النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ لُ (٢٩) - القِيَامَةّ: ٧٥ / ١٦-٢٥ ﴿ تُحِبُّونَ﴾، ﴿وَذَرُونَ﴾: وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (يحبون، ويذرون). الإعراب: قال ابن الأنباري رحمه الله ٢٣) إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ ٢٢ ﴿وُجُوهُ يَوَمِدٍ نَاضِرَةُ تعالى: في هذه الآية دليل على إثبات الرؤية؛ لأن النظر إذا قرن بالوجه، وعُدِّي بحرف الجر، دلَّ على أنه بمعنى النظر بالبصر، فيقال: نظرت الرجل: إذا انتظرته، ونظرت إليه: إذا أبصرته. وكلمة ﴿وُجُوهٌ﴾ مبتدأ، وابتدأ بالنكرة؛ لأنها تخصصت بقوله: ﴿يَؤْمِدٍ﴾ و﴿نَاضِرَةٌ﴾ خبر ﴿وُجُوهٌ﴾. البلاغة: ﴿بَنَهُ﴾ ﴿بَيَانَهُ﴾ جناس ناقص؛ لاختلاف بعض الحروف. ﴿يَ تَظُنُّ أَنْ ﴾﴾ ﴿وَوُجُوهُ يَوْمَيِذٍ بَاسِرَةٌ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ ﴿وُجُوهٌ يَؤْمِذٍ نَاضِرَةً مقابلة بين نضارة وجوه المؤمنين، وكلاحة وجوه المجرمين. يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴿وُجُوٌ يَؤْمَيِذٍ﴾ مجاز مرسل في رأي الزمخشري، من إطلاق الجزء وإرادة الكل، فقال: الوجه عبارة عن الجملة، قال البيضاوي: وتفسيره بالجملة خلاف الظاهر، وإن المستعمل بمعناه لا يعدَّى بإلى؛ لذا قال النيسابوري في غرائب القرآن: (١١٠/٢٨): الأولى أن يراد بالوجوه: العيون، فيكون من إطلاق الكل على الجزء، لا عكسه. المفردات اللغوية: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ لا تحرك يا محمد بالقرآن لسانك قبل فراغ جبريل منه، أي ٢٨٢ الجُرُ (٢٩) - القِيَامَةَّ: ٧٥ /١٦-٢٥ قبل أن يتم وحيه . ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ=﴾ لتأخذه على عجل، مخافة أن يتفلت أو يضيع منك. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ في صدرك. ﴿وَقُرْءَانَهُ﴾ وإثبات قراءته في لسانك. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ﴾ بلسان جبريل عليك. ﴿فَأَنَعْ قُرْءَانَهُ﴾ استمع قراءته، فكان رَّل يستمع @ تفسير ثم يقرؤه، ويكرر قراءته حتى يرسخ في ذهنه . (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ما أشكل فيه من المعاني، وبيان ما فيه من الحلال والحرام. وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب. ﴿كَلَّا﴾ ردع للإنسان عن الاغترار بالدنيا العاجلة. ﴿الْعَاجِلَةَ ﴾ دار الدنيا تتركون العمل والاستعداد لها، وهو إشعار وما فيها ﴿وَذَرُونَ الْآخِرَةَ ( بأن بني آدم مطبوعون على الاستعجال. ﴿وُجُوهُ يَوَمَيِذٍ﴾ يوم القيامة. ﴿نَّاضِرَةٌ﴾ حسنة مضيئة، متهللة بشراً بما تراه من النعيم. ﴿نَاظِرَةٌ﴾ رائية عِياناً، تنظر إلى ربها بلا حجاب. وقال مجاهد: تنتظر الثواب من ربها. ﴿بَاسِرَةٌ﴾ شديدة العبوس، كالحة متغيرة مسودّة. ﴿تَظُنُّ﴾ توقن وتتوقع. ﴿فَاقِرَةٌ﴾ داهية عظيمة تكسر فقار الظهر. سبب النزول: نزول الآية (١٦): ﴾: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: لـ ابن عباس قال: كان رسول الله ولي﴿ إذا أنزل الوحي، يحرِّك به لسانه، يريد أن الآية. يحفظه، فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: (بِهَا﴾ المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أن منكر القيامة والبعث معرض عن آيات الله تعالى ومعجزاته، وأنه قاصر شهواته على الفجور، غیر مکترث بما يصدر منه، ذکر حال من يثابر على تعلّم آيات الله وحفظها وتلقفها والنظر فيها وعرضها على ٢٨٣ لُزُ (٢٩) - القِيَامَةّ: ٧٥ / ١٦-٢٥ من ينكرها، رجاء قبوله إياها، ليظهر بذلك تباين حال من يرغب في تحصيل آيات الله، ومن يرغب عنها، فتلك الآيات تضمنت حال الإعراض عن آيات الله، وهذه تضمنت المبادرة إليها بحفظها، وبضدها تتميز الأشياء(١). ثم ذكر تعالى سبب إنكار البعث، وهو حب الإنسان الدنيا العاجلة، وترك الآخرة، ووبخ أهله، ثم أوضح تعالى انقسام الناس في الآخرة إلى فريقين: فريق المؤمنين المستمتعين بالنعيم وبرؤية الله عز وجل، وفريق المشركين الذين يترقبون نزول الدواهي العظام من العذاب بهم. التفسير والبيان: علّم الله عز وجل رسوله وَّله كيفية تلقي الوحي من الملَك جبريل، فقال: ، فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّعْ ١٧ ◌ِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرَْانَهُ. ١٦ ﴿لَا تُحَرّْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: كان رسول الله وَ ل حرصاً منه على القرآن ١٩) قُرْءَانَهُِ ﴿٣) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ الموحى به إليه، يبادر إلى أخذه، ويسابق الملَك في قراءته، ويحرك شفتيه ولسانه بالقرآن إذا أنزل