النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ الجُرُ (٢٩) - المصدر: ٧٤ / ١١-٣٠ (ثَ﴾ ﴿عَبَسَ﴾ قطّب جبهته بين الحاجبين، ﴿وَبَسَرَ﴾ كلح ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ وجهه وتغير، فهو أشد من العبوس. ﴿ثُمَّ أَذْبَ﴾ عن الإيمان. ﴿ وَأُسْتَكْبَرَ﴾ تكبر عن اتباع النبيِ وَِّ ﴿فَقَالَ﴾ الفاء للدلالة على سرعة الحكم من غير تفكر. ﴿إِنْ هَذَا﴾ أي ما هذا القرآن. ﴿إِلَّا سِرٌ يُؤْثَرُ﴾ أي يروى ويتعلم. ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ اُلْبَشَرِ ﴿٣) كالتأكيد للجملة الأولى، أي ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٦/ ١٠٣] . أدخله. ﴿سَقَّرَ﴾ جهنم. ﴿ وَمَآ أَذْرَكَ مَا سَقَرُ ﴿سَأُصْلِهِ سَقَّرَ تعظيم لشأنها . ﴿لَا نَبْقِى وَلَا نَذَرُ ﴿٤﴾ أي لا تبقي على شيء يلقى فيها، ولا تدعه حتى تهلكه. ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴿2﴾ تلوح وتظهر لأنظار الناس من مسافات بعيدة لعظمها وهولها، أو مسوِّدة لأعالي الجلد، والبشر على هذا جمع بشرة: وهي ظاهر الجلد. سبب النزول: نزول الآية (١١): ﴿ذَرْفِ﴾ أخرج الحاكم وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي وَلّ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوكه، فإنك أتيت محمداً، لتتعرض لما قِبَله، قال: لقد علمت قريش أني من أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له، وأنك كاره له، فقال: وماذا أقول؟ فوالله، ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا أعلم برَجَزه ولا بقصيده مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطِلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لَمُغْدِق، وإنه يعلو وما يُعْلَى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر فيه، فقال: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّ ◌ِرٌ يُؤْثَرُ﴾ يأثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ٢٤٢ الزرعُ (٢٩) - المثائرِ: ٧٤ / ١١ -٣٠ نزول الآية (٣٠): : أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث وابن ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ مردويه عن البراء: أن رهطاً من اليهود سألوا رجلاً من أصحاب النبي وَّ عن خزنة جهنم، فجاء، فأخبر النبي ◌ََّ، فنزل عليه ساعتئذ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (فِيَا). المناسبة: بعد أن أخبر الله تعالى عن كون يوم القيامة عسيراً غير يسير على الكافرين، هدد الوليد بن المغيرة وأمثاله من زعماء الشرك، وآنس نبيه بقوله: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ (٤)، وهو كقوله في المزمّل، ﴿وَذَرْنِ وَالُْكَذِِّينَ﴾ [١١] ثم عدد خَلَقْتُ وَحِيدًا تعالى نعمه على الوليد من المال والولد والجاه والرياسة، وكفره بها، ووعيده بنار جهنم لوصفه القرآن الكريم بأنه سحر يؤثر. التفسير والبيان: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴾﴾ أي دعني أنا والذي خلقته حال كونه وحيداً في بطن أمه، لا مال له ولا ولد، أو دعني وحدي معه، فإني أكفيك في الانتقام منه. وأجمع المفسرون على أن المراد به هنا الوليد بن المغيرة. وهذا توعد وتهديد لهذا الخبيث الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا، فكفر بأنعم الله، وبدلها كفراً، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر. ثم عدد الله تعالى تلك النعم، فقال: ١٤ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿٣) وَمَهَدتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالَا مَمْدُورًا (َ ثمّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴾﴾ أي وجعلت له مالاً واسعاً كثيراً، وقد كان الوليد مشهوراً بكثرة المال، من الزروع والمواشي والتجارات في مكة وما بينها وبين الطائف. ٢٤٣ الُرعُ (٢٩) - المصدر: ٧٤ / ١١ -٣٠ وجعلت له أيضاً بنين حضوراً معه بمكة، لا يفارقونها ولا يسافرون بالتجارات في البلاد لطلب الرزق، لكثرة مال أبيهم. قيل: كان له عشرة بنين أو ثلاثة عشر ولداً كلهم من الرجال، فكان يسمى ريحانة قريش، والوحيد؛ لأنه وحيد متميز في قومه بالرياسة والجاه. وكذلك بسطت له في العيش وطول العمر والرياسة في قريش، ومكّنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك. ومع كل هذا يطمع في زيادة المال والولد وغير ذلك، مما يدعو إلى ﴾ هنا معناه التعجب، كقوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى التعجب. وقوله : خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ اُلُّلُمَتِ وَالنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: ١/٦] فمعنى ﴿ثُمَ﴾ هنا للإنكار والتعجب. وهذا إنكار عليه لشدة حرصه على الدنيا، فردَّ الله تعالى عليه بقوله : إِنَّهُ كَانَ لَِيَئِنَا عَنِيدًا (٣)﴾ أي لا أزيده، فإنه كان لآيات القرآن معانداً لها، كافراً بما أنزلناه منها على رسولنا، بعد العلم بصدقها. وهذا دليل على أنه كان كافراً كفر عناد، فهو في أعماق نفسه يقرّ بكون آي . القرآن من عند الله، ولكنه ينكر ذلك بلسانه إرضاء لقومه، لذا استحق العقاب الآتي: ﴿سَأُرْهِقُمُ صَعُودًا (٣)﴾ أي سأكلفه وأحمله مشقة من العذاب، لا راحة فيه، كمن يتكلف صعود أعالي الجبال الشاهقة الوعرة. والإرهاق: أن يحمل الإنسان الشيء الثقيل الذي لا يطيقه. وقيل: الصعود: جبل في النار، روى ابن أبي حاتم والبزار وابن جرير عن أبي سعيد الخدري عن النبي ◌َّه في قوله تعالى: ﴿سَأُرْفِقُ صَعُودًا [19])﴾ قال: ((هو جبل في النار، من نار، يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، وإذا ٢٤٤ الجُرُ (٢٩) - المصدر: ٧٤ / ١١ -٣٠ رفعها عادت، فإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت)) . ورواه الترمذي بلفظ: ((الصعود: جبل من نار يتصعّد فيه سبعين خريفاً، ثم يهوي كذلك فيه أبداً)) . وقال فيه: حديث غريب. ثم حكى تعالى أحواله وكيفية اتخاذ قراره وكيفية عناده، فقال: ﴿ثَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٣) ثُمَّ قُئِلَ كَيْفَ قَّذَرَ ﴾﴾ أي إنه فكر ﴿إِنَُّ فَكَّرَ وَقَدَّرَ في شأن النبي ◌َّ وفي القرآن العظيم، وهيّأ من الكلام في نفسه ما يقول، وتروى ماذا يصف به القرآن حين سئل عنه، ففكر ماذا يختلق من المقال، فلُعن وُذِّب على أيّ حال قدّر ما قدر من الكلام، وأكد ذلك قائلاً: ثم لعن وعذب، وأتى بـ ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على أن الدعاء عليه في المرة الثانية أبلغ وآكد من الأولى. وهذا كله تعجب واستعظام من موقفه، واستحقاقه مضاعفة العذاب، ثم وصفه بأحوال ظاهرة للناس فقال: فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّ ◌ِرٌ ٣٣ ثُمَّ أَذْبَرَ وَأُسْتَكْبَرَ ◌َ ثُمَّ عَسَ وَبَرَ ﴿ثُمَّ نَظَرَ يُؤتُ ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٣٥) أي ثم أعاد النظر والتروي والتأمل في الطعن بالقرآن، ثم قطّب وجهه لما لم يجد مطعناً يطعن به القرآن، وكلح وجهه وتغير وأظهر الكراهة، ثم أعرض عن الإيمان، وانصرف عن الحق، وتكبر عن الانقياد للقرآن، فقال: ما هذا إلا سحر ينقل ويحكى، نقله محمَّد عن غيره ممن قبله، وحكاه ورواه عنهم، فليس بكلام الله، بل هو كلام البشر أو الإنس. وهذا دليل على أنه كان مناقضاً فيما اختلقه لقناعته الذاتية، فقد كان بقلبه مصدقاً للنبي وَل﴿، ولكنه أنكره عناداً. روى العوفي عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة، فسأله عن القرآن، فلما أخبره، خرج على قريش، فقال: يا عجباً لما ٢٤٥ الُ (٢٩) - المصدرِ: ٧٤ / ١١-٣٠ يقول ابن أبي كبشة، فوالله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش، ائتمروا، وقالوا: والله لئن صبأ الوليد، لتصبو قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام، قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق، حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر إلى قومك، قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألستُ أكثرهم مالاً وولداً؟ فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه، فقال الوليد: أقد تُحدِّث به عشيرتي !! فلا، والله لا أقرب ابن أبي قحافة، ولا عمر، ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل الله على رسوله وَله : ٢٨ ١ - إلى قوله - ﴿لَ نْقِى وَلَا نَذَرُ ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا لَثَـ ومما يدل على أن كفره كفر عناد: ما ذكر سابقاً أن الوليد مرّ برسول الله ﴿﴿، وهو يقرأ: (ألم السجدة)، فرجع وقال لبني مخزوم: والله لقد سمعت آنفاً من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى. وقال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل، فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه يعلو وما يُعلى عليه، وما أشك أنه سحر، فأنزل الله: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) الآية. ولا ريب أن من عرف هذا القدر، ثم زعم أن القرآن سحر، فإنه يكون معانداً، وكان منكراً للتوحيد والنبوة والبعث. ثم ذكر الله تعالى ما يستحقه من عقاب على موقفه هذا، فقال: ﴿سَأُصْلِيهِ وَمَّا أَذَرَنَكَ مَا سَقَّرُ ﴿َ لَا نُقِى وَلَا نَذَرُ ﴿٦ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ سَقَرَ بَّـ ٠َ عَلَيْهَا ◌ِسْعَةَ ﴾ أي سأدخله النار، وسأغمره فيها من جميع جهاته، وسف عَشَرَ اشَا أسماء النار، ثم هوَّل أمرها وفخّم شأنها بقوله: ﴿وَمَآ أَذْرَكَ مَا سَقَّرُ ٢٧ المعنى: أيّ شيء أعلمك ما سقر؟ لا تبقي من الدم واللحم والعظم شيئاً، فإذا ٢٤٦ الُ (٢٩) - المدثر: ٧٤ / ١١-٣٠ أعيد أهلها خلقاً جديداً، فلا تتركهم، بل تعاود إحراقهم بأشد مما كانت، وهكذا أبداً، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِحَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦/٤]. وتلوح جهنم للناس حتى إنهم يرونها عياناً، كما قال تعالى: ﴿وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴾ [الشعراء: ٩١/٢٦]. أو تلفح الجلد لفحة، فتدعه أسود من الليل، وعلى النار زبانية وخزنة أشداء، عظيمو الخَلْق، غليظو الخُلُق، عددهم من الملائكة تسعة عشر، والمميز في رأي الأكثرين: شخصاً، وقيل: صنفاً. والبشر: إما الإنس من أهل النار، وهو رأي الأكثرين، أو جمع بَشَرة: وهي جلدة الإنسان الظاهرة. فقه الحياة أو الأحكام: يحتاج نجاح الدعوة إلى الله إلى عناصر بشرية إيجابية، وحماية إلهية، أما العناصر الإيجابية فهي ما تحدثت عنه فاتحة السورة من تطهير النفس والعقل من الشرك والوثنية، والاتصاف بأمثل الصفات الخلقية، والاستعانة بالجود والصبر. وجاء هنا دور الوقاية والحفظ الإلهي، فالله سبحانه وقى رسوله وَ له من أذى المشركين، وسلاه، وهدد أعظم زعماء الشرك وهو الوليد بن المغيرة ليكون عبرة لغيره. فقد كان الوليد موقناً بقلبه، مقتنعاً بصدق النبي ◌َّر، ولكنه كذب بلسانه إرضاء لهوى نفسه في حب الزعامة والرياسة والجاه، وإيثاراً للانضمام إلى صف أهل الشرك في مكة. فبالرغم من أن الحق سبحانه أمده بالمال والبنين، وجعله متقلباً في أعطاف الرفاه والنعيم، ثم طمع في زيادة المال والولد، فإنه قابل النعمة بالجحود، ٢٤٧ الزُعُ (٢٩) - المؤثر: ٧٤ /١١-٣٠ والشكر بالكفران، فكذب بالقرآن، ولم يؤمن بأنه كلام الله تعالى، ووصفه بأنه سحر مروي من كلام البشر المتناقل، وعاند النبي ◌َّ وما جاء به. فحجب الله عنه زيادة النعمة؛ لأنها لا تكون مع الكفر بالمنعم بها، وتوعده وهدده بدخول نار جهنم، ذاكراً أسباب ذلك، وهي كيفية عناده، فإنه فكر في شأن النبي ◌َّ والقرآن، وهيأ الكلام في نفسه، ونظر بأي شيء يرد الحق ويدفعه، وقطّب بين عينيه في وجوه المؤمنين، وكَلَح وجهه وتغير لونه، وولّ معرضاً عن الحق والإيمان، وتعظم عن أن يؤمن، فقال: ما هذا الذي أتى به محمد وَّ﴾ إلا سحر يأثره ويحكيه عن غيره، وما هذا إلا كلام المخلوقين، تختدع به القلوب كما تختدع بالسحر. فُلُعن كيف فكر، وعذب على ما قدَّر، ثم لعن لعناً بعد لعن، واستحق الإدخال في جهنم التي وصفها الله وبالغ في وصفها بقوله، وما أعلمك أي شيء هي؟ فهي لا تترك لهم عظماً ولا لحماً ولا دماً إلا أحرقته، ثم تعاود إحراقهم إلى الأبد، تلوح للبشر عِياناً، وتلفح وجوههم لفحة تدعها أشد سواداً من الليل، ولا يستطيع أحد الفرار منها، فإن عليها خزنة تسعة عشر من الملائكة، يَلْقون فيها أهلها وهم مالك وثمانية عشر ملكاً آخرين بأعيانهم. قال الثعلبي: ولا يُنكر هذا، فإذا كان مَلَك واحد يقبض أرواح جميع الخلائق، كان أحرى أن يكون تسعة عشر على عذاب بعض الخلائق. والأكثرون على أن المراد تسعة عشر شخصاً من الملائكة، وقيل: صنفاً. قال القرطبي: والصحيح إن شاء الله أن هؤلاء التسعة عشر هم الرؤساء والنقباء، وأما جملتهم فالعبارة تعجز عنها؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُدَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَالر: ((يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف مَلَك يجرّونها))(١). (١) تفسير القرطبي: ٨٠/١٩ ٢٤٨ لُعُ (٢٩) - المثلثرِ: ٧٤ /٣١-٣٧ الحكمة في اختيار عدد خزنة جهنم التسعة عشر ﴿ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّا مَلَئِكَةُ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْفِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيَأْ وَلَا يَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْمُؤْمِنُونُ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ فَرَضٌ وَالْكَفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ مَنْ يَشَةُ وَيَهْدِى مَنْ دَاءٍ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَّ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ وَالَِّلِ ٣٢ كَلَّا وَالْقَمَرِ لإ إِذْ أَدْبَرَ ﴿ وَالصُّْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴿ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبِ (١٣٦) لِمَن شَآءَ ١٣٥ نَذِيْرًا لِلْبَشَرِ مِنْكُمْ أَن يَنَقَدَّمَ أَوْ يَنَأَخَّرَ القراءات: ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ : قرأ نافع، وحفص، وحمزة (إذ أَدْبَر)، وقرأ الباقون (إذا دَبَر). الإعراب: ﴿إِلَّا فِتْنَةً﴾ مفعول ثان لجعلنا. ﴿ مَاذَا أَرَدَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ ﴿مَثَلًا﴾: حال. منصوب من خمسة أوجه: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ اً - أن يكون منصوباً على المصدر، أي إنذاراً للبشر، فيكون نذير بمعنى إنذار، کنکیر بمعنی إنکار. ٢ - أن يكون منصوباً على الحال من ﴿لَإِحْدَى الْكُبرِ﴾ وذكّر؛ لأنها بمعنى العذاب، أو لأن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث. مَّ - أن يكون منصوباً على الحال من ضمير ﴿قُمْ﴾ في أول السورة، وتقديره: قم نذيراً للبشر. ٢٤٩ الجُرُ (٢٩) - المثلثرِ: ٧٤ / ٣١-٣٧ ٤ - أن يكون منصوباً بتقدير فعل، أي صيرها الله نذيراً، أي ذات إنذار، على النسب. ٥ - أن يكون منصوباً بتقدير: أعني، أي أعني نذيراً للبشر. ﴿وَأَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (®)﴾ ﴿إِذَ﴾: ظرف زمان ماض، ﴿أَدْبَرَ﴾: انقضى، يراد به التعبير عن إدبار الليل فيما مضى، وقرئ ((إذا)) ظرف زمان مستقبل ((دَبَر)): تولى. قال الفراء: دبر وأدبر بمعنى واحد، كقبل وأقبل. البلاغة: ﴿يُضِلُّ﴾ ﴿وَيَهْدِى﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿يَقَدَّمَ﴾ و﴿ يَأَخَرَ﴾. إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبِ وَاُلُّْحِ إِذَا أَسْفَرَ ◌َ وَالَتْلِ إِذْ أَدْبَرَ ◌َّـ (٣٢ سجع مرصع. ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ ٣٥ المفردات اللغوية: ﴿إِلَّا مَلَئِكَةٌ﴾ أي فلا يمكن مقاومتهم ولا يطاقون كما يتوهمون. (عِدََّهُمْ﴾ عددهم المذكور. ﴿فِتْنَةً﴾ سبب ضلال واستبعاد. ﴿لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بأن يقولوا: لَمَ كانوا تسعة عشر؟ ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ ليستبين. ﴿الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ أي اليهود والنصارى، أي ليتبينوا صدق القرآن وصدق نبوة محمد وَالت، لما رأوا أن عددهم تسعة عشر موافق لما في كتابهم. ﴿ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيَأْ﴾ يزداد المؤمنون من أهل الكتاب وغيرهم تصديقاً، لموافقة ما أتى به النبي وَّ لما في کتابہم. ﴿ وَلَا يَنَبَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْمُؤْمِنُونُ﴾ من غيرهم في عدد الملائكة. ﴿مَّرَضُ﴾ شك أو نفاق، وهم منافقو المدينة. ﴿وَاُلْكَفِرُونَ﴾ بمكة. ﴿مَاذَا أَرَادَ اَللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ ج أي ماذا أراد الله بهذا العدد حديثاً. ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ﴾ أي مثل ذلك المذكور من إضلال منكر هذا العدد وهدى مصدقه، يضل الكافرين، ويهدي المؤمنين. ٢٥٠ الجزءُ (٢٩) - المقدرِ: ٧٤ / ٣١-٣٧ ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُدَ رَيِّكَ إِلَّ هُوَ﴾ أي ما يعلم الملائكة في قوتهم وأعوانهم، وكذلك جموع خلقه على ما هم عليه. ﴿وَمَا هِىَ﴾ أي سقر. ﴿ذِكْرَى﴾ تذكرة وموعظة للناس. ﴿كَلَّا﴾ ردع لمن أنكرها، أي حقاً. ﴿أَذْبَرَ﴾ مضى وولّ. ﴿أَسْفَرَ﴾ ظهر وأضاء. ﴿ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)﴾ أي إن سقر وصفتها لإحدى الدواهي أو البلايا العظام . ﴿أَنْ يَقَدَّمَ﴾ إلى الخير أو الجنة بالإيمان. ﴿أَوَ يَأَخَّرَ﴾ إلى الشر أو النار بالكفر. سبب النزول: نزول الآية (٣١): ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّا﴾: قال ابن إسحاق وقتادة: قال أبو جهل يوماً: يا معشر قريش، يزعم محمد أن جنود الله الذين يعذبونكم في النار تسعة عشر، وأنتم أكثر الناس عدداً، أفيعجز مئة رجل منكم عن رجل منهم؟! فأنزل الله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّا مَلَبِّكَةٌ﴾ الآية. ١٣) قال رجل من قريش يدعى وقال السُّدِّي: لما نزلت ﴿عَلَيْهَا ◌ِسْعَةَ عَشَرَ أبا الأشد بن كَلَدة الْجُمَحي - وكان شديد البطش(١) -: يا معشر قريش لا يهولَنَّكم التسعة عشر، أنا أدفع عنكم بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة، وبمنكبي الأيسر التسعة، فأنزل الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّا مَلَتِكَةٌ﴾. وفي رواية: إن الحارث بن كَلَدة قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني (١) كان قد بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة، لينزعوه من تحت قدميه، فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه. قال السهيلي: وهو الذي دعا رسول الله وَلقر إلى مصارعته، وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه النبي ◌َّ مراراً، فلم يؤمن. وصارع النبي ﴿ ﴿ أيضاً رُكانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب. ٢٥١ الُعُ (٢٩) - المقدرِ: ٧٤ / ٣١-٣٧ أنتم اثنين، فنزل قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّ مَلَئِكَةُ﴾ أي لم يجعلهم لا رجالاً تستطيعون مغالبتهم. التفسير والبيان: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّا مَلَئِكَةٌ﴾ أي لم نجعل خزنة النار وزبانيتها القائمين بالتعذيب إلا ملائكة غلاظاً شداداً، ولم نجعلهم رجالاً تمكن مغالبتهم، ومن يطيق الملائكة ومن يغلبهم؟ وهم أقوى الخَلْق وأشدهم بأساً وأعظمهم بطشاً، وأقومهم بحق الله والغضب له تعالى. وهذا ردّ على مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة، فقال أبو جهل كما تقدم: يا معشر قريش، أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟ فقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّا مَلَكَةٌ﴾ أي شديدي الْخَلْق، لا يقاومون ولا يغالبون. ثم أبان الله تعالى حكمة اختيار عدد الخزنة، فقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي إنما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر، اختباراً منا للناس، وسبب محنة وإضلال للكافرين، حتى قالوا ما قالوا، ليتضاعف عذابهم، ويكثر غضب الله عليهم. فقوله: ﴿فِتْنَةٌ﴾ معناه سبب فتنة، أي جعلنا تلك العدة وهي تسعة عشر سبباً لفتنة الكفار، وفتنتهم: هو كونهم أظهروا مقاومتهم والطمع في مغالبتهم، وذلك على سبيل الاستهزاء، فإنهم مكذبون بالبعث وبالنار وبخزنتها. ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيمَنَا﴾ أي إنه تعالى جعل عدة الزبانية تسعة عشر ليتيقن ويعلم أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى أن هذا الرسول حق، فإنه جاء ناطقاً بما يطابق كتبهم السماوية المنزلة على الأنبياء قبله، فإن فيها أن عدة خزنة جهنم تسعة عشر، ولكي يزداد إيمان المؤمنين ٢٥٢ الجُرُ (٢٩) - المدثر: ٧٤ /٣١-٣٧ وتصديقهم حين يرون موافقة أهل الكتاب لهم، ويشهدون صدق إخبار نبيهم محمد ولد ثم أكد الله تعالى ذلك بنفي الشبهة والشك، فقال: ﴿وَلَ يَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْمُؤْمِنُونُّ﴾ أي ولا يشك أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمؤمنون بالله تعالى ورسوله ◌َله في صحة وحقيقة هذا العدد، وفي دين الله. والمراد بذلك في الواقع التعريض بالمتشككين المنافقين. ﴿ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ وَالْكَفِرُونَ مَاذَآ أَرَدَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ أي وليقول ج المنافقون الذين في قلوبهم شك وريب في صدق النبي ◌َّر، والكافرون من أهل مكة وغيرهم: أي شيء أراد الله بهذا العدد المستغرب استغراب المثل؟ وما الحكمة في ذكر هذا هنا؟ ومرادهم إنكار أصل هذا الكلام، وأنه ليس من عند الله(١). ثم ذكر الله تعالى سنته في الإضلال والهداية لمن كان من أهلهما، فقال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَنْ كَنَُّ﴾ أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل من يريد بخذلانه عن إصابة الحق، لسوء استعداده، وتوجيه نفسه لمواقع الضلال والسوء، ويهدي إلى الحق والإيمان من يريد، بتوفيقه إلى الصواب، فمثل إضلال أبي جهل وأصحابه المنكرين خزنة جهنم، يضل الله عن الهداية والإيمان، أي يخزي ويعمي من أراد إضلاله، ويهدي أي يرشد من أراد هدايته، كإرشاد أصحاب محمد والمؤ. وليس معنى الإضلال والهداية أنه تعالى يجبر كل فريق على الضلالة والهدى، فذلك مناف للعدل الإلهي، ولحكمة التشريع الذي جاء بالتكليف، (١) البحر المحيط: ٣٧٧/٨ ٢٥٣ الُزُرُ (٢٩) - المفرشرِ: ٧٤ /٣١-٣٧ وإنما لإرادة المكلف واختياره دور أساسي في الاستجابة للتكليف، ولاستحقاق المؤاخذة والثواب، ولا يقع شيء قهراً عن الله، وإنما بمراده، فإن خالف العبد عصى المأمور به، والمحبوب لربه، ولم يخرج عن مشيئة الله، فالله قهر الأشياء كلها، ولكنه أرخى الزمام في أشياء لاختيار الإنسان. ثم أكد تعالى أن له في هذا العدد حكمة اختص هو بمعرفتها، فقال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ أي إن خزنة النار، وإن كانوا