحطب والفحم،
وإن لم يكن من القوت، فإنه من مصالح المرء، مما يقتضي أن يكتسبه في غير
وقت حاجته؛ ليكون أرخص، وحالة وجوده أمكن، كما كان النبي ◌َّ يدّخر
القوت في وقت عموم وجوده من كسبه وماله، وكل شيء محمول عليه(١).
النوع السادس - بطلان الحجة، وفقد العذر، والعجز: أبان تعالى أنه ليس
للكفار يوم القيامة عذر ولا حجة فيما ارتكبوا من القبائح، ولا قدرة لهم على
دفع العذاب عن أنفسهم، فاجتمع عليهم عذاب التخجيل والعذاب الجسماني
وهو مشاهدة النار وأهوالها.
النوع السابع - التعذيب بالتقريع والتخجيل: يقال للكفار يوم القيامة:
هذا اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق، فيتبين المحقّ من المبطل، والذي جمع
فيه في صعيد واحد أوائل الكفار وأواخرهم، سواء الذين كذبوا الرسل
المتقدمين قبل نبينا، أو كذبوا محمداً بَله. وقد تحداهم الله تعالى بأن يجدوا
لأنفسهم ملجأ أو وقاية من العذاب على المعاصي التي اقترفوها في الدنيا،
ولكنهم يعجزون عن ذلك وعن الدفع عن أنفسهم.
ويكون الفصل فيما بين العباد بعضهم مع بعض من حقوق وظلامات،
فهذا يدعي على آخر أنه ظلمه، أو قتله، وآخر يدعي أنه اغتصب منه شيئاً أو
سرق ماله، وهكذا.
أما ما يتعلق بحقوق الله تعالى فلا حاجة فيه للفصل، وإنما يلقى العبد
الثواب الذي يستحقه على عمله الصالح، والعقاب الذي يجازى به على عمله
السيئ، إلا أنه فيما يتعلق بجانب العبد، فإنه تقرر عليه أعماله التي عملها،
حتى يعترف (٢)
(١) تفسير القرطبي: ١٦٥/١٩
(٢) تفسير الرازي: ٢٨١/٣٠

٣٥٧
الجُرُ (٢٩) - المُرسِلَات: ٧٧ / ٤١-٥٠
الأنواع الباقية من تهديد الكفار وتعذيبهم
كُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَئاً
وَفَوَكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ
﴿إِنَّ اُلْمُنَّفِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَيْلٌ يَمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ
﴿﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَرَّكَعُواْ
وَيَّلٌ يَؤْمِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
كُلُواْ وَتَمَنَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُ تُجْزِمُونَ (49)
٥٠
فَبِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
وَيْلٌ يَؤْمَيِذٍ لِّلْمَكَذِّبِينَ
٤٨
لَا يَزَكَعُونَ
القراءات:
وَعَیَوْنٍ.
وقرأ ابن كثير، وابن ذكوان، وحمزة، والكسائي (وعِيون). وقرأ الباقون
(وعُيون).
﴿قِلَ﴾:
بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.
الإعراب:
﴿كُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَئًا﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿اُلْمُنَّقِينَ﴾، المقدر في
الظرف الآتي بعده، أي هم مستقرون في ظلال، مقولاً لهم ذلك. و﴿هَنِيَا﴾
حال أي متهنئین.
﴿كُواْ وَتَمَنَّعُواْ قَلِيلًا﴾ حال من المكذبين، أي الويل ثابت لهم، في حال ما
يقال لهم: كلوا وتمتعوا.
البلاغة:
﴿إِنَّ اُلْمُنَِّينَ فِي ظِلَلٍ وَعُيُونٍ
كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَعَاً
وَفَوَّكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ
٤٣
٤١

٣٥٨
الزُءُ (٢٩) - المُرسِلاَت: ٧٧ / ٤١-٥٠
٤٣
بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ
﴿ُواْ
﴾ مقابلة، قابل الجملة الأخيرة بقوله بعدئذ:
٤٦
وَتَمَنَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُ تُجرِمُونَ
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَرْكَعُواْ لَا يَرْكَعُونَ
به الصلاة، فهو من قبيل إطلاق البعض وإرادة الكل.
مجاز مرسل، أطلق الركوع، وأراد
٤٨
سجع مرصع،
وَفَوَّكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ
﴿ إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٦)
وهو توافق الفواصل في الحرف الأخير.
المفردات اللغوية:
أي إن المؤمنين المتقين من الشرك،
﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِ ظِلَلِ وَعُونٍ
الذين هم في مقابلة المكذبين، هم في ظلال وارفة تحت أشجار متكاثفة في
الجنة؛ إذ لا شمس يظل من حرها، وعيون - أي أنهار - نابعة بالماء،
ويتمتعون بفواكه مما يشتهون، فهم مستقرون في أنواع الترفّه. وفيه دلالة على
أن نعم الجنة بحسب الرغبة والميل، بخلاف الدنيا تكون بحسب ما يجد الناس في
الأغلب. والفرق بين الظل والفيء: أن الظل أعم من الفيء، فيقال: ظل
الليل وظل الجنة وظل الجدار، أما الفيء: فهو ما زالت عنه الشمس.
﴿كُلُواْ وَاشْرَبُوْ هَنِيَئًا﴾ أي متهنئين، أي يقال لهم ذلك. ﴿بِمَا كُمْ
(®) أي كما جزينا المتقين
تَعْمَلُونَ﴾ من الطاعة. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
أي يقال للكفار في الدنيا
نجزي المحسنين. ﴿كُلُواْ وَتَمَنَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُمْ تُجْرِمُونَ (يَّ
تهديداً لهم: كلوا ما شئتم في الدنيا، وتمتعوا بنعيمها مدة قليلة من الزمان
يعقبها الموت، ثم تنالون عقابکم وننتقم منكم علی کفرکم وتکذیبکم لرسلنا ،
فإنكم مشركون بالله، لا تستحقون الإنعام والتكريم . ﴿ وَيْلٌ يَمَِّدٍ لِلْمَكَذِّبِينَ
حيث عرَّضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل.
٤٩
أُرَكَعُواْ﴾ صلوا . ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾ لا يصلُّون، واستدل به على أن الأمر