عليه، قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي، حرصاً على أن يحفظه وَيّر، فنزلت هذه الآية. أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي، لتأخذه على عجل، مخافة أن يتفلت منك، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيٌُّ وَقُل رَّتِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤/٢٠]. إن علينا جمعه في صدرك حتى لا يذهب عليك منه شيء، وعلينا إثبات قراءته في لسانك على الوجه القويم. فإذا أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل، فاستمع له وأنصت، ثم اقرأه كما أقرأك، وكرره حتى يرسخ في ذهنك. (١) البحر المحيط: ٣٨٨/٨ ٢٨٤ لُحُ (٢٩) - القِيَامَةّ: ٧٥ /١٦-٢٥ ثم إننا بعد حفظه وتلاوته نفسر لك ما فيه من الحلال والحرام، ونبين ونوضح لك ما أشكل منه، ونلهمك معناه كما أردنا وشرعنا. وهكذا اشتملت الآيات الأربع على أحوال ثلاث: هي جمعه في صدره، وحفظه، في الآية الأولى والثانية، وتلاوته وتيسير أدائه كما أنزل، في الآية الثالثة، وتفسيره وبيانه وإيضاح معناه في الآية الرابعة. ثم انتقل البيان إلى حال الإنسان السابق المنكر البعث، فوبخه وقرعه على إنكاره البعث، فقال تعالى مبيناً سبب الإنكار: أي أردعكم عما تقولون وَنَذَرُونَ الْآخِرَةَ ٢٠ ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاَِةَ أيها المشركون من إنكار البعث، فإن الذي يحملكم على التكذيب بيوم القيامة، ومخالفة ما أنزله الله عز وجل على رسوله وّله من الوحي الحق والقرآن العظيم، محبتكم واهتمامكم بدار الدنيا العاجلة، وتشاغلكم عن الآخرة وترككم العمل لها. ولفظ ﴿كَلَّ﴾ عند سائر المفسرين: معناه حقاً، أي حقاً تحبون العاجلة وتذرون الآخرة، والمعنى أنهم يحبون الدنيا ويعملون لها، ويتركون الآخرة ويعرضون عنها. وقال الزمخشري: كلا: ردع لرسول الله وَلهول عن عادة العجلة، وإنكار لها عليه، وحث على الأناة والتؤدة، وقد بالغ في ذلك بإتباعه قوله: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاِلَةَ﴾ كأنه قال: بل أنتم يا بني آدم؛ لأنكم خلقتم من عجل، وطبعتم عليه، تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون العاجلة، وتذرون الآخرة(١). ثم أبان الله تعالى حال المؤمنين وحال الكافرين في الآخرة، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ ٢٢ FF إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوَمَيِلِمٍ بَاسِرَةٌ ﴿َ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ (١) الكشاف: ٢٩٣/٣ - ٢٩٤ ٢٨٥ لُرُ (٢٩) - القِيَامَةِّ: ٧٥ / ١٦-٢٥ ◌ِهَا فَاقِرَةٌ (٣٥)﴾ أي وجوه المؤمنين في الجنة حسنة بهية مشرقة مسرورة، ترى ربها عياناً، ووجوه الفجار في النار عابسة كالحة كئيبة، توقن أن سینزل بها داهية عظيمة تكسر فقار الظهر. قال الأزهري عن مجاهد الذي فسر النظر بالانتظار: قد أخطأ مجاهد؛ لأنه لا يقال: نظر إلى كذا بمعنى انتظر، فإن قول القائل: نظرت إلى فلان، ليس إلا رؤية عين، فإذا أرادوا الانتظار، قالوا: نظرته، وأشعار العرب وكلماتهم في هذا كثيرة جداً. : تنظر إلى ربها خاصة، ٢٣] قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ لا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول، فإنه يدل على معنى الاختصاص، ثم رجح أن الآية تفيد معنى التوقع والرجاء(١). وهذا منه بسبب كونه من المعتزلة الذين يقولون: لا يدل ظاهر الآية على رؤية الله تعالى؛ لأن النظر المقرون بحرف (إلى) ليس اسماً للرؤية، بل المقدمة الرؤية، وهي تقليب الحدقة نحو المرئي، التماساً لرؤيته، فيكون نظر العين مقدمة للرؤية، وتأولوا قوله تعالى: ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بمعنى أن أولئك الأقوام ينتظرون ثواب الله. وأجاب الرازي بأننا نسلم أن النظر عبارة عن تقليب الحدقة .. إلخ لكنا نقول: لما تعذر حمله على حقيقته، وجب حمله على مسببه وهو الرؤية، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، وحمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار؛ لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية، ولا تعلق بينه وبين الانتظار، فكان حمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار. ثم أجاب عن قولهم: النظر جاء بمعنى الانتظار بأن هذا كثير في القرآن، ولكنه لم يقرن البتة بحرف (إلى) كقوله تعالى: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسُ مِن نُّورِّكُمْ﴾ [الحديد: (١) المرجع السابق: ص٢٩٤ ٢٨٦ الُ (٢٩) - القِيَامَةّ: ٧٥ / ١٦-٢٥ ١٣/٥٧] وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةٌ﴾ [الأعراف: ٥٣/٧] وقوله: ﴿هَلّ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠/٢]. وإذا فرضنا أن النظر المعدَّى بحرف (إلى) جاء في اللغة بمعنى الانتظار، لكن لا يمكن حمل هذه الآية عليه؛ لأن لذة الانتظار مع يقين الوقوع، كانت حاصلة في الدنيا، فلا بدّ أن يحصل في الآخرة شيء أزيد منه، حتى يحسن ذكره، في معرض الترغيب في الآخرة(١). وقال النيسابوري: وحاصل كلامهم أن النظر إن كان بمعنى الرؤية فهو المطلوب، وإن كان بمعنى تقليب الحدقة نحو المرئي، فهذا في حقه تعالى محال؛ لأنه منزه عن الجهة والمكان، فوجب حمله على مسببه وهو الرؤية، وهذا مجاز مشهور(٢). وأيدت الأحاديث المتواترة ما فهمه الجمهور من دلالة الآية على رؤية الله تعالى، فقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها، كما قال ابن كثير، ثم أورد الأحاديث وقال: وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام(٣). وكذلك قال الشوكاني في تفسيره العظيم (فتح القدير) بعد أن فسر آية ﴿ إِلَى بقوله: أي إلى خالقها، ومالك أمرها، ناظرة، أي تنظر إليه. رِهَا نَاظِرَةٌ هكذا تواترت الأحاديث الصحيحة من أن العباد ينظرون ربهم يوم القيامة، كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر. روى البخاري في صحيحه: ((إنكم سترون ربكم عِياناً))، وأخرج الشيخان (١) التفسير الكبير للرازي: ٢٢٦/٣٠ - ٢٢٩ (٢) غرائب القرآن: ١١١/٢٨ (٣) تفسير ابن كثير: ٤ /٤٥٠ ٢٨٧ الُ (٢٩) - القِيَامَةِّ: ٧٥ / ١٦-٢٥ في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: ((أن ناساً قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال: هل تُضارّون في رؤية الشمس والقمر، ليس دونهما سحاب؟ قالوا: لا، قال: إنكم ترون ربكم كذلك)) . وفي الصحيحين أيضاً عن جرير قال: نظر رسول الله وَله إلى القمر ليلة البدر، فقال: ((إنكم ترون ربكم، كما ترون هذا القمر، فإن استطعتم ألا تُغلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها، فافعلوا)). وفي الصحيحين أيضاً عن أبي موسى قال: قال رسول الله وَالر: ((جنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه، في جنة عدن)) . وأخرج مسلم عن صهيب عن النبي ◌َّه قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّضْ وجوهَنا! ألم تُدْخلْنا الجنة، وتنجِّنا من النار! قال: فيُكشف الحجابُ، فما أُعطوا شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم، وهي الزيادة)) ثم تلا هذه الآية: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ اُْسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦/١٠]. وقال الألوسي: والذي يقطع الشغب ويدق في فروة من أخس الطلب: ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي والدارقطني وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي وعبد بن مُميد وابن أبي شيبة وغيرهم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله وَله: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة لَمَنْ ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية)) ثم قرأ رسول الله وَل: ﴿وُجُوهٌ يَوَمَيِذٍ نَاضِرَةُ (٣) إِلَى رَبِّهَا فهو تفسير منه عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أنه أعلم نَاظِرَةٌ الأولين والآخرين، ولا سيما بما أنزل عليه من كلام رب العالمين(١). (١) تفسير الألوسي: ١٤٤/٢٩ ٢٨٨ الُزُ (٢٩) - القِيَامَةّ: ٧٥ /١٦-٢٥ ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وُجُوهُ يَؤْمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ تَرْهَقُّهَا قَتَرَةٌ ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ٣٩ ٤٠ وَوُجُوهُ يَؤْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ٣٨/٨٠-٤٢] . [عبس: ٤٣٦ فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - تكفل الله تعالى لنبيه و له ثلاثة أمور لحفظ القرآن إلى الأبد: وهي جمعه في صدره عليه الصلاة والسلام، وتلاوته، وتفسيره لبيان ما فيه من الحدود والحلال والحرام، والوعد والوعيد، والمشكلات. أَ - إن التعجل مذموم مطلقاً، ولو في أمور الدين. ٣ - إن سبب إنكار المشركين البعث والحساب والجزاء هو إيثار الدار الدنيا والحياة العاجلة فيها، وترك الاستعداد للآخرة والعمل لها، فعلى المؤمن أن يفر من غير الله إلى الله، ولا يستعين في كل أموره إلا به، على نقيض الكافر الذي كان يفر من الله إلى غيره حين قال: (أين المفر؟). ٤ - ثبوت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الآخرة، وحرمان الفجار منها، كان ابن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غُدْوة وعَشية، ﴾. وقد تقدم في ٢٣ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ ٢٢ ثم تلا هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةً حديث مسلم عن صهيب أن رؤية الله عز وجل هي الزيادة في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦/١٠]. ة - تكون وجوه الكفار الفجار يوم القيامة كالحة كاسفة عابسة، مستيقنة أنه سيحل بها عذاب شديد، وداهية عظيمة. ٢٨٩ ◌ِلُُ (٢٩) - القِيَامَةِّ: ٧٥ /٢٦-٤٠ تفريط الكافر في الدنيا وإثبات البعث وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ٣٧ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ٢٦ ﴿كَلَّ إِذَا بَغَتِ الَّرَافِيَ وَالْنَفَّتِ السَّاقُ ٢٨ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ فَلَ صَلَّقَ وَلَا صَلَّى ٢٩ بالسّاقِ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَى ٣١ ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَىَ ٣٤ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ٣٣ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَ أَهْلِهِ، يَتَمَطَّىّ ٣٢ أَنَحْسَبُ ٣٥ الْإِنْسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدَّى (٦) أَلَمَّ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيِّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَىّ أَنْ يُخْنِىَ المُؤَنَّى ٣٩ ◌َجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنَ ٣٨١ ٤٠ القراءات: ﴿ وَقِيلَ﴾ : بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة. ﴿مَنَّ رَاقٍ﴾: قرأ حفص بالسكت على نون (من) سكتة لطيفة من غير تنفس، وقرأ الباقون بالإدغام. أَيَحْسَبُ﴾: قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة (أيحسَب) وقرأ الباقون (أيحسِب). يُمْنَى﴾: قرأ حفص (بمنى) وقرأ الباقون (تمنى). الإعراب: ﴿فَلَ صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (4﴾ أي لم يصدق ولم يصل، كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (٣)﴾ [البلد: ١١/٩٠] أي لم يقتحم. ٢٩٠ لُعُ (٢٩) - القِيَامَةَّ: ٧٥ / ٢٦-٤٠ ﴿يَتَمَطَّىَ﴾ أصله يتمطط، أي يتبختر، من المطيطاء (اسم مشية بني مخزوم في الجاهلية ومنهم أبو جهل) فأبدل من الطاء الآخرة ياء، مثل تظنيت وأصله: تظننت، وأمليت وأصله: أمللت، ثم قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. جَ) ﴿أَوْلَى﴾ مبتدأ، و﴿لَكَ﴾ خبره، وحذف خبر ﴿أَوْلَ﴾ ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى الثاني، اجتزاء بخبر الأول عنها، وأولى: ممنوع من الصرف للتعريف ووزن الفعل؛ لأنه على وزن أفعل. ﴾﴾ ﴿أَنْ يُتْرَكَ﴾ سد مسد مفعولي: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى ﴿أَحْسَبُ﴾ و﴿سُدَّى﴾ حال من ضمير ﴿يُتْرَكَ﴾. ﴿َعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنَّ ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنثَ﴾ منصوبان على البدل من ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾. ﴿عَلَىَّ أَنْ يُحْيِىَ المُؤَنَى﴾ لا يجوز إدغام إحدى الياءين في الأخرى؛ لأن الحركة في الثانية حركة إعراب. البلاغة: ﴿بَلَغَتِ التََّافِىَ﴾ كناية عن الإشفاء على الموت. (صَلَّفَ﴾ و﴿كَذَّبَ﴾ بينهما طباق. ﴿السَّاقُ﴾ ﴿الْمَسَاقُ﴾ بينهما جناس ناقص. وقوله: ﴿وَالْنَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ كناية عن الشدة. استفهام إنكاري بقصد التوبيخ أَيَحْسَبُ آلْإِنْسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدَّى والتقريع. ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ التفات من الغيبة إلى المخاطب، تقبيحاً له وتهجيناً. ٢٩١ لُزْءُ (٢٩) - القِيَامَةّ: ٧٥ / ٢٦-٤٠ المفردات اللغوية: ﴿ التََّافِىَ﴾ جمع ترقوة، وهي العظام الممتدة من الحلق إلى العاتق من اليمين والشمال، والمراد بلوغ الروح أعالي الصدر. ﴿وَقِيلَ﴾ قال من حوله: ﴿مَنَّ رَاقٍ﴾ من يرقيه وينجيه ليشفى، كما يرقى المريض، والمراد: هل من طبيب يشفي حينئذ؟ ﴿اٌلْفِرَاقُ﴾ فراق الدنيا، أي وظن المحتضر أن الذي نزل به فراق الدنيا وأحبائها. أي التوت إحدى ساقيه بالأخرى عند ٣٩ ﴿ وَالْنَفَتِ السّاقُ بِلسَّاقِ الموت، فلا يقدر تحريكها. ﴿اَلْمَسَاقُ﴾ السوق إلى الله تعالى وحكمه، والمعنى: إذا بلغت الروح الحلقوم، تساق إلى حكم ربها . ﴿فَلَ صَدَّقَ﴾ الإنسان. ﴿ وَلَا صَلَى﴾ أي لم يصدق بما يجب تصديقه، أو لم يصدّق ماله، بأن لم يؤد زكاته، ولم كذب بالقرآن وتولى عن ٣٢ يؤد صلاته المفروضة. ﴿ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَوَلَى الطاعة . ﴿يَتَمَطَّىَ﴾ يتبختر في مشيته إعجاباً وافتخاراً. ﴾﴾ أي ويل لك، من الولي، فهو دعاء وأصله: أولاك (٣٤) ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَ الله ما تكرهه، أو أولى لك الهلاك، واللام مزيدة كما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢/٢٧] أو للتبيين. وقوله: ﴿فَأَوْلَى﴾ أي فهو أولى بك من غيرك. ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ تأكيد، أي أنت أولى بتكرر ذلك عليك مرة بعد أخرى، وتكون فَأَوْلَ مّ الجملة الأولى دعاء عليه بقرب المكروه، والثانية دعاء عليه بأن يكون أقرب إلى المكروه من غيره. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَنُ﴾ يظن ﴿أَن يُتْرَكَ سُدَّى﴾ ﴿سُدَّى﴾ مهملاً لا يكلف بالشرائع ولا يجازى ولا يحاسب، وهو يتضمن تكرار إنكاره للحشر؛ لأن جزاء التكليف قد لا يكون إلا في الآخرة، وهذا دليل على إثبات البعث؛ لأنه لا بدّ من الجزاء على الأعمال، حتى لا يتساوى الطائع مع العاصي. ( نُطْفَةَ﴾ ماء قليلاً، وتجمع على نطف ونطاف . ﴿يُمْنَى﴾ يصب في الرحم، ٢٩٢ لُعُ (٢٩) - القِيَامَةِّ: ٧٥ / ٢٦-٤٠ ﴿أُمَّ كَانَ﴾ المني. ﴿عَلَقَةُ﴾ قطعة دم جامد. ﴿فَخَلَقَ﴾ أي أوجد الله تعالى منه بشراً مركباً من أشياء مختلفة . ﴿فَسَوَّى﴾ أي فسوَّاه شخصاً مستقلاً، بأن قدَّره وعدَّله وعدل أعضاءه. ﴿فَعَلَ مِنْهُ﴾ من المني الذي صار علقة (قطعة دم) ثم مضغة (قطعة لحم). ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ الصنفين أو النوعين من البشر. ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْفَ﴾ بأن يرزق النوعان تارة، أو ينفرد أحدهما عن الآخر تارة، وهو استدلال آخر بالإبداء على الإعادة والبعث. ﴿أَيْسَ ذَلِكَ﴾ الفعال لهذه الأشياء. ﴿بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحِْىَ الْمَّنَى﴾؟ قَال ◌َّهِ: ((بلى)). سبب النزول: نزول الآية (٣٤ - ٣٥): ٤: أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: ﴿ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴾ [المدثر: ٣٠/٧٤] قال أبو جهل لقريش: ٣٠ لما نزلت: ﴿عَلَيْهَا ◌ِسْعَةَ عَشَرَ تكِلتكم أمهاتكم، يخبركم ابن أبي كبشة أن خزنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدَّهم (العدد) والشجعان، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟ فأوحى الله تعالى إلى رسوله بَله أن يأتي أبا جهل، فيقول له: ﴿ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ٣٥ ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَىَ وأخرج النسائي عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن قوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣) أشيء قاله رسول الله وَله من قِبَل نفسه، أم أمره الله به؟ قال: بل قاله من قبل نفسه، ثم أنزله الله. المناسبة: بعد أن بيَّن الله تعالى تعظيم أحوال الآخرة وهي القيامة العظمى، ووصف ما فيها من أهوال، وما عليه حال السعداء وحال الأشقياء، بيَّن أن الدنيا لا بدَّ لها من نهاية ووصول إلى تجرع مرارة الموت وهو القيامة الصغرى؛ لأن ٢٩٣ لُ (٢٩) - القِيَامَةّ: ٧٥ / ٢٦-٤٠ الموت أول منزلة من منازل الآخرة، فإذا لم يؤمن الكافر بأمر القيامة، لا يمكنه أن يتخلص من الموت، وتجرع آلامه، وتحمل آفاته. ثم استدل الله تعالى لإثبات البعث بأمرين: الأول - أن العدل يقضي بأنه لا بدَّ من الجزاء على الأعمال، حتى لا يتساوى الطائع والعاصي، وذلك لا يكون إلا في الآخرة. الثاني - أنه تعالى كما قدَر على بدء الخلق، فهو قادر على الإعادة والبعث، بل إن الإعادة أهون في تقدير البشر. التفسير والبيان: جَ﴾ (كلَّ﴾ إذا وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَقِيلَ مَنَّ رَاقٍ ٢٦ ﴿كَلَّ إِذَا بَغَتِ الَّرَافِىَ كانت رادعة، فالمعنى: لست يا بن آدم هناك تكذب بما أخبرت به، بل صار ذلك عندك عياناً، وإذا كانت بمعنى حقاً، فالمراد: حقاً إذا انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك، والتراقي: جمع ترقوة، وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق. والضمير في ﴿بَلَغَتِ﴾ للنفس لدلالة قرينة الحال أو المقال، كما (٨)﴾ [الواقعة: ٨٣/٥٦]. في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ والظاهر المعنى الأول، قال الزجاج: ﴿كَلَّ﴾ ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة، كأنه قيل: لما عرفتم صفة سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء في الآخرة، وعرفتم أنه لا نسبة لها إلى الدنيا، فارتدعوا عن إيثار الدنيا على الآخرة، وتنبهوا لما بين أيديكم من الموت الذي به تنتهي العاجلة، وتنتقلون إلى الآجلة دار الخلود. وعلى هذا يكون المعنى العام: ارتدعوا عن إيثار الدنيا على الآخرة، وتنبهوا إذا بلغت الروح أو النفس أعالي الصدر، كناية عن الاحتضار وأهواله والموت؛ وقال من حضر المحتضر: هل من يرقيه ويشفيه، وهل من طبيب ٢٩٤ الُُ (٢٩) - القِيَامَيّ: ٧٥ / ٢٦-٤٠ شاف؟ ولكن لن يغنوا عنه من قضاء الله شيئاً؛ وأيقن الذي بلغت روحه التراقي أنها ساعة الفراق من الدنيا ومن الأهل والمال والولد. وعبر عن اليقين بالظن؛ لأن الروح ما دامت في البدن، يطمع صاحبها في الحياة، فلا يحصل له يقين الموت، بل الظن الغالب مع رجاء الحياة، كما ذكر الرازي. والآية دالة على أن الروح جوهر قائم بنفسه، باق بعد موت البدن؛ لأنه تعالى سمى الموت فراقاً، وهو يدل على أن الروح باقية؛ فإن الفراق والوصال صفة، والصفة تستدعي وجود الموصوف(١). أي التوت ساقه على ساقه عند نزول الموت ﴿ وَالْنَفَّتِ السَّاقُ بِلسَّاقِ (َا﴾ به، فلا يقدر على تحريكها، فماتت رجلاه، ويبست ساقاه ولم تحملاه، وقد كان جوّالاً عليهما، واجتمع عليه أمران: الناس يجهّزون جسده، والملائكة يجهزون روحه. ويصح أن يكون ذلك كناية عن الشدة، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢/٦٨] والمراد: اتصلت شدة فراق الدنيا، وترك الأهل والولد والجاه وشماتة الأعداء وحزن الأولياء وغير ذلك، بشدة الإقبال على أحوال الآخرة وأهوالها. (ج) أي تساق الأرواح بعد قبضها من الأجساد ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ إلى خالقها، ويكون المرجع والمآب إلى حكم ربك، فتصير إما إلى جنة وإما إلى نار. فقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ أي إلى حكمه خاصة. و﴿الْمَسَاقُ﴾ السوق، فحكمه هو المسوق إليه. وقيل: السوق إلى الله لا إلى غيره، فهو السائق يسوقه إلى الجنة أو إلى النار. (١) تفسير الرازي: ٢٣١/٣٠ ٢٩٥ الزُعُ (٢٩) - القِيَامَيّ: ٧٥ / ٢٦-٤٠ ثم أوضح الله تعالى كيفية عمل هذا المحتضر فيما يتعلق بأصول الدين وبفروعه وبالدنيا، فقال: ) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، يَنَمَطَّىّ ٣١ ﴿فَلَ صَدَّفَ وَلَ صَلَى: ﴿ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ؛ أي لم يصدق بالرسالة النبوية ولا بالقرآن، ولا صلى لربه الصلاة المطلوبة منه فرضاً، بل كذب بالرسول وبما جاء به، وتولى عن الطاعة والإيمان، وزاد على ذلك أنه ذهب إلى أهله جذلان أشراً بطراً، يتبختر ويختال في مشيته افتخاراً بذلك، كسلانَ لا همة له ولا عمل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْقَلَبُوَاْ إِلَى أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ فَكِهِينَ [المطففين: ٣١/٨٣]. لقد جمع بين ترك العقيدة أو أصول الدين في أنه ما صدق بالدين، ولكن كذب به، وبين إهمال فروع الدين في أنه ما صلى ولكنه تولى وأعرض، وبين الإساءة لطبيعة الدنيا وسلوكها في أنه ذهب إلى أهله يتمطى، ويتبختر، ويختال في مشیته. والآية دالة على أن الكافر يستحق الذم والعقاب بترك الصلاة، كما يستحقهما بترك الإيمان. ثم هدد الله تعالى هذا الكافر وتوعده ودعا عليه بقوله: ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (®﴾ أي وليك الويل، ويتكرر عليك ٣٤ ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى هذا الدعاء، والمعنى: ويل لك، وأهلكك الله، وليتكرر هذا الدعاء عليك مرة بعد أخرى، فأنت الجدیر بهذا. وهذا تهديد ووعيد أكيد من الله تعالى للكافر به، المتبختر في مشيه، يقصد به أنه يحق لك أن تمشي هكذا، وقد كفرت بخالقك وبارئك، كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكم والتهديد، وهو كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ [الدخان: ٤٩/٤٤] وقوله سبحانه: ﴿كُلُواْ وَتَمَنَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُمْ اُلْكَرِيمُ هَا) ٢٩٦ الجُرُ (٢٩) - القِيَامَةّ: ٧٥ /٢٦-٤٠ (4)) [المرسلات: ٤٦/٧٧] وقوله عز وجل: ﴿فَأَعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّن دُونِةٌ﴾ ◌ُجْرِمُونَ [الزمر: ١٥/٣٩] وقوله عز من قائل: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠/٤١]. قال قتادة والكلبي ومقاتل: أخذ رسول الله وَ﴿ل بيد أبي جهل، ثم قال: توعده، فقال أبو جهل: بأي شيء ٣٥ ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَ ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى تهددني؟ لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئاً، وإني لأعزّ أهل هذا الوادي، ثم انسلَّ ذاهباً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، كما قال له الرسول عليه الصلاة والسلام. ولما كان يوم بدر أشرف على القوم فقال: لا يُعبَد الله بعد هذا اليوم، فقتل إذ ذاك شرَّ قِتْلة. ثم أقام الله تعالى دليلين على صحة البعث لتأكيد ما جاء في أول السورة: ﴿أَيَخْسَبُ الْإِنسَنُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ : أي أيظن أن يترك الإنسان في الأول - ﴿أَيَخَسَبُ الْإِنْسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى الدنيا مهملاً، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يكلف، ولا يحاسب ولا يعاقب بعمله في الآخرة؟ وهذا خلاف مقتضى العدل والحكمة، فلا بدَّ من الجزاء حتى لا يتساوى المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، واقتضت الحكمة الإلهية تأجيل الجزاء إلى عالم الآخرة، وترك تعجيله، ليتسنى وجود الفرصة المواتية الكافية في أثناء العمر والحياة للإيمان والصلاح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ عَانِيَةٌ ، (ج)﴾ [طه: ١٥/٢٠] . وقال سبحانه: أَكَدُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى لـ ﴿أَمَ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ ﴾ [ص: ٢٨/٣٨] . ٣٨ كَالْفُجَارِ ونظير الآية: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ٢٣ /١١٥]. ١١٥) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةُ فَخَلَقَ فَسَوَّى الثاني - ﴿أَلَ يَكُ نُطْفَةً مِّن ◌َّنِيِّ يُعْنَى فَجَعَلَ مِنْهُ ٣٨ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُخْفِىَ المؤَلَى ٣٩ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنَ أي أما كان ٤٠ ٢٩٧ لُُ (٢٩) - القِيَامَةِّ: ٧٥ / ٢٦-٤٠ ذلك الإنسان قطرة أو نطفة ضعيفة من مني يراق في الرحم، ثم صار بعد ذلك علقة، أي قطعة دم، ثم مضغة أي قطعة لحم، ثم شُكّل ونفخ فيه الروح، فصار خلقاً آخر سوياً سليم الأعضاء، ذكراً أو أنثى بإذن الله وتقديره؟ أليس ذلك الذي أنشأ هذا الخلق البديع وقدر عليه بقادر على أن يعيد خلق الأجسام من جديد بالبعث، كما كانت عليه في الدنيا؟ بلى، فإن الإعادة أهون من الابتداء. وقوله: ﴿فَخَلَقَ﴾ أي فقدَّر بأن جعلها مضغة مخلَّقة، وقوله ﴿فَسَوَّى﴾ أي فعدّل أركانه وكمل نشأته ونفخ فيه الروح، وجعل من المني بعد تخليقه صنفي الإنسان: الرجل والمرأة. وهذا استدلال بالخلق الأول على الإعادة، فإن الخالق الأول هو الخالق الآخر، والأمران سواء عليه. روى ابن أبي حاتم وغيره أن النبي و لو كان إذا قرأ هذه الآية قال: ((سبحانك اللهم وبَلى)) . وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن مردويه، والحاكم وصححه قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ منكم: ﴿وَالِّينِ وَالزَّيْتُونِ (٣)) [التين: ١/٩٥] وانتهى إلى آخرها: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعَكَمِ الْحَكِمِينَ ٨ فليقل: بلى، وأنا على ذلكم من الشاهدين، ومن قرأ: ﴿لَا أُقِْمُ بِيَّوْمِ الْقِيَمَةِ [القيامة: ١/٧٥] فانتهى إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَىّ أَنْ يُخْرِىَ المُؤََّى فليقل: بلى، ومن قرأ المرسلات، فبلغ ﴿فَأَقِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [المرسلات: ٧٧/ ٥٠] فليقل: آمنا بالله)). ٥٠ فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: ا - ذكّر الله تعالى الناس قاطبة بشدة الحال وصعوبة الأمر عند نزول ٢٩٨ لُعُ (٢٩) - القِيَامَةّ: ٧٥ / ٢٦-٤٠ الموت، فعند الاحتضار يجتمع على الإنسان أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه، ويجتمع عليه أيضاً شيئان محزنان: فراق الدنيا والأهل والولد حين معاينة الملائكة، واتصال شدة الدنيا بشدة أول الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحمه الله، أي شدة كرب الموت بشدة هول المطلع على الآخرة. أَ - يكون الشَّوق في يوم القيامة إلى الخالق، ويكون المرجع والمآب إلى حكم الله، إما إلى الجنة وإما إلى النار. ◌َّ - يكون الكافر أولى وأجدر بالعذاب والهلاك لفساد العقيدة والعمل والخُلُق، فلم يصدِّق بالرسول محمد وَل﴿ ولا بالقرآن، ولم يصلِّ الصلاة المفروضة التي أمره الله بها، وتجرد عن إنسانيته بالتكبر والتبختر، افتخاراً بالمال والولد، واعتزازاً بالقوة الجسدية أو الجاه، لذا جاء التهديد بعد التهديد، والوعيد بعد الوعيد في قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ( ثُمَّ أَوْلَى لَكَ (3) فهو وعيد أربعة لأربعة، أي وعيد بأربعة أنواع من العذاب فَأَوْلٌَ لأربعة أنواع من الأمور: ترك الإيمان والصلاة وتكذيب الله تعالى والرسول وَاله والقرآن، والتبختر. ٤ - أعاد الله تعالى في آخر السورة ما ذكر في أولها بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِسَنُ أَّن ◌َجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) وقد ذكر هذا لإثبات الحشر والبعث والقيامة بدليلين: الأول - لا بدَّ في الحياة من التكليف لتنظيم الحياة وتهذيب الأنفس ودرء المفاسد، والتكليف لا يحسن، ولا يليق بالكريم الرحيم إلا إذا كان هناك دار الثواب والبعث والقيامة. الثاني - الاستدلال بالخلقة الأولى على الإعادة، فمن قدر على بدء الخلق وإيجاد الإنسان، فهو أقدر على إعادته إلى الحياة مرة أخرى. ٠ ٢٩٩ لِلُ (٢٩) السورة (٧٦) الإِنْتَّذِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ سُورَةُ الإِنسَّنَا مدنية، وهي إحدى وثلاثون آية تسميتها : . سميت سورة الإنسان لافتتاحها بالتنويه بخلق الإنسان وإيجاده، بعد أن لم يكن شيئاً موجوداً، ثم صار خليفة في الأرض، وخلق له جميع ما في الأرض من خيرات ومعادن وكنوز. مناسبتها لما قبلها: تتعلق السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة : اً - ذكر الله تعالى في آخر السورة السابقة مبدأ خلق الإنسان من نطفة، ثم جعل منه الصنفين: الرجل والمرأة، ثم ذكر في مطلع هذه السورة خلق آدم أبي البشر، وجعله سميعاً بصيراً، ثم هدايته السبيل، وما ترتب عليه من انقسام البشر إلى نوعين : شاكر وكفور. ٣ - أجمل في السورة المتقدمة وصف حال الجنة والنار، ثم فصل أوصافهما في هذه السورة، وأطنب في وصف الجنة. ◌َّ - ذكر سبحانه في السورة السابقة الأهوال التي يلقاها الفجار في يوم القيامة، وذكر في هذه السورة ما يلقاه الأبرار من النعيم. ٣٠٠ ◌ِلُ (٢٩) السورة (٧٦) الإنشِّنْاِ ما اشتملت عليه السورة: بالرغم من كون هذه السورة مدنية في قول الجمهور، فإنها عنيت بالحديث عن أحوال الآخرة، ولا سيما تنعم الأبرار في دار الخلد والنعيم، أما من قال بأنها مكية فرأيه متفق مع موضوعها. وقد افتتحت بالكلام عن مبدأ خلق الإنسان، وتزويده بطاقات السمع والبصر، وهدايته السبيل، ثم انقسامه إلى فئتين: شاكر وكفور، والإخبار عن جزاء الشاكرين والجاحدين ووصف الجنة والنار: ﴿هَلْ أَقَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجِ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُرًا سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿﴿ إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِقَا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلَاْ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٦) [الآيات: ١-٤]. ثم أشادت بأعمال الشاكرين من الوفاء بالنذر، وإطعام الطعام لوجه الله، والخوف من عذاب الله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأَسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوَّمَا كَانَ شَرُهُ ٦ عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْجِيرًا مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَنِيمًا وَأَسِيرًا ﴿ إِنَّا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِدُ مِنَكُمْ جَزَآءَ وَلَا شَكُورًا (٦) إِنَّا نَخَفُ مِن رَِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا فَتْطَرِيرًّا ﴿ فَوَقَّهُمُ [الآيات: ٥-١١]. اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَرِ وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (َّـ وأردفت ذلك بوصف ما لهم عند ربهم من الجنان والثواب والفضل والإكرام: ﴿وَجَزَّئُهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيِرًا ﴿ مُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَابِكِّ لَا يَرَوْنَ فِيهَا وَيُطَافُ عَلِم ◌ِكَانَةٍ ١٤ شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِرًا (٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا ( وَيُسْقَوْنَ فِيَهَا كَأَسًا ﴿ قَوَارِيَرَاْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا نَقْدِيرًا مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَادٍ، كَانَتْ قَوَارِيَرَاً كَانَ مِنَاجُهَا زَنْجِيلًا وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ عَيْنَا فِيَهَا تُسَمَّى سَلْسَيِلًا ١٧ إِذَا رَيْنَهُمْ حَسِبَهُمْ لُؤْلُؤَا مَنْتُورًا ( وَإِذَا رَأَيْتَ ثَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ﴿َ عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُصْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌّ وَحُلُواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ◌َ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءُ وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (َ﴾ [الآيات: ١٢-٢٢].