تسعة عشر، فلهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه. وهذا ردّ على المشركين الذين استقلوا ذلك العدد، ملخصه: افترضوا أن هؤلاء تسعة عشر، إلا أن لكل واحد من الأعوان والجنود ما لا يحصيهم إلا الله، فلا يعلم جنود الله إلا هو لفرط كثرتهم، ولا يعسر عليه تتميم الخزنة إلى عشرين وأزيد، ولكن له في هذا العدد حكمة اختص هو بمعرفتها. ﴿وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ أي وما سقر وصفتها، وما ذكر عدد خزنتها إلا تذكرة وموعظة للناس، ليعلموا كمال قدرة الله، وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار. ثم وجَّه الله تعالى تحذيراً لمن أنكر جهنم، فقال: ﴿ كَلَّا وَالْقَمَرِ وَالضُّيْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴿ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبِّ وَالَّلِ إِذْ أَذْبَرَ ٣٢ ٣٥ ﴾ أي أوجه تحذيراً رادعاً لكم أيها الناس، فلا سبيل نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لإنكار وجود النار في الآخرة، وأقسم بالقمر المتلألئ، وبالليل إذا مضى وولى ذاهباً، وبالصبح إذا ظهر وتبين وأضاء، إن سقر (جهنم) لإحدى الدواهي العظام والبلايا الكبار؛ لإنذار البشر وتخويفهم من عقاب الله على العصيان. ثم عيَّن الله تعالى المنذرين، فقال: ٢٥٤ الُرُ (٢٩) - المدثرِ: ٧٤ /٣١-٣٧ (*) أي إن جهنم إنذار لمن أراد أن ﴿لِمَنْ شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ يَنَقَدَّمَ أَوْ يَنَأَخَّرَ ( يتقدم إلى الخير والطاعة أو الجنة بالإيمان، أو يتأخر عن ذلك إلى الشر والمعصية أو النار بالكفر. ونظير الآية قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ [الحجر: ٢٤/١٥] أي المبادرين إلى الخير، ٢٤ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَشْخِينَ والمتأخرين عنه إلى الشر. قال ابن عباس: هذا تهديد وإعلام أن من تقدم إلى الطاعة والإيمان بمحمد وَلّ جوزي بثواب لا ينقطع، ومن تأخر عن الطاعة وكذب محمداً وَلخير عوقب عقاباً لا ينقطع(١). وقال الحسن البصري: هذا وعيد وتهديد، وإن خرج مخرج الخبر، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩/١٨](٢). فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يأتي: اً - إن خزنة جهنم وزبانيتها التسعة عشر هم من الملائكة الذين لا يُغالَبون، لا من الرجال الذين يمكن مقاومتهم بالتجمع عليهم. أَ - إن إيراد عدد التسعة عشر من الملائكة صار سبباً لفتنة الكفار، أي اختبارهم، قال الزمخشري: ما جعل افتتانهم بالعدة سبباً، وإنما العدة نفسها هي التي جعلت سبباً، وذلك أن المراد بقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر، فوضع فتنة للذين كفروا موضع تسعة عشر؛ لأن حال هذه العدّة الناقصة واحداً من عقد العشرين أن يفتتن (١) تفسير القرطبي: ٨٦/١٩ (٢) المرجع والمكان السابق. ٢٥٥ الزُعُ (٢٩) - المالشرِ: ٧٤ /٣١-٣٧ بها من لا يؤمن بالله وبحكمته ويعترض ويستهزئ، ولا يذعن إذعان المؤمن، وإن خفي عليه وجه الحكمة، كأنه قيل: ولقد جعلنا عدتهم عدةً، من شأنها أن يفتتن بها، لأجل استيقان المؤمنين، وحيرة الكافرين(١). ◌َّ - إن ذكر هذا العدد أدى إلى زيادة يقين الذين أعطوا التوراة والإنجيل بصحة نبوة محمد وَالر؛ لأن عدة خزنة جهنم موافقة لما عندهم، وأدى أيضاً إلى زيادة إيمان المؤمنين بذلك؛ لأنهم كلما صدّقوا بما في كتاب الله آمنوا، ثم ازدادوا إيماناً لتصديقهم بعدد خزنة جهنم، وإلى نفي الشك من الذين أعطوا الكتاب والمصدِّقين من أصحاب محمد رَ له في أن عِدّة خزنة جهنم تسعة عشر، وأدى أيضاً إلى أن الذين في صدورهم شك ونفاق من منافقي أهل المدينة الذين سيظهرون بعد الهجرة، والكافرين من اليهود والنصارى قالوا: ماذا أراد الله بعدد خزنة جهنم مثلاً غريباً؟ والقصد من هذا التساؤل الصادر منهم استبعاد أن يكون هذا من عند الله، وإنكار كونه من الله، والمعنى: أيّ شيء أراد الله بهذا العدد العجيب؟ : ٤ - قوله عز وجل: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيمَنَا﴾ دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، أي يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو رأي الأكثرين. وأما الذين يقولون بأن حقيقة الإيمان لا تقبل الزيادة والنقصان فيحملون الآية على ثمرات الإيمان وعلى آثاره ولوازمه. وأما نفي الارتياب عن أهل الكتاب والمؤمنين بعد إثبات الاستيقان وزيادة الإيمان لهم، فمن باب التوكيد، كأنه قيل: حصل لهم يقين جازم، بحيث لا يحصل بعده شك وريب، فإن الذي حصل له اليقين قد يغفل عن مقدّمة من مقدمات الدليل، فيعود له الشك. وفيه أيضاً تعریض بحال من عداهم، كأنه قيل: وليخالف حالهم حال المرتابين من أهل الزيغ والكفران. (١) الكشاف: ٢٨٨/٣ ٢٥٦ الجُزءُ (٢٩) - المصدر: ٧٤ /٣١-٣٧ ٥ - قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ لا يراد به - خلافاً لظاهره - أن الإضلال والهداية أمران مبتدآن من الله عز وجل، ولا أنه تعالى يجبر فريقاً على الضلالة، وفريقاً على الهدى، وإنما المراد به تقرير سنة من سنن الله سبحانه في عباده، وهي ربط الأسباب التي خلقها بالمسببات، فمن ضلَّ فإنما يضل بنفسه واختياره، ومن اهتدى فإنما يهتدي بنفسه وإرادته واختياره، ثم يزيد الله الضالين ضلالاً، فيبعدهم عن معالم الهداية، لسوء اختيارهم واستعدادهم وعنادهم، ويزيد المؤمنين إيماناً بتوفيقهم إلى سبل الهداية والرشاد، لحسن اختيارهم. ولا يقع شيء في الكون قهراً عن الله تعالى، وإنما بإرادته ومشيئته، وإن كان مخالفاً لمأموره ومحبوبه. أَ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّ هُوَ﴾ إشارة إلى أن ما عليه عدد الخزنة لا يعلم حكمته، ولا حكمة ما عليه كل جند من العدد إلى الأبد إلا الله سبحانه. وهو جواب لأبي جهل حين قال: أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر! أخرج الترمذي عن النبي وَّر: «أَطَّت(١) السماء، وحُقَّ لها أن تتط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملَك واضع جبهته لله ساجداً)) . لاً - ردع الله تعالى بقوله: ﴿كَلَا﴾ كل من ينكر وجود جهنم وصفتها، وأنها إحدى البلايا العظام والدواهي الكبار، وأنها إنذار دائم للبشر. ٨ - أقسم الله تعالى بالقمر والليل والصبح تشريفاً لها، وتنبيهاً على ما يظهر بها وفيها من عجائب الله وقدرته وقوام الوجود بإيجادها، والمقسم عليه: أن سقر (جهنم) إحدى الدواهي، وأنها نذير للبشر أو ذات إنذار، على معنى النَّسَب، قال الحسن البصري: والله ما أنذر الخلائق بشيء أدهى منها. (١) أي إن كثرة ما فيها من الملائكة قد ثقلها، حتى أطت؛ ظهر لها صوت وحنين، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة، وإن لم يكن ثُمَّ أطيط، وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها. ٢٥٧ الُرُ (٢٩) - المحدثرِ: ٧٤ / ٣٨-٥٦ ١ - النار نذير لمن شاء أن يتقدم إلى الخير والطاعة، أو يتأخر إلى الشر والمعصية. الحوار بين أصحاب اليمين وبين المجرمين ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِيَةُ. ٤٠ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ ٣٩ إِلَّ أَصْحَبَ أَلْيَمِينِ قَالُوْ لَ نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ ﴿ وَلَوْ نَكُ ـا مَا سَلَكَكُمْ فِ سَقَرَ بَّ ٤١ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ٤٦ وَكُنَا تُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ٤٥ وَكُتَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَابِضِينَ ٤٤ نُطِعِمُ الْمِسْكِينَ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ٤٨ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ حَّ أَقَنَنَا الْيَقِيْنُ ٤٠َ فَرَتْ مِن قَسْوَرَةِ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ ٤٩ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ آمْرِىءٍ مِنْهُمْ أَنْ ٥١ كَلَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ٥٣ كَلَّا بَل لَّا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ ٥٢ يُؤْنَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً وَمَا يَذْكُرُونَ إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ٥٦ القراءات: ﴿مُسْتَنِفِرَةٌ ﴾ : وقرأ نافع (مستنفَرَةٌ). ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ : وقرأ نافع (وما تَذْكُرون). الإعراب: ﴿فِ جَنَاتٍ﴾ حال من أصحاب اليمين. ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذِكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٥) ما: في كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ ٤٩ ٢٥٨ لُرُ (٢٩) - المقدرِ: ٧٤ / ٣٨-٥٦ موضع رفع مبتدأ، و﴿لَمْ﴾: خبره، و﴿مُعْرِضِينَ﴾: حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾ والعامل: ما في ﴿لَمْ﴾ من معنى الفعل. و﴿عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾، و﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾: في موضع الحال بعد حال، أي مشابهين حمراً مستنفرة، أي نافرة. البلاغة: (٤) إيجاز بحذف بعض مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ ٤٢ ﴿يَتَسَآءَلُونَ، عَنِ الْمُجْرِمِينَ ( الجمل، أي قائلين لهم: ما سلككم في سقر؟ لفهم المخاطبين. ﴿وَّكُنَا تُكَذِّبُ بِيَّوْمِ الْدِيْنِ خاص بعدعام، وهو الخوض بالباطل مع ٤٦٠ الخائفين، لتعظيم هذا الذنب. حَتَّ أَتَنْنَا اُلْيَقِيْنُ ٤٦ وَكُنَا تُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ٤٥ ﴿ وَكُنَّا نَخُوُصُ مَعَ الْخَيِضِينَ (@) إلخ، سجع مرضّع. تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةِ ٥٠ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ الشبه منتزع من متعدد. المفردات اللغوية: ﴿رَهِينَةُ﴾ مرتهنة عند الله بعملها، إما خلّصها وإما أوبقها، وليست رهينة تأنيث رهين، التأنيث النفس؛ لأنه لو قُصدت الصفة لقيل (رهين) لأن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هو اسم بمعنى الرهن، كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهين، والمعنى: كل نفس رهن بكسبها عند الله، غير مفكوك، ولا يرتهن الله تعالى أحداً من أهل الجنة. ﴿ اَضَبَ آلِينِ﴾ هم الذين أعطوا کتبهم بأيمانهم، فلا يرتهنون بذنوبهم، وقد فكوا رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم . ﴿جَنَّتٍ﴾ بساتين لا تدرك حقيقتها. ٢٥٩ الُرُ (٢٩) - المقدرِ: ٧٤ / ٣٨-٥٦ يَتَسَاءَ لُونَ﴾ يسأل بعضهم بعضاً، أو يسألون غيرهم عن حالهم. ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ أدخلكم. (سَفَرَ﴾ جهنم. ﴿نَخُوضُ مَعَ الْخَابِضِينَ﴾ نخالط أهل الباطل في باطلهم . ﴿بِيَّوْرِ الدِّينِ﴾ يوم البعث والجزاء. ﴿اَلْيَقِينُ﴾ الموت. ﴿اُلشَِّفِعِينَ﴾ من الملائكة والأنبياء والصالحين . ﴿مُعْرِضِينَ﴾ عن التذكير، والمعنى: أي شيء حصل لهم في إعراضهم عن الاتعاظ. فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةِ (جَ﴾ مثل الحمير الوحشية ﴿ كَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنِفِرَةٌ التي هربت من الأسد أشد الهرب، شبههم في إعراضهم ونفورهم عن استماع الذكر بحمر . ﴿صُحُفَا مُنَشَّرَةً﴾ أي قراطيس منشورة مبسوطة، تنشر وتقرأ، وذلك أنهم قالوا للنبي وَعليه: لن نتبعك حتى تأتي كُلّ منا بكتاب من السماء فيه: من الله إلى فلان: أن اتبع محمداً. ﴾ ردع لهم عن اقتراحهم الآيات. ﴿بَل لَّا يَخَافُونَ الْأَخِرَةَ﴾ فلذلك أعرضوا عن التذكرة، لا لامتناع إيتاء الصحف . ﴿كَلَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ردع لهم عن إعراضهم، فإن القرآن تذكرة كافية . ﴿فَمَن شَآءَ﴾ أن يذكره. ﴿ذَكَرَهُ﴾ قرأه، فاتعظ به. ﴿هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى﴾ حقيق بأن يتقى عقابه. ﴿وَأَهْلُ اٌلْمَغْفِرَةِ﴾ حقيق بأن يغفر لمن اتقاه. سبب النزول: نزول الآية (٥٢): ﴿بَلَ يُرِيدُ﴾: أخرج ابن المنذر عن السُّدِّي قال: قالوا: لئن كان محمد صادقاً، فليصبح تحت رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار، فنزلت: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ أَمْرِىءٍ مِنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا ◌ُنَشَّرَةً وفي رواية: أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد، لن نؤمن بك ١٫٠ ٢٦٠ الزُءُ (٢٩) - المنظرِ: ٧٤ / ٣٨-٥٦ حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء، عنوانه: من رب العالمين إلى فلان بن فلان، ونؤمر فيه باتباعك(١). المناسبة: بعد أن توعد الله الكفار والعصاة، وهددهم بأن النار إحدى الدواهي والبلايا العظام، وأنذرهم بأن النجاة مربوطة بالعمل الصالح، أكد المعنى المتقدم بأنه ليس لكل امرئ إلا جزاء عمله، وأخبر أن أصحاب اليمين ناجون، وأن المجرمين معذبون، ووصف الحوار الدائر بين الفريقين لمعرفة سبب دخول الفريق الثاني نار جهنم. التفسير والبيان: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةُ ﴿3﴾ أي كل نفس مأخوذة بعملها، مرتهنة به، معتقلة بما قدمته من عمل يوم القيامة، فإن كان خيراً خلّصها وأعتقها، وإن كان شراً أوبقها. أي باستثناء المؤمنين الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم، ٣٩ ﴿إِلَّ أَصْحَبَ الْيِينِ فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم، بل يطلق سراحهم بما أحسنوا من أعمالهم. ﴿فِى جَّتِ يَتَسََّلُونَ ﴿ عَنِ الْمُجْرِمِينَ جَ مَا سَلَكَكُمُ فِ سَقَّرَ ﴿4﴾ أي وهم في جنات يتنعمون، ويسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين، في النيران، قائلين لهم: ما الذي أدخلكم في جهنم؟ والمقصود من السؤال زيادة التوبيخ والتخجيل. فأجابوا بأن هذا العذاب لأمور أربعة: (١) التفسير الكبير للرازي: ٢١٢/٣٠، البحر المحيط: ٣٨١/٨