٣٥٩
لُعُ (٢٩) - المُسَلاَت: ٧٧ / ٤١-٥٠
للإيجاب، وأن الكفار مخاطبون بالفروع. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
أي بأي كلام يصدقون إذا لم يصدقوا بهذا القرآن؟ فهو معجز في ذاته، مشتمل
على الحجج الواضحة والمعاني الكريمة، ولا يمكن إيمانهم بعدئذ بغيره من كتب
الله، بعد تكذيبهم به.
سبب النزول:
نزول الآية (٤٨):
: أخرج ابن المنذر عن مجاهد في
٤٨
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَرْكَعُواْ لَا يَرْكَعُونَ
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَرَّكَعُواْ لَا يَرَّكَعُونَ ﴿٨﴾ قال: نزلت في ثقيف، امتنعوا من
الصلاة، فنزل ذلك فيهم. وقال مقاتل: قال لهم النبي وَلِّ: ((أسلموا)) وأمرهم
بالصلاة، فقالوا: لا ننحني فإنها مَسَبَّة علينا، فقال النبي ◌َّ: (( لا خير في
دين ليس فيه ركوع ولا سجود )).
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى أنواع العذاب والخزي والنكال على الكفار، قابل
ذلك للعظة والعبرة بأحوال المؤمنين في الآخرة، وبيَّن ما لهم من أنواع السعادة
والكرامة، فتتضاعف حسرة الكافر، وتتزايد غمومه وهمومه، وهذا من جنس
العذاب الروحاني.
ثم وبَّخ الله تعالى الكفار وهددهم بزوال نعم الدنيا في وقت قصير،
وتعرضهم للآفات العظيمة في الآخرة، ثم ذكرهم بتقصيرهم في طاعة الله،
وإهمالهم فريضة الصلاة، وتركهم الإيمان بالقرآن الذي لا جدوى من الإيمان
بغيره من الكتب السماوية الأخرى التي بادت وتبدلت ونسخت.
والخلاصة: تضمنت هذه الآيات ثلاثة أنواع أخرى من تخويف الكفار
وتعذيبهم.

٣٦٠
الزُعُ (٢٩) - المرسلات: ٧٧ / ٤١-٥٠
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن عباده المتقين الذين عبدوه بأداء الواجبات، وترك
المحرمات، وعن أحوالهم يوم القيامة، فيقول:
﴾ أي يكون
وَفَوَِّهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ
٤١
﴿إِنَّ اُلْمُنَّقِينَ فِ ظِلَالٍ وَعُيُونٍ
المتقون في الآخرة في جنات وظلال وارفة تحت الأشجار والقصور، وتحيط
بهم العيون الجارية والأنهار المتدفقة، بخلاف ما يكون فيه الكفار الأشقياء من
ظل اليحموم وهو الدخان الأسود المنتن، والنار المستعرة بهم.
(٥٦) ﴾ [يس:
ونظير الآية: ﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِى ظِلَلٍ عَلَى الْأَرَابِكِ مُتَّكِئُونَ
٥٦/٣٦ ] .
أنواع من الفواكه والثمار، مما
آي ولديهم
﴿وَفَوَِّكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ
تطلبه أنفسهم، وتستدعيه شهواتهم، فمهما طلبوا وجدوا.
﴿كُواْ وَأَشْرَبُوْ هَنِيَأْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ (®﴾ أي ويقال لهم في الآخرة بدليل
قوله: ﴿بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ على سبيل الإحسان إليهم والتكريم: كلوا أيها
المتقون من طيبات الجنة وفواكهها، واشربوا متهنئين بسبب ما كنتم تعملونه في
الدنيا من الأعمال الصالحة. وهذا أمر إكرام، لا أمر تكليف، وهذا أيضاً من
جنس العذاب الروحاني بالنسبة إلى الكافرين حين يرون الذين اتقوا الشرك في
النعيم المقيم.
أي هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل،
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ
ومثل ذلك الجزاء العظيم لهؤلاء المتقين نجزي المحسنين في أعمالهم، فلا نضيع
لهم أجراً، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ١٨/
٣٠] .
﴿وَيْلٌ يَؤْمَيِّدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ أي عذاب وخزي يوم القيامة للمكذبين بالله